والجزء الرابع من روضة الطالبين للإمام النووي يبدأ بكتاب السلم، ومما جاء في هذا الكتاب (٢٧) : "يجوز السلم في الزجاج، والطين، والجص، والنورة، وحجارة الأرضية، والأبنية، والأواني، فيذكر نوعها وطولها وعرضها وغلظها...
ولا يجوز السلم في الحباب، والكيزان، والطسوت، والقماقم، والطناجير، والمنائر، والبرام المعمولة، لندور اجتماع الوزن مع الصفات المشروطة، ويجوز السلم فيما يصب منها في القالب، لعدم اختلافه، وفي الأسطال المربعة.
... ولا يجوز السلم في العقار ".
ويقول الشيرازي في المهذب (تكملة المجموع ١٢/١٢١) :
"يجوز السلم في كل مال يجوز بيعه وتضبط صفاته: كالأثمان، والحبوب، والثمار، والثياب ... إلخ".
وقال أيضًا (١٢/١٣٩) :
"ولا يجوز فيما عملت فيه النار كالخبز والشواء، لأن عمل النار فيه يختلف فلا يضبط".
وقال (١٢/١٤٠) .
"ولا يجوز فيما يجمع أجناسًا مقصودة لا تتميز: كالغالية، والند، والمعجون، والقوس، والخف، ... ولا يجوز في ثوب نسج ثم صبغ، لأنه سلم في ثوب وصبغ مجهول، ويجوز فيما صبغ غزله ثم نسج لأنه بمنزلة صبغ الأصل، ولا يجوز في ثوب عمل فيه من غير غزله كالقرقوبي لأن ذلك لا يضبط.
واختلف أصحابنا في الثوب المعمول من غزلين، فمنهم من قال: لايجوز لأنهما جنسان مقصودان لا يتميز أحدهما عن الآخر فأشبه الغالية. ومنه من قال: يجوز لأنهما جنسان يعرف قدر كل واحد منهما".
стр. 10432
وقال أيضًا (١٢/١٤٥) :
"وفي السلم في الأواني المختلفة الأعلى والأسفل، كالإبريق والمنارة والكراز، وجهان ... ولا يجوز السلم في العقار، لأن المكان فيه مقصود، والثمن يختلف باختلافه، فلا بد من تعيينه، والعين لا تثبت في الذمة".
وفي حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج نجد مثل ما سبق.
ومما قاله ابن حجر الهيتمي: (لا يصح – أي السلم – فيما لا ينضبط مقصوده كالمختلط المقصود الأركان) الذي لا ينضبط (كهريسة ومعجون) مركب من جزءين أو أكثر (وغالية) وهي مركبة من دهن معروف مع مسك وعنبر أو عود كافور (وخف) ونعل مركبين من بطانة وظهارة وحشو، لأن العبارة لا تفي بذكر انعطافاتها وأقدارها.
ومن ثم صح – كما قاله السبكي ومن تابعه – في خف أو نعل مفرد إن كان جديدًا من غير جلد كثوب مخيط جديد لا ملبوس ... (والأصح صحته في المختلط) بالصنعة (المنضبط) عند أهل تلك الصنعة، المقصود الأركان كما بأصله عند أهل تلك الصنعة، المقصود الأركان كما بأصله (كعتابي) من قطن وحرير (وخز) من إبريسم ووبر أو صوف بشرط علم العاقدين بوزن كل من أجزائه على المعتمد، وعليه يظهر الاكتفاء بالظن" (انظر ٥/١٩ –٢٠) .
وقال في موضع آخر (٥/٢٩) : " (ولا يصح) السلم (في مختلف) أجزاؤه (كبرمة) من نحو حجر (معمولة) أي محفورة بالآلة، واحترز بها عن المصبوبة في قالب، وهذا قيد أيضًا فيما بعد ما عدا الجلد كما يأتى (وجلد) ورق (وكوز وطَِس) يفتح أوله وكسره، ويقال فيه طست (وقمقم ومنارة) يفتح الميم من النور، ومن ثم كان الأشهر في جمعها منار لا مناير (وطَِنجير) بكسر أوله وفتحه خلافًا لمن جعل الفتح لحنًا وهو الدست، أو نحوها: كإبريق وحب ونشاب لعدم انضباطها باختلاف اجزائها.
ومن ثم صح في قطع أو قصاصة جلد دبغ واستوت جوانبه وزنًا (ويصح في الأسطال المربعة) مثلًا والمدورة وإن لم تصب في قالب لعدم اختلافهما، بخلاف الضيقة الرؤوس، ومحله إن اتحد معدنها لا إن خالطها غيره (وفيما صب منها) أى المذكورات ما عدا الجلد، أي من أصلها المذاب (في قالب) وذلك لانضباطها بالضباط قوالبها".
стр. 10433
ومما قاله الشرواني في حاشيته على ما سبق: (قوله: ومحله) أي الصحة في الأسطال (قوله: لا إن خالطه غيره) أي كالمصنوع من النحاس والرصاص (وفيما صب منها) ينبغي بالشرط المتقدم بقوله: ومحله إن اتحد ...إلخ".
وفي زاد المحتاج قال المؤلف (٢/١٢٢) :
(فلا يصح) السلم (فيما لا ينضبط مقصوده كالمختلط المقصود الأركان) أي الأجزاء التي لا تنضبط (كهريسة ومعجون وغالية وخف وترياق مخلوط) لعدم انضباط أجزائها، لأن الغالية مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور، والخف يشتمل على ظهارة وبطانة وحشو، والعبارة لا تفي بذكر أقدارها وانعطافاتها، واحترز بالترياق المختلف عما هو نبات واحد، فإنه يجوز السلم فيه (والأصح صحته في المختلط المنضبط) الأجزاء (كعتابي) نوع من الثياب مركب من قطن وحرير، (وخز) هو مركب من أبريسم ووبر أو صوف لسهولة ضبط كل جزء من هذه الأجزاء، ومعنى الانضباط أن يعرف العاقدان وزن كل من الجزأين:
وقال في موضع آخر (٢/١٢٧) " (ولا يصح) السلم (فى مختلف) أجزاؤه (كبرمة معمولة) وهي القدر، واحترز بالمعمولة عن المصبوبة في قالب (وجلد) على هيئته (و) معمول نحو (كوز وطس) بفتح الطاء ويقال له طشت (وقمقم ومنارة) بفتح الميم (وطنجير) بكسر الطاء: الدست، ويجوز فتحها (ونحوها) كالأباريق والحباب ... (ويصح) السلم (في الأسطال المربعة) لعدم اختلافهما، والمدورة كالمربعة (وفيما صب منها) أي المذكورات (في قالب) ".
стр. 10434
ثالثًا – الاستصناع عند الحنابلة:
وجدنا من الحنابلة من نص على عدم جواز الاستصناع، قال ابن مفلح في كتاب الفروع (٤/٢٤) : "ذكر القاضي وأصحابه: لا يصح استصناع سلعة، لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم ".
وفي الحاشية قال مراجع الكتاب: بهامش مخطوط الأزهر ما يأتي: قوله: "استصناع سلعة" يعني يشتري منه سلعة، ويطلب منه أن يصنعها له، مثل أن يشتري منه ثوبًا ليس عنده، وإنما يصنعه له بعد العقد، فهذا قد باع ما ليس عنده.
ومع هذا النص الذي يبين المنع، نرى الحنابلة – كالمالكية والشافعية – يتحدثون عما يتصل بالاستصناع تحت باب السلم، قال ابن قدامة في المغني (٤/٢١٣) : "لا يصح – أي السلم – فيما يجمع أخلاطًا مقصودة غير متميزة، كالغالية والند والمعاجين التي يتداوى بها للجهل بها...، ولا في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط، لأن الصفة لا تأتي عليه، وفيه وجه آخر أنه لا يصح السلم فيه إذا ضبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه وأسفله، لأن التفاوت في ذلك يسير. ولا يصح في القسي المشتملة على الخشب والقرن والغضب والتوز، إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك وتمييز ما فيه منها، وقيل: يجوز السلم فيها، والأولى ما ذكرنا".
وقال أيضًا (٤/٣١٤) : "يصح السلم في النشاب والنبل، وقال القاضي: لا يصح السلم فيهما، وهو مذهب الشافعي، لأنه يجمع أخلاطًا من خشب وعقب وريش ونصل، فجرى مجرى أخلاط الصيادلة ... ولنا أنه مما يصح بيعه، ويمكن ضبطه بالصفات التي لا يتفاوت الثمن معها غالبًا، فصح السلم فيه كالخشب والقصب وما فيه من غيره متميز يمكن ضبطه والإحاطة به، ولا يتفاوت كثيرًا، فلا يمنع كالثياب المنسوجة من جنسين".
وما ذكره ابن قدامة جاء أثناء بيان الشرط الأول من شروط صحة السلم وهو: أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا. ثم انتقل إلى الشرط الثاني وهو: أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرًا.
стр. 10435
ومما قاله (٤/٣٢٢ –٣٢٣) :
"وإن أسلم في ثوب مختلف الغزول، كقطن وإبريسم، أو قطن وكتان أو صوف، وكان الغزول مضبوطة؛ بأن يقول: السدى إبريسم واللحمة كتان أو نحوه: جاز، ولهذا جاز السلم في الخز وهو من غزلين مختلفين. وإن أسلم في ثوب موشى، وكان الوشي من تمام نسجه: جاز وإن كان زيادة لم يجز لأنه لا ينضبط.
... ويصح السلم في الكاغد لأنه يمكن ضبطه، ويصفه بالطول والعرض والدقة والغلظ واستواء الصنعة ما يختلف به الثمن.
... وإن أسلم في الأواني التي يمكن ضبط قدرها وطولها وسمكها ودورها، كالأسطال القائمة الحيطان والطسوت، جاز، ويضبطها بذلك كله.
وإن أسلم في قصاع وأقداح من الخشب جاز، ويذكر نوع خشبها من جوز أو توت، وقدرها في الصغر والكبر، والعمق والضيق، والثخانة والرقة، وأي عمل.
وإن أسلم في سيف ضبطة بنوع حديده، وطوله، وعرضه ورقته، وغلظه، وبلده، وقديم الطبع أو محدث ماض أو غيره، ويصف قبضته وجفنه". اهـ.
وفي مطالب أولي النهي (٣/٢١٠) قال المؤلف:
"ويصح – أي السلم – فيما يجمع اخلاطًا متميزة، كثوب نسج من نوعين كقطن وكتان، أو إبريسم وقطن، وكنشاب ونبل مريشين، وخفاف ورماح متوزة، أي: مصنوعة، لإمكان ضبطها بصفة لا يختلف ثمنها معها غالبًا.
ويتجه باحتمال قوي أنه لا يصح السلم في ثياب مخيطة، لاختلافها كبرًا وصغرًا وطولًا وعرضًا، والتفصيل والخياطة تختلف اختلافًا كليًّا، ولا في ثياب منقوشة بالطباعة أو التطريز أو الحياكة، لعدم انضباط عروقها كثرة وقلة، وصناعتها تختلف اختلافًا لا مزيد عليه".
стр. 10436
خلاصة المبحث
مما سبق نرى أن المذاهب الثلاثة لم تجعل الاستصناع عقدًا مستقلًّا، وإنما جعلوه ضمن السلم.
فالمالكية خصصوا جزءًا من كتاب السلم للسلم في الصناعات، أو السلف في الصناعات، وضربوا أمثلة لما كان يصنع في عصرهم، وأجازوه بشروط السلم.
أما الشافعية فقد أجازوا السلم فيما صنع من جنس واحد فقط كالحديد، أو النحاس، أو الرصاص، أو غيرها، ولم يجيزوه فيما يجمع أجناسًا مقصودة لا تتميز: كطست من نحاس وحديد، وكالغالية: وهي مركبة من دهن مع مسك وعنبر أو عود وكافور، وجعلوا مثل هذا لا يجوز إلا يدًا بيد.
وإجازتهم ما صب في قالب لا يخرج عن قولهم هنا، لا كما ذكره بعض الكاتبين، فإنهم لم يجيزوه إلا بالشرط السابق، أي أن يكون الأصل المذاب في القالب من جنس واحد، وما نقلته من أقوالهم ينص على هذا الشرط، وقد جعل الإمام الشافعي هذا الشرط عامًّا حيث قال بعد ذكره: "وهكذا كل ما استصنع".
أما ما يجمع أجناسًا مقصودة تتميز، كالقطن والحرير، فهو موضع خلاف بينهم، والأصح في المذهب الجواز بشرط علم العاقدين بوزن كل ما أجزائه.
والحنابلة لا يكادون يختلفون عن الشافعية إلا في القليل من الفروع التطبيقية.
ومن هذا نرى أن المذاهب الثلاثة أجمعت على عدم جواز الاستصناع إلا بشروط السلم، غير أن المالكية أجازوا استصناع أي شيء مما يعمل الناس في أسواقهم من آنيتهم أو أمتعتهم التي يستعملون في أسواقهم عند الصناع، على حين لم يجز الشافعية والحنابلة من هذه الأشياء ما جمع اجناسًا مقصودة لا تتميز.
стр. 10437
المبحث الثالث
الاستصناع عند الحنفية
أولًا – معناه:
قال الكاساني في بدائع الصنائع (٥/٢) :
" وأما معناه فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم هو مواعدة وليس ببيع، وقال بعضهم: هو بيع لكن للمشتري فيه خيار، وهو الصحيح، بدليل أن محمدًا ﵀ ذكر في جوازه القياس والاستحسان وذلك لا يكون في العدات، وكذا أثبت فيه خيار الرؤية، وأنه يختص بالبياعات، وكذا يجري فيه التقاضي، وإنما يتقاضى فيه الواجب لا الموعود. ثم اختلفت عباراتهم عن هذا النوع من البيع: قال بعضهم هو عقد على مبيع في الذمة وقال بعضهم هو عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل.
وجه القول الأول أن الصانع لو احضر عينًا كان عملها قبل العقد ورضي به المستصنع لجاز، ولو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز؛ لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي. والصحيح هو القول الأخير، لأن الاستصناع طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعًا، فكان مأخذ الاسم دليلًا عليه، ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلمًا، وهذا العقد يسمى استصناعًا، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل.
وأما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد ورضي به المستصنع فإنما جاز لا بالعقد الأول بل بعقد آخر، وهو التعاطي بتراضيهما". اهـ.
ويؤخذ من كلام الكاساني أن الحنفية اختلفوا في تحديد معنى الاستصناع: أيعد مواعده أم بيعًا؟
وذكر أن الصحيح أنه بيع، واستدل لقوله، ثم بيَّن أنهم اختلفوا في بيان هذا النوع من البيع: أهو عقد على مبيع في الذمة، أم عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل؟
وذكر أن الصحيح هو اشتراط العمل.
وقال ابن الهمام في فتح القدير (٦/٢٤٢) :
(اختلف المشايخ أنه مواعدة أو معاقدة. فالحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة وصاحب المنثور "مواعدة" وإنما ينعقد عند الفراغ بيعًا بالتعاطي، ولهذا كان للصانع أن لا يعمل ولا يجبر عليه بخلاف السلم، وللمستصنع أن لا يقبل ما يأتي به ويرجع عنه، ولا تلزم المعاملة، وكذا المزارعة على قول أبي حنيفة، لفسادها مع التعامل لثبوت الخلاف فيهما في الصدر الأول، وهذا كان على الاتفاق. والصحيح من المذهب جوازه بيعًا لأن محمدًا ذكر فيه القياس والاستحسان ... إلخ) . اهـ.
وابن الهمام هنا ذكر أربعة من الحنفية ذهبوا إلى أنه مواعدة، بَيَّنَ أدلتهم، ثم انتهى إلى ما انتهى إليه الكاساني.
стр. 10438
ثانيًا – دليل مشروعيته:
ذهب الحنفية – عدا زفر – إلى جواز الاستصناع، واستدلوا على مشروعيته بما يأتى:
١- إن الرسول ﷺ استصنع خاتمًا ومنبرًا.
٢- الإجماع الثابت بالتعامل.
٣- الاستحسان.
وذكروا أن المانعين استدلوا بأنه بيع معدوم، وبيع ما ليس عند البائع على غير وجه السلم، فهو مخالف للقياس، وردوا بالإجماع المؤيد بالسنة المطهرة، فلننظر فيما ذكر من الأدلة.
السنة المطهرة والإجماع:
لو كان الاستصناع الذي ذهب إليه جمهور الحنفية ثابتًا بالسنة والإجماع فكيف خالفهم باقي الأئمة الأعلام؟
واستصناع الخاتم والمنبر جاء في الصحيحين وغيرهما، ولا خلاف في أن الرسول ﷺ اصطنع خاتمًا كتب عليه "محمد رسول الله" واصطنع منبرًا، أَفَتَرَكَ الأئمة هذه السنة الصحيحة الثابتة، وخرجوا على الإجماع؟
هذا أمر مستبعد كل الاستبعاد، ولذلك لم يثبت أن الرسول ﷺ اصطنع الخاتم والمنبر بطريقة الاستصناع التي قال بها الحنفية، وليس هناك إجماع على هذه الطريقة، بل الأقرب إلى الإجماع هو مخالفتها وعدم جوازها، فما مراد الحنفية من هذا الاستدلال؟
قال صاحب الهداية: (ولا بأس بالسلم في طست أو قمقمة أو خفين أو نحو ذلك إذا كان يعرف) لاستجماع شرائط السلم، (وإن كان لا يعرف فلا خير فيه) لأنه دين مجهول، قال: (وإن استصنع شيئًا من ذلك بغير أجل جاز استحسانًا) للإجماع الثابت بالتعامل) . (فتح القدير: ٦/٢٤١ – ٢٤٢) .
قال صاحب الكفاية في شرحه بعد ما سبق مباشرة:
(الجواز ثابت بالإجماع، وإنما الاختلاف في أنه بيع، أو عدة، أو إجارة) . اهـ.
ولو كان العقد إجارة فلا خلاف حول جوازه، ولكن شرط الاستصناع عندهم أن يكون ما يصنع من عند الصانع لا المستصنع، وهذا خلاف الإجارة.
ولو كان عدة، ولا يتم التعاقد إلا بعد انتهاء الصانع، فهو بيع لمبيع حاضر غير معدوم، ومن المعلوم أن هذا جائز، غير أن جمهور الحنفية رفضوا القول بأنه وعد، والصحيح من المذهب أنه بيع، ولذلك قالوا بأنه مخالف للقياس.
وقال صاحب الهداية: (جواز السلم بإجماع لا شبهة فيه، وفي تعاملهم الاستصناع نوع شبهة) .
وقال صاحب العناية في شرحه:
[ (قوله: وجواز السلم بإجماع لا شبهة فيه) أي بإجماع الصحابة (وقوله وفي تعاملهم نوع شبهة) ، فإن عند زفر والشافعي – رحمهما الله – لا يجوز، ولأنه نقل من الصحابة – ﵃ – تعاملهم السلم، وتأيد الإجماع في السلم بظاهر الكتاب والسنة المشهورة، وفي نقل الصحابة في تعاملهم الاستصناع شبهة] . اهـ. (راجع فتح القدير: ٦/٢٤٥) .
إذن رأي الحنفية في الاستصناع لا يؤيده سنة ولا إجماع.
стр. 10439
الاستحسان:
الخلاف حول الأخذ بالاستحسان مشهور، والحديث عنه يطول، ويخرجنا عن الموضوع. ولذلك أكتفي ببيان مراد الحنفية من هذا الدليل.
الاستحسان عند الحنفية – كما عرفه أبو الحسن الكرخي: (هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول) .
قال شيخي الإمام محمد أبو زهرة – ﵀: (وهذا التعريف هو أبين التعريفات لحقيقة الاستحسان عند الحنفية، لأنه يشمل كل أنواعه، ويشير إلى أساسه ولبه، إذ أساسه أن يجيء الحكم مخالفًا قاعدة مطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة، فيكون الاعتماد عليه أقوى استدلالًا في المسألة من القياس) . (أصول الفقه، لشيخنا: ص٢٠٧ – ٢٠٨) .
والاستحسان نوعان:
أحدهما: ترجيح قياس خفي على قياس جلي بدليل.
وثانيهما: استثناء جزئية من حكم كلي بدليل. والدليل قد يكون من السنة أو للإجماع، أو للضرورة.
والاستحسان هو عمدة أدلة الحنفية في الاستصناع، والمراد به هنا النوع الثاني: فالشرع نهى عن بيع المعدوم والتعاقد عليه، والاستصناع الذي يراه جمهور الحنفية بيعًا ومعاقدة، يعد من المعدوم وقت التعاقد، فأجازوه استحسانًا للإجماع الثابت بالتعامل بحسب قولهم. ولبيان استدلالهم نذكر أقوال بعضهم.
стр. 10440
قال الكاساني في البدائع (٥/٢ – ٣) :
(وأما جوازه فالقياس أن لا يجوز، لأنه بيع ما ليس عند الإنسان لا على وجه السلم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم ويجوز استحسانًا لإجماع الناس على ذلك، لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير، وقد قال ﵊: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) ، وقال ﵊: ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح)) . والقياس يترك بالإجماع، ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالأجر من غير بيان المدة ومقدار الماء الذي يستعمل، وفي قصعة الشارب للسقاء من غير بيان قدر المشروب، وفي شراء البقل وهذه المحقرات، كذا هذا.
ولأن الحاجة تدعو إليه؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف أو نعل من جنس مخصوص ونوع مخصوص على قدر مخصوص وصفة مخصوصة، وقلما يتفق وجوده مصنوعًا، يحتاج إلى أن يستصنع، فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج.
وقد خرج الجواب عن قوله إنه معدوم لأنه ألحق بالموجود لمساس الحاجة، كالمسلم فيه، فلم يكن بيع ما ليس عند الإنسان على الإطلاق، ولأن فيه معنى عقدين جائزين وهو السلم والإجارة، لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا) . اهـ.
وقال صاحب الهداية في جوازه استحسانًا: (للإجماع الثابت بالتعامل، وفي القياس لا يجوز لأنه بيع المعدوم) .
وقال ابن الهمام في شرح ما سبق: (اصنع لي خفًّا طوله كذا وسعته كذا، أو دستًا أي برمة تسع كذا ووزنها كذا على هيئة كذا بكذا، ويعطى الثمن المسمي أو لا يعطى شيئًا، فيعقد الآخر معه، جاز استحسانًا تبعًا للعين.
стр. 10441
والقياس ألا يجوز، وهو قول زفر والشافعي، إذا لا يمكن إجارة، لأنه استئجار على العمل في ملك الأجير وذلك لا يجوز، كما لو قال أحمل طعامك من هذا المكان إلى مكان كذا بكذا، أو أصبغ ثوبك أحمر بكذا، لا يصح، ولا بيعًا لأنه بيع معدوم، ولو كان موجودًا مملوكًا لغير العاقد لم يجز.
فإذا كان معدومًا فهو أولى بعدم الجواز، ولكنا جوزناه استحسانًا للتعامل الراجح إلى الإجماع العملي من لدن رسول الله ﷺ إلى اليوم بلا نكير.
والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قوله ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) ، وقد استصنع رسول الله ﷺ خاتمًا، واحتجم ﷺ وأعطى الحجام، مع أن مقدار عمل الحجامة وعدد كرات وضع المحاجم ومصها غير لازم عند أحد، وثله شرب الماء من السقاء.
وسمع ﷺ بوجود الحمام، وأباحه بمئزر، ولم يبين له شرطًا، وتعامل الناس بدخوله من لدن الصحابة والتابعين على هذا الوجه إلى الآن، وهو ألا يذكر عدد ما يصبه من ملء الطاسة، ونحوها، فقصرناه على ما فيه تعامل، وفي ما لا تعامل فيه رجعنا فيه إلى القياس كأن يستصنع حائكًا أو خياطًا لينسج له، أو يخيط قميصًا بغزل نفسه) . (فتح القدير: ٦/٢٤٢) .
وفي الصفحة المذكورة من المرجع السابق قال الكبرلاني في الكفاية: (الجواز ثابت بالإجماع، وإنما الاختلاف في أنه بيع أو عدة أو إجارة) .
ثم قال:
(كان على الاتفاق كذا ذكره الإمام قاضيخان ﵀، وفي القياس لا يجوز لأنه بيع المعدوم، وقد نهى النبي – ﵊ ٠ عن بيع المعدوم.
وجه الاستحسان أن النبي – ﵇ – استصنع خاتمًا ومنبرًا، ولأن المسلمين تعاملوه من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير، فنزل منزلة الإجماع، وهو كدخول الحمام بأجر، فإنه جائز استحسانًا لتعامل الناس، والقياس يأبى جوازه لأن مقدار المكث وما يصب من الماء مجهول. وكذا لو قال لسقاء: أعطني شربة ماء بفلس، أو احتجم بأجر، فإنه يجوز لتعامل الناس، وإن لم يعرف قدر ما يشرب، ولم يكن قدر ما يحتجم من ظهره معلومًا. والأصل فيه قوله ﵇: ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وقد رأوا الاستصناع حسنًا فكان حسنًا)) . اهـ.
стр. 10442
انتهى المطلوب من أقوال الحنفية.
وسبق من قبل القول في المنبر والخاتم.
أما ما ذكر من حديث الرسول ﷺ ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) فهو كما يقول السخاوي في المقاصد الحسنة (ص٤٦٠ – حديث ١٢٨٨) : (حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة، وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) .
وأما قولهم بأن الرسول ﷺ قال: ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) ، فهذا ليس بمرفوع، وإنما موقوف على ابن مسعود ﵁، (رواه أحمد في مسنده، والبزار، والطبراني في الكبير، وإسناده صحيح) .
(انظر المسند تحقيق شاكر: ٥/٢١١، رواية رقم ٣٦٠٠، من الأخطاء القليلة للسخاوي قوله في المقاصد: ص٣٦٧ وهم من عزاه للمسند) .
والحديث الشريف والأثر ليسا بحجة للحنفية، فليس هناك إجماع على جواز الاستصناع الذي قال به جمهور الحنفية كما أشرت من قبل، والذين رأوا أنه غير جائز، وغير حسن، أكثر من الذين رأوا أنه جائز وحسن.
وما قيل في السلم والحجامة والحمام ليس حجة لهم، فهذه المعاملات شرعها رسول الله ﷺ ، وليس لأحد بعده حق التشريع، فيبقى الأصل كما هو إلى بدليل شرعي يجيز الاستثناء.
وأما قولهم "ولأن الحاجة تدعو إليه لأن الإنسان ... فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج"، ففيه نظر:
لأن هذا الحرج يمكن أن يرفع بالسلم في الصناعات، والإجارة، والمواعدة.
وأما قول الكاساني: "ولأن فيه معنى عقدين جائزين، وهو السلم والإجارة ... وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا) ، فقيه نظر أيضًا:
لأن هذا القول يؤيد جمهور الفقهاء الذين خالفوا الحنفية، حيث ألحقوا الاستصناع بالسلم، واشترطوا له شروطه، وسبق قول الحنفية في التفرقة بين الاستصناع والسلم. كما أن الاستصناع عند الحنفية في بعض حالاته يدخل تحت بيع الكالىء بالكالىء – المجمع على منعه – حيث لا يتم تسليم ثمن ولا مبيع وقت التعاقد، فهم لا يشترطون تسليم الثمن – كله أو بعضه – عند التعاقد، فله أن يسلم الثمن كله أو بعضه، أو لا يسلم. (انظر مثلًا العناية مع فتح القدير: ٦/٢٤٤؛ ومجلة الأحكام العدلية المادة: ص٣٩١ ونصها: "لا يلزم في الاستصناع دفع الثمن حالًا، أي وقت العقد") .
ومن كل ما سبق نرى أن ما ذكره الحنفية من الأدلة لا يؤيد ما ذهب إليه جمهورهم من أنه عقد بيع على غير وجه السلم. والاستصناع ليس كالصرف الذي لا يجوز فيه المواعدة، ولذلك يمكن الأخذ بقول من ذكر من الحنفية القائلين بأنه وعد وليس عقد بيع، مع النظر فيا يترتب على هذا الوعد.
стр. 10443
ثالثًا – شروط جوازه:
وجدنا أن المذاهب الثلاثة تشترط للاستصناع شروط السلم، والمالكية أجازوا استصناع أى شيء مما يعمل الناس في أسواقهم من آنيتهم أو أمتعتهم التي يستعملون في أسواقهم عند الصناع. أما الشافعية والحنابلة فلم يجيزوا من هذه الأشياء ما جمع أجناسًا مقصودة لا تتميز. وسبق بيان هذا من قبل.
والحنفية هم الذين جعلوه عقدًا مستقلًّا من العقود المسماة، ووضعوا شروطًا لجوازه عندهم.
قال الكاساني في البدائع (٥/٣) : (وأما شرائط جوازه:
(فمنها) بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته؛ لأنه لا يصير معلومًا بدونه.
(ومنها) : أن يكون ما يجري فيه التعالم بين الناس من أواني الحديد والرصاص والنحاس والزجاج والخفاف والنعال ولجم الحديد للدواب ونصول السيوف والسكاكين والقسي والنبل والسلاح كله والطشت والقمقمة ونحو ذلك، ولا يجوز في الثياب لأن القياس يأبى جوازه، وإنما جوازه استحسانًا لتعامل الناس ولا تعامل في الثياب.
(ومنها) أن لا يكون فيه أجل، فإن ضرب للاستصناع أجلًا صار سلمًا حتى يعتبر فيه شرائط السلم وهو قبض البدل في المجلس، ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في السلم ... (وهذا) قول أبي حنيفة ﵀.
. وقال أبو يوسف ومحمد: هذا ليس بشرط؛ وهو استصناع على كل حال، ضرب فيه أجلًا أو لم يضرب، ولو ضرب للاستصناع فيما لا يجوز فيه الاستصناع – كالثياب ونحوها – أجلًا ينقلب سلمًا في قولهم جميعًا.
(وجه) قولهما: أن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع، وإنما يقصد به تعجيل العمل لا تأخير المطالبة، فلا يخرج به كونه استصناعًا، أو يقال: قد يقصد بضرب الأجل تأخير المطالبة، وقد يقصد به تعجيل العمل، فلا يخرج العقد عن موضوعه مع الشك والاحتمال، بخلاف ما لا يحتمل الاستصناع لا يقصد بضرب الأجل فيه تعجيل العمل، فتعين أن يكون لتأخير المطالبة بالدين وذلك بالسلم – ولأبي حنيفة – ﵁ أنه إذا ضرب فيه أجلًا فقد أتى بمعنى السلم، إذ هو عقد على مبيع في الذمة مؤجلًا، والعبرة في العقود لمعانيها لا لصور الألفاظ، ألا ترى أن البيع ينعقد بلفظ التمليك، وكذا الإجارة، وكذا النكاح، على أصلنا (ولهذا) صار سلمًا فيما لا يحتمل الاستصناع، كذا هذا، ولأن التأجيل يختص بالديون، لأنه وضع لتأخير المطالبة. وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة وليس ذلك إلا السلم، إذ لا دين في الاستصناع:
(ألا ترى أن لكل واحد منهما خيار الامتناع من العمل قبل العمل بالاتفاق؟ ثم إذا صار سلمًا يراعى فيه شرائط السلم فإن وجدت صح وإلا فلا) . اهـ.
стр. 10444
وقال السمرقندي في تحفة الفقهاء (٢/٥٣٩) : "فإذا ضرب الأجل في الاستصناع ينقلب سلمًا عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، لأنه إذا ذكر فيه الأجل يكون فيه جميع معاني السلم، والعبرة للمعنى لا للفظ، ولهذا لو استصنع ما لا يجوز استصناعه حتى يكون استصناعًا فاسدًا، وشرط فيه الأجل: ينقلب سلمًا بلا خلاف – كذا هذا، والله أعلم) .
وقال صاحب الهداية: (ولو ضرب الأجل فيما فيه تعامل يصير سلمًا عند أبي حنيفة خلافًا لهما، ولو ضربه فيما لا تعامل فيه يصير سلمًا بالاتفاق". (انظر فتح القدير: ٦/٢٤٤) .
وقال صاحب الكفاية في شرح ما سبق: (قوله: لأنه لو ضرب الأجل فيه تعامل يصير سلمًا عند أبي حنيفة – ﵀ فيشترط فيه شرائط السلم من قبض رأس المال في المجلس، وعدم الخيار لرب السلم إذا أتى بالمصنوع على الوصف الذي وصفه.
والمراد الأجل الذي يضرب للسلم، فقال في المبسوط: هذا إذا ذكر المدة على سبيل الاستمهال، أما إذا كان على سبيل الاستعجال بأن قال: على أن يفرغ عنه غدًا أو بعد غدٍ فهذا لا يكون سلمًا، لأن ذكر المدة للفراغ من العمل لا لتأجيل المطالبة بالتسليم، ألا ترى أنه ذكر أدنى مدة يمكنه الفراغ فيها من العمل؟ ويحكى عن الهندواني أن ذكر المدة من قبل المستصنع فهو الاستعجال فلا يصير به سلمًا.
وإن كان الصانع هو الذي ذكر المدة فهو سلم لأنه يذكره على سبيل الاستمهال. وقيل: إن ذكر أدنى مدة يتمكن فيها من العمل فهو استصناع، وإن كان أكثر من ذلك فهو سلم، لأن ذلك لا يختلف باختلاف الأعمال، فلا يمكن تقديره بشيء معلوم) . اهـ.
ومن هذا نرى أن الحنفية يشترطون لجواز الاستصناع ما يأتي:
١- بيان جنس المستصنع، ونوعه، وقدره، وصفته، لأنه لا يصير معلومًا بدون هذا البيان. وهذا الشرط لا ينفردون به، حيث إنه من شروط السلم.
٢- أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس.
٣- ألا يكون فيه أجل، وهذا قول أبي حنيفة، وخالفه الصاحبان، وفي المذهب أقوال تتصل بهذا الشرط كما يظهر مما نقل من كتبهم.
ويلاحظ عند ذكر الأجل فيما يجري فيه التعامل – أن رأي الإمام أبي حنيفة لا يختلف عن السلم في الصناعات عند المالكية.
стр. 10445
رابعًا – حكمه:
حكم الاستصناع عند الجمهور هو حكم السلم تبعًا لرأيهم في الاستصناع كما بينا من قبل. أمَّا الحنفية فيبين الكاساني رأيهم حيث يقول:
(وأما حكم الاستصناع فهو ثبوت الملك للمستصنع في العين المبيعة في الذمة، وثبوت الملك للصانع في الثمن ملكًا غير لازم – على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وأما صفة الاستصناع فهي أنه عقد غير لازم قبل العمل في الجانبين جميعًا بلا خلاف، حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل، كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين أن لكل واحد منهما الفسخ، لأن القياس يقتضي أن لا يجوز لما قلنا، وإنما عرفنا جوازه استحسانًا لتعامل الناس، فبقي اللزوم على أصل القياس، (وأما) بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع فكذلك، حتى كان للصانع أن يبيعه ممن شاء كذا ذكر في الأصل، لأن العقد ما وقع على عين المعمول بل على مثله في الذمة لما ذكرنا أنه لو اشترى من مكان آخر وسلم إليه جاز. ولو باعه الصانع وأراد المستصنع أن ينقض البيع ليس له ذلك. ولو استهلكه قبل الرؤية فهو البائع إذا استهلك المبيع قبل التسليم، كذا قال أبو يوسف.
فأما إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة فقد سقط خيار الصانع وللمستصنع الخيار، لأن الصانع بائع ما لم يره، فلا خيار له، وأما المستصنع فمشتري ما لم يره، فكان له الخيار، وإنما كان كذلك لأن المعقود عليه وإن كان معدومًا حقيقة فقد ألحق بالموجود ليمكن القول بجواز العقد، ولأن الخيار كان ثابتًا لهما قبل الإحضار لما ذكرنا أن العقد غير لازم، فالصانع بالإحضار أسقط خيار نفسه، فبقي خيار صاحبه، على حاله؛ كالبيع الذي فيه شرط الخيار للعاقدين إذا أسقط أحدهما خيار، أنه يبقى خيار الآخر، كذا هذا. (هذا) جواب ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵃.
وروي عن أبي حنيفة – ﵀ – أن لكل واحد منهما الخيار، وروي عن أبي يوسف أنه لا خيار لهما جميعًا.
(وجه) رواية أبي يوسف أن الصانع قد أفسد متاعه وقطع جلده وجاء بالعمل على الصفة المشروطة، فلو كان للمستصنع الامتناع من أخذه لكان فيه إضرار بالصانع، بخلاف ما إذا قطع الجلد ولم يعمل، فقال المستصنع: لا أريد، لأنا لا ندري أن العمل يقع على الصفة المشروطة أو لا، فلم يكن الامتناع منه إضرارًا بصاحبه، ثبت الخيار.
(وجه) رواية أبي حنيفة – ﵀ – أن في تخيير كل واحد منهما دفع الضرر عنه، وأنه واجب. والصحيح جواب ظاهر الرواية، لأن في إثبات الخيار للصانع ما شرع له الاستصناع: وهو دفع حاجة المستصنع، لأنه متى ثبت الخيار للصانع فكل ما فرغ عنه يبيعه من غير المستصنع، فلا تندفع حاجة المستصنع.
стр. 10446
وقول أبي يوسف أن الصانع يتضرر بإثبات الخيار للمستصنع مسلم، ولكن ضرر المستصنع بإبطال الخيار فوق ضرر الصانع بإثبات الخيار للمستصنع، لأن المصنوع إذا لم يلائمه وطولب بثمنه لا يمكنه بيع المصنوع من غيره بقيمة مثله، ولا يتعذر ذلك على الصانع لكثرة ممارسته وانتصابه لذلك، ولأن المستصنع إذا غرم ثمنه ولم تندفع حاجته لم يحصل ما شرع له الاستصناع وهو اندفاع حاجته، فلا بد من إثبات الخيار له، والله الموفق.
فإن سلم إلى حدادٍ حديدًا ليعمل له إناء معلومًا بأجر معلوم، أو جلدًا إلى خفاف ليعمل له خفًّا معلومًا بأجر معلوم، فذلك جائز ولا خيار فيه، لأن هذا ليس باستصناع بل هو استئجار، فكان جائزًا فإن عمل كما أمر استحق الأجر، وإن أفسد فله أن يضمنه حديدًا مثله، لأنه لما أفسده فكأنه أخذ حديدًا له، واتخذ منه آنية من غير إذنه، والإناء للصانع لأن المضمونات تملك بالضمان) . اهـ.
(البدائع: ٥/٣ – ٤، وراجع ما كتبه أيضًا في ص٢٠٩، ٢١٠) .
وقال السمرقندي في تفسير الاستصناع:
"وهو عقد غير لازم، ولكل واحد منهما الخيار في الامتناع قبل العمل، وبعد الفراغ من العمل: لهما الخيارن حتى إن الصانع لو باعه قبل أن يراه جاز لأنه ليس بعقد لازم.
فأما إذا جاء به إلى المستصنع فقد سقط خياره، لأنه رضًى بكونه للمستصنع، حيث جاء به إليه.
فإذا رآه المستصنع فله الخيار: إن شاء أجاز، وإن شاء فسخ عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا خيار له، لأنه مبيع في الذمة بمنزلة السلم.
وهما يقولان: إنه بمنزلة العين المبيع الغائب.
(تحفة الفقهاء: ٢/٥٣٨ – ٥٣٩)
стр. 10447
وقال المرغيناني في الهداية:
"وهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه"، لأنه اشترى شيئًا لم يره، ولا خيار للصانع، كذا ذكره في المبسوط وهو الأصح، لأنه باع ما لم يره.
وعن أبي حنيفة – ﵀ – أن له الخيار أيضًا، لأنه لا يمكنه تسليم المعقود عليه إلا بضرر، وهو قطع الصرم وغيره.
وعن أبي يوسف أنه لا خيار لهما: أما الصانع فلما ذكرنا، وأما المستصنع فلأن في إثبات الخيار له إضرارًا بالصانع، لأنه ربما لا يشتري غيره بمثله.
وقال صاحب العناية في شرح ما سبق:
"وهو بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء تركه ... إلخ": أي المستصنع بعد الرؤية بالخيار: إن شاء أخذه وإن شاء تركه لأنه اشترى ما لم يره، ومن هو كذلك فله الخيار كما تقدم. ولا خيار للصانع، كذا ذكر في المبسوط، فيجبر على العمل، لأنه بائع باع ما لم يره، ومن هو كذلك لا خيار له، وهو الأصح بناء على جعله بيعًا لا عدة.
وعن أبي حنيفة أن له الخيار أيضًا إن شاء فعل وإن شاء ترك دفعًا للضرر عنه، لأنه لا يمكنه تسليم المعقود عليه إلا بضرر، وهو قطع الصرم وإتلاف الخيط.
وعن أبي يوسف أنه لا خيار لهما: أما الصانع فلما ذكرنا أولًا، وأما المستصنع فلأن الصانع أتلف ماله بقطع الصرم وغيره ليصل إلى بدله، فلو ثبت له الخيار تضرر الصانع لأن غيره لا يشتريه بمثله، ألا ترى أن الواعظ إذا استصنع منبرًا ولم يأخذه فالعامي لا يشتريه أصلًا.
فإن قيل الضرر حصل برضاه فلا يكون معتبرًا؟ أجيب بجواز أن يكون الرضا على ظن أن المستصنع مجبور على القبول، فلما علم اختياره عدم رضاه.
فإن قيل ذلك لجهل منه وهو لا يصلح عذرًا في دار الإسلام؟ أجيب بأن خيار المستصنع اختيار بعض المتأخرين من أصحابنا، ولم يجب على كل واحد من المسلمين في دار الإسلام علم أحوال جميع المسلمين، وإنما الجهل ليس بعذر في دار الإسلام في الفرائض التي لا بد لإقامة الدين منها ... إلخ (راجع فتح القدير: ٦/٢٤٣ – ٢٤٤) .
وفي المرجع السابق (ص٢٤٣) جاء في الكفاية والعناية أن الاستصناع يبطل بموت أحد المتعاقدين لشبهة بالإجارة.
وجاء في شرح المجلة (ص٢٢١ شرح المادة ٣٩٢) :
"يبطل الاستصناع بوفاة الصانع أو المستصنع لمشابهته للإجارة. والإجارة تنفسخ بالموت".
стр. 10448
وقال ابن عابدين في حاشيته (٤/٢١٣) :
"للصانع أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع، لأن العقد غير لازم ".
وقال: إذا أحضره الصانع على الصفة المشروطة سقط خياره، وللمستصنع الخيار – هذا جواب ظاهر الرواية، - وروى عنه ثبوته لهما، وعن الثاني عدمه لهما، والصحيح الأول".
وقال أيضًا:
" ... فقد ظهر لك بهذه النقول أن الاستصناع لا جبر فيه إلا إذا كان مؤجلًا بشهر فأكثر فيصير سلمًا، وهو عقد لازم يجبر عليه ولا خيار فيه، وبه علم أن قول المصنف: فيجبر الصانع على عمله ولا يرجع الآمر عنه – إنما هو فيما إذا صار سلمًا، فكان عليه ذكره قبل قوله: وبدونه، وإلَّا فهو مناقض لما ذكره بعده من إثبات الخيار للآمر، ومن أن المعقود عليه العين لا العمل، فإذا لم يكن العمل معقودًا عليه فكيف يجبر عليه؟
وأما ما في الهداية عن المبسوط من أنه لا خيار للصانع في الأصح فذلك بعد ما صنعه ورآه الآمر، كما صرح به في الفتح، وهو ما مر عن البدائع، والظاهر أن هذا منشأ توهم المصنف وغيره كما يأتي. وبعد تحريري لهذا المقام رأيت موافقته في الفصل الرابع والعشرين من نور العين إصلاح جامع الفصولين حيث قال: "بعد أن أكثر من النقل في إثبات الخيار في الاستصناع: فظهر أن قول الدرر تبعًا لخزانة المفتي أن الصانع يجبر على عمله والآمر لا يرجع عنه سهو ظاهر. اهـ فاغتنم هذا التحرير ولله الحمد".اهـ (٤/٢١٣) .
ويؤخذ مما سبق ما يأتي:
١- الاستصناع عقد غير لازم قبل العمل لكل من المتعاقدين، وهذا لا خلاف حوله عند الحنفية.
٢- وهو كذلك لازم بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع.
٣- اختلف الحنفية في الحكم إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة:
(أ) فظاهر الرواية عن الإمام والصاحبين: أن الصانع يسقط خياره، ويبقى للمستصنع الخيار.
(ب) وروي عن الإمام أن لكل واحد منهما الخيار.
(ج) وروي عن أبي يوسف أنه لا خيار لهما جميعًا.
والأول هو الأصح كما قال ابن عابدين.
ونلاحظ أن الأدلة تنبني أساسًا على القول بمنع الضرر، استدل بهذا من قال بالخيار، ومن قال بالإلزام.
стр. 10449
٤- يبطل الاستصناع بوفاة أحد المتعاقدين.
هذا هو حكم الاستصناع كما جاء في كتب الحنفية، ولكن مجلة الأحكام العدلية جاءت برأي في الإلزام يخالف طبيعة العقد عند الحنفية حيث نصت المادة (٣٩٢) على ما يأتي:
"إذا انعقد الاستصناع فليس لأحد العاقدين الرجوع عنه.
وإذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة المبينة كان المستصنع مخيرًا". اهـ.
ومن الخطأ ما قاله بعض الكاتبين من أن المجلة أخذت برأي أبي يوسف فقبل العمل، وكذلك بعده وقبل أن يراه المستصنع. لا خلاف أن العقد غير لازم عند أبي يوسف وغيره، والمجلة نفسها قالت في المادة (٣٨٨) : "إذا قال رجل لواحد من أهل الصنائع: اصنع لي الشيء الفلاني بكذا قرشًا، وقبل الصانع ذلك، انعقد البيع استصناعًا ".
ومعنى هذا أن الاستصناع عقد لازم من بداية الإيجاب والقبول قبل العمل، وهذا لا يكون إلا إذا أصبح سلمًا، خلافًا للاستصناع عند الحنفية.
ولذلك يجب أن يضاف للمادة (٣٩٢) بعد العبارة الأولى: إحضار الصانع المصنوع على الأوصاف المطلوبة المبينة، فيكون اللزوم حينئذٍ، ويكون هذا موافقًا لرواية عن أبي يوسف خلافًا لظاهر الرواية عنه، ولا يقال إنه موافق لرأي أبي يوسف.
стр. 10450
النتائج والاقتراحات
أولًا: الاستصناع عند المالكية والشافعية والحنابلة جزء من السلم لا يصح إلا بشروطه، وهو عند الحنفية - عدا زفر – عقد مستقل له شروطه وأحكامه الخاصة.
ثانيًا: الشافعية والحنابلة نظروا إلى مادة المصنوع، فأجازوا ما كان من جنس واحد، واختلفوا فيما يجمع أجناسًا مقصودة تتميز بحيث يعلم العاقدان وزن كل من أجزائه، والراجح الجواز، ولم يجيزوا ما جمع أجناسًا مقصودة لا تتميز.
والمالكية نظروا إلى تعامل الناس فأجازوه، ولم ينظروا إلى مادة المصنوع، وإنما إلى المصنوع نفسه، سواء أكان من جنس واحد أم من أجناس مختلفة.
والحنفية أيضًا نظروا إلى ما فيه تعامل، فأجازوه استصناعًا، غير أنهم أجازوا ما ليس فيه تعامل سلمًا لا استصناعًا.
ثالثًا: إذا ذكر الأجل في الاستصناع أصبح سلمًا عند أبي حنيفة خلافًا للصاحبين، وهذا يعني أن رأي الإمام هنا كالسلم في الصناعات عند المالكية.
رابعًا: لعل الأولى النظر إلى تعامل الناس في الصناعات في مختلف العصور والأمصار، وبهذا نرجح ما ذهب إليه الحنفية والمالكية، والعرف – بضوابطه الشرعية- مصدر يحتج به في الأحكام.
خامسًا: لم نجد ما يجيز رأى الحنفية في جعل الاستصناع بيعًا على غير وجه السلم، وهو معدوم وليس عند البائع. كما أنهم أجمعوا على أنه عقد غير لازم قبل أن يراه المستصنع، وهذا لا يرفع حرجًا، ولا يحل مشكلة، وعلى الأخص في صناعات العصر التي قد تكون بآلاف الآلاف، و (بالمليارات) .
ولذلك رأينا مجلة الأحكام العدلية – وهي في الفقه الحنفي – تجعل الاستصناع عقدًا لازمًا منذ البداية، وهذا يخالف إجماع المذهب الحنفي، فضلًا عن باقى المذاهب.
стр. 10451
ولهذا أقترح ما يأتي:
١- إذا اعتبر عقد الاستصناع بيعًا ألحقناه بالسلم بجميع شروطه، ويصح في الصناعت التي يتعامل بها في أي عصر.
٢- ما لم يكن سلمًا – حيث يتعذر تطبيق شروطه، ويقع الناس في حرج ومشقة – يعتبر وعدًا لا بيعًا، حتى لا نقع في محظور شرعي. وفي هذه الحالة نطبق قرار مجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة بشأن الوفاء بالوعد في المرابحة للآمر بالشراء، ونجعل حكم الوفاء بالوعد في الاستصناع كالوعد في المرابحة.
وما يتصل بالوعد في القرار المذكور هو ما يأتي:
ثانيًا: الوعد (وهو الذي يصدر عن الآمر أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزمًا للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقًا على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد. ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلًا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.
ثالثًا: المواعدة (وهي التي تصدر عن الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكًا للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده". انتهى المطلوب نقله.
ويعدل القرار بوضع كلمتي (المستصنع أو الصانع) بدلًا من (الآمر أو المأمور) في ثانيًا، وفي ثالثًا: يحذف (بيع المرابحة) ونضع الاستصناع في الموضعين.
وبعد: أظن أن هذا أكثر رفعًا للحرج، ودفعًا للمشقة، وأقرب للصواب.
والله هو الأعلم.
стр. 10452
المبحث الرابع
الاستصناع في معاملاتنا المعاصرة
من الواضح في عصرنا كثرة الصناعات، وتنوعها، وتطورها تطورًا مذهلًا، ولا حاجة للحديث عن هذا الموضوع في مثل هذه الدراسة، ولكن الذي نريد أن نشير إليه هو دور عقد الاستصناع في هذا المجال، وفي التمويل الإسلامي.
بعض المصنوعات تكون حاضرة، فتباع بيعًا حالًّا أو آجلًا أو بالتقسيط، ولكن في كثير من الحالات تتم الصناعة بناء على طلب من مستصنع، وقد يكون المستصنع فردًا، أو جماعة أو شركة، أو وزارة، أو دولة.
وقد يكون الاستصناع لأحذية كما كان في النعال من قبل، وقد يكون لأثاث، أو أجهزة منزلية، أو سيارات، أو طائرات أو أسلحة حربية وغيرها.
والاستصناع هنا – يجعل الصانع يزيد من مصنوعاته كلما زاد الطلب، وهو لذلك يلبي حاجة المستصنع.
كما أن الاستصناع أصبح وسيلة هامة من وسائل التمويل الإسلامي في عصرنا. وأضرب هنا بعض الأمثلة من الواقع العملي لمصرف قطر الإسلامي.
قامت إحدى الشركات ببناء مبنى كبير، واحتاجت إلى تمويل لتوريد وتنفيذ أعمال الألمنيوم والزجاج، فلجأت إلى المصرف، وقدمت له المواصفات والمخططات وجداول الكميات.
عرض على المصرف هذا الموضوع، وطلب مني دراسته من الناحية الشرعية، وهل يوجد في الفقه الإسلامي عقد يمكن المصرف من قبول طلب هذه الشركة؟
стр. 10453
وبالبحث وجدنا أن ما طلبته الشركة ليس موجودًا بالأسواق، وبذلك استبعدنا عقد البيع.
وأخبرني المصرف بأن في قطر شركة صناعية يمكن أن تقوم بهذه الأعمال، ولكن تحتاج إلى استيراد بعض الخامات قبل البدء في التصنيع. لو أن الخامات كانت موجودة لأمكن شراؤها من هذه الشركة أو من غيرها، ثم إبرام عقد إجارة مع الشركة، لكن الخامات غير موجودة.
لهذا اقترحت على المصرف إبرام عقد استصناع مع الشركة الصناعية، ويذكر فيه، أو يلحق به، المواصفات والمخططات وجداول الكميات.
ويدفع المصرف جزءًا من الثمن عند التعاقد أو أثناء العمل، والباقي عند إتمام العمل.
وفي الوقت نفسه يبرم مع شركة البناء عقد استصناع أيضًا، ولكن يكون المصرف هنا هو الصانع وليس المستصنع، وبعد إتمام المشروع يبيع المصرف بيعًا بالتقسيط.
ويلاحظ هنا أن شركة البناء لا علاقة بينها وبين الشركة الصناعية، والأخيرة ليست ملزمة بأي شيء تجاهها، وإنما علاقتها بالمصرف، ولذلك إذا لم تف الشركة الصناعية بما التزمت به فعلى المصرف أن يلجأ لشركة أخرى حتى يفي بالتزاماته تجاه شركة البناء.
وأذكر مثلًا آخر:
يملك أحد القطريين قطعة كبيرة من الأرض، أراد أن يبني عليها مجموعة من البيوت (الفلل) ، وطلب من المصرف تمويل المشروع، عرض المصرف أن يبيع له ما يحتاج إليه من مواد البناء بيعًا آجلًا، فقال: إن هذا يحل جزءًا من المشكلة، فكيف يحل باقي المشكلة وتكلفتها ليست قليلة؟
عرفت من المصرف أنهما لا يريدان أي نوع من الشركة، فالشركة المنتهية بالتمليك مثلًا، فقلت: يدخل المصرف مع الطرف الآخر في عقد استصناع، ويكون الاتفاق معه على الثمن مقسطًا، وتبدأ الأقساط بعد الانتهاء من البناء، وتسليمه كاملًا موافقًا لرخصة البناء، والتصاميم والمخططات والرسومات، والمواصفات الهندسية، وجداول الكميات، والشروط العامة والخاصة للمشروع.
стр. 10454
وحيث إن المصرف لا يملك شركة للبناء، فعليه إذن الاتصال بشركات البناء، واختيار أفضلها لتولي العمل المطلوب. ومعنى هذا أن المصرف عليه أن يحضر مواد البناء، ويدخل مع إحدى الشركات في عقد إجارة، أو أن تقوم الشركة بعملية البناء وتحمل جميع النفقات على أساس عقد الاستصناع، ويكون المصرف هنا هو المستصنع، مع أنه الصانع بالنسبة لصاحب الأرض.
ويستطيع المصرف دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، وعلى الأخص أنه سيعجل بدفع الثمن للصانع، وفي العقد الآخر البيع بالتقسيط.
رأى المصرف أن هذا العقد يحل مشكلة طالب البناء كاملة، ويمكن أن يحقق ربحًا معقولًا، ولكن توجد مشكلة تمنع المصرف من قبول عقد الاستصناع في البناء بصفة عامة، وهي ضمان المبنى، فبعد تسليم المبنى يظل الباني ضامنًا لمدة طويلة لا تقل عن عشر سنوات، وفي بعض البلاد تزيد كثيرًا على عشر سنوات. والمصرف لا يستطيع تحمل مثل لهذا الضمان.
فاقترحت عليهم أن تقوم الشركة – وهي الصانع – بضمان المبنى للمصرف أو لمن يحدده المصرف، ويشترط في العقد الآخر قبول صاحب الأرض ضمان المبنى من المصرف، أو من أي طرف آخر يحدده المصرف ويقبل إعطاء هذا الضمان.
وعندئذ قبل المصرف الدخول في عقدي الاستصناع، وبعد الانتهاء من البناء تقوم الشركة بضمان المبنى للطرف الذي حدده المصرف، ويخلى هذا الطرف المصرف من تحمل أية مسؤولية.
وبالفعل تم تنفيذ كل من العقدين، وأصبح المصرف مستعدًّا للدخول في مثل هذه العمليات.
وأذكر هنا أن المصرف بعد أن تعاقد مع صاحب الأرض قام بمناقصة لشركات البناء، فجاءت العطاءات متفاوتة لدرجة كبيرة: فأحدهما طلب مبلغًا يقترب من المبلغ الذي سيأخذه المصرف من طالب البناء، مع أن طريقة الدفع تختلف اختلافًا بينًا، فالمصرف يأخذ الثمن مقسطًا على ثمانية أعوام، والشركة تأخذ الثمن من المصرف نقدًا دون تأجيل.
وأنسب عطاء كان أقل من هذا بنسبة كبيرة تجعل المصرف يربح ٥٠ % تقريبًا.
وأحب أن أختم هذا المبحث بعرض صورة لنموذج عقد من عقود الاستصناع في البناء.
الدكتور على السالوس.
стр. 10455
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عقد استصناع
في يوم الموافق / / قد تحرر هذا العقد.
بين كل من:
١- مصرف قطر الإسلامي ومركزه الرئيسي بشارع حمد بالدوحة قطر ويمثله في التوقيع على هذا العقد السيد /
طرف أول
٢-
ووعنوانه:
طرف ثاني
أقر الطرفان بصفتهما وأهليتهما الكاملة للتعاقد واتفقا على ما يلي:
تمهيد
تقدم الطرف الثاني إلى الطرف الأول بطلب يعلن فيه عن رغبته في أن يقوم الأخير بتنفيذ مشروع بناء لحسابه على قطعة الأرض التي يملكها على مساحة متر مربع لموجب سند الملكية رقم كما قدم الطرف الثاني إلى الطرف الأول رخصة البناء والتصاميم والمخططات والرسومات والمواصفات الهندسية وجداول الكميات والشروط العامة والخاصة للمشروع والتي تم إعدادها من قبل المكتب الهندسي.
وقد وافق الطرف الأول على طلب الطرف الثاني وتحرر بين الطرفين هذا العقد وفقًا للبنود التالية:
стр. 10456
البند الأول
يعتبر التمهيد السابق والطلب المقدم من الطرف الثاني المؤرخ وكذلك رخصة البناء والتصاميم والمخططات والرسومات والمواصفات الهندسية وجداول الكميات المرافقة للطلب المذكور والمعتمدة من الطرف الثاني جزءًا لا يتجزأ من هذا العقد ومتممًا له.
البند الثاني
اتفق الطرفان على أن يقوم الطرف الأول بكافة الأعمال اللازمة لإنشاء المشروع وتسليمه صالحًا للاستعمال وأن يلتزم بتنفيذ جميع الأعمال وفقًا للتصاميم والمخططات والرسومات والمواصفات الهندسية وجداول الكميات المقدمة من الطرف الثاني ووفقًا للشروط العامة وكذلك الشروط الخاصة المبينة في هذا العقد.
البند الثالث
قيمة هذا العقد مبلغ ريال ويلتزم الطرف الثاني بدفعة للطرف الأول على () قسطًا شهريًا قيمة كل قسط
ريال يستحق القسط الأول بعد سنة من تاريخ هذا العقد.
ويخضع سريان هذا العقد لإجراء الرهن لصالح المصرف على العقار رقم
والذي يمثل أرض المشروع وما عليها من مشتملات وبناء حيث أن الطرف الثاني لم يقدم ضمانًا آخر غير المشروع نفسه.
البند الرابع
يلتزم الطرف الأول بتنفيذ جميع الأعمال اللازمة لتشييد المشروع خلال مدة أقصاها
شهرًا تبدأ من تاريخ تسليم الموقع ويتعهد بتسليم المشروع صالحًا للاستعمال في نهاية المدة المحددة.
стр. 10457
البند الخامس
قام الطرف الثاني بتعيين المكتب الاستشاري
ليكون وكيلًا عنه في الإشراف على تنفيذ مراحل المشروع المختلفة وتسلم المشروع بعد إتمام التنفيذ بالكامل ووافق الطرف الأول على ذلك المكتب. ويقوم هذا الوكيل بالإشراف على جميع أعمال المشروع ومراحل التنفيذ المختلفة واعتماد جميع المواد المستخدمة في المشروع والتأكد من أن الأعمال المنجزة نفذت طبقًا للمواصفات المطلوبة والشروط المتفق عليها. وأن يقوم كذلك بإعداد شهادات الإنجاز وأن توقيعه عليها كوكيل عن الطرف الثاني بمثابة شهادة من الطرف الثاني بتسلم الأعمال المنجزة وقبوله لها وإقرار منه بأنها نفذت وفقًا للمواصفات المطلوبة والشروط المتفق عليها.
البند السادس
يعتبر المشروع متسلمًا من قبل الطرف الثاني بمجرد إصدار شهادة إتمام البناء الابتدائية من قبل المكتب الاستشاري المعتمد حيث تعتبر شهادة إتمام البناء الابتدائية الصادرة عن المكتب الاستشاري بمثابة تسليم ابتدائي من وكيل الطرف الثاني.
البند السابع
يحق للطرف الأول التعاقد مع إحدى شركات المقاولات لتنفيذ المشروع حسب الشروط والمواصفات المتفق عليها مع الطرف الثاني. كما يحق للطرف الأول في حالة مخالفة شركة المقاولات للشروط المتفق عليها وعدم الوصول إلى اتفاق لحل الخلاف مما يؤثر على سير العمل، استبدالها والتعاقد مع شركة أو شركات أخرى لإكمال تنفيذ المشروع.
البند الثامن
يقبل الطرف الثاني قبولًا غير قابل للنقض أو الإلغاء ضمان تنفيذ جميع الأعمال بالمشروع من الطرف الأول أو من الجهة التي يتعاقد معها الطرف الأول لتنفيذ المشروع وتقبل تقديم هذا الضمان وحيث إن شركة قد ضمنت المشروع للطرف الأول أو لأي طرف آخر يقبل هذا الضمان فإن الطرف الأول يجعل هذا الضمان لصالح الطرف الثاني وبناء على هذا فإن الطرف الثاني يتنازل عن حقه في الرجوع على الطرف الأول في أية مطالبة أو ادعاء قد ينشأ مستقبلًا بعد تسليم المشروع نتيجة سوء تنفيذ شركة المقاولات أو لأي سبب آخر، ويلتزم الطرف الثاني بناء على ذلك بالرجوع على شركة المقاولات في أية مطالبة أو ادعاء.
стр. 10458
البند التاسع
في حالة تأخر الطرف الأول أو من يتعاقد معه عن إتمام المشروع في الموعد المحدد فإنه يتحمل جميع الأضرار التي تنتج عن هذا التأخير ما لم يكن هناك أسباب قهرية لم يتسبب فيها الطرف الأول وتكون خارجة عن إرادته.
البند العاشر
على الطرف الأول أو من يتعاقد لتنفيذ المشروع اعتماد جميع المواد اللازمة للمشروع قبل استعمالها من الطرف الثاني أو وكيله.
البند الحادي عشر
يلتزم الطرف الأول أو من يتعاقد معه بتأمين وتوفير جميع ما يلزم المشروع من مواد ومعدات بشكل يكفل إنهاء المشروع في موعده المحدد.
البند الثاني عشر
على الطرف الأول أو من يتعاقد معه تقديم جدول زمني تفصيلي لسير الأعمال ومراحل تقدمها خلال فترة التنفيذ المحددة والحصول على موافقة الطرف الثاني أو وكيله على ذلك قبل مباشرة العمل في الموقع.
البند الثالث عشر
في حالة وجود أية أعمال إضافية أو تعديلات يقترح الطرف الثاني أو المكتب الاستشاري أو كلاهما معًا ضرورة إدخالها مما قد يؤثر على شروط وقيمة هذا العقد، فإن على الطرف الثاني مراجعة الطرف الأول والاتفاق على تعديل العقد أو أخذ موافقته على التعديل المقترح قبل تنفيذ أية أعمال خلاف الأعمال المعتمدة سواء كان بالزيادة أو النقصان، كما أن عليه تزويد الطرف الأول بموافقة المكتب الاستشاري على التعديلات المطلوبة وتعديل المخططات والتصاميم والمواصفات تبعًا لذلك.
стр. 10459
البند الرابع عشر
في حالة توقيع هذا العقد من قبل أكثر من شخص واحد بصفة طرف ثان، يكون جميع الموقعين مسؤولين وضامنين متضامنين، منفردين أو مجتمعين، تجاه الطرف الأول عن تسديد المبالغ المطلوبة له بموجب هذا العقد.
البند الخامس عشر
ما لم ينص على خلاف ذلك في العقد نفسه فإن الأحكام والشروط الواردة في الشروط العامة للتعاقد والصادرة من وزارة الأشغال العامة بدولة قطر تسود على أحكام أي مستند آخر يمثل جزءًا من العقد.
البند السادس عشر
(أ) يتم الفصل في النزاع على أساس الشريعة الإسلامية.
(ب) أي خلاف ناشئ عن تطبيق أحكام هذا العقد و/ أو متعلق به، يعرض على لجنة تحكيم تشكل من ثلاثة أعضاء على الوجه التالي:
١- حكم يختاره الفريق الأول.
٢- حكم يختاره الفريق الثاني.
٣- حكم يختاره المحكمان الأولان.
ويكون حكمهم، سواء صدر بالإجماع أم بالأغلبية، ملزمًا للطرفين، وغير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن الجائزة قانونًا وبشرط إقرار هيئة الرقابة الشرعية للمصرف بعدم تعارض الحكم الصادر مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وفي حالة عدم توافر الأغلبية، يحال الخلاف موضوع التحكيم إلى المحاكم القطرية.
وتكون محاكم دولة قطر هي المختصة دون سواها، بالفصل في أية طلبات و/ أو قضايا تنشأ بمقتضى التحكيم و/ أو ناشئة و/ أو متعلقة به و/ أو بهذا العقد.
البند السابع عشر
تسري أحكام القانون القطري، والقوانين والأنظمة المرعية على هذا العقد فيما عدا ما نص عليه من اتفاق بين الطرفين وبما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
البند الثامن عشر
حرر هذا العقد من نسختين أصليتين موقعتين من قبل الطرفين بإرادة حرة خالية من العيوب الشرعية والقانونية بتاريخ / / ١٤هـ الموافق / / ١٩م ويسقط الطرف الثاني حقه في الادعاء بكذب الإقرار و/ أو أي دفع شكلي و/ أو موضوعي، ضد ما جاء في هذا العقد.
الطرف الثاني الطرف الأول
مصرف قطر الإسلامي
стр. 10460
عقد الاستصناع
إعداد
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه
بجامعة دمشق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
لم يكن الإسلام في ماضيه وحاضره ومستقبله قيدًا ثقيلًا على الناس في ممارسة حرياتهم الاقتصادية ومعاملاتهم وعقودهم، وإنما كان دائمًا متجاوبًا مع مصالح الناس في تشريعه وتجويزه كل ما كان محققًا لحاجاتهم، ومصالحهم المشروعة القائمة على الحق والعدل والتعادل في الأداءات المتقابلة في المبادلات أو المعاوضات، ومظهر هذا التجاوب واضح في أصول الاستنباط ومصادر الاجتهاد، وفي التطبيق الفعلي وواقع الاجتهاد الذي يمارسه المجتهدون في نطاق ما يسمى بالفقه وهو استنباط أحكام الحوادث والقضايا العملية من الأدلة التفصيلية، كلًّا على حدة.
ومن أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه الواقعي: مشروعية بعض العقود المتكررة في الحياة العملية على سبيل الاستثناء من النصوص أو القواعد العامة، كعقد السلم أو السلف، وعقد الاستصناع، تيسيرًا على الناس في تحقيق حوائجهم، وتلبية لمطالبهم المشروعة دون حرج ولا إعنات ولا إرهاق، لأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة والمشقة تجلب التيسير والإسلام دين اليسر لا العسر.
وإذا كان الاستصناع في الماضي وليد الحاجة الخاصة والصناعة اليدوية في مجال الجلود والأحذية والنجارة والأثاث المنزلي، فإنه في عصرنا الحاضر أصبح من العقود المحققة للحاجات العامة والمصالح الكبرى، في بناء السفن في أحواض واسعة، والطائرات والآلات المختلفة في مصانع ضخمة ومعقدة ودقيقة دقة تامة بالغة الأهمية، مما أدى إلى وجود قفزة رائعة لهذا العقد بين العقود التجارية.
стр. 10461
خطة البحث:
يتناول البحث محاور ثلاثة هي ما يأتي:
* المحور الأول:
- تعريف الاستصناع.
- معناه، هل هو مواعدة أم بيع؟
- دليل مشروعيته.
- الشروط التي تلحقه أو تفارقه ومدى تأثيرها في حكمه.
- حكمه.
* المحور الثاني:
- الاستصناع والسلم.
- العلاقة بين العقدين – وجه التطابق فيما بين العقدين.
- شروط كل من الاستصناع والسلم.
* المحور الثالث:
- أثر الاستصناع في تنشيط الحركة الصناعية.
стр. 10462
المحور الأول
تعريف الاستصناع
الاستصناع في اللغة: طلب الصنعة، والصنعة: عمل الصانع في صنعته أي حرفته، كما جاء في المصباح المنير ومختار الصحاح والقاموس المحيط.
وهو في اصطلاح الفقهاء: طلب العمل من الصانع في شيء مخصوص على وجه مخصوص (١) ، أو هو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة (٢) ؛ أي العقد على شراء ما سيصنعه الصانع، وتكون العين أو مادة الصنعة والعمل من الصانع، فإذا كانت العين من المستصنع لا من الصانع، فإن العقد يكون إجارة لا استصناعًا وبعض الفقهاء يقول: إن المعقود عليه هو العمل فقط؛ لأن الاستصناع طلب الصنع وهو العمل.
مثاله: أن يطلب المستصنع (وهو المشتري أو المستأجر) أحد أفراد الناس من الصانع (وهو البائع أو الأجير) كنجار وحداد وحذاء ونحوهم من أصحاب الحرف أو المهن أن يصنع له شيئًا معينًا بأوصاف محددة، كأثاث منزل أو مكتبة أو كرسي أو حلي وغيرها، على ثمن معلوم، إذا جرى فيه التعامل كالقلنسوة والخف والآنية ونحوها عملًا بالعرف (٣) .
وينعقد الاستصناع بالإيجاب والقبول من المستصنع والصانع ويقال للمشتري: مستصنع، وللبائع: صانع، وللشيء: مصنوع، كاتفاق شخصين على صنع أحذية أو آنية أو ثياب أو أثاث منزلي ونحو ذلك (٤) .
وهو عقد يشبه السلم (بيع آجل بعاجل) لأنه بيع لمعدوم، وأن الشيء المصنوع ملتزم عند العقد في ذمة الصانع البائع، ولكنه يفترق عنه من حيث إنه لا يجب فيه تعجيل الثمن (رأس المال) ولا بيان مدة الصنع والتسليم، ولا كون المصنوع مما يوجد في الأسواق.
ويشبه الإجارة أيضا، لكنه يفترق عنها من حيث إن الصانع يضع مادة الشيء المصنوع من ماله.
стр. 10463
معنى الاستصناع، هل هو مواعدة أم بيع؟
اختلف مشايخ أو فقهاء الحنفية في تخريج الاستصناع، أهو بيع أو وعد بالبيع، أو إجارة، وإذا كان بيعًا هل المبيع هو العين المصنوعة أو العمل الذي قام به الصانع؟
فقال الحاكم الشهيد المروزي والصفار ومحمد بن سلمة وصاحب المنثور: الاستصناع مواعدة، وإنما ينعقد بيعًا بالتعاطي عند الفراغ من العمل، ولهذا كان للصانع ألا يعمل ولا يجبر عليه، بخلاف السلم، وللمستصنع ألا يقبل ما يؤتى به، ويرجع عنه، ولا تلزم المعاملة.
والصحيح الراجح في المذهب الحنفي: أن الاستصناع بيع للعين المصنوعة لا لعمل الصانع، فهو ليس وعدًا ببيع ولا إجارة على العمل، فلو أتى الصانع بما لم يصنعه هو، أو صنعه قبل العقد بحسب الأوصاف المشروطة، جاز ذلك والدليل أن محمد بن الحسن ﵀ ذكر في الاستصناع القياس والاستحسان، وهما لا يجريان في المواعدة، ولأنه جوزه فيما فيه تعامل دون ما ليس فيه تعامل، ولو كان مواعدة جاز في الكل، وسماه شراء فقال: إذا رآه المستصنع فهو بالخيار، لأنه اشترى ما لم يره، ولأن الصانع يملك الدراهم بقبضها، ولو كان العقد مواعدة لم يملكها، وإثبات الخيار لكل من العاقدين لا يدل على أنه غير بيع، بدليل أنه في بيع المقايضة لو لم ير كل من العاقدين عين الآخر أي مبيعه، كان لكل منهما الخيار وثبوت خيار الرؤية للمستصنع من خصائص البيوع، فدل على أن جوازه جواز البياعات، لا جواز العدات، ويترتب على كونه بيعًا أنه يجبر الصانع على عمله، ولا يرجع الآمر المستصنع عنه، ولو كان عدة لما لزم.
وقال أبو سعيد البرادعي: المعقود عليه هو العمل أو الصنع، لأن الاستصناع: طلب الصنع، وهو العمل والراجح في الاجتهاد الحنفي أن المعقود عليه هو العين المستصنعة دون العمل، فلو جاء الصانع بالمطلوب بما يوافق الأوصاف المشروطة ورضي به المستصنع، جاز العقد، سواء أكان من صنعة غيره أم من صنعته قبل العقد، ولو كان المبيع العمل نفسه لما صح ذلك قال الكاساني: ولو كان شرط العمل من نفس العقد، لما جاز، لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي، والصحيح القول بأن المعقود عليه هو المبيع الذي شرط فيه العمل، لأن الاستصناع طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل، لا يكون استصناعًا، فكان مأخذ الاسم دليلًا عليه، ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلمًا، وهذا العقد يسمَّى استصناعًا، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل وأما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد، ورضي به المستصنع، فإنما جاز لا بالعقد الأول، بل بعقد آخر وهو التعاطي بتراضيهما (١) .
стр. 10464
دليل مشروعية الاستصناع:
يرى الفقهاء أن مقتضى القياس أو القواعد العامة ألا يجوز الاستصناع، لأنه بيع المعدوم كالسلم، وبيع المعدوم لا يجوز، لنهي النبي ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان، فلا يصح بيعًا لأنه بيع معدوم، ولا يمكن جعله إجارة، لأنه استجار على العمل في ملك الأجير، وذلك لا يجوز، كما لو قال رجل لآخر: أحمل طعامك من هذا المكان إلى مكان كذا، بكذا، أو أصبغ ثوبك أحمر بكذا، لا يصح وهذا قول زفر ومالك والشافعي وأحمد، لكن يصح الاستصناع عندهم على أساس عقد السلم، ويشترط فيه ما يشترط في السلم، ومن أهم شروطه تسليم جميع الثمن في مجلس العقد.
ويصح عند الشافعية حينئذٍ، سواء حدد فيه الأجل لتسليم الشيء المصنوع أم لا، بأن كان سلمًا حالًّا، والسلم الحال جائز عندهم (١) .
وذهب الحنفية إلى أنه يجوز الاستصناع استحسانًا، لتعامل الناس وتعارفهم عليه في سائر الأعصار من غير نكير، فكان إجماعًا من غير إنكار من أحد، والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قوله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (٢) وقال ابن مسعود: " ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن " (٣) .
وقد استصنع رسول الله ﷺ خاتمًا، واحتجم ﷺ وأعطى الحجام، مع أن مقدار عمل الحجامة وعدد مرات وضع المحاجم ومصها غير لازم عند أحد، ومثله شرب الماء من السقاء، وسمع ﷺ بوجود الحمام فأباحه بمئزر، ولم يبين له شرطًا، وتعامل الناس بدخوله من لدن الصحابة والتابعين على هذا الوجه المعمول به الآن، وهو ألا يذكر مقدار الماء المستهلك ولا مدة المكث في الحمام، والمعدوم قد يعتبر موجودًا حكمًا (٤) .
стр. 10465
الشروط التي تلحقه أو تفارقه ومدى تأثيرها في حكمه:
اشترط الحنفية لجواز الاستصناع شروطًا ثلاثة إذا فاتت أو فات واحد منها فسد العقد، وكان له حكم البيع الفاسد الذي ينقل الملكية بالقبض ملكًا خبيثًا لا يجيز الانتفاع به ولا الاستعمال ويجب إزالة سبب الفساد احترامًا لنظام الشرع، وهذه الشروط هي ما يلى (١) :
١- بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته: لأنه مبيع، فلابد من أن يكون معلومًا، والعلم يحصل بذلك؛ فإذا كان أحد هذه العناصر مجهولًا، فسد العقد، لأن الجهالة المفضية للمنازعة تفسد العقد، وبناء عليه، إذا استصنع شخص إناءً أو سيارة بين في الإناء نوع المعدن وجنسه ومقاسه وحجمه وأوصافه وعدد الآنية المطلوبة إذا كانت متعددة، فإذا أخفى ذلك كله أو شيئا منه، فسد العقد للجهالة وكذلك في صنع السيارة تبين جميع المواصفات المطلوبة، منعًا من الجهالة والنزاع المنتظر عند تعارض المصنوع مع ما قد يترقبه المستصنع.
٢- أن يكون المصنوع مما يجري فيه تعامل الناس كالمصوغات والأحذية والأواني وأمتعة الدواب ووسائل النقل الأخرى، فلا يجوز الاستصناع في الثياب أو في سلعة لم يجر العرف باستصناعها كالدبس (ما يخرج من العنب) لعدم تعامل الناس به، ويجوز ذلك على أساس عقد السلم إذا استوفى شروط السلم، فإذا توافرت فيه فسد استصناعًا وصح سلمًا، لأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني ويصح السلم في غير المثلى كالثياب والبسط والحصر ونحوها، ويصح في عصرنا الحاضر الاستصناع في الثياب لجريان التعامل فيه، والتعامل يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة.
стр. 10466
٣- ألا يذكر فيه أجل محدد: فإذا ذكر المتعاقدان أجلًا معينًا لتسليم المصنوع، فسد العقد وانقلب سلمًا عند أبي حنيفة، فتشترط فيه حينئذ شروط السلم، مثل قبض جميع الثمن في مجلس العقد، وأنه لا خيار لأحد العاقدين إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في العقد ودليله أن العاقد إذا حدد أجلًا فقد أتى بمعنى السلم, والعبرة في العقود بمعانيها، لا لصور الألفاظ. ولهذا إذا حُدِّدَ أجلٌ فيما لا يجوز الاستصناع فيه، كأن يستصنع حائكًا للنسج بغزل نفسه أو خياطًا للخياطة بقماش من عنده، انقلب العقد سلمًا.
والمراد بالأجل: شهر فما فوقه، فإن كان أقل من شهر، كان استصناعًا إن جرى فيه تعامل، أو كان القصد من الأجل الاستعجال بلا إمهال، كأن قال: على أن تفرغ منه غدًا أو بعد غد، فإن قصد من الأجل الاستمهال والتأجيل، لم يصح استصناعًا، ولا يصح سلمًا إذا كان الأجل دون شهر والخلاصة: أن المؤجل بشهر فأكثر سلم، والمؤجل بدونه إن لم يجر فيه تعامل فهو استصناع إلا إذا ذكر الأجل للاستعجال فصحيح.
وقال الصاحبان: ليس هذا بشرط، والعقد استصناع على كل حال، حدد فيه أجل أو لم يحدد، لأن العادة جارية بتحديد الأجل في الاستصناع، فيكون شرطًا صحيحًا لذلك وهذا القول هو المتفق مع ظروف الحياة العملية، وحاجات الناس، فيكون هو الأولى بالأخذ به.
نصت المادة (٣٨٩) من المجلة على ما يلي: كل شيء تعومل استصناعه، يصح فيه الاستصناع على الإطلاق وأما ما لم يتعامل باستصناعه إذا بين فيه المدة، صار سلمًا، وتعتبر فيه حينئذ شروط السلم، وإذا لم يبين فيه المدة، كان من قبيل الاستصناع أيضا " وإذا حددت مدة لتقديم المصنوع، فانقضت دون أن يفرغ الصانع منه ويسلمه، فالظاهر أن يتخير المستصنع بين الانتظار والفسخ، كما هو المقرر في عقد السلم (١) .
стр. 10467
الشروط اللاحقة:
اتفق الحنفية على أن الشرط اللاحق للعقد مثل الشرط الداخل في العقد عند تكوينه في الحكم، إن كان شرطًا صحيحًا، فإن كان شرطًا فاسدًا التحق بالعقد وأفسده كالشرط الداخل في العقد تمامًا في رأي أبي حنيفة وقال الصاحبان: لا يلتحق الشرط الفاسد بالعقد، بل يبقى العقد صحيحًا، ويلغى الشرط، حرصًا على سلامة العقد الذي وجد.
حكم الاستصناع:
حكم الاستصناع هنا: هو الأثر المترتب عليه، وللاستصناع الأحكام التالية (١) :
١- حكم الاستصناع بمعنى الأثر النوعي أو الجوهري المترتب عليه، هو ثبوت الملك للمستصنع في العين المصنوعة في الذمة، وثبوت الملك للصانع في البدل المتفق عليه.
٢- صفة هذا الحكم أو صفة عقد الاستصناع: أنه عقد غير لازم قبل الصنع، وبعد الفراغ من الصنع، في حق الصانع والمستصنع معًا، فيكون لكل من العاقدين الخيار في إمضاء العقد أو فسخه والعدول عنه قبل رؤية المستصنع الشيء المصنوع، فلو باع الصانع الشيء المصنوع قبل أن يراه المستصنع، جاز؛ لأن العقد غير لازم، والمعقود عليه ليس هو عين المصنوع وإنما مثله في الذمة.
٣- إذا جاء الصانع بالشيء المصنوع إلى المستصنع سقط خياره، لأنه رضي بكونه للمستصنع، حيث جاء به إليه، فيكون حكم الاستصناع في حق الصانع ثبوت الملك اللازم إذا رآه المستصنع، ورضي به، ولا خيار له، وهذا في ظاهر الرواية.
وأما المستصنع فحكم العقد بالنسبة إليه إذا أتى الصانع بالمصنوع على الصفة المشروطة: هو ثبوت الملك غير لازم في حقه، فإذا رآه فله الخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، وفسخ العقد عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه اشترى شيئا لم يره، فكان له خيار الرؤية، بخلاف الصانع فهو بائع ما لم يره، فلا خيار له.
стр. 10468
وقال أبو يوسف: العقد لازم إذا رأى المستصنع الشيء المصنوع ولا خيار له، إذا جاء موافقا للصفة أو الطلب والشروط، لأنه مبيع بمنزلة المسلم فيه، فليس له خيار الرؤية، لدفع الضرر عن الصانع في إفساد المواد المصنوعة التي صنعها وفقًا لطلب المستصنع، وربما لا يرغب غيره في شرائه على تلك الصفة ونوقش هذا الرأي بأن ضرر المستصنع بإبطال الخيار له أكثر من ضرر الصانع، إذ لا يتعذر على الصانع بيع المصنوع على أية حال، لأنه إذا لم يرض به المستصنع، يبيعه من غيره بمثل قيمته، وذلك ميسر عليه لكثرة ممارسته ويجاب عنه بأن احتمال البيع الجديد مجرد أمل، ويغلب الضرر بالصانع، فيجب القول بلزوم البيع دفعًا للضرر عنه.
لذا أخذت المجلة برأي أبي يوسف، فقررت في المادة (٣٩٢) : أن عقد الاستصناع ينعقد لازما، فليس لأحد الطرفين الرجوع، ولو قَبْلَ الصنع، إلا أنه إذا جاء المصنوع مغايرًا للأوصاف المشروطة، يتخير المستصنع بفوات الوصف (١) .
وفي تقديري: أن هذا الرأي الذي أخذت به المجلة سديد جدًّا، منعًا من وقوع المنازعات بين المتعاقدين، ودفعًا للضرر عن الصانع، إذ إن أغراض الناس تختلف باختلاف الشيء المصنوع حجمًا ونوعًا وكيفية، ولأن هذا الرأي يتفق مع مبدأ القوة الملزمة للعقود بصفة عامة في الشريعة، ويتناسب مع الظروف الحديثة التي يتفق فيها على صناعة أشياء خطيرة وغالية الثمن كالسفن والطائرات، فلا يعقل والحالة هذه أن يكون عقد الاستصناع فيها غير لازم.
٤- لا يتعلق حق المستصنع في الشيء المصنوع إلا بعرضه عليه من قِبَلِ الصانع، وعلى هذا فإن للصانع أن يبيع المصنوع من غير المستصنع قبل عرضه عليه، كما تقدم بيانه.
стр. 10469
المحور الثاني
الاستصناع والسلم
الاستصناع كما عرفناه: عقد مع ذي صنعة على عمل شيء معين وتكون مادة الصنع من الصانع، كاستصناع أحذية أو آنية بشرط وصف المصنوع في العقد بما يزيل الجهالة.
والسلم أو السلف: بيع آجل بعاجل، أو بيع شيء موصوف في الذمة، أي أنه يتقدم فيه رأس المال، ويتأخر المبيع (المثمن) لأجل، أو هو أن يسلم عوضًا حاضرًا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل، كأن يشتري تاجر من فلاح أو مزارع عشرة أطنان حنطة من ولاية كذا أو محافظة كذا تسلم عند الحصاد بمبلغ معين من المال يدفع كله نقدًا في مجلس العقد، ويتأجل تسليم المبيع غير الموجود عند العقد إلى وقت معين في المستقبل.
العلاقة بين العقدين – وجه التطابق فيما بين العقدين:
يشترك الاستصناع والسلم في أن كلًّا منهما بيع لشيء معدوم، أجيز للحاجة إليه، وتعامل الناس به، إلا أن الباعث على عقد السلم شدة حاجة البائع إلى نقود ينفقها على نفسه وأهله أو على إنتاجه الزراعي، وهو لا يملك ذلك آنيا، لذا سمي "بيع المفاليس" وأما الاستصناع فهو عقد تجاري يحقق الربح للبائع الصانع، ويلبي حاجة المستصنع، فيكون الباعث الدافع عليه حاجة المستصنع.
стр. 10470
وهناك فروق بين العقدين أوجزها فيما يلي:
أولا – إن المبيع في السلم دين (هو ما يثبت في الذمة) تحتمله الذمة، فهو إما مكيل أو موزون أو مذروع أو عددي متقارب كالجوز والبيض، أما المبيع في الاستصناع فهو عين (أي ما يتعين بالتعيين أو الشيء المعين الشخص بذاته) لا دين، كاستصناع أثاث (مفروشات منزلية) أو حذاء، أو إناء.
ثانيا – يشترط في السلم وجود أجل، فهو لا يصح عند الجمهور (غير الشافعية) إلا لأجل كشهر فما فوقه، على عكس الاستصناع في اجتهاد أبي حنيفة ﵀، فإن حدد فيه أجل انقلب سلمًا، ولا خيار شرط في السلم، وقال الصاحبان: يصح الاستصناع لأجل أو لغير أجل، لأن عرف الناس تحديد الأجل فيه، كما بينا وأجاز الشافعية السلم الحال خلافا لغيرهم.
ثالثًا – عقد السلم لازم لا يجوز فسخه بإرادة أحد العاقدين، وإنما بتراضيهما واتفاقهما معًا على الفسخ، وأما الاستصناع فقد عرفنا أنه عقد غير لازم يجوز لأي طرف من العاقدين فسخه في ظاهر الرواية، ويسقط خيار الصانع إذا أحضره على الصفة المشروطة، وللمستصنع الخيار.
رابعا – يشترط في عقد السلم قبض رأس مال السلم كله في مجلس العقد، ولا يشترط قبضه في الاستصناع، ويكتفي الناس عادة بدفع عربون أو جزء من الثمن كالنصف أو الثلث مثلًا، عملًا بمذهب الحنابلة، ويعد هذا الفرق من الناحية العملية أهم الفروق.