الكلمة الختامية لمعالي الدكتور / بكر أبو زيد
رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكراً لمعالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأستاذ الحبيب الشطي على هذه الكلمة الضافية الشاملة، وبعد سماعكم إلى تلاوة البيان الختامي من معالي الأمين العام المجمع الفقه الإسلامي وإلى كلمة معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، نأتي على اللحظات الأخيرة في اختتام الدورة الأولى لمجمعنا فأقول.. الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده المجتبى ونبيه المصطفى اللهم صل وسلم عليه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، ورضي الله عن الصحابة الكرام وآل بيته الطيبين الأطهار والتابعين لهم بإحسان. وبعد:
معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
معالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي.
أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة أعضاء ورجال مجمع الفقه الإسلامي..
أهنئكم جميعاً وأهنيء نفسي على تمام وإنهاء أعمال دورتكم هذه، وهي تتسم بروح الإخاء والصدق والتعاون والتفاني في سبيل خدمة الشريعة الإسلامية، تمهيداً لاستكمال وجودها في أمة محمد ﷺ ، وليكون لنا جميعاً شرف المساهمة وشرف الجهاد في سبيل الله تعالى بما نقدمه من خلال مجمعنا هذا من مشاريع تتمثل في موسوعة فقهية تعتمد النصوص من الكتاب الكريم والسنة النبوية المشرفة ومن أقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن آراء علماء الإسلام المعتبرين في فقههم، والأخذ بالرأي الرجيح الذي يسنده الدليل، إلى غير ذلك من معجم لمصطلحات الشريعة الإسلامية ومن إقامة مراكز لهذا المجمع ومن لقاءات، إلى غير ذلك من وسائله وأهدافه وغاياته، وإن هذا المجمع يختص بخصائص - ولله الحمد- انفرد بها عن غيره أو يكاد أن ينفرد بها عن غيره منها.. شرف المكان، إذ أنه انعقد في دار أمن الله وموئل حرمته وشرف الزمان والغاية والمهمة العظيمة وهي خدمة الفقه الإسلامي في ضوء النصوص الصحيحة الصريحة، وفي ضوء الأدلة الشرعية المساعدة من الاستحسان والعرف والمصالح المرسلة وما جرى مجرى ذلك من أدلة التشريع المختلفة.
стр. 107
وإنني أشكر إخواني أمين عام ورجال هذا المجمع على ما أبدوه من جهود ومواصلة في عملهم وفي لجانهم وفي جلساتهم وفي شعبهم وفي اجتماعاتهم الثنائية في سبيل التأصيل والتقعيد لهذا المجمع في دورته هذه وفي أعماله التي تعتمد عليها دوراته المستقبلية بإذن الله تعالى، كما أشكر معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي أبدى جهوداً ليست بالقليلة، بل هي جهود كبيرة ومهمة جداً ومتابعة لخطوات هذا المجمع اطمئناناً على سيره في أعماله، وأشكر جميع الإخوة المؤتمرين والموظفين والسكرتارية وبقية الإخوة الذين أسهموا في إنجاح هذه الدورة، ولا يفوتني بحال أن أقدم خالص الشكر والتقدير مع خالص الدعاء لخادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد بن عبد العزيز، حفظه الله ووقاه من كل سوء، على اهتمامه البالغ ورعايته المتتابعة لهذا المجمع تطلعاً لتخرج قراراته وتوصياته وأعماله إلى العالم الإسلامي على أحسن وجه وأكمله حتى تعم أنوار التنزيل ونشر السنة النبوية في الربوع الإسلامية على أحسن وجه وأكمله.
وفي الختام أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا جميعاً لكل عمل صالح مبرور وأن يحفظ أئمة المسلمين وقادتهم بالإسلام ويحفظ بهم الإسلام، وأن يثبتنا جميعاً على الإسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 108
البيان الختامي للدورة الأولى لمجمع الفقه الإسلامي
للدكتور / محمد الحبيب ابن الخوجة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي كفل لعباده الصالحين أسباب النجاح، ويسر للعاملين الصادقين الفلاح، وجعل من أشرف العبادات التدبر لكتابه، والغوص على أسرار شريعته والأخذ بهدي رسوله، واعتماد الأصول والقواعد العلمية الصحيحة السليمة في استنباط الأحكام من الأصلين العظيمين والمصدرين الأساسيين هدياً للخلائق، وإقامة للعدل بينهم، وتيسيراً عليهم، وحلاً لمشاكلهم.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد عبد الله ورسوله المبعوث للناس بالحق هدى ورحمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
وبعد، فقد تم بفضل الله وحسن عونه وتوفيقه انعقاد الدورة الأولى لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بمكة المكرمة بفندق الانتركونتيننتال فيما بين ٢٦ و ٢٩ من صفر الخير ١٤٠٥هـ و١٩ و٢٢ نوفمبر ١٩٨٤م.
إنا لنزجي الشكر مجددا"ً لعاهل المملكة العربية السعودية، خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك المعظم فهد بن عبد العزيز على ما حف به مجمعنا من عناية وشمله به من رعاية وخصه به من دعم مادي وأدبي من يوم إيحائه فكرة واقتراحه إياه وسيلة عمل إلى حين قيامه حقيقة وظهوره مؤسسة علمية تخطط لتوحيد المسلمين على منهج الله وتوجههم السنن الأقوم الذي يحفظ عليهم دينهم ويقيهم العثرات ويجنبهم المخاطر ينهض بهم.
وقد افتتحت دورة مجمعنا هذه بإشراف من صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة وكان لكلمته التوجيهية والتشجيعية صداها العميق في نفوسنا وأثرها البين في انطلاق أعمالنا، شكر الله سعيه وبارك جهوده.
وقد شهد افتتاح اشغال المجمع أصحاب المعالي والسماحة والسعادة والفضيلة من رجال العلم والجامعات والمنظمات والمؤسسات تكريماً منهم وتشريفاً وتعزيزاً ودعماً لا عدمنا فضلهم ولا حرمنا مؤازرتهم.
стр. 109
وتولى معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأستاذ الحبيب الشطي الذي باشر مراحل تأسيس المجمع وبذل من الجهد أقصاه وهيأ كل الظروف والوسائل المساعدة لقيام هذه الدورة ونجاحها تصوير الأهداف التي يتطلع إليها المجتمع الإسلامي، بل المجتمع الإنساني من وراء قيام هذه المؤسسة العلمية الفقهية العالمية فأثار في نفوس الحضور الاهتمامات البالغة والتطلعات الكثيرة الشريفة. وعقبه معالي الدكتور عبد الله نصيف أمين عام رابطة العالم الإسلامي الذي أعلن عن شريف رسالة المجمع وما ينتظره المسلمون منه ودعم الرابطة له. وألقى الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي خطاب الافتتاح الذي تلته كلمات أصحاب المعالي والسعادة ممثلي غينيا وتركيا والمغرب عن أعضاء المؤتمر.
واستمرت بعد ذلك طوال أربعة أيام أعمال المؤتمر في جلسات مغلقة حضرها ثلاثون عضواً من الأعضاء العاملين الذين انتدبتهم دولهم. وانتخب المجلس رئيساً له هو العلامة معالي الشيخ بكر أبو زيد عضو المملكة وثلاثة نواب له هم أصحاب المعالي مندوبو ماليزيا والأردن وغينيا. وتم بعد ذلك انتخاب هيئة المكتب التي تألفت من مندوبي مالي والسنغال وباكستان وتركيا والكويت والجزائر.
وقام المجلس بعد ذلك بترتيب الشعب التي جعلها ثلاثاً: شعبة للتخطيط والترجمة وشعبة للدارسات والبحوث وشعبة للفتوى.
وبعد توزيع أعضاء المجمع على هذه الشعب اسندت رئاسة الشعبة الأولى لسماحة الشيخ محمد عبد اللطيف فرفور واختير مقرراً لها معالي الأستاذ إبراهيم الغويل.
وترأس الشعبة الثانية معالي الدكتور حسن الترابي وعين مقرراً لها معالي الدكتور محمد الشريف أحمد.
واسندت رئاسة الشعبة الثالثة لمعالي الشيخ عبد العزيز عيسى، واختير مقرارً لها معالي الأستاذ محمد ميكو.
وفي جلسات اللجان أو الشعب المنبثقة عن المجلس تم ضبط الخطط ورسم المناهج للقيام بكل نشاطات المجمع واستخدام أكثر ما يمكن من وسائل العمل. وقد اتسمت بحمد الله الخطط والمناهج بالدقة والوضوح كما جاء في مقررات اللجان.
وفي جلسة عامة للمجلس عرضت قوائم بأسماء المقترحين من الدارسين والباحثين والخبراء والمحققين كما درس مشروع ميزانية المجمع من المجلس بعد أن عرضه الأمين العام على هيئة المكتب وتمت مناقشته تم المصادقة عليه.
واتخذ بعد هذا جملة من القرارات بشأن عضوية بعض رجال العلم من الفقهاء وبعض المنظمات العلمية.
стр. 110
ولا يسعني في ختام هذه البيان إلا أن أنوه بالروح الإسلامية العلمية اليقظة الواعية التي تحلى بها كل أعضاء المجمع والتي كانت سنداً لنجاح أعمال هذه الدورة بما فتحت من حوار صريح ودقيق ومكنت من تحليل ودرس عميق.
وأخص بالشكر رئيس المجمع على عظيم أدبه وبالغ حكمته وحسن إدارته لأعمال المجلس كما أذكر وأشكر رؤساء ومقرري وأعضاء هيئة المكتب وهيئات الشعب العلمية على ما بذلوه من جهود في سبيل بناء التصورات الكاملة والدقيقة لمهمة المجمع والأعمال المجمعية.
وإني لأشكر للحكومة السعودية ما قدمته لنا من مساعدات كبيرة حققت لدورتنا هذه نجاحاً وتوفيقاً.
ولا يفوتني أن أشكر أجهزة الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي من أمناء مساعدين ومديرين وتراجمة وكتاب وطباعين وفنيين على ما قدموه للمجمع الفقهي ولدورته هذه من خدمات ومساعدات جزاؤهم عليها منا عظيم الثناء ومن الله أحسن الثواب.
ولا أنسى أجهزة الإعلام والصحافة بأنواعها من أن أوفيها حقها من التقدير والشكر على واسع تغطيتها لأعمال المجمع في دورته الأولى وأشكر لإدارة الفندق والعاملين به حسن الوفادة وكرم الضيافة.
والله أسأل أن يوفقنا في أعمالنا ويهدينا سبلنا ويمكن مجمعنا من الاضطلاع بمهامه على الوجه الأكمل المشرف حتى نقوم بما علينا من خدمة الإسلام والمسلمين ومن تجلية شريعة الله للمؤمنين ومن بيان أحكام هذا الدين فنضع حداً للمخاطر التي تهدد وحدتنا ونواجه التحديات بما يكتب لنا الظهور عليها والغلبة، ونقى المجتمع الإسلامي من أسباب الفتنة وأدواء التخلف ومظاهر الذلة والانتكاس.
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي
стр. 111
العدد الثاني
стр. 112
كلمة العدد
لمعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي
د/ محمد الحبيب ابن الخوجة
الحمد لله الذي بنى شريعته على أصول معتمدة من النظر، وقواعد مسلمة في الاعتبار والعمل والأثر، وصرح بأحكام أورد فيها نصوصًا قطعية ثابتة في كتابه الكريم أو مقيدة أو مخصصة، وسكت عن الكثير مما أتت السنة الشريفة النبوية له مبينة أو مفصلة. وترك ما وراء ذلك عفوًا منه سبحانه ورحمة تخفيفًا على المكلفين. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ومبلغ أكمل الشرائع وأتمها وأهمها وأقومها وأصلحها وأوفقها للعالمين، وعلى آله وأصحابه شموس الاهتداء ونجوم الائتساء والاقتداء الذين أخذوا عنه واستمدوا منه، وتأثروا بنظره واجتهاداته، وتعلموا منه الحكمة وروح التشريع، وتبينوا من معاشرته وملازمته وأقضيته وأحكامه أصول الشريعة ومقاصدها فكانوا للمصالح راعين، وللمفاسد دارئين، وبالرحمة والعدل متمسكين وللجور والعبث ملغين ومبطلين.
وبعد، يسر أمانة مجمع الفقه الإسلامي بجدة أن تخرج للقراء والباحثين والمستفيدين والمستفتين هذا العدد الثاني من دورية المجمع، وهو حافل بما تعنون له أقسامه من جهود وأعمال وتصفه محتويات من ألوان نشاط المجمع خلال السنة الثانية من انطلاقه. فهو إلى جانب وقائع الجلسة العامة الافتتاحية للدورة الثانية لمؤتمر مجلس مجمع الفقه الإسلامي التي زانها صاحب السموم الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز حفظه الله بإشرافه عليها نيابة عن جلالة الملك المعظم أعزه الله ونصره، يحتوي على جملة من البحوث والدراسات المعروضة على مجلس المجمع. بعضها قد تم البت في شأنه في هذه الدورة. وبعضها الآخر رأى المؤتمر إرجاءه إلى الدورة القادمة لاتخاذ القرار النهائي بشأنه بعد مواصلة بحثه واستدراك الجوانب المتصلة به التي وقع السكوت عنها أو جاءت مجملة في البحوث المقدمة، ولكننا مع ذلك تعمدنا كما سيرى القارئ الكريم نشر ما تم عرضه من هذه البحوث. وقد كانت –بحمد الله- عامة البحوث والدراسات العلمية والفقهية مما عرض على المجمع في هذه الدورة موضع درس وبحث ونظر ومناقشة في أيام دراسية مباركة واتخذت بشأنها القرارات المناسبة المجمعية. وفي نهاية هذا العدد تأتي ملاحظات ومقترحات ممثلي شعب المجلس وذلك في التقرير الصادر عن اجتماعهم المنعقد بمقر المجمع بجدة يومي ٢، ٣ رجب ١٤٠٦هـ/ ١٢، ١٣ مارس ١٩٨٦م.
وإنا لنرجو من الله أن يمد هذه المؤسسة بعونه وتوفيقه، ويسدد خطى أعضاء المجمع والعاملين فيه من فقهاء وأصوليين ودارسين وباحثين وخبراء مجمعيين لصيانة شريعة ربنا، والنهوض بفقه ديننا، والسعي في توحيد كلمة أمتنا، وإصدار الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، بحسب ما يتلاءم مع اختلاف الأعراف المعتبرة، وتغيرات الزمان، وبما يقيم العدل ويجلب المصالح ويدرأ المفاسد ويعين على نشدان الحق وطلب الاستقامة، والله ولي القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 113
القسم الأول
الجلسة الافتتاحية
خطاب صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز
ألقاها نيابة عنه صاحب السمو الملكي
الأمير ماجد بن عبد العزيز
أمير منطقة مكة المكرمة
في افتتاح الدورة الثانية
لمؤتمر الفقه الإسلامي بجدة
الحمد لله يحق الحق ويبطل الباطل.. أنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأوضح فيه مقاصد الحق وحاجات الخلق في عباداتهم ومعاملاتهم وأخذهم وعطائهم.. والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا سيدنا محمد ﷺ القائل: ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)) .
أيها الإخوة الكرام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
إنه لمن دواعي سروري أن أفتتح نيابة عن خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد بن عبد العزيز الدورة الثانية للمجمع الفقهي.. وتأتي هذه الدورة بعد مرور عام على افتتاح الدورة الأولى، ونرجو أن يكون المجمع الفقهي قد أتم وضع القواعد اللازمة لينطلق في عمله المبارك ونسأل الله تعالى أن يوفقكم ويسدد خطاكم وينفع المسلمين بالآراء والاجتهادات الجماعية..
أيها الإخوة الكرام..
إننا نعتقد أن أهم ما يعني به التفقه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. فقد كان الفقه الإسلامي من أهم الأسس التي ساهمت في بناء الأمة الإسلامية وتكوين حضاراتها وسد حاجتها وامتداد سلطانها وانضواء الشعوب المختلفة تحت لوائها لأنه فقط يقوم على العدالة ويصون الحقوق ويكفل الحرية ويلائم الفطرة السليمة ويزيل الفوارق ويساير التطور.. ولا تسيطر عليه شهوات الأفراد ولا أطماع الجماعات.. ولا يخضع لهوى أيٍ كان.. ذلك أنه مستمد من شرع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.. وأنه مستمد أيضًا من إرشاد رسول أمين لا ينطق عن الهوى ولا يحيد عن الحق..
стр. 114
ولقد خدم في هذا المجال رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فوضحوا معالم الشريعة.. كان دأبهم دراسة الدين والتفقه فيه وإيضاح مقاصده للناس وتقديمها للخلف سهلة سائغة.. واليوم تجد حاجات جديدة للأمة الإسلامية وأمور تتطلب أن يشرع لها، وأن ذلك يكون امتدادًا لما قام به الفقهاء الأجلاء في الماضي.. ويا حبذا أن يقتدي الآخر بالأول في تبصير الأمة الإسلامية بما جد من أمورها وحوادثها وأحوالها. وحين تكون التشريعات جماعية يكون ذلك أدعى إلى تجنب الأخطاء وإلى الإلمام باجتماعيات الشعوب الإسلامية المختلفة.. وأن خصوبة الفقه الإسلامي تمكن في يسر من مواجهة التطورات الهائلة في مختلف جوانب الحياة.. لا جمود ولا تعصب ولا انحلال ولا مسايرة للأهواء.. لأننا نسلك على المنهاج الرباني الصالح لكل زمان ومكان.. ونبعث كنوز الدراسات الفقهية وإضافة المزيد إليها..
وبحمد الله تسير هذه المملكة في خير لاستمداد تشريعاتها من الفقه الإسلامي المدعم بكتاب الله وسنة رسوله.. وسيعيش المسلمون في خير إن شاء الله طالما وفقهم الله إلى اختيار هذا المسلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .. والسلام عليكم ورحمة الله..
стр. 115
كلمة معالي سيد شريف الدين بيرزاده
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على رسول الله خاتم النبيين
وأشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
أصحاب السماحة والمعالي والفضيلة
أيها الإخوة،
يسعدني أن أحضر اليوم افتتاح أعمال الدورة الثانية لمجلس المجمع الفقهي الإسلامي. وهي مناسبة أغتنمها لأرحب بممثلي الدول الإسلامية أجمل ترحيب، راجيًا لهم إقامة طيبة في هذا البلد الأمين، ومتمنيًا أن تحقق الدورة أهدافها المرسومة.
أيها الإخوة،
لقد أبت العناية الإلهية إلا أن تجعل من أرض الحرمين الشريفين، منطلقًا للدعوة إلى العقيدة الإسلامية الغراء. وكان مؤتمر القمة الإسلامي الثالث الذي انعقد في مكة المكرمة والطائف في شهر ربيع الأول ١٤٠١هـ بمشاركة حوالي أربعين من رؤساء الدول الإسلامية المنبر الذي دعا منه صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز في الخطاب الافتتاحي إلى أن من واجب حكماء الأمة الإسلامية ومفكريها وعلماءها، بصفة خاصة، أن يجندوا أنفسهم ويحشدوا طاقاتهم في مجلس عالمي للفقه الإسلامي يضمهم ويوحد جهودهم، لتجد الأمة الإسلامية في رحابه الإجابة الصحيحة المقتبسة من الشريعة الإسلامية، على كل سؤال تطرحه عليهم الحياة المعاصرة.
وكانت استجابة زعماء العالم الإسلامي لدعوة جلالته في مستوى النداء الكريم. وتبلورت إرادة قادة الدول الإسلامية في أفكار بناءة تمثلت في صدور قرار تاريخي يقضي بإنشاء المجمع.
وتوجت جهود الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي -بفضل الله وعونه- بانعقاد المؤتمر التأسيسي للمجمع الفقهي الإسلامي تحت رعاية جلالة الملك فهد بن عبد العزيز، في مكة المكرمة، يوم ٢٦ من شهر شعبان ١٤٠٣هـ، حين شاركت في المؤتمر جميع الدول الأعضاء. وكان المؤتمر المذكور، بحق، بداية لمرحلة تاريخية في حياة أمتنا، تخطى فيها العمل الإسلامي حدود الفردية والجهود الإقليمية والحدود السياسية إلى إنشاء أول تنظيم عالمي يعبر عن وحدة العالم الإسلامي في ميدان الفقه والتشريع.
стр. 116
ولا شك في أن المجمع إذا نهض بأعباء مهمته على خير وجه، سيتيح الفرصة لالتقاء أعلى الخبرات وأقوى التخصصات الإسلامية في رحابه، وسيمهد الطريق للتعاون المثمر بين علماء هذه الأمة في مضمار التعريف بالنظريات الفقهية وبالمبادئ الإسلامية العامة في العدالة والحرية والأمن والسلم، وسيساعد مساعدة فعالة على تطبيق أحكام الشريعة تطبيقًا يجمع بين التطور والتفتح اللذين يقتضيهما العصر الحديث من ناحية، وبين التمسك بالأصالة والعقيدة من ناحية ثانية.
نعم. لقد أصبح المجمع اليوم حقيقة واقعة. والأمل معقود في نطاقه على صفوة علمائنا وفقهائنا للعمل على وضع القواعد الفقهية التي يحتاجها المسلمون في هذه الفترة من تاريخنا توخيًا للوصول إلى تشريع موحد في كل بلاد المسلمين، وإننا لنرجو أن تصبح هذه المؤسسة الإسلامية الجديدة محورًا رئيسيًا تلتقي حوله الهيئات الفقهية المتعددة القائمة اليوم في أرجاء العالم الإسلامي، كما نرجو أن تنهض هذه المؤسسة بمهمة التنسيق والتنظيم بين تلك الهيئات، معتمدة في ذلك خطة مدروسة قائمة على أسس علمية.
أيها الإخوة،
إن أهمية الفقه الإسلامي تتمثل في كونه يتناول بشكل مباشر حياة الفرد والأسرة والمجتمع، كما يتناول العلاقات بين المسلمين وبين سكان المجتمعات غير المسلمة. وليس بخاف أن المسلمين في كل مكان يعلقون أهمية قصوى على هذه المؤسسة، لا لما ستصدره من فتاوى منسجمة مع تطور الحياة المعاصرة فحسب، بل لما ستصدره أيضًا من دراسات وبحوث وآراء تعين المسلمين على استيحاء الأنظمة الملائمة لمؤسساتهم ومجتمعاتهم، مما يوفر، بالتالي، إمكانيات الانسجام بين مختلف دولنا، ويساعد على تمهيد طريق التضامن الإسلامي المنشود.
стр. 117
ولقد لبت الشريعة السمحة على الصعيد الفقهي، كما لا يخفى، حاجات دار الإسلام على مر العصور، فأمدتها بقواعد مرنة تحقق الصالح العام وتعمل على درء المفاسد. ورأى علماء المسلمين منذ قرون أن يعملوا على ضبط قواعد الفقه وتدوينها وتدريسها لأبنائهم. ورأوا كذلك أن يستنبطوا أحكامًا لكل ما يعرض عليهم من مسائل وقضايا وموضوعات.. بل إنهم افترضوا وقائع وأحداثًا قبل وقوعها، وحرصوا على أن يضعوا لكل منها حلًا ملائمًا. وقد توفر بفضل ذلك كنز ثمين من المؤلفات الفقهية والدراسات والأبحاث التي تعالج مشكلات الناس في كل أقطارهم. ولذا، فالمجمع الفقهي الإسلامي لا ينطلق اليوم من فراغ، لأن بين يديه بحرًا زاخرًا من تراث الآباء والجدود. ومن واجبنا أن لا نكتفي بما تركوه لنا، بل إن علينا أن نستمر من حيث ما انتهوا إليه، لنزيد تراثنا ثراء ولنتلافى النقص الذي طرأ في الفترة التي ضعف فيها المسلمون. ويعني ذلك أن مهمة المجمع تقتضي رعاية ذلك التراث، كما تقتضي استثماره لدفع مسيرتنا إلى الأمام.
أيها الإخوة،
وإن من دواعي الارتياح، أن إنجازات مهمة أخرى، في الوقت الذي يبدأ فيه المجمع خطواته الأولى على الطريق سترى النور قريبًا، كمحكمة العدل الإسلامية الدولية التي تتخذ منظمة المؤتمر الإسلامي الإجراءات الأخيرة لإخراجها إلى حيز الوجود، وهي المحكمة التي ستكون مهمتها النظر في الخلافات التي تقع، لسبب أو لآخر، في بعض الأحيان، بين الدول الإسلامية، عملًا بتعاليم ديننا التي تأمر بإصلاح ذات البين. وهي محكمة من شأنها حين تقوم في القريب أن تجنبنا –نحن المسلمين- اللجوء إلى تسوية مثل تلك الخلافات إلى منظمات وهيئات أجنبية تعتمد أحكامًا غير أحكام الشريعة.
ومن تلك الإنجازات أيضًا، وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام التي ستكون ملزمة للدول الأعضاء كافة. ومن أجدر من المسلم بأن يصوغ هذه الوثيقة؟ ذلك أن الإسلام كرم الإنسان، فضمن له الحياة المادية والروحية، وكفل له الحقوق والحرية والأمان والاطمئنان.
стр. 118
وبإقامة مزيد من المؤسسات التي تمكن المسلمين من عقد لقاءات تضمهم وتزيدهم تعارفًا وتآلفًا نستطيع أن نبنى صرح تضامننا وقوتنا.
أيها الإخوة،
إن التحديات التي نواجهها اليوم تحديات تهدد مصيرنا، فالقدس مهددة بفقدان شخصيتها الإسلامية، وفلسطين خاضعة لنير احتلال غاشم، وأفغانستان ما تزال مسرحًا لغزو أجنبي منذ بضع سنين. أما الحرب بين العراق وإيران فما فتتئت تستنزف طاقاتنا البشرية والمادية باستمرار، مما يزيدنا ضعفًا وتخاذلًا أمام عدونا المشترك. ومواجهة تلك التحديات يقتضي تضامننا، ويتطلب رفع مستوى كفايتنا وقدرتنا لنكون في مستوى العصر الذي نعيش فيه ولنكون في مستوى خصومنا.
أيها الإخوة،
اسمحوا لي في هذه المناسبة، وقبل أن أختتم كلمتي، بأن أقدم خالص التحية ووافر التقدير، باسم منظمة المؤتمر الإسلامي، إلى صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز لما تجده المنظمة لدى جلالته ولدى حكومته، من رعاية مستمرة ومن دعم مادي ومعنوي لكل مؤسسة أو جهاز من مؤسساتها التي من ضمنها المجمع الفقهي الإسلامي الذي كان صاحب الجلالة قد تفضل كما هو معروف فتبرع له بمقر دائم في مدينة جدة.
ولا يفوتني كذلك أن أنوه بدور رابطة العالم الإسلامي وبدور علماء المملكة العربية السعودية في خدمة الفقه الإسلامي، مما سيعين هذا المجمع، دون شك، على أداء مهمته إعانة ملموسة.
واسأل الله العلي القدير أن يكلل أعمالكم بالنجاح والتوفيق. إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
стр. 119
كلمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد، فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله في الدورة الثانية لمجمع الفقه الإسلامي واسأل الله أن يجعله لقاء مباركًا ويوفق هذا المجمع لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد ويمنحهم إصابة الحق وأن يمنح أعضاءه إصابة الحق في كل ما يجتمعون عليه وفي كل ما يقرون وأن ينفع بهم المسلمين إنه جل وعلا جواد كريم. ثم أشكر القائمين على هذا المجمع على دعوتهم لي للمشاركة في هذه الدورة وإنه ليسرني كثيرًا أن أشارك إخواني في هذه الدورة وأن أدعو لهم بالمزيد من التوفيق.
ولقد سررت كثيرًا لما تضمنته كلمة خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد بن عبد العزيز وفقه الله من التوجيه والبيان والإرشاد والتشجيع على ما ينبغي لهذا المجمع أن يقوم به بما في ذلك من النفع العام للمسلمين لأن القرارات التي يتخذها الجماعة من العلماء يستعان بها كثيرًا في حل المشاكل وإيضاح الحق وإبطال الباطل ولا ريب أن الرأي الجماعي له فائدته وله منزلته في الدين، ولا ريب أيضًا أن كل إنسان من أهل العلم يحتاج إلى التعاون مع إخوانه أهل العلم في حل المشاكل وفي إيضاح الحق في مسائل الخلاف وفي إيضاح الدليل الذي يستند عليه من يرجح أحد القولين أو الأقوال على القول الثاني أو الأقوال الأخرى، فإذا اجتمع علماء الإسلام في مسألة يدرسونها أو في مسألة يدرسونها وينظرون في وجه الدليل الذي استنبط منه الحكم لا شك أن لهذا أثره العظيم وفائدته كبيرة، وإني لأرجو أن يوفق هذا المجمع لما فيه الخير الكثير للمسلمين وحل المشاكل التي قد استعصى كثير منها على كثير من أهل العلم فيوفق هذا المجمع لحلها وإيضاحها بالدليل. وقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) متفق على صحته. فالتفقه في الدين من أفضل القربات ومن أعظم الأعمال الصالحات فإن في ذلك عونًا لعلماء المسلمين وعونًا للمسلمين أيضًا على معرفة ما أوجب الله عليهم وما حرم الله عليهم حتى يؤدوا الواجب على بصيرة وحتى يدعوا ما حرم الله على بصيرة وإن وصيتي لإخواني أعضاء المجلس أن يعلوا بهذا المجمع، أن يعلوا به كثيرًا، ويعدوا العدة لكل دورة ما أمكنهم في إيضاح المسائل وإقامة الدليل والعناية بمعرفة صحة الدليل وما يبين ضعف الدليل الذي يتمسك به بعض الناس وبيان وجه صحة الدليل من جهة أخرى فإن الأحاديث التي قد يستند بها أصحاب القول الذي يرجحونها على القول الثاني قد يكون فيها من الطعن والعلة ما يمنع التعلق بها فإن الأحاديث التي جاءت في المسائل الفقهية فيها الصحيح وفيها الحسن وفيها الضعيف وفيها الموضوع، فمن الواجب على أعضاء هذا المجمع أن يعنوا بهذه الأدلة الحديثية ويحرصوا على إيضاح الصحيح منها والضعيف والموضوع مع إيضاح وجه الاحتجاج وبيان وجه ما في الحديث الذي احتج به من قاله، أما الآيات الكريمات فالغالب بحمد الله روح المعنى فيها؛ ولكن لا مانع أيضًا من العناية ببيان معنى الآية التي يتعلق بها الحكم ووجه الاستدلال بها عليه وكلام أهل العلم في ذلك. وإذا وضع لهذه المعاني بحوث مستوفاة كان ذلك مما يعين أعضاء هذا المجمع على إيضاح الحق وعلى اجتماع القول فيه وعدم الخلاف أو قلته. والله جل وعلا المسؤول أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه وأن يمنحنا جميعًا إصابة الحق في القول والعمل وأن يوفق الأمة جميعًا لكل ما فيه صلاحها ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يوفق علماء المسلمين أينما كانوا لإصابة الحق في أقوالهم وأعمالهم وأن يعينهم على الدعوة إليه والأخذ بما يرضيه وأن يعينهم على إيضاح غلط الغالطين وخطأ المخطئين وأن يوفق علماء المسلمين لإقامة الحق أينما كانوا وإيضاحه بالدليل ودحر الباطل وإيضاح وجه بطلانه، كما اسأله سبحانه أن يوفق حكام المسلمين في كل مكان لتحكيم الشريعة والحكم بها ونصر الحق وتأييده ورد الباطل وتفنيده. وأن يعين الجميع على كل ما فيه رضاه وصلاح عباده إنه سميع قريب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 120
كلمة معالي الدكتور بكر أبو زيد
رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رافع شأن العلماء العاملين من أمة محمد ﷺ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قيوم السماوات والأرضين وأشهد أن محمدًا عبده المجتبى ونبيه المصطفى، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فنحمد الله تعالى دائمًا وأبدًا حمدًا لا ينقطع أوله ولا يبيد آخره على توافر نعمه وعظيم آلائه. وإنا ونحن في مجلس مجمعنا هذا نعايش نعمة عظيمة من نعم الله وكبير آلائه ذلك أن هذا المجمع دخل في دور الإنتاج وهو ما زال في أوائل ميلاده، فلله الحمد على ما أنعم وأجزل وتكرم، هذا وأن الدعم الأدبي لمحافل العلم ومجامعه ودور العلم ومعاهده هو من أسمى الخطوط العريضة التي تسير عليها حكومة هذه البلاد، وما افتتاح صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة حرسها الله تعالى الأمير ماجد بن عبد العزيز آل سعود لهذه الدورة الثانية لمجمعكم هذا نيابة عن جلالة الملك حفظه الله إلا خطوة رشيدة من خطوات المسلك الرشيد، فشكر الله له سعيه وجزاه خير الجزاء.
أيها الحفل الكريم أحييكم جميعًا بتحية الإسلام وأذكركم بأن الاعتصام بحبل الله المتين وإعمال الشورى بين المسلمين تتجلى معالمهما وتتجسد آثارهما بصفة إسلامية عالمية في مجمعكم هذا الذي يتمثل فيه خمسون عالمًا من شتى الولايات الإسلامية يجمعهم في هذا كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وإنه من ورائهم أعداد وجموع ينتظرون ماذا يلتقطه السمع وماذا يكون تحت البصر لنفع الأمة في عاجلها وآجلها وإغاثتها في مسيرتها إلى الله تعالى والدار الآخرة. وكلنا يعلم ما تمر به أمة محمد ﷺ في شتى مجالات حياتها من ملاحم، وفي رأسها ملاحم علمية على اختلاف أنواعها عقلية أو فكرية أو اجتماعية أو ثقافية أو فقهية وما جرى مجرى ذلك في سلسلة متصلة الحلقات يمسك بها أعداء الإسلام ظاهرًا من جهة، ويمسك بها ذوو الفسالة العقلية المنافقون من جهة أخرى ليضربوا بآرائهم ومقترحاتهم وتوجيهاتهم المعادية للإسلام صخرة الإسلام والمسلمين وكل هؤلاء الأعداء ينزعون عن قوس واحدة ويدقون على وتر واحد هو القضاء على المسلمين بكل مقوماتهم.
стр. 121
وإن أم الملاحم هي الملحمة الفقهية التي يشهدها أهل الإسلام تلك الملحمة التي تسندها النظرة الآثمة وهي النظرة التبريرية للواقع الشاذ عن الهدى والصراط المستقيم والتي تقوم بها الأصابع العابثة في دين الله وشرعه وهذه الأصابع العابثة هم المتعالمون في أمة محمد ﷺ وهل التعالم داء تشتكي منه دور الفتيا وتئن منه المنابر وتشتكي منه المحابر وتشتكي منه دور الوعظ والإرشاد، لماذا؟ لأنهم يقولون على الله ودينه وشرعه ما لا يعلمون، فيحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله بلا علم. ولكن كل هذا باطل ليس له ثبات وعهن منفوش خواء ليس له روح وما يلبث أن ينشد أهله الخلاص وسيجدون الحق دائمًا وأبدًا في شريعة الإسلام فهي الحق وما سواها الباطل، وقد أسقط النبي ﷺ كل راية تخالف راية الإسلام وأن لله رجالًا يحملون ضياءها المشرق ليخرقوا حجب الظلام ويكسروا أقلام الضلال ويلوون أعناق اللئام وإن كانوا في ديار الإسلام فلله ما أشد لهف المسلمين على هذا الطراز من العباد الخلص الذين يقومون مع الشريعة حيث قامت وينزلون معها حيث نزلت ويدلون على الله بهديهم وسمتهم وكريم علمهم قبل أن يدلوا عليه بعلمهم.
وإن في طلوع شمس مجمعكم هذا ينفتح باب الرجاء وينعقد عظيم الأمل في أن يكون مصباح خير ومشعل هداية ولسان صدق لأمة محمد ﷺ يحل قضاياها الفقهية والاقتصادية والعلمية وما جرى مجرى ذلك من ضروب مسائل العلم.
стр. 122
أيها الحفل الكريم،
إنني أهنئكم بانضمام جماعة من أهل العلم إلى مجمعكم هذا منهم عالمان فاضلان من فقهاء الإسلام وهما الشيخ محمد الصديق بن الأمين الضرير من علماء السودان، والشيخ مصطفى بن أحمد الزرقاء من علماء الديار الشامية، كما أهنئكم بانضمام ممثلين من مؤسسات علمية كبرى لها وزنها وثقلها في محيط العلم في الديار الإسلامية وهى مجمع رابطة العالم الإسلامي بمكة حرسها الله تعالى، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، مؤسسة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية، المنظمة الإسلامية للتربية والتعليم والثقافة بالمغرب، المركز الإسلامي في واشنطن، الموسوعة الفقهية بدولة الكويت، فحياهم الله وأخذ بأيدينا وأيديهم جميعًا إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد ورزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح.
صاحب السمو الملكي،
أصحاب السماحة والمعالي والفضيلة،
أصحاب المعالي والفضيلة رجال المجمع،
إليكم جميعًا وإلى كل مسلم وإلى كل مهتم بشأن العلم والعلماء أزف إليكم البشرى عزمة من عزمات خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله ورعاه وذلك أنه صدر أمره حفظه الله بأن يكون أول كتاب يطبع في هذا المجمع هو على نفقة جلالته –حفظه الله- فجزاه الله خيرًا وأكرم سعيه وأبقاه خادمًا للإسلام والمسلمين وأنه من خلال هذا الأمر الكريم ومن القوائم التي قدمها عدد من رجال هذا المجمع إلى أمانة المجمع في بعض الكتب التي ما زالت مخطوطة، فقد وقع الاختيار على كتاب الجواهر الثمينة من فقه عالم المدينة لابن شاس من علماء القرنين السادس والسابع الهجريين، وذلك لما لهذا الكتاب من أهمية في الفقه وإثرائه، ولأنه كتاب فيه اهتمام عظيم بالدليل فجزى الله جلالته كل خير ووفقنا وإياكم إلى كل عمل صالح مبرور، وأخذ بأيدينا وإياكم إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 123
كلمة معالي الأمين العام للمجمع الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
نحمدك الله على ما هديتنا إليه من أسباب المعرفة واليقين، ورفعتنا به ووفقتنا له من طرق العزة والتمكين، فجعلت لنا من مجمعنا هذا ملتقى لأئمة الملة من كل دولة، ومنتدى لعلماء الشريعة من كل بقعة، يوحدون صف الأمة الإسلامية ويجمعون كلمتها بما يدرسون من قضاياها ومشاكلها وما تتعرض له من أحوال في حياتها اليومية في مختلف أقطارها وديارها، فيبذلون لها النصيحة ويهدونها السبيل الأقوم، ويجنبونها الخطل، ويحمونها من مواقع الزلل، بفضل استبصارهم أمور ديناهم واستبانتهم أحكام دينهم، بعد استقراء لنصوص الشريعة الغراء، وتتبع لمصادرها ومواردها، وإمعان النظر في معاقدها وقواعدها، وإحاطة بكلياتها وجزئياتها، وإدراك لمقاصدها وغاياتها.
ونستمنحك اللهم فضائل صلواتك ونوامى بركاتك وأتم سلامك على إمام الأمة وقائدها ووليها وهاديها الذي أخرجت به الناس من الضلالة، وأنقذتهم به من الجهالة، فهديت به قلوبًا غلفًا وعيونًا عميًا، النبي الأكرم والرسول الأعظم سيدنا ومولانا محمد ابن عبد الله ورسوله إلى الناس كافة وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
حضرة صاحب السمو الأمير ماجد بن عبد العزيز الموقر أمير منطقة مكة المكرمة
معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
أصحاب المعالي والسماحة
أصحاب السعادة والفضيلة أعضاء المجمع الموقرين
حضرات الأساتذة والخبراء الأكارم
ضيوفنا الأعزاء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد فها هي دورة مجلسكم الثانية تلتئم بحمد الله تعالى بعد أن كان الأمل في عقدها غير قائم أو ضعيفًا. وهذا ما يفسر تأخر اجتماع مؤتمركم هذا عن موعده ثلاثة أشهر من شهر محرم الحرام الذي كان موعدًا لذلك إلى شهر ربيع الثاني هذا. وأن الأسباب لذلك غير خافية على أحد، ومؤسستكم ما تزال في أولى خطواتها، ولكنها ثابتة العزم، مصممة على القيام بدورها، مستعينة بالله في تحقيق أهدافها، والقيام بما أنيط بها، والاضطلاع بما ائتمنتها عليه الدول الإسلامية جمعاء. ولئن بدأت متعثرة ككل طفل لم يبلغ طور الفتوة فقد كان لها من الرعاية الإلهية الفائقة، والعناية الربانية السابغة ما أعانها على التحرك والعمل الوفاء بما التزمت به خلال سنة من عمرها.
стр. 124
وإنه لمن الواجب بهذه المناسبة الشريفة أن نرفع إلى حامي الأمة وناصر اللمة خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك المعظم فهد بن عبد العزيز كل آيات التقدير والإجلال والعرفان والامتنان على ما أولانا ويولينا من عطف وكرم ودعم وتشجيع. فإلى مكرمته السخية، والتفاتته السامية الملكية، يرجع فضل انعقاد الدورة الثانية لمجلسكم الموقر بهذا القصر المنيف الذي جعله جلالته مقرًا لمؤسستكم ومركزًا لنشاط مجمعكم.
وقد تفضل مشكورًا أيده الله ونصره بقبول الرئاسة الشرفية لهذا المؤتمر، وندب إلينا للإشراف عليه سمو الأمير الجليل ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة زاده الله سنى وسناء ورفعة وشرفًا. فحبانا من لطف سجاياه، وكريم خلقه، وحسن بيانه ما نعده تكريمًا لمجمعنا، ودعمًا لمسيرتنا من طرف الحكومة الرشيدة كلها، حكومة جلالة الملك المعظم أعزه الله وأكرمه.
ولا أنسى في أثر هذا أن أتقدم بجزيل الشكر لمنظمة المؤتمر الإسلامي وأمينها العام معالي سيد شريف الدين بيرزاده على ما يجده المجمع من المنظمة الأم، ومنه خاصة، من رعاية مستمرة في هذا الظرف الذي نمر به، كما لا أنسى لرابطة العالم الإسلامي ولأمينها العام معالي الدكتور عبد الله عمر نصيف، ولبنك التنمية الإسلامي ورئيسه معالي الدكتور أحمد محمد، على حسن تعاونهما وجميل رعايتهما للمجمع، ولمشاريع المجمع.
أصحاب المعالي والسماحة.
حضرات الأساتذة
قبل الشروع في الحديث عن مسيرة مجمعكم الموقر طوال سنة من تاريخ مباشرتنا للعمل به حتى الآن حسب ما تقتضي ذلك لائحته التنفيذية، أريد أن أرفع إلى الدول الإسلامية الأعضاء عظيم تقديري واحترامي للجهود الكبيرة التي ما فتئت تبذلها كلها لتحقيق الغد الأفضل والمستقبل الأسعد للأمة جمعاء. وإن عنايتها كلها بجمع كلمة الأمة، وتوحيد صفها، والتذكير بما نادى به الإسلام من وجوب توثيق أواصر الأخوة بينها، والاجتماع على أصول الهداية الإسلامية والمبادئ العالية والقيم الخالدة لديننا الحنيف، مما يسهر هذا المجمع على تحقيقه، ويعتز بنشره، ويدعو إليه، ليحملنا على الإشادة بتلك الجهود العظيمة ومن بينها ما تقومون به حضرات الأعضاء الأكارم من فحص لمشاكل المجتمع الإنساني بعامة والإسلامي بخاصة، وما يبذله حضراتكم والخبراء المتخصصون معكم من طاقات في الدرس والبحث والتوجيه وعرض الحلول ومناقشتها، ليستقيم بعد ذلك كل أمر من أمورنا، في عالمنا الإسلامي ومجتمعاتنا الكبيرة والمنتشرة وفي كل مجالات الحياة بيننا، على المنهج الإلهي الرشيد وعلى هدى من الله ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 125
مضت سنة على انعقاد الدورة الأولى لهذا المجمع. وقد كانت بحمد الله دورة مشهودة وتاريخية بفضل خبرة وحسن إدارة رئيس مجلسنا هذا، فضيلة الدكتور بكر أبو زيد لمداولاتها، وبفضل تعاون الأعضاء الأكارم الذين شهدوا أعمال المؤتمر الأول وأسهموا فيه إسهامًا مرموقًا ساعد على وضع اللائحة التنفيذية للنظام الأساسي للمجمع، وعلى إقرار الخطة العامة الشاملة والمتكاملة لسيره التي صدرت عن الشعب الثلاث للمجلس: شعبة التخطيط، وشعبة الدراسات، وشعبة الفتوى.
فسار بحمد الله مجمعكم في ما قام به من نشاط خلال هذه الفترة مستنيرًا بتلك الخطة الدقيقة، مستعينًا بالله على كل الصعاب والعقبات التي تقف في طريقه، مستلهمًا من المبادئ والأهداف التي رسمها قادة الأمة لهذا الصرح الجديد من صروح العلم والفكر والعالم الإسلامي، عزمًا ثابتًا وإرادة قوية، تؤذن إن شاء الله بتحقيق الغاية من هذا المجمع، تلك الغاية التي أعلن عنها سمو الأمير ماجد في خطابه المنهجي الذي افتتح به الدورة الأولى لمؤتمركم نيابة عن جلالة الملك المعظم أعزه الله حين قال:
لقد أنشئ هذا المجمع الفقهي كجهاز من أجهزة منظمة المؤتمر العالم الإسلامي لييسر للقاصدين معرفة دينهم، ومعاملات دنياهم على منهج جماعي موحد.
وقد اتجهت من جمادي الأولى ١٤٠٥هـ / يناير ١٩٨٥م نشاطات المجمع إلى وجهتين أساسيتين:
أما الوجهة الأساسية الأولى فربط الصلة المستمرة بالأعضاء الأكارم والدارسين والخبراء من رجال الجامعات ومراكز البحث وذلك قصد موافاتنا بالتصورات للمشاريع والأعمال التي حددتها الخطة العامة لعمل المجمع وكذلك بما يحضرهم من آراء ومقترحات بشأنها وذلك توفيرًا للمادة الأساسية التي يمكن درسها واعتمادها من طرف شعبة التخطيط.
وفعلًا تلقت الأمانة العامة للمجمع شاكرة لكل الذين أسهموا بهذا الجهد مجموعة كبيرة من ذلك تتعلق بمشاريعها المتنوعة مثل تحديد موضوعات البحث والفتوى، وبيان التصورات والمقترحات بشأن الموسوعة الفقهية، والمعجم العام لمصطلحات الفقه، وتقنين الشريعة، وإحياء التراث ومجلة المجمع وغير ذلك.
стр. 126
وقد قمنا إثر هذا بتدوين الحصيلة الكبيرة للآراء والمشاورات التي وصلتنا أو قمنا بها في وثيقة هامة اعتمدت في أول اجتماع عقده المجمع لأعضاء شعبة التخطيط فيما بين ٢٢ و٢٥ شعبان ١٤٠٥هـ / ١٢- ١٥ مايو ١٩٨٥م بمقر المجمع بجدة. وقد شاركت فيه ثلة من الشخصيات الإسلامية العلمية المرموقة. وتمخض ذلك اللقاء عن برنامج عمل تمثل في:
١- تحديد موضوعات البحث والدراسات التي ستعرض في الدورة الثانية لمجلس المجمع وعددها ١١ موضوعًا.
٢- تحديد الموضوعات في مجال الفتوى وعددها ١٤ موضوعًا.
٣- تحديد طريقة المنهج المتميز الذي ينبغي أن تسير عليه الموسوعة الفقهية.
٤- تحديد طريقة وضع منهج للمعجم العام للمصطلحات الفقهية.
٥- تحديد الموضوعات المقترحة للبحث في ندوات أو لقاءات بالتعاون مع مؤسسات إسلامية تشترك مع المجمع في معالجة بعض المسائل المستحدثة في حياة المجتمعات الإسلامية.
٦- تحديد الكتب والمخطوطات الفقهية التي لها الأولوية في النشر والتحقيق.
٧- تحديد منهج المجلة العلمية للمجمع.
وفور انتهاء شعبة التخطيط من دورتها، وزعت موضوعات البحوث والدراسات وموضوعات الفتوى على كافة أعضاء المجمع من جهة، وعلى ثلة من أبرز العلماء المسلمين والأخصائيين في بعض المسائل المرتبطة بالفقه أو الاقتصاد أو الطب من جهة أخرى، وذلك لاستكتابهم جميعًا في كل الموضوعات المعروضة وفقًا لتوجيهات شعبة التخطيط، قصد عرض الدراسات والفتاوى على هذه الدورة لمناقشتها واتخاذ الموقف المناسب من القضايا والمشاكل المطروحة.
وقد اتصلت الأمانة العامة بنحو أربعين بحثًا شارك في إعدادها ستة عشر عضوًا وتسعة من الخبراء. ولكثافة المادة اضطررنا إلى اختصار عدد القضايا المعروضة للدرس والمناقشة فجلعناها ستة للفتوى بدل أربعة عشر، وسبعة للبحوث والدراسات بدل أحد عشر. وأملنا أن يكون في الوقت متسع لدراسة عميقة ينتهي فيها إلى الأخذ بالأقوى حجة ودليلًا، والأوفق والأصلح وجهًا وحكمًا. ولا ينبغي بحال لدارس أو لمجتهد في المسائل في مثل هذا المجمع الذي يقضى فيه للجماعة، جماعة أهل الحل والعقد لا للفرد، أن يتعصب لمذهب بعينه أو لرأي بذاته. وقد قال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني من قبل في هذا الشأن: "من ترقى إلى رتبة الفتوى واستقل بمنصب الاستبداد في الاجتهاد فلا يتصور في مطرد الاعتياد انطباق فتاويه واختياراته في جميع مسائل الشريعة على مذهب إمام من الأئمة. فإن مسالك الاجتهاد وأساليب الظنون كثيرة وجهات النظر لا يحويها حصر".
стр. 127
وبإزاء مآخذ الأحكام المتناهية في مقابلة الحوادث والوقائع غير المتناهية يقول ﵀: "للشرع مبنى بديع، وأس هو منشأ كل تفصيل وتفريع، وهو معتمد المفتي في هداية الكلية والدراية، وهو المشير إلى استرسال أحكام الله على الوقائع مع نفي النهاية، وذلك أن قواعد الشريعة متقابلة بين النفي والإثبات، والأمر والنهي، والإطلاق والحجر، والإباحة والحظر، ولا يتقابل قط أصلان إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما وتنتفي النهاية عن مقابله ومناقضه".
وإني لأرجو أن تكون دورة مجلسكم هذه دورة مرموقة لما سيناقش فيها من موضوعات هامة متصلة بحياة أمتنا حاضرًا ومستقبلًا، وسيحاول المجمع بإذن الله معالجتها بما تستحقه من تبصر واحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وذلك كي يكون المسلمون حيث ما وجدوا، على بينة من أمر دينهم.
أما بخصوص المشروعات العلمية للمجمع فإن المنتظر من المجلس في هذه الدورة أن يحدد الطرق الكفيلة بالشروع فيها. وذلك من حيث المنهج والوسائل، ويكون هذا بإمعان النظر في مقترحات شعبة التخطيط في هذا الشأن، ودراسة تقارير لجنة الموسوعة، ولجنة المعجم الفقهي، والانتهاء إلى تكليف طائفة من المحققين والدارسين لإحياء أمهات كتب الفقه والمصادر فيه، وإعداد التآليف والبحوث في جملة من الدراسات المقترحة، والقيام من الآن بتوفيرما يلزم لإصدار مجلة المجمع. ثم بحث المشاريع الأخرى المعروضة لأول مرة على مجلسكم الموقر في هذه الدورة.
стр. 128
وهذا هو الجانب الأول الذي قام به مجمعكم ودعا إلى تحقيقه وسدد وجهته الأولى إليه.
وإنه ليطيب لي هنا أن أنوه بما تضمنه محضر جلسة العمل التي عقدناها بجامعة القرويين بالمغرب، من استعداد المجلس العلمي بها لإعداد معجم فقهي مالكي متى صدرت إليه الإشارة بذلك من المجمع، واستعداده كذلك لفهرسة ما يقترحه عليه مجمعكم الموقر من أمهات كتب الفقه المالكي، واعتقادنا أن تحقيق مثل هذا العمل سوف يدعم قدرات مجمعنا على توفيرالمراجع النفيسة لعامة العلماء، كما يغني المكتبة الإسلامية بأهم ما تحتاج إليه من تصانيف ومؤلفات.
وأما الوجهة الأساسية الثانية التي سار فيها المجمع فتتمثل في العلاقات التي ربطناها ببعض وزارات الأوقاف والثقافة في الدول الأعضاء، وببعض الجامعات والهيئات والمؤسسات الإسلامية فيها، وذلك قصد التعريف بالمجمع، واستكشاف آفاق التعاون معها في كل ما يتصل بتحقيق خطة العمل المرسومة لمجمعنا.
ومن ثم فقد شرفنا بلقاء أصحاب المعالي وزراء الأوقاف والثقافة في العدد من الأوطان، في المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وتونس والجزائر والمغرب، وكانت كلها لقاءات مباركة جنى ويجني منها المجمع بإذن الله خيرًا كثيرًا.
وحرصنا خلال هذه السنة على الاتصال بما أمكن من الجامعات الإسلامية، وعقدنا جلسات عمل مع هيئاتها العلمية، وحددنا إمكانات التعاون معها بخصوص الاشتراك في الأعمال العلمية المجمعية، والاستفادة مما تنشره مراكز البحث فيها من كتب التراث، والرسائل العلمية الجامعية المتصلة بالمسائل الفقهية ونحوها.
стр. 129
وربطنا الصلة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الأزهر الشريف بمصر، وجامعة القرويين بالمغرب، وجامعة الزيتونة بتونس، ومركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، والجامعة الإسلامية بماليزيا والجامعة الوطنية بها.
كما ربطنا علاقات وثيقة بالمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وبالموسوعة الفقهية بالكويت، ومؤسسة دار القبلة بجدة، والبنك الإسلامي للتنمية، ومنظمة الطب الإسلامي بالكويت، وبرئاسة المحاكم الشريعة والشؤون الدينية بالدوحة.
وشاركنا في ندوة البركة الثانية للاقتصاد الإسلامي التي انعقدت بتونس، وحضرنا مؤتمر مجمع الحضارة الإسلامية بالأردن، وقدمنا بحثًا في مؤتمر الشريعة الإسلامية في ماليزيا في محرم ١٤٠٦هـ، وأسهمنا في الملتقى الذي انعقد بجدة في ربيع الأول ١٤٠٦هـ والذي نظمته رابطة العالم الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية حول التغذية، كما قدمنا تقريرًا كتابيًا وعرضًا شفويًا عن المجمع في الدورة الثانية للجنة الوزارية للثقافة والإعلام التي انعقدت في صفر ١٤٠٦هـ بداكار تحت لواء منظمة المؤتمر الإسلامي وبرئاسة فخامة الرئيس عبدو ضيوف رئيس جمهورية السنغال، وقدمنا مثل ذلك أمام اللجنة الإسلامية للثقافة والاقتصاد التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت بجدة في ربيع ٠الأول ١٤٠٦هـ.
وسعينا في كل هذه المحافل أن نعرف مندوبي الدول الإسلامية بأعمالنا ونحثهم على دعم مسيرتنا التي تستهدف تحقيق الخير لأمتنا من خلال خدمة شريعتنا المطهرة.
ولعل من المفيد أن نلاحظ بصفة خاصة العلاقات المتميزة التي تربط مجمعكم الدولي الموقر بالمؤسستين العتيدتين مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، ومنظمة الطب الإسلامي بالكويت.
أما المؤسسة الأولى فإنكم تعلمون جميعًا ولا شك أن مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة قد شرفنا بانتداب أحد أعضائه من العلماء الجلة للعضوية بمجلسكم هذا، وهو إلى جانب مشاركته الإيجابية في نشاطاتنا قد أسهم إسهامًا مرموقًا فيما تجمع لدينا من دراسات وبحوث وفتاوى مما هو الآن بين أيدي حضراتكم.
كما أن مقررات المجمع الفقهي بمكة المكرمة التي لها صلة بموضوعات دورتنا هذه، قد أدرجت ضمن الوثائق المعروضة على حضراتكم لتؤخذ بعين الاهتمام والاعتبار فهي حصيلة جهود عليمة قيمة وأثر مناقشات مستفيضة شاركت فيها ثلة من علماء المسلمين الأجلاء جزاهم الله كل خير.
стр. 130
ومجمعكم أيها الإخوة يشرف من جهته في شخص أمينه العام بتمثيل مؤسساتنا الفتية في المجمع الفقهي بمكة المكرمة، وقد شارك في اجتماعاته في السنة الماضية وهو يعتزم بإذن الله الإسهام في البحوث والدراسات المزمع تقديمها هذا العام أثناء دورته القادمة.
وأما المؤسسة الثانية: فهي المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، التي تتخذ من تعاليم الإسلام وأصول ديننا الحنيف أرضية لدراستها وتفكيرها، وتعني بالتزام ذلك كله في علاج مختلف الأمراض البدنية والنفسية والوقاية منها، وتقوم بتشجيع العاملين في مجال العلوم الطبية الإسلامية موفقة بين الجهود العلمية الطبية وبين الأحكام الشرعية الفقهية بهدف الوصول إلى رأي سليم موحد في تطبيق ما يستجد من طرق العلاج الطبي الحديث، واختيار وإيجاد البدائل الصحيحة للوسائل والعقاقير المحظور استعمالها إسلاميًا. وقد تمت عدة اتصالات بين المجمع وبين هذه المنظمة عن طريق معالي الدكتور رضا محمد سعيد عبيد عضو مجلس أمنائها ومدير جامعة الملك عبد العزيز.
وقد حرص المجمع بخصوص الموضوعات المعروضة عليه والمتصلة بالطب أو العلاج، أن يتعاون بشأنها مع العلماء والأخصائيين في هذه المنظمة ومن بينهم الأساتذة الأطباء من أبناء المملكة العربية السعودية، وذلك رغبة في الاستفادة من علمهم وتجاربهم وقصدًا إلى تحقيق قدر من التنسيق في المواقف إزاء المسائل المعروضة في وقت واحد على المجمع وعلى المنظمة.
ويصار الآن إلى إيجاد صيغة للتعاون مع المنظمة ومع بعض العلماء في بعض الجامعات لربط برامج الدراسات الطبية بالقيم التي ارتكزت عليها الحضارة الإسلامية وتعاليم الشريعة السمحة. وهو عمل دقيق وطويل نسأل الله أن يوفق مجمعنا إلى إنجازه. كما يستعد مجمعكم للمشاركة بإذن الله في الملتقى الذي تعقده المنظمة بباكستان السنة القادمة وذلك بتقديم بحث حول موضوع الطب والإسلام.
стр. 131
وتنفيذًا للخطة التي رسمها المجمع في اجتماع شعبة التخطيط في شهر شعبان الماضي سعت الأمانة العامة وتسعى في نطاق التعاون مع الدول الأعضاء إلى الاتصال بوزارات الأوقاف والشؤون الدينية ووزارات العدل وذلك لعرض برامج الملتقيات العلمية التي ينوي المجمع عقدها في شكل أيام دراسية على الأولى. وهكذا وقع التفكير في الاستفادة مثلًا من الملتقيات والندوات الإسلامية التي تقوم بها الجزائر سنويًا وخاصة منها ملتقى الفكر الإسلامي. والتفاهم يجري الآن مع الوزارة بشأن تحديد موضوع الندوة، أما الاتصال بوزارات العدل فبقصد أن تتكون لجنة أو لجان فقهية تنظر فيما أعد من مشاريع تقنين الشريعة فتستكمل الجوانب الباقية التي لم تبحث أو تضبط بعد، وتراجع بقية المواد. وعلى هذا الأساس يصبح تطبيق الشريعة ميسورًا في عامة البلاد لا يثير قلقًا ولا يستوجب ترددًا بل يعم نفعه وتدرك على الوجه الدقيق أهميته ونجاعته. وقد بدأ تدوين أحكام الفقه من وقت انتباه العالم الإسلامي لهذا الأمر الجليل، وظهرت محاولات كثيرة مختلفة. ومن أجل ذلك يحرص المجمع اليوم على جمعها كما يطلب من وزارات العدل في الدول الأعضاء كافة أن تمده بما قد يتوفر لديها من مشاريع التقنينات. وقد وصلنا بالفعل من بعض الدول ما زودتنا به منها. وأملنا أن تستحث هذه الدورة بقية الدول الأعضاء لموافاتنا بالمطلوب في هذا الشأن حتى نتمكن من تحقيق الغاية المنشودة.
وقد قام المجمع خلال هذه الفترة القصيرة أولًا بإعداد مكاتب لما قد ينشأ من فرق العمل به في الموسوعة، والمعجم، وللشروع متى أذنتم وسمحت الظروف بإصدار المجلة المجمعية الفقهية الإسلامية التي تكون بحول الله لسانكم الناطق بألوان نشاطكم والناشر لبحوثكم ودراساتكم وفتاويكم وأهم قراراتكم. وثانيًا بتجهيز قاعة للاجتماعات والمؤتمرات ومكتبة تكون نواة لما نقدر أن يكون مثلها للمجمع. ويرجع الفضل في إنجاز ما حققناه من خطوات في هذه السبيل إلى تيسير الله وفضله ثم إلى ثلة من المؤمنين المنقطعين إلى العمل الإسلامي منهم معالي وزير العدل في المملكة العربية السعودية الذي تكرم بتزويدنا بعدد من الكتب القيمة، وسماحة مدير رئاسة إدارات البحوث العليمة والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض، ومعالي الدكتور عبد الله التركي مدير جامعة محمد ابن سعود الإسلامية، ومعالي الدكتور رضا محمد سعيد عبيد مدير جامعة الملك عبد العزيز، ومعالي الدكتور راشد الراجح مدير جامعة أم القرى، ومعالي الدكتور صالح بن عبيد مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومعالي الدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف في جمهورية مصر العربية، ومعالي الدكتور عبد الكبير المدغري وزير الأوقاف في المغرب، ومعالي الشيخ عبد الله الأنصاري رئيس إدارة إحياء التراث الإسلامي بقطر، فكلهم تكرموا جزاهم الله خيرًا بتزويد مكتبتنا ووضع النواة الأولى لها. ولا يفوتني في هذا المقام أن أشكر كلًا من دولة قطر، وسلطنة عمان، وجمهورية إيران الإسلامية، ومجمع اللغة العربية بمصر ووزارة الثقافة بتونس، على ما زودوا به المجمع من كتب ومراجع هامة مختلفة، وأريد هنا أن أخص بالذكر والثناء معالي الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية لما وجدناه لديه من تفهم ولما قدمه لنا من مساعدة، وذلك حيث خصص للمجمع مبلغ ستين ألف ريال سعودي اقتنينا حتى الآن بنصف المبلغ منها كتبًا هامة إسلامية ومتخصصة وجدناها متوفرة في السوق السعودية.
стр. 132
أصحاب المعالي والسماحة
حضرات السادة
إن ما سبق عرضه من أعمال لا يعدو أن يكون خطوات أولى على درب طويل يتطلب اجتياز مراحله جهدًا متواصلًا ودعمًا كبيرًا وقويًا على قدر نبل الغايات التي نهدف إلى تحقيقها جميعًا.
وإنكم لتدركون حق الإدراك أن إنجاز المشاريع العلمية الأساسية للمجمع ونهوضه بالمهمات الموكلة إليه أمر جليل وبعيد، جليل لما فيه من خدمة للمجتمعات الإسلامية، وبعيد لعدم توفر ما يحتاج إليه من موارد وإمدادات، ولا يتسنى إدراك الغايات السامية من تأسيس هذا المجمع إلا بتوفر الإمكانات المادية. وهذا للأسف ما يقوم اليوم في طريقنا عقبة كأداء يتعين علينا أن نتعاون جميعًا على تخطيها. وإنكم لتلاحظون في التقرير المالي الذي بين أيديكم أن المجمع لم يتلق من الإسهامات الإلزامية في ميزانية عامه الأول إلا نسبة سبعة عشر بالمائة مما هو مقرر له من قبل الدول الأعضاء في مؤتمر وزراء الخارجية الخامس عشر بصنعاء، وهذه النسبة الضعيفة مما حصل عليه لا تفي حتى بالتكاليف الإدارية الأساسية. لذلك فإني أهيب بكم جميعًا أن تكثفوا السعي مشكورين لدى حكوماتكم الموقرة لدعم المجمع، فيستطيع بحق أن يضطلع برسالته الدقيقة ويسهم في إنارة سبيل المسلمين في حياتهم اليومية ويجمع كلمتهم على الخير والعمل الصالح.
وإنه ليسعدني في ختام هذا العرض أن أعرب لكم جميعًا عن جزيل الشكر والثناء وعظيم الامتنان لما تجشمتموه من مشقة السفر ومتاعبه من أجل حضور هذه الدورة ولما أعددتموه من دراسات وبحوث وفتاوى تعرضونها على مجلس المجمع، وتتولون بحسن عنايتكم وسديد نظركم مناقشتها وتحريرها. وإني لأقول لحضراتكم: نزلتم سهلًا برحاب مجمعكم في هذه الأرض المباركة الطيبة، ولقيتم أهلًا يعرفون فضلكم ويقدرون منزلتكم.
وإني باسم المجمع وباسمكم جميعًا يشرفني أن أشيد بالتسهيلات التي وفرتها للقائنا هذا، حكومة صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، وأخص بالذكر منها ما قدمه لنا من رعاية صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة، وما وجدناه من مختلف الإعانات من صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية ومن إدارته، بالرياض وجدة. فإليهم جميعًا أرفع باسمكم آيات الشكر والعرفان والتقدير والامتنان. والله أسأل أن يوفق أعمالنا ويسدد خطانا لخدمة الإسلام والمسلمين وإعلاء كلمة الدين. وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وصلى الله على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 133
كلمة معالي الدكتور أحمد محمد علي
رئيس البنك الإسلامي للتنمية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي بعثه الله للناس كافة ليرشدهم إلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة.
صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز، أمير منطقة مكة المكرمة
أصحاب السماحة والفضيلة والسعادة
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته،
يسرني أن أحييكم جميعًا في هذا اللقاء المبارك، إن قيام هذا المجمع الذي يمثل الأمة الإسلامية كان أملًا يتطلع إليه مفكرو الأمة منذ أمد طويل، فالحمد لله الذي جعله حقيقة واقعة، فالمسلمون اليوم يتطلعون إلى هذا المجمع وينتظرون نتائج أعمالكم وأبحاثكم فهم شغوفون لمعرفة رأي الإسلام وحكم شريعتهم الغراء في ما جد من مشكلات هذا العصر، وإن آمالهم لجد عظيمة في أن يوحد رأي المسلمين وكلمة فقهائهم وعلمائهم تجاه المشكلات التي يزخر بها العصر الحاضر، سواء في الجوانب الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو غيرها، على نور وهدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مما يجعل المهمة جسيمة والمسؤولية جد خطيرة، وإنه ليسرني أن أشيد بالجهود العلمية المباركة التي تمثل باكورة جهود المجمع في النفاذ للوقوف على مشاكل العالم الإسلامي، وسعيه لإيجاد الحلول لها من الكتاب والسنة، مستعينين بتراث فقه شريعتنا الزاخر العظيم.
إن الاستعانة بأهل الاختصاص في بعض ميادين المعرفة للاشتراك في إعداد البحوث وفي مناقشة بعض الموضوعات المعروضة على هذه الدورة يستحق كل التقدير للمجمع، فنحن في عصر انفجار المعرفة وتعدد المشكلات العلمية والاجتماعية، فحضور ذوي الاختصاص في فروع العلم المتعددة يكون خير عون لفقهائنا الأجلاء، إذ الاستعانة بأهل الذكر في كل مجال من مجالات المعرفة يعين على كشف دقائق الأمور ويجعل الرؤية أكثر وضوحًا تجاهها ليأتي الحكم الشرعي موافقًا لمرامي الشرع بعون الله تعالى.
стр. 134
صاحب السمو،
أصحاب السماحة والفضيلة والسعادة،
إن اتفاقية تأسيس البنك الإسلامي للتنمية التي صادق عليها وأبرمتها المؤسسات الدستورية في ثلاث وأربعين دولة من الدول الإسلامية حددت هدف البنك بأنه دعم التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي لشعوب الدول الأعضاء والمجتمعات الإسلامية، مجتمعة ومنفردة، ووفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، ويمثل هذا تحديًا آخر بالنظر للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمر بها عالمنا الإسلامي التي لا تخفى عليكم، وسعيًا من البنك الإسلامي للتنمية للقيام بالمهام التي أوكلت إليه بشأن إجراء البحوث اللازمة للممارسة النشاطات الاقتصادية والمصرفية في الدول الإسلامية وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، أنشأ المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب منذ عام ١٤٠٢هـ، ويسر البنك أن يتعاون مع المجمع الموقر عبر المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب في كل ما يتعلق بمجالات الاقتصاد الإسلامي والنشاط المالي والمصرفي الذي يتفق مع أحكام الشريعة الغراء، كما يرجو البنك أن يتفضل المجمع الموقر بدراسة أعمال البنك وعملياته المالية للتأكد من أنها تتفق وأحكام الشريعة الإسلامية وذلك وفقًا لما نصت عليه اتفاقية تأسيس البنك.
إنني أسأل الله لاجتماعكم المبارك هذا كل نجاح وتوفيق وأن يسدد الله على طريق الخير خطاكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
стр. 135
كلمة معالي الدكتور عبد الله عمر نصيف
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة
أصحاب المعالي، أصحاب الفضيلة، أصحاب السعادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
فأحمد الله أن هيأ لي هذه المناسبة السعيدة لألتقي بهذه الصفوة المختارة من علماء الأمة الإسلامية وفقهائها في افتتاح الدورة الثانية لمجلس المجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي.
وأشكر لإخواني المسؤولين عنه معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي وسماحة الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع دعوتي للمشاركة في هذا اللقاء المبارك كما أشكر لكم جميعًا جهودكم المباركة جزاكم الله خير الجزاء وسدد خطاكم.
أيها الإخوة الكرام،
إن الله الذي أكمل هذا الدين وجعله صالحًا لكل زمان ومكان أوجب على علماء المسلمين أن يتفقهوا في الدين في كل زمان ومكان فقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ .
فأنتم أيها العلماء الأفاضل تقومون بواجب إسلامي عظيم وخاصة في هذا العصر الذي يستدعى اجتماع العلماء والمفكرين والفقهاء لدراسة قضايا الأمة ومشكلاتها وإيجاد الحلول الإسلامية لها حتى تستعيد مكانتها اللائقة وتسترد مجدها التليد من منطلقات إسلامية ثابتة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والاجتهاد الجماعي ضروري في مثل هذه الظروف والأوضاع التي نعيشها اليوم، والمسلمون يتطلعون إلى مثل هذا اللقاء ومثله إلى اجتماعات المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي بأمل وشوق للاطلاع على القرارات والتوصيات التي تصدر عنهما وفيها الإجابة على الاستفسارات والتساؤلات التي يواجهها المسلمون في جميع شؤون الحياة حتى ترشدهم إلى الطريق القويم كما أرشدت المسلمين أقوال القرون الماضية، ولذا فإن نشأة المجمع نعمة من نعم الله الكبرى، فقد اهتم ملوك ورؤساء المسلمين بتكوينه وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد بن عبد العزيز الذي أولى هذا العمل اهتمامه منذ كان فكرة وحتى خرج إلى حيز الوجود ولا أدل على ذلك من إنابته صاحب السمو الملكي الأمير ماجد في إلقاء كلمة جلالته.
فنسأل الله أن يبارك في أعمال هذا المجمع ويعم بنفعه المسلمين في كل مكان.
стр. 136
أيها الإخوة:
إن التعاون البناء الذي نشأ بين المجمعين المباركين مجمعكم هذا والمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي هو مثال للتكامل والتنسيق الذي ينبغي وجودهما لتحقيق الصالح العام خدمة لهذا الشرع الحنيف وإخراج كنوزه المخبوءة.. لنفع الناس وهدايتهم إلى الحق والصواب.. ويشارك بعض الأعضاء في كلا المجمعين كما أن الأمين العام لهذا المجمع هو عضو فعال في ذلك المجمع كما أن تبادل الأبحاث والوثائق قائم على خير ما يرام.
ختامًا أحمد الله مرة أخرى وأكرر شكري وتقدير للجميع وأسأل الله أن يأخذ بأيديكم للبحث عن الحق والأخذ به وأن يوفقكم لما يحبه ويرضاه وأن يمن على الأمة الإسلامية بالعودة إلى شريعته والحكم بها والاحتكام إليها واستعادة مجدها وعزتها وقوتها وسعادتها في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
стр. 137
كلمة سعادة الدكتور عبد السلام داود العبادي
نيابة عن أعضاء مجلس المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلامًا على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه ومن التزم بهديه وسار على دربه إلى يوم الدين.
صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز المعظم
أيها الحفل الكريم
ها هي وفود من علماء المسلمين قد أقبلت من كل أنحاء العالم إلى الديار المقدسة مهبط الوحي وموطن الدعوة والإيمان الأول، ومدرج محمد ﷺ وموئل تطبيق رسالته..
ها هي وفودهم قد حطت رحالها إلى جوار البيت العتيق لتعمل الفكر في كتاب الله جل وعلا، وسنة نبيه محمد ﵊.. فهمًا ونظرًا، واستنباطًا منهما للأحكام الناظمة لواقع الأمة الحياتي، واستمدادًا منهما للحلول الناجعة لمشكلاتها المستعصية.
في أيام تتعرض فيها أمتنا لما يهدد وجودها ويمس ذاتيتها ويعرض كيانها لأشد أنواع الأخطار والتحديات.. مما هو معلوم للجميع، وفي فترة فقدت فيها البشرية توازنها واتزانها.. فتاهت وتخبطت، واضطربت المفاهيم، واختلطت التصورات، وضاعت الحقوق، وهانت حياة الإنسان وكرامته، وتفككت الأسرة وعلاقات المجتمع وانتشرت الجريمة، وعمت مظاهر الانحلال والانحراف..
نعم أقبلت هذه الوفود إلى مملكتكم العامرة لتشارككم اهتمامكم بقضايا الأمة الإسلامية وتؤكد معكم على كل ما من شأنه إعلاء كلمة المسلمين وتحقيق مصالحهم وتوحيد جمعهم ودحر أعدائهم واستنقاذ مقدساتهم وأراضيهم تحرير مسجدهم الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
صاحب السمو الملكي
إن مجمع الفقه الإسلامي بما حمل من مسؤولية، وتصدى له من مهمات يدل دلالة أكيدة على أن هذه الأمة ستظل أمينة على شرع الله سبحانه، حريصة على تطبيقه والسير وفق هداه. كيف لا، وهي التي تحمل شريعة الهداية والسعادة، شريعة إنقاذ البشرية من كل معاني الضلال والشقاء.. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ، فكانت بذلك خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله العلي العظيم.
ثم إن مجمع الفقه الإسلامي بتمثيله الشامل لشعوب الأمة الإسلامية يجسد وحدة هذه الأمة وضرورات التقاء شعوبها على دين الله وشريعته سبحانه، تلك الوحدة التي كانت عنوان قوتها، ورمز عظمتها وأساس بقائها وقدرتها على مواجهة التحديات والوقوف في وجه الأعداء. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
стр. 138
ومجمع الفقه الإسلامي مؤسسة اجتهاد جماعي تواجه القضايا المعاصرة والمشكلات الحادثة بالنظر العميق والبحث الرصين وفق منهجية الحوار الإسلامي التي تقدم قوة الدليل ومردود الخير والمصلحة على جماعة المسلمين وعامتهم ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .
والفقه الإسلامي في مسيرته الخيرة عبر القرون كان النتاج الدائم والعطاء المستمر والثمرة اليانعة لتحكيم شريعة الله في حياة الناس وواقعهم.. وبقدر ما يدرك الفقهاء روح الشريعة وحكمها وأسرارها ويعون أحكامها وأدلتها يبينون كل ذلك للناس بقدر ما يظهر ثراء هذه الشريعة وقدرته الفذة على تنظيم الواقع الإنساني ووضع الحلول لما يواجه من مشكلات وقضايا في كل الأماكن العصور تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . ومن هنا تعظم رسالة هذا المجمع وتبرز واجباته في خدمة الشريعة الإسلامية.
وإن في احتضان المملكة العربية السعودية لهذه المؤسسة الفقهية الإسلامية الدولية على ثرى الأرض المقدسة وإلى جوار البيت العتيق تأكيدًا لكل هذه المعاني ومكرمة أخرى تضاف إلى عقد مكارم هذا البلد الأمين في خدمة الإسلام والمسلمين والمحافظة على أحكام الدين.
وإنني باسم هذه النخبة المتميزة من علماء المسلمين ومفكريهم لأعبر عن الشكر الجزيل والامتنان العظيم لما يلقاه هذا المجمع من رعاية واهتمام من حكومة المملكة العربية السعودية بتوجيه مباشر وتأكيد مستمر من خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد المعظم.. فلجلالته باسمهم جميعًا أعظم آيات الشكر وكل معاني التقدير.. ولصاحب السمو الملكي الأمير المعظم الذي تفضل بافتتاح الدورة الثانية لمجلس المجمع الفقهي الإسلامي شكر أعضاء المؤتمر فردًا فردًا وتقديرهم البالغ واحترامهم العميق.
وإنني لأدعو الله أن يسدد على الحق خطاهم وأن يأخذ بأيديهم وسائر حكام المسلمين لإعلاء كلمة هذه الأمة ونصرة دينها وتحقيق أهدافها، وأن يوفق مجمعنا لأداء واجبه خير أداء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
стр. 139
القسم الثاني
بحوث المؤتمر وفتاواه
زكاة الديون
فضيلة الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير
فضيلة الشيخ عبد العزيز محمد عيسى
وفضيلة الدكتور عبد الحليم محمود الجندي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
زكاة الديون
لفضيلة الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير
اختلف الفقهاء اختلافًا كثيرًا في زكاة الدين: هل يزكى أم لا يزكى؟ وإذا كان يزكى فمن الذي يزكيه، الدائن أم المدين؟ وكيف يزكى؟
وسبب اختلافهم عدم ورود نص في القرآن أو السنة (١) في زكاة الدين فقال كل فقيه فيه باجتهاده، وسأذكر فيما يلي ما وقفت عليه من آراء فقهاء الصحابة والتابعين وآراء المذاهب الأربعة، ثم تعقيب أبي عبيد القاسم بن سلام وابن حزم على هذه الآراء وما أراه راجحًا منها.
آراء فقهاء الصحابة التابعين:
روى عن فقهاء الصحابة والتابعين أقوال مختلفة عن زكاة الدين أحصيت منها تسعة أقوال.
القول الأول: لا زكاة في الدين:
قال بعض الفقهاء: لا زكاة في الدين مطلقًا، لا على الدائن ولا على المدين، وإن كان على ثقة مليء. وهو قول عكرمة (٢) وعطاء (٣) وعائشة (٤) وإبراهيم، والحكم بن عتيبة (٥) وابن عمر. (٦)
وروى أبو عبيد وابن حزم عن عكرمة قوله: "ليس في الدين زكاة" (٧) وروى أبو عبيد وابن حزم عن عطاء أنه قال: "لا يزكى الذي عليه الدين، ولا يزكيه صاحبه حتى يقبضه (٨) وروى أبو عبيد عن عطاء أنه قال لمن سأله: "لا تزكه حتى تقبضه" وقال: "أما نحن أهل مكة فنرى الدين ضمارًا" قال ابن كثير: يعني أنه لا زكاة فيه". (٩)
وروى ابن حزم عن عطاء قوله: "ليس على صاحب الدين الذي هو له، ولا على الذي هو عليه زكاة" وقوله: "ليس في الدين زكاة" وقوله لمن سأله: "السلف يسلفه الرجل ليس على سيد المال، ولا على الذي استسلفه زكاة" (١٠)
وروى ابن حزم عن عائشة قولها: "ليس في الدين زكاة" (١١)
وروى عن الحكم بن عتيبة قوله: خالفني إبراهيم في الدين، كنت أقول: لا يزكى، ثم رجع إلى قولي. (١٢)
وقال ابن قدامة: روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "ليس في الدين زكاة. (١٣)
ويلحظ في أقوال عطاء أنه ورد في بعضها "لا يزكيه صاحبه حتى يقبضه" وينبغي حملها على أنه يزكيه بعد قبضه لما يستقبل، لا لما مضى، لكي تتفق مع الروايات الأخرى.
стр. 140
واستدل لهذا الرأي:
١- بأنه ناقص الملك. (١)
٢- بأنه غير تام فلم تجب زكاته كعروض القنية. (٢)
القول الثاني: يزكيه المدين:
ذكر أبو عبيد في زكاة الدين خمسة أوجه من الفتيا منها: أن تجب زكاته على الذي عليه الدين، وتسقط عن ربه المالك له. ونسبه إلى إبراهيم وعطاء، وروى عنهما قولهما: "في الدين الذي يمطله صاحبه ويحسبه (هكذا) : "زكاته على الذي يأكل مهنأة". (٣)
وذكر ابن حزم هذا القول أيضًا منسوبًا إلى إبراهيم وعطاء. وروى عن إبراهيم النخعي في الدين يكون على الرجل فيمطله، قال: زكاته على الذي يأكل مهنأة".
وروى عن عطاء أو غيره نحوه. (٤)
ونسب ابن حزم هذا القول إلى عمر والحسن بن حي أيضًا.
وروى عن عمر قوله: "إذا حلت –يعني الزكاة- فاحسب دينك وما عندك، واجمع ذلك جميعًا ثم زكه".
وروى عنه أيضًا أن رجلًا قال له: يجيء إبان صدقتي فأبادر الصدقة فأنفق على أهلي وأقضي ديني، قال عمر: "لا تبادر بها. واحسب دينك، وما عليك، وزك ذلك أجمع". (٥)
ولم يرو شيئًا عن الحسن بن حي.
ونسبة هذا القول إلى إبراهيم وعطاء غير دقيقة؟ لأن ما روى عنهما يدل على أنهما يريان أن المدين الذي يزكي الدين هو المدين المماطل، وليس كل مدين.
ونسبته إلى عمر محل نظر: لأن الرواية الأولى التي نقلتها عن ابن حزم أوردها أبو عبيد مستدلًا بها على أن عمر يرى أن زكاة الدين على الدائن، وأورد معها رواية أخرى عن عمر أنه كان إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد. (٦)
стр. 141
وكلمة "دينك" تحتم المعنيين: الدين الذي له، والدين الذي عليه، والخبر الثاني الذي رواه أبو عبيد عن عمر يؤيد المعنى الأول، والخبر الثاني الذي رواه ابن حزم عن عمر يؤيد المعنى الثاني، ولكن يترتب عليه أن عمر يرى أن الدين يزكيه الدائن والمدين معًا، وهذا غير مقبول.
أما رأي الحسن بن حي فقد علق عليه ابن حزم بقوله: "أما قول الحسن بن حي فظاهر الخطأ، لأنه جعل زكاة الدين على الذي هو له، (١) وعلى الذي هو عليه، فأوجب زكاتين في مال واحد في عام واحد، فحصل في العين نصف العشر، وفي خمس من الإبل شاتان، وكذلك ما زاد". (٢)
ولم يذكر من أورد هذا الرأي دليلًا عليه.
والذي يترجح عندي أن هذا الرأي لا تصح نسبته إلى أحد من الصحابة أو التابعين.
القول الثالث: يزكيه المدين المماطل.
هذا الرأي يستفاد من أقوال إبراهيم النخعي، وعطاء، وإن كان من روى أقوالهما، وهما أبو عبيد وابن حزم جعلاهما مع من يرى وجوب زكاة الدين على المدين من غير تقييد بكونه مماطلًا، وقد تقدم ذكر أقوالهما.
ويلحظ أن الروايات عن عطاء وإبراهيم فيها شيء من الاختلاف.
القول الرابع: يزكيه الدائن من ماله الحاضر:
روى هذا القول عن عمرو وجابر بن عبد الله (٣) وابن عمر والحسن، ومجاهد. (٤)
فقد روي أبو عبيد عن عمر أنه كان إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد. (٥)
وروى عن جابر بن عبد الله أنه قيل له في دين لرجل على آخر: أيعطى زكاته؟ قال: نعم. (٦)
هذان الخبران يدلان على أن الدائن يزكي ما له من دين من ماله الحاضر، ولكن أبو عبيد ذكرهما مع الرأي القائل بأن الدائن يعجل زكاة الدين مع المال الحاضر إذا كان على الأملياء. (٧)
وليس في الخبرين تقييد.
стр. 142
وروى ابن حزم عن ابن عمر أنه ولى مال يتيم فكان يستلف منه، يرى أن ذلك أحرز له، ويؤدي زكاته من مال اليتيم. (١)
وروى عن الحسن قوله: إذا كان للرجل على الرجل الدين فالزكاة على الذي هو له) (٢)
وروى عن مجاهد قوله: "إذا كان عليك دين فلا زكاة عليك، إنما زكاته على الذي هو له" (٣)
القول الخامس: يزكيه الدائن إذا كان على مليء من ماله الحاضر.
هذا قول عثمان، وابن عمر، وجابر بن زيد، والحسن وميمون بن مهران (٤) وإبراهيم النخعي (٥) ومجاهد (٦) وسفيان (٧) ووكيع (٨) وطاوس والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان وإسحاق. (٩)
وروى أبو عبيد عن عثمان أنه كان يقول: إن الصدقة تجب في الدين الذي لو شئت تقاضيته من صاحبه، والذي هو على ملئ، تدعه حياء أو مصانعة، ففيه الصدقة. (١٠)
وروى عن ابن عمر أنه قال: كل دين لك ترجو أخذه فإن عليك زكاته كلما حال الحول. (١١)
وروى عن جابر بن زيد أنه قال: أي دين ترجوه فإنه تؤدى زكاته وروى عن مجاهد أنه قال: زك ما ترى أنه يخرج.
وروى عن الحسن وإبراهيم أنهما كانا يقولان: يزكى من الدين ما كان في ملاءة.
وروى عن ميمون بن مهران قوله: إذا حلت عليك الزكاة فانظر إلى كل مال لك، وكل دين في ملاءة فاحسبه، ثم ألق منه ما عليك من الدين، ثم زك ما بقي.
стр. 143
وروى ابن حزم عن إبراهيم النخعي أنه قال: زك ما في يديك من مالك، وما لك على المليء، ولا تزك ما للناس عليك. (١)
واستدل ابن قدامة لهذا الرأي بأن الدائن قادر على أخذه والتصرف فيه فلزمه إخراج زكاته كالوديعة. (٢)
ويلحظ أن ابن قدامة يعبر بأن الدين على معترف به، باذل له.
القول السادس: يزكيه الدائن إذا كان على معترف به، باذل له إذا قبضه لما مضى من السنين.
نسب ابن قدامة هذا الرأي إلى علي، والثوري، وابن ثور.
ولم يرو شيئًا عمن نسبه إليهم، وهو مذهب الحنابلة. (٣)
القول السابع: يزكيه الدائن إذا كان على معترف به باذل له إذا قبضه لسنة واحدة.
نسب ابن قدامة هذا الرأي إلى سعيد بن المسيب، وعطاء الخراساني، وأبي الزناد.
стр. 144
ولم يرو عمن نسبه إليهم شيئًا. (١)
القول الثامن: يزكيه الدائن إذا كان على غير ملئ عند قبضه لما مضى من السنين.
وهو قول علي، وابن عباس، (٢) والثوري. (٣)
روى أبو عبيد عن علي في الدين الظنون، قال: إن كان صادقًا فليزكه إذا قبضه لما مضى. (٤)
وروى عن ابن عباس قوله في الدين: إذا لم ترج أخذه فلا تزكه حتى تأخذه، فإذا أخذته فزك عنه ما عليه. (٥)
يفهم من هذا مع ما تقدم في القول السادس أن عليًا والثوري لا يفرقان بين الدين الذي على ملئ، أو على غير ملئ، ففي الحالين يزكيه الدائن عند قبضه لما مضى من السنين.
القول التاسع: يزكيه الدائن إذا كان على غير ملئ إذا قبضه لسنة واحدة.
وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز (٦) وميمون بن مهران (٧) والليث، فليؤد زكاته سنة واحدة.
وروى عن ميمون بن مهران قال: كتب إلى عمر بن عبد العزيز في مال رده على رجل فأمرني أن آخذ منه زكاة ما مضى من السنين. ثم أردفني كتابًا: إنه كان مالًا ضمارًا فخذ منه زكاة عامة. (٨)
стр. 145
مذهب الحنفية:
أقسام الدين:
قسم أبو حنيفة الدين إلى ثلاثة أقسام: قوي، ووسط، وضعيف. (١)
فالدين القوي هو الذي ملكه الدائن بدلًا عما هو مال الزكاة كالدراهم والدنانير وأموال التجارة، كما يقول السمرقندي، أو هو بدل القرض ومال التجارة كما يقول الكمال بن الهمام. (٢)
والدين الوسط هو الذي وجب بدل مال لو بقي عند الدائن حولًا لم تجب فيه الزكاة، كثياب البذلة كما يقول السمرقندي، أو هو بدل ما ليس للتجارة كثمن ثياب البذلة، ودار السكنى، كما يقول الكمال. (٣)
والدين الضعيف هو ما وجب وملك لا بدلًا عن شيء، كالميراث، أو وجب بدلًا عما ليس بمال كالدية على العاقلة، والمهر، وبدل الخلع، والصلح عن دم العمد. (٤) وزاد الكمال: الوصية، وبدل الكتابة والسعاية. (٥)
وقسم الصاحبان الديون قسمين: ديون مطلقة وديون ناقصة، فالناقصة هي بدل الكتابة، والدية على العاقلة، وما سواهما فديون مطلقة. (٦)
فالدين المطلق عند الصاحبين يقابل الدين القوي والوسط وأكثر أفراد الدين الضعيف.