بيع العربُون
إعداد
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه
بجامعة دمشق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ذوي العلا. وبعد:
فإن الحياة الاقتصادية المعاصرة تتطلب عنصرين مهمين: السرعة في التعامل، والتوثيق؛ وقد اصطلح الناس من أجل هذا الدخول في معاملات وعقود تحقق هذين المطلبين، ليطمئن الناس على مصالحهم وشؤون حياتهم، ومن أهم عناوين العقود الجارية في الأسواق: بيع العربون.
ويتكرر السؤال والاستفتاء حول هذا البيع، أهو صحيح أم باطل؟ وهل بقاء العربون في يد البائع حين فسخ العقد جائز شرعًا، ويحل أخذه؟ وهل العقد لازم؟ وغير ذلك من التساؤلات.
لذا وجدت من الخير بحث هذا الموضوع في إطار الفقه المقارن، لمعرفة أحكام هذا البيع على نحو يطمئن إليه المسلم في بيعه وإجارته وغيرهما.
خطة البحث:
١- تعريف بيع العربون، مشروعيته، حاجة الناس إليه في تعاملهم.
٢- أحكامه:
- هل يجوز العربون في بيع النقد بجنسه وفي الصرف؟
- هل يجوز أن يكون العربون مبلغًا مستقلا عن سعر السلعة؟
- هل يجوز العربون في الخدمات، كما في السلع؟
٣- مسائل:
- هل يجوز العربون عند شراء الأوراق المالية، كالأسهم؟
- هل يجوز العربون في بيع المرابحة؟
- هل يلزم في بيع العربون أن تكون السلعة حاضرة للمعاينة، أم يجوز عند المواعدة على الشراء؟
стр. 12462
(١) تعريف بيع العربون
مشروعيته، حاجة الناس إليه في تعاملهم
تعريف بيع العربون:
في العربون لغة ست لغات: عَرَبون وأربون كحَلَزون، وعُرْبون وأربون كعُصفور، وعُرْبان وأربان كقُرْبان، أفصحها فتح العين والراء، ثم ضم العين وإسكان الراء، ثم الضم والألف. وأما الفتح مع الإسكان فلحن لم تتكلم به العرب.
وهو أعجمي معرب، وأصله في اللغة: التسليف والتقديم، وهو ما عقد به البيع.
وهو أن يشتري الرجل شيئًا، فيدفع إلى البائع من ثمن المبيع درهمًا أو غيره مثلاً، على أنه إن نُفَّذ البيع بينهما، احتسب المدفوع من الثمن، وإن لم يُنَفَّذ، يجعل هبة من المشتري للبائع. فهو بيع يثبت فيه الخيار للمشتري: إن أمضى البيع كان العربون جزءًا من الثمن، وإن رد البيع فقد العربون، ومدة الخيار غير محددة بزمن، وأما البائع فإن البيع لازم له (١) .
وقال بعض الحنابلة: لا بد من أن تقيد فترة الانتظار بزمن محدد، وإلا فإلى متى ينتظر البائع؟ (٢) .
وبعبارة أخرى: أن يشتري السلعة، ويدفع إلى البائع درهمًا أو أكثر، على أنه إن أخذ السلعة، احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فهو للبائع (٣) .
حاجة الناس إليه في تعاملهم:
ساد التعامل ببيع العربون قديمًا وحديثًا، وأصبحت طريقة البيع العربون في عصرنا الحاضر أساسًا للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار (٤) .
جريان العربون في البيع والإجارة:
يجري العربون في عقود البيع وفي الإجارة كما صوره الإمام مالك بقوله: وذلك فيما نرى – والله أعلم – أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة، أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك دينارًا أو درهمًا أو أكثر من ذلك أو أقل، على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك، فالذي أعطيك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة، فما أعطيتك لك ... ثم قال مالك: باطل بغير شيء (٥) .
وصحح الحنابلة الإجارة بالعربون كالبيع بالعربون: وهو دفع بعض ثمن أو أجرة بعد عقد، لا قبله، ويقول: إن أخذته أو جئت بالباقي، وإلا فهو لك، فإن وفى فما دفع فمن ثمن، وإلا فلبائع ومؤجر (٦) .
стр. 12463
مشروعيته:
اتجه العلماء في حكم بيع العربون والإجارة بالعربون اتجاهين: اتجاه الجمهور، واتجاه الحنابلة.
١- أما الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأبو الخطاب الحنبلي فقالوا: أنه عقد ممنوع غير صحيح، فاسد عند الحنفية، باطل عند غيرهم. وهو قول ابن عباس والحسن البصري (١) .
واستدلوا على عدم جوازه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((نهى النبي ﷺ عن بيع العربون)) (٢) .
- وعلة النهي اشتماله على شرطين فاسدين؛ أحدهما: كون ما دفعه إليه يكون مجانًا، إن اختار ترك السلعة، والثاني: شرط الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا بالبيع.
- وفيه غرر، وأكل لأموال الناس بالباطل.
- ولأنه شرط للبائع شيئًا بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي.
- ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن يكون له رد المبيع من غير ذكر مدة، فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة، ومعها درهمًا. وهذا هو مقتضى القياس.
٢- وأما الحنابلة في ظاهر الرواية عن الإمام أحمد فقالوا: لا بأس به، وهو عقد صحيح (٣) .ودليلهم: ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث زيد بن أسلم أنه: ((سئل رسول الله ﷺ عن العربان في البيع، فأحله)) (٤) .
- وفعله عمر ﵁، بدليل ما روي عن نافع بن الحارث: "أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر، كان البيع نافذًا، وإن لم يرض فلصفوان أربعمئة درهم" (٥) . ومن ها هنا قال الإمام أحمد: لا بأس ببيع العربون؛ لأن عمر فعله.
- وضعّف الإمام أحمد الحديث المروي في بيع العربان، وذلك صحيح كما تقدم في تخريجه.
стр. 12464
- وروي عن ابن سيرين أنه قال عن بيع العربون: لا بأس به، وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها، ويرد معها شيئًا. وقال أحمد: هذا في معناه، أي في معنى بيع العربون، والله أعلم.
- وأخرج البخاري في باب ما يجوز من الاشتراط عن ابن سيرين قال: قال رجل لكريّه: ارْحَلْ ركابَك، فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا، فلك مئة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: "من شرط على نفسه طائعًا غير مكره، فهو عليه ". فهذا دليل واضح على أن من اشترط شيئًا على نفسه، وجب عليه الوفاء به.
- وأجاز بيع العربون والشرط فيه مجاهد، ومحمد بن سيرين كما تقدم، وزيد ابن أسلم، ونافع بن عبد الحارث، وقال أبو عمر: وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله ﷺ .
- وذكر الإمام أحمد أن محمد بن مسلمة الأنصاري اشترى من نَبَطي حزمة حطب، واشترط عليه حملها إلى قصر سعد، واشترى عبد الله بن مسعود جارية من امرأته، وشَرَطَتْ عليه: أنه إن باعها، فهي لها بالثمن. وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع والشرط، ذكره الإمام أحمد وأفتى به (١) .
ترجيح:
رجح الشوكاني ﵀ رأي الجمهور، للنهي الوارد في حديث عمرو بن شعيب، فإنه وإن كان ضعيفًا إلا أنه قد ورد من طرق يقوي بعضها بعضًا. ولأنه حديث يتضمن الحظر، وهو أرجح من الإباحة كما تقرر في علم الأصول (٢) .
والذي أراه هو ترجيح رأي الحنابلة بيعًا وإجارة بعد العقد، عملاً بالوقائع الكثيرة التي دلت على جوازه في عصر الصحابة والتابعين، فهو قول صحابي وافقه عليه آخرون، واتجاه كبار التابعين من فقهاء المدينة.
- ولأن الأحاديث الواردة في شأن بيع العربون لم تصح عند الفريقين.
- ولأن عرف الناس في تعاملهم على جوازه والالتزام به.
ولحاجة الناس إليه ليكون العقد ملزمًا ووثيقة ارتباط عملية بالإضافة إلى الأوامر الشرعية بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وبخاصة حيث كثر التحلل من الالتزامات من غير سبب ولا تراضٍ بين الطرفين لفسخ العقد بالإقالة، ودفعًا للضرر عن البائع الذي قد تفوته فرصة أخرى ببيع سلعته.
стр. 12465
- ولأن المشتري اشترط على نفسه بدفع العربون وإقراره، وتعارف الناس على استحقاق البائع ما دفعه له إن نكل عن البيع، وقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت" وقال البخاري في باب الشروط في القرض: وقال ابن عمر وعطاء: إذا أحله في القرض جاز (١) .
- وقال النبي ﷺ : ((المسلمون على شروطهم)) (٢) وفي رواية أخرى ((المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك)) (٣) .
- ولأن واقعة شراء دار صفوان سمع بها الصحابة واطلعوا عليها ولم ينكروها، وهي واضحة في استحقاق البائع مبلغ العربون. ومثله الإجارة، سواء دفع العربون سلفًا أو لم يدفع؛ لأن المشتري أو المستأجر الناكل إنما التزم بدفع العوض، ويصبح دينًا في ذمته، فيستحقه البائع أو المؤجر استحقاقًا شرعيًّا سليمًا.
- ولأن الناكل يعلم سلفًا بأنه يخسر المبلغ الذي يقدمه مع السلعة المردودة عند نكوله، كما ذكر سعيد بن المسيب وابن سيرين وغيرهما، وذلك المبلغ هو العربون، الذي يخسره المشتري أو المستأجر الناكل مقابل نكوله.
- وليس العربون أكلاً لأموال الناس بالباطل، وإنما هو في مقابل ضرر التعطل والانتظار، وتفويت الفرصة في صفقة أخرى، بل هو مشروط سلفًا كما تقدم.
- وليس في بيع العربون غرر؛ لأن المبيع معلوم والثمن معلوم، والقدرة على التسليم متوفرة، أما الغرر الناشئ عن احتمال نكول المشتري عن الشراء فلا يضر؛ لأن البائع يحسب حساب هذا الاحتمال، ولأن هذا الأمر موجود في الخيارات كخيار الشرط وخيار الرؤية ونحوهما. ثم إن الحنابلة الذين أجازوا العربون اشترطوا تقييد الانتظار بزمن، وإلا فإلى متى ينتظر؟!
- قال ابن القيم: والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من الفقهاء، والالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من نقص النذر في حق الله، والالتزام به أوفى من الالتزام بالنذر (٤) .
- والخلاصة: إن العربون إما متبرع به البائع أو المؤجر، أو مؤديً بشرط التزمه المشتري أو المستأجر الناكل، أو جزء من الثمن أو الأجرة إن تم العقد.
стр. 12466
(٢) أحكام العربون
هناك أحكام في عقد العربون ينبغي بيانها وهي ما يلي:
- هل يجوز العربون في بيع النقد بجنسه وفي الصرف؟
عقد الصرف: هو بيع النقد بالنقد جنسًا بجنس أو بغير جنس، أي بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة أو بالعكس، مصوغًا ونقدًا (١) . وهو بيع جائز؛ لأن النبي ﷺ أجاز بيع الأموال الربوية ببعضها عند اتحاد الجنس مع المماثلة أو المساواة، أو عند اختلاف الجنس، ولو مع التفاضل بشرط التقابض بأن كان يدًا بيد.
فالتقابض شرط في إباحة عقد الصرف، منعًا من الوقوع في ربا الفضل، أو ربا النسيئة، ولا يجوز اشتمال الصرف على الأجل، وإلا فسد الصرف؛ لأن قبض البدلين مستحق قبل الافتراق، والأجل يؤخر القبض، فيفسد العقد (٢) .
ويترتب على اشتراط عدم التأجيل في بيع النقد بجنسه أو الصرف: أنه لا يجوز العربون فيهما؛ لأنه يؤدي إلى التأجيل، والتأجيل يفوَّت شرط تقابض البدلين في مجلس العقد، مما يؤدي إلى الوقوع في ربا النسيئة: وهو تأجيل قبض أحد البدلين عن مجلس العقد، والربا حرام.
- هل يجوز أن يكون العربون مبلغًا مستقلا عن سعر السلعة؟
ذكرت فيما تقدم أن الحنابلة قالوا: يصح بيع العربون وإجارته: وهو دفع بعض ثمن أو أجرة، بعد عقد لا قبله، ويقول: إن أخذته أو جئت بالباقي، وإلا فهو لك، فإن وفى فما دفع فمن ثمن وإلا فلبائع ومؤجر (٣) .
وهذا التصور لعقد العربون بيعًا أو إجارة يدل على أن العربون إنما هو جزء من الثمن أو الأجرة إن تم العقد، فلا يجوز أن يكون مبلغًا مستقلا عن سعر السلعة.
- هل يجوز العربون في الخدمات كما في السلع؟
يجوز العربون في الإجارة كما يجوز في البيع كما أبان الحنابلة فيما تقدم، والإجارة واردة على المنافع أو الأعمال، وهي بيع المنفعة، فتشبه الإجارة البيع من هذا القبيل، والمنفعة أو العمل خدمة يقدمها المؤجر في إجارة المنافع كالسكنى في الدار، أو المستأجر في إجارة الأعمال كعمال البناء والحمالين، فلا يكون هناك مانع من العربون في أداء الخدمات، كالاتفاق مع طبيب أو مهندس مثلاً على القيام بكشف على مريض أو إجراء عملية جراحية، أو تقديم تصميم لبناء أو رسم خريطة، فذلك استئجار على عمل أو مقاولة، فيجوز دفع العربون من المستفيد لمن يتعهد بتقديم خدمة من الخدمات.
стр. 12467
(٣) مسائل
هناك مسائل متعلقة ببيع العربون وهي ما يلي:
- هل يجوز العربون عند شراء الأوراق المالية كالأسهم؟
إن شراء الأوراق المالية كالأسهم نوع من أنواع البيوع، وبما أنه يجوز بيع العربون – على ما رجحت من مذهب الحنابلة – فيجوز العربون في هذا النوع من التعامل، توثيقًا للعقد، وبعدًا من إلحاق الضرر بمالك الأسهم التي يتم مبادلتها عادة بسرعة في الأسواق المالية وغيرها.
- هل يجوز العربون في بيع المرابحة؟
يشترط في بيع المرابحة شروط صحة البيع العامة وشروط خاصة بها وهي علم المشتري بالثمن الأول في مجلس العقد، والعلم بمقدار الربح أو الخسارة في مجلس العقد، وأن يكون رأس المال والربح والخسارة من النقود الرائجة في التعامل أو من المثليات وهي المكيلات والموزونات والزرعيات والعدديات المتقاربة، وألا ينتج عن البيع مرابحة ربا، كبيع قفيز حنطة بقفيز حنطة ونصف قفيز، وأن يكون العقد الأول الذي تملك به البائع السلعة صحيحًا غير فاسد.
فإذا توافرت هذه الشروط العامة والخاصة، جاز بيع المرابحة بالعربون، لأنه كسائر البيوع، إلا أنه إذا اشتمل العقد على الربا، كبيع صاعين من الحنطة بثلاثة آصع من الشعير، وجب التقابض في مجلس العقد، فإذا كان إلى أجل فسد للربا، والعربون يؤدي للتأجيل، فيفسد العقد في هذه الحالة دون غيرها.
- هل يلزم في بيع العربون أن تكون السلعة حاضرة للمعاينة، أم يجوز عند المواعدة على الشراء؟
يجوز بيع العين أو السلعة الحاضرة، والغائبة أو غير المرئية عند جمهور الفقهاء غير الشافعية، ويثبت خيار الرؤية في بيع الغائب الموصوف، وفي هذه الحالة سواء دفع العربون أو لم يدفع، يصح العقد، ولكن يبقى الخيار للمشتري، ويظل العقد غير لازم يجوز فسخه، واسترداد العربون.
ولا يجوز العربون على المواعدة على الشراء؛ لأن الحنابلة الذين صححوا عقد العربون بيعًا أو إجارة قالوا كما تقدم: "هو دفع بعض ثمن أو أجرة بعد عقد لا قبله ..." وبما أن المواعدة على الشراء ليست عقدًا، فلا يجوز فيها التعامل بالعربون.
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
стр. 12468
خاتمة البحث
تبين لدينا من البحث حول بيع العربون ما يأتي:
١- يتصور العربون في كل من البيع والإجارة وشراء الأوراق المالية كالأسهم وبيع المرابحة وفي الخدمات العامة كالاتفاق مع طبيب أو مهندس أو مقاول على عمل معين.
٢- عقد العربون جائز في العقود السابقة على الراجح وهو مذهب الحنابلة خلافًا للجمهور ولا يجوز عقد العربون في بيع النقد بجنسه وفي الصرف وفي المواعدة على الشراء، ولا يصح إلا بعد عقد لا قبله، ولا يجوز أن يكون العربون مبلغًا مستقلا عن سعر السلعة، وإنما هو جزء من الثمن أو الأجرة.
٣- يكون النكول في عقد العربون للمشتري أو المستأجر الذي يدفع العربون، بشرط تحديد مدة للانتظار، أما العقد بالنسبة للبائع فهو لازم، وكذا بالنسبة للمشتري، فإن نكل خسر العربون.
٤- لا يتنافى اشتراط العربون مع مقتضى العقد، ويحل شرعًا للبائع أخذه طيبًا حلالاً إذا نكل العاقد الآخر عن إتمام العقد؛ لأنه إما تبرع في النهاية أو شرط اشترطه الناكل عن الصفقة على نفسه إذا اختار فسخ العقد، ولا يعد أكلاً لأموال الناس بالباطل، وإنما هو في مقابل الضرر الذي لحق بالبائع أو المؤجر بتفويت فرصة إبرام صفقة أخرى.
والحمد لله رب العالمين
стр. 12469
ملخص البحث
تعارف الناس بيع العربون وتعاملوا به كثيرًا في الحياة التجارية قديمًا وحديثًا، وأصبح قاعدة مستقرة مألوفة لا تثير نزاعًا ولا إشكالاً، والناس بحاجة ماسة إليه لتوثيق العقود والتأكد من إبرام الصفقة والالتزام بها والوفاء بشروطها.
والعربون جزء من الثمن أو الأجرة، وهو جائز في البيع والإيجار، فإن تم العقد احتسب من البدل، وإن نكل المشتري أو المستأجر عن العقد، استحقه البائع. ويجوز أيضا في شراء الأوراق المالية كالأسهم، وفي بيع المرابحة وفي تقديم الخدمات من طبابة أو هندسة أو مقاولة.
واختلف العلماء في شأنه فريقين؛ الجمهور يمنعونه والحنابلة يجيزونه، ولكل فريق أدلة نقلية وعقلية، تبين منها ضعف الأحاديث التي استند إليها الفريقان، وقد رجحت مذهب الحنابلة لقوة أدلته بالعرف العملي وفعل الصحابة والتابعين، وكون العربون اشترطه المشتري أو المستأجر على نفسه، فوجب عليه الوفاء، وحل للبائع أخذه حلالاً طيبًا شرعًا، لأدلة مشروعيته الكثيرة من الأثر والعرف والحاجة إليه، ومنها: ((المسلمون على شروطهم)) و" مقاطع الحقوق عند الشروط، ولك ما شرطت".
وليس العربون أكلاً لأموال بالباطل، وإنما هو في مقابل ضرر التعطل والانتظار، ويشترط له أن يكون الانتظار في وقت معين، منعًا من إلحاق الضرر بالبائع وتحقيقًا للمصلحة. ولكن العقد بالنسبة للبائع لازم. وهو لازم أيضا للمشتري عملاً بمبدأ استقرار المعاملات ووفاء بالعقود، فإن اختار المشتري أو المستأجر النكول عن العقد، خسر العربون.
وليس في بيع العربون غرر؛ لأن المبيع معلوم والثمن معلوم، والقدرة على التسليم متوفرة.
ولا يجوز عقد العربون في عقود الصرف (بيع النقد بالنقد) ولا في المواعدة على الشراء؛ لأنه لا يصح إلا بعد عقد لا قبله، ولا يجوز أن يكون العربون مبلغًا مستقلا عن سعر السلعة، وإنما هو جزء من الثمن أو الأجرة.
التوصية المقترحة في بيع العربون
عقد العربون جائز للحاجة في البيع والإيجار بشرط تحديد زمن معين للانتظار، وكذا في بيع وشراء الأوراق المالية كالأسهم، وفي بيع المرابحة إلا في حال الوقوع في الربا، وفي حال تقديم العربون في مقابل الخدمات كما في السلع. لا يصح في الصرف ولا في المواعدة على الشراء. ويعد العربون جزءًا من الثمن أو الأجرة بعد عقد لا قبله، في حالات إباحته، وعند إتمام العقد، فإن لم يتم العقد، كان حقًّا للبائع، بسبب إضراره وانتظاره وتعطله، وقبول الناكل عن العقد خسارته حال نكوله.
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
стр. 12470
أهم المصادر
- فتح القدير لابن الهمام، مطبعة مصطفى محمد بالقاهرة.
- بداية المجتهد لابن رشد، مطبعة الاستقامة بمصر.
- المنتقى على الموطأ للباجي، مطبعة السعادة بمصر.
- الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي، مطبعة البابي الحلبي.
- القوانين الفقهية لابن جزي، مطبعة النهضة بفاس.
- شرح المجموع للنووي، مطبعة الإمام بمصر.
- مغني المحتاج للخطيب الشربينى، مطبعة البابي الحلبي.
- المغني لابن قدامة المقدسي، الطبعة الثالثة بدار المنار بالقاهرة.
- غاية المنتهى للشيخ مرعي بن يوسف، الطبعة الأولى بدمشق.
- إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية، طبع القاهرة، تحقيق محيى الدين عبد الحميد.
- الموسوعة الفقهية الكويتية.
- الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر بدمشق.
- نيل الأوطار للشوكاني، طبع البابي الحلبي.
- مصادر الحق للسنهوري، الطبعة الثانية بالقاهرة ١٩٥٨.
- المدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقاء، الطبعة السابعة بدمشق.
стр. 12471
بيع العربون
إعداد
الدكتور رفيق يونس المصري
مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي - جدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
فهذا بحث في بيع العربون، لم يقصد به فقط إعادة كتابة ما كتبه فقهاؤنا العظام، وإنما قصد به أيضا تمييزه عن معاملات أخرى قد تبدو، في بعض حالاتها، قريبة منه، كما قصد به كذلك التعرض لبعض المسائل الخاصة، وبعض المسائل الحديثة، مما طرحه مجمع الفقع الإسلامي (بجدة) الموقر.
أرجو أن يكون في هذا البحث ما يعين على اتخاذ القرار المجمعي، ولا سيما في المسائل المطلوبة.
والله ولي التوفيق.
تعريف بيع العربون:
العربون والعربون والعربان كله صحيح اللفظ، وفيه لغات أخرى (١) .
والعربون: لحن لم تتكلم به العرب (٢) وذكر صاحب الصحاح (٣) أنه عند العامة بلفظ " ربون " وهو عند العامة في بلاد الشام: " رعبون "، بتقديم الراء على العين، ودون حذفها يقال: أعرب في بيعه، وعرب، وعربن: إذا أعطى العربون.
قيل: سمي كذلك لأن فيه إعرابا لعقد البيع، أي إصلاحًا وإزالة فساد، لئلا يشتري غيره ما اشتراه هو (٤) .
وقال بعض العلماء: وأصله التقديم والتسليف (٥) وحقًّا فإن العربون ليس إلا تسليفا (= تقديمًا تعجيلاً) لجزء من الثمن، إذا ما أمضي البيع فالعربون بهذا المعنى هو الدفعة المقدمة (= المعجلة) يقال: اشترى دارًا بأربعة آلاف، وأعرب فيها أربعمئة، أي: أسلف.
والعربون في الاصطلاح: أن يشتري (أو يستأجر) الشيء، ويدفع للبائع (أو للمؤجر) مبلغا من المال، على أنه إذا تم البيع (أو الإجارة) فما دفعه كان جزءًا من الثمن (أو الأجرة) ، وإن لم يتم البيع (أو الإجارة) كان ما دفعه ملكًا للبائع (أو للمؤجر) وفي تعريف بعض العلماء: كان ما دفعه " هبة " (٦) وسيأتي مناقشة لفظ الهبة، وما في معناه في مبحث حقيقة العربون.
وقد عرفه بعض العلماء بعبارة مركزة، فقال: " الإعراب في البيع أن يقول الرجل للرجل: إن لم آخذ هذا البيع بكذا فلك كذا وكذا من مالي " (٧) ففي هذا التعريف تركيز على الجزء المهم من العربون، وهو دفع المشتري مالاً للبائع إن لم يقع البيع أما إذا دفعه على أنه جزء من الثمن إذا وقع البيع، وقابل للاسترداد إذا لم يقع، فهذا ليس من العربون الذي اختلف فيه الفقهاء، إنما هو متفق عليه بينهم جميعًا (٨) ، ولا يعدو كونه دفعة على الحساب.
стр. 12472
الآثار الواردة في بيع العربون:
١- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((نهى النبي ﷺ عن بيع العربان)) ، الموطأ ٢ /٦٠٩، المنتقى ٤ /١٥٧، مسند أحمد ١١ /١٣، سنن أبي داود ٣ /٣٨٤، سنن ابن ماجه ٢ /٧٣٨، سنن البيهقي ٥ /٣٤٢.
قال الشوكاني (١) : " الحديث منقطع، لأنه من رواية مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب، ولم يدركه، فبينهما راو لم يسم ".
٢- أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٢) " عن زيد بن أسلم ((أنه سئل رسول الله ﷺ عن العربان في البيع فأحله)) .
قال الشوكاني: " وهو مرسل، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف ".
٣- روي عن نافع بن عبد الحارق أنه اشترى لعمر دار السجن بـ (٤٠٠) من صفوان بن أمية فإن رضي عمر وإلا فله (أي لصفوان) كذا وكذا (٤٠٠) قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر ﵁ (٣) .
٤- عن ابن سيرين قال: قال رجل لكريه (= مكاريه، مؤجره، صاحب الدابة) : أرحل (= شد رحال، والرحال ما يوضع على ظهر الدابة) ركابك (= دوابك) ، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مئة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه (صحيح البخاري، باب ما يجوز من الاشتراط ٣ /٢٥٩، ومصنف عبد الرزاق، باب الشرط في الكراء ٨ /٥٩) (٤) .
٥- عن ابن سيرين وسعيد بن المسيب: لا باس إذا كره السلعة أن يردها، ويرد معها شيئا وقال أحمد: هذا (أي العربون) في معناه (٥) .
стр. 12473
آراء الفقهاء في مشروعية العربون:
منع العربون جمهور العلماء، وأجازه من الصحابة: عمر وابنه عبد الله، ومن التابعين: مجاهد، وابن سيرين، وابن المسيب، ونافع بن عبد الحارث، وزيد بن أسلم، ومن الأئمة: الإمام أحمد بن حنبل ومن المعاصرين: مصطفى الزرقاء (١) ، ووهبة الزحيلي (٢) ، ويوسف القرضاوي (٣) ، والسنهوري (٤) ، وأبو رخية (٥) .
ومن المعاصرين الذين لم يجيزوا العربون: الصديق الضرير (٦) ولكن يبدو منعه منصب على بيع العربون الذي لم تحدد فيه مدة الخيار ولا أدري هل يستمر في المنع إذا حددت المدة؟
بيع العربون مفسوخ عند المالكية:
(وهم من المانعين) .
قال القرطبي (٧) : " وبيع العربون مفسوخ إذا وقع على هذا الوجه، قبل القبض وبعده، وترد السلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها ".
حجة المانعين:
١- حديث عمرو بن شعيب، في النهي عن بيع العربون قال الشوكاني (٨) : " حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طرق يقوي بعضها بعضًا ".
٢- تقديم الحظر على الإباحة، عند التعارض قال الشوكاني (٩) : " ولأنه (حديث عمرو بن شعيب) يتضمن الحظر، وهو أرجح من الإباحة، كما تقرر في الأصول ".
٣- حديث نافع بن الحارث يمكن حمله، جمعًا بين الآثار، على أن شراء دار السجن لعمر قد تم بعد الشرط، بعقد مبتدأ، احتسب فيه الدرهم من الثمن، فخلا البيع عن الشرط المفسد.
стр. 12474
٤- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وأخذ العربون هو أكل لأموال الناس بالباطل (١) .
٥- فيه شرط شيء للبائع بغير عوض، فلم يصح (٢) .
٦- لا يصح جعل العربون عوضًا عن انتظار البائع، وتأخير بيع السلعة من أجل المشتري، لأنه لو كان عوضًا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء، لأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعارضة عنه، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار، كما في الإجارة (٣) .
٧- فيه غرر (= خطر) لأنه إذا اشترى كسب العربون (باحتسابه من الثمن) ، وإذا ترك خسر العربون (٤) .
٨- لا يصح بيع العربون لأن فيه شرطين فاسدين: أحدهما: شرط الهبة، والثاني: شرط الرد على تقدير أن لا يرضى (٥) .
٩- هو بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة، فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهم (٦) .
حجة المجيزين:
١-عدم ثبوت النهي عن بيع العربون (٧) .
٢- الأ ثر الوارد عن عمر وابنه عبد الله، في شراء دار السجن، وقد تقدم ذكره.
٣- الآثار الواردة عن ابن سيرين وابن المسيب ومجاهد ونافع بن عبد الحارث وزيد بن أسلم (٨) .
كان زيد يقول: أجازه رسول الله ﷺ وقال أهل الحديث: ذلك غير معروف عن رسول الله ﷺ (٩) .
٤- ما أخرج البخاري في باب ما يجوز من الاشتراط عن ابن سيرين، وقد تقدم في مبحث الآثار (١٠) .
стр. 12475
موقف الحنابلة من الشروط:
سبق أن ذكرنا أن الحنابلة، من دون سائر المذاهب الأخرى، قد أجازوا بيع العربون، والحقيقة أن مذهبهم في الشروط أوسع من المذاهب الأخرى ففي إعلام الموقعين: ((المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرم حلالاً)) ، " وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف، وذكر البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: مقاطع الحقوق عند الشروط، ولك ما شرطت. وقال في كتاب الحرث: وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فلهم الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا.
وهذا صريح في جواز: " إن أخذته اليوم فلك كذا، وإن أخذته غدًا فلك كذا "، وفي جواز: " بعتكه بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة "، فالصواب جواز ذلك كله، للنص والآثار والقياس.
والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من الفقهاء، فإنهم يلغون شروطًا لم يلغها الشارع، ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله، فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه، فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم " (١) .
مقصد العربون في الفقه:
١- إعطاء المشتري أو المستأجر حق النكول (= العدول) إذا بدا له أن الشراء في غير صالحه.
٢- جبر ضرر البائع أو المؤجر، في حدود مبلغ العربون، نتيجة نكول المشتري أو المستأجر.
فالعربون هو الجزاء أو الثمن الذي يتكبده أحد المتعاقدين، نتيجة نكوله.
стр. 12476
شيء من التفصيل في مقاصد (= حكم) العربون:
١- قد يرغب أحد المستهلكين في شراء سلعة، ولا يملك ثمنها كاملاً، فيدفع جزءًا من الثمن للبائع، ويقول له: لا تبع هذه السلعة لغيري، فإن عدت إلى يوم كذا فما دفعته يكون جزءًا من الثمن، وإلا فلك.
٢- قد يجد أحد المشترين سلعة لدى أحد الباعة، ويتردد في شرائها، خشية عدم ملاءمتها جودة أو ثمنًا أو غير ذلك، فإن لم يشترها فربما عاد فلم يجدها، وإن اشتراها على البت فربما لم تعجبه بعد ذلك، أو لم تعجب من اشتراها له، كزوجه أو ولده أو موكله.
فمن أجل الخروج من هذا التردد، يلجأ إلى شرائها بشرط الخيار لنفسه، فإن وافق البائع على الخيار فبها ونعمت، ولكن البائع قد لا يوافق على هذا الخيار بالمجان للمشتري، ولا سيما أن ضررًا قد يصيبه من جراء عدول المشتري عن الشراء، مثل تفويت فرصة بيعها لآخر.
وقد تكون السلعة غير جاهزة، بل سلعة يطلب المشتري تصنيعها أو خياطتها أو غير ذلك، وقد لا يسهل على البائع تصريفها، إذا عدل عنها مشتريها، كأن تكون سلعة خاصة من حيث أوصافها: قياسها، لونها ... إلخ.
ففي مثل هذه الحالات يكون العربون بمثابة تعويض مقطوع للبائع عن العطل والضرر، يتفق عليه المتبايعان، ويقدرانه منذ العقد، ولا يؤخرانه لحين وقوع الضرر الفعلي، فالعربون هو ثمن الخيار، أو ثمن (أو جزاء) حق النكول.
٣- والسلعة إما أن تبقى عند البائع محجوزة لحين عودة المشتري وعزمه على الأخذ أو الترك، أو أن يأخذها المشتري معه، لكي يتفحصها أو يختبرها بنفسه أو بالاستعانة بغيره، أو لكي يعرضها على زوجه أو ولده أو موكله، فيتحقق له بذلك التروي أو المشورة أو التجريب (= الاختبار، القياس) .
وهذا كله بافتراض أن المشتري، إذا أخذ السلعة، ثم ردها، لم تتغير عنده، نتيجة استعمال أو استهلاك أو تلف، فمثل هذا إذا وقع فهو دليل على أن المشتري قد عزم على إمضاء الشراء، ولم يعد له خيار فيه (١) .
حقيقة العربون: هل العربون (عند عدم إمضاء العقد) يعد هبة أم جزاء أم تعويضًا أم ثمن خيار؟
١- في بعض كتب الفقه جاء أن العربون إذا ترك المشتري السلعة فهو هبة ففي مغني المحتاج (٢) هو " أن يشتري ويعطيه دراهم، لتكون من الثمن، إن رضي السلعة، وإلا فهبة ".
وفي روضة الطالبين (٣) : " هو أن يشتري سلعة من غيره، ويدفع إليه دراهم على أنه إن أخذ السلعة فهي من الثمن، وإلا فهي للمدفوع إليه مجانا".
وفي مصنف عبد الرزاق (٤) : " للمالك بغير شيء".
وفي موطأ مالك (٥) : " للمالك بغير شيء".
وفي نيل الأوطار (٦) : " ما دفعه إليه يكون مجانًا ".
وفي المغني (٧) .
٢- وفي بعض الكتب جاء أن العربون " عوض عن انتظار البائع " (٨) .
٣- إذا قيل: إنه هبة فهذا ينطبق في الحالات التي لا يتضرر فيها الطرف الآخر من الطرف الناكل.
وإذا قيل: إنه تعويض عن الضرر فيجب أن يفهم أن الضرر قد يقع وقد لا يقع، وقد يكون مبلغه مساويا لمبلغ العربون أقل أو أكثر وعندئذ يفهم أن التعويض مقدر تقديرًا حكميا لا فعليا. وإذا قيل: إنه تعويض عن الانتظار فهذا قد يكون صحيحًا إذا كان الأمر مجرد انتظار فقط، أي لم يقترن بضرر.
стр. 12477
وإذا قيل: إنه جزاء (= غرامة) أو عقوبة، فربما وجب إثبات الضرر، وتحديد الجزاء في حدود هذا الضرر، أو أعلى منه، لأن مفهوم الجزاء مختلف عن مفهوم التعويض.
ويرى رجال القانون أن العربون هو جزاء النكول.
ولعل العربون هو أقرب إلى الجابر (= التعويض) منه إلى الزاجر (= العقوبة، الغرامة) .
وربما يكون للعربون طبيعة خاصة تجعله مختلفا عن كل ما سبق، فليس هو هبة، ولا جزاء، ولا غير ذلك، وإن كان أقرب إلى بعض هذا من بعض فالعربون جزء من الثمن إذا أمضيت الصفقة وثمن خيار إذا كان هذا الخيار بالعدول عن الصفقة فالعربون لا ينظر إليه فقط عند العدول، مع ما لهذا النظر من أهمية خاصة، بل ينظر إليه أيضا عند الإمضاء، وهذا ما يجعل له طبيعة خاصة متميزة، والله أعلم.
العربون في البيع والإجارة:
قال في كشاف القناع (١) : " أو يستأجر، ويعطي المشتري البائع أو المؤجر درهما، أو أكثر من الدرهم، أو أقل منه، ويقول له: إن أخذته، أي المبيع أو المؤجر، وسواء عين وقتا لأخذه أو أطلق، صححه في الإنصاف، فهو، أي الدرهم، من الثمن أو الأجرة، وإلا أي: وإن لم آخذه فالدرهم لك أيها البائع أو المؤجر، فإن تم العقد فالدرهم من الثمن أو الأجرة وإلا بأن لم يتم العقد فالدرهم لبائع ومؤجر، كما شرطا، لما تقدم.
وإن دفع من يريد الشراء أو الإجارة إليه، أي: إلى رب السلعة، الدرهم أو نحوه، قبل عقد البيع أو الإجارة، وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، أو لا تؤجرها لغيري، وإن لم أشترها أو أستأجرها فالدرهم أو نحوه لك، ثم اشتراها أو استأجرها منه، وحسب الدرهم من الثمن أو الأجرة، صح ذلك وإن لم يشترها أو يستأجرها فلصاحب الدرهم الرجوع فيه، لأن رب السلعة لو أخذه لأخذه بغير عوض ولا يجوز جعله عوضًا عن إنظاره، لأن الإنظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه ولو جازت لوجب أن يكون معلوم القدر، كالإجارة ".
ليس من العربون:
إذا أعطى المشتري العربون على أنه إن كره البيع استرد المال، وإن أمضى البيع حسب المال من الثمن، فهذا جائز عند الجميع، ولكنه ليس من العربون المختلف في جوازه بين العلماء (٢) .
مدة الخيار في بيع العربون:
قال الزحيلي (٣) : " فهو (أي العربون) بيع يثبت فيه الخيار للمشتري: إن أمضى البيع كان العربون جزءًا من الثمن، وإن رد البيع فقد العربون، ومدة الخيار غير محددة بزمن، وأما البائع فإن البيع لازم له ".
وقال بعض الحنابلة (٤) : " لابد أن تقيد فترة الانتظار بزمن محدد، وإلا فإلى متى ينتظر البائع؟! ".
وسيأتي معنا أن القوانين الوضعية تقيد الخيار بمدة معلومة.
стр. 12478
العربون في القوانين الوضعية:
قال السنهوري (١) : " يتفق أحيانا أن يدفع أحد المتعاقدين للآخر، عند إبرام العقد، مبلغا من المال، يكون عادة من النقد، يسمى: العربون وأكثر ما يكون ذلك في عقد البيع، وفي عقد الإيجار فيدفع المشتري للبائع، أو المستأجر للمؤجر، جزءًا من الثمن أو من الأجرة ويكون غرض المتعاقدين من ذلك إما حفظ الحق لكل منهما في العدول عن العقد، بأن يدفع من يريد العدول قدر هذا العربون للطرف الآخر، وإما تأكيد العقد والبت فيه، عن طريق البدء في تنفيذه بدفع العربون ".
وقال أيضا (٢) : " إذا دفع عربون وقت إبرام العقد ـ ولم يتفق المتعاقدان، صراحة أو ضمنا، على أنه إنما دفع لتأكيد البتات في التعاقد، كان دفعه دليلاً على أن المتعاقدين أراد أن يكون منهما الحق في العدول عن العقد، يستوي في ذلك البيع والإيجار وأي عقد آخر.
فإذا لم يعدل أحد منهما عن العقد، خلال المدة التي يجوز له فيها العدول، أصبح العقد باتًّا، واعتبر العربون تنفيذًا جزئيا له، ووجب استكمال التنفيذ.
أما إذا عدل أحد المتعاقدين عنه، في المدة التي يجوز له فيها ذلك، وجب على من عدل أن يدفع للطرف الآخر قدر العربون، جزاء العدول.
فإذا كان هو الذي دفع العربون فإنه يفقده، ويصبح العربون حقًّا لمن قبضه.
أما إذا كان الطرف الذي عدل هو الذي قبض العربون، فإنه يرده ويرد مثله، أي يرد ضعفيه للطرف الآخر، حتى يكون بذلك قد دفع قيمة العربون، جزاء عدوله عن العقد ".
ويلاحظ هنا ما يلي:
١- التصريح في القانون بإعطاء حق العدول لكل من طرفي العقد، البائع والمشتري، أو المؤجر ولمستأجر.
٢- قابض العربون قد يكون البائع أو المشتري، المؤجر أو المستأجر.
٣- حق العدول عن العقد قيد بمدة معلومة، يصبح بعدها العقد باتًّا، والعربون جزءًا من الثمن أو الأجرة.
٤- لا يشترط لاستحقاق العربون وقوع الضرر فعلاً، أو إثبات وقوعه.
٥- الغرض من العربون أحد أمرين:
١- تأكيد العقد والبت فيه، واعتبار العربون بدءًا لتنفيذ العقد، وجزءًا من الثمن أو الأجرة (٣) .
٢- حق العدول لأحد الطرفين، خلال المدة المحددة، فإذا عدل الدافع فقد العربون، وإذا عدل القابض رده ومثله معه.
стр. 12479
العربون في بعض القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية
نصت المادة ٤٧ من قانون المعاملات المدنية السوداني لعام ١٩٨٤ م (١) على أنه: " لا يجوز دفع العربون ولا استلامه، ومع ذلك إذا قضت المحكمة بنشوء العقد يعتبر كل مبلغ مدفوع جزءًا من المقابل، ولها أن تقضي بأي تعويض تراه عادلاً، نظير أي إخلال بالعقد ".
يبدو أن المذهب المختار للقانون في العربون مطابق للمذهب المختار للدكتور الصديق الضرير، السوداني الجنسية.
تمييز بيع العربون عن معاملات أخرى قريبة:
سنتعرض تحت هذا العنوان إلى أربع معاملات: الإقالة، والتعزير المالي، والبيوع الشرطية الآجلة في المصافق (= البورصات) ، والشرط الجزائي.
١- الإقالة:
الإقالة في اللغة: الرفع والإزالة يقال: أقال الله عثرته: أي رفعه من سقوطه والاستقالة: طلب الإقالة وقد بين بعض العلماء أن الإقالة من القول، والهمزة للسلب، أي: أقال بمعنى: أزال القول، والقول هنا هو القول الأول، أي البيع، كقولنا: أشكاه: أزال شكايته (٢) .
والإقالة في الفقه: رفع (= فسخ) العقد، أي: إلغاء حكمه وآثاره، بتراضي الطرفين يقال: تقايلا البيع: أي فسخاه أو تراداه، فعاد المبيع إلى البائع، والثمن إلى المشتري، إذا ندم أحدهما أو كلاهما.
والإقالة عند بعض العلماء فسخ، وعند آخرين بيع جديد وهي كذلك عند الجميع إذا تمت بثمن جديد أو أجل جديد.
وهي في الشرع مندوبة (= مستحبة) ، إذ قد يندم أحد المتبايعين على العقد، فيستحب للآخر إقالته.
قال رسول الله ﷺ : ((من أقال مسلمًا (وفي رواية: نادمًا) أقال الله عثرته)) (سنن أبي داود ٣ /٣٧٢، وسنن ابن ماجه ٢/ ٧٤١، وسنن البيهقي ٦ /٢٧، والمستدرك للحاكم ٢ /٤٥ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) وفي بعض الروايات: ((من أقال أخاه المسلم صفقة كرهها أقال الله عثرته يوم القيامة)) (شرح السنة للبغوي ٨ /١٦١) .
فصورة الإقالة أن يرد المشتري المبيع، أو المستأجر المأجور، ويرد البائع الثمن، أو المؤجر الأجرة، على أن هناك روايات جاءت بلفظ الإقالة، بحيث تقترب من العربون في النهاية، وإن اختلفت عنه في البداية.
فعن ابن سيرين وسعيد بن المسيب: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها، ويرد معها شيئًا قال الإمام أحمد: هذا (أي العربون) في معناه وقد مر هذا في مبحث الآثار.
стр. 12480
وفي مصنف ابن أبي شيبة (١) : في الرجل يشتري من الرجل الشيء فيستغليه فيرده ويرد معه درهما:
وفي مصنف عبد الرزاق (٢) : باب الرجل يشتري السلعة، فيقول: أقلني ولك كذا.
هذه الصورة أجازها البعض (جابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وشريح، وإبراهيم النخعي في رواية، وسعيد بن جبير، وطاوس، وابن عمر) .
وكرهها آخرون (ابن عباس، وعامر، وإبراهيم في رواية، وعلقمة، والأسود، والشعبي، وحماد، والحكم بن عتيبة، وعطاء) .
قلنا: إن هذه الصورة من الإقالة تقترب من العربون، لأن الإقالة لم تتم إلا بقبض مال وتختلف عن العربون، لأن العربون يتفق عليه منذ العقد الأول، أما هذه الإقالة فيتم الاتفاق عليها عند العقد الثاني.
ومع ذلك ربما يكون الحكم الشرعي في العربون، وفي صورة الإقالة هذه، واحدًا، كما ذهب الإمام أحمد، وربما يكون حكم الإقالة هنا أقرب جوازًا، لأن الضرر يكون قد علم على أنه ربما يتمسك بالمال، ولو لم يقع أدنى ضرر، ففي هذه الحالة تعود هذه الإقالة إلى التشابه مع العربون، وربما تزيد عليه، لأن العربون كان الضرر وقت دفعه محتملاً، أما ههنا في هذه الإقالة، فليس هناك أي ضرر.
ويبدو أن بعض السلف كانوا يخشون أن يكون في هذه الصورة من الإقالة ربًا.
عن أسامة بن زيد قال: سمعت سعيد بن المسيب، وسئل عن رجل اشترى بعيرًا، فندم المبتاع، فأراد أن يرده ويرد معه ثمانية دراهم، فقال سعيد: لا بأس به، إنما الربا فيما يكال ويوزن، مما يؤكل ويشرب (٣) .
ربما رأى هؤلاء العلماء أن هذه العملية حيلة ربوية (=عينة) ، والعينة هي أن يبيع بعيرًا بـ ١٠٠ نقدًا، ثم يبيع المشتري البعير نفسه إلى بائعه بـ ١٠٨ لسنة مثلا، فيكون كأنه أقرضه ١٠٠ بربًا مقداره (٨) .
وإني أرى أنه لا مدخل للربا هنا، ولا للعينة، لأن العملية بيع بعير بدراهم، والذي قبض الثمانية الدراهم الإضافية هو الذي قبض ثمن البعير، ولو كانت الدراهم الثمانية مدفوعة ممن قبض الثمن لربما كانت هناك فعلا شبهة ربا، أو حيلة ربا، ثم إنه يمكن اعتبار هذه الدراهم الثمانية بمثابة أجرة البعير خلال المدة الفائتة كما أنه ليست هناك نية القرض، وإنما يكون الربا في قرض، أو في بيع مشبوه يراد منه التوصل إلى القرض.
وبهذا نتفق مع سعيد بن المسيب في الجواز، ولكن بحجة مختلفة.
стр. 12481
فهذه الصورة من الإقالة أراها جائزة، سواء كان البيع الأول معجلاً أو مؤجلاً إذ لا يخشى فيها ما يخشى في بيوع الآجال (=العينة) فإذا كان البيع بعيرًا معجلاً بدراهم مؤجلة، فإن المشتري قبض بعيرًا، ثم رد بعيرًا ومبلغًا من الدراهم، والبائع لم يقبض شيئًا (لأن الثمن مؤجل) ، بل دفع بعيرًا، ثم استرجع البعير، ومبلغًا نقديًّا، فأين الربا أو شبهته أو ذريعته؟!
ومما يقوي جواز هذه الصورة من الإقالة، واستغراب منعها عند من منعها، أنها ترجع في النهاية إلى أنها بيع جديد فمن باع سلعة بـ ١٠٠، ثم طلب من المشتري الإقالة لقاء ٨ مثلاً، فكأن الإقالة هنا بيع جديد بثمن أقل: ١٠٠- ٨=٩٢.
لكن تخريج هذه الصورة، من الإقالة على أنها بيع جديد، يقضي بنا إلى تخريج بيع العربون على أنه بيعتان في بيعة، أو بيع وشرط، فكأن البائع يتفق مع المشتري، أو يتشارطان، على بيع السلعة بـ ١٠٠، مع إمكان إعادة شرائها بـ ٩٢.
غير أن المشتري ليس ملزمًا بإعادة بيع السلعة إلى البائع، أما البائع فهو ملزم بإعادة الشراء، إذا اختار المشتري ذلك، وما ذلك إلا لأن الخيار معطى هنا للمشترى دون البائع.
فإذا كان العربون للطرفين، فإن كلا منهما يكون ملزمًا بإعادة البيع إذا اختار الطرف الآخر ذلك، بشرط دفع العربون.
ومع ذلك يبقى بيع العربون مختلفًا عن بيعتين في بيعة، لأن فيه خيارًا لأحد الطرفين أو لكليهما، في حين أن في بيعتين في بيعة لا يوجد مثل هذا الخيار ولهذا لا نسلم بما جاء في مقدمات ابن رشد (١) ، من اعتبار كل من " بيعتين في بيعة " و " بيع العربون " على مستوى واحد، وأنهما من الغرر.
٢- التعزير المالي:
التعزير في اللغة معناه: الرد والمنع، والتأديب، ومعناه في الاصطلاح العقوبة غير المقدرة شرعًا (عكس الحد) ، الواجبة حقا لله تعالى، أو لآدمي، في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالبا.
أما التعزير بالمال فهو جائز عند بعض العلماء (كأبي يوسف من الحنفية، والشافعي في القديم، والمالكية، وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة) ، وغير جائز عند آخرين (كأبي حنيفة، ومحمد، والشافعي في الجديد، والحنابلة) .
وللتعزير المالي أنواع، منها: حبس المال، إتلافه، تغيير صورته، وتمليكه للغير (٢) .
وقد يعتبر العربون، أو الشرط الجزائي (وسيأتي الكلام عنه) ، نوعًا من التعزير المالي، إلا أنهما قد يكونان من الإمام أو من الرعية، أما التعزير فلا يكون إلا من الإمام، أي هما عقوبة مالية، فإذا صدرت من الإمام جاز أن تسمى تعزيرًا.
стр. 12482
٣- البيوع الشرطية الآجلة في المصافق (= البورصات)
وهذه البيوع متعددة الأنواع، منها بيع يسمى: " البيع بشرط التعويض يعطى فيه الخيار للمشتري، أو للبائع، بأن يمضي العقد أو يفسخه، مقابل تعويض متفق عليه، يدفع للطرف الآخر.
وهذا البيع غير جائز لعدة أسباب، منها أن القصد منه هو المراهنة على الأسعار، صعودها وهبوطها.
ولا نقول: إنه غير جائز، لأن التعويض هنا هو العربون، والعربون غير جائز فالمختار عندنا أن العربون جائز، والمراهنة على الأسعار غير جائزة (١) .
٤- الشرط الجزائي:
قال السنهوري (٢) : " يقع أن يتفق الدائن مع المدين على قدر التعويض الذي يستحقه الدائن، إذا لم يقم المدين بالتزامه، أو إذا تأخر في القيام به فهذا الاتفاق هو ما يسمى بالشرط الجزائي، أي الشرط الذي يشترطه الدائن على المدين جزاء على الإخلال بالالتزام.
وتشير المادتان ١٢٣ و ١٨١ (من قانون المصري) إلى الشرط الجزائي، عندما تقضيان بأنه إذا كان مقدار التضمين في حالة عدم الوفاء مصرحًا به في العقد أو في القانون، فلا يجوز الحكم بأقل منه ولا بأكثر.
وأمثلة الشرط الجزائي كثيرة متنوعة فشروط المقاولة Cahier des Charges (دفتر الشروط) قد تتضمن شرطًا جزائيا يلزم المقاول بدفع مبلغ معين عن كل يوم، أو عن كل أسبوع، أو عن كل فترة من الزمن يتأخر فيها المقاول عن تسليم العمل المعهود إليه إتمامه ولائحة المصنع Reglement d' atelier قد تتضمن شروطا جزائية، تقضي بخصم مبالغ معينة من أجرة العامل، جزاء له على خرق التزاماته المختلفة وتعرفه مصلحة السكة الحديد، أو مصلحة البريد، قد تتضمن تحديد مبلغ معين، هو الذي تدفعه المصلحة للمتعاقد معها، في حالة فقد " طرد " أو " رسالة " والعربون الذي يدفعه المشتري للبائع، أو المستأجر للمؤجر، قد يكون شرطًا جزائيا، يتفق عليه الطرفان تعويضًا ممن يأبى المضي في إبرام العقد للطرف الآخر، واشتراط حلول جميع أقساط الدين، إذا تأخر المدين في دفع قسط منها هو أيضا شرط جزائي " (٣) .
стр. 12483
التفرقة بين العربون والشرط الجزائي:
في " نظرية الالتزام "، كما تقدم، أدخل السنهوري العربون في الشرط الجزائي، وجعله واحدا من أمثلته وفي " الوسيط " (١) , " ومصادر الحق " (٢) ، فرق السنهوري بين العربون والشرط الجزائي:
١- فالشرط الجزائي لا يملك المدين أن يؤديه بدلاً من تنفيذ التزامه الأصلي، إذا كان هذا التنفيذ ممكنًا، وطالب به الدائن.
أما العربون فيملك أحد الطرفين أن يؤديه دون أن يطالبه الطرف الآخر بتنفيذ الالتزام الأصلي، كما يملك أن يؤديه حتى ولو كان ممكنًا له تنفيذ الالتزام الأصلي.
ففي الشرط الجزائي ليس المدين مخيرًا بين الالتزام والشرط، أما في العربون فهو مخير بين الالتزام والعربون.
٢- في الشرط الجزائي يشترط لتطبيقه على المدين وقوع ضرر ناجم عن عدم تنفيذ العقد، أو عن التأخر في تنفيذه، أما العربون فلا يشترط للمطالبة به عند العدول وقوع الضرر فعلاً.
٣- ينتج عن هذا أن الشرط الجزائي يجوز فيه للقاضي تخفيض مبلغه، إذا قام المدين بتنفيذ التزامه جزئيا وبنسبة ما نفذه فعلاً، وكذلك يجوز للقاضي زيادة مبلغ الشرط الجزائي، إذا أخل المدين بالتزامه، بسوء نية أو بخطأ جسيم، فيزاد المبلغ إلى الحد الذي يتناسب مع الضرر الواقع فعلا ويجوز للقاضي كذلك أن لا يحكم بالشرط الجزائي أصلاً، إذا لم يلحق الدائن أي ضرر.
على أن بعض النظم القانونية والقضائية ترى جواز الشرط الجزائي، بدون تعديل بزيادة أو نقصان من القاضي، ودون نظر إلى الضرر وقع أو لم يقع، أثبته الدائن أو لم يثبته وعندئذ فإن الشرط الجزائي يصير مشابها للعربون من هذه النواحي، ولكنه يبقى مختلفا عنه من حيث إن المتعاقد مخير في العربون، وغير مخير في الشرط الجزائي فله في العربون أن يمضي العقد، ويكون العربون جزءًا من الثمن، أو أن لا يمضيه ويدفع العربون جزاء نكوله أما في الشرط الجزائي فالعقد بات، ولا يصار إلى الشرط الجزائي إلا عند عدم إمكان التنفيذ، أو عند التأخر فيه.
هل الشرط الجزائي جائز؟
ذهبت هيئة كبار العلماء، في المملكة العربية السعودية، إلى جواز الشرط الجزائي، في دورتها الخامسة المنعقدة في الفترة ٥-٢٢ /٨ /١٣٩٤ هـ (٣) كما ذهب إلى جوازه الشيخ مصطفى الزرقاء (٤) .
واستدلوا بحديث ابن سيرين: قال رجل لكريه: أرحل ركابك ... وقد ذكرناه في مبحث الآثار الواردة في بيع العربون.
стр. 12484
كما استدلوا أيضا بما رواه ابن سيرين نفسه، من أن رجلا باع طعامًا، وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجئ فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت، فقضى عليه (صحيح البخاري، باب ما يجوز من الاشتراط ٣/ ٢٥٩) (١) .
كما استدلوا بحديث: ((المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرم حلالا، أو أحل حرامًا)) (سنن الترمذي، كتاب الأحكام، ٣/ ٦٢٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح) .
وأن الأصل في الشروط الصحة، وأن الشرط الجزائي شرط من مصلحة العقد، إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له، وحافز للوفاء بالعقود.
جواز العربون والشرط الجزائي:
إن إجازة الشرط الجزائي تقتضي إجازة العربون، نظرًا للتشابه الكبير بينهما، لا سيما في القوانين التي تجيز الشرط الجزائي بدون أي حق للقاضي في تعديل مبلغه، بالزيادة أو النقصان أو الإلغاء، لكي يتناسب المبلغ مع مقدار الضرر الفعلي.
وما سبق إثباته من فروق بين العربون والشرط الجزائي لا يستحق تفريقًا في الحكم الشرعي بينهما وإني أختار جوازهما بلا تفريق، وفي المبحث التالي سأبين أسباب جواز العربون.
رأينا في بيع العربون:
إني أميل في بيع العربون إلى اختيار مذهب الحنابلة المجيزين، بشرط أن تكون مدة الخيار معلومة فلعل أهم حجة للمانعين هي أن بيع العربون يتضمن خيارًا غير معلوم المدة وهذه حجة قوية، لذلك قيدنا جواز العربون بمعلومية المدة.
стр. 12485
أما القول بمنع العربون، باعتباره عوضًا عن انتظار البائع، فهذا يجاب عنه بما يلي:
١- ليس مسلمًا أن العربون هو مجرد تعويض عن الانتظار، فقد يلحق بالبائع ضرر، نتيجة الخيار الممنوح للمشتري.
٢- على فرض أن العربون تعويض انتظار، أو عوض للزمن، فإن هذا العوض ليس مسلمًا أنه حرام نعم هو حرام في القرض، ولكنه جائز في البيع المؤجل، فقد نص الفقهاء على أن للزمن قيمة، ونحن في العربون أمام بيع، لا أمام قرض.
٣- أما أن يكون الانتظار معلوم المقدار (١) ، فهذا مطلب حق ولذلك أجزنا العربون مع تحديد المدة.
أما جعل العربون جزءًا من الثمن، في حال إمضاء العقد، فهذا من باب التسامح، لاسيما وأن مدة الانتظار تكون في الغالب قصيرة: ساعات، أو يوما، أو يومين.
أما الادعاء بأن العربون من باب أكل المال بالباطل فهذا غير مسلم، وذلك لأن المشتري ليس مستعدًّا لدفع مال في مقابل لا شيء، إلا إذا كان غبيًّا، والفرض أنه رشيد.
أما القول بأن في العربون غررًا، فهذا أيضا غير مسلم، وعلى فرض وجوده فهو غرر يسير مغتفر، فالمشتري أمام خيارين: إما أن يمضي الصفقة، ويكون العربون جزءًا من الثمن، وإما أن يجد مصلحته في عدم إمضائها، ولو دفع العربون، إذا يرى أن خسارة العربون أقل من خسارة إمضاء الصفقة.
ومما يقوي مذهب الجواز ثلاثة عوامل أخرى.
١- وجود مذهب فقهي معتبر يجيز العربون، وهو مذهب الإمام أحمد، وقد كان معروفًا بشدة الورع.
٢- احتمال أن المانعين قد منعوه لعدم تقييد الخيار بمدة معلومة، فهذا فيه غرر غير مقبول وربما لو قيد بمدة لأجازه الجميع أو الأكثرون، والله أعلم.
٣- عموم البلوى، فبيع العربون منتشر في القوانين والأعراف التجارية الحديثة ولا أرى جواز بيع العربون كما هو عند الفقهاء فحسب، بل أرى جوازه أيضا كما هو عند رجال القانون أيضا، إذ لا مانع من أن يكون الخيار للطرفين فربما يكون هذا أعدل من أن يكون لطرف واحد وقد تكون عدالته في الحالين واحدة، لأنه خيار بثمن أما لو كان بلا ثمن فنعم يكون لطرفين أعدل منه لطرف واحد.
لكن يجب أن يتنبه أخيرًا إلى أن يكون مبلغ العربون في حدود المعقول، وأن لا تبلغ قيمته حدًّا فاحشًا.
стр. 12486
هل يجوز العربون في بيع النقد بجنسه، وفي الصرف؟
١- بيع النقد بجنسه مرده في الشرع إلى الصورتين التاليتين:
أ - بيع الذهب بالذهب (دنانير ذهبية بدنانير ذهبية) .
ب - بيع الفضة بالفضة (دراهم فضية بدراهم فضية) .
وفي كلتا الحالتين لا يكون هذا إلا إذا اختلفت جهة الإصدار.
٢- الصرف يحتمل المعنيين التاليين:
أ - بيع الذهب بالفضة (دنانير ذهبية بدراهم فضية) .
ب - بيع نقد ورقي بنقد ورقي (ريالات سعودية بدولارات أمريكية) .
في (١) و (٢) يجب التقابض في المجلس وفي (١) يجب أيضا التساوي.
والتواعد على بيع النقد بجنسه، أو على الصرف، جائز بشرط أن يكون غير ملزم.
وبما أن التقابض مطلوب، والتواعد غير ملزم، فلا مجال للعربون في بيع النقد بجنسه، وفي الصرف إنما يلجأ إلى العربون في الحالات التي يجوز فيها الخيار، وهو غير جائز في الحالتين المذكورتين.
فإذا اقترن التواعد غير الملزم بالعربون صار فيه شوب الإلزام، وإذا كان المقصود أن يدفع المتصارف جزءًا من الثمن، ثم بعد مدة يعقد الصرف ويستكمل الثمن، أو يعدل عن الصرف ويفقد العربون، فهذا غير جائز. إنما يستطيع أن يصطرف بسعر، ثم إذا شاء أعاد الصرف بالسعر نفسه أو بسعر آخر، بعقد صرف جديد.
الخلاصة أن العربون غير وارد في الصرف، ولا في المواعدة عليه، والله أعلم.
ولو جاز العربون في بيع العملات لكان فيه ربوان: ربا نساء ينشأ من قبض أحد البدلين وعدم قبض البدل الآخر في المجلس، وربا فضل إذا كان قابض البدل هو نفسه دافع العربون، فعندئذ يصير العربون فضلاً في مقابل النساء، واجتماع الفضل والنساء هو ما يسمى ((ربا النسيئة)) .
هل يجوز أن يكون العربون مبلغًا مستقلا عن سعر السلعة؟
العربون في الفقه والقانون إذا أمضي العقد كان جزءًا من الثمن، فلا يمكن اعتباره هنا مبلغًا مستقلا عن ثمن السلعة.
وإذا عدل المشتري، أو المستأجر، عن العقد، فقد العربون، في الفقه والقانون. وكذلك في القانون، إذا عدل البائع، أو المؤجر، رد العربون مضاعفًا، أي وقع عليه العربون، فهنا يمكن اعتبار العربون أنه صار مستقلا عن الثمن أو الأجرة فمن كان في الفقه مذهبه جواز العربون لم يقصد به إلا هذا. وكذلك هو المقصود في القانون.
أما إذا كان العربون جزءًا من الثمن أو الأجرة، غير مستقل عنهما، بحيث إذا أمضي العقد استكمل الباقي من الثمن أو الأجرة، وإذا لم يمض العقد رد البائع أو المؤجر العربون، فهذا جائز عند الجميع، كما سبق أن قلنا، وليس هو من العربون في شيء.
هل يجوز العربون في الخدمات كما في السلع؟
الذين أجازوا العربون من الفقهاء إنما أجازوه صراحة في البيع وفي الإجارة. والبيع عبارة عن بيع مال (أو سلعة) ، منقول أو غير منقول (دار مثلاً) ، أما الإجارة فهي عبارة عن بيع منفعة، وهذه المنفعة قد تكون منفعة مال (إجارة أشياء أو أموال) أو منفعة شخص (إجارة أشخاص) . وهذه الإجارة (إجارة الأشخاص) هي الخدمات المقصودة بعنوان هذا المبحث.
أما إجارة الأموال أو الأشياء فلا شك أن الذين أجازوا العربون في الإجارة إنما أرادوا بهذه الإجارة إجارة الأموال، كالدابة، بلا تردد.
وهنا نتساءل: هل تلحق إجارة الأشخاص بإجارة الأموال في العربون؟
يفرق الفقهاء بين الأجير الخاص والأجير المشترك.
وصورة العربون في الأجير الخاص أن يتفق رب عمل مع عامل على استخدامه لديه، خلال مدة محددة، بحيث إذا انقضت المدة ولم يعقد عقد العمل من جانب رب العمل كان عليه أن يدفع للعامل مبلغًا معلومًا، وإذا كان النكول من جانب العامل كان عليه أن يدفع لرب العمل مبلغًا مماثلاً.
стр. 12487
هذه الصورة أراها تلحق بالعربون في البيع والإجارة، فهي جائزة.
أما صورة العربون في الأجير المشترك فهي أن يتفق أحدهم مع محام مثلاً على توكيله بقضية معلومة، خلال مدة معلومة، بحيث إذا انقضت المدة ونكل الموكل فقد العربون، وإذا نكل الوكيل كان العربون عليه.
هذه الصورة وأمثالها يمكن أن تلحق بالعربون في البيع والإجارة، فهي جائزة، ويلحظ فيها أن نكول أحد الطرفين يسبب ضررًا للآخر. فإذا لم يتصور ضرر، في بعض الصور، كان العربون غير جائز، لأنه يصبح أكلاً للمال بالباطل. وفقًا للفقهاء الذين لم يجيزوا العربون.
هل يجوز العربون عند شراء الأوراق المالية، كالأسهم؟
الأوراق المالية في القانون هي الأسهم والسندات. أما السندات، سندات القرض، فهي إذا كانت بفائدة ربوية غير جائزة، ومن ثم لا يجوز العربون فيها.
أما الأسهم فإنها إذا كانت تمثل حصصًا في شركات تمارس أعمالاً مشروعة: زراعية أو صناعية أو تجارية، فإن شراء أسهمها جائز. وإذا كانت تمارس أعمالاً غير مشروعة، كالربا والقمار والخمر والمخدرات والهوائيات التلفزيونية التي تستقبل محطات تلفزيونية داعرة (وهذه الهوائيات تأخذ اليوم شكل صحون أو أطباق كبيرة على أسطحة المنازل) ، فإن شراء أسهمها لا يجوز.
стр. 12488
ومع ذلك فإن شراء أسهم الشركات، ولو كانت أعمالها مشروعة، مقيد ببعض القيود. فالسهم عبارة عن حصة في صافي موجودات (= أصول) الشركة، وصافي الموجودات هو الفرق بين الموجودات والديون المترتبة على الشركة، فإذا كانت الشركة لا تتعامل بالديون، أو كانت نسبة الديون فيها قليلة بالنسبة لمجموع الميزانية (١) ، فإن السهم يجوز شراؤه، ولو كان بعض الثمن مؤجلاً أو مقسطًا، وعندئذ يجوز العربون، أما إذا كان السهم يمثل حصة في موجودات الشركة وكانت هذه الموجودات نقودًا كلها أو معظمها، فإن شراء السهم يأخذ حينئذ حكم الصرف، ولا يجوز العربون، لما سبق بيانه في مبحث العربون في الصرف.
المهم هنا أنه في الحالات التي يجوز فيها شرعًا شراء السهم لأجل، أو بالخيار، يجوز العربون، وإلا فلا.
هل يجوز العربون في بيع المرابحة؟
١- بيع المرابحة، في الفقه القديم، عبارة تطلق على أحد أنواع بيوع الأمانة؛ وهذه الأنواع هي: المرابحة، والتولية، والوضيعة. والمرابحة هي بيع الشيء بمثل ثمنه الأول مضافًا إليه ربح معلوم، إما بمقدار محدد: ٥ ريالات مثلاً ربح على رأس المال، وإما بنسبة معلومة من رأس المال يسهل حسابها على المشتري، لكي يصير الثمن الكلي معلومًا له، مثلاً نسبة ٥ % من الثمن الأول. فإذا كان الثمن الأول ١٠٠ فيكون الربح: ١٠٠ × ٥ % = ٠٥ ويكون ثمن المرابحة: ١٠٠ + ٥ = ١٠٥ ريالات.
أما التولية فهي البيع بثمن مساو للثمن الأول. وأما الوضيعة فهي البيع بثمن أقل من الثمن الأول بوضيعة معلومة، كما في المرابحة.
وسميت هذه البيوع بيوع أمانة (خلاف بيوع المساومة) لأنها مبنية على ائتمان المشتري للبائع وثقته به، من حيث الثمن الذي قامت عليه السلعة به، ويمكن أن تدخل في هذا الثمن مصاريف الشراء.
ففي صورة المرابحة هذه إذا تمت على أساس العربون فإنها جائزة عند من يجيز العربون، لا فرق في الجواز وعدمه بين بيع مرابحة وبيع مساومة.
٢-وبيع المرابحة، في حياتنا المعاصرة، عبارة تطلق اختصارًا على بيع المرابحة للآمر (أو للواعد) بالشراء كما يجري في المصارف الإسلامية الحديثة، بأن يطلب أحد العملاء إلى المصرف شراء سلعة موصوفة، فيعد المصرف العميل بشرائها، ويعد العميل المصرف بشرائها منه إذا ما اشتراها المصرف فإذا ما اشتراها المصرف دفع ثمنها نقدًا، وباعها إلى العميل بثمن مقسط أعلى.
وهذه المواعدة بين المصرف والعميل قد تكون ملزمة للطرفين، أو غير ملزمة لهما، أو ملزمة للمصرف دون العميل.
стр. 12489
والعربون يجوز في المرابحة عند من يجيز العربون، ويجيز الإلزام في المرابحة. من الفقهاء المعاصرين، فإذا كان الإلزام للطرفين جاز العربون لهما، وإذا كان الإلزام للمصرف جاز دفع العربون من المصرف دون العميل.
أما أنا فلا أرى جواز الإلزام في المرابحة (١) ، ومن ثم لا يجوز العربون فيها، ذلك لأن العربون لا محل له إذا كان الطرفان في المرابحة بالخيار، إذا شاءا أمضيا العقد، وإذا شاءا تركا فلا يوجد العربون إلا حيث يوجد الإلزام، ويكون العربون تأكيدًا لهذا الإلزام، ومن نكل دفع ثمن نكوله.
هل يلزم في بيع العربون أن تكون السلعة حاضرة للمعاينة، أم يجوز عند المواعدة على الشراء؟
من يرى من الفقهاء المعاصرين جواز الإلزام بالمواعدة في بيع المرابحة في المصارف الإسلامية، فإنه لابد وأن يرى جواز العربون مؤيدًا لهذا الإلزام، إذا كان أيضا ممن يرى جواز العربون أصلاً، وأعتقد أنه سيكون كذلك، لأن استجازة العربون أسهل في الفقه من استجازة الإلزام بالمواعدة في المرابحة المصرفية المعاصرة، وقد بينا ذلك في مواضع أخرى.
أما من لا يرى جواز الإلزام بالمواعدة، ويرى جواز العربون، فإن العربون لا يجوز عنده إلا عند المعاقدة، أي بعد حضور السلعة، ولا يجوز عنده هذا وقت المواعدة.
وإني أرى المواعدة جائزة بغير إلزام، والعربون جائزًا عند المعاقدة، بعد وصول السلعة ودخولها في ملك المصرف، ولا يجوز عند المواعدة على الشراء.
ويجب الانتباه هنا إلى أن بيع السلم، وهو جائز بالنص والإجماع، لا تكون فيه السلعة حاضرة للمعاينة، بل السلعة فيه موصوفة، والعربون في بيع السلم جائز كما في بيع التقسيط، وسنفصل هذا في المبحث التالي، والسلم معاقدة لا مواعدة ولهذا فإن المقصود من المسألة المبحوثة تحت العنوان أعلاه هو بيع المرابحة في المصارف الإسلامية، حيث فيه مواعدة، وليس المقصود بيع السلم.
هل يجوز العربون في بيع السلم؟
стр. 12490
بيع السلم هو البيع الذي يكون فيه الثمن معجلاً (= مسلفا) والمبيع مؤجلاً، مثل بيع طن من قمح موصوف يسلم بعد سنة، ويدفع ثمنه الآن.
فها هنا إذا عدل المشتري دفع العربون إلى البائع الذي قبض الثمن، ولم يكن هناك ربا ولا شبهة الربا.
أما إذا عدل البائع ودفع العربون إلى المشتري، كان هناك شبهة ربًا فالبائع الذي قبض ثمن المبيع معجلاً ١٠٠٠ ريال مثلاً، يعدل عن المبيع ويدفع إلى المشتري، بعد ثلاثة أيام مثلاً ١٠٠ ريال، فكأنه استلف ١٠٠٠ ريال، لمدة ثلاثة أيام، بربًا قدره ١٠٠ ريال.
إذا وقعت هذه الصورة بدون اتفاق أو تواطؤ مسبق على العدول فلا يجيزها إلا الشافعية، وتمنعها المذاهب الثلاثة الأخرى، سدًّا لذريعة الربا فحكم هذه الصورة هو حكم العينة.
أما إذا وقعت باتفاق مسبق على العدول فلا يجيزها أحد (١) .
ويأثم البائع وحده، ديانة عند الشافعية، إذا كان عدوله بنية مبيتة منه.
الخلاصة:
١- صورة العربون في البيع، عند العلماء، أن يشتري الشيء، ويدفع إلى البائع مبلغًا من المال، على أنه إذا تم البيع كان ما دفعه جزءًا من الثمن، وإذا لم يتم البيع كان ما دفعه ملكًا للبائع.
٢- صورة العربون في الإجارة، عند العلماء، أن يستأجر الشيء، ويدفع إلى المؤجر مبلغا من المال، على أنه إذا تمت الإجارة كان ما دفعه جزءًا من الأجرة، وإذا لم تتم الإجارة كان ما دفعه ملكًا للمؤجر.
٣- نرى الأخذ بمذهب الحنابلة وبعض السلف من الصحابة والتابعين في جواز العربون في البيع والإجارة، على أن يكون الخيار في الإمضاء والنكول مقيدًا بمدة معلومة، إذا لم يثبت نص في النهي عنه، والأصل في المعاملات المالية الإباحة، وهو عام البلوى في الأعراف الحديثة، والمصلحة داعية إليه.
وتقييد الخيار بمدة معلومة هو ما ذهب إليه بعض الحنابلة، وبعض العلماء المعاصرين، وهو ما عليه أيضا القوانين الوضعية الحديثة.
٤- إذا دفع العربون على أنه إذا تم البيع أو الإجارة كان جزءًا من الثمن أو الأجرة، وإذا لم يتم استرده الدافع، فهذا ليس من العربون المختلف فيه بين العلماء إنما هو جائز عند الجميع، والعربون المختلف فيه بين العلماء إنما هو المال المدفوع مستقلا عن ثمن السلعة، أو عن الأجرة في حال النكول، بحيث إذا نكل المتعاقد خسر العربون المدفوع.
٥- والعربون جائز سواء أكان الخيار في الإمضاء والنكول لأحد الطرفين أم لكليهما معا، فإذا نكل دافع العربون فقد هذا العربون، وإذا نكل القابض رده إلى الدافع ومثله معه.
٦- لا يشترط لاستحقاق العربون وقوع الضرر فعلاً، أو إثبات وقوعه.
٧- البيع بشرط التعويض في المصافق (= البورصات) الحديثة عبارة عن بيع يعطى فيه الخيار للمشتري أو للبائع، بأن يمضي العقد أو يفسخه لقاء تعويض يدفع إلى الطرف الآخر هذا التعويض يشبه العربون، ومع ذلك فإن البيع المذكور غير جائز، لا لأن العربون غير جائز، كما ذهب إليه البعض، بل لأن هذا البيع قائم على المراهنة على الأسعار، صعودها وهبوطها، وهذه المراهنة غير جائزة.
стр. 12491
٨- الشرط الجزائي هو أن يتفق الدائن مع المدين على التعويض الذي يستحقه الدائن، إذا لم يف المدين بالتزامه، أو إذا تأخر فيه وتذهب بعض النظم القانونية والقضائية إلى جواز الشرط الجزائي دون أن يكون للقاضي الحق في تعديله بالزيادة أو النقصان أو الإلغاء، لكي يتناسب مع مقدار الضرر الفعلي، وعندئذ يزداد التشابه بين الشرط الجزائي والعربون وقد أجازت هيئة كبار العلماء في الملكة العربية السعودية الشرط الجزائي عام ١٣٩٤م، كما أجاز مجمع الفقه الإسلامي بجدة، عام ١٤١٢ هـ، إحدى صور الشرط الجزائي، وهي اشتراط حلول سائر أقساط الدين إذا تأخر المدين في دفع أحدها.
أمام هذا نرى من المناسب تقرير جواز العربون أيضا، لكي لا يكون هناك أي تناقض بين قرار وآخر.
٩- لا يجوز العربون في بيع النقد بجنسه، ولا في الصرف، لوجوب التقابض في المجلس المأمور به شرعًا في هذه الحالات، وامتناع الخيار.
١٠- يجوز العربون في الخدمات كما يجوز في السلع، بشرط أن ينشأ في الغالب ضرر عن نكول الناكل، فإذا لم يكن من شأن هذا النكول في العرف أن يترتب أي ضرر، فلا يجوز العربون، لأنه يكون عندئذ من باب أكل المال بالباطل.
١١- الأوراق المالية هي السندات والأسهم أما السندات فلا يجوز العربون فيها، لأنها ربوية غير جائزة أصلا أما الأسهم فيجوز فيها العربون في الحالات التي تكون فيها الأسهم جائزة، سواء من حيث نشاط الشركة أو من حيث طبيعة موجوداتها.
١٢- يجوز العربون في بيع المرابحة وسائر بيوع الأمانة، كما يجوز في بيوع المساومة ولا فرق، أما في بيوع المرابحة كما هي مطبقة في المصارف الإسلامية الحديثة فلا يجوز فيها العربون، لأنها قائمة على المواعدة، والمواعدة فيها لا يجوز أن تكون ملزمة، لما بيناه في بحوث مستقلة غير أن مجمع الفقه الإسلامي بجدة، في عام ١٤٠٩ هـ، أجاز الإلزام لأحد الطرفين، ولم يجزه لهما معًا.
١٣- يجوز العربون في بيع السلم إذا كان دافع العربون هو المشتري، أما إذا كان دافعه هو البائع فإن فيه شبهة الربا، ولا يختلف على الحكم قضاء فيه بالربا أحد إذا كان عدول البائع باتفاق مسبق، ولا على الحكم فيه ديانة إذا كان عدوله بنية مبيتة منه، والله أعلم بالصواب.
الدكتور رفيق يونس المصري
стр. 12492
المراجع
أولا – المراجع القديمة
- إعلام الموقعين لابن القيم (- ٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الفكر، ط٢، ١٣٧٩هـ (=١٩٧٧م) .
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد للمرداوي (- ٨٨٥هـ) ، بتحقيق محمد حامد الفقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٠ هـ (-١٩٨٠م) .
- بداية المجتهد لابن رشد (-٥٩٥هـ) ، بيروت، دار الفكر، د. ت.
- تفسير القرطبي (-٦٧١هـ) الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٥هـ (=١٩٨٥م)
- تهذيب الأسماء واللغات للنووي (-٦٧٦هـ) ، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت.
- حاشية ابن عابدين (-١٢٥٢هـ) ، بيروت، دار الفكر، ط٢، ١٣٩٩هـ (= ١٩٧٩م) .
- حاشية الجمل (-١٢٠٤هـ) على المنهج لزكريا الأنصاري (=٩٢٥هـ) ، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، د. ت.
- حاشية الخرشي (- ١١٠١هـ) على خليل (-٦٧٦هـ) ، بيروت، دار صادر، د. ت.
- حاشية الدسوقي (-١٢٣٠هـ) على الشرح الكبير للدردير (١٢٠١هـ) ، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، د. ت.
- حاشية قليوبي (-١٠٦٩هـ) وعميرة (٩٥٧هـ) ، بيروت، دار الفكر، ط٤، د. ت.
- روضة الطالبين للنووي (-٦٧٦هـ) ، دمشق، المكتب الإسلامي، ط٣، ١٤١٢هـ.
- سنن ابن ماجه (-٢٧٥ هـ) ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، د. ت.
- سنن أبي داود (-٢٧٥ هـ) ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، ط٢، ١٣٦٩ هـ (= ١٩٥٠م) .
- سنن البيهقي (-٤٥٨ هـ) ، بيروت، دار الفكر، د. ت.
- سنن الترمذي (-٢٧٩ هـ) ، الجامع الصحيح، بتحقيق أحمد محمد شاكر، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، ط٢، ١٣٩٨ هـ (= ١٩٧٨ م) .
- شرح السنة للبغوي (- ٥١٦ هـ) ، بتحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش، بيروت، المكتب الإسلامي، ١٣٩٠ هـ (= ١٩٧١ م) .
- شرح فتح القدير لابن الهمام (٦٨١ هـ) ، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، د. ت.
- الصحاح للجوهري (٣٩٣ هـ) ، بيروت، دار العلم للملايين، ط٢، ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م) .
- صحيح البخاري (-٢٥٦ هـ) ، القاهرة، دار الحديث، د. ت.
- عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي (- ١٣٢٣ هـ) مع شرح ابن القيم (-٧٥١ هـ) ، بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، بيروت، دار الفكر، ط٣، ١٣٩٩ هـ (= ١٩٧٩ م) .
стр. 12493
- غاية المنتهى للمقدسي (- ١٠٣٣ هـ) ، دمشق، المكتب الإسلامي، ١٣٨٠ هـ (= ١٩٦١ م) .
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر (-٨٥٢ هـ) ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة، د. ت.
- القوانين الفقهية لابن جزي (- ٧٤١ هـ) ، بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٧٩ م.
- كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي (- ١٠٥١ هـ) ، بتحقيق هلال مصيلحي، الرياض، مكتبة النصر الحديثة، د. ت.
- لسان العرب لابن منظور (- ٧١١ هـ) ، بيروت دار صادر د. ت.
- المجموع للنووي (- ٦٧٦ هـ) ، بتحقيق محمد نجيب المطيعي، جدة، مكتبة الإرشاد، د. ت.
- المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم النيسابوري (- ٤٠٥ هـ) ، بيروت، دار الفكر، ١٣٩٨ هـ (= ١٩٧٨ م) .
- مسند الإمام أحمد (- ٢٤١ هـ) ، بيروت، دار الفكر، ط ٢، ١٣٩٨ هـ (= ١٩٧٨ م) .
- مسند الإمام أحمد (- ٢٤١ هـ) ، بعناية أحمد شاكر، القاهرة، دار المعارف، ١٣٧٣ هـ (= ١٩٥٤ م) .
- مصنف ابن أبي شيبة (- ٢٣٥ هـ) ، بتحقيق عبد الخالق الأفغاني، بومباي، الدار السلفية، ط٢، ١٣٩٩ هـ (= ١٩٧٩ م) .
- مصنف عبد الرزاق (-٢٢١ هـ) ، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط٢، ١٤٠٣ هـ (= ١٩٨٣ م) .
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للرحيباني (- ١٢٤٣ هـ) ، دمشق، المكتب الإسلامي، ١٣٨٠ هـ (= ١٩٦١ م) .
- مغني المحتاج للخطيب الشربيني (- من علماء القرن العاشر الهجري) ، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، ١٣٧٧ هـ (= ١٩٥٨ م) .
- المغني مع الشرح الكبير لابن قدامة (- ٦٢٠ هـ) ، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٣٩٢ هـ (= ١٩٧٢ م) .
- المنتقى شرح الموطأ للباجي (- ٤٩٤ هـ) ، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٣٣٢ هـ.
- موطأ الإمام مالك (- ١٧٩ هـ) ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، د. ت.
- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (- ٦٠٦ هـ) ، بتحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بدون مكان نشر، المكتبة الإسلامية، د. ت.
- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (- ١٠٠٤ هـ) ، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، ١٣٥٧ هـ (= ١٩٣٨ م) .
- نيل الأوطار للشوكاني (-١٢٥٠ هـ) ، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، د. ت.
стр. 12494
ثانيا – المراجع الحديثة
- بيع العربون، تحليل فقهي، لرفيق يونس المصري، مجلة الوعي الإسلامي، العدد ٣٠١ لعام ١٤١٠هـ (=١٩٨٩م) .
- حكم العربون في الإسلام لماجد أبو رخية، عمان، مكتبة الأقصى، ١٤٠٧هـ (١٩٨٦م) .
- رأي التشريع الإسلامي في مسائل البورصة لأحمد يوسف سليمان، ضمن الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الجزء الخامس (الشرعي) ، القاهرة، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، ١٤٠٢هـ (=١٩٨٢ م) .
- شريعة الإسلام للقرضاوي، بيروت، المكتب الإسلامي، ١٣٩٨هـ.
- عمل شركات الاستثمار الإسلامية في السوق العالمية لأحمد محيي الدين أحمد حسن، البحرين، بنك البركة الإسلامي للاستثمار، ١٤٠٧هـ (=١٩٨٦م) .
- الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي للصديق محمد الأمين الضرير، بدون مكان نشر ولا ناشر، ط١، ١٣٨٦ـ (=١٩٦٧م)
- الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلى، دمشق، دار الفكر، ط٢، ١٤٠٥م (=١٩٨٥م) .
- قانون المعاملات المدنية السوداني لعام ١٩٨٤م.
- قرارات مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الدورة السابعة، القرار ٦٥ / ٢ /٧ لعام ١٤١٠هـ، بشأن البيع بالتقسيط.
- قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي بجدة خلال الأعوام ١٤٠٦هـ - ١٤٠٩هـ.
- مجلة البحوث الإسلامية، الرياض، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، شوال ١٣٩٥هـ.
- مجلة مجمع الفقه الإسلامي، جدة، العدد الخامس، الجزء الثاني، ١٤٠٩هـ (=١٩٨٨م) .
- المدخل الفقهي العام لمصطفى أحمد الزرقاء، دمشق، بدون ناشر، ١٣٨٧ هـ (= ١٩٦٨م) .
- مصادر الحق في الفقه الإسلامي لعبد الرزاق السنهوري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت.
- الموسوعة الفقهية الكويتية، ج١٢، الكويت، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ط١، ١٤٠٨هـ (=١٩٨٧م) .
- الوسيط في شرح القانون المدني لعبد الرزاق السنهوري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٩٦٤م.
стр. 12495
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بيع العربون
الرئيس:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في هذه الجلسة الصباحية: بيع العربون.
والعارض هو: فضيلة الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير.
والمقرر هو: فضيلة الشيخ عبد الله سلميان بن منيع.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وبعد.
فقد كتب في هذا الموضوع أربعة باحثين والباحثون هم:
- الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
- الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي.
- الدكتور رفيق يونس المصري.
وسأجعل بحثي أساسًا في العرض وأتعرض عند كل مسألة لما ورد في البحوث الأخرى، موافقة أو مخالفة أو زيادة، والله أسأل التوفيق.
المسألة الأولى- تعريف بيع العربون:
العربون أو العربان الوارد في الحديث، والذي يتحدث عنه الفقهاء هو أن يشتري الرجل السلعة ويدفع للبائع مبلغًا من المال، على أنه إن أخذ السلعة يكون ذلك المبلغ محسوبًا من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع. هذا التفسير اتفق عليه جميع الفقهاء، وقد نقلت في بحثي ما يؤيد هذا من أقوال الفقهاء، فنقلت نص الإمام مالك ونص ابن قدامة، ونص المرتضى ونصًّا للرملي، وكلها متفقة في هذا المعنى، غير أن بعضها يذكر في إحالة الرد. يقول الإمام مالك: " مثلا وإن تركت ابتياع السلعة فما أعطيتك لك باطل بدون شيء " وعبر بعبارة: " باطل بدون شيء"، ابن قدامة عبر بعبارة " فذلك للبائع" أي إن لم يأخذ السلعة، المرتضى عبر بعبارة " وإلا فهبة "، وكذلك الرملي. وهذا المعنى في العربون اتفق عليه أيضا جميع الباحثين، غير أن بعضهم أضاف تعريفًا آخر.
الشيخ عبد الله بن منيع، في بداية بحثه ذكر تعريفًا للسنهوري، وعرفه بعضهم بقوله: " العربون هو ثمن استعمال الحق في العدول عن عقد شراء أو إجارة يجري الاتفاق بين طرفيه على تعيين هذا الثمن، ويلتزم بمقتضاه من يستعمل هذا الحق أن يدفع هذا الثمن ليحق له العدول عن الالتزام بذلك العقد ".
هذا في رأيي تعريف للقانونيين وليس تعريفًا للعربون عند الفقهاء.
الدكتور رفيق أيضا ذكر التعريف الذي أوردته وذكر تعريفا آخر، ولم ينسبه إلى أحد وأشار إلى لسان العرب فقال: وقد عرفه بضع العلماء بعبارة مركزة فقال:
" الإعراب في البيع أن يقول الرجل لرجل: " إن لم آخذ هذا البيع بكذا فلك كذا وكذا من مالي"". وهذا أيضا لا ينطبق في رأيي على بيع العربون الذي ذكره الفقهاء؛ بيع العربون لابد أن يكون فيه بيع، أولاً بيع مستوف لجميع شروطه، ثم يأتي بعد ذلك الشرط، أما أن يقول الرجل للرجل: إن لم آخذ هذا البيع، هذا ليس من بيع العربون، فهذا توسع منه في هذا المعنى.
стр. 12496
التكييف الفقهي لبيع العربون:
وأعود إلى كلامي، يتبين من تعريف العربون أنه بيع مستوف لجميع شروطه، يثبت فيه الخيار للمشترى فإذا أمضى البيع - وهذا الخيار يثبت بالشرط ولا يثبت تلقائيًّا، إذا لم ينص فيه لا يثبت – فإذا أمضى المشتري البيع مكان العربون جزءًا من الثمن، وإذا رد البيع فقد العربون؛ فهو خيار شرط يقابله مال في حال الرد، وهذا الخيار للمشتري وحده، أما البائع فإن البيع لازم بالنسبة له، لا يستطيع رده، كما تبين أيضا أنه خيار غير محدد بزمن، هذا التكييف وافقني عليه الزحيلي، الدكتور عبد الله بن منيع ذكر تكييفًا لا أستطيع أن أكيفه ولذلك سأتركه له يكفيه لنا ويشرحه. الدكتور رفيق المصري أطال في ذكر التكييف إلى مسائل طبيعتها قد تكون في غير الموضوع، وسماها مقاصد العربون. فبدأ بقوله:
مقصد العربون في الفقه:
أولاً: إعطاء المشتري أو المستأجر حق النكول إذا بدا له أن الشراء في غير صالحه.
ثانيًا: جبر ضرر البائع أو المؤجر في حدود مبلغ العربون نتيجة نكول المشتري أو المستأجر، فالعربون هو الجزاء أو الثمن الذي يتكبده أحد المتعاقدين نتيجة نكوله، يلاحظ أن الدكتور رفيق يجعل العربون من حق العاقدين: البائع والمشتري، وهذا لا يقول به فقيه من الذين تحدثوا عن بيع العربون، فبيع العربون هو خاص بالمشتري هذا هو رأي القانون، وليس رأي الفقه، ثم أخذ يفصل في هذا الكلام تفصيلاً لا أرى داعيًا لقراءته، وقال في آخره: ولعل العربون هو أقرب إلى الجابر (التعويض) منه إلى الزاجر.
وربما يكون للعربون طبيعة خاصة تجعله مختلفًا عن كل ما سبق، وذكر احتمالات كثيرة، هو هبة ولا جزاء ولا غير ذلك، وإن كان أقرب إلى بعض هذا من بعض، فالعربون جزء من الثمن إذا أمضيت الصفقة، وثمن خيار إذا كان هذا الخيار بالعدول عن الصفقة. فالعربون لا ينظر إليه فقط عند العدول، مع ما لهذا النظر من أهمية خاصة، بل ينظر إليه أيضًا، نحرص على قراءة ما يكتبه الدكتور رفيق لأنه غير موجود معنا. هذا ما يتعلق بالتكييف.
نأتي إلى المشروعية: ورد في حكم بيع العربان حديثان، أحدهما ينهى عنه والآخر يحله، الحديث الذي ينهى عنه هو: عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العربان)) . هذا الحديث ضعفه جماعة من رجال الحديث منهم الإمام أحمد، وقال النووي عنه: " مثل هذا لا يحتج به عند أصحابنا، ولا عند جماهير العلماء " والضعف يدخل هذا الحديث من وجهين:
الأول: إبهام الثقة الذي روى عنه مالك.
الثاني: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
فقد ذهب قوم إلى ترك الاحتجاج بها، بهذه الرواية مطلقًا حيثما ورد؛ منهم: أبو داود، وابن حبان، وابن عدي، وابن معين في رواية عنه، قال ابن حبان: " إن أراد جده عبد الله، فشعيب لم يلقه، فيكون منقطعًا، وإن أراد محمدًا، فلا صحبة له، فيكون مرسلاً ". وعمرو بن شعيب هذا هو عمرو بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال ابن معين عن رواية عمرو بن شعيب: هي كتاب ووجادة، فمن هنا جاء ضعفه لأن التصحيف يدخل على الراوي من الصحف: ولذا تجنبها أصحاب الحديث.
هؤلاء هم الذين ضعفوا هذا الحديث وهذه حجتهم.
стр. 12497
وصحح هذا الحديث جماعة وقالوا عن المطعن الأول: (رواية إبهام الثقة) قالوا: إن سند الحديث وإن كان ضعيفا لإبهام الثقة الذي رواه عنه مالك إلا أن الحديث في ذاته صحيح؛ لمعرفة هذه الثقة؛ فقد قال ابن عبد البر: إنه ابن لهيعة. وقالوا عن المطعن الثانى _ رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده _ قالوا: إن المراد بجده عبد الله الصحابى؛ لا
محمد التابعى وسماع شعيب عن عبد الله ثابت وهو الذي رباه لما مات أبوه محمد قال في
تدريب الراوى: وذهب آخرون إلى الاحتجاج بها وهم أكثر المحدثين وهو الصحيح المختار. الذي عليه المحققون من أهل الحديث
وقد روي حديث النهى عن بيع العربان من طرق أخرى ذكرها الشيخ أحمد محمد شاكر في شرحه لمسند الإمام أحمد، وصحح الحديث.
أطلت في ذكر هذه المسألة لأن هذا الدليل الذي اعتمدت عليه في رأيي وفي ترجيحي لرأي الجمهور، والحديث كما رأيتم صحيح عند أكثر المحدثين، والإخوة الذين كتبوا في هذا الموضوع ذكروا الحديث أيضا ولكنهم لم ينقلوا لنا إلا روايات التضعيف. ولم يذهبوا إلى أكثر من هذا. فكلهم _ فيما أعتقد_ اعتمدوا على ما في نيل الأوطار.
الحديث الذي يحل بيع العربون هو ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن زيد بن أسلم: ((سئل رسول الله ﷺ عن العربان، فأحله)) . هذا الحديث مرسل، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف، وقال ابن رشد: قال أهل الحديث: ذلك غير معروف عن رسول الله ﷺ ، وقال ابن عبد البر: لا يصح ما روي عن رسول الله ﷺ من إجازته. ولم أر من صححه، وذكر الإخوة الثلاثة أيضا هذا الحديث، وذكر الدكتور رفيق المصري أنه لم يجد هذا الحديث في مصنف عبد الرزاق، الحديث ورد في نيل الأوطار، واضح من هذا أن حديث زيد لا يجوز العمل به، ولهذا لم يحتج به حتى الإمام أحمد كما سنرى، لأن حديث زيد بن أسلم فيه ما رأينا، وحديث عمرو بن شعيب ورد من طرق أخرى – حتى من غير طريق عمرو – يقوي بعضها بعضا، وقد رجحه وصححه من يعتد به من أهل الحديث. وفي الشوكاني رجح هذا الحديث أيضا ورجحه من جانب آخر فقال: لأنه يتضمن الحظر وهو أرجح من الإباحة، هذا كلام الشوكاني. وكما قلت لكم: الإخوة ذكروا هذا ولا داعى لقراءة أقوالهم لأنها لا تختلف عما قلته لكم. بعد هذا نأتي إلى رأي الفقهاء.
стр. 12498
آراء الفقهاء في حكم بيع العربون:
اختلف الفقهاء في حكم بيع العربون فمنعه الحنفية والمالكية والشافعية والشيعة الزيدية وأبو الخطاب من الحنابلة، وروي المنع عن ابن عباس والحسن وقال ابن رشد والشوكاني:المنع قول الجمهور. وأجازه الإمام أحمد وروي الجواز عن عمر وابنه عن جماعة من التابعين منهم مجاهد وابن سيرين ونافع بن الحارث – أو ابن عبد الحارث كما في رواية أخرى – وزيد بن أسلم. واستدل كل من الفريقين بأدلة، ما يتعلق بآراء الفقهاء هذا أيضا لا خلاف فيه بين الباحثين، الدكتور رفيق المصرى أضاف إلى آراء المتقدمين رأي المعاصرين فذكر المانعين والمجيزين فقال: من المعاصرين الذين أجازوا العربون مصطفى الزرقا ووهبة الزحيلى ويوسف القرضاوي والسنهوري وأبو رخيمة. ومن المعاصرين الذين لم يجيزوا العربون، الصديق الضرير، ولكن يبدوا – هذا من رفيق المصرى – أن منعه منصب على بيع العربون الذي لم تتحدد فيه مدة الخيار، ولا أدري هل يستمر في المنع إذا حددت المدة؟. صحيح هذا هو رأي الصديق الضرير، ولكن موضوع المدة وتحديد بيع العربون المعروف في الفقه الإسلامى والذى تحدث عنه الفقهاء وورد فيه الحديث، المدة فيه غير محددة، فالذين يرون هذا - ذهب إليه الإخوة الثلاثة الذين كتبوا في هذا الموضوع – أن المدة محددة، إذا كانت المدة هذا ليس رأي الإمام أحمد، الإمام أحمد يجيز العربون من غير تعرض للمدة، وهذا واضح من عباراته، وحتى في الدليل الذي اعتمد عليه أساسا وهو فعل عمر لم يذكر فيه أن المدة محددة، ولذلك في التكييف، أنا ذكرت هذا، أن المدة غير محددة، وهؤلاء الإخوة أيضا رفيق المصرى ذكر هذا في تكييفه لبيع العربون وأن المدة غير محددة، فالرأي الذي يتحدث عن بيع العربون المدة فيه محددة لا يتحدث عن بيع العربون في الفقه الإسلامى، هذا رأي من عنده، سنعود إليه في آخر الكلام.
الأدلة: سأذكر أولا أدلة المانعين ثم أدلة المجوزين.
стр. 12499
استدل المانعون لبيع العربون، أولا بحديث النهي عن بيع العربون وهذا دليل – كما قلت لكم – دليل قوي لما بيناه من صحة هذا الحديث، وإذا صح الحديث فلا معدل عنه.
الدليل الثانى: في بيع العربون غرر، قال ابن رشد الجد: ومن ذلك أن من الغرر، أي من الغرر المنهي عنه، نهى رسول الله صلى عليه وسلم عن بيع العربون، وقال أيضا: الغرر الكثير المانع من صحة العقد يكون في ثلاثة أشياء أحدهما العقد والثانى أخذ العوضين، والثالث الأجل فيهما أو في أحدهما، فأما الغرر في العقد فهو مثل ((نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة وعن بيع العربان)) . هذا الغرر فيه يرجع إلى صيغة العقد، لأنه لا يدري هل سيتم هذا البيع أو لا يتم، وقال ابن رشد الحفيد: وإنما صار الجمهور إلى منعه لأنه من باب الغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، وقد ورد التعليل بالغرر: وأكل المال بالباطل في كثير من كتب المالكية، وبالغ القرطبي في هذا فقال: إنه من باب بيع القمار، والغرر، والمخاطرة، وأكل المال بالباطل، بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل بإجماع. هذا كلام القرطبي.
والغرر متحقق في بيع العربون لأنه بيع مستور العاقبة، وهذا هو ذلك الغرر، لا يدري كل من البائع والمشتري، هل يتم البيع أم لا؟ ومتى يتم إذا تم؟، لأن المدة مجهولة – كما قلت لكم – أما أكل المال بالباطل فمتحقق فيه بصورة واضحة، إذا عدل المشتري لعذر ما، وباع البائع سلعته بالثمن الذي اتفق به مع المشتري، أو أكثر منه، فبأي حق يأخذ هذا العربون الزائد، لا أظن أن هناك خلافا في أن هذه الصورة من أكل المال بالباطل، ولا أعتقد أن الإمام أحمد يجوز مثل هذه الصورة.
وذكر أيضا بعض الفقهاء أدلة أخرى، وأنا يكفيني هذين الدليلين، فقالوا: إن فيه شرطين فاسدين، أحدهما: شرط كون ما دفعه المشتري للبائع يكون مجانا إن اختار ترك السلعة، والثاني: شرط الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا بالبيع. هذه المسألة تتعلق بالشروط، والرابع: أن بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول، وهذا أيضا مهم لأن المشتري اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهما، في شرط الخيار العادي، وهذا فيما يبدو، الإخوة الثلاثة الذين بحثوا هذا الموضوع اعتبروا هذا مانعا من بيع العربون، ولهذا جاءت آراؤهم الثلاثة تشترط في بيع العربون ذكر المدة.
стр. 12500
وبهذا يعتبر منافذ الاختلاف بيني وبينهم أن بيع العربون المعروف في الفقه الإسلامي لا يجوز، لأن المدة فيه غير محددة، ومن الأدلة التي ذكرها تقريبا كل الإخوة الثلاثة الذين بحثوا الموضوع وإن كان بعضهم ذكرها مجزأة في أماكن مختلفة، والدكتور رفيق المصري كعادته أسهب فيها، وذكر أدلة أخرى، هي في رأيي من قبيل الردود وليست من الأدلة، هو ذكر هذه الأدلة الأربعة وزاد عليها أدلة أخرى، مثلا، ذكر حديث نافع بن الحارث يمكن حمله جمعا بين الآثار على أن شراء دار السجن لعمر قد تم بعد الشرط بعقد مبتدئ، احتسب فيه الدرهم من الثمن، وهذا رد في الواقع وليس من الأدلة، ويقول أيضا: لا يصح من أدلة جعل العربون عوضا عن انتظار البائع، وتأخير بيع السلعة من أجل المشتري، لأنه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء. لأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة فيه، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار، هذا كلام ابن قدامة في أثناء استدلاله بالأدلة.
ننتقل إلى أدلة المجوزين: استدل المجوزون لبيع العربون أولا بحديث زيد بن أسلم وهذا لم أجده في غير نيل الأوطار، ابن قدامة لم يذكره، وصاحب المقنع أيضا لم يذكره، ولا الإمام أحمد احتج به، احتج بأمر آخر هو الذي سيأتى في الدليل الثانى، مع أن في هذا الحديث المقال الذي ذكرناه مما يدل على أن كل هؤلاء لا يأخذون بهذا الحديث، فلا يجوز الاستدلال به. والدليل الثانى ما روي عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر، وإلا فله كذا وكذا.
وأحب أن أشير إلى حقيقة هذه العبارة كذلك، ليس فيها تحديد لمدة. قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر رضى الله عنه، هذا هو كل الدليل من هذا الأثر المروي عن عمر. قال ابن قدامة معلقا على هذا الكلام: وإنما صار أحمد فيه إلى ما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث ... وذكر هذا الخبر ثم قال: فأما إن دفع إليه من قبل البيع درهما، وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم أشترها منك، فهذا الدرهم لك، ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدأ وحسب الدرهم من الثمن صح، لأن البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه. هذا كلام ابن قدامة، فكأنه يشكك في ما روي، فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر، ويقصد بالخبر الحديث الذي ينهى، وموافقة القياس.