Полный текст (4 439 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَآئِكُمْ﴾ كان ابن مسعود يقرأ الرفث والرفوث جميعاً , وهو الجماع في قوله , وأصله فاحش القول , كما قال العجاج:
( ... ... ... ... ... ... ... ... . . ... عن اللغا ورفث الكلام)
فيكنى به عن الجماع , لأنه إذا ذُكِرَ في غير موضعه كان فحشاً. وفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ ثلاث تأويلات: أحدها: بمنزلة اللباس , لإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه , يستتر به كالثوب الملبوس , كما قال النابغة الجعدي:
(إذا ما الضجيج ثنى عطفها ... تثنت عليه فصارت لباساً)
والثاني: أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى ﴿وجعلنا الليل لباساً﴾ [النبأ: ١٠] أي سكناً , وهذا قول مجاهد وقتادة والسدي.
стр. 317
قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم , شيئان: أحدهما: إتيان النساء. الثاني: الأكل والشرب , وذلك أن الله تعالى أباح في أول الإسلام الأكل والشرب والجماع في ليل الصيام قبل نوم الإنسان , وحرّمه عليه بعد نومه , حتى جاء عمر بن الخطاب ذات ليلة من شهر رمضان , يريد امرأته , فقالت له: إني قد نمتُ , وظن أنها تعتل عليه , فوقع بها , وجاء أبو قيس ابن صرمة , وكان يعمل في أرض له , فأراد الأكل , فقالت له امرأته: نسخّر لك شيئاً , فغلبته عيناه , ثم أحضرت إليه الطعام , فلم يأكل منه فلما أصبح لاقى جهداً. وأخبر عمر وأبو قيس رسول الله ﷺ بما كان منهما , فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: العفو عن ذنوبهم. والثاني: العفو عن تحريم ذلك بعد النوم. ثم قال تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يريد به الجماع , لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة , وكان ذلك منه بياناً لما كان في جماع عمر. وفي قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: طلب الولد , وهو قول مجاهد , وعكرمة , والسدي. والثاني: ليلة القدْر , وهو قول ابن عباس , وكان يقرأ ﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. والثالث: ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه , وهذا قول قتادة. ثم قال تعالى فيما كان من شأن أبي قيس بن صرمة: ﴿وَكُلُواْ واشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
стр. 318
لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ اختلف في المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود , على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما رواه سهل بن سعد قال: لما نزلت ﴿فَكُلُواْ واشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ , فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود , فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما , فأنزل الله تعالى بعدُ ﴿مِنَ الْفَجْرْ﴾ , فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. والقول الثاني: أنه يريد بالخيط الأبيض ضوء النهار , وهو الفجر الثاني , وبالخيط الأسود سواد الليل قبل الفجر الثاني. وروى الشعبي عن عدي بن حاتم: أنه عند إلى خيطين أبيض وأسود , وجعلهما تحت وسادته , فكان يراعيهما في صومه , ثم أخبر رسول الله ﷺ فقال: (إنَّكَ لَعَرِيضُ الْوِسَادِةِ , إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيلِ). وسُمِّيَ خيطاً , لأن أول ما يبدو من البياض ممتد كالخيط , قال الشاعر:
(الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الأسْودُ لون الليل مكتومُ)
والخيط في كلامهم عبارة عن اللون. والثالث: ما حكي عن حذيفة بن اليمان أن الخيط الأبيض ضوء الشمس , ورويَ نحوُهُ عن عليّ وابن مسعود. وقد روى زَرٌ بن حبيش عن حذيفة قال: كان النبي ﷺ يتسحر وأنا أرى مواقع النبل , قال: قلت بعد الصبح؟ قال: هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس , وهذا قول قد انعقد الإجماع على خلافه , وقد روى سوادة بن حنظلة عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا يَمْنَعَنَّكُم مِنْ سُحُورِكُم أذانُ بِلالٍ وَلَا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ وَلَكِن الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ). وروى الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان
стр. 319
قال: قال النبي ﷺ : (الفَجْرُ فَجْرَانِ , فَالَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السرحانِ لَا يُحرِّمُ شَيْئاً , وَأَمَّا الْمُسْتَطِيرُ الّذِي يَأْخُذُ الأُفُقَ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ). فأما الفجر , فإنه مصدر من قولهم فَجَرَ الماءُ يَفْجُرُ فَجْراً , إذا جرى وانبعث , فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: (فجر) لانبعاث ضوئه , فيكون زمان الصوم المجمع على تحريم الطعام والشراب فيه وإباحته فيما سواه: ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس. روى عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (أَعْظَمُ الصَّائِمينَ أَجْراً أَقْرَبُهُم منَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِفْطَاراً). ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ يعني به غروب الشمس. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنََّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ تأويلان: أحدهما: عني بالمباشرة الجماع , وهو قول الأكثرين.
стр. 320
والثاني: ما دون الجماع من اللمس والقبلة , قاله ابن زيد ومالك. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي ما حرم , وفي تسميتها حدود الله وجهان: أحدهما: لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان. والثاني: لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود. وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُءَيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني بآياته علامات متعبداته. والثاني: أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام.
стр. 321
﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: بالغصب والظلم. والثاني: بالقمار والملاهي. ﴿وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ﴾ مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته. ويحتمل وجهاً ثانياً معناه: وتقيموا الحجة بها عند الحاكم , من قولهم: قد أدلى بحجته إذا قام بها. وفي هذا المال قولان: أحدهما: أنه الودائع وما لا تقوم به بينة من سائر الأموال التي إذا جحدها , حكم بجحوده فيها. والثاني: أنها أموال اليتامى التي هو مؤتمي عليها. ﴿لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِاْلإِثْمِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لتأكلوا بعض أموال الناس بالإثم , فعبر عن البعض بالفريق. والثاني: على التقديم والتأخير , وتقديره: لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم.
стр. 322
وفي (أكله) ثلاثة أوجه: أحدها: بالجحود. والثاني: بشهادة الزور. والثالث: برشوة الحكام. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وأنتم تعلمون أنها للناس. والثاني: وأنتم تعلمون أنها إثم. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في امرئ القيس الكندي , وعبدان بن ربيعة الحضرمي , وقد اختصما في أرض كان عبدان فيها ظالماً وامرؤ القيس مظلوماً , فأراد أن يحلف , فنزلت هذه الآية , فكفّ عن اليمين.
стр. 323
﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَيِ الأَهِلَّةِ﴾ سبب نزولها , أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غَنَمة , وهما من الأنصار , سألا النبي ﷺ عن زيادة الأهلة ونشأتها , فنزلت هذه الآية , وأُخِذَ اسم الهلال من استهلال الناس برفع أصواتهم عند رؤيته , والمواقيت: مقادير الأوقات لديونهم وحجهم , ويريد بالأهلة وشهورها , وقد يعبّر عن الهلال بالشهر لحوله فيه , قال الشاعر:
(أخوان من نجدٍ على ثقةٍ ... والشهرُ مثلُ قلامةِ الظُّفرِ)
(حتى تكامل في استدارته ... في أربع زادت على عشر)
ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِّرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أن سبب نزول ذلك , ما روى داود عن قيس بن جبير: أن
стр. 324
الناس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه , فدخل رسول الله ﷺ داراً , وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن أيوب , فجاء فتسور الحائط على رسول الله , فلما خرج من باب الدار خرج رفاعة , فقال رسول الله: (مَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُكَ خَرَجْتَ مِنْهُ فَخَرَجْتُ مِنْهُ , فَقَالَ رَسُولُ اللهٍ ﷺ : إنّي رَجُلٌ أَحْمَسُ فَقَالَ: إِنْ تَكُنْ أَحْمَسَ فَدِيْنُنَا وَاحِدٌ) فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرُّ﴾ الآية , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , وعطاء , وقوله: أحمس يعني من قريش , كانوا يُسَمَّونَ (الحُمْسَ) لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا , والحَمَاسَةُ الشدة , قال العجاج:
٨٩ (وكمْ قَطَعْنا مِنْ قِفافٍ حُمْسِ﴾ ٩
أي شداد. والقول الثاني: عنى بالبيوت النساء , سُمِّيَتْ بيوتاً للإيواء إليهن , كالإيواء إلى البيوت , ومعناه: لا تأتوا النساء من حيث لا يحل من ظهورهن , وأتوهن من حيث يحل من قُبُلهن , قاله ابن زيد. والثالث: أنه في النسيء وتأخير الحج به , حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج , والشهر الحرام حلالاً بتأخير الحج عنه , ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره , والمخالفة إتيان الأمر من خلفه , والخلف والظهر في كلام العرب واحد , حكاه ابن بحر. والرابع: أن الرجل كان إذا خرج لحاجته , فعاد ولم ينجح لم يدخل من بابه , ودخل من ورائه , تطيراً من الخيبة , فأمرهم الله أن يأتوا بيوتهم من أبوابها. والخامس: معناه ليس البر أن تطلبوا الخير من غير أهله , وتأتوه من غير بابه , وهذا قول أبي عبيدة.
стр. 325
والقول السادس: أنه مثلٌ ضَربه الله لهم , بأن يأتوا البر من وجهه , ولا يأتوه من غير وجهه.
стр. 326
﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين , أُمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين , والكف عمن كف عنهم , ثم نُسِخَتْ بسورة براءة , وهذا قول الربيع , وابن زيد. والثاني: أنها ثابتة في الحكم , أُمِرَ فيها بقتال المشركين كافة , والاعتداء الذي نهوا عنه: قتل النساء والولدان , وهذا قول ابن عباس , وعمر بن عبد العزيز , ومجاهد. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الاعتداء قتال من لم يقاتل. والثاني: أنه قتل النساء والولدان. والثالث: أنه القتال على غير الدِّين. قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني حيث ظفرتم بهم , ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ يعني من مكة. ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يعني بالفتنة الكفر في قول الجميع , وإنما سمي الكفر فتنة , لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة.
стр. 327
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن ذلك منسوخ لأن الله تعالى قد نَهَى عن قتال أهل الحرم إلا أن يبدؤا بالقتال , ثم نُسِخَ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ , وهذا قول قتادة. والقول الثاني: أنها محكمة وأنه لا يجوز أن نبدأ بقتال أهل الحرم إلا أن يبدأوا بالقتال , وهذا قول مجاهد.
стр. 328
﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾ قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن رسول الله ﷺ , كان قد أحرم بالعمرة في ذي القعدة سنة ست , فصدّه المشركون عن البيت , فصالحهم على أن يقضي في عامه الآخر , فحل ورجع , ثم اعتمر قاضياً في ذي القعدة سنة سبع , وأحلّت له قريش مكة حتى قضى عمرته. فنزل قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يعني ذا القعدة الذي قضى فيه العمرة من عامه وهو من الأشهر الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه , وهو ذو القعدة في العام الماضي , سمي ذو القعدة لقعود العرب فيه عن القتال لحرمته. ثم قال تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ لأن قريشاً فخرت على رسول الله ﷺ حين صدّته , فاقتص الله له , وهذا قول قتادة والربيع بن زيد. والقول الثاني: أن سبب نزولها أن مشركي العرب , قالوا للنبي ﷺ : أَنُهِيتَ يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال نعم , فأرادوا أن يقاتلوه في الشهر الحرام , فأنزل الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام , فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم , وهذا قول الحسن البصري.
стр. 329
﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني الجهاد. ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ﴾ وفي الباء قولان: أحدهما: أنها زائدة , وتقديره ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة. والقول الثاني: أنها غير زائدة أي ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة , والتهلكة والهلاك واحد. وفي: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ﴾ ستة تأويلات: أحدها: أن تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى , فتهلكوا بالإثم , وهذا قول بن عباس , وحذيفة. والثاني: أي لا تخرجوا بغير زاد , فتهلكوا بالضعف , وهذا قول زيد ابن أسلم.
стр. 330
والثالث: أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي , فلا تتوبوا , وهذا قول البراء بن عازب. والرابع: أن تتركوا الجهاد في سبيل الله , فتهلكوا , وهذا قول أبي أيوب الأنصاري. والخامس: أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو , وهذا قول أبي القاسم البلخي. والسادس: أنه عام محمول على جميع ذلك كله , وهو قول أبي جعفر الطبري. ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه عنى به الإحسان في آداء الفرائض , وهو قول بعض الصحابة. والثاني: وأحسنوا الظن بالقَدَرِ , وهو قول عكرمة. والثالث: عُودُوا بالإحسان على مَنْ ليس بيده شيء , وهذا قول زيد بن أسلم.
стр. 331
﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ وقرأ ابن مسعود فيما رواه عنه علقمة: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِالْبَيتِ﴾ واختلفوا في تأويل إتمامها على خمسة أقاويل: أحدها: يعني وأتموا الحج لمناسكه وسننه , وأتموا العمرة بحدودها وسنتها , وهذا قول مجاهد , وعلقمة بن قيس. والثاني: أن إتمامهما أَنْ تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهلك , وهذا قول علي , وطاوس , وسعيد بن جبير. والثالث: أن إتمام العمرة , أن نخدم بها في غير الأشهر الحرم , وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه , حتى لا يلزم دم لجبران نقصان , وهذا قول قتادة. والرابع: أن تخرج من دُوَيْرَةِ أهلك , لأجلهما , لا تريد غيرهما من تجارة , ولا مكسب , وهذا قول سفيان الثوري. والخامس: أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما , وهذا قول الشعبي , وأبي بردة , وابن زيد , ومسروق. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في هذا الإحصار قولان: أحدهما: أنه كل حابس من عدوّ , أو مرض , أو عذر , وهو قول مجاهد , وقتادة , وعطاء , وأبي حنيفة.
стр. 332
والثاني: أنه الإحصار بالعدوّ , دون المرض , وهو قول ابن عباس , وابن عمر , وأنس بن مالك , والشافعي. وفي ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قولان: أحدهما: شاةُ , وهو قول ابن عباس , والحسن , والسدي , وعلقمة , وعطاء , وأكثر الفقهاء. والثاني: بدنة , وهو قول عمر , وعائشة , ومجاهد , وطاوس , وعروة , وجعلوه فيما استيسر من صغار البُدْن وكبارها. وفي اشتقاق الهدي قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الهدية. والثاني: مأخوذ من قولهم هديتُه هَدْياً , إذا سقته إلى طريق سبيل الرشاد. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُم حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وفي محل هدي المحصر , ثلاثة أقاويل: أحدها: حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم , وهذا قول ابن عمر , والمِسْوَر بن مخرمة , وهارون بن الحكم , وبه قال الشافعي. والقول الثاني: أنه الحَرَم , وهو قول عليّ , وابن مسعود ومجاهد , وبه قال أبو حنيفة. والقول الثالث: أن مَحِلّهُ أن يتحلل من إحرامه بادئاً نسكه , والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره , وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله ﷺ , فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإحلال منه , وهذا مروي عن ابن عباس , وعائشة , وبه قال مالك. ثم قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ معناه: فحلَقَ , فعليه ذلك.
стр. 333
أما الصيام ففيه قولان: أحدهما: صيام ثلاثة أيام , وهذا قول مجاهد , وعلقمة , وإبراهيم , والربيع , وبه قال الشافعي. والقول الثاني: صيام عشرة أيام كصيام المتمتع , وهو قول الحسن وعكرمة. وأما الصدقة ففيها قولان: أحدهما: ستة مساكين , وهو قول من أوجب صيام ثلاثة أيام. والقول الثاني: إطعام عشرة مساكين , وهو قول من أوجب صيام عشرة أيام. وأما النسك فشاة. ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: من خوفكم. والثاني: من مرضكم. ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ اختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المُحْصَرُ بالحج , إذا حَلَّ منه بالإحصار , ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله , فإذا قضى حجَّه في العام الثاني , صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين , وهذا قول الزبير. والثاني: فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة , فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ , وهذا قول السدي. والثالث: فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج , ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ , وهذا قول ابن عباس , وابن عمر , ومجاهد , وعطاء , والشافعي. وفي ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ما ذكرناه من القولين. ثم قال تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّمٍ فِي الْحَجِّ﴾ اختلفوا في زمانها من الحج على قولين:
стр. 334
أحدهما: بعد إحرامه وقبل يوم النحر , وهذا قول علي , وابن عباس , والحسن , ومجاهد , وقتادة , وطاوس , والسدي , وسعيد بن جبير , وعطاء , والشافعي في الجديد. والثاني: أنها أيام التشريق , وهذا قول عائشة , وعروة , وابن عُمر في رواية سالم عنه , والشافعي في القديم. واختلفوا في جواز تقديمها قبل الإحرام بالحج على قولين: أحدهما: لا يجوز , وهذا قول ابن عمر , وابن عباس. والثاني: يجوز. واختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين: أحدهما: عشر ذي الحجة , ولا يجوز قبلها , وهو قول مجاهد , وعطاء. والثاني: في أشهر الحج , ولا يجوز قبلها , وهو قول طاوس. ثم قال تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وفي زمانها قولان: أحدهما: إذا رجعتم من حجكم في طريقكم , وهو قول مجاهد. والثاني: إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم , وهو قول عطاء , وقتادة , وسعيد بن جبير , والربيع. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى , وهو قول الحسن. والثاني: عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع. والثالث: أنه خارج مخرج الخبر , ومعناه معنى الأمر , أي تلك عشرة , فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها. والرابع: تأكيد في الكلام , وهو قول ابن عباس.
стр. 335
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وفي حاضريه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل الحرم , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , وقتادة , وطاوس.
стр. 336
والثاني: أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت , وهو قول مكحول , وعطاء. والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه , كأهل عرفة , والرجيع , وهو قول الزهري , ومالك. والرابع: أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة , وهو قول الشافعي.
стр. 337
﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُوماتٌ﴾ اختلفوا في تأويله على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شوال , وذو القعدة , وذو الحجة بأسرها , وهذا قول قتادة , وطاوس , ومجاهد , عن ابن عمر وهو مذهب مالك. والثاني: هو شوال , وذو القعدة , وعشرة أيام من ذي الحجة , وهذا قول أبي حنيفة. والثالث: هن شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة , إلى طلوع الفجر من يوم النحر , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , والشعبي , والسدي , ونافع , عن ابن عمر , وعطاء , والضحاك , والشافعي. ثم قال تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الإهلال بالتلبية , وهو قول عمر ومجاهد وطاوس. والثاني: أنه الإحرام , وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعطاء , والشافعي. ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الجماع , وهو قول ابن عمر , والحسن , ومجاهد , وسعيد بن جبير , وعكرمة , وقتادة , والزهري. والثاني: أنه الجماع أو التعرض له بمُوَاعَدَةٍ أو مُدَاعَبَةٍ , وهو قول الحسن البصري. والثالث: أنه الإفْحَاشُ للمرأة في الكرم , كقولك إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية , وهو قول ابن عباس , وطاوس. ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه فِعْلُ ما نُهِيَ عنه في الإحرام , من قتل صيد , وحلق شَعْر , وتقليم ظفر , وهو قول عبد الله بن عمر. والثاني: أنه السباب , وهو قول عطاء , والسدي. والثالث: أنه الذبح للأصنام , وهو قول عبد الرحمن بن زيد. والرابع: التنابز بالألقاب , وهو قول الضحاك. والخامس: أنه المعاصي كلها , وهو قول ابن عباس , والحسن , ومجاهد , وطاووس. ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: هو أن يجادل الرجل صاحبه , يعني يعصيه , وهذا قول ابن عباس ومجاهد. الثاني: هو السباب , وهو قول ابن عمر وقتادة. والثالث: أنه المِرَاءُ والاختلاف فِيمَنْ هو أَبَرُّهُم حَجّاً , وهذا قول محمد بن كعب. والرابع: أنه اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم , وهذا قول القاسم بن محمد.
стр. 338
والخامس: أنه اختلافهم في مواقف الحج , أيهم المصيب موقف إبراهيم , وهذا قول ابن زيد. والسادس: أن معناه ألاّ جدال في وقته لاستقراره , وإبطال الشهر الذي كانوا ينسؤونه في كل عام , فربما حجوا في ذي القعدة , وربما حجوا في صفر , وهذا قول أبي جعفر الطبري. وفي قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ تأويلان: أحدهما: تزوّدوا بالأعمال الصالحة , فإن خير الزاد التقوى. والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل اليمن , كانوا يحجون ولا يتزودون , ويقولون: نحن المتوكلون , فنزلت فيهم: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ , يعني من الطعام.
стр. 339
﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِكُمْ﴾ روى ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجرين للناس في الجاهلية , فلما جاء الإسلام تركوا ذلك , حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِكُمْ﴾ وكان ابن الزبير يقرأ ﴿فِي مَواقِيتِ الْحَجِّ﴾. ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه فإذا رجعتم من حيث بَدَأْتُم. والثاني: أن الإفاضة: الدفع عن اجتماع , كفيض الإناء عن امتلاء. والثالث: أن الإفاضة الإسراع من مكان إلى مكان. وفي ﴿عَرَفَاتٍ﴾ قولان: أحدهما: أنها (جمع) عرفة. والثاني: أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع. وهذا قول الزجاج.
стр. 340
واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل: أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة. والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية , لما تقدم له في الصفة. والثالث: أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم. والرابع: أنه سُمِّيَ بذلك لعلو الناس فيه , والعرب تسمي ما علا (عرفة) و (عرفات) , ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه. ﴿فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ والمَشْعَرُ المَعْلَمُ , سُمِّيَ بذلك , لأن الدعاء عنده , والمقام فيه من معالم الحج , وحد المشعر ما بين منى ومزدلفة مِنْ حَد مفضي مَأزمَي عرفة إلى محسر , وليس مأزماً عرفة من المشعر.
стр. 341
﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها نزلت في قريش , وكانوا يسمون الحمس , لا يخرجون من الحرم في حجهم , ويقفون مزدلفة , ويقولون نحن من أهل الله , فلا نخرج من حرم الله , وكان سائر العرب يقفون بعرفات , وهي موقف إبراهيم ﵇ , فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يعني جميع العرب , وهذا قول عائشة , وعروة , ومجاهد , وقتادة. والقول الثاني: أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم , أن يفيضوا من حيث أفاض الناس , يعني بالناس إبراهيم , وقد يعبر عن الواحد باسم الناس , قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣] وكان القائل واحداً , وهو نعيم بن مسعود الأشجعي , وهذا قول الضحاك. وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تأويلان: أحدهما: استغفروه من ذنوبكم. والثاني: استغفروه مما كان من مخالفتكم في الوقت والإفاضة.
стр. 342
﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ قوله تعالى: ﴿فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ أما المناسك , فهي المتعبدات , وفيها ها هنا تأويلان: أحدهما: أنها الذبائح , وهذا قول مجاهد. والثاني: ما أمروا بفعله في الحج , وهذا قول الحسن البصري. وفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُواْ اللهَ﴾ تأويلان: أحدهما: أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى. والثاني: أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها. وفي قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ ثلاثة تأويلات:
стр. 343
أحدها: أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم , فأنزل الله تعالى ذكره ﴿فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ , وهذا قول مجاهد , وقتادة. والثاني: أن معناه , فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء , إذا قالوا: أبَهْ أُمَّه , وهذا قول عطاء , والضحاك. والثالث: أنهم كانوا يدعون , فيقول الواحد منهم: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة , عظيم القبّة , كثير المال , فاعطني مثل ما أعطيته , فلا يذكر غير أبيه , فأُمِرُوا بذكر الله , كذكرهم آباءهم , أو أشد ذكراً , وهو قول السدي. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ فيها أربعة تأويلات: أحدها: أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة , وهو قول قتادة. والثاني: أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة , وهو قول أكثر أهل العلم. والثالث: أن الحسنة في الدنيا العلمُ , والعبادة , وفي الآخرة الجنة , وهو قول الحسن , والثوري. والرابع: أن الحسنة في الدنيا المال , وفي الآخرة الجنة , وهو قول ابن زيد , والسدي.
стр. 344
﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ هي أيام منى قول جميع المفسرين , وإن خالف بعض الفقهاء في أن أشرك بين بعضها وبين الأيام المعلومات. ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ يعني تعجل النفْر الأول في اليوم الثاني من أيام منى. ﴿وَمَن تَأَخَّرَ﴾ يعني إلى النفْر الثاني , وهو الثالث من أيام منى. ﴿فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وفي الإثم ها هنا , خمسة تأويلات: أحدها: أن من تعجل فلا إثم عليه في تعجله , ومن تأخر فلا إثم عليه في تأخره , وهذا قول عطاء.
стр. 345
والثاني: أن من تعجل في يومين , فمغفور له , لا إثم عليه , ومن تأخر فمغفور له , لا إثم عليه , وهذا قول ابن مسعود. والثالث: فلا إثم عليه , إن اتّقى فيما بقي من عمره , وهذا قول أبي العالية , والسدي. والرابع: فلا إثم عليه , إن اتقى في قتل الصيد في اليوم الثالث , حتى يحلّوا أيام التشريق , وهذا قول ابن عباس. والخامس: فلا إثم عليه , إن اتقى إصابة ما نُهِي عنه , فيغفر له ما سلف من ذنبه , وهذا قول قتادة. فأما المراد بذكر الله تعالى في الأيام المعدودات , فهو التكبير فيها عقب الصلوات المفروضات , وَاخْتُلِفَ فيه على أربعة مذاهب: أحدها: أنه تكبير من بعد صلاة الصبح , يوم عرفة , إلى بعد صلاة العصر , من آخر أيام التشريق , وهذا قول علي ﵁ , وبه قال من الفقهاء أبو يوسف , ومحمد. والثاني: أنه تكبير من صلاة الفجر , من يوم عرفة , إلى صلاة العصر , من يوم النحر , وهذا قول ابن مسعود , وبه قال من الفقهاء أو حنيفة. والثالث: أنه يكبر من بعد صلاة الظهر , من يوم النحر , إلى بعد صلاة العصر , من آخر أيام التشريق , وهذا قول زيد بن ثابت. والرابع: أنه يكبر من بعد صلاة الظهر , من يوم النحر , إلى آخر صلاة الصبح , من آخر التشريق , وهذا قول عبد الله بن عباس , وعبد الله بن عمر , وبه قال من الفقهاء الشافعي.
стр. 346
﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة
стр. 347
بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد﴾ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةٍ الدُّنْيَا﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني من الجميل والخير. والثاني: من حب رسول الله ﷺ , والرغبة في دينه. ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يقول: اللهم اشهد عليّ فيه , وضميره بخلافه. والثاني: معناه: وفي قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه. والثالث: معناه: ويستشهد الله على صحة ما في قلبه , ويعلم أنه بخلافه. وهي في قراءة ابن مسعود ﴿وَيَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ والألد من الرجال الشديد الخصومة , وفي الخصام قولان: أحدهما: أنه مصدر , وهو قول الخليل. والثاني: أنه جمع خصيم , وهو قول الزجاج. وفي تأويل: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ هنا أربعة أوجه: أحدها: أنه ذو جدال , وهو قول ابن عباس. والثاني: يعني أنه غير مستقيم الخصومة , لكنه معوجها , وهذا قول مجاهد , والسدي. والثالث: يعني أنه كاذب , في قول الحسن البصري. والرابع: أنه شديد القسوة في معصية الله , وهو قول قتادة. وقد روى ابن أبي مليكة , عن عائشة , أن النبي ﷺ قال: (أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الخَصَمُ).
стр. 348
وفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان: أحدهما: أنه صفة للمنافق , وهذا قول ابن عباس , والحسن. والثاني: أنها نزلت في الأخنس بن شريق , وهو قول السدي. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ﴾ في قوله تولى تأويلان: أحدهما: يعني غضب , حكاه النقاش. والثاني: انصرف , وهو ظاهر قول الحسن. وفي قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ تأويلان: أحدهما: يفسد فيها بالصد. والثاني: بالكفر. ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: بالسبي والقتل. والثاني: بالضلال الذي يؤول إلى السبي والقتل. ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ معناه لا يحب أهل الفساد. وقال بعضهم لا يمدح الفساد , ولا يثني عليه , وقيل أنه لا يحب كونه ديناً وشرعاً , ويحتمل: لا يحب العمل بالفساد. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه دعته العزة إلى فعل الإثم. والثاني: معناه إذا قيل له اتق الله , عزت نفسه أن يقبلها , للإثم الذي منعه منها. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ يشري نفسه أي يبيع , كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي باعوه , قال
стр. 349
الحسن البصري: العمل الذي باع به نفسه الجهاد في سبيل الله. واخْتُلِفَ فيمن نزلت فيه هذه الآية , على قولين: أحدهما: نزلت في رجل , أمر بمعروف ونهى عن منكر , وقتل , وهذا قول علي , وعمر , وابن عباس. والثاني: أنها نزلت في صُهيب بن سنان اشترى نفسه من المشركين بماله كله , ولحق بالمسلمين , وهذا قول عكرمة.
стр. 350
﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السلْمِ كَآفَّةً﴾ قرأ ابن كثير , ونافع , والكسائي بفتح السين , والباقون بكسرها , واختلف أهل اللغة في الفتح والكسر , على وجهين: أحدهما: أنهما لغتان تستعمل كل واحدة منهما في موضع الأخرى. والثاني: معناهما مختلف , والفرق بينهما أن السِّلم بالكسر الإسلام , والسَّلم بالفتح المسالمة , من قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وفي المراد بالدخول في السلم , تأويلان: أحدهما: الدخول في الإسلام , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , والضحاك. والثاني: معناه ادخلوا في الطاعة , وهو قول الربيع , وقتادة. وفي قوله: ﴿كَافَّةً﴾ تأويلان: أحدهما: عائد إلى الذين آمنوا , أن يدخلوا جميعاً في السلم. والثاني: عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ يعني آثاره.
стр. 351
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: مبين لنفسه. والآخر: مبين بعدوانه. واختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين: أحدهما: بامتناعه من السجود لآدم. والثاني: بقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]. واختلفوا فيمن أمر بالدخول في السلم كافة , على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المأمور بها المسلمون , والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها , وهو قول مجاهد , وقتادة. والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب , آمنوا بمن سلف من الأنبياء , فأُمِروا بالدخول في الإسلام , وهو قول ابن عباس , والضحاك. والثالث: أنها نزلت في ثعلبة , وعبد الله بن سلام , وابن يامين , وأسد , وأسيد ابني كعب , وسعيد بن عمرو , وقيس بن زيد , كلهم من يهود قالوا لرسول الله ﷺ : يوم السبت كنا نعظمه ونَسْبِتُ فيه , وإن التوراة كتاب الله تعالى , فدعنا فلنصم نهارنا بالليل , فنزلت هذه الآية , وهو قول عكرمة. قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه عصيتم. والثاني: معناه كفرتم. والثالث: إن ضللتم وهذا قول السدي. ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنها حجج الله ودلائله.
стр. 352
والثاني: محمد , وهو قول السدي. والثالث: القرآن , وهو قول ابن جريج. والرابع: الإسلام. ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يعني عزيز في نفسه , حكيم في فعله.
стр. 353
﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالمَلَائِكَةُ﴾ , قرأ قتادة ﴿فِي ظِلَالٍ الغَمَامِ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أن معناه إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام , وبالملائكة. والثاني: إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام.
стр. 354
﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَآءِيل كَمْءَاتَيْنَاهُم منْءَايَةِ بَيِّنَةٍ﴾ ليس السؤال على وجه الاستخبار , ولكنه على وجه التوبيخ. وفي المراد بسؤاله بني إسرائيل , ثلاثة أقاويل: أحدها: أنبياؤهم. والثاني: علماؤهم. والثالث: جميعهم. والآيات البينات: فَلْقُ البحر , والظلل من الغمام , وغير ذلك.
стр. 355
﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ﴾ يعني بنعمة الله برسوله ﷺ . قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ في الدنيا وتزيينها لهم , ثلاثة أقاويل: أحدها: زينها لهم الشيطان , وهو قول الحسن. والثاني: زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن , وهو قول بعض المتكلمين. والثالث: أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ﴾ لأنهم توهموا أنهم على حق , فهذه سخريتهم بضعفة المسلمين. وفي الذي يفعل ذلك قولان: أحدهما: أنهم علماء اليهود. والثاني: مشركو العرب. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني أنهم فوق الكفار في الدنيا. ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فإن قيل: كيف يرزق من يشاء بغير حساب وقد قال تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَاباً﴾ [النبأ: ٣٦] ففي هذا ستة أجوبة: أحدها: أن النقصان بغير حساب , والجزاء بالحساب. والثاني: بغير حساب لسعة ملكه الذي لا يفنى بالعطاء , لا يقدر بالحساب. والثالث: إن كفايتهم بغير حساب ولا تضييق. والرابع: دائم لا يتناهى فيصير محسوباً , وهذا قول الحسن. والخامس: أن الرزق في الدنيا بغير حساب , لأنه يعم به المؤمن والكافر فلا يرزق المؤمن على قدر إيمانه ولا الكافر على قدر كفره. والسادس: أنه يرزق المؤمنين في الآخرة وأنه لا يحاسبهم عليه ولا يَمُنُ عليهم به.
следующие страницы →