← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

المثال: تترس الأعداء بأسرى المسلمين، لإيقاعنا في محظور قتل أبنائنا إن رميناهم، وفي محظور أشد إن أمسكنا عن رميهم وهو الهزيمة والوقيعة بالمسلمين وإذلالهم، لذا فإننا نرميهم وننصر الله لينصرنا، فهي رخصة للأمة في كيفية تصرف جيشها تقدر بقدر الضرورة. - ما أفتي به من كراء الوقف كراء مؤبدًا عندما زهد الناس في كراء أراضيه وغرسها والبناء فيها لقصر المدة التي جرت بها العادة، كما أفتى بذلك ابن السراج وابن منظور من علماء الأندلس في القرن التاسع الهجري، وتبعهم من مصر في القرن الموالي منهم ناصر الدين اللقاني. يقول شيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور: " وقد يطرأ من الضرورات ما هو أشد من ذلك فالواجب رعيه وإعطاؤه ما يناسبه من الأحكام، وفي قواعد عز الدين بن عبد السلام في أواخر قاعدة المستثنيات من القواعد الشرعية في المعاوضات: (لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد حلال جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجات ولا يقف تحليل ذلك [أي جعله حلالا] على الضرورات، لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد، واستيلاء العدو على البلاد، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع التي تقوم بالمصالح ... ) وهذا مقام راعاه المجتهدون في تصاريف استنباطهم، ودونوا منه وابتعدوا في مختلف أقوالهم بحسب الأدلة المتعارضة وغير ذلك " (١) . وهذا التقسيم هو الذي حفل به الشيخ ابن عاشور وفضله وإن غفل عنه جل المتقدمين (٢) .

стр. 12357

ضوابط الأخذ بالرخصة حتى يكون الأخذ بالرخصة مفيدًا ومعينًا للمسلم على التمسك بدينه منتهيًا عن النواهي وآتيًا من الأوامر ما يستطيع كما أمر رسول الله ﷺ ، لابد من وضع هذه الرخصة في دائرة ما نحن مطالبون به، وبالمقدار المحدد دون إقلال المتشددين ولا إكثار المتساهلين. ولو شخصنا الرخصة تشخيصًا ماديًا لوجدناها أشبه بالملح الذي هو أحد مصلحات الطعام، فلا يجوز الإعراض عن الملح لأن في ذلك تعريض الجسم للهزال والسقم، كما يعرض من يشاد الدين – بترك الرخص – إلى أن يغلب ويعجز كما لا يجوز الإكثار من الملح كي لا ينقلب مفسدًا للطعام، كما يوشك المكثر من الترخص بمجرد الوهم أن يفسد دينه بالتخلي عن الواجبات والتحلل منها. لذا تعين – لصحة الأخذ بالرخصة – أن نأخذ بالاعتبارات التالية: أ- ضرورة الوقوف على حقيقة الرخصة باعتبار أنها تشريع من الله تعالى ومنحة منه ورحمة بعباده، يصح الأخذ بها، ولا يجوز الإعراض عنها لأنها قد تتعين فيصير الأخذ بها واجبًا كما أسلفنا، وقد تندب فيصير الآخذ بها أفضل وأكثر ثوابًا من الآخذ بالعزيمة، ولقد علم الذين يلوذون برحمة ربهم أنه لن ينجو أحد بعمله – كما أخبر ﷺ – ولكن النجاة إذا تغمدهم الله تعالى برحمته. ب- الالتزام بحدود الرخصة كما بينها الفقهاء والأصوليون في تعريفاتهم التي أسلفنا الحديث فيها، وبذلك يتميز المسلك السليم لمن رام أو لمن تعين عليه الأخذ بالرخصة. جـ- بالوقوف على الأسباب المسوغة لترك العزيمة والداعية للانتقال إلى الرخصة، وهي عبارة عن الضوابط الحقيقية للأخذ بالرخصة، شأن السبب الذي يلزم من وجوده الوجود – كما هو معلوم – ومن عدمه العدم. وقد أوصلنا هذه الأسباب إلى عشرة عدا، وهي المذكورة – فيما تقدم – في مبحث: التقسيم الخامس للرخصة باعتبار أسبابها. وتكاد لا تخرج ضوابط الرخصة عن حدودها وأسبابها التي لتفاوت بعض الرخص نزلت منزلة العلة. د- بمعرفة القيود التي لا تخرج الرخصة عن كونها حكمًا شرعيًا يتعبد به كما يتعبد بالعزيمة، وعن كونها مقصدًا شرعيًا شرع لجلب المصالح ودرء المفاسد مثل العزيمة ومن هذه القيود: ١- نية التعبد والتقرب بالرخصة والإخلاص فيها لله تعالى دون سواه، لأن السنة المطهرة قد بينت أن من كان مريضًا أو مسافرًا فترك ما كان عليه من عبادة، فله مثل أجر ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا. ٢- عدم اتباع الهوى والتشهي في الأخذ بالرخصة: حتى لا يصبح الإنسان متحللا من دينه، خارجًا عن ربقة التكليف والعياذ بالله. ٣- الوقوف بالرخصة عند حد الضرورة، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، دون تجاوز، ودون تعسف. ٤- اللجوء إلى الرخصة والاعتداد بها باعتبار أنها تيسر على المكلف القيام بالواجب، وليست طريقًا للتحلل من أحكام الشريعة ولا للتحيل على أحكامها، ولا لتغيير ما جاء فيها من ثوابت أنيطت بها مصالح العباد والبلاد.

стр. 12358

تتبع الرخص الرخصة في هذا المبحث ليست هي الرخصة الاصطلاحية التي ترجع إليها كل الأبحاث السالفة لحد هذا، أعني ليست الرخصة التي تقابل العزيمة، باعتبار أنها من تقاسيم الحكم الشرعي لدى أغلب الأصوليين وليست الرخصة التي لا جدال في الأخذ بها لأنها مشروعة بالكتاب والسنة، ومعلومة من الدين بالضرورة، وإنما هي الرخصة بالمدلول اللغوي للكلمة، والمراد منها على التحديد: رخص المذاهب الفقهية، وذلك بأن يتتبع لمذهب ما يكون أيسر له وأخف عليه في مذهب إمام آخر غير إمامه فيقلده. ونحن لا نرى حاجة في نقل أقوال العلماء بنصها في هذا المبحث إذ هي مبسوطة في الكتب، وفي المتناول متى أحببنا الرجوع إليها ولهذا المبحث: تتبع الرخص ومع مبحث التلفيق توجهت عناية المتأخرين، وخص الحديث فيهما بكتاب كالذي وضعه الشيخ محمد سعيد الباني وطبع بمطبعة حكومة دمشق سنة ١٣٤١هـ. غير أنا نرى من الأجدى تقسيم هذه الأقوال بحسب توجهاتها وتعليل المنحى الذي انتحاه أصحابها، حتى لا تستغرب هذه الأقوال من قائليها، ولكل وجهة هو موليها وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا ... تناول العلماء (الأصوليون والفقهاء) هذا المبحث أعني: تتبع الرخص ومثله المبحث الآتي وهو: التلفيق، في غضون كلامهم على التقليد وأحكامه في الغالب. - هل يجوز للمقلد أن يخرج عن مذهب إمامه الذي قلده؟ منع بعضهم ذلك، واشترط من جوزه: أن لا يفضي أمر انتقاله إلى مذهب آخر إلى الوقوع في ما سماه العلماء بتتبع الرخص في المذاهب. قال ابن السبكي في متنه: جمع الجوامع: " وأنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب " ونبه الجلال المحلي إلى المراد فقال: " بأن يأخذ من كل منهما [أي من هذه المذاهب] ما هو الأهون فيما يقع من المسائل " وقال البناني في حاشيته معللا لهذا المنع: " وإنما امتنع ذلك لأن التتبع المذكور يحل رباط التكليف، لأنه إنما نبع حينئذ مما تشتهيه نفسه " (١) .

стр. 12359

رأي العلماء في تتبع الرخص: للعلماء في هذه المسألة مناح ثلاثة: منهم المانع، ومنهم المجيز، ومنهم القائل بالتفصيل. ١- المانعون لتتبع الرخص في المذاهب: هم جماعة من العلماء بين قدامى ومحدثين، منهم النووي والغزالي وغيرهما من الشافعية، ومعظم المالكية والحنابلة. وإنما منع هؤلاء تتبع الرخص في المذاهب بناء على سد الذرائع حتى لا يكون الناس تبعا لهوى نفوسهم، وحتى لا يؤدى هذا التتبع إلى حل رباط التكليف، والعبث بالديانة. ويرى المحدثون من العلماء أن فتح الباب لتتبع الرخص يعين المناهضين للإسلام، وهم كثر في الداخل والخارج، على تطويع الشرع لرغباتهم في الانتصار للحضارة المادية المعاصرة التي أحلت الزنا والربا والجنس في أبشع صوره وأقذرها، والخمر والمخدرات والحرابة والغصب و ... و.... إلخ. خصوصًا ولم يعد هؤلاء – كما كانوا – يظهرون العداء للإسلام بل غيروا من طرقهم، وصاروا يعلنون مناصرتهم للإسلام، كما يصدعون بتوليهم أمره، وهم يخفون ما لا يظهرون ويسرون ما لا يعلنون ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] ومن تعليل هؤلاء الحكم المنع الذي اختاروه قولهم: إن الشرع جاء ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر برد ما تنازعتم فيه إلى الله والرسول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وقد نقل عن أبي إسحاق المروزي القول بفسق متتبع الرخص بسبب أن عمله مؤد إلى إسقاط التكاليف في كل مسألة مختلف فيها كما نقل ابن عبد البر المالكي وابن حزم الظاهري الإجماع على منع تتبع الرخص في المذاهب.

стр. 12360

ولم يتلق العلماء النقلين بالرضى والقبول، بل ناقشوهما كما ناقشوا أصحاب هذا القول بالمنع بأنه لم يأت في الكتاب والسنة ولا في عمل المسلمين منذ عهد الصحابة إلى زمن تدوين المذاهب الفقهية، دليل يفيد لمنع، أو إنكار من منكر. أقول – وبالله التوفيق -: هذا الرد على المانعين فيه نظر لأن العمل بسد الذرائع واقع، ولأن اتباع التشهي وهوى النفوس من المحظورات التي قام عليها أكثر من دليل، ثم لأن التلاعب بالديانة، وحل رباط التكليف عن طريق أي عمل كان أو يكون، لا أحد يقول بجوازه فهو إجماع وإن لم تجر فيه ترتيبات الإجماع على المنع وهو عمل لا يقدم عليه إلا فاسق، ولا يندفع نحوه المندفعون إلا متأثرين بنزعة الإباحية، وما أكثرهم اليوم في ظل مدنية المال والجنس. كما لا أعتقد أن هؤلاء العلماء القائلين بالمنع، هم من هواة التشديد على الناس، حاشاهم أن يكونوا مدفوعين بسوى دافع الغيرة على الإسلام والمسلمين، ولو ضمن لهم ضامن أن تتبع الرخص لا يدخله التلاعب وهوى النفس، ولا يفضي أبدًا إلى الإباحية وحل رباط التكاليف الشرعية، ما ركب واحد منهم قاعدة سد الذرائع ولا قال بمنع التتبع للرخص، ولا بتفسيقه من أجل هذا العمل، والله أعلم وأحكم. ٢- المجيزون لتتبع الرخص هم جماعة من العلماء راعوا قيام الشريعة الإسلامية على مبدأ التيسير والرافة بالمؤمنين كما نظروا إلى العمل الإسلامي منذ عهد الصحابة، فقد كان الناس يسألونهم ويستفتونهم فيما يحدث لهم من القضايا والمسائل، ولا يلتزمون صحابيا دون سواه، ولا يميزون بين فاضل ومفضول: بل يستفتون من شاؤوا كما نظروا إلى عمل الأئمة المجتهدين في كراهتهم حمل الناس على اتباع مذاهبهم، فقد عرض الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور على مالك أن يحمل الناس على كتابه الموطأ فأبى مالك ذلك. استنادًا إلى هذه المرجحات وإلى غيرها قال جماعة من العلماء بالجواز، منهم الحنفية في الراجح من مذهبهم، ومنهم أغلب أصحاب الشافعي، ومنهم بعض المالكية أمثال الإمام القرافي، وهم يدلون بدليلهم القائم، بل هي أدلة كثيرة أسلفنا ذكرها في مبحث تأصيل الرخصة، ومن هذه الأدلة حديث البخاري عن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ((ما خير ﷺ بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثمًا)) (١) . قلت: مما لا شك فيه أن هؤلاء القائلين بالجواز تيسيرًا للمقلد على نفسه بتتبع الرخص في المذاهب، لأن مبدأ التيسير مشروع، لا يقولون بجواز هذا التتبع إذا أفسدوا به دينهم، وحلوا به رباط تكليفهم! حاشاهم أن يقولوا بهذا، وحينئذ هم – عندي – على بساط واحد مع القائلين بالمنع.

стр. 12361

٢- القائلون بالتفصيل في جواز تتبع الرخص: القائلون بالتفصيل في قضية تتبع الرخص في المذاهب، هم الذين نظروا إلى مقصد القائلين بالمنع، ومقصد القائلين بالجواز، وذلك حين قالوا – كما هو ملاحظ من خلال أقوالهم وتفصيلاتهم – بما قال به المانعون والمجيزون جميعا، وهو ما نلخصه فيما يأتي: أ - التصدي لما قد ينجم عن فتح الباب بإطلاق، من عبث بالشريعة أو علم بهوى النفوس، أو إقدام على فك رباط التكليف، وعلى التلاعب والتحيل، وخصوصًا فيما يرجع لحقوق العباد. ب - الإبقاء على هذا العمل بمقصد التيسير الذي جاءت به الشريعة، وعمل به المسلمون منذ عهد الصحابة دون نكير، ودون مانع لا شرعًا ولا عقلاً. لذا جاء تفصيلهم تفريقًا بين المقبول والمرفوض من تتبع الرخص، وأحيانا بوضع شرط أو شروط لدرء المحظورات التي قد تنجم عن تتبع الرخص. * أما الواضعون للشرط تقييدًا للجواز وإخراجًا للمنوع، فمنهم: - الإمام القرافي من المالكية. اشترط أن لا يترتب على عمله في تتبع الرخص بطلان عند جميع من قلدهم، مثال ذلك: متوضئ توضأ دون ذلك (تقليدًا للشافعي) ودون نية (تقليدًا لأبي حنيفة) وصلي بهذا الوضوء بعد أن لمس امرأة دون قصد. فوضوؤه وصلاته باطلان عند جميع من قلدهم. فهذه الصورة من تتبع الرخص ممنوعة عند القرافي لاختلال الشرط، ولكنها صورة من صور التلفيق المفضي إلى كيفية لا يقول بها مجتهد، كما سيأتي في مبحث التلفيق. - ومثال الصورة التي يتوفر فيها شرط القرافي. أن يتوضأ المالكي دون ذلك للأعضاء (كما هو واجب في مذهبه) مقلدًا في ذلك الإمام الشافعي، ثم يصلي بذلك الوضوء. فإن صلاته صحيحة على مذهب الشافعي الذي لا يري وجوب الدلك، وهي صحيحة عند مالك، لأن مالكًا لا يمتنع من الصلاة خلف شافعي ولا يقول ببطلان صلاة الشافعية من أجل ترك الدلك. - ومنهم الآمدي وابن الحاجب وقد اشترطًا أن يكون قبل العمل لا بعده حتى لا يستلزم الرجوع عما عمل به وتم من قبل. مثاله: من توضأ دون نية على مذهب إمامه وصلي، ثم سال منه دم فقال: أبقي على وضوئي أخذًا بمذهب مالك، لم يجز لأن تقليده الثاني جاء متأخرًا. أو كمن قال لزوجته: هي طالق البتة، ورأى أنه الثلاث فأمضاه، ثم وجد من يقول: إنها طلقة رجعية فلا ينقض الحكم الأول ولا يرجع إلى ما رآه ثانية.

стр. 12362

- ومن القائلين بالشرط ابن دقيق العيد، وله في الحكم بالجواز ثلاثة شروط: ١- أن ينشرح صدره للمذهب الذي انتقل إليه. ٢- أن لا يقصد التلاعب. ٣- أن لا يكون ناقضًا لما قد حكم عليه به. وهي شروط واضحة ومعقولة يفرضها صدق العزم والإخلاص في العمل. * أما القائلون بالجواز مع التفصيل: - فمنهم: إمام الحرمين الذي قال: إن كان بعد الحادثة التي قلد فيها غير إمامه لم يجز له الانتقال، وإلا جاز، وكلامه شبيه بما يقدم من الشروط. - ومنهم القدوري الحنفي الذي قال: إن غلب على ظنه أن مذهب غير إمامه أقوى في تلك المسألة جاز، وإلا فلا يجوز ومنهم العز بن عبد السلام الذي قال: إن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه ينقض الحكم، لم يجز له الانتقال، وإلا جاز. الحكم بفسق المتلاعبين بأحكام الشريعة: لم يزل العلماء يحثون على حسن الامتثال لأحكام الشرع، ويحذرون الذين يخالفون عن أمره أن ينالهم وبال أمرهم. ولقد حكموا صراحة بفسق المتلاعبين بأحكام الشرع العزيز: - قال الإمام أحمد: " لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، كان فاسقًا ". ووضع العز بن عبد السلام قاعدة في تفسيق الطالب للسهولة عن طريق تتبع الرخص فقال: " ينظر إلى الفعل الذي فعله، فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم، وإلا لم يأثم ". وعن الإمام الأوزاعي أنه قال: " من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام ". كما نبه إلى الرخص التي لا يعتد بها، لأنها نوادر – كما سماها الأوزاعي تلطفًا – وهي في الحقيقة أخطاء وزلات، فقال: " يترك من قول أهل مكة المتعة والصرف، ومن قول أهل المدينة السماع وإتيان النساء في أدبارهن، وقول أهل الشام الحرب والطاعة، ومن قول أهل الكوفة النبيذ ". والحاصل من هذه الأقوال للعلماء في تتبع الرخص، أنهم مجمعون على المنع إذا كان الدافع هوى النفس أو الهروب من أداء الواجب أو التلاعب بالأحكام والتحيل فيها. ولا يمنعون صاحب المقصد الحسن – والأمور بمقاصدها – من تقليد غير إمامه فيما حدث له، طلبًا للتيسير على النفس ودفعًا للمشقة الزائدة التي تعوق عن الاستمرار والمواصلة، وخير العمل عند الله ما كان دائما كما ورد في السنة المطهرة: كالمالكي يشق عليه العمل بمذهب إمامه في انتقاض الوضوء بمس الذكر ولو بطرف الإصبع من غير قصد، فيقلد أبا حنيفة الذي لا يرى ذلك ويقول: إن هو إلا بضعة منك. فإذا خلص العمل، وصفا المقصد، واستقام الفعل، لا أحد يمنع من الاستعانة على القيام بالواجب بالبحث عن وجه من أوجه التخفيف واليسر في المذاهب الأخرى، وهذا ما عناه ودلل عليه العز بن عبد السلام في الفتاوى إذ قال: " لا يتعين على العامي إذا قلد إماما في مسألة، أن يقلده في سائر مسائل الخلاف، لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون – فيما يسنح لهم – العلماء المختلفين، من غير نكير، سواء تبع الرخص في ذلك أو العزائم.

стр. 12363

التلفيق التلفيق لغة: هو ضم شقتي الثوب أحدهما إلى الآخر ليخيطهما الخياط، وهو من فعل (لفق) الثلاثي من باب ضرب – ثم ضعفت العين. والتلفيق في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو: الإتيان بالعمل الذي صار بعد تقليد المذاهب على كيفية لا يقول بها واحد من المجتهدين. المثال: من توضأ من غير دلك الأعضاء، وبمسح بعض الرأس، ثم صلى بعد أن لمس امرأة دون قصد ولا شهوة فصلاته بهذا الوضوء الملفق باطلة عند الأئمة: باطلة عند الشافعي لنقض الوضوء باللمس. باطلة عند أبي حنيفة لعدم مسح ربع الرأس على الأقل. باطلة عند مالك لعدم الدلك ولعدم مسح جميع الرأس. باطلة عند أحمد لعدم مسح جميع الرأس أيضا. رأي العلماء في التلفيق وحكمه عندهم: التلفيق ظاهرة من ظواهر الحركة العلمية في العالم الإسلامي نشأت عند المتأخرين، ولم تكن معروفة عند الأئمة المجتهدين ولا عند من جاء بعدهم من أهل التخريج على المذاهب الفقهية، وينسب الشيخ السنهوري إلى القاضي نجم الدين بن علي الطرسوسي (المتوفى سنة ٧٥٨هـ) أنه أول من تكلم في التلفيق بسبب وقوفه على حكم لحسام الدين الروي (المتوفى سنة ٦٨١هـ) حكم فيه بصحة وقف المحجور للسفه، وهو حكم قد أشكل عليه، لأنه مركب من مذهبي أبي حنيفة وأبي يوسف، ورأى مثل هذه الواقعة المركبة من مذهبين، وقد نفذت من طرف بعض القضاة وتبعهم بعض من جاء بعدهم من العلماء، كما أجازه كل من الكمال بن الهمام، والسيد الشريف محمد أمين (الشهير بأمير بادشاه) شارح التحرير (المتوفى سنة ٩٧٢هـ) . - أما عن حكم التلفيق فالاختلاف فيه أشد من المسألة قبله وهي مسألة تتبع الرخص في المذاهب، ومنهم المانعون، ومنهم المجيزون، ومنهم من يفصل: المانعون: - أغلب الفقهاء والأصوليين قد درجوا على منع التلفيق حتى ادعى بعض الحنفية قيام الإجماع على المنع (١) ودليلهم في المنع: أن التلفيق طريق إلى تحليل الحرام مثل تحليل الزنا والخمر ونحوهما. - أن الدافع إليه هوى النفس وحب التحلل من التكاليف الشرعية. - أنه ينقض حكم الحاكم الذي به دفع الخلاف وإقامة العدل. المجوزون: حجتهم في هذا كحجتهم في تجويز تتبع رخص المذاهب، ولا يزيدون. المجيزون مع التفصيل: قلة من العلماء يضعون القيود والشروط لتجويز التلفيق، وقصدهم الإبقاء على ما فيه من تيسير على الناس في إقامة دينهم مع استبعاد ما فيه من استهانة بأحكام الشرع أو تحيل على التحلل منها، أو تكييفها للوصول إلى أغراض، من ورائها الشيطان، كالاعتداء على الآخرين وأكل أموال الناس بالباطل.

стр. 12364

ترجيح ما هو أحق بالاتباع خصوصًا في عصرنا والخلاصة: أن إطلاق الحكم بالمنع أو الجواز في العمل بالتلفيق فيه شيء من عدم الاطمئنان إزاء مسئولية العالم والمفتي في هذا العصر، لأن ذلك لا يكفي ولا يوضح للناس سبيلهم، وإنما السبيل إلى الحق أن نقول بالمنع المشدد في قضايا التلاعب والاستهتار بالدين كمن يلفق فيتزوج امرأة، صورة زواجه لا تختلف البتة عن صورة زناه بها. فمثل هذه القضايا والأحكام، قد قام الإجماع على تحريمها وبطلانها، وإذا لم يكن إجماعا قوليا فهو سكوتي. والسبيل أن نقول بعدم المنع وعدم التقيد بمذهب فقهي واحد في مجابهة ما يستجد – دون توقف – من قضايا العصر، اعتبارًا لكون التعدد في المذاهب الفقهية رحمة للأمة، وتوسعة من الله على العباد ... فمن يمنع عن الناس رحمة ربهم؟ وماذا نفعل – إذا قلنا بمنع العمل بالتلفيق – في المجامع العلمية أنخصص كل مذهب بمجمع؟ ثم ماذا نفعل بالاجتهاد الجماعي أنصنف العلماء بحسب مذاهبهم ويصبح الاجتهاد الجماعي ربع جماعي – أو خمس جماعي لأن المذاهب أربعة أو خمسة أو أكثر من ذلك؟ إن من أخطر مسؤوليات العلماء في هذا العصر، أن لا ينفلت زمام الأمر من بين أيديهم، فينسى الناس أو يتناسون أن لهم دينًا يجب الرجوع إليه لحل قضاياهم المعاصرة والمعقدة في سائر مجالات الحياة سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو العلمية أو التقنية، وبهذا يكون الوفاء للإسلام لا بالانطواء والرفض وترك الخلق للخالق كما يقال، ولكن بالتدليل في كل يوم على أن الإسلام دين الحياة المعاصرة بما في المعاصرة من مفهوم صحيح نظيف، نعم هو دين يحب الخير والمصلحة الصحيحة ويأمر بهما، ويكره الشر والفساد في الأرض وينهى عنهما. لقد وجد الفكر الإسلامي في المذاهب الفقهية الجماعية زادًا عظيمًا وثراء نادرًا منحه النضج والعمق وسعة النفاذ والامتداد، مما أكسبه دورًا فعالاً – منذ وجد هذا الفكر الإسلامي – فيما حوله وفي الفكر الإنساني على العموم.

стр. 12365

فعلى السادة العلماء في هذا المجمع، وهم المتكلفون بأمر الاجتهاد الجماعي للمسلمين، أن يستعملوا هذا الزاد الذي اكتسبه الفكر الإسلامي من المذاهب الجماعية في سد حاجة المسلمين كلما تطوروا وجد لديهم الجديد، ولا يستطيع أحد أن ينكر قانون الحياة الذي قدره الله وهو قانون التطور والتجديد، يجتهدون في غير الثوابت التي جاءت بها نصوص الشريعة الصريحة مثل أصول العقيدة وأصول العبادات من صلاة وزكاة وصوم وحج، ومثل أصول الحلال والحرام، مثل جملة من المبادئ العامة الثابتة المصلحة، كمبدأ رعاية المصالح والواجبات، ومبدأ سد الذرائع الموصلة إلى المفاسد والشرور، ومبدأ منع الظلم والاعتداء على الغير، ومبدأ حق كل إنسان في المحافظة على الكليات الخمس: الدين والعقل والنفس والنسل والمال، ومبدأ الأهلية وعدم الإكراه في المعاملات. فهذه كلها ثوابت كفانا الله تعالى عناء الاجتهاد فيها كأصول، وإن جاز لنا البحث والاجتهاد فيما يدخل تحتها من جزئيات وما لا يدخل، علينا – بما لنا من فكر إسلامي عتيد – أن نجتهد اجتهادًا جماعيا أو نرجح ما ينبغي الأخذ به من الأحكام التي تواكب سنة التطور وتراعي مصالح الناس في جميع بلاد الإسلام. ومجال هذا الاجتهاد أو الترجيح واسع ومعروف لدى العلماء فهو يشمل: - المسائل التي وردت فيها نصوص ظنية الثبوت أو الدلالة. - والمسائل المستجدة التي لم يرد فيها نص ولا إجماع. - والمسائل القياسية. - والمسائل المصلحية (المصالح المرسلة والمستحسنة) . - والمسائل العرفية. ولن تعدم هذه الأمة من علمائها رجالاً وهبهم الله الشجاعة وحسن الإيمان ليصدعوا بالحق، ولو كان للحق أعداء مخاصمون، والله في عون العبد ما كان العبد في عون ربه أو كما قال ﷺ .

стр. 12366

ملخص البحث موضوع " الأخذ بالرخص الشرعية " له مكانته وتأثيره بين الناس في هذا العصر إذ الناس مع الرخص على ثلاثة أقسام: الأول: المجانبون لها خوفًا وجهلاً وهم الواقعون تحت الاتجاه التصوفي الذي يحذر من اللجوء إلى الرخص طلبًا لمزيد الثواب بفعل العزيمة في زعمهم. الثاني: التاركون للرخص جملة ويكادون لا يؤمنون بها حتى أنك ترى الواحد منهم – وهم في الغالب من العامة أو أشباهم – يترك الطهارة لعدم القدرة عليها، ويترك بتركها الصلاة، ولا يتيمم، ولم يعرف التيمم في حياته. الثالث: الآخذون بالرخص العالمون بمنزلتها، وهم أهل الذكر وعددهم في هذا العصر في تناقص، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قد رأينا أن نقدم للموضوع بمدخل لا غنى عنه يؤصل الرخصة في الشريعة الإسلامية ويبين مكانتها ووزنها في تيسير أحكام الشريعة على المكلفين. وألححنا في هذا المدخل على جانبين: أ- لزوم الأخذ بالرخصة والعمل بها لأنها تيسير من الله، وخير من لدنه، وليس لأحد أن يرد خير الله، وليس لأحد أن يترك حمده على ما أنعم. كما بينا في هذا الجانب أن الآخذ بالرخصة ليس أقل فضلاً وثوابًا من الذي يعمل بالعزيمة كيف؟ وقد تكون الرخصة واجبة كما بينا أن التوجه الصوفي في التحذير من الأخذ بالرخص يتنافى مع التوجه الشرعي في التيسير والتخفيف، كما علم ذلك من نصوص الكتاب والسنة ومن سيرة رسول الله ﷺ . ونضيف هنا: أن التوجه الصوفي في الحذر من الرخص يوافق توجها مسيحيا يقر رهبانية ابتدعوها، تؤمن بإدخال المشقة على الجسم وتعذيبه ابتغاء الثواب وانتصارًا للروح، لأن الإنسان بروحه لا بجسمه الفاني، كما يقولون، كما بينا أنه ما ترك أحد الرخص، وشاد الدين إلا غلبه. ب- عدم التهاون بأحكام الدين، واللجوء إلى الرخص لأدنى الأسباب ولأخف المشقة والإنسان في ذلك موكول إلى إخلاصه لله، وعليه أن يستفتي قلبه، ولا يفتيه أحد غير قلبه، ولا ينسين المؤمن أن الوسطية والعدل يقوم عليهما كل حكم، وكل أمر شرعه الإسلام. فليكن الموقف من الرخصة موقف الأخيار العدول لا موقف المتنطعين ولا موقف المتحليين. مبحث تعريف الرخصة مبحث هام لأنه يكشف عن أنواع الرخص، التي منها الحقيقية وقد عرفها الشاطبي بقوله: " ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه "، ومنها الرخص المجازية أو رخص المصالح العامة المطردة كالعقود المستثناة من قاعدة المنع والتي يرى الشيخ ابن عاشور أنها أولى بالاعتبار لأن مصلحتها عامة والحاجة إليها قائمة. أما مبحث أنواع الرخص: فهو المبحث الذي تبسط فيه أقسام الرخص باعتبارات مختلفة، وأهم هذه التقسيمات تقسيمان.

стр. 12367

التقسيم الذي باعتبار حكم الرخصة أي حكم الأخذ بها فقد ينتقل المكلف من حرام إلى واجب؛ كأكل الميتة لمن خاف الهلاك ولم يجد سواها. التقسيم باعتبار الأسباب الداعية للرخصة: وهي أسباب أوصلناها إلى العشرة، وإن كان من العسير حصرها، ومن خاصية هذه الأسباب أنها من علوم الحياة وتحتاج إلى فطنة ودقة نظر لأنها قد أقامها الشارع مقام العلة حين يصعب ضبط العلة أو تحديدها كما هو الحال في المشقة التي تتفاوت تبعًا لاعتبارات كثيرة. وقد يقوم هذان التقسيمان بدور تحديد الضوابط التي تبيح الأخذ بالرخصة أو تمنع. أما تتبع الرخص في المذاهب والتلفيق في الأحكام فهما كالسيف ذي الحدين ينفع ويضر، ولكي نمنع المضرة يجب أن تعطى القوس باريها، يعني يقتصر في العمل بهما في مجال الاجتهاد الجماعي عن طريق المجامع العلمية المشهود لها - دون الفتوى أو الاجتهاد الفردي – وبذلك نضمن الاستفادة منهما تيسيرًا وجلبًا للمصالح كما نضمن درء مشتهيات النفوس، ونزوات الهوى، وإغراءات الميول الشهوانية المعادية للدين ولأحكامه الرافضة للشر والفساد. ودعوت مجمعنا المكرم – بعناية المشرفين عليه – لتغطية الحاجات المتزايدة للعالم الإسلامي في هذا العصر، والخوف كل الخوف أن ينساق المسلمون وراء رمزي حضارة العصر وهما المال من كل طريق، والجنس. ولو أدى إلى الإيدز أو السيدا أو فقدان المناعة المكتسبة عفى الله الجميع.

стр. 12368

التوصية المقترحة ١- العمل بالرخصة أمر مشروع لا ينبغي تحاشيه أو التساهل فيه، بل يؤخذ بصدق واعتدال كلما وجدت العلة وهي العسر أو المشقة، أو وجد السبب الذي أقامه الشرع العزيز مقام العلة كالسفر والمرض. ٢- للرخصة حكمها مثل العزيمة تقريبا فقد يكون الأخذ بالرخصة واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو خلاف الأولى. ٣- التلفيق في الأحكام، وتتبع الرخص في المذاهب يعتبران عند أكثر العلماء مزالق خطيرة، مع أنهما لا يخلوان من مصلحة كالتيسير والتوسعة على الناس، وخاصة ما يمكن أن تستخدم فيه من إيجاد أحكام لقضايا العصر المستحدثة والتي لا سبيل لتجاهلها لكن نظرًا للتجاوزات التي قد تؤدي إليها طريقة التلفيق وتتبع الرخص في المذاهب يوصي المجمع بعدم جواز العمل بهما سواء للعامة أو للخاصة بصورة منفردة، وقد تدعو الضرورة إلى التلفيق أو تتبع المذاهب لتقرير المنافع والمصالح العامة عند الاجتهاد الجماعي فقط. ٤- على العلماء المسئولين عن الاجتهاد الجماعي في هذا العصر أن لا يألوا جهدًا في مزيد النصح لأولي الأمر من حكام المسلمين وأن يستعينوا بهم ويتعاونوا معهم لمقاومة الحملات المغرضة على الإسلام والمسلمين خصوصًا في هذه الفترة التي بانت فيها الأحقاد العرقية. الطيب سلامة

стр. 12369

الأخذ بالرخصة وحكمه إعداد الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله عليه وسلم على أفضل الأولين والآخرين سيدنا محمد مقدمة: إن الله ﵎ أراد بعباده خيرًا فلم يكلفهم بما لا يطيقون، وبين لهم أحكام ما كلفهم به، وجعل شريعة نبينا ﷺ دين سماحة وسهولة ويسر، وكان ﷺ يتجنب مواضع العسر، ويسلك سبل اليسر، فما خير ﵇ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فقال سلام الله عليه: ((دين الله يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا وغلبه)) وقال: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) وهو بذلك مطبق لقول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فالله أراد بعباده خيري الدنيا والآخرة، بتوجيههم الوجهة الصالحة، عن طريق تعاليم هيأتهم لتحمل أعبائها وأعفتهم، إما باستبدال الأشد بالأسهل مثل التيمم لعذر بدل الوضوء، وإما بإلغاء الفرض نفسه مؤقتًا مثل الصلاة بالنسبة للحائض أو التأجيل كالصوم بالنسبة لها أيضا واستخلص علماء الأصول من نصوص الكتاب والسنة، أن العزيمة كلما كان تطبيقها جالبًا لمشقة كلما كان ذلك مدعاة لرخصة مخففة، فالأمر لا محالة استهدف صدوره أو إناطة المكلف به تحقيق مصلحة عاجلة أو آجلة، أو هما معا، ولم يترك كل أمر على إطلاقه، بل لا يمكن أن يمتد إطلاقه إلى ما تحصل به مضرة المكلف، إذ بمجرد ما تحصل المضرة تباح الرخصة، كاستثناء من العزيمة، التي هي الأمر. ولقد حثت مراسيم الشريعة على امتثال الأمر، ولكنها أيضا رغبت في استعمال الرخصة عند حصول المضرة من العزيمة، ففي الحديث الشريف: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه)) ، وفيه ((بعثت بالحنيفية السمحة)) أخرجه أحمد في مسنده، وأخرج أحمد والطبراني، والبزار وغيرهما عن ابن عباس: قيل: يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: ((الحنيفية السمحة)) وروى الشيخان من حديث أبي هريرة: ((إنما بعثتم مبشرين)) . هذه الأصول هي التي استخلص منها العلماء القاعدة القائلة: " المشقة تجلب التيسير ". وحتى نستطيع أن نلم بمختلف جوانب الموضوع حسب المستطاع نقسم هذا العرض إلى المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف الرخصة والعزيمة. المبحث الثاني: حكم الرخصة. المبحث الثالث: الرخصة إضافية لا أصلية. المبحث الرابع: هل الأفضل الأخذ بالعزيمة أم بالرخصة؟ خاتمة: تشمل على نظري في الموضوع.

стр. 12370

المبحث الأول – تعريف العزيمة والرخصة: سنقسم هذا المبحث إلى فقرتين: الأولى نتعرض فيها باقتضاب لتعريف العزيمة وأنواعها، والثانية نخصصها لتعريف الرخصة، على أننا سنتوسع في تحليل الرخصة أكثر في المباحث القادمة بحول الله. ١- تعريف العزيمة: عرفها الشاطبي في الموافقات بأنها: ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء. وقال الآمدي: " أما العزيمة، ففي اللغة الرقية، وهي مأخوذة من عقد القلب المؤكد على أمر ما، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] أي قصدا مؤكدًا (١) . فالعزيمة لا يختص حكمها بجماعة من المكلفين دون أخرى فلقد شرعت على الإطلاق والعموم، ولا تختص بحال دون حال ولا بنوع من المكلفين دون بعض، ونفس الحكم ينطبق على الزكاة والصوم، والحج، وسائر شعائر الإسلام وكذلك المصالح التي لا غنى للإنسان عنها في الدارين، كعقود المعاوضات وأحكام الجنايات، مما يعبر عنه اصطلاحًا بكليات الشريعة. ومعنى كونها كلية: أنه لا تختص ببعض المكلفين دون بعض، كالصلاة وجوبها لا يهم نوعًا من المكلفين خاصا يعتبر فرضها عليه هو وحده، فتجب عليه، إذا تمت مواصفات معينة، وتزول فرضيتها بزوال الشروط المطلوبة، فكليتها تنفي هذه الخصوصية، بعمومية فرضيتها على جميع المكلفين دون تمييز لا في الجنس ولا في المكان، ولا الأحوال؛ وإليه أشار جدنا الشيخ ماء العينين في نظمه لأحكام موافقات الشاطبي بقوله: " وكونها كلية معناه: لا تختص بالبعض عن البعض جلا، يستنتج من هذا أن العزيمة أمر كلي عام شرع ابتداء، بحيث لا يستند في شرعيته على أمر سابق عليه، فتدخل في ذلك سائر شعائر الإسلام الكلية، كما يدخل فيه أيضا ما شرع لسبب مصلحي في الأصل كالمشروعات المتوصل بها إلى إقامة مصالح الدارين من البيع والإجارة والنكاح، وسائر عقود المعاوضات (٢) وإن سبق حكم ثم نسخ بحكم آخر كان الناسخ حكمًا ابتدائيا غير مستند على السابق، ولا يخرج عن هذا التعريف ما كان من الكليات واردًا على سبب فإن الأسباب قد تكون مفقودة قبل ذلك فإذا وجدت اقتضت أحكامًا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فكل هذا عرفه الشاطبي بأنه تمهيد لأحكام وردت شيئا بعد شيء بحسب الحاجة، وكله تشمله العزيمة فهو شرع ابتدائي حكمًا، وقد يرد استثناء من حكم عمومي، ويبقى حكمًا ابتدائيا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . نكتفي بهذه اللمحة عن العزيمة لنتمكن من معرفة كيف تستخرج منها الرخصة.

стр. 12371

٢- تعريف الرخصة: يقصد بالرخصة: " ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة " الموافقات للشاطبي، ولقد شرح الشيخ ماء العينين من متأخري المالكية هذا التعريف بقوله: " أعني أن الرخصة هي ما شرع لعذر شاق على العباد، ويكون مستثنى من أصل كلي يقتضي المنع في قول كل العلماء، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه ". فإذا كان العذر لمجرد الحاجة ودون المشقة فلا يسمى رخصة، كالقراض فإنه لعذر عجز صاحب المال عن الضرب في الأرض لكن لا يسمى رخصة، وكذلك المساقاة والسلم، فكلها شرعت لعذر، لكن انتفاء المشقة فيها ينزع عنها صفة الرخصة فتدخل تحت الحاجيات وتلك لم يسمها العلماء رخصة. وقد يتحد عمل شخصين في لحظة واحدة ولفعل واحد، فلا يعتبر عمل أحدهما رخصة، بينما تطلق الرخصة على فعل الآخر، مثل: الإمام يعجز عن الصلاة واقفًا أو يقدر بمشقة، فمشروع في حقه الانتقال إلى الجلوس ويسمى عمله هذا رخصة، وبما أنه إمام فالحديث الشريف قال: ((وإنما جعل الإمام ليؤتم به)) إلى أن قال: ((وإن صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)) فصلاتهم جلوسًا لم تأت عن طريق المشقة، وإنما أتت لضرورة اتباع الإمام بسبب النص المتقدم، القائل باتباع الإمام، وعدم مخالفته، فعذرهم ليس المشقة، ولذلك لا يسمى عملهم هذا رخصة. وكونها لا تقع إلا استثناء من أصل كلي بسبب ما يجلب عمله في تلك اللحظة للمكلف من مشقة، يبين أن الرخصة ليست بمشروعة ابتداء فهي دائما تأتي استثناء من العزيمة عندما تنجم عنها المشقة وهذا يذكرنا بالحديث الشريف القائل: ((نهى عن بيع ما ليس عندك وأرخص في السلم)) فكل هذا قال الآمدي والشاطبي مستند إلى أصل الحاجيات، فقد اشترك مع الرخصة في بعض معانيها فيجري عليه حكمها وفي معنى كون الرخصة من بين مبررات استعمالها عند عدم المشقة قضية صلاة المأمومين جلوسًا بعذر اتباع الإمام، وصلاة الخوف المشروعة بالإمام أيضا، وقال الشاطبي بأن هاتين المسألتين من أصل التكميلات لا من أصل الحاجيات، فيطلق عليهما لفظ الرخصة، وإن لم تجتمع معهما في أصل واحد. وقد تباح الرخصة بناء على الضرورة، وليست بناء على الحاجة؛ مثل المصلي يكون قادرًا على الصلاة قائما لكن بمشقة، فتكون الرخصة في حقه للحاجة وليست للمشقة. وقد يطلق لفظ الرخصة على ما وضع عن الأمة الإسلامية من المشاق، والضرر، بسبب تطبيق عزيمة جلب تطبيقها مشقة قد تجلب مضرة، ومن خصائص هذه الملة السمحة تمكين العبد من قدر كبير من تيسير الله به، ولذلك وردت الرخص أيضا جلبًا للتوسعة على العباد، إذ يأتي نص يحمل عزيمة تضيق على المكلفين فتتدخل الرحمة واللين والسهولة التي تميزت بها الحنيفية السمحة فتمكنه من رخصة تجلب التوسعة استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ويرى الشاطبي والآمدي والشوكاني وابن حزم أن هذا المعنى يمكن أن يرجع إليه معنى الحديث القائل: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه)) . فهذا الدين الحنيف أتى سهلاً سمحًا مرخصًا في تجنب كثير من المشاق التي تكبدتها الأمم السابقة، وما شرعت الرخصة إلا لتجنب مشقة جلبها تطبيق عزيمة، فهي رحمة بالعباد، وتيسير ورأفة تمكنهم من نيل حظوظهم من الرحمة وقضاء أوطارهم دون المخالفة؛ فالعزائم أتت لتذكر العباد بأنهم ملك للخالق نافذ فيهم قضاؤه، واجب عليهم اتباع ما أمر به ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢] فعبوديتهم تحتم عليهم التذلل له والاتباع لأوامره، مهما كانت، فليس لهم حق لديه ولا حجة عليه، فإذا وهب لهم حظا ينالونه، فذلك كالرخصة لهم؛ فالعزيمة من هذا الوجه هي امتثال الأوامر، واجتناب النواهي على الإطلاق والعموم؛ كانت الأوامر وجوبًا أم ندبًا، والنواهي كراهة أو تحريما.

стр. 12372

فأصبحت الرخصة هي كل ما كان تخفيفًا من شدة تطبيق العزيمة بصفتها حظا من رحمة الله أنعم به على عباده، وفي هذا الشأن تشترك الرخص مع المباح لكونهما معًا توسعة على العبد ورفعها للحرج عنه، وطريقًا لينال حظه من اللطف. المبحث الثاني – حكم الرخصة الإباحة: وذلك واضح من خلال نصوص الكتاب والسنة إذ الآيات رفعت الإثم عن المضطر، ولم تجعل جناحًا على المسافر إن قصر الصلاة في سفر الخوف وما قررته السنة بالنسبة للسفر كله، قال الله في كتابه العزيز: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] ثم أتت السنة في الحديث الذي رواه عمر فقالت: ((صدقة تصدق بها الله عليكم فلا تردوها)) . ثم شرعت الرخصة أيضا لرفع الحرج عن المسلم في بعض المواقف التي تفرض عليه ارتكاب فعل أو قول يحرم على المسلم ولكن أجبر عليه، فتسامت به حينئذ عن المنطوق، أو المرتكب من ظاهر الفعل ليخاطب بحسب ما استقر في نفسه، قال الله في كتابه العزيز: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فهذا رأفة بالمؤمن رخص له الشارع في النطق بعبارة الكفر إذا خاف على نفسه، على أن يبقى قلبه مفعما بالإيمان عامرًا باليقين، متبرئا في قرارة نفسه مما نطق به لسانه، وهذه الرخصة هنا قال عنها الفقهاء: " لم يرد في جميعها أمر يقتضي الإقدام على الرخصة، بل إنما أتى بما ينفي المتوقع في ترك أصل العزيمة، وهو الإثم والمؤاخذة على حد ما جاء في كثير من المباحث بحق الأصل كقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية، وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وغير ذلك من الآيات المصرحة برفع الحرج عن الواقع في مخالفة نص العزيمة، ولم تأمر بضرورة استعمال الرخصة، مثل حديث: كنا نسافر مع رسول الله ومنا المقصر، ومنا المتم ولا يعيب بعضنا على بعض؛ لأنهم يتبعون قاعدة إدراك المرء في قرارة نفسه مدى استعداد جسمه لتطبيق العزيمة دون حصول المشقة فيجب اتباع العزيمة، بحصول المشقة فتسن الرخصة، والمراد بالمعنى الثاني: أن الرخصة المراد بها التخفيف عن المكلف ورفع الحرج عن أفراد الأمة من توفرت فيه شروط اتباع الرخصة، حتى يكون في سعة من وطأة ما يمكن أن تسببه العزيمة من مشقة يمكن أن ينشأ عنها الضرر، فيمكنه الشارع عندئذ من فرصة الاختيار، بين اتباع العزيمة والصبر على المشقة – إذا لم تسبب له المهلكة – أو الأخذ بالرخصة، ولكن إذا حصلت المضرة عند ذاك تنقلب الرخصة عزيمة وأصل الرخصة هو: الإباحة تطبيقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقوله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] . ولو كانت الرخص مأمورًا بها ندبًا أو وجوبًا لما سميت رخصًا، ولبقيت عزائم بحيث تصبح الأوامر كلها جبرية لا استثناء فيها، مهما نشأ عنها من حرج ومشقة، ولتميزت الشريعة، لو كان ذلك بالشدة والقسوة والحرج بدل اللين والسهولة والرحمة، ووضع الفقهاء تساؤلات حول ما يمكن أن يفهم من أن الجمع بين الأمر والرخصة، جمع بين متناقضين، ثم أجابوا بما مضمونه: " لا يشك أن رفع الحرج والإثم في وضع اللسان إذا تجرد عن القرائن يقتضي الإذن في التناول والاستعمال ". فإذا أتى الكلام مصحوبًا بسبب خاص لرفع الجناح والحرج كان لنا أن نحمله على مقتضى اللفظ لا على خصوص السبب، فقد يتوهم فيما هو مباح شرعًا أن فيه إثما، بناء على استقرار عادة تقدمت أو رأي عرض، كما توهم بعضهم قديمًا أن الطواف بالبيت بالثياب فيه إثم حتى نزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وفي التعريض بالنكاح في العدة وغير ذلك. ومن حيث الوصول إلى الخروج من وهم التناقض الحاصل في الجمع بين الأمر والرخصة، فلابد من الرجوع بالوجوب أو الندب إلى عزيمة أصلية لا إلى الرخصة بعينها، لندرك أن المضطر، الذي لم يجد ما يسد به رمقه وأوشك على الهلاك، أرخص له في أكل الميتة، قصدًا لرفع الحرج، إن أجهده الجوع، وعزيمة إن خاف الهلاك، فالرخصة مأمور بها لرفع الحرج، لكن إذا كان الفعل الذي نشأ عنه الحرج والمشقة ارتفع إلى سبب للهلاك، انقلبت الرخصة الناجمة عنه عزيمة، فالمثال السابق ينطبق على هذه القاعدة، فأكل الميتة مرخص فيه لسد المسغبة المضنية وواجب عندما يصل الأمر إلى حد الهلاك بسبب الجوع.

стр. 12373

المبحث الثالث – الرخصة إضافية لا أصلية: ليست الرخصة من الأحكام التي شرعت ابتداء لعموم المكلفين وغير مستندة إلى حكم آخر سابق عليها، أتت هي دون الارتباط به، بل على العكس من ذلك فالرخصة إضافية لا أصلية وهذا هو الأصل في أن المرء فيها فقيه نفسه، بسبب الإحساس الداخلي الذي يتولد عن طريق تطبيق العزيمة، وذلك لعدة أسباب؛ منها أن الرخصة من أسبابها المشقة، وتلك تختلف من شخص إلى شخص، ومن حال إلى حال، ومن زمان إلى زمان؛ فقد يكون السفر شاقا على فرد ومعه آخر في نفس الحالة لا يجد فيه أي عناء، فبالنسبة لهما واحد إن صام هلك أو أوشك على الهلاك، والثاني لا يجد فيه أي عناء، بل ربما يجد فيه قوة ولذة، فالأول تباح له الرخصة، والثاني مطالب بتطبيق العزيمة، وكذلك قصر الصلاة وبسبب ذلك ليس للمشقة ضابط معين، يمكن أن يعتبر قاسمًا مشتركًا، تباح بسبب حصوله الرخصة لكل المكلفين، بل الأمر متروك لإحساسهم ودرجات تحملهم، وحسابهم على الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولذلك إن المشاق تختلف بالنسب والإضافات، وذلك يقضي بأن الحكم المبني عليها يختلف بالنسب والإضافات أيضا، وما قضية صيام الصحابة مع النبي ﷺ مع قضاء حاجاتهم، ومباشرة أعمالهم؛ إلا دليل على أن من يستطيع تنفيذ العزيمة دون حصول المشقة الضارة كان الأفضل له الأخذ بالرخصة، وهذا معنى كون الرخصة إضافية لا نستطيع استعمالها، إلا من خلال تطبيق عزيمة شعرنا بالحرج والمشقة في تطبيقها وأيضا بحسب الظرف الزمني، فالمسافر زمن الشتاء، وفي طائرة أو سيارة، وفي مسافة معتادة ليس كالمسافر على الخيل أو الإبل وفي زمن الحر، وقلة الزاد؛ وعلى هذا رأى الفقهاء بأن الشرع أقام السبب فيها مقام العلة، فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان وجود المشقة وترك كل مكلف على ما يجد، وجعل كثيرًا من أحوال الرخصة متروكًا لاجتهاد المكلف، بل هو إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب في نفسه، فمن كان من المضطرين معتادًا للصبر على الجوع ولا تختل حاله بسببه كما كانت العرب، وكما هو حال بعض العباد المروضين أنفسهم على تحمل الجوع فليست إباحة الميتة إليهم، على نفس درجة إباحتها لغيرهم من الضعفاء والمرضى، والإباحة المنسوبة إلى الرخص هي من باب رفع الحرج، لا من باب التخيير بين الفعل والترك، ورأى الآمدي أن هذا محل إجماع مستندًا على قول الله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] فلم يذكر أن له الفعل والترك، بل ذكر أن له التناول في حال الاضطرار برفع الإثم، وكذلك قول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولم يقل فله الفطر، ولا فليفطر ولا يجوز له الصوم، بل اقتصر على ذكر نفس العذر، وأشار بأنه إن أفطر فعليه القضاء في أيام أخر، وهذه الأمثلة منطبقة على آية القصر في الصلاة بالنسبة للمسافر، وعدة حالات أخرى مثل الإكراه. والغاية من ذلك أن الرخصة شرعت لرفع الحرج، وذلك لا يقتضي التخيير، ولو اقتضته للزم أن تكون مع مقتضى العزيمة من الواجب المخير، وليس كذلك إذا قلنا: إنها مباحة بمعنى رفع الخرج عن فاعلها؛ إذ رفع الحرج لا يستلزم التخيير، ألا ترى أنه موجود مع الواجب، وإنما كان ذلك ليتبين أن العزيمة على أصلها.

стр. 12374

وإذا قيل بالتخيير بين الرخصة والعزيمة، فإن المجال في ذلك رحب، يقول صاحب إرشاد الفحول والموافقات ما يمكن تلخيصه فيما يلي: قال بعضهم: الأخذ بالعزيمة أولى لأمور منها: ١- العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه، المقطوع به، وورود الرخصة وإن كان مقطوعًا به أيضا، فلكي يتحقق التماثل فلابد من القطعية بهذا السبب وهو شيء نسبي، يهم حالة كل مكلف على حدة لأن مقدار المباح الذي هو مناط الرخصة غير منضبط، فالمشقة المؤدية إلى الفطر وقصر الصلاة غير محدودة تحديدًا موحدًا، كما أن الصبر والتحمل إذا لم يؤد لضياع النفس أو المال محمود لقول الله : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] ، وحث نبيه ﵊ على الصبر فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ، وصيغة هذا الأمر هنا يفهم منها أنها من بين المسائل التي تكون لنا نحن أمته أسوة حسنة، وليست من الخصوصيات، ثم أتى الحث أيضا على الصبر عامًا مطلقا يعني جميع أفراد الأمة في قول الله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] . ٢- إن اعتبار المشقة في بعض الأمور يقصد منه التوسط في الأمر، فلا يقصد بحصول المشقة أن تقاس بحصولها لضعيف البنية المريض خلقة، الذي يتأثر جسمه بأضعف العوارض كما لا تقاس أيضا بالقوي، الذي لا يحس بوطأة الطوارئ إلا بعد أن تكون أهلكت غيره، فمناط المشقة هنا هو حصولها لمتوسط العادات، لأن الأمور الجزئية لا تحرم الأصول الكلية إنما تستثنى نظرًا إلى أصل الحاجيات بحسب الاجتهاد، والبقاء على الأصل من العزيمة هو المعتمد الأول للمجتهد، والخروج عن حكم العزيمة مع عوارض المشقات، التي لا تطرد ولا تدوم (١) . ٣- إذا أخذ بالترخيص في موارده على الإطلاق، كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد على الإطلاق، فإذا أخذ بالعزيمة كان حريا بالثبات في التعبد والأخذ بالعزم فيه لأن أسباب الرخص أكثر ما تكون مقدرة ومتوهمة لا محققة، فربما عدها شديدة وهي خفيفة في نفسها، مما يؤدى إن اتبع بدون حدود إلى عدم صحة التعبد، واضطراب تطبيق العزائم، وسلوك سبل الرخص حسب هوى النفس وهو مذموم وحرام.

стр. 12375

٤- مراسيم الشريعة الإسلامية مضادة للهوى من كل وجه، وكثيرًا ما يتداخل الهروب من المشقة مع اتباع هوى النفس المعارض في كثير من أوجهه لمراسيم الشريعة، فصاحب الهوى يشق عليه كل شيء، فكل من نبذ هواه، وحارب نوازع النفس الأمارة بالسوء، لا يلبث يصبر على المشقة، حتى يجد في نفسه القدرة على ممارسة الطاعات تطبيقًا للعزائم، كلما داوم عليها خفت عنه مشقتها حتى يجدها اعتيادية سهلة لا تؤثر فيه بشيء، فكم من شخص صبر على الصيام بتعب، وبعد أيام اعتاده وأصبح لا يحس بمشقة منه، على أنه يجب التنبيه على أن طلب الصبر يقصد به من يجد من نفسه الطاقة على تحمل ما ينجم عن العزيمة من مشقة، لا تضر نفسه، ولا ماله، إذ بإمكانه تأدية الفعل مع شيء من الاجهاد، الذي لا تنعكس آثاره على ما قلنا. ٥- إن المشاق التي هي مظان التخفيف على ضربين: أ- أن يكون بقاؤه على العزيمة يدخل عليه فسادًا لا يطيقه طبعًا ولا شرعًا، ويكون ذلك محققا لا مظنونًا ولا متوهمًا، فإن حصل الأول فرجوعه إلى الرخصة مطلوب، وقد تصبح الرخصة هنا حقا لله، وإن كان مظنونًا كان المطلوب البقاء على أصل العزيمة، ومتى قوي الظن ضعف مقتضى العزيمة. ب- الضرب الثاني: أن تكون توهمية بحيث لم يوجد السبب ولا الحكمة فلا يخلو أن يكون للسبب عادة مطردة، في أنه يوجد بعد أولى، فإن كان الأول فلا يخلو أن يوجد أولا، فإن وجد فوقعت الرخصة موقعها ففيه خلاف، أعني في إجراء العمل بالرخصة، لا في الإقدام ابتداء، إذ لا يصح أن ينبني حكم لم يوجد بعد، بل لا بناء على سبب لم يوجد شرطه (١) . ومن هنا وقع الخلاف في لزوم أو عدم لزوم الكفارة لمن ظنت أنها ستحيض غدًا ففسخت نية الصوم في رمضان، والحال أنها لم تحض في ذلك اليوم، فمن العلماء من ألزمها الكفارة، ومنهم من أسقطها بناء على قول الله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] . وحاصل هذه التقسيمات أن الأفضل للمكلف اتباع العزيمة ما لم يخل ذلك بصحته أو ماله، وأن لا يستخدم الرخصة بمجرد الظن والتوهم، فالمشقة الحقيقية هي العلة التي من أجلها أبيحت الرخصة، وما عدا ذلك من الشعور بالإجهاد فهو تعب العبادة الذي أثيب عليه أصحابه وهو الصبر الذي دعت إليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فمشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها البتة، والمشقة الحقيقية فيها الرخصة بشرطها، ومن لم يجد شرطها، فالأحسن له براءة لذمته أن يلتزم باتباع تأدية ما نصت عليه العزيمة، فكل رخصة لا يأثم المكلف إن استعملها تكون تلك التي أتت من خلال المشقة المولدة للضرر بعيدًا عن هوى النفس أو التحايل، ومن ثم ينطبق عليها قول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقول النبي ﷺ : ((ليس من البر الصيام في السفر)) وقوله: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) وقول الله في الصبر على ما دون المضرة: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] .

стр. 12376

المبحث الرابع – هل الأفضل الأخذ ب العزيمة أم الرخصة؟ الجواب على هذا السؤال فيه أقوال كثيرة منها أن الأخذ بالعزيمة ليس بأولى من الأخذ بالرخصة من أوجه هي: ١- إذا كان أصل العزيمة قطعيا، فإن أصل الترخص قطعي أيضا، لأن الشارع أجرى الظن في كثير من الحالات مجرى القطع. ٢- أصل الرخصة إن كان جزئيا بالإضافة إلى عزيمة فذلك غير قادح في جواز الرخصة والعمل بها. ٣- رفع الحرج عن الأمة بلغ مبلغ القطع لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] . ٤- أخذ المكلف بالرخصة يكون تطبيقًا لقصد الشارع الرامي إلى رفع الحرج والرفق بالمكلف، وتؤيد ذلك آيات كثيرة منها ما تقدم، ومنها: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، واستعمل النبي ﷺ كثيرًا من الرخص ليسن تلك السنة لأمته ﵊. ٥- رأى بعض العلماء أن ترك الترخص مع ظن سببه قد يؤدي إلى الانقطاع عن الاستباق إلى الخير، ويجر السآمة والملل والتنفير من الدخول في العبادة، وكراهية العمل وترك الدوام. ٦- إن مراسيم الشريعة وإن أتت مخالفة للهوى، فإنها أيضا أتت لمصالح العباد في دينهم ودنياهم، والهوى يكون مذمومًا حالة مخالفته للشريعة. وعلى هذا اعتبرت العزائم مطردة مع العادات الجارية، والرخص جارية عند انخراق تلك العوائد. ولأبي محمد عز الدين بن عبد السلام السلمي في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام، قال: الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبًا لمصالحها، والجنايات مناسبة لجلب العقوبات درءًا لمفاسدها، والنجاسات مناسبة لاجتناب وجودها ولا مناسبة بين طهارة الأحداث، وأسبابها. وتحت عنوان: فصل ما يتدارك إذا فات بعذر، أشار إلى أن الضابط أن اختلال الشرائط والأركان إذا وقع لضرورة أو حاجة لا مفر منها، وأقام بالواجب مع اختلال بعض شروطه، فلا قضاء عليه، كالصلاة في قوم كلهم عراة، لما في الاستتار من المشقة فبسبب مشقة عدم الحصول على الثياب تولدت رخصة الصلاة على تلك الهيئة، وهذا ينطبق حسب رأيه على كل مشقة استحال تفاديها، فإنها تستجلب العذر، الذي يفضي إلى جواز استعمال الرخصة. ومن هذه النظريات يستخلص أن الأخذ ب العزيمة أفضل إذا لم تجر إلى المشقة الفادحة، واتباع الرخصة أفضل إن حصلت المضرة للمال والنفس، على أن المرء في كل ذلك هو فقيه نفسه، لأنه أعلم – بقرارة نفسه – بما يحصل له من مشقة تأدية العزيمة، وعليه أن لا يتهرب ولا يخادع، لأن التعامل مع الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

стр. 12377

الخاتمة إن تطبيق العزائم والأخذ بالرخص استثناء منها عند حصول المشقة المفضية إلى المضرة، كلاهما إن اتبع حسب شروطه وعلله وفق مراد الشريعة، كان ذلك مصدرًا لتهذيب النفوس وتطهيرها من رجس الأوثان واتباع الهوى والإدمان على فعل المحرمات، التي تفشت في كثير من المجتمعات الإسلامية، دون حتى ترك الفرصة لاستنكارها، مما جعل تطبيق العزائم في بعضها لا يثير الاستخفاف به أية معارضة، بل أصبحت الرخص هي الأصل عند البعض علمًا بأن الأخذ بالرخصة عند توفر شروطها، ليس فيه أي مطعن، فإذا خلصت النية للطاعة وتمكنت التربية الإسلامية من النفس، وكان استعمال الرخصة مستندًا على مبرراته الشرعية وغير مستعمل إلا في الحدود التي تجنب المكلف إجهادًا يضر بنفسه أو ماله، كان استعمالها جائزًا، أما إذا كان العكس وهو السائد اليوم مع الأسف وهو الاستخفاف بتعاليم الإسلام، والتساهل في كل العزائم، أصبحت الرخصة مستعملة، دون تقيد بضوابطها الشرعية، فأصبحنا أمام مخالفات شرعية، استخدم أصحابها حيلاً على النصوص الشرعية، ستجلب لهم عقاب الآخرة، ولو كانت أحكام الشرعية مطبقة، في كثير من البلاد الإسلامية، لأنزلت بهم التعازير والحدود المنصوص عليها لكل حالة. فكم من مسافر إليهم يقصد هوى النفس، والتهرب من صيام شهر رمضان فيقصر صلاته ويفطر نهاره، ويوهم الناس بسفر، والأجدر أن يعاقب على السفر، ويضرب لترك الصلاة بالتعمد على قصرها، ويلزم بالكفارة لتعمد الفطر في رمضان. وكم من مصل تيمم ولم يجرب هل يضره الماء أم لا، وكم من منتهك حقوق الناس في أموالهم مدعيًا الاضطرار وهو غير مضطر. ومن هنا فالرخص حظ العباد من لطف الله فلا يمكن لأي أحد أن يمنعهم من ذلك الحظ الذي أنعم به الخالق عليهم، والعزائم حق الله على العباد فلا يمكنهم التهرب منه، وإلا عرضوا أنفسهم لعقابه، الذي لا يمكنهم التهرب منه، إذا لم يغفر لهم. وبناء على هذا يمكن القول بأن الرخص اليوم اتسع مجالها، وكثرت المضار والمشاق المستوجبة لها ولا يمكن لأحد أن يسد على العباد حظهم من لطف الله، ولكن أيضا كثر أتباعها، دون المشقة المفضية إليها، بسبب انعدام التربية الإسلامية وغياب كثير من معرفة أحكامها، فليوضح العلماء أحكام الرخصة ومتى تطلب، ومتى يقع التخيير في شأنها، وما هو الأفضل للمكلف في كل حالة، ثم ضرورة المزيد من تعليم أحكام الحلال والحرام والواجب والمندوب والمباح للطلبة في جميع مؤسسات التعليم في العالم الإسلامي، حتى يعد المسلم العارف بأحكام دينه، ليسهل عليه تطبيق العزيمة أو اتباع الرخصة. إن ما يشاهد اليوم في كثير من التجاوزات يعد مخالفات وليس أخذًا بالرخص.. ونختم هذا الموضوع بما جاء في الأشباه والنظائر حيث قال: الرخص لا تناط بالمعاصي، ومن ثم فلا يستفيد المسافر سفر معصية من رخصة قصر الصلاة، وفطر رمضان، لأن هذه الرخصة شرعت لرفع الحرج والتسهيل والتيسير في العبادة ولا يمكن استعمالها في غير ذلك، فإذا ما سافر إنسان من أجل أن ينهب مال آخر في مكان بينهما مسافة قصر، ثم قصر صلاته، وأفطر في رمضان عد مرتكب الإخلال بتمام الصلاة، وصلاته باطلة لنقص نصفها، وإن أفطر وجبت عليه الكفارة، لأن فطره غير مستند على عذر شرعي.

стр. 12378

ولذلك لا يجزئه التيمم ولا يجوز له أكل الميتة، وفي المسح على الخف خلاف، وإن وجد ماء لكن لا يكفي للشرب والوضوء، لزمه الوضوء، لأن السفر من أجل معصية فلا يجزئه فيه التيمم، ولا يقدم عليه في هذه الحالة الشرب، وتحرم عليه الميتة للضرورة، لأنه بإمكانه الاستغناء عن هذا السفر بالتوبة، ووقع الخلاف في المسح على الخف للخلاف الواقع في استعماله في الحضر أو عدم جواز استعماله، عزا السيوطي للإصطخري فقال: إن العاصي بالإقامة لا يستحق منها شيئا، والمسافر لارتكاب معصية لا يسمح له بشيء منها، وقال السيوطي: " إن الرخص لا تناط بالمعاصي، ومعناه إن فعل الرخصة يتوقف على وجود شيء، ولذا كلما حصلت المشقة من العزيمة يجب أن ينظر في الوضع الذي حصلت منه المشقة، فإن كان مباحًا أو مندوبًا أو واجبًا، كان استعمال الرخصة جائزًا أيضا ومباحًا، وحتى واجبًا، وإن ظهرت شبهة في العمل الذي من أجله حصلت المشقة تبين من خلالها أن هذا العمل حرام، امتنع على المكلف استعمال الرخصة بسبب ذلك العمل؛ كمسافر بمال غصبه، والناشز والمسافر للمكس، ونحو عاص بالسفر، فالسفر نفسه معصية، والرخصة منوطة به مع دوامه، ومعلقة ومترتبة عليه ترتب المسبب على السبب فلا يباح، ويلحق بهذا أيضا أن الرخص لا تناط بالشك (١) . فلو عرف الجميع الأحكام الواجبة عليه، لأصبح مدركًا متى تكون الرخصة مباحة تخييرية، أو حرامًا أو حتى واجبة، عند توفر بعض الحالات. فهي مباحة والمكلف مخير بين الأخذ بها أو عدمه، عند الشعور بالمشقة أما إذا تسبب استعمالها في المضرة المؤدية إلى الهلاك، فحينئذ تنقلب الرخصة إلى عزيمة، ويصبح العمل بها واجبًا، وتركها حرام يعاقب عليه، فإذا امتنع المكلف من أكل الميتة حتى أشرف على الهلاك أصبح الترخيص الحاصل له بسبب مشقة تحمل الجوع عزيمة يجب عليه العمل بها حتى ينقذ النفس، وإن امتنع أصبح قاتل النفس. من خلال ما سبق تكون الرخصة من نعم الله على عباده تخرجهم من المشقة وتمكنهم من تجنب المضرة إن كان تطبيق العزيمة سينزلها بهم، فتدخل في المباح تارة إلى أن تصل إلى الواجب لإنقاذ النفس، كما يحرم استعمالها والأخذ بها دون تحقق الشروط، ويبقى الأمر فيها موكولاً لضمير المسلم وإحساسه، وهو ما يتطلب التربية الإسلامية الحقة والسلوك المستقيم، كما يحتم يقظة أولي الأمر حتى لا تنتهك العزائم بخلق المبررات الكاذبة لاتباع رخص أجيزت لأسباب وعلل معينة والله الموفق للصواب. الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين

стр. 12379

الأخذ بالرخص وحكمه إعداد الدكتور أبو بكر دوكوري ممثل بوركينا فاسو الدائم في مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدورة الثامنة في بروناي (دار السلام) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأخذ بالرخص وحكمه اعلم أن تقسيمات الحكم الشرعي كثيرة، ومن تقسيماته " باب الرخصة والعزيمة " وهو تابع للحكم التكليفي عند الجمهور باعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه. واختار الآمدي كونه من أقسام الحكم الوضعي (١) . يقول الكمال بن الهمام (٢) : " وقيل للشارع في الرخص حكمان: كونها وجوبًا أو ندبًا أو إباحة فهو من أحكام الاقتضاء، وكونها مسببة عن عذر طارئ في حق المكلف يناسب تخفيف الحكم عليه مع قيام الدليل على خلافه، فهو من أحكام الوضع " (٣) . فعلمنا أن من قال: إن الرخصة من خطاب الوضع فإنه نظر إلى جهة من جهاتها، ومن قال: إنها من خطاب التكليف، فباعتبار جهة أخرى. ومقتضى الرخصة: الانتقال مما هو مطلوب على وجه الحتم والإلزام إلى جواز تركه في أمد معلوم أو الانتقال من موضع النهي والتحريم إلى الإباحة لسبب يبرر ذلك ولتوضيح كل ذلك نقول: إن الرخصة في اللغة عبارة عن السهولة واللين، ومنه يقال رخص السعر إذا تيسر وسهل (٤) يقول الشاعر العربي (٥) : وثديًا مثل حق العاج رخصًا حصانًا من أكف اللامسينا (٦) . أما في اصطلاح الأصوليين فقد عرفها بعض الشافعية بأنها: " ما أبيح فعله مع كونه حرامًا " وقد انتقد الآمدي هذا التعريف باعتباره متناقضا (٧) .

стр. 12380

وقد ورد في تعريف الرخصة عدة تعريفات لم يسلم معظمها من الانتقاد، إما لكون التعريف غير جامع، وإما لما فيه من التورية. (١) . والذي اختاره كثير من محققي الأصوليين أن الرخصة هي: " الحكم الشرعي المتغير من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي " (٢) . وفي هذا المعنى يقول صاحب مراقي السعود (٣) : للعذر والرخصة حكم غيرا إلى سهولة لعذر قررا مع قيام علة الأصلي وغيرها عزيمة النبي (٤) . ومن هذا التعريف نعرف أن الرخصة ليست حكمًا أصليا ولا حكما عامًّا كما هو الحال في العزيمة؛ لأن الأحكام الشرعية التكليفية قد طالبت المكلفين بأفعال، وطالبتهم كذلك بالكف عن أفعال أخرى وقد يعرض للمكلف ما يجعل التكليف شاقا غير قابل للاحتمال أو لا يمكن أداؤه إلا بمشقة غير عادية ولكن يستطيع المكلف أداءه في الجملة، فيرخص الله له ترك هذا الفعل رحمة منه لعبده ومصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ذكر الإمام الشاطبي (٥) رحمه الله تعالى: أن الرخصة قد تطلق على ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون اعتبار كون ذلك لعذر شاق كما هو الحال في القراض والمساقاة ورد الصاع من الطعام في مسألة المصراة، وبيع العرية بخرصها تمرًا، ونحو ذلك مما استثني من أصل ممنوع نظرًا إلى حاجة الناس (٦) . نلاحظ هنا أن هذا النوع من الرخصة يظل مشروعًا وإن زال العذر، فيجوز للإنسان مثلاً أن يقترض وإن لم يكن له حاجة إلى الاقتراض، فهذا هو الفرق بين ما شرع من الحاجيات الكلية، وبين ما شرع من الرخص الحقيقية، فإن هذه الأخيرة يقتصر فيها على موضع الحاجة لأن شرعيتها جزئية، كالمسافر فإنه إذا انقطع سفره وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إكمال الصلاة ولزوم الصوم. وتطلق الرخصة كذلك على ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي يدل عليها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] نظرًا إلى أن معنى الرخصة في اللغة يرجع إلى اللين فيكون ما جاء في الشريعة الإسلامية من المسامحة واللين رخصة لهذه الأمة بالنسبة إلى الأمم الأخرى التي حملت مثل هذه العزائم الشاقة. وقد اعتبر الإمام الغزالي إطلاق الرخصة على هذا النوع من قبيل المجاز (٧) .

стр. 12381

وتطلق الرخصة كذلك على ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقًا مما هو راجع إلى نيل حظوظهم وقضاء حاجاتهم، وبيانه أن الناس كلهم خلقه وعبيده وما خلقوا إلا لعبادته بموجب قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فيجب على العباد التوجه إليه وبذل كل ما في وسعهم لعبادته، وذلك بامتثال جميع أوامره واجتناب جميع النواهي وترك ما يشغل عن ذلك، فإذا أذن الله للعبد أن ينال حظًّا من حظوظ نفسه فإن ذلك يكون كالرخصة له (١) . أنواع الرخص: بعد أن عرفنا المعنى اللغوي والشرعي للرخصة، وكذلك إطلاقاتها الحقيقية والمجازية، بقي أن نشير إلى أننا باستقرائنا وتتبعنا للرخص الشرعية، تبين لنا أنها ليست على درجة واحدة، وإنما هي على أنواع مختلفة فمنها: ١- ما هو واجب، كأكل الميتة للمضطر فقد اختار الجمهور وجوبه لكونه سببًا لإحياء النفس التي هي حق الله تعالى، كما أنها أمانة يجب على الإنسان المحافظة عليها وعدم التفريط فيها ليستوفي الله حقه منها بالعبادات والتكاليف الشرعية لأن ذلك سبب خلق الإنسان حيث يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . ومن الأدلة على وجوب حفظ النفس قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . ولا شك أن من كان على وشك الموت بسبب الجوع ولا يجد ما ينقذ به نفسه سوى الميتة فيمتنع من تناولها حتى يموت فإنه يكون بمثابة من قتل نفسه. لذلك رأى بعض العلماء (٢) أن حكم التناول هنا عزيمة وليس رخصة لأن الميتة ما حرمت إلا لخبثها، ضرورة حفظ النفس أولى مما يؤدي إلى تلفها وإن كان محرمًا فيكون الميتة هنا واجبا لا يسع المكلف الامتناع عنه، ولو امتنع حتى مات لكان آثمًا. ومن هذا المنطلق رأى البعض (٣) أن اعتبار التناول هنا رخصة إنما هو من باب المجاز لأن الواجب مأمور به حتما لا خيرة فيه بخلاف الرخصة. ويمكن أن نقول بأن وجوب أكل الميتة لإحياء النفس لا ينافي كون ذلك رخصة للمكلف، لأنه لم يضيق عليه بإلزامه ترك الأكل منها حتى يموت، فإذا نظرنا إلى هذا التوسيع وهذا التسهيل عليه فهو رخصة، وإذا نظرنا إلى وجوب الأكل لإنقاذ نفسه فهو عزيمة لأن الواقع بالشخص يجوز أن يكون له جهتان والله أعلم.

стр. 12382

٢- ومنها ما هو مندوب كقصر المسافر الصلاة بعد استيفاء الشروط المعروفة فإنه رخصة لمشقة السفر وهذا عند الجمهور. أما الحنفية: فإنهم يرون القصر واجبا في حق المسافر وليس له أن يصلي أربعًا فيكون القصر في حقه عزيمة، فإن سمي رخصة فمن باب المجاز، وذلك حتى لا يلزم الجمع بين متنافيين وهو الأمر المقتضي للوجوب والرخصة التي تفيد الاختيار (١) . وقد أطال الإمام الشاطبي الكلام حول هذه المسألة ووضع لها افتراضات ورد عليها ولا مجال لذكرها ههنا (٢) . ٣- ومنها ما هو مباح، كالجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة فإنه رخصة للمكلف عند الجمهور في حالة السفر أو المطر خلافًا للحنفية الذين يمنعون الجمع إلا في مزدلفة (٣) ، وكإباحة السلم الذي هو بيع غائب موصوف في الذمة؛ وحكمه الأصلي: الحرمة بسبب الغرر وهو قائم، ولكن نظرًا إلى حاجة الناس الماسة إلى ثمن الغلات قبل إدراكها أبيح هذا النوع من البيع (٤) . قال في شرح الكوكب المنير بعد ذكر هذه الأنواع الثلاثة: " وفهم مما تقدم أن الرخصة لا تكون محرمة ولا مكروهة (٥) "، وهو ظاهر قوله ﷺ : ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه)) (٦) . ونحن وإن كنا نوافقه بأن الرخصة لا تكون محرمة لأن الحرمة تنافي الرخصة وهذا محل اتفاق بين العلماء ولكن لا نوافقه في كون الرخصة لا تكون مكروهة فقد صرح بعض العلماء (٧) أن الرخصة تكون مكروهة واعتبروها – أي الرخصة المكروهة – نوعًا رابعًا من أنواعها. ومن أمثلتها عندهم: إنشاء السفر فقط من أجل الترخص، أو قصر الصلاة في أقل من ثلاثة مراحل (٨) . أقول إن التمثيل بهذا الأخير لا يخلو من نظر لأن مسافة القصر عند الجمهور بما فيهم الأئمة الثلاثة – مالك والشافعي وأحمد – أربعة برد وهي مسيرة يوم بالسير الوسط، فالقصر عند هؤلاء لا يصح إن كانت المسافة أقل من ذلك وإن كانت مسيرة يوم فأكثر صح القصر، إذن فلا كراهة إطلاقا عند هؤلاء سواء كانت المسافة أقل من ثلاثة مراحل أو أكثر، وعند الإمام أبي حنيفة وأتباعه، لا تقصر الصلاة في أقل من ثلاثة مراحل، ومعلوم أن المرحلة هي المسافة التي يقطعها المسافر في يومه، فإن قصر في أقل من ثلاثة مراحل لم يصح، فلا أرى وجه الكراهة في هذا المذهب أيضا وكذلك الحال عند الظاهرية القائلين بأن القصر إنما هو في كل سفر سواء كان السفر قريبا أو بعيدًا (٩) .

стр. 12383

وهناك نوع خامس من أنواع الرخصة التي هي بخلاف الأولى كالمسح على الخف، وفطر المسافرين في رمضان فإن حكمه الأصلي: الحرمة وسببه: شهود الشهر – وهو قائم – والعذر: مشقة السفر (١) . وهذا المنهج في تقسيم الرخصة هو منهج الشافعية أو المتكلمين وهو كما نلاحظ يقوم على اعتبار أحكامها الشرعية. أما الأحناف فإن لهم تقسيما آخر للرخصة حيث تنقسم عندهم إلى أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة أحدهما أحق من الآخر. ونوعان من المجاز أحدهما أتم من الآخر في كونه مجازًا. أما النوع الأول: فكما يقول السرخسي: " هو ما استبيح مع قيام السبب المحرم وقيام حكمه جميعًا فهو الكامل في الرخصة مثل المكره على إجراء كلمة الكفر فإن حرمة الشرك قائمة لوجوب حق الله تعالى في الإيمان به، ومع هذا أبيح لمن خاف التلف على نفسه عند الإكراه إجراء كلمة الكفر رخصة له؛ لأن في الامتناع حتى يقتل تلف نفسه صورة ومعنى، وبإجراء الكلمة لا يفوت ما هو الواجب معنى، فإن التصديق بالقلب باق والإقرار الذي سبق منه مع التصديق، فصح إيمانه، واستدامة الإقرار في كل وقت ليس بركن، إلا أنه في إجراء كلمة الشرك هتك حرمة حق الله تعالى صورة، وفي الامتناع مراعاة حقه صورة ومعنى، فكان الامتناع عزيمة، لأن الممتنع مطيع ربه مظهر للصلابة في الدين فيكون أفضل لما فيه من الجهاد، والمترخص بإجراء الكلمة يعمل لنفسه من حيث السعي في دفع سبب الهلاك عنها، فهذه رخصة له، إن أقدم عليها لم يأثم، والأول عزيمة حتى إذا صبر حتى قتل كان مأجورًا " (٢) . النوع الثاني: ما استبيح مع قيام السبب المحرم موجبًا لحكمة إلا أن الحكم متراخ عن السبب فلكون السبب القائم موجبًا للحكم كانت الاستباحة ترخصًا للمعذور حقيقة " ولكون الحكم متراخيا عن السبب كان هذا النوع دون الأول (٣) . مثاله: الصوم في شهر رمضان للمسافر والمريض، فإن السبب الموجب شرعًا للصيام وهو شهود الشهر قائم، لذلك لو أديا الصوم كان المؤدى فرضًا،؛ ولكن الحكم لما تراخى إلى عدة من أيام أخر لم يلزمهما شيء لو ماتا قبل إدراك ذلك، إذ لم يثبت الوجوب عليهما، فلو ثبت للزمهما الأمر بالفدية عنهما؛ لأن ترك الواجب بعذر يرفع الإثم ولكن لا يسقط الخلف وهو القضاء أو الفدية. والتعجيل بعد تمام السبب مع تراخي الحكم صحيح كتعجيل الدين المؤجل، وحكم هذا النوع: أن الأخذ بالعزيمة أولى لكمال سببه، فمثلاً لو أخذنا بعزيمة الصوم في السفر فإنها تؤدي معنى الرخصة أيضا لتضمنها لسر موافقة المسلمين في الصيام لأن صومه وحده في عدة من ايام أخر – أي بعد مضي شهر رمضان – والعالم كله مفطر فيه مشقة (٤) .

стр. 12384

النوع الثالث وهو أتم نوعي المجاز، فما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا من الأمم، وقد وضعها الله تعالى عنا كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مع ثبوت الإجابة فهذا النوع غير مشروع في حقنا أصلا لا باعتبار وجود عذر شرعي في حقنا وإنما بسبب التيسير والتخفيف علينا، فكانت رخصة مجازًا؛ لأن الرخصة الحقيقية في الاستباحة مع قيام السبب المحرم، وهو منعدم هنا (١) . النوع الرابع ما سقط عن العباد مع كونه مشروعًا في الجملة فمن حيث سقط أصلاً كان مجازًا ومن حيث بقي مشروعًا في الجملة كان شبيهًا بحقيقة الرخصة إلا أنه دون القسم الثالث. مثاله: العقود الاستحسانية التي جاءت على خلاف القياس، مثل عقد السلم، فقد ورد ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع الإنسان ما ليس عنده)) (٢) ورخص في السلم، فاعتبرت صحة عقد السلم رخصة من باب المجاز، قال فخر الإسلام البزدوي: " وذلك أن أصل البيع أن يلاقي عينا، وهذا حكم باق مشروع لكنه سقط في باب السلم أصلا تخفيفًا حتى لم يبق تعيينه في السلم مشروعًا ولا عزيمة " (٣) . وبعض الحنفية يقسم الرخصة إلى قسمين: رخصة إسقاط، ورخصة ترفيه. فالأولى: أن يسقط حكم العزيمة ويكون حكم الرخصة وحده هو المشروع. مثاله عندهم: قصر الصلاة في السفر حتى أنه لا يصح أداؤه من المسافر، أي أداء ما سقط عنه وهو الأربع؛ إذ لو صلاها كانت الركعتان الأخيرتان نافلة. والثانية: أن يكون الحكمان ثابتين مثل الفطر في رمضان لعلة السفر فإن حكم العزيمة باق ودليله قائم (٤) . فهذا هو منهج الأحناف في تقسيمهم للرخصة الشرعية وذكر أنواعها. حكم الرخصة وضوابط العمل بها: قلنا: إن الرخصة الحقيقية أصلها التخفيف عن المكلف ورفع الحرج عنه ليكون في سعة من ثقل التكليف، فيكون مخيرًا بين الأخذ بالعزيمة وبين الأخذ بالرخصة كالمسافر في رمضان فإنه مخير بين الأخذ بالعزيمة وهو الصوم وبين الأخذ بالرخصة وهي الإفطار، وذلك لأن النصوص الشرعية جعلت الرخصة في موضع الإباحة والتخيير بعد التكليف اللازم لأن اليسر من مقاصد الشريعة الإسلامية مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وهذا لا ينافي وجوب الرخصة أو ترجح الأخذ بها في بعض المرات، وذلك لاعتبارات خارجية تقتضي ذلك فكان الأنسب أن تفسر الإباحة المنسوبة إلى الرخصة برفع الحرج وتجويز الفعل ليكون المعنى أعم من أن يكون بالتساوي بين الفعل والترك كما هو في الإباحة الحقيقية أو بدون التساوي ليتناول الوجوب والندب، وقد ثبت أن الرخصة قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة وهذا المعنى العام هو الظاهر من نصوص الرخص.

стр. 12385

ضوابط العمل بالرخصة إذا تقرر أن حكم الرخصة جواز العمل بها في موضع الجواز، وأن المكلف مخير في هذه الحالة بين الأخذ بالرخصة والأخذ بالعزيمة؛ إذن فما هي ضوابط العمل بالرخصة؟ فقد أجاب الإمام الشاطبي على هذا السؤال بما يشفي الغليل؛ ويعتبر معيارًا دقيقا ينبغي أن يعول عليه كل من أراد الترخص حيث قال: " إن الرخصة إضافية لا أصلية، بمعنى أن كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه ما لم يوجد فيها حد شرعي فيوقف عنده " (١) . وتوضيح ذلك أن سبب الرخصة المشقة، ومعلوم أن المشقات تختلف قوة وضعفًا، وتختلف بحسب الأحوال والأزمان والأعمال كما تختلف بحسب قوة العزائم وضعفها، فمثلا: إن سفر الإنسان في زمن الشتاء حيث يكون النهار قصيرًا وبدون حرارة، ويكون السفر في أرض مأمونة ويكون مع المسافر رفقة مأمونة كذلك وبمركب مريح فإن هذا السفر لا يكون كالسفر على الضد من ذلك في الفطر والقصر. وكذلك فإن الناس ليسوا على درجة واحدة في الصبر وتحمل الشدائد فقد يقوى إنسان على تحمل ما لا يقوى غيره عليه فعلمنا أن المشقة المعتبرة في التخفيفات ليس بها ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس، ولذلك أقام الشرع في جملة من الرخص السبب مقام العلة، فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان وجود المشقة، وترك كل مكلف على ما يجد إن قصر أو أفطر في السفر، وترك كثيرًا منها موكولا إلى الاجتهاد كالمرض، وكثير من الناس يقوى في مرضه على ما لا يقوى عليه غيره فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة إلى أحد الرجلين دون الآخر. إذن فليست أسباب الرخص بداخلة تحت قانون أصلي ولا ضابط مأخوذ باليد بل هو إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب في نفسه " (٢) . وبهذا نجد أن الشاطبي قد أناط الحكم في الترخص إلى اجتهاد المترخص لأنه أدرى بحاله فدينه وفقهه يمنعانه من الترخص إلا إذا اطمأن قلبه وأيقن أنه أهل للترخص.

стр. 12386

حكم تتبع الرخص: الرخصة هنا يقصد بها المعنى اللغوي الذي هو السهولة، وهو أعم من المعنى الاصطلاحي للرخصة (١) . فالرخصة المعروفة عند الأصوليين والمقابلة للعزيمة فلا خلاف في حكمها لأنها ثابتة بالنصوص الشرعية فلا يسع أحدًا إنكارها إذا تحققت دواعيها، فيكون المقصود في هذه المسألة تتبع رخص المذاهب الاجتهادية بأن يختار الإنسان من أقوال الفقهاء المجتهدين في كل مسألة ما يكون أخف وأيسر عليه ولا يتقيد بمذهب إمام من الأئمة المعروفين. وهذه المسألة تنبني على القول بجواز الأخذ بقول غير إمامه في مسألة من المسائل وذلك إذا كان له إمام والتزم بمذهبه. فقد اختلف العلماء في ذلك فقال قوم بجوازه لأن التزامه لمذهب معين غير ملزم له، وممن اختار جواز الانتقال مطلقا الإمام السيوطي (٢) وابن القيم الجوزية حيث قال: " ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دون غيره " (٣) . وذهب علماء آخرون إلى المنع من ذلك لأن المذهب يكون لازمًا له بعد التزامه له. والمذهب الثالث في هذه المسألة: التفصيل؛ أي إذا اتصل عمل المكلف في مسألة بمذهب إمامه الأول فليس له تقليد الغير فيها وإن لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غير إمامه فيها وهذا التفصيل اختاره كثير من العلماء بما فيهم الآمدي (٤) . وشرط القرافي في تقليد مذهب غير إمامه ألا يكون موقعًا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إلى مذهبه فمن قلد مالكًا مثلاً في كون اللمس الخالي عن الشهوة لا ينقض الوضوء وقلد الشافعي في عدم فرضية دلك أعضاء الوضوء والغسل فإنه إذا توضأ ولمس امرأة بلا شهوة وصلى فإنه صلاته تصح عند مالك إذ كان قد دلك أعضاء الوضوء وإن لم يدلك فصلاته باطلة عند كل من الإمام مالك والشافعي (٥) . وبعض العلماء جوز الانتقال إلى مذهب غير إمامه إذا كان أحوط من مذهب إمامه أو كان دليله قويًّا راجحًا (٦) .

стр. 12387

ويتخرج على القول بجواز الانتقال وأنه لا يجب عليه الاستمرار على مذهب إمامه جواز اتباعه رخص المذاهب، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: المذاهب الأول – الجواز: وقد اختار هذا المذهب بعض الأحناف (١) قال في فتح القدير: " ولا يمنع منه – أي تتبع الرخص – مانع شرعي؛ إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يظهر من الشرع المنع والتحريم، وكان ﵊ يحب ما خف عليهم (٢) " أي على أمته. وقد نسب ابن السبكي الجواز كذلك إلى ابن إسحاق المروزي (٣) ، وهذا يتعارض مع ما نسب إليه من قوله أن متتبع الرخص يفسق بذلك كما سيأتي (٤) . قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام: " وللعامي أن يعمل برخص المذاهب وإنكار ذلك جهل ممن أنكره لأن الأخذ بالرخص محبوب ودين الله يسر وما جعل عليكم في الدين من حرج " (٥) ولكن قد ورد عنه ما يدل على أن هذا الكلام ليس على إطلاقه فقد قال: إنه ينظر في الفعل الذي فعله فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم وإلا لم يأثم (٦) . وبعد التحقيق يظهر أن هذا التفصيل يعتبر تحصيل حاصل إذا لا يتصور من عالم مسلم القول بجواز تتبع الرخص فيما يشتهر تحريمه في الشرع. المذهب الثاني – المنع منه مطلقًا: نقل عن ابن عبد البر قوله:" إنه لا يجوز تتبع الرخص إجماعا " (٧) وقيل: إن دعوى الإجماع لا تصح لأنه قد نقل عن الإمام أحمد روايتان في تفسيق متتبع الرخص، وممن فسقه كذلك أبو إسحاق المروزي (٨) وقال ابن أبي هريرة (٩) : " لا يفسق لأنه متأول " (١٠) . وقد تبين من هذا أنه لا إجماع ولعل رواية التفسيق إنما هو فيما إذا قصد من تتبع الرخص التلهي فقط وخص بعض الحنابلة التفسيق في حق المجتهدين الذي لم يؤد اجتهاده إلي الرخصة. (١١) .

стр. 12388

وكثير من العلماء استدل بإحدى روايتي أحمد بعدم تفسيق متتبع الرخص في منع الإجماع الذي ذكره ابن عبد البر في تحريم تتبع الرخص، ولا يخفى ما فيه، إذ لا يلزم من عدم التفسيق القول بالجواز، فالأولى عندي منع هذا الإجماع بأقوال العلماء المصرحين بالجواز والله أعلم. ومن أدلة هذا المذهب – أعني مذهب المنع – أنه يلزم على تقدير الأخذ بكل مذهب احتمال الوقوع في خلاف المجمع عليه، إذ ربما يكون المجموع الذي عمل به مما لم يقل به أحد فيكون باطلاً إجماعًا، كمن تزوج امرأة بلا صداق اتباعا لقول الإمامين أبي حنيفة والشافعي وبلا شهود اتباعًا لقول الإمام مالك وبلا ولي اتباعًا للإمام أبي حنيفة؛ فهذا النكاح باطل اتفاقًا. وأجيب بأن هذا مندفع لعدم اتحاد المسألة، والإجماع على تحريم القول الثالث إنما يكون في حالة اتحاد المسألة حقيقة أو حكمًا (١) . أقول وهذا مثال للتلفيق الذي سيأتي حكمه قريبا. وقد بالغ الإمام الشاطبي في إنكار تتبع الرخص لما يترتب عليه من المفاسد فقال في الموافقات: " وقد أذكر في هذا المعني جملة مما في اتباع رخص المذاهب من المفاسد سوى ما تقدم ذكره في تضاعيف المسألة كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين؛ إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط، وكترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم، لأن الخارجة عن مذهب مالك في هذه الأمصار مجهولة، وكانخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم وغير ذلك من المفاسد التي يكثر تعدادها " (٢) .

стр. 12389

المذهب الثالث – التفصيل: وهذا المذهب يقوم على جواز تتبع الرخص ولكن ليس بإطلاق وإنما في حالة توفر بعض الشروط: ١- ألا يكون الدافع إلى ذلك مجرد التشهي والتلهي واتباع الهوى. ٢- ألا يؤدي إلى ترك العزائم بحيث يخرج المكلف عن ربقة التكليف الذي هو إلزام ما فيه كلفة. ٣- أن يكون اتبع في المسألة المدونة المجتهدين الذين استقر الإجماع عليهم دون غيرهم. ٤- ألا يكون التتبع موقعًا في أمر يجمع على إبطاله إمامه الأول وإمامه الثاني كما ذكره الإمام القرافي المالكي (١) . مسألة التلفيق بين المذاهب: التلفيق في اللغة: هو ضم شيء إلى آخر تقول: لفقت الثوب ألفقه لفقًا وهو أن تضم شقته إلى أخرى فتخيطهما (٢) . أما في اصطلاح الأصوليين: فهو تركيب مسألة من مذهبين أو أكثر ويكون في جزئيات المسائل، وفي أجزاء الحكم الواحد. فالأول جائز على الراجح، والثاني محظور باتفاق العلماء وفيه يقول ابن عابدين: " وإن الحكم الملفق باطل بالإجماع؛ مثاله: متوضئ سال من بدنه دم ولمس امرأة ثم صلى فإن صلاته ملفقة من المذهب الشافعي والحنفي والتلفيق باطل فصحته منتفية " (٣) . أما تتبع المذاهب في جزئيات المسائل فإن ابن عابدين لا يرى مانعًا منه وفي ذلك يقول: " أما لو صلى يومًا على مذهب وأراد أن يصلي يومًا آخر على غيره فلا يمنع منه فيحصل مما ذكرنا أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه يجوز له أن يعمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غير إمامه مستجمعًا شروطه ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر؛ لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينتقض. بل ذهب ابن عابدين إلى أبعد من ذلك في أمر الانتقال من مذهب إلى مذهب فأجاز بعض العمل إذا لم يؤد إلى نقضه كما إذا صلى ظانا صحتها على مذهبه ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره فله تقليده ويجتزئ بتلك الصلاة " (٤) .

стр. 12390

ولما كان لموضوع التلفيق صلة بمسألة جواز التقليد أو منعه وكذلك بمسألة جواز التزام مذهب معين وعدمه؛ فكثيرًا ما يخلط العلماء بين موضوع التلفيق وبين موضوع تتبع الرخص حتى إن بعضهم ليمثل لهما بنفس الأمثلة ويعطيهما نفس الحكم (١) . ولكن لا يخفى أن التلفيق الذي تقدم تعريفه لا يدخل في الخلاف؛ أعني أن يلفق في قضية واحدة بين قولين أو أكثر فيتولد منهما – أو منها – حقيقة مركبة لا يقول بها أحد، كمن توضأ فمسح بعض رأسه مقلدًا للإمام الشافعي الذي يجتزئ بذلك، ثم بعد وضوئه لمس امرأة أجنبية مقلدًا للإمام أبي حنيفة في عدم نقضه الوضوء بذلك، فإن وضوءه على هذه الهيئة حقيقة مركبة لم يقل بها كلا الإمامين. ولا شك في بطلان هذا النوع من التلفيق لأنه يفضي إلى محظور في الشرع، أما إذا قصدنا من التلفيق تتبع المذاهب في جزئيات المسائل فإن العلماء اختلفوا في ذلك فمن أجاز التقليد وأوجب الالتزام بمذهب معين منع التلفيق، ومن لم يوجبه جوز التلفيق. وبعض العلماء جوز التلفيق بشروط هي: ألا يخالف الإجماع أو القواعد الشرعية أو النص أو القياس الجلي. فكل ما خالف ذلك وأدى إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على حكمتها ومصالحها فهو محظور. والذي نراه في هذا الموضوع جواز تتبع الرخص والتلفيق بين الأحكام الشرعية بالشروط المذكورة، وإذا كان الاجتهاد جماعيا كالذي يجري في مجمعنا الفقهي هذا وما شابهه من المجامع التي يبحث فيها علماء معتمدون لحل قضايا الأمة وخاصة في هذا العصر المعقد الحافل بالمسائل والقضايا المتجددة في المجتمع من جميع مجالات الحياة، وهذا الذي يتمشى مع شريعتنا السمحة التي تهدف دائما إلى تحقيق مصالح العباد، لذلك نرى فيها دائما ملحظًا للعصر والبيئة والعرف. وهذا المذهب هو اختيار كثير من فقهائنا المعاصرين إما بالتصريح وإما من خلال أعمالهم العلمية، يقول الأستاذ فرج السنهوري: " ولم يلتزم واضعو قانون الوقف أحكام المذاهب الأربعة ولا أحكام مذهب معين، وأخذوا من كل مذهب ما تبينوا أن الحاجة ماسة إلى الأخذ به، وإذا كانت أحكام هذا القانون قد كونت مزيجًا فقهيا لا نجده في مذهب من هذه المذاهب فإن ذلك نتيجة حتمية للتخير من هذه المذاهب، لكنك لا تجد حكمًا منها غريبًا عن الفقه الإسلامي، ولا يعدو أي حكم منها أن يكون قولاً قال به إمام من أئمة المسلمين، أو رأيا قال به فقيه يعتد به أو يكون مركبًا من هذه الأقوال والآراء " (٢) . وبهذا الكلام الشامل الجامع تم هذا البحث. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العاملين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الدكتور أبو بكر دوكوري

стр. 12391

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأخذ بالرخص الرئيس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. نبتدئ جلسات العمل للدورة الثامنة مستعينين بالله تعالى ونسأله التوفيق والسداد في القول والعمل والصواب في الرأي، بين يديكم جدول أعمال الدورة الثامنة فلعلكم استعرضتموه فإن كان ثمة ملاحظة وإلا فيكون إقراره. الشيخ علي التسخيري: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أود أن أهنئ السيد الرئيس وهيئة الرئاسة وكل الإخوة بتوفيقهم لعقد هذه الجلسة المباركة، في هذه الأرض المباركة إن شاء الله، أعتقد أن موضوع حقوق الإنسان موضوع حيوي وقد حدثت السيد الرئيس حول العالم اليوم دوامة حقوق الإنسان إذا صح هذا التعبير، وهو ينتظر منا أيضا أن نقول كلمتنا في هذا المجال، والموضوع أيضا استكتب فيه وكتب فيه عدد لا بأس به، أعتقد أننا لو خصصنا وقتًا ولو نصف وقت للاستماع إلى المقارنات التي تمت بين اللائحة الإسلامية واللائحة الدولية وذكرنا هنا على الأقل الميزات التي تمتاز بها اللائحة الإسلامية، وقد كنتم سيدي الرئيس أنتم أشرفتم على بعض مراحل إعدادها، فإن في ذلك أثرًا إثباتيًّا وثبوتيًّا، يعني له أثر حتى على المجال العملي وله أثر في المجال العالمي وشكرًا. الرئيس: فى الواقع أن الشيخ علي أثار معي الموضوع هذا بالأمس وأوضحت له أن موضوع حقوق الإنسان أجل إلى الدورة القادمة إن شاء الله تعالى لعدة أسباب منها أن هذا الموضوع لا بد من عقد ندوة فقهية له، لأن هذا الموضوع سيال فلا بد من تحديد معالمه ومنهجيته، الأمر الثاني أنه حصل مجددًا الدراسات – التي تمت في بنك التنمية الإسلامي – وهي الدراسات الاقتصادية التي كانت مؤجلة من الدراسات السابقة، والأمر الثالث أن هناك مشروعًا الذي سبق أن اشتركنا فيه سويًا في منظمة المؤتمر الإسلامي منذ ست سنين أو خمس لم يأت ملموسًا إلى هذه الأعمال ولم يكن عرضه على الباحثين حتى يضمنوه بحوثهم، فلهذا واستكمالا للموضوع رؤي تأجيله أو رأت الأمانة تأجيله إلى الدورة القادمة، وعلى كُلٍّ كُلُّ آت قريب إن شاء الله تعالى.

стр. 12392

الشيخ عبد الله البسام: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. إن لم تكن هذه الملاحظة سابقة لأوانها فأنا أحب أن أعرضها، نحن الآن لدينا بحوث كثيرة في مسألة واحدة، فمثلاً الرخصة فيها أكثر من ١٥ بحثًا، هذا إتخام مع أنه يوجد قضايا ويوجد وسائل معاصرة تحتاج إلى البحث، فلو وزع كثرت المسائل فلو وزعت البحوث على الأعضاء والمراقبين وغيرهم مسبقًا بوقت كاف، كان أقوى وأجدى فالآن ماذا نقرأ من الرخصة، وماذا نبحث وماذا نناقش وأيها يبنى عليه ... أنا أرى إن شاء الله تكون هذه الملاحظة للمستقبل. وشكرًا. الرئيس: على كل لن يغير في جدول الأعمال، إذن تمت الموافقة على جدول الأعمال، تفضل يا شيخ يوسف المنياوي. الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. التوقيت وقع ضبطه من اليوم الأول قبل الجلسات، ولكن وقع السهو عن تعديله في الأوراق التي وزعت على حضراتكم، فالاجتماع يكون، أعني ابتداء الاجتماع هنا يكون الساعة الثامنة والنصف صباحًا وينتهى الساعة الثانية عشر والنصف، وبعد الظهر من الرابعة والنصف إلى الساعة السابعة والنصف، هذا هو الوقت الذي وقع الاتفاق عليه وشكرًا. الشيخ عمر جاه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أود أن أتقدم بالشكر إلى دولة سلطنة بروناي ووزارة الشؤون الدينية على استضافتها لهذه الدورة، وأشكر أيضا أمانة المجمع على الترتيبات الجيدة التي نحظى بها دائمًا في مثل هذه اللقاءات، وليس لدي تعليق على جدول الأعمال ولكن لي ملاحظات على قائمة الأعضاء المنتدبين لهذا المجمع؛ من المعروف أنني أجلس أمام دولة جامبيا، ولكن لاحظت أن اسم جامبيا ليس مدرجا في قائمة الأعضاء ولا اسمي مدرجًا في قائمة الأعضاء المنتدبين، وأريد أن ألفت النظر لهذا إن كان الاسم غائبا في النص الإنكليزي، لكنني أيضا وجدته مدرجًا تحت اسم المملكة العربية السعودية، ومن المعروف أن للمملكة مندوبًا، وإن كنت أقيم في المملكة لست مندوبًا عنها في هذه الجلسة وألفت النظر لهذا للأهمية، وشكرًا. الرئيس: إذن ندخل في الموضوع، تفضل يا شيخ ... الشيخ وهبة الزحيلي: نظرًا لأنه في كل مرة يكون هناك صيغ ما بين المقررات التي تتم في الدورة والمقررات السابقة، وأعتقد أنه لا بد أن تضم إذا سمحتم مقررًا مساعدًا يربط الماضي بالحاضر؛ وأقترح أن يكون الدكتور عبد الستار أبو غدة مقررًا مساعدًا للمقرر العام لتحقيق الانسجام بين قراراتنا الحالية والقرارات السابقة إذا شئتم.

стр. 12393

الشيخ الحبيب ابن الخوجة: يا سيدي النظام الذي نسير عليه كل سنة هو أن نختار مقررًا عاما. وقد وقع الاختيار على المقرر العام وهو سماحة الشيخ عبد الحميد بن باكل، وبالنسبة لكل موضوع مقرر، ومن أراد أن ينضم إلى لجنة الصياغة أو لجنة المقررين فلينضم، بالنسبة للجان المقررين الذين يرجعون إلى كل موضوع أخذنا واحدًا ممن كتبوا في تلك الموضوعات، وهذه المسائل تنظيمية. وشكرًا. الرئيس: كان المفترض أن يكون العارض الشيخ خليل الميس، لكن ما رأيت الشيخ خليل، والمقرر كذلك الشيخ محمد شقرة لم يصل فلعل الشيخ القبيسي. الشيخ عبد العزيز الخياط: أرى أن يكون الشيخ وهبة الزحيلي عارضا والشيخ القبيسي مقررا. وهو يعني تسجيل رؤوس المداولات والاتجاهات التي حصلت فيها. الشيخ وهبة الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. فإنه من حسن الطالع أن يكون بداية هذه الدورة هو بحث الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، وهو من الموضوعات المهمة التي نحتاج إليها، لا سيما ونحن نعاني جميعًا من أسفار طويلة، كلنا وقعنا في هذا الموضوع، ووجدنا أنفسنا بحاجة ماسة للأخذ بالرخص الشرعية، وتقليد المذاهب المختلفة فيما يعود على الواحد منا باليسر والسماحة والسهولة، ولذلك فإن هذا الموضوع ذو شقين، الشق الأول يتناول بحث الرخصة، والشق الثاني يتناول بحث التلفيق بين المذاهب، أما ما يتعلق بالرخصة فقد دمجت فيه ما تكلم فيه الفقهاء والأصوليون في مكان واحد وكان لكل منهم بحث مستقل في قضية العزيمة والرخصة عما هو موجود في نقاط العلم الآخر، ولذلك وجدت من الضرورة بمكان أن أدمج بين هذين الجانبين من حقلي هذا العلم في هذا الموضوع، وأوضحت أن الرخصة تقابل العزيمة وأن الرخصة هي التي تكون في مجال الأحكام الاستثنائية في مقابل العزيمة التي هي الأحكام الشرعية العامة التي تقرر لجميع المكلفين في جميع الأحوال كأداء فرائض الصلاة والزكاة والشعائر الإسلامية، أما الرخص في استثناءات يكون المسلم بأشد الحاجة إليها في حالات طارئة سواء ما يتعلق في قضايا العقيدة كالتلفظ بالكفر عند الإكراه أو ما يتعلق بممارسة العبادة كقضايا القصر والجمع والأعذار المرضية وقضايا السفر والأكل من المحرمات في حال الضرورة، وبينت مناهج العلماء في تقسيمات الرخصة والعزيمة. وهذه المناهج في الحقيقة متقاربة فمنهم من يجعل الرخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر ونحوها كشرب الخمر أيضا للمضطر عند الغصص وعند العطش الشديد، ومنهم من يجعلها مندوبة كقصر الصلاة للمسافر إذا قطع مسافة معينة، ومنه من يجعل الرخصة مباحة؛ فالعقود المقررة في الشريعة، العقود الاستثنائية من القواعد العامة كعقود السلم وبيع العرايا؛ يعني بيع الرطب على رؤوس النخيل بما يقابله من التمر خرصًا وعقود الإيجارات والمساقاة والمزارعة والمغارسة وغير ذلك؛ وهذا النوع الذي هو من الرخص المباحة، نجد الحنفية توسعوا في هذا الأمر فقسموا أيضا الرخصة المباحة إلى تقسيمات؛ منها تقسيم الفعل المحرم عند الضرورة أو الحاجة، ومنها تقسيم إباحة ترك الواجب إذا كان في فعله مشقة كإباحة الفطر في رمضان، ومنها إباحة العقود والتصرفات يعني مما يتفق مع غيرهم كذلك، فإذن الحنفية يرون الرخصة لا تعني أن تكون إما مباحة أو واجبة، الشاطبي من المالكية جعل أربعة إطلاقات للرخصة هي في الحقيقة تدخل في الغالب تحت إباحة الأحكام في حال الاستثناءات الضرورية، وأما ما يذكره الحنفية من رخصة الترفيه ورخصة الإسقاط فهي لا تعدو أن تكون فلسفة وقوع الإذن طرافية، إذ لا يترتب في الغالب على هذا التقسيم من استثناءات أو أحكام.

стр. 12394

وبينت قضية ضوابط الأخذ بالرخصة، وهذا هو العمود الفقري في هذا الموضوع؛ لأنه لا ينبغي أن نأخذ بالرخص على إطلاقها وإنما نبيحها إذا وجد هناك عذر، والعذر يشمل المشقة والحاجة، وهناك أمثلة للعذر مثل حال الضرورة وحال الحاجة والإكراه والسفر والمرض والخوف الشديد وبينت أن المشاق تتفاوت بحسب ما يتعرض له الإنسان من أحوال مما يقتضي أن يكون هناك إلحاح في تخفيف الحكم الشرعى بالنسبة لشدة المشقة أو خفتها فبينت ما ذكره ابن نجيم في قضية تصادم المشقة مع النص، وأوضحت أنه مع النص لا يجوز التخفيف بالمشقة إلا في حال الضرورة التي نص عليها القرآن الكريم أو ما هو في معنى الضرورة. ثم بينت موضوع الشائع العمل به بين الناس في قضية تتبع الرخص، وأما تتبع رخص المذاهب الفقهية فهو محل خلاف شديد بين العلماء، ومعنى تتبع الرخص أن يأخذ الشخص في كل مذهب ما هو أهون عليه وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل، ومتأخرو العلماء شرطوا أن لا يؤدي التقليد إلى تتبع الرخص، وآراؤهم في هذا تتفاوت بين مراحل أو مراتب ثلاثة فمنهم المشدد ومنهم الضيق ومنهم المتوسط. فالمشددون في تتبع الرخص قالوا: لا يجوز تتبع الرخص، وهم كثيرون؛ لأنه اتباع للهوى وعمل بالشهوة وأن اتباع الهوى لا يجوز ولذلك منعوا تتبع الرخص وحكى بعضهم كابن عبد البر وابن حزم الإجماع في ذلك، ولكن سنبين أن هذا الإجماع أو حكاية هذا الإجماع محل نظر لأن كثيرًا من العلماء نازعوا فيه مما يدل على عدم ثبوت الإجماع في منع تتبع الرخص. والمخففون – وهم أكثر الشافعية وأكثر الحنفية – أجازوا تتبع الرخص لأنه لم يوجد في الشرع ما يمنع منه، وأوضحوا أن الإسلام يقوم على مبدأ السماحة واليسر، وأنه سواء في نصوص القرآن والسنة ما يدل صراحة على أن هذه الشرعية دائمًا تتجاوب مع مبدأ اليسر في الأحكام والتنفير من التشديد على الناس. وبعضهم توسط في الموضوع – وهو القرافي – فقال: يجوز تتبع الرخص بشرط ألا يترتب عليه العمل بما هو باطل عند جميع من قلد. وهذا القول في الحقيقة الذي ذكره القرافي لا نجد دليلاً عليه من نص أو إجماع وإنما هو اصطلاح ذكره بعض المتأخرين، وكذلك قول ابن عبد البر: لا يجوز تتبع الرخص إجماعًا؛ أيضا لا نسلم صحة النقل عنه وإن نقل. فإن هذا متأول لأن فيه تفسيق متتبع الرخص ... وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولا مقلد. ورأيت في النهاية أن الراجح جواز تتبع الرخص للضرورة أو الحاجة دون أن يكون هناك قصد التعمد وقصد العبث أو التلهي وبشرط ألا يؤدي تتبع الرخص إلى التلفيق الممنوع؛ لأن هناك حظرًا في بعض أحوال التلفيق.

стр. 12395

ثم انتقلت إلى بحث التلفيق الذي يقع فيه العوام حكمًا، فما من عامي إلا وهو ملفق، لأنه يسأل العلماء دون أن يعرف مذهب مفتيه فيقع في الواقع في التلفيق، لأنه مضطر إلى أن يعرف الحكم الشرعي حينما يجاب عن قضية من القضايا، ثم يسأل عبر هذا المفتي وهو من أنصار أتباع مذهب آخر نجده يأخذ بالرأي الآخر فيقع في التلفيق حكمًا، والتلفيق هو الإتيان بكيفية لا يقول بها المجتهد إذا عرضت عليه؛ كأن يقلد أحد مذهب الإمام الشافعي في الاكتفاء بمسح بعض الرأس، ثم يقلد مذهبًا آخر كالحنفية والمالكية في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة ثم مع أن أبا حنيفة يطالب بضرورة مسح ربع الرأس، والإمام مالك والإمام أحمد يطالبان بضرورة مسح جميع الرأس، وكذلك قضية دلك الأعضاء؛ في النتيجة يكون قد وصل هذا الشخص إلى حالة إذا عرضت على كل إمام من الأئمة لا يقرها، وهذا أعتقد من التلفيق الذي لا أجد فيه منعًا. لكن هناك تلفيق ممنوع مثل التلفيق في الأحوال الشخصية بأن يتزوج رجل امرأة بلا ولي ولا مهر ولا شهود مقلدًا كل مذهب فيما لا يقول به الآخر فهذا يؤدي في النتيجة إلى استباحة الأبضاع والخروج من قيود الشريعة؛ فلذلك أجد هذا من التلفيق الممنوع، وقد نص العلماء على ذلك. كذلك قضية التحليل أن يطلق المرأة البائن بينونة كبرى تطلق فيما تزوج بابن عمره تسع سنوات مقلدًا في هذا الزواج مذهب الشافعية من أجل تحليل المرأة مع أن هذا التقليد غير صحيح لأن الشافعية لا يجيزون تزويج الابن القاصر إلا من قبل ولي عدل وأن يكون في هذا الزواج مصلحة فلذلك هذا التلفيق أيضا ممنوع، للتلفيق مجال في الأحكام الفرعية العملية الاجتهادية الظنية، أما ما يتعلق في العقائد وأصول الدين، وما علم من الدين بالضرورة والأمور المجمع عليها والتي يكفر جاحدها فلا مجال للتلفيق فيها. العلماء انقسموا في قضية التلفيق إلى قسمين، منهم من يرى، وهم أكثر المتأخرين، يرون منع التلفيق، ورأي آخر لجماعة كثر يرون جواز التلفيق، والمانعون يستدلون على ما قرره علماء الأصول في قضية الإجماع من منع إحداث قول ثالث إذا اختلف السابقون في مسألة على رأيين؛ فقال أكثر العلماء: إن وجود قول ثالث في هذا الموضوع مثل عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فيها رأيان: وضع الحمل وأبعد الأجلين، فلا يجوز إحداث قول ثالث بأن عدتها بالأشهر فقط؛ استندوا على هذا المنع. فقرروا عدم جواز التلفيق، وبينت أن هذا غير سديد لأن تقليد كل إمام في قضية ليس من قبيل إحداث قول ثالث وإنما التقليد في جزئية تختلف عن الجزئية التي قلد فيها ذلك الإمام، ونقضت أدلة هؤلاء المانعين ونقلت عن كثير من العلماء سواء الحنفية والمالكية والشافعية ما يدل على جواز التلفيق. وهذا كما أوضحت في أن تتبع الرخص يتفق مع المبدأ الذي قام عليه الإسلام وهو أنه شريعة اليسر والسماحة وليس في ذلك حظر يقوم على التشديد والإعنات وإيقاع الناس في الحرج، لكن ليس كل تلفيق جائزًا، وإنما التلفيق منه ما هو جائز ومنه ما هو ممنوع، وقد حصرت التلفيق الممنوع في ثلاثة أنواع؛ النوع الأول: تتبع الرخص عمدًا وهو ما قلت سابقًا في قضية جواز تتبع الرخص: يجوز بشرط ألا يؤدي إلى التلفيق الممنوع. ثم النوع الثاني: التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم، ثم النوع الثالث: التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر آخر قلده، وأتيت بالأمثلة على هذا.
следующие страницы →