Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
الثالث: زيادته , ويكون معنى الكلام أنه رأى ذلك على حقه وصدقه من غير نقصان عجز عن إدراكه , ولا زيادة توهمها في تخليه , قاله ابن بحر. ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما غشي السدرة من فراش الذهب , قاله ابن مسعود. الثاني: أنه قد رأى جبريل وقد سد الأفق بأجنحته , قاله ابن مسعود أيضاً. الثالث: ما رأه حين نامت عيناه ونظر بفؤاده , قاله الضحاك.
стр. 3747
﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ ﴿أَفَرَءيْتُمُ اللَاّت وَالْعُزَّى﴾ أما اللات فقد كان الأعمش يشددها , وسائر القراء على تخفيفها , فمن خففها فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه كان صنماً بالطائف زعموا أن صاحبه كان يلت عليه السويق لأصحابه، قاله السدي. الثاني: أنه صخرة يلت عليها السويق بين مكة والطائف، قاله عكرمة. وأما من شددها فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه كان رجلاً يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن معبوده، ثم مات فقلبوه على قبره، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: أنه كان رجلاً يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق بالطائف قاله
стр. 3748
السدي، وقيل إنه عامر بن ظرب العدواني ثم اتخذوا قبره وثناً معبوداً، قال الشاعر:
(لا تنصروا اللات إن الله مهلكها ... وكيف ينصركم من ليس ينتصر.)
وأما ﴿الْعُزَّى﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه صنم كانوا يعبدونه، قاله الجمهور. الثاني: أنها شجرة كان يعلق عليها ألوان العهن تعبدها سليم، وغطفان، وجشم، قال مقاتل: وهي سمرة، قاله الكلبي: هي التي بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حتى قطعها، وقال أبو صالح: بل كانت نخلة يعلق عليها الستور والعهن. وقيل في اللات والعزى قول ثالث: أنهما كانا بيتين يعبدهما المشركون في الجاهلية، فاللات بيت كان بنخلة يعبده كفار قريش، والعزى بيت كان بالطائف يعبده أهل مكة والطائف. ﴿وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الأَخْرَى﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه كان صنماً بقديد بين مكة والمدينة، قاله أبو صالح. الثاني: أنه بيت كان بالمسلك يعبده بنو كعب. الثالث: أنها أصنام من حجارة كانت في الكعبة يعبدونها. الرابع: أنه وثن كانوا يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه، وبذلك سميت منى لكثرة ما يراق بها من الدماء. وإنما قال: مناة الثالثة الأخرى , لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات والعزى، وروى سعيد بن جبير وأبو العالية الرياحي أنه لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿أَفََرأَيْتُمُ اللَاّتَ وَالْعُزَّى﴾ الآية. ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم ترتجى، وفي رواية أبي العالية: وشفاعتهم ترتضى ومثلهم لا ينسى , ففرح المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فنزل جبريل فقال: أعرض
стр. 3749
عليّ ما جئتك به فعرض عليه , فقال: لم آتك أنا بهذا وهذا من الشيطان، فأنزل الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُوْلٍ وَلَا نَبِّيٍ إلَاّ إذا تََمَنَّى ألْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ حيث جعلوا الملائكة بنات الله. ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: قسمة عوجاء , قاله مجاهد. الثاني: قسمة جائرة , قاله قتادة. الثالث: قسمة منقوصة , قاله سفيان وأكثر أهل اللغة , قال الشاعر:
(فإن تنأى عنا ننتقصك وإن تقم ... فقسمك مضئوز وأنفك راغم)
ومعنى مضئوز أي منقوص. الرابع: قسمة مخالفة , قاله ابن زيد. ﴿أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ فيه وجهان: أحدهما: من البنين أن يكونوا له دون البنات. الثاني: من النبوة أن تكون فيه دون غيره. ﴿فَلِلَّهِ الأخِرَةُ وَالأُولَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني أنه أقدر من خلقه , فلو جاز أن يكون له ولد - كما نسبه إليه المشركون حين جعلوا له البنات دون البنين وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - لكان بالبنين أحق منهم. الثاني: أنه لا يعطي النبوة من تمناها , وإنما يعطيها من اختاره لها لأنه مالك السموات والأرض.
стр. 3750
﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ولله ما في السماوات وما في الأرض
стр. 3751
ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ الَّلمَمَ﴾ أما كبائر الإثم ففيها. خمسة أقاويل؛ أحدها: أنه الشرك بالله , حكاه الطبري. الثاني: أنه ما زجر عنه بالحد , حكاه بعض الفقهاء. الثالث: ما لا يكفر إلا بالتوبة , حكاه ابن عيسى. الرابع: ما حكاه شرحبيل عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكبائر فقال: (أن تدعو لله نداً وهو خلقك وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك وأن تزاني حليلة جارك) الخامس: ما روى سعيد بن جبير أن رجلاً سأل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبعة، لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار، فكأنه يذكر أن كبائر الإثم ما لم يستغفر منه. وأما الفواحش ففيها قولان: أحدهما: أنها جميع المعاصي. الثاني: أنها الزنى. وأما اللمم المستثنى ففيه ثمانية أقاويل: أحدها: إلا اللمم الذي ألموا به في الجاهلية من الإثم والفواحش فإنه معفو عنه في الإسلام، قاله ابن زيد بن ثابت. الثاني: هو أن يلم بها ويفعلها ثم يتوب منها، قاله الحسن ومجاهد.
стр. 3752
الثالث: هو أن يعزم على المواقعة ثم يرجع عنها مقلعاً وقد روى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:
(إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمْ تغفر جَمَّاً ... وَأَي عَبْدٍ لَّكَ لَا أَلَمَّا)
الرابع: أن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة , قاله ابن مسعود , روى طاووس عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم من قول أبي هريرة عن النبي ﷺ : (كَتَبَ اللَّهُ عَلَى كلِّ نَفْسٍ خَطَّهَا مِن الزّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ , فَزِنَى الْعَيْنَينِ النَّظَرُ وَزِنَى الِلَّسَانِ المَنطِقُ وَهِيَ النَّفْسُ تُمَنّي وَتَشْتَهِى , وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوُ يُكَذِّبُه) الخامس: أن اللمم الصغائر من الذنوب. السادس: أن اللمم ما لم يجب عليه حد في الدنيا ولم يستحق عليه في الآخرة عذاب , قاله ابن عباس , وقتادة. السابع: أن اللمم النظرة الأولى فإن عاد فليس بلمم , قاله بعض التابعين , فجعله ما لم يتكرر من الذنوب , واستشهد بقول الشاعر:
(وما يستوي من لا يرى غير لمة ... ومن هو ناو غيرها لا يريمها)
والثامن: أن اللمم النكاح , وهذا قول أبي هريرة. وذكر مقاتل بن سليمان أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار كان له حانوت يبيع فيه تمراً , فجاءته امرأة تشتري منه تمراً , فقال لها: إن بداخل الدكان ما هو خير من هذا , فلما دخلت راودها عن نفسها , فأبت وانصرفت , فندم نبهان وأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع , فقال: (لَعَلَّ زَوْجَهَا غَازٍ) فنزلت هذه الآية. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ يعني أنشأ آدم. ﴿وَإذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قال مكحول: في بطون أمهاتنا فسقط منا من
стр. 3753
سقط، وكنا فيمن بقي , ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك , وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شباباً فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخاً لا أبالك فما بعد هذا تنتظر؟ ﴿فَلَا تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني لا تمادحوا، قاله ابن شوذب. الثاني: لا تعملوا بالمعاصي وتقولوا نعمل بالطاعة، قاله ابن جريج. الثالث: إذا عملت خيراً فلا تقل عملت كذا وكذا. ويحتمل رابعاً: لا تبادلوا قبحكم حسناً ومنكركم معروفاً. ويحتمل خامساً: لا تراؤوا بعملكم المخلوقين لتكونوا عندهم أزكياء. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ قال الحسن: قد علم الله كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة.
стр. 3754
﴿أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِي تَولَّى﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي، قاله السدي. الثاني: أنه الوليد بن المغيرة المخزومي، قاله مجاهد، كان يأتي النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ يسمع ما يقولان ثم يتولى عنهما. الثالث: أنه النضر بن الحارث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حين ارتد عن دينه وضمن له أن يتحمل مأثم رجوعه، قاله الضحاك. ﴿وَأعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه أعطى قليلاً من نفسه بالاستمتاع ثم أكدى بالانقطاع، قاله مجاهد. الثاني: أطاع قليلاً ثم عصى، قاله ابن عباس.
стр. 3755
الثالث: أعطى قليلاً من ماله ثم منع، قاله الضحاك. الرابع: أعطى بلسانه وأكدى بقلبه، قاله مقاتل. وفي ﴿أَكْدَى﴾ وجهان: أحدهما: قطع , قاله الأخفش. الثاني: منع , قاله قطرب. ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيبِ فَهُوَ يَرَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه أعلم الغيب فرأى أن ما سمعه باطل. الثاني: أنزل عليه القرآن فرأى ما صنعه حقاً , قاله الكلبي. ويحتمل ثالثاً: أعلم أن لا بعث , فهو يرى أن لا جزاء. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ فيه سبعة أقاويل: أحدها: وفّى عمل كل يوم بأربع ركعات في أول النهار , رواه الهيثم عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ . الثاني: أن يقول كلما أصبح وأمسى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِيْنَ تُمْسُونَ وَحِيْنَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية. رواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي ﷺ . الثالث: وفيما أمر به من طاعة ربه , قاله ابن عباس. الخامس: ﴿أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لأنه كان بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة ابنه وأبيه فأول من خالفهم إبراهيم , قاله الهذيل. السادس: أنه ما أُمر بأمر إلا أداه ولا نذر إلا وفاه , وهذا معنى قول الحسن. السابع: وفَّى ما امتحن به من ذبح ابنه وإلقائة في النار وتكذيبه.
стр. 3756
﴿وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى﴾ ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمنتَهَى﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إلى إعادتكم لربكم بعد موتكم يكون منتهاكم. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قضى أسباب الضحك والبكاء. الثاني: أنه أراد بالضحك السرور , وبالبكاء الحزن. والثالث: أنى خلق قوتي الضحك والبكاء , فإن الله ميز الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان , فليس في سائر الحيوان ما ضحك ويبكي غير الإنسان , وقيل إن القرد وحده يضحك ولا يبكي , وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد بالضحك والبكاء النعم والنقم. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: قضى أسباب الموت والحياة. الثاني: خلق الموت والحياة كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوتَ وَالْحَيَاةَ﴾ قاله ابن بحر. الثالث: أن يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب. الرابع: أمات بالمعصية وأحيا بالطاعة. الخامس: أمات الآباء وأحيا الأبناء. ويحتمل سادساً: أن يريد به أنام وأيقظ.
стр. 3757
﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ وجهان: أحدهما: إذا تخلق وتقدر , قاله الأخفش. الثاني: إذا نزلت في الرحم , قاله الكلبي. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أغنى بالكفاية وأقنى بالزيادة , وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: أغنى بالمعيشة وأقنى بالمال , قاله الضحاك. الثالث: أغنى بالمال وأقنى بأن جعل لهم قنية , وهي أصول الأموال , قاله أبو صالح. الرابع: أغنى بأن مَوّل وأقنى بأن حرم , قاله مجاهد. الخامس: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه , قاله سليمان التيمي. السادس: أغنى من شاء وأفقر من شاء , قاله ابن زيد. السابع: أغنى بالقناعة وأقنى بالرضا , قاله سفيان. الثامن: أغنى عن أن يخدم وأقنى أن يستخدم , وهذا معنى قول السدي. ويحتمل تاسعاً: أغنى بما كسبه [الإنسان] في الحياة وأقنى بما خلفه بعد الوفاة مأخوذ من اقتناء المال وهو استبقاؤه. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ والشعرى نجم يضيء وراء الجوزاء , قال مجاهد: تسمى هوزم الجوزاء , ويقال إنه الوقاد , وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان رباً لغيره لأن العرب كانت تعبده فأعلموا أن الشعرى مربوب وليس برب. واختلف فيمن كان يعبده فقال السدي: كانت تعبده حمير وخزاعة وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة , وقد كان من لا يعبدها من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم , قال الشاعر:
(مضى أيلول وارتفع الحرور ... وأخبت نارها الشعرى العبور)
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى﴾ فيهم قولان: أحدهما: أن عاد الأولى عاد بن إرم , وهم الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية , وعاداً الآخرة قوم هود. الثاني: أن عاداً الأولى قوم هود والآخرة قوم كانوا بحضرموت , قاله قتادة.
стр. 3758
﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ والمؤتفكة المنقلبة بالخسف , قاله محمد بن كعب: هي مدائن قوم لوط وهي خمسة: صبغة وصغيرة وعمرة ودوماً وسدوم وهي العظمى , فبعث الله عليهم جبريل فاحتملها بجناحه ثم صعد بها حتى أن أهل السماء يسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها بالحجارة كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حَجَارةً مِن سِجِّيْلٍ﴾ قال قتادة: كانوا أربعة آلاف ألف. ﴿أَهْوَى﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن جبريل أهوى بها حين احتملها حتى جعل عاليها سافلها. الثاني: أنهم أكثر ارتكاباً للهوى حتى حل بهم ما حل من البلاء. ﴿فَعَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ يعني المؤتفكة , وفيما غشاها قولان: أحدهما: جبريل حين قلبها. الثاني: الحجارة حتى أهلكها. ﴿فَبِأَيِّءَالآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ وهذا خطاب للمكذب أي فبأي نعم ربك تشك فيما أولاك وفيما كفاك. وفي قوله: ﴿فَغَشَّاهَا﴾ وجهان: أحدهما: ألقاها. الثاني: غطاها.
стр. 3759
﴿هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ فيه قولان: أحدهما: أن محمداً نذير الحق أنذر به الأنبياء قبله , قاله ابن جريج. الثاني: أن القرآن نذير بما أنذرت به الكتب الأولى , قاله قتادة. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن هلاك من تقدم ذكره من الأمم الأولى نذير لكم. ﴿أَزِفَتِ الأزِفَةُ﴾ أي اقتربت الساعة ودنت القيامة , وسماها آزفة لقرب قيامها عنده.
стр. 3760
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أي من يكشف ضررها. ﴿أَفَمِنَ هَذا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من القرآن في نزوله من عند الله. الثاني: من البعث والجزاء وهو محتمل. ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ فيها وجهان: أحدهما: تضحكون استهزاء ولا تبكون انزجاراً. الثاني: تفرحون ولا تحزنون , وهو محتمل. ﴿وَأَنْتُم سَامِدُونَ﴾ فيه تسعة تأويلات: أحدها: شامخون كما يخطر البعير شامخاً، قاله ابن عباس. الثاني: غافلون , قاله قتادة. الثالث: معرضون، قاله مجاهد. الرابع: مستكبرون، قاله السدي. الخامس: لاهون لاعبون، قاله عكرمة. السادس: هو الغناء، كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا، وهي لغة حمير، قاله أبو عبيدة. السابع: أن يجلسوا غير مصلين ولا منتظرين قاله علي ﵁. الثامن: واقفون للصلاة قبل وقوف الإمام، قاله الحسن، وفيه ما روي عن النبي ﷺ أنه خرج والناس ينتظرونه قياماً فقال: ما لي أراكم سامدين. التاسع؛ خامدون قاله المبرد، قال الشاعر:
(رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقد سمدن له سموداً)
﴿فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأعْبُدُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه سجود تلاوة القرآن , قال ابن مسعود , وفيه دليل على أن في المفصل سجوداً. الثاني: أنه سجود الفرض في الصلاة.
стр. 3761
سورة القمر
مكية في قول الجمهور، وقال مقاتل إلا ثلاث آيات من قوله: ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر﴾ إلى قوله؛ ﴿والساعة أدهى وأمر﴾. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 3762
﴿اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر﴾ قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ أي دنت وقربت , قال الشاعر:
(قد اقتربت لو كان في قرب دارها ... جداء ولكن قد تضر وتنفع)
والمراد بالساعة القيامة , وفي تسميتها بالساعة وجهان: أحدهما: لسرعة الأمر فيها. الثاني: لمجيئها في ساعة من يومها. وروى طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (اقْتَرَبَتِ
стр. 3763
السَّاعَةُ وَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ عَلَى الدُّنْيَا إلَاّ حِرْصاً وَلَا تَزْدَادُ مِنْهُمْ إِلَاّ بُعْداً). ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه وضح الأمر وظهر والعرب تضرب مثلاً فيما وضح أمره , قال الشاعر:
(أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل)
(فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل)
والثاني: أن انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه , وقد يعبر عن انفلاقه بانشقاقه , كما قال النابغة الجعدي:
(فلما أدبروا ولهم دوي ... دعانا عند شق الصبح داعي)
الثالث: أنه انشقاق القمر على حقيقة انشقاقه. وفيه على هذا التأويل قولان: أحدهما: أنه ينشق بعد مجيء الساعة وهي النفخة الثانية , قاله الحسن , قال: لأنه لو انشق ما بقي أحد إلا رأه لأنها آية والناس في الآيات سواء. الثاني: وهو قول الجمهور وظاهر التنزيل أن القمر انشق على عهد رسول الله ﷺ بعد أن سأله عمه حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضباً لسب أبي جهل لرسول الله , أن يريه آية يزداد بها يقيناً في إيمانه , وروى مجاهد عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: رأيت القمر منشقاً شقتين بمكة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة , شقة على أبي قبيس , وشقة على السويدا فقالوا: سحر القمر , فنزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَ الْقَمَرُ﴾. ﴿وَإِن يَرَوْاْءَايَةً يُعْرِضُواْ﴾ فيه وجهان:
стр. 3764
أحدهما: أنه أراد أي آية روأها أعرضوا عنها ولم يعتبروا بها , وكذلك ذكرها بلفظ التنكير دون التعريف، قاله ابن بحر. الثاني: أنه عنى بالآية انشقاق القمر حين رأوه. ﴿وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن معنى مستمر ذاهب , قاله أنس وأبو عبيدة. الثاني: شديد، مأخوذ من إمرار الحبل، وهو شدة فتله، قاله الأخفش والفراء. الثالث: أنه يشبه بعضه بعضاً. الرابع: أن المستمر الدائم , قال امرؤ القيس:
(ألا إنما الدنيا ليال وأعصر ... وليس على شيء قويم بمستمر)
أي بدائم. الخامس: أي قد استمر من الأرض إلى السماء , قاله مجاهد. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يوم القيامة. الثاني: كل أمر مستقر في أن الخير لأهل الخير , والشر لأهل الشر , قاله قتادة. الثالث: أن كل أمر مستقر حقه من باطله. الرابع: أن لكل شيء غاية ونهاية في وقوعه وحلوله , قاله السدي. ويحتمل خامساً، أن يريد به دوام ثواب المؤمن وعقاب الكافر. ﴿وَلَقْدْ جَآءَهُم مِّنَ الأَنْبَآءِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أحاديث الأمم الخالية , قاله الضحاك. الثاني: القرآن. ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي مانع من المعاصي. ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه النهي. الثاني: أنه الوعيد. ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ قاله السدي: هي الرسالة والكتاب.
стр. 3765
ويحتمل أن يكون الوعد والوعيد. ويحتمل قوله: ﴿بَالِغَةٌ﴾ وجهين: أحدهما: بالغة في زجركم. الثاني: بالغة من الله إليكم , فيكون على الوجه الأول من المُبَالَغَةِ , وعلى الوجه الثاني من الإبْلَاغ. ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ أي فما يمنعهم التحذير من التكذيب.
стр. 3766
﴿فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر﴾ ﴿مّهْطِعِينَ إلَى الدَّاعِ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: معناه: مسرعين , قاله أبو عبيدة , ومنه قول الشاعر:
(بدجلة دارهم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع)
الثاني: معناه: مقبلين , قاله الضحاك. الثالث: عامدين , قاله قتادة. الرابع: ناظرين , قاله ابن عباس. الخامس: فاتحين آذانهم إلى الصوت , قاله عكرمة. السادس: قابضين ما بين أعينهم , قاله تميم. ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ يعني يوم القيامة , لما ينالهم فيه من الشدة.
стр. 3767
﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان
стр. 3768
عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المنهمر الكثير , قاله السدي، قال الشاعر:
(أعيني جودا بالدموع الهوامر ... على خير باد من معد وحاضر)
الثاني: أنه المنصب المتدفق , قاله المبرد، ومنه قول امرىء القيس:
(راح تمرية الصبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منهمر)
وفي فتح أبواب السماء قولان: أحدهما: أنه فتح رتاجها وسعة مسالكها. الثاني: أنها المجرة وهي شرج السماء ومنها فتحت بماء منهمر , قاله علي. ﴿فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فالتقى ماء السماء وماء الأرض على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر , حكاه , ابن قتيبة. الثاني: قدر بمعنى قضي عليهم , قاله قتادة , وقدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحِ وَدُسُرٍ﴾ أي السفينة , وفي الدسر أربعة أقاويل: أحدها: المعاريض التي يشد بها عرض السفينة، قاله مجاهد. الثاني: أنها المسامير دسرت بها السفينة، أي شدت، قاله ابن جبير وابن زيد. الثالث: صدر السفينة الذي يضرب الموج , قاله عكرمة، لأنها تدسر الماء بصدرها، أي تدفعه. الرابع: أنها طرفاها، وأصلها، قاله الضحاك. ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: بمرأى منا.
стр. 3769
الثاني: بأمرنا، قاله الضحاك. الثالث: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها. الرابع: بأعين الماء التي أتبعناها في قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُوناً﴾، وقيل: إنها تجري بين ماء الأرض والسماء، وقد كان غطاها عن أمر الله سبحانه. ﴿جَزَآءً لِمَن كَانَ كُفِرَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لكفرهم بالله، قاله مجاهد، وابن زيد. والثاني: جزاء لتكذيبهم، قاله السدي. الثالث: مكافأة لنوح حين كفره قومه أن حمل ذات ألواح ودسر. ﴿وَلَقَدْ تّرَكْنَاهَآءَايَةً﴾ فيها وجهان: أحدها: الغرق. الثاني: السفينة روى سعيد عن قتادة أن الله أبقاها بباقردي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة. وفي قوله: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني فهل من متذكر، قاله ابن زيد. الثاني: فهل من طالب خير فيعان عليه , قاله قتادة. الثالث: فهل من مزدجر عن معاصي الله , قاله محمد بن كعب. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه سهلنا تلاوته على إهل كل لسان، وهذا أحد معجزاته، لأن الأعجمي قد يقرأه ويتلوه كالعربي. الثاني: سهلنا علم ما فيه واستنباط معانيه، قاله مقاتل. الثالث: هونا حفظه فأيسر كتاب يحفظ هو كتاب الله، قاله الفراء.
стр. 3770
﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر
стр. 3771
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: باردة، قاله قتادة، والضحاك. الثاني: شديدة الهبوب، قاله ابن زيد. الثالث: التي يسمع لهبوبها كالصوت , ومنه قول الشاعر:
( ... ... ... ... ... ... باز يصرصر فوق المرقب العالي)
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِّرٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يوم عذاب وهلاك. الثاني: لأنه كان يوم الأربعاء. الثالث: لأنه كان يوماً بارداً، قال الشنفرى:
(وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها ينبل)
يعني أنه لشدة بردها يصطلي بقوسه وسهامه التي يدفع بها عن نفسه. وفي ﴿مُسْتَمِرٍ﴾ وجهان: أحدهما: الذاهب. الثاني: الدائم.
стр. 3772
﴿كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾
стр. 3773
﴿إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن السعر الجنون، قاله ابن كامل. الثاني: العناء، قاله قتادة. الثالث: الافتراق، قاله السدي. الرابع: التيه، قاله الضحاك. الخامس: أنه جمع سعر وهو وقود النار، قاله ابن بحر وابن عيسى. وعلى هذا التأويل في قولهم ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قالوه لعظم ما نالهم أن يتبعوا رجلاً واحداً منهم , كما يقول الرجل إذا ناله خطب عظيم: أنا في النار. الثاني: أنهم لما أوعدوا على تكذيبه ومخالفته بالنار ردوا مثل ما قيل لهم إنّا لو اتبعنا رجلاً مثلنا واحداً كنا إذاً في النار. ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الأشر هو العظيم الكذب , قاله السدي. الثاني: أنه البطر , ومنه قول الشاعر:
(أشرتم بلبس الخز لما لبستم ... ومن قبل لا تدرون من فتح القرى)
الثالث: أنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها. ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَة فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ أما الاصطبار فهو الافتعال من الصبر وأصل الطاء تاء أبدلت بطاء ليكون اللفظ أسهل مخرجاً ويعذب مسمعاً. وروى أبو الزبير عن جابر قال: لما نزلنا الحجر فغزا رسول الله ﷺ تبوك , قال: (أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْأَلُوا عَن هَذِهِ الآياتِ [هؤلاء] قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُم أَن يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُم آيَة، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُم نَاقَةً فَكَانَتْ تَرِدُ مِن ذَلَكِ الفَجَ فَتَشْرَبُ مَاءَهُم يَوْمَ وُرُودِهَا وَيَحْلِبُونَ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْهَا يَوْمَ غِبِّهَا وَيَصْدِرُونَ عَن ذَلِكَ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَبِئّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُم﴾) الآية.
стр. 3774
وفيه وجهان: أحدهما: أن الناقة تحضر الماء يوم ورودهم , وتغيب عنهم يوم ورودها , قاله مقاتل. الثاني: أن ثمود يحضرون الماء يوم غبها فيشربون , ويحضرون اللبن يوم وردها فيحلبون. ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: انه أحمر إرم وشقيها , قاله قتادة , وقد ذكره زهير في شعره فقال:
(فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم)
الثاني: أنه قدار بن سالف , قاله محمد بن إسحاق , وقد ذكره الأفوه في شعره:
(أو بعده كقدار حين تابعه ... على الغاوية أقوام فقد بادوا)
﴿فَتَعَاطَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معناه بطش بيده , قاله ابن عباس. الثاني: معناه تناولها وأخذها , ومنه قول حسان بن ثابت:
(كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل)
﴿فَعَقَرَ﴾ قال محمد بن إسحاق: كَمَنَ لها قدار في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها , ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة تحدر سقبها [من بطنها وانطلق سقبها] حتى اتى صخرة في رأس الجبل فرغا ثم لاذ بها , فأتاهم صالح , فلما رأى الناقة قد عقروها بكى ثم قال: انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله. قال ابن عباس: وكان الذي عقرها رجل أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى. ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدهما: يعني العظام المحترقة , قاله ابن عباس.
стр. 3775
الثاني: أنه التراب الذي يتناثر من الحائط وتصيبه الريح، فيحتظر مستديراً، قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنها الحظار البالية من الخشب إذا صار هشيماً , ومنه قول الشاعر:
(أثرت عجاجة كدخان نار ... تشب بغرقد بال هشيم)
قاله الضحاك. الرابع: أنه حشيش قد حظرته الغنم فأكلته، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً الخامس: أن الهشيم اليابس من الشجر الذي فيه شوك والمحتظر الذي تحظر به العرب حول ماشيتها من السباع , قاله ابن زيد , وقال الشاعر:
(ترى جيف المطي بجانبيه ... كان عظامها خشب الهشيم.)
стр. 3776
﴿كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الحصب الحجارة التي رموا بها من السماء , والحصباء هي الحصى وصغار الأحجار. الثاني: أن الحاصب الرمي بالأحجار وغيرها , ولذلك تقول العرب لما تسفيه الريح حاصباً , قال الفرزدق:
(مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور)
الثالث: أن الحاصب السحاب الذي حصبهم.
стр. 3777
الرابع: أن الحاصب الملائكة الذين حصبوهم. الخامس: أن الحاصب الريح التي حملت عليهم الحصباء. ﴿إِلَاّءَالَ لُوطٍ﴾ يعني ولده ومن آمن به. ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ والسحر هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر , وهو في كلام العرب اختلاط سواد آخر الليل ببياض أول النهار لأن هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ﴾ يعني ضيف لوط وهم الملائكة الذين نزلوا عليه في صورة الرجال , وكانوا على أحسن صورهم , فراودوا لوطاً عليهم طلباً للفاحشة. ﴿فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ والطمس محو الأثر ومنه طمس الكتاب إذا محي، وفي طمس أعينهم وجهان: أحدهما: أنهم اختفوا عن أبصارهم حتى لم يروهم، مع بقاء أعينهم، قاله الضحاك. الثاني: أعينهم طمست حتى ذهبت أبصارهم وعموا فلم يروهم، قاله الحسن، وقتادة. ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه وعيد بالعذاب الأدنى، قاله الضحاك. الثاني: أنه تقريع بما نالهم من عذاب العمى الحال، وهو معنى قول الحسن، وقتادة.
стр. 3778
﴿ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾
стр. 3779
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ يعني أكفاركم خير من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. ﴿أَمْ لَكُم بَرَآءةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ يعني في الكتب السالفة براءة من الله تعالى أنكم ليس تهلكون كما أهلكوا، ومنه قول الشاعر:
(وترى منها رسوماً قد عفت ... مثل خط اللام في وحي الزبر)
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ يعني بالعدد والعدة , وقد كان من هلك قبلهم أكثر عدداً وأقوى يداً، ويحتمل انتصارهم وجهين: أحدهما: [لأنفسهم بالظهور]. الثاني: لآلهتهم بالعبادة. فرد الله عليهم فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيْوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ يعني كفار قريش وذلك يوم بدر , وهذه معجزة أوعدهم الله بها فحققها , وفي ذلك يقول حسان:
(ولقد وليتم الدبر لنا ... حين سال الموت من رأس الجبل)
﴿بَلِ الْسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ يعني القيامة. ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن موقف الساعة أدهى وأمر من موقف الدنيا في الحرب التي تولون فيها الدبر. الثاني: أن عذاب الساعة أدهى وأمر من عذاب السيف في الدنيا. وفي قوله ﴿أدْهَى﴾ وجهان: أحدهما: أخبث. الثاني: أعظم. ﴿وَأَمَرُّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه أشد لأن المرارة أشد الطعوم. الثاني: معناه أنفذ , مأخوذ من نفوذ المرارة فيما خالطته.
стр. 3780
﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس
стр. 3781
سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ روى إسماعيل بن زياد عن محمد بن عباد عن أبي هريرة أن مشركي قريش أتوا النبي ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت. ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: على قدر ما أردنا من غير زيادة ولا نقصان، قاله ابن بحر. الثاني: بحكم سابق وقضاء محتوم، ومنه قول الراجز:
٨٩ (وقدر المقدر الأقدارا.﴾ ٩
) ﴿وَمَآ أَمْرُنْآ إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بَالْبَصَرِ﴾ يعني أن ما أردناه من شيء أمرنا به مرة واحدة ولم نحتج فيه إلى ثانية , فيكون ذلك الشيء مع أمرنا به كلمح البصر في سرعته من غير إبطاء ولا تأخير. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المستطر المكتوب , قاله الحسن وعكرمة وابن زيد , لأنه مسطور. الثاني: أنه المحفوظ , قاله قتادة. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن النهر أنهار الماء، والخمر، والعسل، واللبن، قاله ابن جريج. الثاني: أن النهر الضياء والنور , ومنه النهار , قاله محمد بن إسحاق , ومنه قول الراجز:
(لولا الثريدان هلكنا بالضمر ... ثريد ليل وثريد بالنهر)
الثالث: أنه سعة العيش وكثرة النعيم، ومنه اسم نهر الماء، قاله قطرب.
стр. 3782
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِند مَلِيكٍ مّقْتَدِرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مقعد حق لا لغو فيه ولا تأثيم. الثاني: مقعد صدق لله وعد أولياءه به، والمليك والملك واحد , وهو الله كما قال ابن الزبعري:
(يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذا أنابوا)
ويحتمل ثالثاً: أن المليك مستحق الملك , والملك القائم بالملك والمقتدر بمعنى القادر. ويحتمل وصف نفسه بالاقتدار ها هنا وجهين: أحدهما: لتعظيم شأن من عنده من المتقين لأنهم عند المقتدر أعظم قدراً , وأعلى مجزاً. الثاني: ليعلموا أنه قادر على حفظ ما أنعم به عليهم ودوامه لهم، والله أعلم.
стр. 3783
سورة الرحمن
مكية كلها في قول الحسن، وعكرمة، وجابر، وقال ابن عباس: إلا آية، وهي قوله تعالى: ﴿يسأله من في السموات والأرض﴾ الآية. وقال ابن مسعود، ومقاتل: هي مدنية كلها. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 3784
﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه اسم ممنوع لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، قاله الحسن، وقطرب.
стр. 3785
الثاني: أنه فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسماً من أسماء الله تعالى: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ن﴾ فيكون مجموع هذه ﴿الرَّحْمَنُ﴾، قاله سعيد بن جبير، وابن عباس. ﴿عَلَّمَ الْقُرْءانَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: علمه النبي ﷺ حتى أداه إلى جميع الناس. الثاني: سهل تعلمه على جميع الناس. ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني آدم، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنه أراد جميع الناس وإن كان بلفظ واحد، وهو قول الأكثرين. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ لأنه بالبيان فُضِّل على جميع الحيوان، وفيه ستة تأويلات: أحدها: أن البيان الحلال والحرام , قاله قتادة. الثاني: الخير والشر , قاله الضحاك , والربيع بن أنس. الثالث: المنطق والكلام، قاله الحسن. الرابع: الخط، وهو مأثور. الخامس: الهداية، قاله ابن جريج. السادس: العقل لأن بيان اللسان مترجم عنه. ويحتمل سابعاً: أن يكون البيان ما اشتمل على أمرين: إبانة ما في نفسه ومعرفة ما بين له. وقول ثامن لبعض أصحاب الخواطر: خلق الإنسان جاهلاً به، فعلمه السبيل إليه. ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: يعني بحساب، قاله ابن عباس، والحسبان مصدر الحساب، وقيل: جمعه. الثاني: معنى الحسبان هذه آجالها، فإذا انقضى الأجل كانت القيامة، قاله السدي. الثالث: أنه يقدر بهما الزمان لامتياز النهار بالشمس والليل بالقمر
следующие страницы →