Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين
стр. 3922
قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾ فيهم قولان: أحدهما: أهل مكة حين أسلموا عام الفتح فكانت هي المودة التي صارت بينهم وبين المسلمين , قاله ابن زيد. الثاني: أنه إسلام أبي سفيان. وفي مودته التي صارت منه قولان: أحدهما: تزويج النبي ﷺ بأم حبيبة بنت أبي سفيان فكانت هذه مودة بينه وبين أبي سفيان , قاله مقاتل. الثاني: أن النبي ﷺ استعمل أبا سفيان على بعض اليمن فلما قبض رسول الله أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً , فقاتله فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين , فكانت هذه المودة , قاله الزهيري. ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ الآية. فيهم أربعة أوجه: أحدها: أن هذا في أول الأمر عند موادعة المشركين , ثم نسخ بالقتال , قاله ابن زيد. الثاني: أنهم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف كان لهم عهد فأمر الله أن يبروهم بالوفاء , قاله مقاتل. الثالث: أنهم النساء والصبيان لأنهم ممن لم يقاتل , فأذن الله تعالى ببرهم , حكاه بعض المفسرين. الرابع: ما رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر ﵁ طلق امرأته قتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر , فقدمت عليهم في
стр. 3923
المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش , فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطاً وأشياء , فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له , فأنزل الله هذه الآية. ﴿وتقسطوا إليهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني وتعدلوا فيهم , قاله ابن حبان فلا تغلوا في مقاربتهم , ولا تسرفوا في مباعدتهم. الثاني: معناه أن تعطوهم قسطاً من أموالكم , حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أنه الإنفاق على من وجبت نفقته منهم , ولا يكون اختلاف الدين مانعاً من استحقاقها.
стр. 3924
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ لأنه يعلم بالامتحان ظاهر إيمانهن والله يعلم باطن إيمانهن , ليكون الحكم عليهن معتبراً بالظاهر وإن كان معتبراً بالظاهر والباطن. والسبب في نزوله هذه الآية أن النبي ﷺ هادن قريشاً عام الحديبة فقالت قريش على أن ترد علينا من جاءك منا , ونرد عليك من جاءنا منك , فقال على أن أرد عليكم من جاءنا منكم ولاتردوا علينا من جاءكم منا ممن اختار الكفر على الإيمان،
стр. 3925
فقعد الهدنة بينه وبينهم على هذا إلى أن جاءت منهم امرأة مسلمة وجاؤوا في طلبها , واختلف فيها على أربعة أقاويل: أحدها: أنها أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة , ففرت منه وهو يومئذ كافر , فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له عبد الله , قاله يزيد بن أبي حبيب. الثاني: أنها سعيدة زوج صيفي بن الراهب مشرك من أهل مكة , قاله مقاتل. الثالث: أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط , وهذا قول كثير من أهل العلم. الرابع: أنها سبيعة بنت الحارث الأسلمية جاءت مسلمة بعد فراغ النبي ﷺ من كتاب الهدنة في الحديبية , فجاء زوجها واسمه مسافر وهو من قومها في طلبها , فقال يا محمد شرطت لنا رد النساء , وطين الكتاب لم يجف , وهذه امرأتي فارددها عليّ , حكاه الكلبي. فلما طلب المشركون رد من أسلم من النساء منع الله من ردهن بعد امتحان إيمانهن بقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عقد الهدنة لفظاً أو عموماً: فقالت طائفة منهم قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظاً صريحاً , فنسخ الله ردهن من العقد ومنع منه , وأبقاه في الرجال على ما كان , وهذا يدل على أن للنبي ﷺ أن يجتهد برأيه في الأحكام ولكن لا يقره الله تعالى على خطأ. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظاً وإنما أطلق العقد في رد من أسلم , فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال , فبين الله خروجهن عن العموم , وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم. الثاني: أنهن أرأف قلوباً وأسرع تقلباً منهم. فأما المقيمة على شركها فمردودة عليهم , وقد كانت من أرادت منهن إضرار زوجها قالت سأهاجر إلى محمد فلذلك أمر رسول الله ﷺ بامتحانهن. واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقويل: أحدها: ما رواه ابن عباس أنه كان يمتحنها بأن تحلف بالله أنها ما خرجت
стр. 3926
من بغض زوجها ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا التماس دينا ولا عشقاً لرجل منا , وما خرجت إلا حباً لله ولرسوله. والثاني: بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , قاله عطية العوفي. الثالث: بما بينه الله في السورة من قوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات﴾ فهذا معنى قوله: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ يعني بما في قلوبهن بعد امتحانهن. ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ يعني أن المؤمنات محرمات على المشركين من عبدة الأوثان , والمرتدات محرمات على المسلمين. ثم قال تعالى: ﴿وءاتوهم ما أنفقوا﴾ يعني بما أنفقوا مهور من أسلم منهن إذا سأل ذلك أزواجهن , وفي دفع ذلك إلى أهلهن من غير أزواجهن قولان: ثم قال تعالى: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن﴾ يعني المؤمنات اللاتي أسلمن غير أزواج مشركين , أباح الله نكاحهن للمسلمين إذا انقضت عدتهن أو كن غير مدخول بهن. ﴿إذا ءاتيتموهن أجورهن﴾ يعني مهورهن. ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن العصمة الجمال قاله ابن قتيبة. الثاني: العقد , قاله الكلبي. فإذا أسلم الكافر عن وثنية لم يمسك بعصمتها ولم يقم نكاحها رغبة فيها أو في قومها , فإن الله قد حرم نكاحها عليه والمقام عليها ما لم تسلم في عدتها. فروى موسى بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه أنه قال: لما نزلت هذه الآية
стр. 3927
طلقت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب , وطلق عمر بن الخطاب قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن سفيان في الشرك , وطلق أم كلثوم بنت أبي جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها بعده خالد ابن سعيد بن العاص في الإسلام. ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ يعني أن للمسلم إذا ارتدت زوجته إلى المشركين من ذوي العهد المذكور أن يرجع عليه بمهر زوجته كما ذكرنا وأن للمشرك أن يرجع بمهر زوجته إذا أسلمت فإن لم يكن بيننا وبينهم عهد شرط فيه الرد فلا يرجع. ولا يجوز لمن بعد رسول الله ﷺ من الأئمة أن يشرط في عقد الهدنة رد من أسلم لأن الرسول كان على وعد من الله بفتح بلادهم ودخولهم في الإسلام طوعاً وكرهاً فجاز له ما لم يجز لغيره. ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار﴾ الآية. والمعنى أن من فاتته زوجته بارتدادها إلى أهل العهد المذكور ولم يصل إلى مهرها منهم ثم غنمهم المسلمون ردوا عليه مهرها. وفي المال الذي يرد منه هذا المهر ثلاثة أقاويل: أحدها: من أموال غنائمهم لاستحقاقها عليهم , قاله ابن عباس. الثاني: من مال الفيء , قاله الزهري. الثالث: من صداق من أسلمن منهن عن زوج كافر , وهو مروي عن الزهري أيضاً. وفي قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه غنمتم لأخذه من معاقبة الغزو , قاله مجاهد والضحاك. الثاني: معناه فأصبتم من عاقبة من قتل أو سبي , قاله سفيان. الثالث: عاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرهامن غنائم المسلمين , قاله ابن بحر. وهذا منسوخ لنسخ الشرط الذي شرطه رسول الله ﷺ لهم بالحديبية , وقال عطاء بل حكمها ثابت.
стр. 3928
﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن
стр. 3929
ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ ﴿يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً﴾ وذلك أن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح وبايعة الرجال جاءت النساء بعدهم للبيعة فبايعهن. واختلف في بيعته لهن على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جلس على الصفا [ومعه عمر أسفل منه] فأمره أن يبايع النساء , قاله مقاتل. الثاني: أنه أمر أميمة أخت خديجة خالة فاطمة بنت رسول الله بعد أن بايعته , أن تبايع النساء عنه، قاله محمد بن المنكدر عن أميمة. الثالث: أنه بايعهن بنفسه وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه , قاله عامر الشعبي. وقيل بل وضع قعباً فيه ماء وغمس فيه يده وأمرهن فغمسن أيديهن , فكانت هذه بيعة النساء. فإن قيل فما معنى بيعتهن ولسن من أهل الجهاد فتؤخذ عليهن البيعة كالرجال؟ قيل: كانت بيعته لهن تعريفاً لهن بما عليهن من حقوق الله تعالى وحقوق أزواجهن لأنهن دخلن في الشرع ولم يعرفن حكمه فبينه لهن , وكان أول ما أخذه عليهن أن لا يشركن بالله شيئاً توحيداً له ومنعاً لعبادة غيره. ﴿ولا يسرقن﴾ فروى أن هند بنت عتبة كانت متنكرة عند أخذ البيعة على
стр. 3930
النساء خيفة من رسول الله ﷺ لما صنعته بحمزة وأكلها كبده , فقالت حين سمعته في أخذ البيعة عليهن يقول: ﴿لا يسرقن﴾ والله إني لا أصيب من أبي سفيان إلا قوتنا ما أدري أيحل لي أم لا , فقال أبو سفيان: ما أصبت مما مضى أو قد بقي فهو لك حلال , فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فقال: (أنت هند)؟ فقالت عفا اللَّه عما سلف. ثم قال: ﴿ولا يزنين﴾ فقالت هند يا رسول الله أو تزني الحرة؟ ثم قال: ﴿ولا يقتلن أولادهن﴾ لأن العرب كانت تئد البنات , فقالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر , وأنت وهم أبصر. وروى مقاتل أنها قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتوهم كباراً فأنتم وهم أعلم , فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. ﴿ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه السحر , قاله ابن بحر. الثاني: المشي بالنميمة والسعي في الفساد. والثالث: وهو قول الجمهور ألا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن لأن الزوجة كانت تلتقط ولداً وتلحقه بزوجها ولداً , ومعنى ﴿يفترينه بين أيديهن﴾ ما أخذته لقيطاً , ﴿وأرجلهن﴾ ما ولدته من زنى , وروي أن هنداً لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح , وما تأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق. ثم قال: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله , قاله ميمون بن مهران. الثاني: ما رواه شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي ﷺ ولا يعصينك في معروف قال: هو النوح. الثالث: أن من المعروف ألا تخمش وجهها ولا تنشر شعرها ولا تشق جيباً ولا تدعو ويلاً، قاله أسيد بن أبي أسيد.
стр. 3931
الرابع: أنه عام في كل معروف أمر الله ورسوله به , قاله الكلبي. فروي أن هنداً قالت عند ذلك: ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعطيك من شيء وهذا دليل على أن طاعة الولاة إنما تلزم في المعروف المباح دون المنكر المحظور. ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الأخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود، قاله مقاتل. الثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن مسعود. الثالث: جميع الكفار، قاله مجاهد. ﴿قد يئسوا من الأخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس الكفار من بعث من في القبور، قاله ابن عباس. الثاني: قد يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس أصحاب القبور بعد المعاينة من ثواب الآخرة لأنهم تيقنوا العذاب، قاله مجاهد. الثالث: قد يئسوا من البعث والرجعة كما يئس منها من مات منهم وقبر. الرابع: يئسوا أن يكون لهم في الآخرة خير كما يئسوا أن ينالهم من أصحاب القبور خير.
стр. 3932
سورة الصف
مدنية في قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 3933
﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في قوم قالوا: لو عملنا أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليه , فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنها نزلت في قوم كان يقول الرجال منهم: قاتلت ولم يقاتل , وطعنت , ولم يطعن , وضربت , ولم يضرب وصبرت , ولم يصبر , وهذا مروي عن عكرمة. الثالث: أنها نزلت في المنافقين كانوا يقولون للنبي ﷺ ولأصحابه إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. وهذه الآية وإن كان ظاهرها الإنكار لمن قال ما لا يفعل فالمراد بها الإنكار لمن لم يفعل ما قال , لأن المقصود بها القيام بحقوق الالتيام دون إسقاطه.
стр. 3934
﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً﴾ مصطفين صفوفاً كالصلاة , لأنهم إذا اصطفوا مثلاً صفين كان أثبت لهم وأمنع من عدوهم. قال سعيد بن جبير: هذا تعليم من الله للمؤمنين. ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المرصوص الملتصق بعضه إلى بعض لا ترى فيه كوة ولا ثقباً لأن ذلك أحكم في البناء من تفرقه وكذلك الصفوف , قاله ابن جبير , قال الشاعر:
(وأشجر مرصوص بطين وجندل ... له شرفات فوقهن نصائب)
والثاني: أن المرصوص المبني بالرصاص , قاله الفراء , ومنه قول الراجز:
(ما لقي البيض من الحرقوص ... يفتح باب المغلق المرصوص)
стр. 3935
﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾ ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ وفي الزيغ وجهان: أحدهما: أنه العدول , قاله السدي. الثاني: أنه الميل , إلا أنه لا يستعمل إلا في الزيغ عن الحق دون الباطل. ويحتمل تأويله وجهين: أحدهما: فلما زاغوا عن الطاعة أزاغ الله قلوبهم عن الهداية. الثاني: فلما زاغوا عن الإيمان أزاغ قلوبهم عن الكلام.
стр. 3936
وفي المعِنيّ بهذا الكلام ثلاثة أقاويل: أحدها: المنافقون. الثاني: الخوارج , قاله مصعب بن سعيد عن أبيه. الثالث: أنه عام. ﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ وهذه البشرى من عيسى تتضمن أمرين: أحدهما: تبليغ ذلك إلى قومه ليؤمنوا به عند مجيئه , وذلك لا يكون منه بعد إعلام الله له بذلك إلا عن أمر بتبليغ ذلك إلى أمته. الثاني: ليكون ذلك من معجزات عيسى عند ظهور محمد ﷺ , وهذا يجوز أن يقتصر عيسى فيه على إعلام الله له بذلك دون أمره بالبلاغ. وفي تسمية الله له بأحمد وجهان: أحدهما: لأنه من أسمائه فكان يسمى أحمد ومحمداً قال حسان:
(صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد)
الثاني: أنه مشتق من اسمه محمود , فصار الاشتقاق اسماً , كما قال حسان:
(وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد)
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار , واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبادة الأصنام , واسمي في الإنجيل أحمد , واسمي في القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض.)
стр. 3937
﴿ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي
стр. 3938
أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم الكفار والمنافقون , قاله ابن جريج. الثاني: أنه النضر وهو من بني عبد الدار قال إذا كان يوم القيامة شفعت لي العزى واللات , فأنزل الله هذه الآية , قاله عكرمة. ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم﴾ الآية. والإطفاء هو الإخماد , ويستعملان في النار , ويستعاران فيما يجري مجراها من الضياء والنور. والفرق بين الإطفاء والإخماد من وجه وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير , والإخماد يستعمل في الكثير دون القليل , فيقال أطفأت السراج ولا يقال أخمدت السراج. وفي ﴿نور الله﴾ ها هنا خمسة أقاويل: أحدها: القرآن , يريدون إبطاله بالقول , قاله ابن زيد. الثاني: أنه الإسلام , يريدون دفعه بالكلام , قاله السدي. الثالث: أنه محمد ﷺ يريدون هلاكه بالأراجيف , قاله الضحاك. الرابع: أنه حجج الله ودلائله , يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذبيهم , قاله ابن بحر. الخامس: أنه مثل مضروب , أي من أرد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلاً ممتنعاً فكذلك من أراد إبطال الحق , حكاه ابن عيسى. وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ أبطأ عليه الوحي أربعين يوماً , فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود ابشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه , وما كان الله ليتم أمره , فحزن رسول الله ﷺ لذلك , فأنزل الله هذه الآية , ثم اتصل الوحي بعدها. ﴿ليظهره على الدين كله﴾ الآية. وفي الإظهار ثلاثة أقاويل: أحدها: الغلبة على أهل الأديان.
стр. 3939
الثاني: العلو على الأديان. الثالث: العلم بالأديان من قولهم قد ظهرت على سره أي علمت به.
стр. 3940
﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب﴾ وهذا من الله لزيادة الترغيب , لأنه لما وعدهم بالجنة على طاعته وطاعة رسوله علم أن منهم من يريد عاجل النصر لقاء رغبة في الدنيا ولقاء تأييد الدين فوعدهم بما يقوي به الرغبة فقال: ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب﴾ يعني فتح البلاد عليه وعليهم , وقد أنجز الله وعده في كلا الأمرين من النصر والفتح. وفي قوله: ﴿قريب﴾ وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى ما يحبونه أنه نصر من الله وفتح قريب. الثاني: أنه إخبار من الله بأن ما يحبونه من ذلك سيكون قريباً , فكان كما أخبر لأنه عجل لهم الفتح والنصر.
стр. 3941
سورة الجمعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3942
﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم﴾ ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. ﴿بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ يعني في العرب , وفي تسميتهم أميين قولان: أحدهما: لأنه لم ينزل عليهم كتاب , قاله ابن زيد. الثاني: لأنهم لم يكونوا يكتبون ولا كان فيهم كاتب , قاله قتادة. ثم فيهم قولان: أحدهما: أنهم قريش خاصة لأنها لم تكن تكتب حتى تعلم بعضها في آخر الجاهلية من أهل الحيرة.
стр. 3943
الثاني: أنهم جميع العرب لأنه لم يكن لهم كتاب ولا كتب منهم إلا قليل , قاله المفضل. فلو قيل: فما وجه الامتنان بأن بعث نبياً أمياً؟ فالجواب عنه ثلاثة أوجه: احدها: لموافقته ما تقدمت بشارة الأنبياء به. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم , فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعلمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. ﴿يتلوا عليهم ءاياته﴾ يعني القرآن. ﴿ويزكيهم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان , وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: يطهرهم من الكفر والذنوب، قاله ابن جريج ومقاتل. الثالث: يأخذ زكاة أعمالهم، قاله السدي. ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ فيه ثلاثة تلأويلات: أحدها: أنه القرآن، قاله الحسن. الثاني: أنه الخط بالقلم، قاله ابن عباس، لأن الخط إنما فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط. الثالث: معرفة الخير والشر كما يعرفونه بالكتاب ليفعلوا الخير ويكفوا عن الشر , وهذا معنى قول محمد بن إسحاق. ﴿والحكمة﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الحكمة السنة، قاله الحسن.
стр. 3944
الثاني: أنه الفقه في الدين , وهو قول مالك بن أنس. الثالث: أنه الفهم والاتعاظ , قاله الأعمش. ﴿وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ أي ويعلم آخرين ويزكيهم , وفيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم المسلمون بعد الصحابة , قاله ابن زيد. الثاني: أنهم العجم بعد العرب , قاله الضحاك وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (رأيت في منامي غنماً سوداً تتبعها غنم عفر) فقال أبو بكر: يا رسول الله تلك العرب يتبعها العجم , فقال: (كذلك عبرها لي الملك). الثالث: أنهم الملوك أبناء الأعاجم , قاله مجاهد. الرابع: أنهم الأطفال بعد الرجال. ويحتمل خامساً: أنهم النساء بعد الرجال. ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها النبوة التي خص الله بها رسوله هي فضل الله يؤتيه من يشاء , قاله مقاتل. الثاني: الإسلام الذي آتاه الله من شاء من عباده , قاله الكلبي. الثالث: ما روي أنه قيل يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، فأمر
стр. 3945
ذوي الفاقة بالتسبيح والتحميد والتكبير بدلاً من التصدق بالأموال , ففعل الأغنياء مثل ذلك , فقيل لرسول الله ﷺ فقال: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) قاله أبو صالح. ويحتمل خامساً: أنه انقياد الناس إلى تصديقه ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته.
стр. 3946
﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: معناه تفرون من الداء بالدواء فإنه ملاقيكم بانقضاء الأجل. الثاني: تفرون من الجهاد بالقعود فإنه ملاقيكم بالوعيد. الثالث: تفرون منه بالطيرة من ذكره حذراً من حلوله فإنه ملاقيكم بالكره والرضا. الرابع: إنه الموت الذي تفرون أن تتمنوه حين قال تعالى: ﴿فتمنوا الموت﴾.
стр. 3947
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾ ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ في السعي إليها أربعة أقاويل: أحدها: النية بالقلوب، قاله الحسن.
стр. 3948
الثاني: أنه العمل لها، كما قال تعالى: ﴿إن سعيكم لشتى﴾ قاله ابن زيد. الثالث: أنه إجابة الداعي، قاله السدي. الرابع: المشي على القدم من غير إسراع، وذكر أن عمر وابن مسعود كانا يقرآن ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وفي ذكر الله ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها موعظة الإمام في الخطبة , قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنها الوقت , حكاه السدي. الثالث: أنه الصلاة , وهو قول الجمهور. وكان اسم يوم الجمعة في الجاهلية العروبة , لأن أسماء الأيام في الجاهلية كانت غير هذه الأسماء , فكانوا يسمون يوم الأحد أوّل , والأثنين أهون , والثلاثاء جبار , والأربعاء دبار , والخميس مؤنس , والجمعة عروبة , والسبت شيار , وأنشدني بعض أهل الأدب:
(أؤمل أن أعيش وإن يومي ... بأوّل أو أهون أو جبار)
(أو التالي دبار أو فيومي ... يمؤنس أو عروبة أو شيار)
وأول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب , وقيل بل سمي في الإسلام لاجتماع الناس فيه للصلاة. ﴿وذروا البيع﴾ منع الله منه عند صلاة الجمعة وحرمه في وقتها على ما كان مخاطباً بفرضها. وفي وقت التحريم قولان: أحدهما: أنه بعد الزوال [إلى ما] بعد الفراغ منها، قاله الضحاك. الثاني: من وقت أذان الخطبة إلى الفراغ من الصلاة، قاله الشافعي ﵀ فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس به لحضور
стр. 3949
الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها , وقد كان عمر أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم , فإذا اجتمعوا أذن في المسجد , فجعله [عثمان] آذانين في المسجد , وليس يحرم البيع بعده وقبل الخطبة , فإن عقد في هذا الوقت المحرم بيع لم يبطل البيع وإن كان قد عصى الله , لأن النهي مختص بسبب يعود إلى العاقدين دون العقد , وأبطله ابن حنبل تمسكاً بظاهر النهي. ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ يعني أن الصلاة خير لكم من البيع والشراء لأن الصلاة تفوت بخروج وقتها , والبيع لا يفوت. ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ يعني أُدّيتْ. ﴿فانتشروا في الأرض﴾ حكي عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فرضيتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الرزق من البيع والشراء , قاله مقاتل والضحاك. الثاني: العمل في يوم السبت , قاله جعفر بن محمد. الثالث: ما رواه أبو خلف عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (فإذا قضيت
стр. 3950
الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله , قال: ليس بطلب الدنيا لكن من عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله.) ﴿وإذا رأوا تجارة أولهو أنفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾. ﴿وإذا رأو تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ روى سالم عن جابر قال: أقبلت عير ونحن مع رسول الله ﷺ يعني في الخطبة فانفتل الناس إليها وما بقي غير اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية. وذكر الكلبي أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج إليه نم برودقيق وغيره فنزل عند أحجار الزيت وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، وكانوا في خطبة الجمعة، فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله ﷺ ثمانية رجال، فقال تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾. والتجارة من أموال التجارات. وفي اللهوها هنا أربعة أوجه: أحدها: يعني لعباً، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الطبل، قاله مجاهد. الثالث: أنه المزمار، قاله جابر. الرابع: الغناء. ﴿وتركوك قائماً﴾ يعني في خطبته، وروى عن النبي ﷺ أنه قال: والذي
стр. 3951
نفسي بيده لو ابتدرتموها حتى لا يبقى معي أحد لسال الوادي بكم ناراً، وإنما قال تعالى: ﴿انفضوا إليها﴾ ولم يقل إليهما، لأن غالب انفضاضهم كان للتجارة دون اللهو. وقال الأخفش: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً، وكذلك قرأ ابن مسعود. وفي ﴿انفضوا﴾ وجهان: أحدهما: ذهبوا. الثاني: تفرقوا. فمن جعل معناه ذهبوا أراد التجارة، ومن جعل معناه تفرقوا أراد عن الخطبة وهذا أفصح الوجهين، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر:
(انفض جمعهم عن كل نائرة ... تبقى وتدنس عرض الواجم الشبم)
﴿قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما عند الله من ثواب صلاتكم من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمت لكم خير مما أصبتموه بانفضاضكم من لهوكم وتجارتكم. ﴿والله خير الرازقين﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله سبحانه خير من رزق وأعطى. الثاني: ورزق الله خير الأرزاق.
стр. 3952
سورة المنافقون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3953
﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ سئل حذيفة ابن اليمان عن المنافق فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به , وهم اليوم شر منهم على عهد رسول الله ﷺ , لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه. ﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ يعني نحلف , فعبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب , ومنه قول قيس بن ذريح:
(وأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا)
ويحتمل ثانياً: أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله اعترافاً بالإيمان ونفياً للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه.
стр. 3954
وسبب نزول هذه الآية ما روى أسباط عن السدي أن عبد الله بن أبي بن سلول كان مع رسول الله ﷺ في غزاة وفيها أعراب يتبعون الناس , وكان ابن أبي يصنع لرسول الله ﷺ في كل يوم طعاماً , فاستقى أعرابي ماء في حوض عمله من أحجار , فجاء رجل من أصحاب ابن أبي بناقة ليسقيها من ذلك الماء فمنعه الأعرابي واقتتلا فشجه الاعرابي , فأتى الرجل إلى عبد الله [بن أبي] ودمه يسيل على وجهه , فحزنه , فنافق عبد الله وقال: ما لهم رد الله أمرهم إلى تبال , وقال لأصحابه: لا تأتوا محمداً بالطعام حتى يتفرق عنه الأعراب , فسمع ذلك زيد بن أرقم وكان حدثاً , فأخبر عمه , فأتى عمه رسول الله ﷺ فحدثه , فبعث إلى ابن أبيّ وكان من أوسم الناس وأحسنهم منطقاً , فأتى رسول الله ﷺ فحلف: والذي بعثك بالحق ما قلت من هذا شيئاً , فصدقه فأنزل الله هذه الآية. ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ أي إن نافق من نافقك من علم الله بأنك رسوله فلا يضرك. ثم قال: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: والله يقسم إن المنافقين لكاذبون في أيمانهم. الثاني: معناه والله يعلم أن المنافقين لكاذبون فيها. ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ والجنة: الغطاء المانع من الأذى , ومنه قول الأعشى ميمون.
(إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة ... من المال سار الذم كل مسير)
وفيه وجهان: أحدهما: من السبي والقتل ليعصموا بها دماءهم وأموالهم , قاله قتادة. الثاني: من الموت ألَاّ يُصلَّى عليهم , فيظهر على جميع المسلمين نفاقهم , وهذا معنى قول السدي. ويحتمل ثالثاً: جنة تدفع عنهم فضيحة النفاق.
стр. 3955
﴿فصدوا عن سبيل الله﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن الإسلام بتنفير المسلمين عنه. الثاني: عن الجهاد بتثبيطهم المسلمين وإرجافهم به وتميزهم عنهم , قال عمر بن الخطاب: ما أخاف عليكم رجلين: مؤمناً قد استبان إيمانه وكافر قد استبان كفره , ولكن أخاف عليكم منافقاً يتعوذ بالإيمان ويعمل بغيره. ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ يعني حسن منظرهم وتمام خلقهم. ﴿وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾ يعني لحسن منطقهم وفصاحة كلامهم. ويحتمل ثانياً: لإظهار الإسلام وذكر موافقتهم. ﴿كأنهم خشب مسندة﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شبههم بالنخل القيام لحسن منظرهم. الثاني: [شبههم] بالخشب النخرة لسوء مخبرهم. الثالث: أنه شبههم بالخشب المسندة لأنهم لا يسمعون الهدى ولا يقبلونه , كما لا تسمعه الخشب المسندة , قاله الكلبي , وقوله: ﴿مسندة﴾ لأنهم يستندون إلى الإيمان لحقن دمائهم. ﴿يحسبون كل صيحة عليهم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لِوَجَلهم وخبثهم يحسبون كل صيحة يسمعونها - حتى لو دعا رجل صاحبه أو صاح بناقته - أن العدو قد اصطلم وأن القتل قد حَلَّ بهم , قاله السدي. الثاني: ﴿يحسبون كل صيحة عليهم﴾ كلام ضميره فيه ولا يفتقر إلى ما بعده , وتقديره: يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد فطن بهم وعلم فقال: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ وهذا معنى قول الضحاك. الثالث: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم , وأن النبي ﷺ قد أمر فيها بقتلهم , فهم أبداً وجلون ثم وصفهم الله بأن قال: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. وفي قوله: ﴿فاحذرهم﴾ وجهان: أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم وتميل إلى كلامهم. الثاني: فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك.
стр. 3956
﴿قاتلهم الله﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه لعنهم الله , قاله ابن عباس وأبو مالك. والثاني: أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر , لأن الله تعالى قاهر لكل معاند , حكاه ابن عيسى. وفي قوله: ﴿أني يؤفكون﴾ أربعة أوجه: أحدها: معناه يكذبون , قاله ابن عباس. الثاني: معناه يعدلون عن الحق , قاله قتادة. الثالث: معناه يصرفون عن الرشد , قاله الحسن. الرابع: معناه كيف يضل عقولهم عن هذا , قاله السدي.
стр. 3957
﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ ﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله﴾ الآية. روى سعيد بن جبير أن النبي ﷺ كان إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلي فيه , فلما كانت غزوة تبوك بلغة أن ابن أُبَيّ قال: لئن رجعنا إلى المدينة لِيُخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ , فارتحل قبل أن ينزل آخرُ الناس , وقيل لعبد الله بن
стр. 3958
أُبيّ: ائت النبي ﷺ حتى يستغفر لك , فلوى رأسه , وهذا معنى قوله: ﴿لوَّوْا رؤوسَهم﴾ إشارة إليه وإلى أصحابه , أي حركوها , وأعرضوا يمنة ويسرة إلى غير جهة المخاطب ينظرون شزراً. ويحتمل قولاً ثانيا: أن معنى قوله ﴿يستغفر لكم رسول الله﴾ يستتيبكم من النفاق لأن التوبة استغفار. وفيما فعله عبد الله بن أبيّ حين لوى رأسه وجهان: أحدهما: أنه فعل ذلك استهزاء وامتناعاً من فعل ما دعي إليه من إتيان الرسول للاستغار له , قاله قتادة. الثاني: أنه لوى رأسه بمعنى ماذا قلت , قاله مجاهد. ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يمتنعون , قال الشاعر:
(صدَدْتِ الكاسَ عنا أُمَّ عمرو ... وكان الكأسُ مجراها اليمينا)
الثاني: يعرضون , قال الأعشى:
(صَدَّقَ هُرَيْرةُ عنّا ما تُكَلِّمنا ... جَهْلاً بأُمّ خُلَيْدٍ حبل من تصل)
وفيما يصدون عنه وجهان: أحدهما: عما دُعوا إليه من استغفار الرسول ﷺ . الثاني: عن الإخلاص للإيمان. ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: متكبرون. الثاني: ممتنعون. ﴿هم الذين يقولون لا تُنفِقوا على مَنْ عِندَ رسولِ الله﴾ الآية يعني عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، وسببه أن النبي ﷺ بعد انكفائه من غزاة بني المصطلق في شعبان سنة ست نزل على ماء المريسيع , فتنازع عليه جهجاه، وكان مسلماً وهو رجل من غفار،
стр. 3959
ورجل يقال له سنان، وكان من أصحاب عبد الله بن أُبي، فلطمه جهجاه، فغضب له عبد الله بن أُبيّ وقال: يا معاشر الأوس والخزرج ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، أوطأنا هذا الرجلَ ديارنا وقاسمْناهم أموالَنا ولولانا لانفضوا عنه، ما لهم، رد الله أمرهم إلى جهجاه، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، فسمعه زيد بن أرقم وكان غلاما، فأعاده على رسول الله ﷺ فاعتذر له قومه، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها. ﴿ولله خزائن السموات والأرض﴾ فيه وجهان: أحدهما: خزائن السموات: المطر , وخزائن الأرضين: النبات. الثاني: خزائن السموات: ما قضاه , وخزائن الأرضين: ما أعطاه. وفيه لأصحاب الخواطر (ثالث): أن خزائن السموات: الغيوب , وخزائن الأرض القلوب.
стр. 3960
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أمْوالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه عنى بذكر الله [الصلاة] المكتوبة، قاله عطاء. الثاني: أنه أراد فرائض الله التي فرضها من صلاة وغيرها، قاله الضحاك. الثالث: أنه طاعة اللَّه في الجهاد، قاله الكلبي.
следующие страницы →