← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنةَ جواظٌ ولا جعظري ولا العتلّ الزنيم) فقال رجل: ما الجواظ وما الجعظري وما العتل الزنيم؟ فقال رسول الله ﷺ (الجواظ الذي جمع ومنع , والجعظري الغليظ , والعتل الزنيم الشديد الخلق الرحيب الجوف , المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام , الظلوم للناس). وأما الزنيم ففيه ثماني تأويلات: أحدها: أنه اللين , رواه موسى بن عقبة عن النبي ﷺ . الثاني: أنه الظلوم , قاله ابن عباس في رواية ابن طلحة عنه. الثالث: أنه الفاحش , قاله إبراهيم. الرابع: أنه الذي له زنمة كزنمة الشاة , قال الضحاك: لأن الوليد بن المغيرة كان له أسفل من أذنه زنمة مثل زنمة الشاة , وفيه نزلت هذه الآية , قال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق لأنه حليف ملحق ولذلك سمي زنيماً. الخامس: أنه ولد الزنى , قاله عكرمة. السادس: أنه الدعيّ , قال الشاعر: (زنيمٌ تَداعاه الرجالُ زيادةً ... كما زِيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكارعُ) السابع: أنه الذي يعرف بالأُبنة , وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. الثامن: أنه علامة الكفر كما قال تعالى: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ , قاله أبو رزين. ﴿أنْ كان ذا مالٍ وبنينَ﴾ قيل إنه الوليد بن المغيرة , كانت له حديقة بالطائف , وكان له اثنا عشر ابناً , حكاه الضحاك.

стр. 4027

وقال عليّ بن أبي طالب: المال والبنون حرث الدنيا , والعمل الصالح حرث الآخرة. ﴿إذا تتْلى عليه آياتُنا﴾ يعني القرآن. ﴿قال أساطيرُ الأوّلين﴾ يعني أحاديث الأولين وأباطيلهم. ﴿سَنَسِمُهُ على الخُرطومِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها سمة سوداء تكون على أنفه يوم القيامة يتميز بها الكافر , كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن: ٤١]. الثاني: أنه يضرب في النار على أنفه يوم القيامة , قاله الكلبي. الثالث: أنه إشهار ذكره بالقبائح , فيصير موسوماً بالذكر لا بالأثر. الرابع: هو ما يبتليه اللَّه به في الدنيا في نفسه وماله وولده من سوء وذل وصَغار , قاله ابن بحر واستشهد بقول الأعشى. (فدَعْها وما يَغنيك واعمد لغيرها ... بشِعرك واغلب أنف من أنت واسم.) وقال المبرد: الخرطوم هو من الناس الأنف , ومن البهائم الشفة.

стр. 4028

﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ ﴿إنا بَلَوناهم كما بَلَوْنا أَصْحابَ الجَنَّةِ﴾ فيهم قولان:

стр. 4029

أحدهما: إن الذين بلوناهم أهل مكة بلوناهم بالجوع كرتين , كما بلونا أصحاب الجنة حتى عادت رماداً. الثاني: أنهم قريش ببدر. حكى ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر خذوهم أخذاً واربطوهم في الحبال , ولا تقتلوا منهم أحداً , فضرب اللَّه بهم عند العدو مثلاً بأصحاب الجنة. ﴿إذ أَقْسموا لَيَصرِمُنّها مُصْبِحينَ﴾ قيل إن هذه الجنة حديقة كانت باليمن بقرية يقال لها ضَروان , بينها وبين صنعاء اليمن اثنا عشر ميلاً , وفيها قولان: أحدهما: أنها كانت لقوم من الحبشة. الثاني: قاله قتادة أنها كانت لشيخ من بني إسرائيل له بنون , فكان يمسك منها قدر كفايته وكفاية أهله , ويتصدق بالباقي , فجعل بنوه يلومونه ويقولون: لئن ولينا لنفعلن , وهو لا يطيعهم حتى مات فورثوها , فقالوا: نحن أحوج بكثرة عيالنا من الفقراء والمساكين (فأقسموا ليصرُمنّها مصبحين) أي حلفوا أن يقطعوا ثمرها حين يصبحون. ﴿ولا يَسْتَثْنونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يستثنون من المساكين , قاله عكرمة. الثاني: استثناؤهم قول سبحان ربنا , قاله أبو صالح. الثالث: قول إن شاء اللَّه. ﴿فطاف عليها طائفٌ مِن ربِّك وهم نائمونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أمر من ربك , قاله ابن عباس. الثاني: عذاب من ربك , قاله قتادة. الثالث: أنه عنق من النار خرج من وادي جنتهم , قاله ابن جريج. ﴿وهم نائمون﴾ أي ليلاً وقت النوم , قال الفراء: الطائف لا يكون إلا ليلاً. ﴿فأصبحت كالصَريم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كالرماد الأسود , قاله ابن عباس.

стр. 4030

الثاني: كالليل المظلم , قاله الفراء , قال الشاعر: (تطاولَ ليلُكَ الجَوْنُ البهيمُ ... فما ينجاب عن صبحٍ , صَريمُ.) الثالث: كالمصروم الذي لم يبق فيه ثمر. روى أسباط عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أياكم والمعاصي , إن العبد ليذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيىء له) ثم تلا: ﴿فطاف عليها طائف من ربك ... ﴾ الآيتين قد حرموا خير جنتهم بذنبهم. ﴿فتنادَوْا مُصبِحينَ﴾ أي دعا بعضعهم بعضاً عند الصبح. ﴿أنِ اغْدُوا على حَرْثِكم﴾ قال مجاهد: كان الحرث عنباً. ﴿إن كنتم صارمين﴾ أي عازمين على صرم حرثكم في هذا اليوم. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يتخافتونَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يتكلمون , قاله عكرمة. الثاني: يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد , قاله عطاء وقتادة. الثالث: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم. الرابع: لا يتشاورون بينهم. ﴿أن لا يدخُلَنّها اليومَ عليكم مِسكين﴾ قاله يحيى بن سلام. ﴿وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرين﴾ فيه تسعة أوجه: أحدها: على غيظ , قاله عكرمة. الثاني: على جَدٍّ , قاله مجاهد. الثالث: على منع , قاله أبو عبيدة. الرابع: على قصد , ومنه قول الشاعر: (أقْبَلَ سيلٌ جاء من عندِ الله ... يحْرِدُ حَرْدَ الجَنّة المُغِلّة)

стр. 4031

اُي يقصد قصد الجنة المغلة. الخامس: على فقر , قاله الحسن. السادس: على حرص , قاله سفيان. السابع: على قدرة , قاله ابن عباس. الثامن: على غضب , قاله السدي. التاسع: أن القرية تسمى حرداً , قاله السدي. وفي قوله: (قادرين) ثلاثة أوجه: أحدها: يعني قادرين على المساكين , قاله الشعبي. الثاني: قادرين على جنتهم عند أنفسهم , قاله قتادة. الثالث: أن موافاتهم إلى جنتهم في الوقت الذي قدروه , قاله ابن بحر. ويحتمل رابعاً: أن القادر المطاع بالمال والأعوان , فإذا ذهب ماله تفرق أعوانه فعُصيَ وعجز. ﴿فلمّا رأوْها قالوا إنا لَضالُّون﴾ أي أنهم لما رأوا أرض الجنة لا ثمرة فيها ولا شجر قالوا إنا ضالون الطريق وأخطأنا مكان جنتنا , ثم استرجعوا فقالوا: ﴿بل نحن محرومون﴾ أي حُرمنا خير جنتنا , قال قتادة: معناه جوزينا فحُرمنا. ﴿قال أَوْسَطُهم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أعدلهم , قاله ابن عباس. الثاني: خيرهم , قاله قتادة. الثالث: أعقلهم , قاله ابن بحر. ﴿أَلَمْ أقُل لكم لولا تُسَبَّحونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لولا تستثنون عند قولهم (ليصرمنها مصبحين) , قاله ابن جريج. الثاني: أن التسبيح هو الاستثناء , لأن المراد بالاستثناء ذكر اللَّه , وهو موجود من التسبيح. الثالث: أن تذكروا نعمة اللَّه عليكم فتؤدوا حقه من أموالكم.

стр. 4032

﴿إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان

стр. 4033

علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين﴾ ﴿أم لكم أيْمانٌ علينا بالغةٌ﴾ والبالغة المؤكدة باللَه. ﴿إنّ لكم لما تحْكُمُون﴾ فيه وجهان: أحدهما: أم لكم أيمان عيلنا بالغة أننا لا نعذبكم في الدنيا إلى يوم القيامة. ﴿سَلْهم أيُّهم بذلك زعيمٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الزعيم الكفيل , قاله ابن عباس. الثاني: أنه الرسول , قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: أنه القيم بالأمر لتقدمه ورئاسته.

стр. 4034

﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ ﴿يومَ يُكْشَفُ عن ساقٍ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: عن ساق الآخرة , قاله الحسن. الثاني: الساق الغطاء , قاله الربيع بن أنس , ومنه قول الراجز: (في سَنَةٍ قد كشفتْ عن ساقها ... حمراءَ تبري اللحم عن عراقها) الثالث: أنه الكرب والشدة , قاله ابن عباس , ومنه قول الشاعر: (كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصُّراح)

стр. 4035

الرابع: هو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا , قال الضحاك: لأنه أول الشدائد , كما قال الراجز: (قد كشفت عن ساقها فشُدُّوا ... وجدّت الحربُ بكم فجدوا) فأما ما روي أن اللَّه تعالى يكشف عن ساقه فإن اللَّه تعالى منزه عن التبعيض والأعضاء وأن ينكشف أو يتغطى , ومعناه أنه يكشف عن العظيم من أمره , وقيل يكشف عن نوره. وفي هذا اليوم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يوم الكبر والهرم والعجز عن العمل. الثاني: أنه يوم حضور المنية والمعاينة.

стр. 4036

الثالث: أنه يوم القيامة. ﴿ويُدْعَون إلى السجودِ فلا يستطيعون﴾ فمن قال في هذا اليوم إنه يوم القيامة جعل الأمر بهذا السجود على وجه التكليف. ومن جعله في الدنيا فلهم في الأمر بهذا السجود قولان: أحدهما: أنه تكليف. الثاني: تندم وتوبيخ للعجز عنه , وكان ابن بحر يذهب إلى أن هذا الدعاء إلى السجود إنما كان في وقت الاستطاعة , فلم يستطيعوا بعد العجز أن يستدركوا ما تركوا. ﴿فذرْنِي ومَن يُكذّبُ بهذا الحديث﴾ قال السدي: يعني القرآن. ويحتمل آخر أي بيوم القيامة. ﴿سنستدرجهم مِن حيثُ لا يَعْلمون﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون , قاله السدي. الثاني: نتبع النعمة السيئة وننسيهم التوبة , قاله الحسن. الثالث: نأخذهم من حيث درجوا ودبوا , قاله ابن بحر. الرابع: هو تدريجهم إلى العذاب بإدنائهم منه قليلاً بعد قليل حتى يلاقيهم من حيث لا يعلمون , لأنهم لو علموا وقت أخذهم بالعذاب ما ارتكبوا المعاصي وأيقنوا بآمالهم. الخامس: ما رواه إبراهيم بن حماد , قال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه , وكم من مغبون بالثناء عيه , وكم من مغرور بالستر عليه. والاستدراج: النقل من حال إلى حال كالتدرج , ومنه قيل درجة وهي منزلة بعد منزلة.

стр. 4037

﴿فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين﴾

стр. 4038

﴿فاصْبِرْ لحُكمِ ربّك﴾ فيه وجهان: أحدهما: لقضاء ربك. الثاني: لنصر ربك , قاله ابن بحر. ﴿ولا تكُن كصاحِبِ الحُوتِ﴾ قال قتادة: إن اللَّه تعالى يعزي نبيّه ويأمره بالصبر , وأن لا يعجل كما عجل صاحب الحوت وهو يونس بن متى. ﴿إذ نادى وهو مكظوم﴾ أما نداؤه فقوله: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. وفي مكظوم أربعة أوجه: أحدها: مغموم , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: مكروب , قاله عطاء وأبو مالك , والفرق بينهما أن الغم في القلب , والكرب في الأنفاس. الثالث: محبوس , والكظم الحبس , ومنه قولهم: فلان كظم غيظه أي حبس غضبه , قاله ابن بحر. الرابع: أنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس , قاله المبرد. ﴿لولا أن تَدارَكه نِعْمةٌ مِن ربِّه﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: النبوة , قاله الضحاك. الثاني: عبادته التي سلفت , قاله ابن جبير. الثالث: نداؤه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين , قاله ابن زيد. الرابع: أن نعمة اللَّه عليه إخراجه من بطن الحوت , قاله ابن بحر. ﴿لنُبِذَ بالعراء﴾ فيه وجهان: أحدهما: لألقي بالأرض الفضاء , قاله السدي , قال قتادة: بأرض اليمن. الثاني: أنه عراء يوم القيامة وأرض المحشر , قاله ابن جرير. ﴿وهو مذموم﴾ فيه وجهان: أحدهما: بمعنى مليم.

стр. 4039

الثاني: مذنب , قاله بكر بن عبد الله , ومعناه أن ندعه مذموماً. ﴿وإن يكادُ الذين كَفَروا ليُزْلِقونك بأَبَصارهم﴾ الآية. فيه ستة أوجه: أحدها: معناه ليصرعونك , قاله الكلبي. الثاني: ليرمقونك , قاله قتادة. الثالث: ليزهقونك , قاله ابن عباس , وكان يقرؤها كذلك. الرابع: لينفذونك , قاله مجاهد. الخامس: ليمسونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك , قاله السدي. السادس: ليعتانونك , أي لينظرونك بأعينهم , قاله الفراء. وحكي أنهم قالوا: ما رأينا مثل حجمه ونظروا إليه ليعينوه , أي ليصيبوه بالعين , وقد كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً بعين في نفسه أو ماله تجوّع ثلاثاً ثم يتعرض لنفسه أو ماله فيقول: تاللَّه ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر مالاً منه ولا أحسن , فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله , فأنزل اللَّه هذه الآية. ﴿لّما سَمِعوا الذكْرَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: محمد. الثاني: القرآن. ﴿وما هو إلا ذِكْرٌ للعالمين﴾ فيه وجهان: أحدهما: شرف للعالمين , كما قال تعالى ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ [الزخرف: ٤٤]. الثاني: يذكرهم وعد الجنة ووعيد النار. وفي العالمين وجهان: أحدهما: الجن والإنس , قاله ابن عباس. الثاني: كل أمة من أمم الخلق ممن يُعرف ولا يُعرف.

стр. 4040

سورة الحاقة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4041

﴿الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية﴾ قوله تعالى ﴿الحاقّةُ ما الحاقّةُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه ما حقّ من الوعد والوعيد بحلوله , وهو معنى قول ابن بحر. الثاني: أنه القيامة التي يستحق فيها الوعد والوعيد , قاله الجمهور وفي تسميتها بالحاقة ثلاثة أقاويل: أحدها: ما ذكرنا من استحقاق الوعد والوعيد بالجزاء على الطاعات والمعاصي , وهو معنى قول قتادة ويحيى بن سلام. الثاني: لأن فيها حقائق الأمور , قاله الكلبي. الثالث: لأن حقاً على المؤمن أن يخافها.

стр. 4042

وقوله (ما الحاقة) تفخيماً لأمرها وتعظيماً لشأنها. ﴿وما أدْراكَ ما الحاقّة﴾ قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شىء في القرآن فيه (وما أدراك) فقد أدراه إياه وعلّمه إياه , وكل شيء قال فيه (وما يدريك) فهو ما لم يعلمه إياه. وفيه وجهان: أحدهما: وما أدراك ما هذا الاسم , لأنه لم يكن في كلامه ولا كلام قومه , قاله الأصم. الثاني: وما أدراك ما يكون في الحاقة. ﴿كذّبَتْ ثمودُ وعادٌ بالقارعةِ﴾ أما ثمود فقوم صالح كانت منازلهم في الحجر فيما بين الشام والحجاز , قاله محمد بن إسحاق: وهو وادي القرى , وكانوا عرباً. وأما عاد فقوم هود , وكانت منازلهم بالأحقاف , والأحقاف الرمل بين عُمان إلى حضرموت واليمن كله , وكانوا عرباً ذوي خَلق وبَسطة , ذكره محمد بن إسحاق. وأما (القارعة) ففيها قولان: أحدهما: أنها قرعت بصوت كالصيحة , وبضرب كالعذاب , ويجوز أن يكون في الدنيا , ويجوز أن يكون في الآخرة. الثاني: أن القارعة هي القيامة كالحاقة , وهما اسمان لما كذبت بها ثمود وعاد. وفي تسميتها بالقارعة قولان: أحدهما: لأنها تقرع بهولها وشدائدها. الثاني: أنها مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين , قاله المبرد. ﴿فأمّا ثمودُ فأهلِكوا بالطاغية﴾ فيها خمسة أقاويل: أحدها: بالصيحة , قاله قتادة. الثاني: بالصاعقة , قاله الكلبي. الثالث: بالذنوب , قاله مجاهد. الرابع: بطغيانهم , قاله الحسن. الخامس: أن الطاغية عاقر الناقة , قاله ابن زيد. ﴿وأمّا عادٌ فأهْلِكوا بريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ﴾ روى مجاهد عن ابن عباس قال:

стр. 4043

قال رسول الله ﷺ : (نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهلِكتْ عاد بالدَّبور). فأما صرصر ففيها قولان: أحدهما: أنها الريح الباردة , قاله الضحاك والحسن , مأخوذ من الصر وهو البرد. الثاني: أنها الشديدة الصوت , قاله مجاهد. وأما العاتية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: القاهرة , قاله ابن زيد. الثاني: المجاوزة لحدها. الثالث: التي لا تبقى ولا ترقب. وفي تسميتها عاتية وجهان: أحدهما: لأنها عتت على القوم بلا رحمة ولا رأفة , قاله ابن عباس. الثاني: لأنها عتت على خزانها بإذن اللَّه. ﴿سَخّرها عليهم سَبْعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام حُسوماً﴾ اختلف في أولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنّ أولها غداة يوم الأحد , قاله السدي. الثاني: غداة يوم الأربعاء , قاله يحيى بن سلام. الثالث: غداة يوم الجمعة , قاله الربيع بن أنس. وفي قوله ﴿حُسُوماً﴾ أربعة تأويلات: أحدها: متتابعات , قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والفراء , ومنه قول أمية بن أبي الصلت: (وكم يحيى بها من فرط عام ... وهذا الدهر مقتبل حسوم.) الثاني: مشائيم , قاله عكرمة والربيع. الثالث: أنها حسمت الليالي والأيام حتى استوفتها , لأنها بدأت طلوع الشمس من أول يوم , وانقطعت مع غروب الشمس من آخر يوم , قاله الضحاك.

стр. 4044

الرابع: لأنها حسمتهم ولم تبق منهم أحداً , قاله ابن زيد , وفي ذلك يقول الشاعر: (ومن مؤمن قوم هود ... فأرسل ريحاً دَبوراً عقيماً) ٨٩ (توالتْ عليهم فكانت حُسوماً﴾ ٩ ﴿فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجازُ نخلٍ خاويةٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: البالية , قاله أبو الطفيل. الثاني: الخالية الأجواف , قاله ابن كامل. الثالث: ساقطة الأبدان , خاوية الأصول , قاله السدي. وفي تشبيههم بالنخل الخاوية ثلاثة أوجه: أحدها: أن أبدانهم خوت من أرواحهم مثل النخل الخاوية , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن الريح كانت تدخل في أجوافهم من الخيشوم , وتخرج من أدبارهم , فصاروا كالنخل الخاوية , حكاه ابن شجرة. الثالث: لأن الريح قطعت رؤوسهم عن أجسادهم , فصاروا بقطعها كالنخل الخاوية. ﴿وجاءَ فرعونُ ومَن قَبْلَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ومن معه من قومه وهو تأويل من قرأ (ومن قِبلَهُ) بكسر القاف وفتح الباء. والثاني: ومن تقدمه , وهو تأويل من قرأ (ومن قَبْلَهُ) بفتح القاف وتسكين الباء. ﴿والمؤتفِكاتُ بالخاطئة﴾ في المؤتفكات قولان: أحدهما: أنها المقلوبات بالخسف. الثاني: أنها الأفكات وهي الاسم من الآفكة , أي الكاذبة. والخاطئة: هي ذات الذنوب والخطايا , وفيهم قولان: أحدهما: أنهم قوم لوط. الثاني: قارون وقومه , لأن اللَّه خسف بهم.

стр. 4045

﴿فعصَوْا رسولَ ربِّهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: فعصوا رسول الله إليهم بالتكذيب. الثاني: فعصوا رسالة اللَّه إليهم بالمخالفة , وقد يعبر عن الرسالة بالرسول , قال الشاعر: (لقد كذَبَ الواشون ما بُحْت عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول.) ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخذةً رابيةً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: شديدة , قاله مجاهد. الثاني: مُهلكة , قاله السدي. الثالث: تربوبهم في عذاب اللَّه أبداً , قاله أبو عمران الجوني. الرابع: مرتفعة , قاله الضحاك. الخامس: رابية للشر , قاله ابن زيد. ﴿إنا لما طَغَى الماءُ حَمَلْناكم في الجاريةِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ظَهَر , رواه ابن أبي نجيح. الثاني: زادَ وكثر , قاله عطاء. الثالث: أنه طغى على خزانه من الملائكة , غضباً لربه فلم يقدروا على حبسه , قاله عليّ ﵁. قال قتادة: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً. وروي عن ابن عباس أنه قال: ما أرسل من ريح قط إلا بمكيال. وما أنزل الله من قطرة قط إلا بمثقال , إلا يوم نوح وعاد , فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه فلم يكن لهم عيله سبيل , ثم قرأ: (إنا لما طغى الماء) الآية. وإن الريح طغت على خزانها يوم عاد فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ. (بريح صرصر عاتية سخرها عليهم) الآية. ﴿حملناكم في الجارية﴾ يعني سفينة نوح , سميت بذلك لأنها جارية على الماء. وفي قوله حملناكم وجهان:

стр. 4046

أحدهما: حملنا آباءكم الذين أنتم من ذريتهم. الثاني: أنهم في ظهور آبائهم المحمولين , فصاروا معهم , وقد قال العباس بن عبد المطلب ما يدل على هذا الوجه وهو قوله في مدح النبي ﷺ : (من قبلها طِبتَ في الظلال وفي ... مُستودع حيث يُخْصَفُ الورقُ.) (ثم هبطتَ البلادَ لا بشرٌ ... أنت ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ.) (بل نطفةٌ تركب السَّفينَ وقد ... ألجَمَ نَسراً وأهلَه الغرقُ.) ﴿لنجْعلهَا لكم تذكِرةً﴾ يعني سفينة نوح جعلها اللَّه لكم تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم في قول قتادة , وقال ابن جريج: كانت ألواحها على الجودي. ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيةٌ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: سامعة , قاله ابن عباس. الثاني: مؤمنة , قاله ابن جريج. الثالث: حافظة , وهذا قول ابن عباس أيضاً. قال الزجاج: يقال وعيت لما حفظته في نفسك , وأوعيت لما حفظته في غيرك. وروى مكحول أن النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: (سألت ربي أن يجلعها أُذُنَ عليٍّ) قال مكحول: فكان عليٌّ ﵁ يقول: ما سمعت من رسول الله شيئاً قط نسيته إلا وحفظته. الرابع: [أنالأذن الواعية] أُذن عقلت عن اللَّه وانتفعت بما سمعت من كتاب اللَّه , قاله قتادة.

стр. 4047

﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾

стр. 4048

﴿فيومئذٍ وقَعَتِ الواقعةُ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: القيامة. الثاني: الصيحة. الثالث: أنها الساعة التي يفنى فيها الخلق. ﴿وانْشَقّت السماءُ فهِي يومئذٍ واهيةٌ﴾ في انشقاقها وجهان: أحدهما: أنها فتحت أبوابها , قاله ابن جريج. الثاني: أنها تنشق من المجرة , قاله عليّ ﵁. وفي قوله (واهية) وجهان: أحدهما: متخرقة , قاله ابن شجرة , مأخوذ من قولهم وَهَى السقاءُ إذا انخرق , ومن أمثالهم: (خَلِّ سبيلَ مَنْ وَهَى سِقاؤه ... ومَن هُريق بالفلاةِ ماؤهُ) أي من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه. الثاني: ضعيفه , قاله يحيى بن سلام. ﴿والملَكُ على أَرجائها﴾ فيه وجهان: أحدهما: على أرجاء السماء , ولعله قول مجاهد وقتادة. الثاني: على أرجاء الدنيا , قاله سعيد بن جبير. وفي (أرجائها) أربعة أوجه: أحدها: على جوانبها , قاله سعيد بن جبير. الثاني: على نواحيها , قاله الضحاك. الثالث: أبوابها , قاله الحسن. الرابع: ما استدق منها , قاله الربيع بن أنس. ووقوف الملائكة على أرجائها لما يؤمرون به فيهم من جنة أو نار. ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ ربِّك فوقهم يَومئذٍ ثمانيةُ﴾ يعني أن العرش فوق الثمانية وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: ثمانية أملاك من الملائكة , قاله العباس بن عبد المطلب.

стр. 4049

الثاني: ثمانية صفوف من الملائكة , قاله ابن جبير. الثالث: ثمانية أجزاء من تسعة , وهم الكروبيون , قاله ابن عباس , وروى أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يحمله اليوم أربعة , وهم يوم القيامة ثمانية). وفي قوله ﴿فوقهم﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم يحملون العرش فوق رؤوسهم. الثاني: أن حملة العرش فوق الملائكة الذين على أرجائها. الثالث: أنهم فوق أهل القيامة. ﴿يومئذٍ تُعْرَضونَ﴾ يعني يوم القيامة , روى الحسن عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات , أما عرضتان فجدال ومعاذير , وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف من الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله) ﴿لا تَخْفَى منكم خافيةٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا يخفى المؤمن من الكافر , ولا البر من الفاجر , قاله عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. الثاني: لا تستتر منكم عورة , كما قال النبي ﷺ : (يحشر الناس حفاة عراة) الثالث: أن خافية بمعنى خفيّة كانوا يخفونها من أعمالهم حكاه ابن شجرة.

стр. 4050

﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق

стр. 4051

حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ ﴿فأمّا مَنْ أُوتي كتابَه بيمينه﴾ لأن إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. ﴿فيقول هاؤم اقْرَؤوا كِتابيهْ﴾ ثقة بسلامته وسروراً بنجاته , لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرج , والشمال من دلائل الغم , قال الشاعر: (أبيني أفي يُمْنَى يديكِ جَعَلْتِني ... فأفرح أم صيرتني من شِمالِك) وفي قوله (هاؤمُ) ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى هاكم اقرؤوا كتابيه فأبدلت الهمزة من الكاف , قاله ابن قتيبة. الثاني: أنه بمعنى هلموا اقرؤوا كتابيه , قال الكسائي: العرب تقول للواحد هاءَ وللاثنين هاؤما وللثلاثة هاؤم. الثالث: أنها كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح روي أن أعرابياً نادى رسول الله ﷺ بصوت عالٍ فأجابه هاؤم بطول صوته. والهاء من (كتابيه) ونظائرها موضوعة للمبالغة , وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد. ﴿إني ظننتُ أني مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي علمت , قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين , ومن الكافر فهو شك , وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين , وظن الدنيا شك. الثاني: ما قاله الحسن في هذه الآية , أن المؤمن أحْسن بربه الظن , فأحسن العمل , وأن المنافق أساء بربه الظن فأساء العمل. وفي الحساب ها هنا وجهان: أحدهما: في البعث. الثاني: في الجزاء. ﴿فهو في عِيشَةٍ راضيةٍ﴾ بمعنى مَرْضيّة , قال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري

стр. 4052

يرفعانه: إنهم يعيشون فلا يموتون أبداً , ويصحّون فلا يمرضون أبداً , ويتنعمون فلا يرون بؤساً أبداً , ويشبّون فلا يهرمون أبداً. ﴿في جنة عالية﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: رفيعة المكان. الثاني: عظيمة في النفوس. ﴿قطوفها دانيةٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: دانية من الأيدي يتناولها القائم والقاعد. الثاني: دانية الإدراك لا يتأخر حملها ولا نضجها.

стр. 4053

﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون﴾ ﴿وأمّا من أُوتي كتابه بشماله﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان يقول ذلك راجياً. الثاني: أنه كان مستوراً فافتضح , ومن عادة العرب أن تفرق بين القبول والرد وبين الكرامة والهوان , باليمين والشمال , فتجعل اليمين بشيراً بالقبول والكرامة , وتجعل الشمال نذيراً بالرد والهوان. ﴿ولم أَدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لما شاهد من كثرة سيئاته وكان يظنها قليلة , لأنه أحصاه اللَّه ونسوه. الثاني: لما رأى فيه من عظيم عذابه وأليم عقابه. ﴿يَا لَيْتَها كانت القاضيةَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني موتاً لا حياة فيه بعدها , قاله الضحاك.

стр. 4054

الثاني: أنه تمنى أن يموت في الحال , ولم يكن في الدنيا أكره إليه من الموت , قاله قتادة. ﴿ما أغْنَى عَنيِّ مالِيَهْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن كثرة ماله في الدنيا لم يمنع عنه في الآخرة. الثاني: لأن رغبته في زينة الدنيا وكثرة المال هو الذي ألهاه عن الآخرة. ﴿هَلَكَ عني سُلْطانِيَهْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه ضللت عن حُجّتي , قاله مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك. الثاني: سلطانه الذي تسلط به على بدنه حتى أقدم به على معصيته , وهذا معنى قول قتادة. الثالث: أنه كان في الدنيا مطاعاً في أتباعه , عزيزاً في امتناعه , وهذا معنى قول الربيع بن أنس. وحكي أن هذا في أبي جهل بن هشام , وذكر الضحاك أنها نزلت في الأسود ابن عبد الأسد. ﴿فليس له اليومَ ها هنا حَميمٌ﴾ الحميم: القريب , ومعناه ليس له قريب ينفعه ويدفع عنه كما كان يفعل معه في الدنيا. ﴿ولا طعامٌ إلا مِنْ غِسْلين﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه غسالة أطرافهم , قاله يحيى بن سلام , قال الأخفش: هو فعلين من الغسل. الثاني: أنه صديد أهل النار , قاله ابن عباس. الثالث: أنه شجرة في النار هي أخبث طعامهم , قاله الربيع بن أنس. الرابع: أنه الحار الذي قد اشتد نضجه , بلغة أزد شنوءة.

стр. 4055

﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين﴾ ﴿فلا أُقْسِمُ بما تُبصِرون﴾ قال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً ساحر , وقال أبو جهل: إنه شاعر , وقال عقبة بن معيط: إنه كاهن فقال

стр. 4056

اللَّه تعالى قسماً على كذبهم (فلا أُقْسِم) أي أقسم , و (لا) صلة زائدة. ﴿وَما لا تُبْصِرونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما تبصرون من الخلق وما لا تبصرون من الخلق , قاله مقاتل. الثاني: أنه رد لكلام سبق أي ليس الأمر كما يقوله المشركون. ويحتمل ثالثاً: بما تعلمون وما لا تعلمون , مبالغة في عموم القسم. ﴿إنه لَقْولُ رسولٍ كريمٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: جبريل , قاله الكلبي ومقاتل. الثاني: رسول اللَّه ﷺ , قال ابن قتيبة: وليس القرآن من قول الرسول , إنما هو من قول اللَّه وإبلاغ الرسول , فاكتفى بفحوى الكلام عن ذكره.

стр. 4057

﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين وإنه لتذكرة للمتقين وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم﴾ ﴿ولو تَقوَّل علينا بَعْضَ الأقاويل﴾ أي تكلّف علينا بعض الأكاذيب , حكاه عن كفار قريش أنهم قالوا ذلك في النبي ﷺ . ﴿لأخْذنا منه باليمين﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: لأخذنا منه قوّته كلها , قاله الربيع. الثاني: لأخذنا منه بالحق , قاله السدي والحكم , ومنه قول الشاعر: (إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ... تَلَقّاها عَرابةُ باليَمينِ) أي بالاستحقاق. الثالث: لأخذنا منه بالقدرة , قاله مجاهد. الرابع: لقطعنا يده اليمنى , قاله الحسن.

стр. 4058

الخامس: معناه لأخذنا بيمينه إذلالاً له واستخفافاً به , كما يقال لما يراد به الهوان , خذوا بيده , حكاه أبو جعفر الطبري. ﴿ثم لَقَطَعْنا مِنه الوَتينَ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه نياط القلب ويسمى حبل القلب , وهو الذي القلب معلق به , قاله ابن عباس. الثاني: أنه القلب ومراقّه وما يليه , قاله محمد بن كعب. الثالث: أنه الحبل الذي في الظهر , قاله مجاهد. الرابع: أنه عرق بين العلباء والحلقوم , قاله الكلبي. وفي الإشارة إلى قطع ذلك وجهان: أحدهما: إرادة لقتله وتلفه , كما قال الشاعر: (إذا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رحْلي ... عرابة فاشربي بدَمِ الوَتينِ) الثاني: ما قاله عكرمة أن الوَتين إذا قطع لا إن جاع عَرَق , ولا إن شبع عَرَقَ. ﴿وإنه لتَذْكرةٌ للمُتّقِينَ﴾ يعني القرآن , وفي التذكرة أربعة أوجه: أحدها: رحمة. الثاني: ثَبات. الثالث: موعظة. الرابع: نجاة. ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ منكم مُكذِّبينَ﴾ قال الربيع: يعني بالقرآن. ﴿وإنّه﴾ يعني القرآن. ﴿لَحسْرةٌ على الكافرين﴾ يعني ندامة يوم القيامة. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يزيد حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحدّيهم أن يأتوا بمثله.

стр. 4059

﴿وإنّه لَحقُّ اليقينِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي حقاً ويقيناً ليكونن الكفر حسرة على الكافرين يوم القيامة , قاله الكلبي. الثاني: يعني القرآن عند جميع الخلق أنه حق , قال قتادة: إلا أن المؤمن أيقن به في الدنيا فنفعه , والكافر أيقن به في الآخرة فلم ينفعه. ﴿فَسَبِّحْ باسْمِ ربِّكَ العظيم﴾ فيه وجهان: أحدهما: فصلِّ لربك , قاله ابن عباس. الثاني: فنزهه بلسانك عن كل قبيح.

стр. 4060

سورة المعارج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4061

﴿سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا﴾ قوله تعالى: ﴿سأَل سائلٌ﴾ قرأه الجمهور بهذين الحرفين في سأل سائل , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه استخبر مستخبر عن العذاب متى يقع , على التكذيب. الثاني: دعا داع أن يقع البلاء بهم على وجه الاستهزاء , قاله مجاهد. الثالث: طلب طالب. ﴿بعذابٍ واقعٍ﴾ وفي هذا الطالب ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهالنضر بن الحارث , وكان صاحب لواء المشركين يوم بدر , وقد سأل ذلك في قوله ﴿اللهم إن كان هذا هو الحقَ من عندك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ [الأنفال: ٣٢] قاله ابن عباس ومجاهد.

стр. 4062

الثاني: أنه أبو جهل: وهو القائل لذلك , قاله ربيع بن أبي حمزة. الثالث: أنه قول جماعة من قريش. وفي هذا العذاب قولان: أحدهما: أنه العذاب في الآخرة , قاله مجاهد. الثاني: أنها نزلت بمكة وعذابه يوم بدر بالقتل والأسر , قاله السدي. وقرأ نافع وزيد بن أسلم وابنه (سأل سايل) غير مهموز , وسايل واد في جهنم , وسمي بذلك لأنه يسيل بالعذاب. ﴿مِن اللَّهِ ذي المعارج﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: ذي الدرجات , قاله ابن عباس. الثاني: ذي الفواضل والنعم , قاله قتادة. الثالث: ذي العظمة والعلاء. الرابع: ذي الملائكة , لأنهم كانوا يعرجون إليه , قاله قتيبة. الخامس: أنها معارج السماء , قاله مجاهد. ﴿تَعْرُجُ الملائكةُ والروحُ إليه﴾ أي تصعد , وفي الروح ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه روح الميت حين يقبض , قاله قَبيصة بن ذؤيب , يرفعه. الثاني: أنه جبريل , كما قال تعالى: (نزل به الروح الأمين). الثالث: أنه خلق من خلق اللَّه كهيئة الناس وليس بالناس , قاله أبو صالح. ﴿في يوم كان مِقدارُه خمسينَ ألْفَ سنةٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يوم القيامة , قاله محمد بن كعب والحسن. الثاني: أنها مدة الدنيا , مقدار خمسين ألف سنة , لا يدري أحد كم مضى وكم بقي إلا اللَّه , قاله عكرمة. الثالث: أنه مقدار مدة الحساب في عرف الخلق أنه لو تولى بعضهم محاسبة بعض لكان مدة حسابهم خمسين ألف سنة , إلا أن اللَّه تعالى يتولاه في أسرع مدة.

стр. 4063

وروى معاذ عن النبي ﷺ أنه قال: (يحاسبهم اللَّه بمقدار ما بين الصلاتين ولذلك سمى نفسه سريع الحساب , وأسرع الحاسبين). ﴿فاصْبِرْ صَبْراً جَميلاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الصبر الذي ليس فيه جزع , قاله مجاهد. الثاني: أنه الصبر الذي لا بث فيه ولا شكوى. الثالث: أنه الانتظار من غير استعجال , قاله ابن بحر. الرابع: أنه المجاملة في الظاهر , قاله الحسن. وفيما أُمر بالصبر عليه قولان: أحدهما: أُمر بالصبر على ما قذفه المشركون من أنه مجنون وأنه ساحر وأنه شاعر , قاله الحسن. الثاني: أنه أُمر بالصبر على كفرهم , وذلك قبل أن يفرض جهادهم , قاله ابن زيد. ﴿إنهم يَرَوْنه بعيداً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه البعث في القيامة. الثاني: عذاب النار. وفي المراد بالبعيد وجهان: أحدهما: مستحيل غير كائن. الثاني: استبعاد منهم للآخرة. ﴿ونراه قريباً﴾ أي كائناً , لأن ما هو كائن قريب.

стр. 4064

﴿يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما

стр. 4065

يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى﴾ ﴿يومَ تكونُ السّماءُ كالمُهْلِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كدرديّ الزيت , قاله ابن عباس. الثاني: كمذاب الرصاص والنحاس والفضلة , قاله ابن مسعود. الثالث: كقيح من دم , قاله مجاهد. ﴿وتكونُ الجبالُ كالعِهْنِ﴾ يعني كالصوف المصبوغ , والمعنى أنها تلين بعد الشدة , وتتفرق بعد الاجتماع. ﴿يُبْصّرُونَهم﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يبصر بعضهم بعضاً فيتعارفون , قاله قتادة. الثاني: أن المؤمنين يبصرون الكافرين , قاله مجاهد. الثالث: أن الكافرين يبصرون الذين أضلوهم في النار , قاله ابن زيد. الرابع: أنه يبصر المظلوم ظالمه , والمقتول قاتله. ﴿يَوَدّ المجْرِمُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يحب. الثاني: يتمنى , والمجرم هو الكافر. ﴿لو يَفْتَدِي مِن عَذابِ يومِئذ﴾ يعني يفتدي من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه , فلا يقدر. ثم ذكرهم فقال: ﴿ببنيه﴾. ﴿وصاحبته﴾ يعني زوجته: ﴿وأخيه﴾. ﴿وفصيلته﴾ فيه وجهان: أحدهما: عشيرته التي تنصره , قاله ابن زيد. الثاني: أنها أمه التي تربيه , قاله مالك , وقال أبو عبيدة: الفصيلة دون القبيلة. ﴿التي تؤويه﴾ فيه وجهان:
следующие страницы →