← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

سورة التكاثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4377

﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ قوله تعالى: ﴿ألْهاكُم التّكاثُرُ﴾ في ﴿ألهاكم﴾ وجهان: أحدهما: شغلكم. الثاني: أنساكم , ومعناه ألهاكم عن طاعة ربكم وشغلكم عن عبادة خالقكم. وفي ﴿التكاثر﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: التكاثر بالمال والأولاد , قاله الحسن. الثاني: التفاخر بالعشائر والقبائل , قاله قتادة. الثالث: التشاغل بالمعاش والتجارة , قاله الضحاك. ﴿حتى زُرْتُم المقابِرَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حتى أتاكم الموت فصرتم في المقابر زوّاراً ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار.

стр. 4378

الثاني: ما حكاه الكلبي وقتادة: أن حيّين من قريش , بني عبد مناف وبني سهم , كان بينهما ملاحاة فتعادّوا بالسادة والأشراف أيهم أكثر , فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيّداً وعزاً وعزيزاً وأعظم نفراً , وقال بنو سهم مثل ذلك , فكثرهم بنو عبد مناف , فقال بنو سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعُدّوا الأحياء والأموات , فعدّوهم فكثرتهم بنو سهم , فأنزل الله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر﴾ يعني بالعدد ﴿حتى زرتم المقابر﴾ أي حتى ذكرتم الأموات في المقابر. ﴿كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمونَ ثم كلاّ سَوْفَ تَعلَمونَ﴾ هذا وعيد وتهديد , ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ. ويحتمل أن يعدل به عن التأكيد فيكون فيه وجهان: أحدهما: كلا سوف تعلمون عند المعاينة أن ما دعوتكم إليه حق , ثم كلا سوف تعلمون عند البعث أن ما وعدتكم صدق. الثاني: كلا سوف تعلمون عند النشور أنكم مبعوثون , ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذَّبون. ﴿كلاّ لو تَعْلَمون عِلْمَ اليَقِين﴾ معناه لو تعلمون في الحياة قبل الموت من البعث والجزاء ما تعلمونه بعد الموت منه. ﴿عِلْمَ اليقين﴾ فيه وجهان: أحدهما: علم الموت الذي هو يقيني لا يعتريه شك , قاله قتادة. الثاني: ما تعلمونه يقيناً بعد الموت من البعث والجزاء , قاله ابن جريج. وفي ﴿كَلَاّ﴾ في هذه المواضع الثلاثة وجهان: أحدهما: أنها بمعنى (إلا) , قاله أبو حاتم. الثاني: أنها بمعنى حقاً , قاله الفراء. ﴿لَتَروُنَّ الجَحيمَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن هذا خطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. الثاني: أنه عام , فالكافر هي له دار والمؤمن يمر على صراطها.

стр. 4379

روى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (يرفع الصراط وسط جهنم , فناج مسلّم , ومكدوس في نار جهنم). ﴿ثم لَتَروُنَّها عَيْنَ اليَقين﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن عين اليقين المشاهدة والعيان. الثاني: أنه بمعنى الحق اليقين , قاله السدي. ويحتمل تكرار رؤيتها وجهين: أحدهما: أن الأول عند ورودها. والثاني: عند دخولها. ﴿ثم لتُسْأَلُنَّ يومَئذٍ عن النَّعيمِ﴾ فيه سبعة أقاويل: أحدها: الأمن والصحة , قاله ابن مسعود؛ وقال سعيد بن جبير: الصحة والفراغ , للحديث. الثاني: الإدراك بحواس السمع والبصر , قاله ابن عباس. الثالث: ملاذّ المأكول والمشروب , قاله جابر بن عبد الله الأنصاري. الرابع: أنه الغداء والعشاء , قاله الحسن. الخامس: هو ما أنعم الله عليكم بمحمد ﷺ , قاله محمد بن كعب. السادس: عن تخفيف الشرائع وتيسير القرآن , قاله الحسن أيضاً والمفضل. السابع: ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (ثم لتسألن يومئذٍ عن النَعيم) عن شبع البطون وبارد الماء وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم , وهذا السؤال يعم المؤمن والكافر , إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن جمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة , وسؤال الكافر تقريع لأنه قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية , ويحتمل أن يكون ذلك تذكيراً بما أوتوه , ليكون جزاء على ما قدموه.

стр. 4380

سورة العصر مكية، وفي إحدى الروايتين عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 4381

﴿و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ قوله تعالى ﴿والعَصْرِ﴾ وهذا قَسَمٌ , فيه قولان: أحدهما: أن العصر الدهر , قاله ابن عباس وزيد بن أسلم. الثاني: أنه العشي ما بين زوال الشمس وغروبها , قاله الحسن وقتادة , ومنه قول الشاعر: (تَرَوّحْ بنا يا عمرُو قد قصر العَصْرُ ... وفي الرَّوْحةِ الأُولى الغنيمةُ والأَجْرُ) وخصه بالقسم لأن فيه خواتيم الأعمال. ويحتمل ثالثاً: أن يريد عصر الرسول ﷺ لفضله بتجديد النبوة فيه. وفيه رابع: أنه أراد صلاة العصر , وهي الصلاة الوسطى , لأنها أفضل الصلوات , قاله مقاتل. ﴿إنّ الإنسانَ لَفي خُسْر﴾ يعني بالإنسان جنس الناس. وفي الخسر أربعة أوجه:

стр. 4382

أحدها: لفي هلاك , قاله السدي. الثاني: لفي شر , قاله زيد بن أسلم. الثالث: لفي نقص , قاله ابن شجرة. الرابع: لفي عقوبة , ومنه قوله تعالى: ﴿وكان عاقبة أمْرِها خُسْراً﴾ وكان عليّ ﵁ يقرؤها: والعصر ونوائب الدهر إنّ الإنسان لفي خُسْرِ وإنه فيه إلى آخر الدهر. ﴿إلا الذين آمنوا وعَمِلوا الصّالحاتِ وتَواصَوْا بالحَقِّ﴾ في الحق ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه التوحيد , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه القرآن , قاله قتادة. الثالث: أنه الله , قاله السدي. ويحتمل رابعاً: أن يوصي مُخَلَّفيه عند حضور المنية ألا يمُوتنَّ إلا وهم مسلمون. ﴿وتَوَاصوا بالصَّبْر﴾ فيه وجهان: أحدهما: على طاعة الله , قاله قتادة. الثاني: على ما افترض الله , قاله هشام بن حسان. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: بالصبر عن المحارم واتباع الشهوات.

стр. 4383

سورة الهمزة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4384

﴿ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة﴾ قوله تعالى ﴿وَيْلٌ لكلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الهمزة المغتاب , واللمزة العيّاب , قاله ابن عباس , ومنه قول زياد الأعجم: (تُدْلي بوُدّي إذا لاقيتني كَذِباً ... وإن أُغَيّبْ فأنْتَ الهامزُ اللُّمَزة) الثاني: أن الهمزة الذي يهمز الناس , واللمزة الذي يلمزهم بلسانه , قاله ابن زيد. الثالث: أن الهمزة الذي يهمز في وجهه إذا أقبل , واللمزة الذي يلمزه من خلفه إذا أدبر , قاله أبو العالية , ومنه قول حسان:

стр. 4385

(همزتك فاخْتَضَعْتَ بذُلَّ نفْسٍ ... بقافيةٍ تأَجج كالشُّواظِ) الرابع: أن الهمزة الذي يعيب جهراً بيد أو لسان , واللمزة الذي يعيبهم سراً بعين أو حاجب , قاله عبد الملك بن هشام. قال رؤبة: (في ظل عَصْرَيْ باطِلي وَلَمزِي ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .) واختلفوا فيمن نزلت فيه على خمسة أقاويل: أحدها: في أُبي بن خلف , قاله عمار. الثاني: في جميل بن عامر الجمحي , قاله مجاهد. الثالث: في الأخنس بن شريق الثقفي , قاله السدي. الرابع: في الوليد بن المغيرة , قاله ابن جريج. الخامس: أنها مرسلة على العموم من غير تخصيص , وهو قول الأكثرين. ﴿الذي جَمَعَ مَالاً وعَدَّدَه﴾ فيه اربعة أوجه: أحدها: يعني أحصى عدده , قاله السدي. الثاني: عددّ أنواع ماله , قاله مجاهد. الثالث: لما يكفيه من الشين , قاله عكرمة. الرابع: اتخذ ماله لمن يرثه من أولاده. ويحتمل خامساً: أنه فاخر بعدده وكثرته. ﴿يَحْسَبُ أَنّ مالَه أَخْلَدَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يزيد في عمره , قال عكرمة. الثاني: يمنعه من الموت , قال السدي. ويحتمل ثالثاً: ينفعه بعد موته. ﴿كَلَاّ لَيُنبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه اسم باب من أبواب جهنم , قاله ابن واقد , وقال الكلبي هو الباب السادس. الثاني: أنه اسم درك من أدراك جهنم , وهو الدرك الرابع , قاله الضحاك. الثالث: أنه اسم من أسماء جهنم , قاله ابن زيد. وفي تسميتها بذلك وجهان:

стр. 4386

أحدهما: لأنها تحطم ما أُلقي فيها , أي تكسره وتهده , ومنه قول الراجز: (إنا حَطْمنا بالقضيب مُصْعَبا ... يومَ كَسَرنا أَنْفَه ليَغْضَبا) ﴿التي تَطّلِعُ على الأَفئدةِ﴾ روى خالد بن أبي عمران عن النبي ﷺ أن النار تأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت , ثم إذا صدروا تعود , فذلك قوله ﴿نار الله الموقدة , التي تطلع على الأفئدة﴾ ويحتمل اطلاعها على الأفئدة وجهين: أحدهما: لتحس بألم العذاب مع بقاء الحياة ببقائها. الثاني: استدل بما في قلوبهم من آثار المعاصي وعقاب على قدر استحقاقهم لألم العذاب , وذلك بما استبقاه الله تعالى من الإمارات الدالة عليه. ﴿إنَّها عليهم مْؤْصَدَةٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مطبقة , قاله الحسن والضحاك. الثاني: مغلقة بلغة قريش , يقولون آصد الباب إذا أغلقه , قاله مجاهد ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: (إن في القَصْر لو دَخَلنْا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصَداً عليه الحجابُ) الثالث: مسدودة الجوانب لا ينفتح منها جانب , قاله سعيد بن المسيب , وقال مقاتل بن سليمان: لا يدخلها روْح ولا يخرج منها غم. ﴿في عَمَدٍ مُمَدَّدةٍ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها موصدة بعمد ممددة , قاله ابن مسعود , وهي في قراءته (بعَمَدٍ ممدّدة). الثاني: أنهم معذبون فيها بعُمد محددة , قاله قتادة. الثالث: أن العُمد الممدة الأغلال في أعناقهم , قاله ابن عباس. الرابع: أنها قيود في أرجلهم , قاله أبو صالح. الخامس: معناه في دهر ممدود , قاله أبو فاطمة.

стр. 4387

سورة الفيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4388

﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول﴾ قوله تعالى: ﴿ألمْ تَرَ كيفَ فَعَلَ ربُّكَ بأصْحابِ الفِيل﴾ فيه وجهان: أحدهما: ألم تخبر فتعلم كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. الثاني: ألم ترَ آثار ما فعل ربك بأصحاب الفيل , لأن النبي ﷺ لم ير أصحاب الفيل. واختلف في مولده ﵇ من عام الفيل على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن مولده بعد أربعين سنة من عام الفيل , قاله مقاتل: الثاني: بعد ثلاث وعشرين سنة منه , قاله الكلبي وعبيد بن عمير. الثالث: أنه عام الفيل , روي ذلك عن النبي ﷺ وروي عنه أنه قال: ولدت يوم الفيل. واختلف في سبب الفيل على قولين:

стр. 4389

أحدهما: ماحكاه ابن عباس: أن أبرهة بن الصباح بنى بيعة بيضاء يقال لها القليس , وكتب إلى النجاشي إني لست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب , فسمع ذلك رجل من كنانة , فخرج إلى القليس ودخلها ليلاً فأحدث فيها , فبلغ ذلك أبرهة فحلف بالله ليسيرن إلى الكعبة فيهدمها , فجمع الأحابيش وجنّد الأجناد , وسار , ودليله أبو رغال , حتى نزل بالمغمّس , وجعل على مقدمته الأسود بن مقصود حتى سبى سرح مكة وفيه مائتا بعير لعبد المطلب قد قلّد بعضها , وفيه يقول عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف: (لأهمّ أخْزِ الأسود بن مقصودِ ... الآخذ الهجمة فيها التقليدْ) (بين حراء , وثبير فالبيد ... يحبسها وفي أُولات التطريدْ) (فضمّها إلى طماطم سُودْ ... قد أجْمعوا ألا يكون معبودْ.) (ويهْدموا البيت الحرام المعمود ... والمروتين والمشاعر السودْ) ٨٩ (اخْفره يا ربِّ وأنت محمودْ﴾ ٩ وتوجه عبد المطلب وكان وسيماً جسيماً لا تأخذه العين إلى أبرهة , وسأله في إبله التي أخذت , فقال أبرهة: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك وقد زهدت الآن فيك , قال: ولم؟ قال: جئت لأهدم بيتاً هو دينك ودين آبائك فلم تكلمني فيه , وكلمتني في مائتي بعير لك , فقال عبد المطلب: الإبل أنا ربها , وللبيت رب سيمنعه , فقال أبرهة: ما كان ليمنعه مني , فقال عبد المطلب: لقد طلبته تبّع وسيف بن ذي يزن وكسرى فلم يقدروا عليه , وأنت ذاك فرد عليه إبله , وخرج عبد المطلب وعاد إلى مكة , فأخبر قريشاً بالتحرز في الجبال , وأتى البيت وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: (لاهمّ إنّ العْبدَ يَمْ ... نَعُ رحْلَهُ فامْنَع حَلالَكْ.) (لا يَغْلبنّ صَليبُهم ... ومحالُهم غَدْواً مِحالكْ.) (إنْ كنتَ تاركَهم وقب ... لَتَنا فأمْرٌ ما بدا لَكَ.) المحال: القوة.

стр. 4390

الثاني: ما حكاه الكلبي ومقاتل يزيد أحدهما وينقص أن فتية من قريش خرجوا إلى أرض الحبشة تجاراً , فنزلوا على ساحل البحر على بيعة النصارى في حقف من أحقافها , قال الكلبي تسمى البيعة ما سرجيان , وقال مقاتل: تسمى الهيكل , فأوقدوا ناراً لطعامهم وتركوها وارتحلوا فهبت ريح عاصف فاضطرمت البيعة ناراً فاحترقت , فأتى الصريخ إلى النجاشي فأخبره , فاستشاط غضباً , وأتاه أبرهة بن الصبّاح وحجر بن شراحبيل وأبو يكسوم الكِنْديون , وضمنوا له إحراق الكعبة وسبي مكة , وكان النجاشي هو الملك , وأبرهة صاحب الجيش , وأبو يكسوم نديم الملك وقيل وزيره , وحجر بن شراحبيل من قواده , وقال مجاهد: أبو يكسوم هو أبرهة بن الصبّاح , فساروا بالجيش ومعهم الفيل , قال الأكثرون: هو فيل واحد , وقال الضحاك: كانت ثمانية فيلة , ونزلوا بذي المجاز , واستاقوا سرح مكة , وفيها إبل عبد المطلب , وأتى الراعي نذيراً فصعد الصفا وصاح: واصباحاه! ثم أخبر الناس بمجيء الجيش والفيل , فخرج عبد المطلب وتوجه إلى أبرهة وسأله في إبله , فردّها مستهزئاً ليعود لأخذها إذا دخل مكة. واختلف في النجاشي هل كان معهم أم لا , فقال قوم: كان معهم , وقال الآخرون: لم يكن معهم. وتوجه الجيش إلى مكة لإحراق الكعبة , فلما ولى عبد المطلب بإبله احترزها في جبال مكة , وتوجه إلى مكة من طريق منى , وكان الفيل إذا بعث إلى الحرم أحجم , وإذا عدل به عنه أقدم , قال محمد بن إسحاق: كان اسم الفيل محمود , وقالت عائشة: رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين مقعدين يستطعمان أهل مكة. ووقفوا بالمغمّس فقال عبد الله بن مخزوم: (أنت الجليل ربنا لم تدنس ... أنت حبست الفيل بالمغمّس) (حبسته في هيئة المكركس ... وما لهم من فرجٍ ومنفسِ.) المكركس: المطروح المنكوس.

стр. 4391

وبصر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر , فقال عبد المطلب: إن هذه لطير غريبة بأرضنا , ما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية , وإنها أشباه اليعاسيب , وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة , فلما أطلت على القوم ألقتها عليهم حتى هلكوا , قال عطاء بن أبي رباح: جاءت الطير عشية فبانت , ثم صبحتهم بالغداة فرمتهم , وقال عطية العوفي: سألت عنها أبا سعيد الخدري: فقال: حمام مكة منها. وأفلت من القوم أبرهة ورجع إلى اليمن فهلك في الطريق. وقال الواقدي: أبرهة هو جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله ﷺ فلما أيقنوا بهلاك القوم , قال الشاعر: (أين المفر والإله الطالبْ ... والأَشرمُ المغلوبُ ليس الغالبْ) يعني بالأشرم أبرهة , سمي بذلك لأن أرياط ضربه بحربة فشرم أنفة وجبينه , أي وقع بعضه على بعض. وقال أبو الصلت بن مسعود , وقيل بل قاله عبد المطلب: (إنّ آياتِ ربِّنا ناطِقاتٌ ... لا يُماري بهنّ إلا الكَفُور.) (حَبَسَ الفيلَ بالمغّمس حتى ... مَرَّ يعْوي كأنه مَعْقورُ.) ﴿ألمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْليل﴾ لأنهم أرادوا كيد قريش بالقتل والسبي , وكيد البيت بالتخريب والهدم. يحكى عن عبد المطلب بعد ما حكيناه عنه أنه أخذ بحلقة الباب وقال: (يا رب لا نرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا.) (إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا.) ثم إن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله على فرس له سريع , ينظر ما لقوا فإذا القوم مشدخون , فرجع يركض كاشفاً عن فخده , فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيراً أو نذيراً. فلما دنا من ناديهم بحيث يُسمعهم قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعاً , فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم , فكانت أموال بني عبد المطلب , وبها كانت رياسة عبد المطلب لأنه احتمل

стр. 4392

ما شاء من صفراء وبيضاء , ثم خرج أهل مكة بعده فنهبوا، فقال عبد المطلب: (أنتَ مَنعْتَ الحُبْشَ والأَفْيالا ... وقد رَعَوا بمكةَ الأَجيالا) (وقد خَشِينا منهم القتالا ... وكَلَّ أمرٍ لهمن مِعضالا) ٨٩ (وشكراً وحْمداً لك ذا الجلالا.﴾ ٩ ويحتمل تضليل كيدهم وجهين: أحدهما: أن كيدهم أضلهم حتى هلكوا. الثاني: أن هلاكهم أضل كيدهم حتى بطل. ﴿وأرْسَلَ عليهم طَيْراً أَبابِيلَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من طير السماء , قاله سعيد بن جبير: لم ير قبلها ولا بعدها مثلها ويروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنها طير بين السماء والأرض تعشعش وتفرخ). القول الثاني: أنها العنقاء المغرب التي تضرب بها الأمثال , قاله عكرمة. الثالث: أنها من طير الأرض , أرسلها الله تعالى من ناحية البحر , مع كل طائر ثلاثة أحجار , حجران في رجليه , وحجر في منقاره , قاله الكلبي , وكانت سوداً , خضر المناقير طوال الأعناق , وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط , وقالت عائشة: كن أشباه الخطاطيف. واختلف في (أبابيل) على خمسة أقاويل: أحدها: أنها الكثيرة , قاله الحسن وطاوس. الثاني: المتتابعة التي يتبع بعضها بعضاً , قاله ابن عباس ومجاهد. الثالث: أنها المتفرقة من ها هنا وها هنا , قاله ابن مسعود والأخفش , ومنه قول الشاعر:

стр. 4393

(إن سلولاً عداك الموت عارفة ... لولا سلول مشينا أبابيلا) أي متفرقين. الرابع: أن الأبابيل المختلفة الألوان , قاله زيد بن أسلم. الخامس: أن تكون جمعاً بعد جمع , قاله أبو صالح وعطاء , ومنه قول الشاعر: (وأبابيل من خيول عليها ... كأسود الأداء تحت العوالي.) وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث: الأبابيل مأخوذ من الإبل المؤبلة , وهي الأقاطيع. واختلف النحويون هل للأبابيل واحد من جنسه , فذهب أبو عبيدة والفراء وثعلب إلى أنه لا واحد له كالعباديد والسماطيط , وذهب آخرون إلى أن له واحد , واختلفوا في واحده , فذهب أبو جعفر الرؤاسي إلى أن واحدة إبّالة مشددة , وقال الكسائي: واحدها إبول , وقال ابن كيسان واحدة إبيّل. ﴿تَرْميهم بحجارةٍ مِن سِجّيلٍ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن السجيل كلمة فارسية هي سنك وكل , أولها حجر , وآخرها: طين , قال ابن عباس. الثاني: أن السجيل هو الشديد , قاله أبو عبيدة , ومنه قول ابن مقبل: (ورجْلةٍ يضْرِبون البَيْضَ عن عَرَضٍ ... ضَرْباً تواصى به الأَبطالُ سِجِّيلاً) الثالث: أن السجيل اسم السماء الدنيا , فنسبت الحجارة إليها لنزولها منها , قاله ابن زيد. الرابع: أنه اسم بحر من الهواء , منه جاءت الحجارة فنسبت إليه , قاله عكرمة وفي مقدار الحجر قولان: أحدهما: أنه حصى الخذف , قاله مقاتل. الثاني: كان الحجر فوق العدسة ودون الحمصة , قاله أبو صالح: رأيت في دار أم هانىء نحو قفيز من الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل مخططة بحمرة كأنها الجزع , وقال ابن مسعود: ولما رمت الطير بالحجارة بعث الله ريحها فزادتها شدة , وكانت لا تقع على أحد إلا هلك ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة , فقال: (فإنكِ لو رأيْتِ ولم تريهِ ... لدى جِنْبِ المغَمِّسِ ما لَقينا) (خَشيتُ الله إذ قدْبَثَّ طَيْراً ... وظِلَّ سَحابةٍ مرَّتْ علينا) (وباتت كلُّها تدْعو بحقٍّ ... كأنَّ لها على الحُبْشانِ دَيْنا) ﴿فجعَلَهم كعَصْفٍ مأكولٍ﴾ فيه خمسة أقاويل:

стр. 4394

أحدها: أن العصف ورق الزَّرع , والمأكول الذي قد أكله الدود , قاله ابن عباس. الثاني: أن العصف المأكول هو الطعام , وهذا قول حسين بن ثابت. الثالث: أنه قشر الحنطة إذا أكل ما فيه , رواه عطاء بن السائب. الرابع: أنه ورق البقل إذا أكلته البهائم فراثته , قاله ابن زيد. الخامس: أن العصف التين والمأكول القصيل للدواب , قاله سعيد بن جبير والحسن , واختلف فيما فعله الله بهم , فقال قوم: كان ذلك معجزة لنبيّ كان في ذلك الزمان , وقيل إنه كان خالد بن سنان. وقال آخرون: بل كان تمهيداً وتوطيداً لنبوة محمد ﷺ لأنه ولد في عامه وقيل في يومه.

стр. 4395

سورة قريش مكية في قول الأكثرين، ومدينة في قول الضحاك. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 4396

﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ وفي قوله تعالى ﴿لإيلافِ قُريْشٍ﴾ الإيلاف مأخوذ من أَلِف يأْلَف , وهي العادة المألوفة , ومنه قولهم ائتلف القوم. وفي قوله ﴿لإيلاف قريش﴾ أربعة أقاويل: أحدها: نعمتي على قريش , لأن نعمة الله عليهم أن ألفه لهم , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: لإيلاف الله لهم لأنه آلفهم إيلافاً , قاله الخليل بن أحمد. الثالث: لإيلاف قريش حَرَمي وقيامهم ببيتي , وهذا معنى قول الحسن. الرابع: لإيلاف ما ذكره من رحلة الشتاء والصيف في معايشهم , قاله مكحول. وفي اللام التي في (لإيلاف قريش) قولان: أحدهما: أنه صلة يرجع إلى السورة المتقدمة من قولهم ﴿ألم تر كيف﴾ إلى أن قال: ﴿فجعلهم كعصْف مأكولٍ﴾ لإيلاف قريش , فصار معناه أن ما فعله بأصحاب الفيل لأجل إيلاف قريش , قاله ثعلب , وكان عمر وأبيّ بن كعب لا يفصلان بين

стр. 4397

السورتين ويقرآنهما كالسورة الواحدة , ويريان أنهما سورة واحدة , أي: ألم تر لإيلاف قريش. الثاني: أن اللام صلة ترجع إلى ما بعدها من قوله ﴿فَلْيَعْبُدوا رب هذا البَيْتِ﴾ ويكون معناه لنعمتي على قريش فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هذا البيت , قاله أهل البصرة , وقرأ عكرمة , ليألف قريش , وكان يعيب على من يقرأ (لإيلاف قريش). وقرأ بعض أهل مكة: إلاف قريش , واستشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله ﷺ : (فلا تَتْركْنهُ ما حَييتَ لمعظمٍ ... وكن رجلاً ذا نَجدةٍ وعفافِ) (تَذودُ العِدا عن عُصْبةٍ هاشميةٍ ... ألا فُهُمُ في الناس خيرُ إلافِ) وأما قريش تلده فهم بنو النضير بن كنانة , وقيل بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة , ومن لم تلده فهر فليس من قريش , وعلى المشهور أن بني النضر بن كنانة ومن تلده: من قريش , وإن لم يكونوا من بني فهر , وقد كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوه مسكناً , قال الشاعر: (أبونا قصيٌّ كان يُدْعى مجمّعاً ... به جمع اللَه القبائلَ مِن فهر) واختلفوا في تسميتهم قريشاً على أربعة أقاويل: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق , والتقريش التجميع , ومنه قول الشاعر: (إخوةٌ قرَّشوا الذنوب علينا ... في حَديثٍ مِن دَهْرِهم وقَديمِ) الثاني: لأنهم كانوا تجاراً يأكلون من مكاسبهم , والتقريش التكسب. الثالث: أنهم كانوا يفتشون الحاج عن ذي الخلة فيسدون خلته , والقرش: التفتيش , قال الشاعر: (أيها الشامتُ المقِّرشُ عَنّا ... عند عَمرو فهل له إبْقاءُ) الرابع: أن قريشاً اسم دابة في البحر , من أقوى دوابه , سميت قريشاً لقوتها وأنها تأكل ولا تؤكل , وتعلو ولا تعلى , قاله ابن عباس واستشهد بقول الشاعر:

стр. 4398

(هكذا في العباد حيُّ قريش ... يأكلون البلادَ أكْلاً كشيشاً) (ولهم آخرَ الزمان نبيٌّ ... يَكثر القتل فيهمُ والخموشا) (يملأُ الأرضَ خَيلةً ورجالاً ... يحشُرون المطيَّ حشْراً كميشاً) (تأكل الغثَّ والسَمينَ ولا تت ... رُكُ يوماً في جناحين ريشاً.) (وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشاً.) (سلّطت بالعلو في لجج البحر ... على سائر البحور جيوشاً.) ﴿إيلافِهم رِحْلَةَ الشتاءِ والصَّيْفِ﴾ كانت لقريش في كل عام رحلتان والرحلة السفرة , لما يعانى فيها من الرحيل والنزول , رحلة في الصيف ورحلة في الشتاء طلباً للتجارة والكسب. واختلف في رحلتي الشتاء والصيف على قولين: أحدهما: أن كلتا الرحلتين إلى فلسطين , لكن رحلة الشتاء في البحر , طلباً للدفء , ورحلة الصيف على بصرى وأذرعات , طلباً للهواء , قاله عكرمة. الثاني: أن رحلة الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد حامية , ورحلة الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة , قاله ابن زيد. فإن قيل فما المعنى في تذكيرهم رحلة الشتاء والصيف؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم كانوا في سفرهم آمنين من العرب لأنهم أهل الحرم , فذكرهم ذلك ليعلموا نعمته عليهم في أمنهم مع خوف غيرهم. الثاني: لأنهم كانوا يكسبون فيتوسعون ويطعمون ويصلون , كما قال الشاعر فيهم: (يا أيها الرجلُ المحوِّل رَحْلَه ... هَلَاّ نَزَلْتَ بآلِ عبدِ مَنافِ.) (الآخذون العهدَ من آفاقِها ... والراحلون لرحلة الإيلافِ.) (والرائشون وليس يُوجد رائشٌ ... والقائلون هَلُمَّ للأَضْيافِ.) (والخالطون غنيَّهم بفقيرهم ... حتى يصير فقيرُهم كالكافي.) (عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجافِ.) فذكرهم الله تعالى هذه النعمة.

стр. 4399

ولابن عباس في رحلة الشتاء والصيف قول ثالث: أنهم كانوا يشتون بمكة لدفئها , ويصيفون بالطائف لهوائها , كما قال الشاعر: (تَشْتي بِمكة نعمةً ... ومَصيفُها بالطائِف) وهذه من جلائل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. ﴿فَلْيَعْبدوا ربَّ هذا البَيْتِ﴾ أمرهم الله تعالى بعبادته، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان: أحدهما: لأنه كانت لهم أوثان، فميز نفسه عنها. الثاني: أنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً بنعمته. وفي معنى هذا الأمر والضمير في دخول الفاء على قوله (فليعبدوا) أربعة أوجه: أحدها: فليعبدوا رب هذا البيت بأنه أنعم عليهم برحلة الشتاء والصيف. الثاني: فليألفوا عبادة رب هذا البيت كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف. الثالث: فليعبدوا رب هذا البيت لأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. الرابع: فليتركوا رحلة الشتاء والصيف بعبادة رب هذا البيت , فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ليتوفروا بالمقام على نصرة رسوله والذب عن دينه. ﴿الذي أطْعَمَهم من جُوعٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أطعمهم من جوع بما أعطاهم من الأموال وساق إليهم من الأرزاق , قاله ابن عيسى. الثاني: أطعمهم من جوع بما استجاب فيهم دعوة إبراهيم ﵇. حين قال: ﴿وارْزُقهم من الثمرات﴾ قاله ابن عباس. الثالث: أن جوعاً أصابهم في الجاهلية , فألقى الله في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً , فحملوه، فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم , فخرجوا إليهم متحرزين , فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات , فهو معنى قوله ﴿الذي أطعمهم من جوع﴾.

стр. 4400

﴿وآمَنَهُم مِنْ خوْفٍ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: آمنهم من خوف العرب أن يسبوهم أو يقاتلوهم تعظيماً لحرمة الحرم، لما سبقت لهم من دعوة إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿ربِّ اجْعَلْ هذا بلداً آمِناً﴾ , قاله ابن عباس. الثاني: من خوف الحبشة مع الفيل , قاله الأعمش. الثالث: آمنهم من خوف الجذام , قاله الضحاك والسدي وسفيان الثوري. الرابع: يعني آمن قريشاً ألا تكون الخلافة إلا فيهم , قاله علّي ﵁.

стр. 4401

سورة الماعون مكية في قول عطاء وجابر، ومدينة في قول ابن عباس وقتادة. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 4402

﴿أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون﴾ قوله تعالى ﴿أرأيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدِّينِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بالحساب , قاله عكرمة ومجاهد. الثاني: بحكم الله تعالى , قاله ابن عباس. الثالث: بالجزاء الثواب والعقاب. واختلف فيمن نزل هذا فيه على خمسة أوجه: أحدها: أنها نزلت في العاص بن وائل السهمي , قاله الكلبي ومقاتل. الثاني: في الوليد بن المغيرة , قاله السدي. الثالث: في أبي جهل. الرابع: في عمرو بن عائذ , قاله الضحاك. الخامس: في أبي سفيان وقد نحر جزوراً , فأتاه يتيم , فسأله منها , فقرعه بعصا , قاله ابن جريج. ﴿فذلك الذي يَدُعُّ اليتيمَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 4403

أحدها: بمعنى يحقر البيت , قاله مجاهد. الثاني: يظلم اليتيم , قاله السدي. الثالث: يدفع اليتيم دفعاً شديداً , ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يُدَعُّونَ إلى نارِ جهنَّمَ دعّاً﴾ أي يُدفعون إليها دفعاً. وفي دفعه اليتيم وجهان: أحدهما: يدفعه عن حقه ويمنعه من ماله ظلماً له وطمعاً فيه , قاله الضحاك. الثاني: يدفعه إبعاداً له وزجراً , وقد قرىء (يَدَعُ اليَتيم) مخففة , وتأويله على هذه القراءة يترك اليتيم فلا يراعيه اطراحاً له وإعراضاً عنه. ويحتمل على هذه القراءة تأويلاً ثالثاً: يدع اليتيم لاستخدامه وامتهانه قهراً واستطالة. ﴿ولا يَحُضُّ على طعامِ المِسْكِينِ﴾ أي لا يفعله ولا يأمر به , وليس الذم عاماً حتى يتناول من تركه عجزاً , ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم يقولون ﴿أنطعم من لو يشاءُ الله أطْعَمَهُ﴾ فنزلت هذه الآية فيهم , ويكون معنى الكلام لا يفعلونه إن قدروا , ولا يحثون عليه إن عجزوا. ﴿فَويْلٌ للمُصَلَّينَ﴾ الآية , وفي إطلاق هذا الذم إضمار , وفيه وجهان: أحدهما: أنه المنافق , إن صلاها لوقتها لم يرج ثوابها , وإن صلاها لغير وقتها لم يخش عقابها , قاله الحسن. الثاني: أن إضماره ظاهر متصل به , وهو قوله تعالى: ﴿الذين هم﴾ الآية. وإتمام الآية في قوله: ﴿فويل للمصلين﴾ ما بعدها من قوله: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ إضماراً فيها وإن كان نطقاً ظاهراً. وليس السهو الذي يطرأ عليه في صلاته ولا يقدر على دفعه عن نفسه هو الذي ذم به , لأنه عفو. وفي تأويل ما استحق به هذا الذم ستة أوجه: أحدها: أن معنى ساهون أي لاهون , قاله مجاهد.

стр. 4404

الثاني: غافلون , قاله قتادة. الثالث: أن لا يصلّيها سراً ويصليها علانية رياء للمؤمنين , قاله الحسن. الرابع: هو الذي يلتفت يمنة ويسرة وهواناً بصلاته , قاله أبو العالية. الخامس: هو ألا يقرأ ولا يذكر الله , قاله قطرب. السادس: هو ما روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ عن (الذين هم عن صلاتهم ساهون) فقال: (هم الذين يؤخرون الصلاة عن مواقيتها). ﴿الذين هم يُراءونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المنافقون الذين يراءون بصلاتهم , يصلّونها مع الناس إذا حضروا , ولا يُصلّونها إذا غابوا , قاله علي وابن عباس. الثاني: أنه عامّ في ذم كل من راءى لعمله ولم يقصد به إخلاصاً لوجه ربه. روي عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: مَن عَمِل عملا لغيري فقد أشرك بي وأنا أغنى الشركاء عن الشرك). ﴿ويَمْنَعُونَ الماعونَ﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أن الماعون الزكاة , قاله علي وابن عمر والحسن وعكرمة وقتادة , قال الراعي:

стр. 4405

(أخليفة الرحمن إنا مَعْشَرٌ ... حُنَفاءُ نسجُد بكرةً وأصيلاً.) (عَرَبٌ نرى لله في أمْوالِنا ... حقَّ الزكاة مُنزّلا تنزيلاً) (قَوْمٌ على الإسلام لمّا يَمْنعوا ... ماعونَهم ويضَيِّعوا التهْليلا) الثاني: أنه المعروف , قاله محمد بن كعب. الثالث: أنه الطاعة , قاله ابن عباس. الرابع: أنه المال بلسان قريش , قاله سعيد بن المسيب والزهري. الخامس: أنه الماء إذا احتيج إليه ومنه الماء المعين وهو الجاري , قال الأعشى: (بأجود منا بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغِم) السادس: أنه ما يتعاوره الناس بينهم , مثل الدلو والقدر والفاس , قاله ابن عباس , وقد روي مأثوراً. السابع: أنه منع الحق , قاله عبد الله بن عمر. الثامن: أنه المستغل من منافع الأموال , مأخوذ من المعنى وهو القليل , قاله الطبري وابن عيسى. ويحتمل تاسعاً: أنه المعونة بما خف فعله وقل ثقله.

стр. 4406

سورة الكوثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4407

﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾ قوله تعالى ﴿إنّا أَعْطَيْناك الكَوْثَر﴾ فيه تسعة تأويلات: أحدها: أن الكوثر النبوة , قاله عكرمة. الثاني: القرآن , قاله الحسن. الثالث: الإسلام , حكاه المغيرة. الرابع: أنه نهر في الجنة , رواه ابن عمر وأنس مرفوعاً. الخامس: أنه حوض النبي ﷺ الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة قاله عطاء.

стр. 4408

السادس: أنه الخير الكثير , قاله ابن عباس. السابع: أنه كثرة أمته , قاله أبو بكر بن عياش. الثامن: أنه الإيثار , قاله ابن كيسان. التاسع: أنه رفعة الذكر , وهو فوعل من الكثرة. ﴿فَصَلِّ لِربِّكَ وانحَرْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الصلاة المكتوبة , وهي صلاة الصبح بمزدلفة , قاله مجاهد. الثاني: صلاة العيد , قاله عطاء. الثالث: معناه اشكر ربك , قاله عكرمة. ﴿وانحَرْ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: وانحر هديك أو أضحيتك , قاله ابن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة. الثاني: وانحر أي وسل , قاله الضحاك. الثالث: معناه أن يضع اليمين على الشمال عند نحره في الصلاة , قاله عليّ وابن عباس ﵄. الرابع: أن يرفع يديه في التكبير , رواه عليّ. الخامس: أنه أراد واستقبل القبلة في الصلاة بنحرك , قاله أبو الأحوص ومنه قول الشاعر:

стр. 4409

(أبا حَكَمٍ هَلْ أَنْتَ عَمُّ مُجالدٍ ... وسيدُ أهْلِ الأبْطحِ المتناحرِ) أي المتقابل. ﴿إنّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ في شانئك وجهان: أحدهما: مبغضك , قاله ابن شجرة. الثاني: عدوّك , قاله ابن عباس. وفي (الأبتر) خمسة تأويلات: أحدها: أنه الحقير الذليل , قاله قتادة. الثاني: معناه الفرد الوحيد , قاله عكرمة. الثالث: أنه الذي لا خير فيه حتى صار مثل الأبتر , وهذا قول مأثور الرابع: أن قريشاً كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده , قد بتر فلان فلما مات لرسول الله ﷺ ابنه القاسم بمكة , وابراهيم بالمدينة , قالوا بتر محمد فليس له من يقوم بأمره من بعده , فنزلت الآية , قاله السدي وابن زيد. الخامس: أن الله تعالى لما أوحى إلى رسول الله ﷺ ودعا قريش إلى الإيمان , قالوا ابتتر منا محمد , أي خالفنا وانقطع عنا , فأخبر الله تعالى رسوله أنهم هم المبترون , قاله عكرمة وشهر بن حوشب. واختلف في المراد من قريش بقوله ﴿إنّ شانئك هو الأبتر﴾ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أبو لهب، قاله عطاء. الثاني: أبو حهل , قاله ابن عباس. الثالث: أنه العاص بن وائل , قاله عكرمة , والله أعلم.

стр. 4410

سورة الكافرون مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 4411

﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين﴾ ﴿قُل يا أيُّها الكافِرونَ﴾ الآيات , ذكر محمد بن إسحاق أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة , والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد. ونعبد ما تعبد , ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله , فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه , وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه , فأنزل الله تعالى ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فصار حرف الأمر في هذه السورة وسورة الإخلاص والمعوذتين متلوّاً , لأنها نزلت جواباً , عنى بالكافرين قوماً معينين , لا جميع الكافرين , لأن منهم من آمن , فعبد الله , ومنهم من مات أو قتل على كفره , وهم المخاطبون بهذا القول فمنهم المذكورون. ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدونَ﴾ يعني من الأوثان.

стр. 4412

﴿ولا أنتم عابدون ما أَعْبُدُ﴾ يعني الله تعالى وحده , الآيات. فإن قيل: ما فائدة هذا التكرار؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: أن قوله في الأول (لا أعبد) و (لا تعبدون) يعني في الحال , وقوله الثاني: يعني في المستقبل , قاله الأخفش. الثاني: أن الأول في قوله (لا أعبد) و (لا أنتم) الآية يعني في المستقبل , والثاني: إخبار عنه وعنهم في الماضي , فلم يكن ذلك تكراراً لاختلاف المقصود فيهما. فإن قيل: فلم قال (ما أَعْبُدُ) ولم يقل (من أَعبُدُ)؟ قيل: لأنه مقابل لقوله: ﴿ولا أنا عابد ما عَبَدْتُم﴾ وهي أصنام وأوثان , ولا يصلح فيها إلا (ما) دون (من) فحمل الثاني على الأول ليتقابل الكلام ولا يتنافى. ﴿لكم دِينكم ولي دينِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لكم دينكم الذي تعتقدونه من الكفر , ولي ديني الذي أعتقده من الإسلام , قاله يحيى بن سلام. الثاني: لكم جزاء عملكم , ولي جزاء عملي. وهذا تهديد منه لهم , ومعناه وكفى بجزاء عملي ثواباً , قاله ابن عيسى. قال ابن عباس: ليس في القرآن سورة أشد لغيظ إبليس من هذه السورة , لأنها توحيد وبراءة من الشرك.

стр. 4413

سورة النصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4414

﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ قوله تعالى ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفتحُ﴾ أما النصر فهو المعونة مأخوذ من قولهم قد نصر الغيث الأرض إذا أعان على نباتها ومنع من قحطها , قال الشاعر: (إذا انسلَخَ الشهرُ الحرامُ فَودِّعي ... بلادَ تميمٍ وانْصُري أرضَ عامِرِ) وفي المعنيّ بهذا النصر قولان: أحدهما: نصر الرسول على قريش , قاله الطبري. الثاني: نصره على كل من قاتله من أعدائه , فإن عاقبة النصر كانت له. وقيل: إذا جاء نصره بإظهاره إياك على أعدائك , والفتح: فتحه مكة وقيل المراد حين نصر الله المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم. وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزاً للإشعار بأن المقدرات متوجهة حين إلى أوقاتها المعينة لها , فتعرف منها شيئاً فشيئاً , وقد قرب النصر من قوته فكن مترقباً لوروده مستعداً لشكره.

стр. 4415

وفي هذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة , قاله الحسن ومجاهد. الثاني: فتح المدائن والقصور , قاله ابن عباس وابن جبير , وقيل ما فتحه عليه من العلوم. ﴿ورأيْتَ الناسَ يَدْخُلون في دِيْنِ اللهِ أَفْواجاً﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل اليمن , ورورى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (الدين يمانٍ والفقه يمانٍ والحكمة يمانية) وروي عنه ﵇ أنه قال: (إني لأجد نَفَس ربكم مِن قِبل اليمن) وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجاً. الثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه بأهل اليمن , وهم الأنصار. القول الثاني: أنهم سائر الأمم الذين دخلوا في الإسلام , قاله محمد بن كعب. وقال الحسن: لما فتح الله على رسوله مكة , قالت العرب بعضهم لبعض: أيها القوم ليس لكم به ولا بالقوم يد , فجعلوا يدخلون في دين الله أفواجاً أمة أمة. قال الضحاك: والأمة أربعون رجلاً , وقال ابن عباس: الأفواج (الزمر) , وقال الكلبي: الأفواج القبائل. وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنّ الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون أفواجاً).
следующие страницы →