← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين

стр. 3852

أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم﴾ ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ تحتمل هذه النفقة وجهين: أحدهما: أن تكون الزكاة المفروضة. والثاني: أن يكون غيرها من وجوه الطاعات. وفي ﴿ما جَعَلَكْم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ قولان: أحدهما: يعني مما جعلكم معمرين فيه بالرزق , قاله مجاهد. الثاني: مما جعلكم مستخلفين فيه بوراثتكم له عمن قبلكم , قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: مما جعلكم مستخلفين على القيام بأداء حقوقه. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: معناه ولله ملك السموات والأرض. الثاني: أنهما راجعان إليه بانقباض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق. ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ فيه قولان: أحدهما: لا يستوي من أسلم من قبل فتح مكة وقاتل ومن أسلم بعد فتحها وقاتل , قاله ابن عباس , ومجاهد. الثاني: يعني من أنفق ماله في الجهاد وقاتل , قاله قتادة. وفي هذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة , قاله زيد بن أسلم. الثاني: فتح الحديبية , قاله الشعبي , قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الأخر , وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى , كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الحسنى الحسنة , قاله مقاتل. الثاني: الجنة , قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أن الحسنى القبول والجزاء.

стр. 3853

﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن القرض الحسن هو أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أكبر، رواه سفيان عن ابن حيان. الثاني: أنه النفقة على الأهل , قاله زيد بن أسلم. الثالث: أنه التطوع بالعبادات , قاله الحسن. الرابع: أنه عمل الخير , والعرب تقول لي عند فلان قرض صدق أو قرض سوء , إذا فعل به خيراً أو شراً , ومنه قول الشاعر: (وتجزي سلاماً من مقدم قرضها ... بما قدمت أيديهم وأزلت) الخامس: أنه النفقة في سبيل الله , قاله مقاتل بن حيان. وفي قوله: ﴿حَسَناً﴾ وجهان: أحدهما: طيبة بها نفسه , قاله مقاتل. الثاني: محتسباً لها عند الله , قاله الكلبي , وسمي قرضاً لاستحقاق ثوابه , قاله لبيد: (وإذا جوزيت قرضاً فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل) وفي تسميته ﴿حَسَناً﴾ وجهان: أحدهما: لصرفه في وجوه حسنة. الثاني: لأنه لا مَنَّ فيه ولا أذى. ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فيضاعف القرض لأن جزاء الحسنة عشر أمثالها. الثاني: فيضاعف الثواب تفضلاً بما لا نهاية له. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: لم يتذلل في طلبه. الثاني: لأنه كريم الخطر. الثالث: أن صاحبه كريم. فلما سمعها أبو الدحداح تصدق بحديقة فكان أول من تصدق بعد هذه الآية.

стр. 3854

وروى سعيد بن جبير أن اليهود أتت النبي ﷺ عند نزول هذه الآية، فقالوا يا محمد، أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآية. ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ وفي نورهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضياء يعطيهم الله إياه ثواباً وتكرمة , وهذا معنى قول قتادة. الثاني: أنه هداهم الذي قضاه لهم , قاله الضحاك. الثالث: أنه نور أعمالهم وطاعتهم. قال ابن مسعود: ونورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم مَن نوره مثل النخلة , وأدناهم نوراً مَن نوره على إبهام رجله يوقد تارة ويطفأ أخرى. وقال الضحاك: ليس أحد يعطى يوم القيامة نوراً , فإذا انتهوا إلى الصراط أطفىء نور المنافقين , فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن ينطفىء نورهم كما طفىء نور المنافقين , فقالوا: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. وفي قوله: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان: أحدهما: ليستضيئوا به على الصراط , قاله الحسن. والثاني: ليكون لهم دليلاً إلى الجنة , قاله مقاتل. وفي قوله: ﴿بِأَيْمَانَهِم﴾ في الصدقات والزكوات وسبل الخير. الرابع: بإيمانهم في الدنيا وتصديقهم بالجزاء , قاله مقاتل. قوله تعالى ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ فيه وجهان:

стр. 3855

أحدهما: أن نورهم هو بشراهم بالجنات. الثاني: هي بشرى من الملائكة يتلقونهم بها في القيامة , قاله الضحاك.

стр. 3856

﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير﴾ ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ الآية. قال ابن عباس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة أظنها بعد فصل القضاء , ثم يعطون نوراً يمشون فيه. وفي النور قولان: أحدهما: يعطاه المؤمن بعد إيمانه دون الكافر. الثاني: يعطاه المؤمن والمنافق , ثم يسلب نور المنافق لنفاقه , قاله ابن عباس. فيقول المنافقون والمنافقات حين غشيتهم الظلمة. ﴿لِلَّذِينَءَامَنُواْ﴾ حين أعطوا النور الذي يمشون فيه: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي انتظروا , ومنه قول عمرو بن كلثوم: (أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا) ﴿قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً﴾ فيه قولان: أحدهما: ارجعوا إلى الموضع الي أخذنا منه النور فالتمسوا منه نوراً. الثاني: ارجعو فاعملوا عملاً يجعل الله بين أيديكم نوراً. ويحتمل في قائل هذا القول وجهان:

стр. 3857

أحدهما: أن يقوله المؤمنون لهم. الثاني: أن تقوله الملائكة لهم. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه حائط بين الجنة والنار , قاله قتادة. الثاني: أنه حجاب في الأعراف , قاله مجاهد. الثالث: أنه سور المسجد الشرقي , [بيت المقدس] قاله عبد الله بن عمرو بن العاص. ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبلِهِ الْعَذَابُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الرحمة التي في باطنه الجنة , والعذاب الذي في ظاهره جهنم , قاله الحسن. الثاني: أن الرحمة التي في باطنه: المسجد وما يليه , والعذاب الذي في ظاهره: وادي جهنم يعني بيت المقدس , قاله عبد الله بن عمرو بن العاص. ويحتمل ثالثاً: أن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين , والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين. وفيمن ضرب بينهم وبينه بهذا السور قولان: أحدهما: أنه ضرب بينهم وبين المؤمنين الذي التمسوا منهم نوراً , قاله الكلبي ومقاتل. الثاني: أنه ضرب بينهم وبين النور بهذا السور حتى لا يقدروا على التماس النور.

стр. 3858

﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ يعني نصلي مثلما تصلون , ونغزو مثلما تغزون , ونفعل مثلما تفعلون. ﴿قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَكُم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالنفاق، قاله مجاهد. الثاني: بالمعاصي، قاله أبو سنان. الثالث: بالشهوات، رواه أبو نمير الهمداني. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: بالحق وأهله، قاله قتادة. الثاني: وتربصتم بالتوبة، قاله أبو سنان. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ يعني شككتم في أمر الله. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: خدع الشيطان , قاله قتادة. الثاني: الدنيا , قاله ابن عباس. الثالث: سيغفر لنا , قاله أبو سنان. الرابع: قولهم اليوم وغداً. ﴿حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: الموت , قاله أبو سنان. الثاني: إلقاؤهم في النار , قاله قتادة. ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُوْرُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الشيطان , قاله عكرمة. الثاني: الدنيا , قاله الضحاك.

стр. 3859

﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾

стр. 3860

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها نزلت في قوم موسى ﵇ قبل أن يبعث النبي ﷺ , قاله ابن حيان. الثاني: في المنافقين آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم، قاله الكلبي. الثالث: أنها في المؤمنين من أمتنا، قاله ابن عباس وابن مسعود، والقاسم بن محمد. ثم اختلف فيها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما رواه أبو حازم عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود قال: ما كان بين أن أسلمنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين , فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول ما أحدثنا. قال الحسن: يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه. الثاني: ما رواه قتادة عن ابن عباس أن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاثة عشرة سنة , فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَءَامَنُواْ﴾ الآية. الثالث: ما رواه المسعودي عن القاسم قال: مل أصحاب رسول الله ﷺ مرة فقالوا يا رسول الله حدثنا , فأنزل الله تعالى: ﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسنَ الْقَصَصِ﴾ ثم ملوا مرة فقالوا: حدثنا يا رسول الله , فأنزل الله ﴿أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال شداد بن أوس: كان يروى لنا عن النبي ﷺ أنه قال: (أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ).

стр. 3861

ومعنى قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يحن , قال الشاعر: (ألم يأن لي يا قلب أن اترك الجهلا ... وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا) وفي ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكْر اللَّهِ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: أن تلين قلوبهم لذكر الله. الثاني: أن تذل قلوبهم من خشية الله. الثالث: أن تجزع قلوبهم من خوف الله. وفي ذكر الله ها هنا وجهان: أحدهما: أنه القرآن , قاله مقاتل. الثاني: أنه حقوق الله , وهو محتمل. ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: القرآن , قاله مقاتل. الثاني: الحلال والحرام , قاله الكلبي. الثالث: يحتمل أن يكون ما أنزل من البينات والهدى. ﴿اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلين القلوب بعد قسوتها , قاله صالح المري. الثاني: يحتمل أنه يصلح الفساد. الثالث: أنه مثل ضربه لإحياء الموتى. روى وكيع عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الأرض بعد موتها؟ فقال: (يَا أَبَا رُزَينَ أَمَا مَرَرْتَ بِوَادٍ مُمْحَلٍ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضْرَةً؟ قال: بلى , قَالَ كَذَلِكَ يُحْيي اللَّهُ المَوتَى).

стр. 3862

﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم

стр. 3863

أجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المصدقين لله ورسوله. الثاني: المتصدقين بأموالهم في طاعة الله. ﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أي المؤمنون بتصديق الله ورسله. ﴿وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء عند ربهم , قاله زيد بن أسلم. الثاني: أن قوله: ﴿أَوْلئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ كلام تام. وقوله: ﴿وَالشُّهَدَآءُ عِنَدَ رَبِّهِمْ﴾ كلام مبتدأ وفيهم قولان: أحدهما: أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب , قاله الكلبي. الثاني: أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة. وفيما يشهدون به قولان: أحدهما يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية، وهذا معنى قول مجاهد. الثاني: يشهدون لأنبيائهم بتبليغ الرسالة إلى أممهم، قاله الكلبي. وقال مقاتل قولاً ثالثاً: أنهم القتلى في سبيل الله لهم أجرهم عند ربهم يعني ثواب أعمالهم. ﴿وَنُورُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: نورهم على الصراط. الثاني: إيمانهم في الدنيا , حكاه الكلبي.

стр. 3864

﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ ﴿اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أكل وشرب , قاله قتادة. الثاني: أنه على المعهود من اسمه , قال مجاهد: كل لعب لهو. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن اللعب ما رغَّب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة. ويحتمل رابعاً: أن اللعب الاقتناء، واللهو النساء. ﴿وَزِينَةٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الدنيا زينة فانية. الثاني: أنه كل ما بوشر فيها لغير طاعة. ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالخلقة والقوة. الثاني: بالأنساب على عادة العرب في التنافس بالآباء. ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ﴾ لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأموال والأولاد , وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعات. ثم ضرب لهم مثلاً بالزرع ﴿كَمَثَلٍ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمََّ يَهِيْجُ﴾ بعد خضرة. ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ حُطَاماً﴾ بالرياح الحطمة , فيذهب بعد حسنه , كذلك دنيا الكافر. ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه أربعة أوجه:

стр. 3865

أحدها: النبي ﷺ , قاله أبو سعيد. الثاني: الصف الأول , قاله رباح بن عبيد. الثالث: إلى التكبيرة الأولى مع الإمام , قاله مكحول. الرابع: إلى التوبة: قاله الكلبي. ﴿وَجَنَةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ﴾ ترغيباً في سعتها , واقتصر على ذكر العرض دون الطول لما في العرض من الدلالة على الطول , ولأن من عادة العرب أن تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله , قال الشاعر: (كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب حلقة خاتم.) ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشَآءُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الجنة , قاله الضحاك. الثاني: الدين، قاله ابن عباس. وفي ﴿مَن يَشَآءُ﴾ قولان: أحدهما: من المؤمنين , إن قيل إن الفضل الجنة. الثاني: من جيمع الخلق , إن قيل إنه الدين.

стр. 3866

﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد﴾ ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الجوائح في الزرع والثمار. الثاني: القحط والغلاء. ﴿وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: في الدين , قاله ابن عباس.

стр. 3867

الثاني: الأمراض والأوصاب، قاله قتادة. الثالث: إقامة الحدود، قاله ابن حبان. الرابع: ضيق المعاش , وهذا معنى رواية ابن جريج. ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ﴾ يعني اللوح المحفوظ. ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ قال سعيد بن جبير: من قبل أن نخلق المصائب ونقضيها. ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من الرزق الذي لم يقدر لكم , قاله ابن عباس , والضحاك. الثاني: من العافية والخصب الذي لم يقض لكم , قاله ابن جبير. ﴿وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآءَاتَاكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من الدنيا , قاله ابن عباس. الثاني: من العافية والخصب , وهذا مقتضى قول ابن جبير. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآءَاتَاكُمْ﴾ قال: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح , ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً، والخير شكراً. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: الذين يبخلون يعني بالعلم، ويأمرون الناس بالبخل بألا يعلموا الناس شيئاً، قاله ابن جبير. الثاني: أنهم اليهود بخلوا بما في التوارة من ذكر محمد ﷺ , قاله الكلبي , والسدي. الثالث: أنه البخل بأداء حق الله من أموالهم , قاله زيد بن أسلم. الرابع: أنه البخل بالصدقة والحقوق , قاله عامر بن عبد الله الأشعري. الخامس: أنه البخل بما في يديه، قال طاووس. وفرق أصحاب الخواطر بين البخيل والسخي بفرقين: أحدهما: أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك , والسخي الذي يلتذ بالعطاء.

стр. 3868

الثاني: أن البخيل الذي يعطي عند السؤال , والسخي الذي يعطي بغير سؤال.

стр. 3869

﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ ﴿وَأنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الله أنزله مع آدم. روى عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاث أشياء نزلت مع آدم: الحجر الأسود , كان أشد بياضاً من الثلج , وعصا موسى وكانت من آس الجنة , طولها عشرة أذرع مثل طول موسى , والحديد , أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة. الثاني: أنه من الأرض غير منزل من السماء , فيكون معنى قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا﴾ محمولاً على أحد وجهين: أحدهما: أي أظهرناه. الثاني: لأن أصله من الماء المنزل من السماء فينعقد في الأرض جوهره حتى يصير بالسبك حديداً. ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لأن بسلاحه وآلته تكون الحرب التي هي بأس شديد. الثاني: لأن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما تدفعه عنهم دروع الحديد من الأذى وتوصلهم إلى الحرب والنصر. الثاني: ما يكف عنهم من المكروه بالخوف عنه. وقال قطرب: البأس السلاح , والمنفعة الآلة.

стр. 3870

﴿ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا

стр. 3871

وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ ﴿. . وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الرأفة اللين، والرحمة الشفقة. الثاني: أن الرأفة تخفيف الكل , والرحمة تحمل الثقل. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ فيه قراءتان: إحداهما: بفتح الراء وهي الخوف من الرهب. الثانية: بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان ومعناه أنهم ابتدعوا رهبانية ابتدؤوها. وسبب ذلك ما حكاه الضحاك: [أنهم] بعد عيسى ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم من كان على منهاج عيسى فقتلوهم , فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا , فليس يسعنا المقام بينهم , فاعتزلوا النساء واتخذوا الصوامع , فكان هذا ما ابتدعوه من الرهبانية التي لم يفعلها من تقدمهم وإن كانوا فيها محسنين. ﴿مَا كتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي لم تكتب عليهم وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها رفض النساء واتخاذ الصوامع , قاله قتادة. الثاني: أنها لحوقهم بالجبال ولزومهم البراري , وروي فيه خبر مرفوع. الثالث: أنها الانقطاع عن الناس والانفراد بالعبادة.

стр. 3872

وفي الرأفة والرحمة التي جعلها في قلوبهم وجهان: [الأول]: أنه جعلها في قلوبهم بالأمر بها والترغيب فيها. الثاني: جعلها بأن خلقها فيهم وقد مدحوا بالتعريض بها. ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابْتِغَآءَ رَضْوَانِ اللَّهِ﴾ أي لم تكتب عليهم قبل ابتداعها ولا كتبت بعد ذلك عليهم. الثاني: أنهم تطوعوا بها بابتداعها , ثم كتبت بعد ذلك عليهم , قاله الحسن. ﴿فَمَا رَعَوْهَا حِقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم ما رعوها لتكذيبهم بمحمد. الثاني: بتبديل دينهم وتغييرهم فيه قبل مبعث الرسول الله ﷺ , قاله عطية العوفي.

стр. 3873

﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد. ﴿يُؤْتِكُم كِفْلَينِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن أحد الأجرين لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء , والآخر لإيمانهم بمحمد ﷺ ، قاله ابن عباس. الثاني: أن أحدهما: أجر الدنيا , والآخر أجر الآخرة، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أن أحدهما أجر اجتناب المعاصي، والثاني أجر فعل الطاعات.

стр. 3874

ويحتمل رابعاً: أن أحدهما أجر القيام بحقوق الله والثاني أجر القيام بحقوق العباد. ﴿وَيَجْعَلَ لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن , قاله ابن عباس. الثاني: أنه الهدى , قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أنه الدين المتبوع في مصالح الدنيا وثواب الآخرة. وقد روى أبو بريدة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ (ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَينِ: رَجُلٌ آمَنَ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الآخِرِ , وَرَجُلٌ كَانَتْ لَه أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا وَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا , وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لَسَيِّدِهِ). ﴿لِئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ قال الأخفش: معناه ليعلم أهل الكتاب وأن (لا) صلة زائدة وقال الفراء: لأنْ لا يعلم أهل الكتاب و (لا) صلة زائدة في كلام دخل عليه جحد. ﴿أَلَاّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من دين الله وهو الإسلام قاله مقاتل. الثاني: من رزق الله , قاله الكلبي. وفيه ثالث: أن الفضل نعم الله التي لا تحصى.

стр. 3875

سورة المجادلة مدنية في قول الجميع إلا رواية عن عطاء أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي. وقال الكلبي: نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: ﴿وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ نزلت بمكة. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 3876

﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ وهي خولة بنت ثعلبة , وقيل بنت خويلد , وليس هذا بمختلف لأن أحدهما أبوها والآخر جدها , فنسبت إلى كل واحد منهما. وزوجها أوس بن الصامت. قال عروة: وكان امرأً به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر من امرأته , فأتت رسول الله ﷺ تستفتيه في ذلك. ﴿وتشتكي إلى الله﴾ فيه وجهان: أحدهما: تستغيث بالله. والثاني: تسترحم الله. وروى الحسن أنها قالت: يا رسول الله قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي

стр. 3877

ظاهر مني، فقال رسول الله ﷺ : (ما أوحي إليّ في هذا شيء) فقالت: يا رسول الله أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟ فقال: (هو ما قلت لك) فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله , فأنزل الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك﴾ الآية. وقرأ ابن مسعود: ﴿قَد سَّمِعَ﴾. قالت عائشة: تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء , سمع كلام خولة بنت ثعلبة وأنا في ناحية البيت ما أسمع بعض ما تقول , وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي وانقطع ولدي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك , فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية. ﴿والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ والمحاورة مراجعة الكلام , قال عنترة: (لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي.) ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ الظهار قول الرجل لامرأته. أنت عليّ كظهر أمي , سمي ظهاراً لأنه قصد تحريم ظهرها عليه , وقيل: لأنه قد جعلها عليه كظهر أمه , وقد كان في الجاهلية طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه ولا إباحة بعده فنسخه الله إلى ما استقر عليه الشرع من وجوب الكفارة فيه بالعود.

стр. 3878

﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك

стр. 3879

لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾ ثم قال: ﴿. . ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم﴾ تكذيباً من الله تعالى لقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. ﴿وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ يعني بمنكر القول الظاهر , وبالزور كذبهم في جعل الزوجات أمهات.

стр. 3880

﴿إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ ﴿إن الذين يحادُّون الله ورسوله﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعادون الله ورسوله , قاله مجاهد. الثاني: يخالفون الله ورسوله , قاله الكلبي. وفي أصل المحادة وجهان: أحدهما: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك , قاله الزجاج. الثاني: أنه مأخوذ من الحديد المعد للمحادة. ﴿كبتوا كما كبت الذين من قبلهم﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: [أخزوا] كما أخزي الذين من قبلهم , قاله قتادة. الثاني: معناه أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم , قاله الأخفش وأبو عبيدة. الثالث: لعنوا كما لعن الذين من قبلهم , قاله السدي , وقيل هي بلغة مذحج.

стр. 3881

الرابع: ردوا مقهورين.

стр. 3882

﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى﴾ النجوى السرار , ومن ذلك قول جرير: (من النفر البيض الذين إذا انتجوا ... أقرت بنجواهم لؤي بن غالب) والنجوى مأخوذة من النجوة وهي ما له ارتفاع وبعد , لبعد الحاضرين عنه، وفيها وجهان: أحدهما: أن كل سرار نجوى , قاله ابن عيسى. الثاني: أن السرار ما كان بن اثنين , والنجوى ما كان بين ثلاثة، حكاه سراقة. وفي المنهي عنه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود، كانوا يتناجون بما بين المسلمين، فنهوا عن ذلك، قاله مجاهد. الثاني: أنهم المنافقون، قاله الكلبي. الثالث: أنهم المسلمون. روى أبو سعيد الخدري قال: كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله

стр. 3883

صلى الله عليه وسلم فقال: (ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى). فقلنا تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح يعني الدَّجال فرَقاً منه , فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟ قالوا: بلى يا رسول الله , قال: الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان الرجل). ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾ كانت اليهود إذا دخلت على رسول الله ﷺ قالوا: السام عليك , وكان النبي ﷺ يرد عليهم فيقول: ﴿وعليكم﴾ ويروى أن عائشة حين سمعت ذلك منهم قالت: وعليكم السام والذام , فقال ﵇: (إن الله لا يحب الفحش والتفحش). وفي السام الذي أرادوه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الموت، قاله ابن زيد. الثاني: أنه السيف. الثالث: أنهم أرادوا بذلك أنكم ستسأمون دينكم , قاله الحسن , وكذا من قال هو الموت لأنه يسأم الحياة. وحكى الكلبي أن اليهود كانوا إذا رد النبي ﷺ جواب سلامهم قالوا: لو كان هذا نبياً لاستجيب له فينا قوله وعليكم , يعني السام وهو الموت وليس بنا سامة وليس في أجسادنا فترة، فنزلت فيهم ﴿ويقولون في أنفسهم ولولا يعذبنا الله بما نقول﴾ الآية. وفي قوله تعالى: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا﴾ وجهان: أحدهما: ما كان يتناجى به اليهود والمنافقون من الأراجيف بالمسلمين. الثاني: أنها الأحلام التي يراها الإنسان في منامه فتحزنه.

стр. 3884

﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير﴾ ﴿يَأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس. .﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: مجلس النبي ﷺ خاصة إذا جلس فيه قوم تشاحوا بأمكنتهم على من يدخل عليهم أن يؤثروه بها أو يفسحوا له فيها , فأمروا بذلك قاله مجاهد. الثاني: أنه في مجالس صلاة الجمعة , قاله مقاتل. الثالث: أنها في مجالس الذكر كلها , قاله قتادة. الرابع: أن ذلك في الحرب والقتال , قاله الحسن. ﴿ ... وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه وإذا قيل لكم انهضوا إلى القتال فانهضوا , قاله الحسن. الثاني: إذا دعيتم إلى الخير فأجيبوا , قاله قتادة. الثالث: إذا نودي للصلاة فاسعوا إليها , قاله مقاتل بن حيان. الرابع: أنهم كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله ﷺ أطالوا ليكون كل واحد منهم هو الآخر عهداً به , فأمرهم الله أن ينشزوا إذا قيل لهم انشزوا , قاله ابن زيد. ومعنى ﴿تفسحوا﴾ توسعوا. وفي ﴿انشزوا﴾ وجهان: أحدهما: معناه قوموا , قاله ابن قتيبة. الثاني: ارتفعوا , مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها. وفيما أمروا أن ينشزوا إليه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى الصلاة , قاله الضحاك. الثاني: إلى الغزو , قاله مجاهد. الثالث: إلى كل خير , قاله قتادة. ﴿يرفع الله الذين ءامنوا منكم﴾ يعني بإيمانه على من ليس بمنزلته في الإيمان. ﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ على من ليس بعالم.

стр. 3885

ويحتمل هذا وجهين: أحدهما: أن يكون إخباراً عن حالهم عند الله في الآخرة. الثاني: أن يكون أمراً يرفعهم في المجالس التي تقدم ذكرها لترتيب الناس فيها بحسب فضائلهم في الدين والعلم.

стр. 3886

﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون﴾ ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ اختلف في سببها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المنافقين كانا يناجون النبي ﷺ بما لا حاجة لهم به , فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن النجوى , قاله ابن زيد. الثاني: أنه كان قوم من المسلمين يستخلون النبي ﷺ ويناجونه فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشق عليهم ذلك، فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه، قاله الحسن. الثالث: قاله ابن عباس وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه , فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما قال ذلك كف كثير من الناس عن المسألة. وقال مجاهد: لم يناجه إلا عليٌّ قدّم ديناراً فتصدق به , فسأله عن عشر خصال , ثم نزلت الرخصة. ﴿ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾ قال علي: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت , وأحسبه [قال] وما كانت إلا ساعة , وقال ابن حبان: كان ذلك ليالي عشراً. وقال ابن سليمان: ناجاه عليّ بدينار باعه بعشرة دراهم في عشر كلمات كل

стр. 3887

كلمة بدرهم. وناجاه آخر من الأنصار بآصع وكلمه كلمات , ثم نسخت بما بعدها.

стр. 3888

﴿ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ ﴿ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم﴾ يعني المنافقين تولوا قوماً غضب الله عليهم هم اليهود. ﴿ما هم منكم﴾ لأجل نفاقهم. ﴿ولا منهم﴾ لخروجهم بيهوديتهم. ﴿ويحلفون على الكذب﴾ أنهم لم ينافقوا. ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم منافقون. ﴿اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين﴾ فيه قولان: أحدهما: قاله السدي. الثاني: عن سبيل الله في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. ويحتمل ثالثاً: صدوا عن الجهاد ممايلة لليهود. ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ فيه قولان: أحدهما: قوي عليهم. الثاني: أحاط بهم , قاله المفضل. وفيه ثالث: أنه غلب واستولى عليهم في الدنيا.

стр. 3889

﴿فأنساهم ذكر الله﴾ يحتمل ذكر الله ها هنا وجهين: أحدهما: أوامره في العمل بطاعته. الثاني: زواجره في النهي عن معصيته. ويحتمل ما أنساهم من ذكره وجهين: أحدهما: بالغفلة عنها. الثاني: بالشرك بها.

стр. 3890

﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من حارب الله ورسوله , قاله قتادة والفراء. الثاني: من خالف الله ورسوله , قاله الكلبي. الثالث: من عادى الله ورسوله , قاله مقاتل. ﴿ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ اختلف فيمن نزلت هذه الآية فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله ابن شوذب: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه الجراح يوم بدر , جعل يتصدى له , وجعل أبو عبيدة يحيد عنه , فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله.
следующие страницы →