بعد ذلك –في الحقيقة- الدكتور المصري انتقل إلى موضوع التوريد، وكذلك فضيلة الشيخ الجواهري، وكلاهما نزل عقد التوريد على السلم. وهنا يقول الدكتور رفيق: ومناقصة التوريد تشبه بيع السلم من حيث ضرورة تحديد أوصاف المبيع. هذا الكلام سليم من حيث الشبه لكن فيما بعد وفي الخاتمة نزله على عقد السلم وكلاهما جعله من قبيل ... الشيخ الجواهري يقول: الدخول في المناقصة قد يكون لمن لا يمتلك السلعة وهو يكون من قبيل بيع السلم أو الاستصناع أو البيع الكلي أو الإجارة أو الاستثمار. الكلي في مقابل الشخصي. الشخصي يعني العيني الذي أمامي، هذا ما قصد به من كتب الكلي والشخصي. الشخصي: العيني، الكلي بمعناه وليس وهو موجوداً بين يديه. عقد التوريد –في الحقيقة- له مخرج واسع عند المالكية فهو من قبيل بيع الصفة، وبيع الصفة يشترط المالكية ألا يقدم الثمن، كما أن البضاعة مؤجلة فيجب أن يؤجل الثمن. فعقد التوريد لا إشكال فيه ولا ينزل أو يحاول أن يخضع على أي بيع وإنما هو ما يسميه المالكية بيع الصفة.
المآخذ التي تؤخذ على بيع التوريد، بيع الكالئ بالكالئ، هذا حديث. الواقع الدكتور وفق كل التوفيق في شرع معنى هذا الحديث، قال: بيع الكالئ هو دين بدين، هنا لا يوجد دين، هنا شراء سلعة وثمن. فهو قال: هنا مبادلة سلعة بنقد أو خدمة بنقد. فإذن لا يدخل عقد التوريد.... ليس علي دين وعلى الآخر دين فأنا أقاضيك الدين بالدين أي بدين آخر. إذ وفق في هذا التحليل للحديث وهو الذي ذهب إليه ملا علي قاري وبعض علماء الحديث إلا أنه في صفحة أخرى يقول: نخلص من هذا إلى أن حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ لا يقف حائلا دون جواز مناقصات التوريد والمقاولة. حبذا لو جعل تفسيره للحديث تكأته على هذا الموضوع، ولكن قال بعد ذلك: التي عمت بها البلوى في القوانين والأعراف، ولا بديل لها أفضل منها حتى الآن، وصارت الحاجة إليها عامة، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة. وإذا بدا أن فيها مخالفة لبعض القواعد، فإن فيها- والله أعلم - مصلحة يجب تحصيلها ولو خولفت فيها القواعد- أي استحسانا- كما ذكر بعض العلماء المحققين.
أظن لا حاجة لهذا الكلام أبدا ما دام أنك فسرت الحديث بأنه لا يوجد هنا بيع دين بدين، وإنما هنا عملية عقد على سلعة فكأنك تراجعت عن معنى الحديث السابق، وجعلت تكأتك أو تعليلك أو تبريرك لهذا الموضوع بهذه المبررات التي في نظري لا داعي لها أساسا.
بعد ذلك في صفحة أخرى من بحثه قال: جاء في حديث (بيع ما ليس عندك) . الواقع أن تفسير هذا لم يكن واضحا في كلامه، بينما بعض المحدثين وفي مقدمتهم ملا علي قاري والشيخ ابن القيم، فسروا (ما ليس عندك) أي ما لا تقدر على تحصيله، وقالوا: ما ليس عندك، كما ذكر الشيخ الجواهري وهو في ذلك يتفق مع رأي ملا علي قاري والشيخ ابن القيم بأنه ما لم يكن موجودا، ما ليس عندك، إذا كان موجودا أو كان شخصيًّا - كما عبر عنه الشيخ الجواهري حتى تتضح معنى هذه الكلمة- إذا كان عينيا موجودا ولا تملكه، هذا الذي يحظره الحديث، ولكن معنى الحديث بكامله: ما ليس عندك أي ما لا تقدر على تحصيله، والمستورد الذي أبرم عقد التوريد هو لا يبرم هذا العقد إلا بعد أن يكون متأكدا وواثقا بأنه سيحصل على تلك البضاعة. فالاعتراضان وهما حديث (الكالئ بالكالئ) و (ما ليس عندك) وجد لهما تفسيران صحيحان، وعندئذ لا غبار على بيع عقد التوريد على مقتضى أو على صريح مذهب المالكية في بيع الصفة بالصفة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الرئيس:
توضيحاً لكلمة ابن القيم يا شيخ عبد الوهاب، كلمة ابن القيم يقول هي عندية الحكم والتمكن لا عندية الحس والمشاهدة.
الدكتور علي داود الجفال:
بسم الله الرحمن الرحيم،
سيدي الرئيس، اسمحوا لي بأن هذه الملاحظة لا تمس بحث المناقصة بشكل خاص ولكن الحقيقة بأنها تمس جميع البحوث –في اعتقادي- التي تم بحثها وسيتم بحثها في هذا المجمع. وهذه الكلمة القيمة في كتاب (إعلام الموقعين) لابن القيم فإن له في هذا المقام كلاماً نفيساً يعد من مفاخر الأنظار الفقهية، فإنه بعد أن استعرض في كتابه (إعلام الموقعين) بعض نصوص الشريعة وآثار السنة المروية في قاعدة الشروط والروايات الثابتة عن الإمام أحمد في تعليق العقود وتقييدها بشروط يقول ما نصه:
والمقصود أن للشروط عند الشارع شأناً ليس عند كثير من الفقهاء، فإن بعضهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله. فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل، فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص وفيه قضيتان كليتان، أحدهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائناً ما كان. الثانية: أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز بذله وتركه بدون اشتراط فهو لازم بالشرط. ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء، وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسوله، واتفاق الصحابة. ولا تعبأ بالنقد بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية فإنها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع.
стр. 14667
وبمناسبة كلمة ابن القيم هذه، نذكر الجملة الدستورية العظيمة لأستاذه شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀:
والأصل في العقود رضا المتعاقدين ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد.
فهذه العبارة الجليلة هي التي يجب أن تعتبر بحق دستور الفقه الإسلامي في مبدأ العقود. ويقول في ذلك الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (ابن حنبل) بعد عرضه مذهب الإمام أحمد في حرية التعاقد والشروط العقدية ما نصه:
وهكذا ترى ذلك الإمام الذي جعل آثار السلف أستاذه فتخرج عليها واهتدى بهديها انتهى في العقود في كثير من معاملات الناس إلى التوسعة بدل التضييق، والإباحة دون المنع، وبذلك قام الدليل على أن الناس الذي يزعمون أن الرجوع إلى مسالك السلف الصالح فيه تضييق على الناس لم يعرفوا حقيقة هذه الآثار وكيف سلك الصحابة السبيل، وكيف عالجوا المشاكل التي عرضت بروح الدين الذي جاء رحمة للناس ولم يجئ لإعناتهم والتضييق عليهم.
وهذه عقود تقوم عليها الأسواق العالمية اليوم قد كان في فقه أحمد متسع لها، وقد تبين أنه اهتدى في هذا بهدي السلف، ﵃، فأرجو أن يكون من هذا الكلام ومن هذه القواعد الأساس الذي يبحث عليه في بحوث هذا المجمع. وشكراً.
الشيخ خليفة:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أشكر مقدمي البحثين – الشيخ حسن الجواهري والدكتور رفيق- على جهدهما، كما أشكر العلامة التسخيري على تلخيصه وتقديمه للبحثين، فقد كان بحق تلخيصاً لمس روح البحثين وقدم خلاصتهما مع بعض التعليقات.
وأبدأ حديثي أولاً بتناول قضية التخريج الفقهي لمسائل المعاملات في العصر الحديث. يلاحظ على التخريج الفقهي الآن أنه قائم على الأحكام المباشرة عند الفقهاء، بمعنى محاولة قياس كل مسألة جديدة ترد على آراء الفقهاء السابقين في كل الأحوال، وفي بعض الحالات قد يتنازع المسألة أكثر من حكم نتيجة شبهها بعقد آخر وهكذا. ويا حبذا لو قام المجمع بجهد يبرز فيه روح المعاملات في الشريعة الإسلامية بل ويبرز أيضاً روح المعاملات في كل مذهب من المذاهب. أو الصناعة الفقهية للمعاملات في كل مذهب من المذاهب فإن كل مذهب من المذاهب الفقهية له اتجاه، وله صناعة وله أسلوب فيما يتصل بطريقة التعامل مع قضايا المعاملات. لو كان ذلك مبسوطاً بين يدي الباحث ربما يساعد مع محاولات الإلحاق المباشر على المذاهب الفقهي. هذا لا بأس به، بل هو مطلوب أن نضم الحاضر إلى الماضي لكن لا بد من الإدراك الكلي في مقاصد المعاملات. هذا أمر لا بد أن يكون واضحاً في أذهان الباحثين لكي يساعدهم على التخريج. هذه مسألة.
стр. 14668
المسألة الثانية: من الأمس بدأ الحديث عن إبعاد مسألة الحاجة، وأظن أن مسألة الحاجة لا يمكن إبعادها لأن الحاجة تعتبر مبدأ من المبادئ التي يتم الاستثناء على أساسها في المعاملات خاصة ويأتي تأسيساً عليها مبدأ الاستحسان في أصول الفقه. وعلماء الأصول يذكرون أيضاً في باب الرخصة أن الرخصة أنواعها هي: إباحة فعل المحرم، وإباحة ترك الواجب، وإباحة بعض العقود. فالحاجة أمر ثابت؛ لأن مبنى المعاملات في الشريعة الإسلامية على المرونة، ولذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نلغي دور الحاجة في بعض الحالات التي تستدعي اللجوء لهذا الدور. فهنالك حالات استثنائية كثيرة – حقيقة – تمر على الناس، ونحن الآن الوضع الذي فيه المسلمون هو وضع استثنائي؛ لأنه هو محاولة وضع تخلص من النظم غير الإسلامية والخلوص إلى نظام إسلامي. في مثل هذه الحالة يواجه الناس بعض الحالات التي تأخذ أوضاعاً استثنائية فيحتاجون كثيراً إلى استخدام مبدأ الحاجة. فاستبعاد هذه المبدأ بإطلاق أمر غير سليم هو مبدأ ثابت في باب الرخصة والعزيمة، " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى غرائمه". وهذا القسم مذكور حتى عند الشافعية والحنابلة والحنفية، كلهم يذكرونه وإن كانت تقسيماتهم مختلفة.
فخلاصة القول عندي: أن قضية الاجتهاد والتخريج في المعاملات ينبغي أن يكون النظر إليها فيه شيء من الرحابة أكثر. وأستشهد على ذلك بأنه بالأمس مثلاً في موضوع الحسابات الجارية هل هي قرض أو وديعة؟ بعض الناس لم يرضوا إطلاق وصف القرض عليها وقالوا في ذلك إن البنك غير محتاج والقرض لا يكون إلا لمحتاج. القرض هنا مسألة تكييف أتت انتهاءً ولم تكن ابتداءً، لم يقل أحد: إن الحسابات الجارية قرض ابتداءً ولكن الناس في دور التكييف وجدوا أن أنسب تكييف للحسابات الجارية أنها تكون قرضاً؛ لأن النقود تستهلك، وبناءً على استهلاكها فإنها لابد من أن تحمل عارية على أنها قرض. وهنا جاء القرض فجاء التفسير بالقرض وجاء الحمل على القرض على سبيل التكييف انتهاءً. ولم يكن ابتداءً بأي حال من الأحوال حتى يأتي الاعتراض بأن القرض لا يكون إلا للمحتاج إليه. هذا أمر لو كانت هذه المبادئ والقواعد الحاكمة للمعاملات واضحة في أذهان الباحثين لما كانت مثل هذه الاعتراضات ولما أخذت وقتاً.
стр. 14669
أرجع أخيراً إلى مسألة واحدة. الشيخ حسن الجواهري ذكر في بحثه وهو يتناول حديث: (لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يسم على سومه) ، وذكر أن هذا الحديث لا يتنافى مع المناقصة ومما قال في ذلك:
ويمكن توجيه عدم التنافي بشكل آخر وهو أن يقال: إن حديث النهي عن الدخول في السوم ناظر إلى المعاملة الخاصة الجارية بين طرفين خاصين.
يعني اعتبر أن هذا الحديث في مورد المعاملة الواقعة بين فردين (شخص وشخص) ، لكني أرى أن الحديث لفظ (أحدكم) عام أولاً؛ لأنه مضاف الضمير وبالتالي هو عام، كما وأنه أيضاً إذا كانت المعاملة بين شخصين إذا تم البيع إذا حصل الركون لا يجوز للآخر أن يبيع، فمن باب أولى الجماعة هنا؛ لأنه إذا كان فيه ضرر على الفرد يبقى أيضاً هنالك من باب أولى الضرر أظهر بالنسبة للجماعة، ولكن هذا الحديث ليس في هذا المورد؛ لأن موضوع المناقصة ابتداء هو موضوع مقدمه للمعاملة، والمعاملة لم تتم أبداً ولم يحدث فيها ركون، ولهذا يكون الحديث ليس في مورد هذه القضية وهي قضية المناقصات. على أني أخيراً أرى أن مثل هذه القضايا ومنها قضية المناقصات هي قضية إجرائية أكثر منها قضية عميقة يعني من البحث عن حكمها، قد تكون هنالك قضايا أكثر أهمية من هذا القضية وهي قضية إجرائية لو كانت المسائل الفقهية واضحة في أذهان الناس هنالك مسائل احتفوا بها، تبحث هذه المسائل هل هي صحيحة أم لا؟ لكن أصل المسألة أبداً من الناحية الفقهية ليس هنالك ما يمنعه، فالمسألة إجرائية أكثر مناها مسألة فقهية. وشكراً.
الدكتور سعود الثبيتي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربن العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد،
أضم صوتي إلى صوت من يقول: إن المسائل المبحوثة أو التي طلب بحثها في عقد المناقصة هي المسائل أو أغلبها إن لم تكن كلها الموجودة في عقد المزايدة. وعقد المزايدة بحث واتخذ فيه قرار في الدورة الماضية، فأكثر الصور مكررة بين العقدين. وهناك عدة ملاحظات بسيطة.
أولاها: الموضوع المتعلق بالخيار. هل الخيار موجود وهما لا يملكانه؟ يظهر- والله أعلم – أن الخيار قد أسقطه المناقص حين دخوله في المناقصة كما قال: أبيعك على أن لا خيار لي، وهذا يؤيده حديث النبي ﷺ ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) أو يخير أحدهما الآخر فإذا خير أحدهما الآخر سقط خيار المخيِّر وبقي خيار المخيَّر.
المسألة الثانية: التي أريد الكلام فيها فيما يتعلق بتأجيل العوض. في الحقيقة عقد المناقصة أو عقد الزائدة فيه عدة صور متشابهة، وهذه الصور المتشابهة ينبغي التمييز فيما بينها. فمن عقود المزايدة والمناقصة بيع العين الموصوفة الموجودة وهذه لا يشترط فيها تسليم الثمن، ما دامت العين موجودة وموصوفة سواء كانت في بلاد المتعاقدين أو في غير بلادهما. وما دامت عيناً موجودة ويملكها البائع فهو بيع موصوف، والعلم بالمبيع يحصل بأحد أمرين: إما بالرؤية أو بالصفة التي تكفي في السلم وترفع الجهالة عن المعقود عليه. فهذه الصورة الأولى لا يشترط فيها تسليم الثمن بل هي من بيع الدين. الصورة الثانية التي يشترط فيها تسليم الثمن هي بيع الموصوف في الذمة أو السلم أو المسلم فيه. بيع المسلم فيه. بيع المسلم فيه أو الموصوف في الذمة هذه هي الصورة التي ينبغي أن يشترط تسليم الثمن في مجلس العقد؛ لأن السلعة غير موجودة وهي متعلقة بالذمة، والثمن لا يصح أن يكون متعلقاً بالذمة؛ لأن هذا من بيع الدين بالدين. وبيع الدين بالدين نهى عنه النبي ﷺ في الحديث المعروف المشهور من حيث تلقي الأمة له بالقبول وإن كان في سنده بعض الاعتراضات أو على متنه بعض الاعتراضات إلا أن هذا الحديث قد تلقته الأمة بالقبول مثل حديث ((لا وصية لوارث)) وغيره من الأحاديث التي عليها العمل عند علماء الأمة جميعاً ولا يصح التشكيك فيه بعد أن تلقته الأمة بالقبول.
стр. 14670
المسألة الثالثة: التي ينبغي التمييز فيها هي المستصنعات، فالأمور المستصنعة التي تدخلها الصنعة وغير موجودة والموجود في السوق لا يوفي بغرض العاقدين أو المناقصين أو المزايدين، هذه أفتى فيها المجمع سابقاً بأن أمور الاستصناع إذا لم تكن موجودة لا تشترط فيها تسليم الثمن وإنما يجوز تأجيله أو تقسيطه.
المسألة الرابعة: الإجارة، إن المناقصات في الإجارات لا يشترط فيها تسليم الأجرة كما هو معلوم.
هذا فيما يتعلق بالصور المتشابهة والتي ينبغي التمييز فيها بينها وأرجو أن لجنة الصياغة تجعل لكل صورة وضعها الطبيعي.
أما الضمان، ففي الحقيقة الضمان هو العربون. وبيع العربون قد أفتى المجمع فيما سبق وكما هو الراجح من أقوال أهل العلم أنه تصح مصادرته حين تأخر المناقصة والمزايدة عن الوفاء بما التزم به.
أما الموقف عند حصول طوارئ خارجة عن إرادة المتعاقدين فهذا هو الموقف الموجود عند عجز المسلم إليه أو المستصنع عن الوفاء بما التزمه من تسليم المسلم فيه، أو من تسليم المستصنع عن الوفاء بما التزمه من تسليم المسلم فيه، أو من تسليم المستصنع فيه، إذا حصلت طوارئ يقدرها القضاء فيكون الخيار للمستصنع إما أن يصبر وإما أن يفسخ العقد.
أثير مسألة ((لا يبع بعضكم على بيع أخيه)) ، وأن المناقصة أو المزايدة من هذا الجانب. وفي الحقيقة فيه فرق بين بعد حصول البيع وركون كل من العاقدين إلى الآخر هو تمام العقد وبين حالة المساومة وحالة التهيئة للعقد. حالة التهيئة للعقد لم يحصل فيها بيع على بيع، ولا شراء على شراء، ولا صورة من هذه الصور إنما هي مساومة والمساومة قد فعلها النبي ﷺ بنفسه في الحديث الذي عرضه النبي ﷺ للمزايدة حينما عرضها ((من يشتري بدرهم؟ من يشتري بدرهم؟)) . وهذا قبل حصول البيع وإنما هو في حالة تهيئة الأمر للبيع.
وأكتفي بهذا القدر. وشكراً.
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.
في بداية مداخلتي وجدت أن ما جاء في مشروع الموسوعة الفقهية الاقتصادية هو أفضل ما يعبر عن نفسي وعن ما أعتقده في مداخلتي هذه. فقد جاء في المقدمة.
إن المهمة الأساسية التي أنشئ من أجلها مجمع الفقه الإسلامي كما جاء في نظامه الأساسي هي ضرورة حشد طاقات فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها في سبيل مواجهة المعطيات الناجمة عن تطور الحياة المعاصرة ومشكلاتها بالاجتهاد المسترشد بالشريعة الإسلامية السمحة بغية الوصول إلى الإجابة الإسلامية الأصلية عن الأسئلة التي تطرحها الحياة المعاصرة.
стр. 14671
فهذا مبدأ أساسي نعمل في نطاقه وعلينا جميعاً أن نحققه. كما جاء في الصفحة الرابعة للموسوعة.
إنها تقدم تلخيصاً محكماً للفقه الإسلامي المتعلق بالقضايا المعاصرة ولا تقوم بتكرار الأعمال الموسوعية الأخرى، ولا ترتكز على الفقه السابق ولكنها تعرض منه ما يساعد فقط على الوصول إلى الاجتهاد المتعلق بالقضايا المعاصرة، وتركز على الأعمال والنقول الفقهية التي تسهل الوصول إلى مثل تلك الاجتهادات.
فهذه قضايا تناقش ولكنها المبدأ أو الإطار أو المنهج الذي نعمل فيه, والعروض علينا هذا اليوم وفي الأيام السابقة قضايا وقعت معالجتها في معظم الأحوال بترداد ما هو موجود في كتب الفقه والتعمق فيه دون الوصول في معظم الأحول إلى المشكلة المعاصرة وطرق حلها، فالموضوع اليوم هو المناقصة. والمناقصة حاجة للدولة الإسلامية، وحاجة الشركات الصناعية، وحاجة حتى للأفراد الذين لهم نشاط واسع. فليست القضية هي قضية أمور بسيطة ولكن الدولة لها جيش وتريد أن تكون مناقصة لتجهيز هذا الجيش باللباس، ولأخذ حاجات هذا الجيش من الطعام والشراب، ومن الدواء. هذه قضايا عامة كبرى. كما أنها في حاجة إلى الاستصناع أيضاً في استصناع ما يلزم الجيش من سلاح وغيره. والمصانع الكبرى لابد لتقوم بنشاطها من أن تكون المواد الأولية- التي تقوم بها التي هي في حاجة إليها- معلومة الثمن حتى تقوم هي أيضاً ببيع ما ستعده خلال السنة بعقود أخرى. فالقضية ليست هي قضية عبث بالأسواق ولا مضاربات التي أخذ فيها الشرع الإسلامي كمال الاحتياطات من هذا العبث والذي يقع الذي هو واقع اليوم في البورصات، ولكنها قضايا حقيقية واقعية، فصاحب معمل الحلوى – لا أريد أن أذكر شيئاً كبيراً – هو لا بد له من السكر ولا بد له من الملونات ولا بد له من عدة أمور ما يدخل صناعته من قرطاس ومن آلات – الخ. هذه لا بد له منها، وهو إذا لم يحقق قبل بدايته في عمله السوق الذي يبيع إليها منتجاته لا يستطيع أن يتحرك، وهو ليس له القوة المالية على أن يكون بين يديه كل السلع اللازمة التي لا بد من توفرها ليقوم بصناعته. فلا علينا ألا ننظر إلى المعاملات التي كانت تقع في الماضي قبل أن تدخل الآلة وتعطي طاقة جديدة في الإنتاج؛ لأنه بدخول الآلة في الإنتاج تطورت الحياة تطوراً كبيراً، ثم زاد اليكترونيات اليوم فإذا بالحياة وبالناتج العالمي تضاعف آلاف المرات وأصبحت المعاملات في هذا المفهوم أو في هذا النطاق الكبير من السعة ومن التضخم. ولذلك لما رأيت في عقود المناقصة وجدت إما هي عقود سلم وإما هي عقود استصناع وإما هي عقود خدمات، ذلك أن الذي ليس من بيع الصفة، ذلك أن بيع الصفة لا بد أن يكون المبيع حاضراً. وبيع الصفة يقع على ضربين: إما أن يكون البرنامج بأن تكون أعداده خارج المدينة ويأتي بنوع البضاعة التي هي موجودة عنده وهي تحت سلطته ويعرض البرنامج الذي هو يمثل تمثيلاً حقيقيًّا السلعة الموجودة.. وإما على الصفة للسلعة الموجودة، فيقول: إنه نوع من نوع القمح كذا وعياره كذا الموجود عند المالك، هذا هو بيع الصفة. أما البيع إذا كان لغير الموجود عند الإنسان فهو بيع سلم، وذلك أن الشريعة قسمت المبيع إما أن يكون حاضراً يراه ويشاهده صاحبه (المشتري) ، وإما أن يكون غائباً عن الأنظار، وهذا إما أن يكون موجوداً حال البيع وهو من بيع الصفة أو من بيع البرنامج، وإما أن يكون غير موجود ويوجد في المستقبل وهو بيع السلم. فبيع السلم إذن اشتراط أن يكون رأس المال مدفوعاً كله عند العقد، هذا أمر لا تستطيع أية دولة أن تكون دولة مطبقة لأحكام الإسلام ولا يستطيع أي معمل صناعي أن يكون معملاً مطبقاً لأحكام الإسلام، وعلينا أن نقول إذا وقفنا عند هذا الحد إن المجمع إنما يفتي للأشخاص الفرادى في أعمالهم الصغيرة فقط. وباعتبار أن هذه العقود بما اشترطه الفقهاء في عصرهم ضماناً للقواعد العامة في التشريع فاشتراطهم أن يكون رأس المال مدفوعاً كاملاً، هذا كان متناسباً مع وضعهم.
وشرط رأس المال أن لا في ذاك دفعه وأن يعجل
هذا الشرط أن يكون معجلاً، وهو كان متناسباً مع أوضاعهم، أما اليوم فالدولة بما لها من إمكانيات كبيرة عاجزة عن دفع رأس مال السلم كله؛ لأن الضرائب أو موارد الدولة تأتيها شيئاً فشيئاً، وتنظيمها يقتضي التزاماً كاملاً في كامل المدة.
стр. 14672
فإذن لابد أن تتجاوز الأوضاع الاقتصادية التي كانت موجودة في عصر من العصور والتي تجاوزناها في الواقع إما في نماء الثروة أو في قدرتها أو في طرق التعامل. ويصبح أخذ كل الاحتياطات لتكون المعاملات معاملات إسلامية لا يوجد فيها ضرر ولا ضرار، وليس فيها عبث بالأسواق، ولكن هي تضمن كل المقاصد الشرعية الأساسية التي تتحكم في المعاملات لأقوال الفقهاء الذين قالوا: نظراً إلى أنهم لما أرادوا تطبيق تلك القواعد الشرعية العامة قرروا تلك الشروط. ولهذا أعود إذن على عقود السلم التي تحدثنا فيها وعقد المناقصة الذي نتحدث فيه اليوم لا بد من النظر فيه على أساس هذا الواقع الذي نحياه.
وما جاء من قول: إن الأمة إذا تلقت الحديث بالقبول فإنه حجة، أنا أعتقد أنما يفهم من كلام الفقهاء غير مفهوم. ليس الحجة في الحديث إذا كان ضعيفاً؛ لأنه في إسناد حديث ضعيف إلى رسول الله ﷺ لا تجده قوة تلقي الأمة له لا بقبول، لكن أن العلماء فهموا ذلك المعنى فوجدوه معنى تحققه المقاصد الشرعية اليقينية. فما قالوا: إنه حديث لرسول الله ﷺ في الوقت الذي هم لا يتيقنون أنه حديث لرسول الله ﷺ ، ولكن معنى تلقى الأمة له بالقبول أي أنها قررته كقاعدة من قواعد التشريع. وتقريره كقاعدة من قواعد التشريع. هذه القاعدة كل قاعدة ننظر فيها ونطبقها ونفهمها حسب التطبيقات التي يجب أن وكذلك بيع الدين بالدين وتعمير الذمتين، والعبث، هذه كلها داخلة في قضية العبث بالأسواق.
الخيار الذي وقع التعرض إليه لا أعتقد أن الخيار في عقد المناقصة ضرورة، من ضروراته ولا يقول مالك لا بخيار المجلس، وخيار المجلس عند مالك كما قال عندنا هذا حد معلوم، ولا أمر معروف.
لذا أدعو إلى أن الموضوع يجب أن ينظر فيه على هذا الأساس من أن حاجة الأمة إلى هذه العقود يجب أن تكيف تكييفاً يضمن العدالة ويضمن الحق دون أن يكون مقيداً بما ذهب إليه الفقهاء سابقاً في العقود السابقة إذا كانت لا تتلاءم مع الأوضاع الحاضرة.
وشكراً.
стр. 14673
الدكتور علي محيي الدين القره داغي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
بخصوص عقد المناقصة أشكر الباحثين شكراً جزيلاً على بحثيهما القيمين كما أشكر أيضاً الشيخ التسخيري على عرضه الطيب وجزاهم الله خيراً.
وبخصوص تكييف عقد المناقصة على أساس أنه عقد، أنا أرى أن المناقصة نفسها ليست عقداً وإنما هي إجراءات للدخول في العقد. ثم هذا العقد المطلوب إما أن يكون توريداً أو مقاولة أو استصناعاً أو غير ذلك من العقود. والشخص المشارك يتقدم بإيجابه والإيجاب عند المالكية – كما لا يخفى عليكم- إذا كان بصيغة الماضي فهو ملزم أو إذا كان موجهاً للجمهور أو لجهة معينة، فهذا الإيجاب يبقى على حالته الإلزامية إلى أن يتلقى القبول من هذه اللجنة وهو بمثابة الإيجاب الملزم أو الإيجاب الموجه لجهة أو لجماعة، ثم بعد ذلك اللجنة تنظر في هذا الموضوع وبعد ذلك يتم العقد، أما قبل ذلك ليس هناك أي عقد بين الموجب أو بين المشارك أو المتقدم وبين هذه اللجنة، ثم اللجنة عند التوافق يكون هناك قبول على إكمال هذا العقد الذي إما أن يكون توريداً وإما سلماً وإما استصناعاً. الذي لفت نظري في بحث الشيخ الجواهري أنه أيضاً أدخل ضمن عقود المناقصة عقد المناقصة لأجل الاستثمار مثل المضاربة. أولاً: مثل ما تفضل فضيلة الشيخ المختار هذا ليس واقعاً، لا يوجد الآن في عقود المناقصة عقد على الاستثمار للمضاربة. وثانياً: تكييفها الشرعي يحتاج إلى نظر. كيف يمكن أن يكون هناك مناقصة على المضاربة بهذه الصورة التي صورها فضيلة الشيخ جزاه الله خيراً؟
أعود لما ذكره الدكتور رفيق المصري الذي ذكر بعض الحاجات في تكييف عقد المناقصات، ثم لما ننظر إلى تعريف عقد المناقصة باعتباره طريقة بمقتضاها تلتزم الإدارة أو الشخص باختيار أفضل، يعني إذا كان هناك تعاقد فهذا التعاقد بين الدولة وبين لجنة المناقصة بحيث تتضمن لجنة المناقصة باختيار أفضل العروض إذا كان هناك عقد، أما ليس هناك عقد بين الشخص المشارك وبين هذه اللجنة.
حقيقة أريد منهم التوضيح إذا كنت قد أخطأت في ذلك.
стр. 14674
ذكر الدكتور رفيق المصري في بحثه في مسألة الكالئ، أنا أضم صوتي إلى صوت فضيلة الشيخ المختار في أن الحديث الضعيف لا يمكن أن يتقوى بأمور أخرى إلا إذا كان يعني. وينهض حجة ربما ولكن الحجية لا تكون من الحديث وإنما من الإجماع، ولذلك نص الإمام الشافعي بقوله: نحن نقول من الحديث الكالئ بالكالئ إجماعاً من إجماع السلف، لا نعلم في ذلك خلافاً. وكذلك يقول الإمام الشافعي في قضية التغير الفاحش بخصوص الماء ورغم أن الحديث ضعيف، فالإجماع حجة سواء كان وجد حديث أو لم يوجد حديث، ويكون هذا الحديث ربما للاستئناس. فالأحاديث الضعيفة خاصة هذا الحديث ضعيف جداً جداً، يعني كما يقول الإمام ابن تيمية، فهذا الحديث نفسه لا يمكن أن ينهض؛ لأنه ضعيف جدًّا، وهناك مناكير في سنده وانقطاع كبير في سنده، فلذلك الحجية في الإجماع وليس في الحديث ولا يمكن – حقيقة – أن نجعل هذه المسألة أيضاً وسيلة أخرى أو باباً آخر للدخول في موضوع تقوية الحديث من خلال أن الأمة تلقته أو لم تتلقه.
بخصوص غرامات التأخير، أنا مع سعادة الدكتور المصري في أن غرامات التأخير إنما تكون جائزة على العمل وليس على الدين؛ لأنه إذا أصبح الشيء ديناً حينئذ ندخل في قضية الفوائد الربوية، ولذلك إذا أجيزت الغرامات فلا بد أن ينص.. يعني مثل عقد الاستصناع الذي أجاز المجمع الموقر الشرط الجزائي، والشرط الجزائي في عقود المقاولات لا مانع منه. ثم بعد ذلك إذا نظرنا إلى عقد المناقصة نرى أن معظم تطبيقاته على عقد الاستصناع، ولذلك اعتبرت مجلة الأحكام العدلية الاستصناع والمقاولة شيئاً واحداً. والآن ربما يعني كل ما تدخل فيه الصنعة ممكن أن يدخل فيه عقد الاستصناع. يبقى قضايا الإيجار أو التأجير أو التوريد ونحو ذلك، فيمكن أن يدخل في هذا المجال، ولا مانع من استحداث عقود جديدة، كما أنه لا مانع كما هو رأي الحنابلة من اجتماع مجموعة من العقود الجائزة وإنما موجود صفقتين في صفقة واحدة وإنما يكون نسيئة ونقداً، أو وجود عقد تبرعي مع عقد معاوضة، أما مجموعة من عقود المعاوضات فلا مانع من جمعها في عقد واحد. فلذلك أيضاً لا بد أن ينظر إلى عقد المناقصة إلى أنه عقد المقاولة من هذا المنظور الواقعي. وليس من تجزئة هذا العقد واعتبار أن هذا العقد يكون عقد استصناع أو يكون عقد إجارة أو ما أشبه ذلك.
هذه أهم الملاحظات التي كنت أريد أن أذكرها، وأنا أرى أنه لا داعي لتأخير هذا الموضوع فلو شكلت لجنة وتلاحظ ما أقره المجمع الموقر في عقد المزايد، وإذا بقيت جزئيات ... أو أساساً من بداية الموضوع لا يدخل حتى لا ننشغل به ونشغل به يوماً كاملاً أو نصف يوم. وشكراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14675
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم،
أهم مسألة في الموضوع هي عقد التوريد، هل يجوز أو لا يجوز؟ وعقد التوريد الذي سأتحدث عن حكمه هو ما كان فيه عقدان مؤجلان. وهذا هو الشأن فيه كما قرره الدكتور رفيق؛ لأنه إذا كان المبيع هو المؤجل والثمن مقدم فهذا عقد سلم يدخل حكمه في حكم عقد السلم، أما إذا كان العكس وهذا نادر فهو جائز؛ لأنه من قبيل تأجيل الثمن وتقديمه.
وعقد التوريد هذا يدخل في عقد الغرر، فهو عقد غرر. وعقد الغرر هو العقد المستور العاقبة. وما ذهب إليه الأخوان الفاضلان من أنه ما كان مجهول الوجود، هذا تعريف ناقص، تعريف غير جامع، وقد ذكره ابن القيم في بعض كتبه وذكر في بعض آخر تعريفا يشمل المجهول أيضاً. التعريف الذي اقتصر عليه الأخوان لا يشمل المجهول. والواقع أن عقد الغرر قد يكون الغرر فيه في صيغة العقد كالبيع المضاف، هذا عقد غرر لا شك في ذلك. وقد يكون في محل العقد في المبيع أو الثمن، هذا هو الأغلب. الجهالة في المبيع، الجهالة في الثمن، الجهالة في جنس العقد، الجهالة في النوع، كل هذه تدخل في عقود الغرر. وقد يرجع إلى غير ذلك. قد يكون في بيع العين الغائبة فهي عقد غرر خصوصاً عند الشافعية. عدم القدرة على التسليم، تدخل أيضاً في بيع الغرر. وقد حاول الدكتور رفيق أن ينفي وجود الغرر في عقد التوريد فقد ورد في بحثه: هل في المناقصة غرر؟ فبدأ حديثه وقرر أن فيه غرراً. يقول: لا شك أن البيع الذي يعجل بدلاه يدا بيد هو من أبعد البيوع عن الغرر- كلام سليم – وأن البيع الذي يعجل فيه بدل ويؤجل الآخر لا يخلو من غرر. ومن باب أولى إذا كان تأجل البدلان، يعظم الغرر. وهذا ما علل به بعضهم اشتراط تقديم الثمن، قالوا: ليخف الغرر. فالتبرير الذي ذكره الدكتور رفيق لم أجد فيه ما يقنعني يقول: إن الغرر – في آخر كلامه بعد ما – يبدو أن هؤلاء العلماء نظروا إلى البدلين فرأوا زيادة في الغرر لكنهم لم ينظروا إلى المتعاقدين. ما دام وجدنا غرراً في البدلين فالغرر موجود، هل يؤثر أو لا يؤثر؟ هذا موضوع أخر، لكن الغرر موجود. والغرر في هذا البيع يدخل في جزئيتين من جزئيات الغرر، هما: بيع ما ليس عندك وهذا من بيوع الغرر، وبيع الدين بالدين وهو أيضاً من بيوع الغرر. فعلينا أن نبحث هاتين الجزئيتين. هل يدخل عقد التوريد فيهما أو في واحد منهما، أم لا؟ وقبل أن أدخل في هذا أود أن أبين أن الغرر الذي يفسد العقد هو ما توافرت فيه أربعة شروط.
أولاً: أن يكون كثيراً.
ثانياً: أن يكون في عقد – وهذا محل اتفاق بين الفقهاء – من عقود المعاوضات وهذا الشرط استخلصته من مذهب المالكية فقط؛ لأن الجمهور يجعلون الغرر مؤثراً في عقود المعاوضات والتبرعات. والمالكية وحدهم هم الذين لا يجعلون للغرر تأثيرًا في عقود التبرعات، وقد أخذت برأيهم هذا ووضعت هذا الضابط في كتاب (الغرر) . الغرر كثير في عقد من عقود المعاوضات وفي المعقود عليه أصالة ولم تدع إلى العقد حاجة.
стр. 14676
ثالثاً: إذا دعت للعقد حاجة فإن الغرر يغتفر، وهذا أيضاً باتفاق الفقهاء.
هذه الشروط الثلاثة محل اتفاق شرط واحد وهو الذي أخذته من مذهب المالكية وعلى هذا الأساس سأطبق الحكم في عقد التوريد هذا. قلت: إن الغرر هنا يدخل في جزئيتين واللتين هما بيع ما ليس عندك، فما هو بيع ما ليس عندك؟ والواقع أن الفقهاء اختلفوا اختلافاً واسعاً في تفسير هذا الحديث. فورد النهي كما نعلم جميعاً – بيع ما ليس في عندك – في حديث حكيم ابن حزام وحديث عمرو بن شعيب، وقد حمل الفقهاء هذا الحديث أكثر من معنى، فاستدل به بعضهم على عدم جواز بيع المعدوم، واستدل به آخرون على عدم جواز بيع العين الغائبة، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد به بيع شيء مباح على أن يستولي عليه فيملكه فيسلمه. وقال بعضهم: المراد به بيع الأعيان، وهذا هو رأي الشافعي. ولعل من المستحسن أن نقرأ عليكم عبارة الشافعي؛ لأنها مهمة في هذا المجال، يقول الإمام الشافعي: والسلف قد يكون بيع ما ليس عند البائع، فلما نهى رسول الله ﷺ حكيماً عن بيع ما ليس عنده – يريد الشافعي هنا أن يفرق بين جواز السلم والنهي عن بيع ما ليس عند البائع- وأذن في السلم استدللنا على أنه لا ينهى عن ما أمر به، وعلما أنه عندما نهى حكيماً عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضموناً عليه وذلك بيع الأعيان. هذه هي وجهة نظر الشافعي يعتبر النهي هو عن بيع الأعيان. وعلى هذا فإن بيع التوريد لا يدخل – حسب تفسير الشافعي لهذا الحديث- في بيع ما ليس عندك؛ لأنه مضمون في الذمة وليس بيع أعيان. وقال بعضهم: المراد به بيع الإنسان ما لا يملك، سواء أكان معيناً أم في الذمة. ويقول ابن القيم: وأما قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام ((لا تبع ما ليس عندك)) فيحمل على معنيين:
أحدهما: أن يبيع عيناً معينة، - وهذا رأي الشافعي – وهذا ليست عنده بل ملك للغير فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري.
والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، وهذا أشبه فليس عنده حسًّا ولا معنى فيكون قد باعه شيئاً لا يدري هل يحصل له أم لا.
هذا هو تفسير ابن القيم للغرر وهذا يتناول أموراً- ما زال الكلام لابن القيم – بيع عين معينة ليست عنده.
والثاني: السلم الحال- وهذا عكس رأي الشافعي – في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.
الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته، وهذا باتفاق الفقهاء. والراجح عندي أن عبارة (ما ليس عندك) تعني ما ليس مملوكاً للبائع سواء أكان معيناً أم في الذمة إذا باعه على أن يسلمه في الحال، بهذا القيد، ولا يدخل فيها المعدوم ولا المملوك الغائب ولا الأشياء المباحة، وهذا هو ما تدل عليه قصة الحديث، فقد روي أن حكيم بن حزام كان يبيع الناس أشياء لا يملكها ويأخذ الثمن منهم ثم يدخل السوق فيشتري الأشياء ويسلمها لهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (لا تبع ما ليس عندك) هذا منقول عند البائع.
ففي رأيي أن الحديث يعني إذا حصل البيع على أن يسلم في الحال، أما إذا حصل البيع على أن يسلم المبيع بعد مدة فإنه لا يدخل في هذا النهي.
стр. 14677
تعرض أيضاً الدكتور رفيق لهذه المسألة في بحثه- بيع ما ليس عنده – لكنه لم يحركها بهذه الطريقة، وإنما انتهى: إلى أنه يتحصل من هذا أن الماقصة لا تدخل في النهي عن بيع ما لا يملك، أو ما ليس عنده، وإن كنت أختلف معه في بعض التفاصيل التي ذكرها في هذا الموضوع، مثال من ذلك قوله: بيع السلم جائز بالنص – من أدلته – والإجماع، وجمهور الفقهاء خلافاً للحنفية لا يشترطون أن تكون السلعة في السلم مملوكة للبائع. حتى الحنفية لا يشترطون هذا وليس محل خلاف، لا يشترطون أن تكون السلعة مملوكة للبائع. الخلاف بين الحنفية والجمهور هو في وجود السلعة لكنهم كلهم متفقون على أن السلعة لا يشترط أن تكون مملوكة. عند الحنفية هو من بيع ما لا يملك فقط وليس من بيع المعدوم، وعند الجمهور السلم من بيع ما لا يملك ومن بيع المعدوم أيضاً، ومن بيع الغرر عند بعض الفقهاء. المهم النتيجة من هذا أنه في رأيي أن عقد التوريد لا يدخل في بيع ما ليس عندك وهذا الرأي قلته قبل ثلاثين سنة ولكن لم أفت به. عندما قامت البنوك الإسلامية وكنت في بنك فيصل في هيئة الرقابة الشرعية وطلب منا البنك أن يدخل في مناقصة لتوريد تلفونات فقلنا له: لا تدخل، هذا من بيع ما لا تملك. سألناه: هل تملك التلفونات؟ قال: لا أملكها. فأفتيناه برأي الجمهور ولم أفت برأيي. لكن قدمنا له مخرجاً ليدخل في هذه المناقصة فقلنا له: تقدم لشراء هذه التلفونات واشترط لنفسك الخيار مدة أكثر من المدة التي سيعلن فيها نتيجة المناقصة، فإذا أعلنت النتيجة وكانت في صالحك تم البيع وأنت مالك للتلفونات، وإذا لم تأت في صالحك تستعمل خيارك وتفسخ العقد. لكن إلى الآن لم أفت برأيي هذا في مسألة قدمت لنا وعندما توقفنا وفتاوى هيئة الرقابة في هذه المسائل ماشية على رأي الجمهور. هذا هو ما يتعلق ببيع ما ليس عندك.
النوع الثاني هو بيع الدين بالدين. وواضح أن هذه المسألة تدخل أيضاً في بيع الدين بالدين. وبيع الدين بالدين هذا فيه اختلاف وتعرض إليه أيضاً الدكتور رفيق في بحثه في موضوع تأجيل الدين. وانتهى إلى أنه لا يدخل تأجيل البدلين في بيع الدين بالدين. لكن أيضاً لا أوافقه على المقدمات التي ذكرها وإن كنت قد أتفق معه في الحكم. الدكتور رفيق يقول: ذكر بعض العلماء أن كل معاملة وجدت بين اثنين وكانت نسيئة من الطرفين فلا تجوز بإجماع. هذا صحيح؛ لأنها من الدين بالدين. وذكر في النقطة الثانية: غير أن – رد عليها – حديث الكالئ بالكالئ ليس حديثاً ثابتاً. وأشار إلى تضعيف الإمام أحمد، ذكر في الهامش: قال الإمام أحمد: ليس في هذا حديث يصح. هذا كلام سليم لكنه حذف عبارة بعد هذه العبارة. الإمام أحمد يقول: ليس فيه هذا- بالنسبة لبيع الكالئ بالكالئ- حديث صحيح ولكن إجماع الناس على أنه لا يصح بيع الدين بالدين. حتى الإمام أحمد مع تحفظه في الإجماع قال هذه العبارة بالنص: إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع الدين بالدين. هو ذكر هنا- أيضاً – دليلاً آخراً، قال بعض العلماء:
إن عقد السلم إذا انعقد بلفظ السلم أو السلف وجب فيه قبض رأس المال في المجلس، وإذا انعقد بلفظ البيع فلا يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس.
стр. 14678
وهذا الكلام يبدو أنه مأخوذ عن الشافعية لكن لم يقل لنا هل قائل هذا الكلام قال: إن هذا البيع صحيح أم غير صحيح؟ وذكر أيضاً بعد ذلك.
وقال بعضهم: السلم شرعًا بيع موصوف في الذمة.
ووقف عند هذا، ثم قال: من زاد فيه ببدل يعطى عاجلاً، وهؤلاء هم جمهور الفقهاء. وبعض الإخوة في تعليقي على بحثي في السلم قالوا: إن هذا ليس رأي الجمهور. هذا هو رأي الجمهور، في بحثي نقلت ثلاثة نقول عن ثلاثة مذاهب (مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة) ، كلهم ينصون على التعجيل في عقد السلم كونه داخلاً في حقيقة أو خارجاً هذا لا يهم. نعرف أن الفقهاء قد يذكرون الشروط في التعريفات. فهم ذكروه في الشرط وأدخلوه في حقيقة عقد السلم. الشافعية وحدهم هم الذين لا يذكرونه. لكن مع ذلك إن رأيي أيضاً أن عقد التوريد لا يدخل في بيع الدين بالدين الممنوع. هو بيع دين بدين لا يوجد في ذلك شك. وبعض الإخوة الذي علقوا قالوا ليس هذا بيع دين بدين هذا كلام غير صحيح، هو بيع دين بدين والمالكية يسمونه إبداء الدين بالدين. ثبت في ذمة المشتري الثمن وثبت في ذمة البائع المبيع. فهذا بيع دين بدين له أنواع كثيرة خصوصاً عند المالكية. هذا ابتداء الدين بالدين. وهذا هو الذر- فيما أذكر – منعه ابن القيم. ابن القيم أنه يجيز بيع الدين بالدين، ما عدا ابتداء الدين بالدين وعلله بأنه فيه شغل ذمتين من غير فائدة، هذا تعليله له. ورأيي أنا في هذا –في بيع الدين بالدين- ودونته في (كتاب الغرر) أنه جائز إلا إذا أدى إلى ربا، الصورة الممنوعة هي ما تؤدي إلى ربا، لكن بقية الصورة جائزة حتى الصورة التي منعها ابن القيم؛ لأنه قد يكون للمتعاقدين غرض سليم في تأجيل البدلين كما في هذه المسألة. ولذلك فإن رأيي أيضاً لا يدخل في بيع الدين بالدين.
يبقى بعد ذلك أن أقرر أن هذا رأي فيه مخالفة لرأي الجمهور وهذا سبب توقفي فيه، وإذا أصدر المجمع فيه قراراً فإن هذا قد يقويه خصوصاً ما تكلم عنه الشيخ المختار، وهذا قد يدخل في الغرر غير المؤثر. إذا قلنا: إن هناك حاجة إلى هذا العقد وذكرت لكم أن الضابط وهذا محل اتفاق بين الفقهاء أن العقد الذي فيه غرر ولو كان كثيراً حتى ولو كان في عقد من عقود المعاوضات إذا دعت إليه الحاجة فإنه يغتفر. لكنني لا أستطيع أن أجزم وأقرر الآن إنني أجيز عقد التوريد هذا. الأمر إليكم بعد ما سمعتم رأيي في هذا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14679
الدكتور علي السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
وغفر الله تعالى للسيد الرئيس فلم يسمح لنا بالكلام بالأمس، كنت أريد أن أتكلم والحمد لله على كل حال أحب أن أقول هنا بأنني مع فضيلة الشيخ ابن بيه في وجوب تأجيل هذا الموضوع ولكن المناقشة مفيدة يستفيد منها من يكتب بعد ذلك.
ونقطة أخرى هي أن ما انتهى إليه المجمع يجب ألا نعود إليه مرة أخرى مثال: تحدث كثيرون عن بيع دين السلم والمجمع له قرار في هذا. المجمع الموقر عندما بحث الأسواق المالية ذكر أنه لا يجوز بيع دين السلم قبل قبضه، مع ذلك أخذنا وقتاً طويلاً من بعض الإخوة الأجلاء في هل يجوز أم لا يجوز؟ ما دام فيه قرار من المجمع فلا يجوز أبداً أن نعيد المناقشة مرة أخرى. وكذلك ما يتصل بهذا الموضوع أو بأي موضوع آخر يجب أن نستحضر ما قرره المجمع الموقر من قبل وأن تكون المناقشة في غير هذه الموضوعات. المناقصة والمزايدة بينهما شبه لكن فيه خلاف، اختلاف بين المناقصة والمزايدة، فإذا قلنا: المناقصة عندما يعرضها المشتري إذا كان بيع وشراء والمزايدة يعرضها البائع. فإن البائع عادة يتسلم الثمن في المزايدات غالباً يتسلم الثمن ويسلم السلعة، أما المناقصات فقد يكون تعهداً بتوريد سلع معينة لمدة عام، فهذا يختلف عن المزايدة. يعني في مدة العام هل الأسعار ستبقى أم لا تبقى؟ وإذا تغيرت الأسعار فما الحكم؟ وجدت في بعض المناقصات أن من دخل في هذه المناقصات اشترط بأن المبلغ الذي يحدده هو كذا ولكن على أساس أن سعر اليوم بالنسبة للحديد والأسمنت مثلاً يكون سعر اليوم كذا، فأي زيادة تفرضها الدولة تضاف إلى هذه الأسعار، هل يمكن أن نخرج برأي مثل هذا للتقليل من الغرر الفاحش؟ لأنه إذا زادت الأسعار إلى درجة كبيرة ولا دخل لمن دخل في المناقصة فيها ماذا يفعل؟ فإذن الأمر هنا يحتاج إلى نظر بالنسبة لطول المدة وتغير الأسعار.
بالنسبة للحديث الذي تفضل الشيخ الصديق في هذا بأن الإمام أحمد كلامه كان يجب أن ينقل بالكامل؛ لأنه ذكر الحديث ولكن ذكر ما عليه العمل. الدكتور رفيق –جزاه الله خيراً- في بحثه القيم.. وقد تحدثت عن العقود الإدارية فقط وليس على كل المناقصات وهل المجمع سوف يكتفي ببحث نوع من المناقصات أم بحث كل المناقصات؟ هذا أمر لا بد منه.
بالنسبة لتفسير (ما ليس عندك) هذا أيضاً فيه قرار سابق في المجمع. فيجب أن يكون هذا القرار أمامنا عندما نتحدث حتى لا ندخل في أمور نعارض فيها قراراً قد سبق. لذلك أقول مرة أخرى بأن هذا الموضوع يحتاج إلى أبحاث كثيرة، ومناقشات مستفيضة ولذلك أرى أن يؤجل لدورة أخرى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14680
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أولاً, أثني وأثلث وأربع كذلك على ما تفضل به الإخوة من الثناء على البحثين القيمين اللذين قدماهما لنا الأستاذان الفاضلان الدكتور رفيق والشيخ حسن الجواهري، وعلى ما تفضل به العارض الشيخ التسخيري من عرض قيم، فجزاه الله خيراً.
ما يتعلق بما جاء في المناقشات وفي البحوث كذلك بمصادرة الضمان وتكييفه بأنه من نوع العربون. هذا في الواقع غير صحيح؛ لأن العربون لا يكون إلا في بيع تام بإيجاب وقبول وفيه خيار الشرط. وعقود المناقصات والمزايدات إنما سميت عقوداً على سبيل التجاوز وإنما هي إجراءات لعقود، فإذا كان كذلك فما قدم من ضمان ليس عربوناً وإنما هو ممكن أن يسمى هامش لجدية العطاء أو الرغبة. وإذا كان النظر أو مصادرة هذا الضمان فممكن أن يكون تكييفه على سبيل مقابلة الضرر الذي يناله من تضرر بعدم الوفاء بالوعد؛ لأنه وعد بإجراء هذه المناقصة وقدم له الضمان فيمكن أن يكون هذا مصادرة الضمان من هذا القبيل ولكن إذا كان ضماناً كبيراً فينبغي أن يؤخذ من قدر الضرر والباقي يرجع إليه إنفاذاً واتباعاً لما قرره المجمع في اعتبار الوعد الملزم قضاء وديانة، وأن يكون نتيجة الخلف في الوفاء به أحد أمرين إما إلزامه بالوفاء أو أن يقدم الضرر الناتج عن التخلف عن الوفاء.
أما ما يتعلق باقتراح الشيخ عبد الله بن بيه –جزاه الله خيراً- بتأجيل البحث فعلى أي حال لا شك أن في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، وكل شيء يجري تأجيله لغرض استكمال ما يجب استكماله من بحوث وتصور وإيضاح فهذا شيء في الواقع وارد ولا ضرر على المجمع في اتخاذه وقد اتخذ الكثير من نوع هذا.
أما ما يتعلق بالشرط الجزائي والنظر فيه ففي الواقع الشرط الجزائي صدر فيه قرار من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وفيه إجمال، وفي هذا الشرط أو القرار فيه إجمال، وصار محل تفسيرات لهذا الإجمال. كذلك صدر في المجمع قرار شبيه بذلك ولكني أرى أن على المجمع أن يعيد النظر فيما يتعلق بالشروط الجزائية على الديون وعلى كذلك ما يتعلق بالسلم. ففي الواقع وعلى كل حال ظهر لنا من هذه المناقشات مجموعة جزئيات تحتاج إلى نظر في إدخالها في الكليات العامة أو في القرار العام أو عدم ذلك. فأرى من المجمع لو أضافه أو فكر في بحثه مستقبلاً.
ما يتعلق بالقول إن في المناقصات أو المزايدات بيع ما لا يملك. في الواقع أنني أعيد ما قلته بأن ما يسمى بعقود المناقصات أو عقود المزايدات فهو في الواقع تجاوز في التسمية وإلا فهي لم تكن عقوداً وإنما هي إجراءات عقود. وإذا كانت إجراءات عقود فلا يرد عليها القول بأن هناك فيه بيع ما لا يملك. فطالما أنها إجراءات فالقول بأنها من بيوع ما لا يملك قول يحتاج إلى إعادة نظر. كذلك ما يتعلق بالقول بالخيارات، خيار الشرط أو نحوه في هذا الشيء، نفس الشيء يرد على هذا؛ لأن هذا لا يكون إلا في البيوع التامة وهذه في الواقع ليست بيوعاً، وإنما هي إجراءات بيوع تتم بعد إقرار المناقصة أو المزايدة وإرسائها على من يريد، ثم بعد ذلك يجري الإيجاب والقبول وعقد البيع الحقيقي.
стр. 14681
ما يتعلق القول بأن معنى النهي عن بيع ما ليس عندك، أنه في الغالب أو أن ابن القيم –﵀ يرى أنه ما كان غير موجود في الغالب في الأسواق. أولاً كفاني سماحة الرئيس –جزاه الله خيراً- الإجابة عن ذلك. والأمر الثاني أن قصة حكيم بن حزام ترد على هذا فهو يسأل رسول الله ﷺ يقول: أبيع السلعة قبل أن أمتلكها ثم أذهب إلى السوق أشتريها. فهذا يعني أن السلعة موجودة في الأسواق ومع ذلك رسول اله ﷺ نهى عن بيعها حتى يملكها.
هذه في الواقع هي ما عندي من ملاحظات. وشكراً لكم حسن استماعكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
الدكتور عبد السلام العبادي.
بسم الله الرحمن الرحيم،
حقيقة نحن أمام بحثين جيدين فيهما تحليل واستعراض للموضوع بكافة جوانبه، لكن حقيقة أشعر بأننا وسعنا الموضوع على أنفسنا كثيراً، وأن أخالف التوسع الذي عرضه أخي الدكتور رفيق الذي حصل في هذا الموضوع.
نحن أمام موضوع المناقصة فقط وليس أمام ما يحدث بعد إرساء المناقصة مع عقود والتزامات وتصرفات. نريد أن نبين الحكم في موضوع المناقصة وهذا هو المطروح وبالتالي تثور تحت هذا العنوان جملة من التساؤلات وهي في الواقع إذا ركزنا عليها وسلطنا الأضواء عليها أن نعالجها بقرار مجمعي. المناقصة الهدف منها وحكمتها هو أن الذي يريد أن يحصل على عقد معين سواء كان في إطار البيع أو في إطار الاستصناع أو في إطار السلم أو حتى في إطار الإجارة، إجارة أماكن أو حافلات –وسائط النقل- أو إجارة أشخاص، يريد أن يحصل على أقل الأسعار في هذه العقود. فلذلك هو يعمل المناقصة. السؤال هنا: هل نحن أمام إجراءات الجهة الإدارية حرة فيها تفعل ما تريد، أم أمام عقد تمهيدي لعقود أخرى أو منظومة عقود كما عبر الأخ الدكتور رفيق، بصرف النظر عما سننتهي إليه هل هو عقد ابتدائي أو منظومة عقود؟ نحن حقيقة لسنا أمام إجراءات فقط إنما أمام التزامات متقابلة والعقود الأساس فيها الالتزامات المتقابلة. نعم المناقصة تطلب إيجابات ضمن مواصفات معينة، لكن ضمن أيضا التزامات متقابلة. يعني الجهة الإدارية ليس حرة ١٠٠? في هذا العقد الابتدائي ما دام أنها طلبت ضمانات لضمان جدية المشاركة في هذه المناقصة، إذا نحن أمام التزامات متقابلة. صحيح أن بعض الجهات الإدارية تشترط في مناقصتها الحق الكامل بإلغاء المناقصة فيما إذا لم تعجبها العروض لكن قد لا يشترط. إذن يمكن أن تكون المناقصة بدون هذا الشرط وبالتالي لا بد أن نبحث –نحن- هذا الاتفاق الذي فيه تقابل في العرض والقبول ولو في إطار تمهيدي، أن ننظر إليه هو وحده بصرف النظر عما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك؛ لأننا إذا أردنا ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك سندخل في عدد كبير من العقود ولا يمكن في الواقع أن نضع أحكاماً في قرار مجمعي تفصيلاً في كل هذه العقود. لذلك موضوع المناقصة هو الذي يحدد طبيعة العد اللاحق؛ لأنه قد أطلب أنا أشياء موجودة في السوق وموجودة عند التجار. فإذن أمامنا عقد بيع وليس هنالك إشكال. قد أطلب عقد توريد وعند ذلك أدخل في قضايا السلم أو الاستصناع أو في مشاكل الجهالة، والجهالة المفضية إلى النزاع والشروط التي تتعلق بضبط هذا الأمر. يمكن لمجمعنا أن يأخذ قراراً في المناقصة ثم يحيل بعد ذلك فيما يتعلق بالأحكام التفصيلة لكل عقد بحسبه، ولا ضرورة أن نخوض فيه تفصيلاً وأن نحدد فيه كل ما يتعلق بعقد مواصفاته الآن في هذه المرحلة، لكن ممكن أن ندرس عقد التوريد وحده يمكن أن ندرس عقد إقامتنا الآن في الفنادق؛ لأنه أيضاً عقد جديد لأن فيه إجارة مكان وفيه بيع لطعام وفيه ... فهي إذن عقود جديدة ليس مطلوب منا أن ندرس نحن في مرحلة ما يسمى بمنظومة عقد المناقصة أو عقد ابتدائي وعقد المناقصة، ليس مطلوب منا أن ندخل في التفاصيل الأخرى. هذا جانب.
стр. 14682
جانب آخر أهم التفاصيل في هذا الموضوع: تفصيلان في ظني هما: مصادرة الضمان الذي يقدمه الشخص المشارك في المناقصة. هل يمكن أم لا؟ حقيقة قرارنا المجمعي السابق في موضوع العربون لا علاقة له بالموضوع لأنه نحن لسنا أمام عربون؛ لأنه هنا ليس المشتري الذي سيدفع، هذا الذي سوف يبيع ويقدم. فإذن القياس على العربون في الواقع قياس بعيد. السؤال هنا: هل يمكن تخريجه على أساس أنه تعويض عن الضرر؟ لأنه حقيقة الجهة التي تصدر المناقصة تقدر الأضرار التي ستلحق بها فيما إذا كان العارض غير جاد في عرضه فحالت عليه فرفض فحتى تضمن جديته تقدر هذه الأضرار التي ستحلق بها فتضع هذا الجزاء عليه، هل هذا يمكن أن نخرجه على هذا الأساس؟ وبالتالي موضوع العربون لا يدخل هنا في هذا الموضوع.
موضوع آخر يبحث هنا وهو موضوع التواطؤ والذي هو النجش. ما هي انعكاساته على العقد؟ يعني إذا حدث اتفاق لرفع السعر ونحن نريد أن نرسل مناقصتنا من أجل إنزال السعر. ثم أن يقال: إن المناقصة ١٠٠? أحكامها كالمزايدة في الواقع فيه تجوز إلى حد ما؛ لأن المزايدة كما أشار أحد الإخوة تتصور في عقود لا تتصور فيها المناقصة، حسب طبيعة العقد وحسب الذي يريد أن يطرح هذا الأمر، وحسب الجهة التعاقدية هل مصلحتها في زيادة البدل أو في إنقاص البدل؟ أين ما يتصور مصلحة في إنقاص البدل تتصور المناقصة، وأين ما يتصور مصلحة في زيادة البدل تتصور المزايدة. وأقترح على المجمع الكريم أن نبحث موضوع المناقصة وحده ولا ندخل في كل المناقشات التي دارت حول طبيعة العقد الذي ينتهي إليه أمر المناقصة بعد إرساء العطاء أو إرساء المناقصة في التعبير المستعمل في مثل هذه العقود.
وهناك تعليق بسيط على القول بأننا تحدثنا فقط عن المناقصة في عقود الإدارة العامة. المناقصة في طبيعتها العامة هي واحدة سواء كانت من جهة الإدارة العامة أو من أي جهة أخرى. فمعالجتنا لهذا العقد وحده في هذا الإطار ليس فيها اجتزاء، ويمكن حقيقة للجنة التي تشكل لهذا الموضوع أن تقدم لنا مشروع قرار يعالج موضوع (عقد المناقصة) دون الدخول في بقية الأمور التي تحتاج إلى بحث طويل مثل موضوع (الشرط الجزائي) وغيره. وشكراً،،
стр. 14683
الدكتور عمر جاه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أتقدم بكلمة شرك إلى كل من تقدموا ببحوث قيمة في هذا الاجتماع والاجتماعات التي قبله، وقد يكون تدخلي هذا تعليقاً موجزاً لا على مادة البحوث المقدمة إلى هذا الاجتماع وتفاصيلها؛ لأنها في الحقيقة بحوث قيمة تتضمن مادة علمية غنية ودسمة بتفاصيل، قد تلبي رغبة الباحث الأكاديمي وطالب العلم أكثر مما يلبي طلب وتطلعات الدول الحديثة التي تواجه مشاكل فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية وعلاقاتها مع العالم الخارجي.
أريد أن أعلق بإيجاز على منهجية العمل في اجتماعاتنا هذه، وقد سبقني إليها غيري وأخص بالذكر السيد المفتي محمد مختار السلامي. فالملاحظ أن التركيز أو أن هناك تركيزاً على استنباط الفقه والقياس المنطقي المبني على المصادر الأساسية من القرآن والسنة واجتهاد المجتهدين المقلدين الذين جاءوا من بعدهم. وقد نجح المجمع إلى حد كبير في اختيار موضوعات عملية جيدة واستكتاب الفقهاء لكتابة دراسات مفصلة وطيبة، ولكننا في حاجة إلى تقديم حلول عملية للتعامل مع المشاكل المعاصرة والتي نعيشها وتعاني منها دولنا الشيء الكثير. ولا شك في أننا كلنا يعلم أن الهدف الأساسي في إنشاء هذا المجمع الفقهي الإسلامي هو في الحقيقة إيجاد حلول أو إيجاد جهاز فتوى يقوم بدراسة المشاكل التي تواجه الأمة وهي كثيرة، وتصدر حولها فتاوى عملية تنسجم مع الشريعة الإسلامية ولا تتناقض ولا تتنافى مع متطلبات العصر الحديث.
فطبعاً هذه المسألة أنا على علم بأن كثيراً من الأئمة من الباحثين والفقهاء تناولوها من جانب آخر، لكن الذي يهمني في تدخلي هذا والذي يزعجني إلى حد ما، أننا نلاحظ أننا كثيرا ما نتقدم بإرجاع مسائل سبق وأن اخترنا دراستها. فبالأمس القريب أرجأت موضوعات سبق للمجمع أن أصدر بعض الفتاوى حولها، فمسألة الاستثمار بالأسهم سبق وأن تمت دراسة بعض جوانبه وبالأمس أجلناها؛ لأننا لم نُوَفَّقْ في الوصول إلى حل عملي نستطيع أن نقدمه إلى الأمة. فاليوم أرى أن هناك توجهاً لإرجاء مسألة ممن أهم المسائل وهي المناقصات، أيضاً أجلناها؛ لأننا لم نجعل أنفسنا أمام القضية بأننا لا نستطيع أن نبدي فيها رأياً يمكن أن نطبقه. ويبدو لي وقد أكون مخطئاً في هذا أننا يتوافر لدينا أن العالم الإسلامي غني بالفقهاء ولكننا نحتاج إلى فقهاء اقتصاديين ولعلنا لم نُوَفَّقْ بعدُ؛ لأننا نرى أن هناك بحوثاً جيدة فعلاً واستنباطاً فقهيًّا جيداً وكل المسائل وكل المصادر التي يستشهدون بها لكننا هنا عندما نأتي إلى محل التطبيق نرى أننا نحتاج إلى تأجيلها وإعادة النظر فيها، فهذا قد يكون سببه في أننا في الاستنباط الفقهي نجحنا ولم ننجح في التوفيق بين النظرية الفقهية والنظرية الاقتصادية في التعامل مع هذا، فالدول التي أنشأت هذا المجمع طبعاً ما زالت تنتظر ولها حق في الانتظار أن كل اجتماع اجتمعناه نخرج بحل من الحلول يستطيعون أن يطبقوه لمواجهة الحياة. فالشيخ المفتي محمد المختار السلامي في تدخله اليوم ذكر مسائل حية. مسألة المناقصات والمزايدات أن الدولة في حاجة إلى تزويد جيشها ودولة في حاجة إلى تنمية اقتصادياتها، فمعظم هذه الأشياء تتعلق بمسألة المناقصات والمزايدة، ولكننا مع ذلك وجدنا أنفسنا عاجزين على أن نخرج بشيء نستطيع أن نقدمه لها. فأنا لا أشك أن في الأمة عناصر جيدة تستطيع أن تقوم بهذا العمل.. ولكنني أتوجه مرة ثانية إليكم جميعاً أن نضع نصب أعيننا أن الهدف الأساسي من وجودنا هذا هو تقديم حلول عملية للدول التي أنشأت هذا وقد نكون قد نجحنا في تقديم بعض الحلول لكننا في الحقيقة فيما يتعلق بالتعامل المصرفي فيما يتعلق بالاقتصاد الدولي ... الحكومات الأخرى، أعتقد أننا في حاجة إلى مزيد من العمل لتلبية رغباتهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14684
الدكتور درويش جستنية:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في الواقع مسألة العقود أو إجراءات التوريد والمناقصة مسألة حيوية تحتاج إليها كل الدول لا شك، وهي مسألة قديمة لا بد أن هذه البحوث –وهي جيدة والحمد لله- تطلعت إليها لكن حتى تكون هذه البحوث التي بين أيدينا كاملة يبدو لي أنه لا بد من التعرض إلى نقطتين هامتين:
النقطة الأولى: تتعلق بمسألة التواطؤ في عملية دخول المناقصة؛ لأن كثيراً من المناقصات عند الدخول إليها تجد عدداً من التجار اتفقوا بحيث يحافظون على مستوى معين من الأسعار وبعد ذلك عندما تدخل العملية وترسو على أحد منهم وتبدأ عملية التوزيع من الباطن. ولم تتعرض هذه البحوث إلى الناحية الشرعية، فيما يتعلق بالمسؤوليات القانونية والشرعية فيما يتعلق بتفويض العمل من الباطن، فعلى من تقع المسؤولية؟ وكيف يمكن تحديد هذه المسؤوليات التي تتعلق بأنه من الباطن يمكن أن تكون هذه العقود توزع المسؤوليات. فتتعلق أولاً بعمليات التوريد، فعندما نقول عملية التوريد: توريد الأشياء ليست بالضرورة موجودة لدى المناقص، وإنما هي عبارة عن أشياء يمكن تجميعها من السوق هي ليست حاضرة لديه ويمكن من خلال التعاون مع بقية التجار أو المستوردين أن يحصل على هذه السلعة، وبالتالي ستكون هناك عقود داخلية بين المستورد وبين المناقص الأصلي، ولو حصل عدم وفاء بهذه العقود سيكون هناك تأخير في الدفع وستكون هناك مشكلات بين المناقصين في الداخل وأثرها على العلاقة الأساسية بين المتناقص وبين الجهة التي يتم التعاقد معها. فيبدو لي أن مثل هذه الأمور يجب أن تكون داخلة أيضاً في البحوث بحيث تغطى مثل هذه النقاط. وشكراً لكم،،
الشيخ فرج:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد،
فنشكر أولاً سماحة الرئيس وسيادة الأمين العام، ونثني على ما قاله أصحاب الفضيلة العلماء خاصة ما قدمه أصحاب البحوث من إثراء عظيم لهذه المسألة. وكنت أحب أن أشير إلى بعض الإشارات ولكن –الحمد لله- تقدم بها كثير من الباحثين وأشاروا إليها، في مسألة عقد المناقصة وعقد المزايدة وأنه فعلاً يوجد هناك فرق بينهما، وأن الأفضل أن يكون إجراء شكل هذا الإجراء قبل إبرام العقود. يعني أنا أميل إلى أن الفقهاء ينبغي أن يبحثوا في مسألة ما ينبني على هذه المناقصة والضوابط الشرعية التي تحيط بهذه المسألة، ولكن عندما نبحث في كل ما يجِدُّ في الحياة من أشياء ونضع لها التكييف الشرعي ربما تختلف فيها الأمور وربما تؤدي إلى إعمال النصوص في غير مواضعها. فأنا أرى أن عقد الاستصناع، عقد السلم، عقد البيع، عقد الإجارة، وهكذا. أما المناقصة فنضع لها الحدود والضوابط الشرعية التي تضمن عدم المخالفات الشرعية. هناك أمور كثيرة تكلم فيها أصحاب الفضيلة، بقي أمر دقيق وهو بيع كراسة الشروط. تكلم الدكتور رفيق وأشار بأنه يفضل أن تكون مجانا وأشار فضيلة الشيخ حسن الجواهري بأنه لا مانع من بيعها، وسيادة العلامة الشيخ التسخيري مال إلى هذا الرأي. لا بد أن نضع خطة دقيقة في هذا الأمر ربما أصحاب المناقصات يأخذون هذا الأمر ذريعة للكسب الحرام، يضع ثمناً عالياً ويضع مستوى لهذه الكراسة لا تتناسب مع ثمنها ليكتسب أموالاً كثيرة بحجة أن بعض العلماء وأن المجمع الموقر أباحها. فنحن لا بد أن نضع الضوابط، نقول: أبيحت وكان هذا الأمر على سبيل الجواز الشرعي فينبغي أن تكون كراسة بالثمن الذي يتناسب معها أو بثمن التكلفة. أما ما يقوم به أصحاب المناقصة من الدعاية في وسائل الإعلام فهذا على حسابهم، وأما الذي يدخل في المناقصة فيدفع فقط ثمن الكراسة بما يتناسب معها وبما تتكلفه حقيقة.
стр. 14685
تبقى مسألة العربون وتكلم فيها الدكتور عبد السلام وغيره كلاماً جيداً لا داعي لإعادته حتى نخلص إلى هذه المسألة.
يبقى أمر أخير وهو أن الفقيه ينبغي عليه أن ينظر إلى الأمور التي ظهرت والأمور التي يقع فيها الناس كثيراً، وهو ما يقال عند الفقهاء بما كثرت به البلوى بأن ينظر إلى الفتوى بالأخف بما يناسب أن يأخذ بيد الناس من ورطتهم حتى لا يقعوا في الحرام، ويبين أن هناك الأحوط وهناك الأروع ولكن يضع دائماً الرأي، يعني إذا كان هناك في الفقهاء من قال برأي ربما يكون فيه مثلاً احتياط أو تشديد ولكن هناك رأي مخفف فنأخذ به في هذه المسألة حتى لا نضيق على الناس من باب التيسير، والفقهاء يقولون بأن المصلحة هي المطلوبة للمؤمن وللفقيه الذي يضع أمام عينيه عندما يجتهد في هذا الأمر وأنا ألاحظ –والحمد لله- أن المجمع الموقر بعلمائه الأجلاء حريصون كل الحرص على أن يكونوا ملتزمين بالنصوص الشرعية وبالاجتهادات الصحيحة المؤيدة من الكتاب والسنة وذلك فضل الله تعالى عليكم، وهذه مسؤولية كبيرة ونحن الآن في أشرف الأعمال وجلستكم من أعظم الجلسات في سبيل الله – لنا الأجر العظيم. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الرئيس:
في الواقع من خلال هذه المداولات في موضوع (المناقصات) يتحرر أن هناك بعض من مفرداتها لم تتناوله البحوث ولا المناقشات، لا سيما بعض صور المناقصات المشتهرة مثل: سندات الخزينة، فهذه لم يتعرض لها أحد وهي منتشرة والإعلانات عنها متوالية. وهناك بعض مفرداتها سبق وأن بت فيها المجلس كما في عقد الاستصناع وخطاب الضمان في بعض صوره، وهناك بعض المفردات حصل فيها توقف ولم يحصل فيها بت من عدد من أصحاب الفضيلة الأعضاء، وهناك مفردات أخرى حصل فيها البت إلا أن هذه يرتبط بعضها بعض، ولهذا فإن المأمول من أصحاب الفضيلة الأعضاء والباحثين والخبراء أن يقدم كل واحد ما لديه من قضية أو مفردة تستحق المناقشة وإدخالها في هذا المشروع ليجري إحالتها إلى معالي الأمين. ومعالي الأمين الآن يحب أن يأخذ الكلمة.
стр. 14686
معالي الأمين العام للمجمع:
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،
لقد كانت البحوث المقدمة في هذه الجلسة من جهة والمناقشات الطويلة التي استمعنا إليها ثرية ثراءً كبيراً وواسعة، وهذا بحمد الله أعطى صورة كاملة للموضوع بحيث أصبحنا نشعر بأن طائفة من مسائله ربما كان قد وقع بحثها من قبل واتخذ فيها قرار، والبعض الآخر هو جديد يحتاج إلى النظر، وهناك مسائل أخرى أيضاً تحتاج؛ لأن تبحث لتضم لهذا الموضوع لتتكامل الصورة لدينا في بحوث تقدم في الدورة القادمة –بإذن الله- من أجل ذلك فإني أرجو –تثنية على ما تفضل به سيادة الرئيس- أن يكتب الإخوان إلى الأمانة ما يريدونه من المفردات أو الموضوعات التي تضم إلى هذه القضية حتى تبحث في الدورة القادمة، وبودي أن الذين اقترحوا هذه المسائل هم الذين يتولون الكتابة فيها. فأنا في انتظار ما تريدونه وتقدمونه من ملاحظات مكتوبة تتعلق بتلك المفردات راجياً أن يكون الذين يتقدمون بها هم الذين يتولون إعداد شيء للدورة القادمة، بإذن الله.
وشكراً لحضراتكم.
الدكتور عبد السلام العبادي:
في الحقيقة لا بد أن نبت في مجلس المجمع بأمر في غاية الأهمية. هل نريد المناقصة وما تنتهي إليه من عقود؟ أم نريد المناقصة في ذاتها؟ إذا أردتم ما تنتهي إليه من عقود ستدخل السندات التي أشار إليها وستدخل صور كثيرة.
الرئيس:
يا شيخ عبد السلام، لأنه يخشى من صدور قرار مثلاً ... نحن الآن ننبه لكن لو لم أنبه ما نبه؛ لأن البحوث لم تذكرها والمناقشات لم تتداولها، فنحن ما يسعنا على أن من يصدر شيئاً يكون فيه الإجمال ويدخل فيه عشرات القضايا التي هي غائبة عن أذهاننا. إضافة إلى سندات الخزينة بيع الأوراق المالية، فهي أشياء لا تعد. وتعرفون أن الإجمال يدخل تحته أشياء قد تكون تناقض صريح الدليل من الكتاب والسنة، وتناقض ما صدر من هذا المجمع. فالموضوع في الحقيقة في هذه المداولات في هذه الجلسة تجلى تماماً، تجلت جوانبه، وإذا أجل بهذه الصورة بشرط أن في فاتحة الجلسة المسائية يقدم كل واحد من أصحاب الفضيلة الأعضاء والخبراء والباحثين ما لديه للأمانة.
وأرجو أن توافقوا على هذا ويعتبر الموضوع بذلك منتهياً.
وبذلك ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 14687
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم: ٩٣/٥/د٩
بشأن: " المناقصات "
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ١-٦ أبريل ١٩٩٥م.
بعد اطلاعه على البحثين الواردين إلى المجمع بخصوص موضوع: "المناقصات"
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وجرياً على خطة المجمع في وجوب إعداد عدد من الدراسات في كل موضوع لاستقصاء التصورات الفنية له، واستيعاب الاتجاهات الفقهية فيه،
قرر ما يلي:
أولاً: تأجيل إصدار القرار الخاص بالنقاط التي درست في هذا الموضوع، نظراً لأهميته، وضرورة استكمال بحث جميع جوانبه وتغطية كل تفصيلاته، والتعرف على جميع الآراء فيه، واستيفاء المجالات التي تجري المناقصات من أجلها، ولا سيما ما هو حرام منها كالأوراق المالية الربوية وسندات الخزانة.
ثانياً: أن يقوم أعضاء المجمع وخبراؤه بموافاة الأمانة العامة –قبل انتهاء الدورة إن أمكن أو خلال فترة قريبة بعدها –بما لديهم من نقاط فنية أو شرعية تتعلق بموضوع "المناقصات" سواء تعلقت بالإجراءات أم بالصيغ والعقود التي تقام المناقصة لإبرامها.
ثالثاً: استكتاب أبحاث أخرى في موضوع (المناقصات) يسهم فيها أهل الخبرات الفنية والفقهية والعملية في هذا الموضوع.
стр. 14688
انخفاض قيمة العملة الورقية بسبب التضخم
النقدي وأثره بالنسبة للديون السابقة
وفي أي حد يعتبر الانخفاض ملحقاً بالكساد
إعداد
الدكتور مصطفى أحمد الزرقا
المستشار الشرعي بمؤسسة الراجحي المصرفية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
انخفاض قيمة العملة وتأثيره في الديون السابقة
- من أكبر المشكلات المعاصرة من قضايا الساعة مشكلة التضخم النقدي، لما أصبح النقد المتداول في جميع أنحاء العالم ورقاً مطبوعاً وما يترتب على هذا التضخم من هبوط في قيمة العملة الورقية، بحيث تصبح الوحدة النقدية لبلد ما، كالليرة والدينار والدرهم واللير والدولار والفرنك مثلاً، قوتها الشرائية لا تساوي إلا جزءاً من خمسة أو عشرة أو مئة مثلاً من قوتها الشرائية السابقة.
إن الديون المعقودة قبل الهبوط بمدة طويلة كالمهور المؤجلة في عقود النكاح، وكالديون القديمة إذا قضيت بالعملة ذاتها وبالعدد المذكور في العقد القديم قبل الهبوط ينال الدائن بهذا الهبوط في قيمة العملة ضرر كبير بحيث يعتبر معه أنه لم يقبض من دينه إلا واحداً من خمسة أو من عشرة أو من مئة. وهذا بعيد جدًّا عن العدل والإنصاف الذي هو أهم سمة من سمات الشرع الإسلامي.
وفي الوقت نفسه إذا كلف المدين أن يدفع، بعد الهبوط العظيم المروع، دينه من النقود بحسب قيمتها السابقة، فإن ذلك مرهق له إرهاقاً لا يحتمل؛ فكلا الحلين لا ينطوي على عدل، سواء حملنا الفرق في قيمة العملة كله على الدائن، أو على المدين، وهنا تكمن المشكلة.
قبل سنوات من هذا التاريخ، في دورة هذا المجمع الفقهي التي عقدت في الكويت كان من جملة جدول أعمالها موضوع التضخم وهبوط سعر العملة التي عقدت بها عقود قديمة من قروض ومهور أو أثمان مبيعات. فاتخذ المجمع إذ ذاك قراراً بشأنها بين فيه أنه لا تأثير لذلك الهبوط في قيمة العملة مهما فحش، ولا يكلف المدين إلا بالمقدار نفسه من النقود التي عقد بها العقد القديم، دون أي اعتبار لهبوط قيمتها وقوتها الشرائية. ولم أكن أنا حاضراً تلك الدورة المذكورة؛ لأن الجامعة الأردنية التي كنت فيها لم تأذن لي ولم تعطني إجازة لحضور تلك الدورة.
стр. 14689
وفي نظري أن قرار المجمع إذ ذاك كان فيه شيء من التسرع يجعله في حاجة إلى إعادة النظر في موضوعه. فما ذنب الدائن من مقرض أو بائع أو امرأة عقدت على مهرها المؤجل بالليرات السورية أو اللبنانية ثم استحقت أخذه بوفاة الزوج أو تطليقه إياها أن تأخذ مهرها المؤجل بما يساوي واحداً من المئة أو أقل؟!!!
وإن قلنا بالعكس فما ذنب الرجل أن يدفع المهر مئة ضعف أو أكثر عما تعاقد عليه، ولم يكن في حسبانه مثل هذا الهبوط المروع؟!
إن الموضوع خطير، ويحتاج إلى تروٍّ وتفكير في ضوء مبادئ الشريعة، والقوانين الوضعية ليستنير الفقيه بما عند غيره من رأي، ولا يصح أن يؤخذ فيه قرار مبتسر على عجل كما لو كان الأمر بسيطاً ليس ذا خطورة كبيرة في نتيجته.
والذي بدا لي بعد طول تفكير عقب صدور القرار من المجمع الكريم في دورة الكويت المذكورة أن هذا الموضوع ليس له حل عادل مع الطرفين الدائن والمدين سوى الحل المستوحى من نظرية الظروف الطارئة المعروفة في عالم القانون الوضعي والتي تتقبلها مبادئ الشريعة الإسلامية وفقهها بكل ترحاب.
-نظرية الظروف الطارئة-
ما هو الظرف الطارئ؟
يعرف العلماء القانون الطارئ بأنه ظرف يحصل بعد التعاقد بصورة مفاجئة لم يكن في حسبان العاقدين وقت التعاقد، تختلف فيه قيمة الالتزام الذي التزمه أحدهما تجاه الآخر اختلافاً جسيماً من شأنه أن يجعل الالتزام مرهقاً للملتزم إرهاقاً شديداً.
وأبرز ما يحصل الظرف الطارئ بالمعنى المبين في تعريفه عقود التوريد، وعقود المقاولة التي يعقدها المتعهدون لإقامة المنشآت والمباني.
فقد يتعاقد مقاول متعهد بإقامة بناء ضخ لشركة أو لحكومة في ظرف طبيعي بالعملة السائدة، فتقع حرب مفاجئة تنقطع بها طرق المواصلات، ويتوقف أو يتعسر استيراد مواد البناء فتغلو أسعارها ويندر وجودها، وتصبح تكاليف البناء أضعافاً مضاعفة عما كان محسوباً وقت التعاقد.
стр. 14690
وكذلك قد يتعاقد متعهد عقد توريد مواد أغذية أو أدوية لمستشفى لمدة معينة، فيحصل زلزال كبير أو إعصار مدمر، أو تندلع حرب، فتقل المواد المتعاقد على توريدها في مدة العقد وترتفع أسعارها أضعافاً كثيرة من شأنها أن ترهق الملتزم إرهاقاً شديداً.
هذا هو معنى الظرف الطارئ عند علماء القانون. ومن شروطه:
١- أن يكون من شأنه أن يرهق الملتزم إرهاقاً شديداً، ولا عبرة لكون هذا الملتزم قويًّا ماليًّا بحيث إنه يستطيع أن يوفي الالتزام رغم إرهاقه الشديد. وهذا ما يفيده تعبير (من شأنه أن يرهق..) ولو كان خصوص هذا الملتزم قادراً على التنفيذ الأصلي.
٢- أن يكون الظرف الطارئ غير قائم عند التعاقد، ولا متوقع الوقوع؛ لأنه لو كان كذلك يكون محسوباً له حسب عند التعاقد، فلا يفاجأ الملتزم بما لم يكن في حسبانه.
ماذا توجب النظرية في هذه الحال
إن علماء القانون مجمعون على أن الظرف الطارئ بمعناه المشروح وشروطه إذا وقع فإن نظريتهم فيه أنه يعطي القاضي حقًّا وسلطة في أن ينظر الفرق الذي حصل في الأسعار بسبب الظرف الطارئ فيحمله على الطرفين معاً، أي يقسمه نصفين، فيحمل كلًّا منهما نصف الفرق تحقيقاً للعدل بينهما، إذ ليس من العدل أن يبوء به أحدهما دون الآخر.
ويحق للقاضي أن يمهل الملتزم إذا كان السبب الطارئ مرجو الزوال قريباً.
وللقاضي سلطة أيضاً إذا لم يكن العقد قد بدئ بتنفيذه، أو كان الذي نفذ منه جزءاً يسيراً أن يفسخ العقد ويلغي التزام المتعهد أوالمقاول، كما يحق له أن يفسخه جزئيًّا فيما لم يتم تنفيذه، ويحكم للملتزم له بتعويض عادل عن فسخ العقد، كما له أن ينتقص من التزامات الملتزم تخفيفاً عنه، أو يزيد في حقوق الملتزم له، معتمداً رأي أهل الخبرة في ذلك.
وهذا كما يبدو حل في منتهى المعقولية والعدل، إذ أن تحميل الفرق كله على أحد الطرفين ظلم واضح له، مع أن الظرف الطارئ ليس من صنعه، وتأثيره يشمل المجتمع كله، وكلا الطرفين من أعضاء المجتمع الذي تأثر بالظرف الطارئ فلا مبرر لإعفاء أحد الطرفين المتعاقدين من تأثيره، وتحميل الفرق كله على الآخر.
стр. 14691
مدى قبول هذا الحل الذي توجبه النظرية القانونية
في قواعد الفقه الإسلامي
كنت قدمت في المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة مذكرة دعوت المجمع فيها إلى تبني حل لمشكلة التضخم نظير الحل الذي تفرضه نظرية الظروف الطارئة القانونية؛ لأنه يتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي قوامها العدل الذي قال فيه ابن القيم ﵀:
"حيث ظهرت دلائل العدل وسفر وجهه فثم شرع الله وأمره".
وكون هذا الحل مستوحى من نظرية قانونية لا يضير، إذ ليس كل ما في القانون الوضعي مخالفاً لمبادئ الشريعة الإسلامية وفقهها. بل إن المتفق فيه مع أحكام الشريعة أكثر كثيراً من المختلف. فما كان من المتفق مع أحكام الشريعة يمكن تبنيه وتخريجه تخريجاً جديداً على قواعدها، وتفريعه على مبادئها الحكيمة الثابتة بنصوص عامة أو بشواهد فقهية تؤيده، ونضيفه إلى فقهنا الجليل الذي نشأ كثير من أحكامه بمثل هذه الطريقة التخريجية لحاجات زمنية دعت فقهاؤنا إلى تلبيتها، أصبحت من صلب الفقه.
وبناء على مذكرتي تلك قام المجمع بتكليف أحد أعضائه الدكتور الأستاذ رشيد القباني بتقديم بحث عن نظرية الظروف الطارئة في القانون. ثم في دورة تالية أدخل الموضوع في جدول أعماله، ثم انتهى إلى قرار يعتبر فيه الظروف الطارئة بمعناها المشروح موجبة لتعديل الالتزامات والحقوق في العقود المتراخية التنفيذ كعقد التوريد مثلاً، وذلك بتنصيف فرق العملة الفاحش وتحميله على الطرفين على كل منهما نصفه ... إلخ.
وقد قام المجمع بتخريج ذلك كله على أصول الشريعة وعلى نصوص الفقهاء في عقد الإجارة الذي قرر الفقهاء جواز فسخه بالأعذار وعلى حكم الجوائح الطارئة على الثمار المتعاقد عليها وهي على أشجارها كما استند المجمع إلى قاعدة وجوب العدل في الشريعة، والمبدأ الذي أعلنه ابن القيم ﵀ في كلامه الذي نقلنا بعضه آنفاً.
وإني أربط صورة كاملة لقرار المجمع الفقهي بمكة المكرمة في هذا الشأن تسهيلاً للاطلاع عليه عند النظر في مذكرتي هذه.
стр. 14692
ثم بعد صدور هذا القرار من المجمع الفقهي بمكة رأيت في كتاب الدكتور الأستاذ عبد السلام الترمانيني (١) الذي عنوانه: (نظرية الظروف الطارئة – دراسة تاريخية ومقارنة بالشريعة الإسلامية) (٢) في الفصل السادس منه الذي عقده للمقارنة بين النظرية الضرورة في الفقه الإسلامي، ونظرية الظروف الطارئة في القانون المدني كلاماً جيداً في تطبيق النظريتين على هبوط سعر النقود الفاحش، ووجوب تنصيف الفرق في السعر وتحميله على الطرفين؛ أربط صورته بنصه أيضاً مع هذه المذكرة دعماً لما بينته فيها.
ثم إن الدكتور نزيه حماد في كتابه المسمى (دراسات في أصول المداينات) في المبحث الرابع منه الذي عنوانه: تغير النقود وأثره على الديون في الفقه الإسلامي – نقل الآراء الفقهية الثلاثة وهي:
١- عدم تأثير صعود قيمة النقود وهبوطها على المداينات السابقة وبه أخذت مجلة الأحكام العدلية.
٢- اعتبار قيمتها يوم العقد في البيع، ويوم القبض في القرض، وهو القول الثاني للإمام أبي يوسف والمفتى به في المذهب الحنفي.
٣- قول عند المالكية بأن التغير إذا كان يسيراً لا عبرة له ويجب الوفاء بمثل ما وقع عليه العقد دون تأثيره لصعود قيمة النقود أو هبوطها. وأما إذا كان التغير فاحشاً فإن الوفاء يجب بحسب قيمة النقود وقت التعاقد؛ لأنه لو وفى بالمثل فقط حينئذ يصير القابض للنقود بعد هبوطها الفاحش كالقابض لما ليس له كبير منفعة.
стр. 14693
وهذا ما رجحه الرهوني من المالكية (ز: الكتاب المذكور، ص ٢٢٥-٢٢٦، الفقرة ٢٨) وعقب عليه الدكتور نزيه حماد بقوله ما نصه:
"وبالنظر في هذه الأقوال الثلاثة وتعليلاتها يلوح لي:
أ- أن الاتجاه الفقهي: لإيجاب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار من رأي الجمهور الذاهبين إلى أن الواجب على المدين أداؤه إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثبات في الذمة دون زيادة أو نقصان، وذلك لاعتبارين:
(أحدهما) – أن هذا الرأي هو الأقرب للعدالة والإنصاف، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، والله يأمر بالقسط.
(والثاني) – أن فيه رفعاً للضرر عن كل من الدائن والمدين، فلو أقرضه مالاً فنقصت قيمته، وأوجبنا عليه قبول المثل عدداً تضرر الدائن؛ لأن المال الذي تقرر له ليس هو المستحق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيباً بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة (حيث إن عيب العين المعينة هو خروجها عن الكمال بالنقص، وعيب الأنواع نقصان قيمتها) . ولو أقرضه مالاً فزادت قيمته، وأوجبنا عليه أداء المثل عدداً تضرر المدين، لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ.. والقاعدة الشرعية الكلية أنه "لا ضرر ولا ضرار".
ب- إن الرأي الذي استظهره الرهوني من المالكية بلزوم المثل عند تغير النقد بزيادة أو نقص إذا كان ذلك التغير يسيراً، ووجوب القيمة إذا كان التغير فاحشاً هو أولى في نظري من رأي أبي يوسف – المفتى به عند الحنفية- بوجوب القيمة مطلقاً، وذلك لاعتبارين:
(أحدهما) –أن التغير اليسير مغتفر قياساً على الغبن اليسير والغرر اليسير المغتفرين شرعاً في عقود المعاوضات المالية من أجل رفع الحرج عن الناس نظراً لعسر نفيهما في المعاملات بالكلية، ولغرض تحقيق أصل تشريعي مهم وهو استقرار التعامل بين الناس، بخلاف الغبن الفاحش والغرر الفاحش فإنهما ممنوعان في أبواب البيوع والمعاملات.
(والثاني) - أن التغير اليسير مغتفر تفريعاً على القاعدة الفقهية الكلية أن: " ما قارب الشيء يعطى حكمه "، (١) بخلاف التغير الفاحش فإن الضرر فيه بين والجور فيه محقق" اهـ.
стр. 14694
أقول: إن هذا القول الثالث للمالكية الذي أيده الشيخ الرهوني يتفق تمام الاتفاق مع ما هو مقرر في نظرية الظروف الطارئة التي عرضنا خلاصتها في هذه المذكرة، فقد بينا أنها تشترط في الظرف الطارئ أن يؤدي إلى غبن فاحش جدًّا للملتزم بحيث يكون من شأنه أن يرهقه إرهاقاً شديداً، أما إذا أدى إلى فرق غير كبير ولا فاحش، فإنه لا عبرة له.
ملاحظة: يتبين مما أسلفنا أن هبوط العملة الذي يجب أن يؤخذ بالاعتبار، ويتصف به الفرق الناشئ ويوزع على الطرفين الملتزم والملتزم له على كل منهما نصفه إنما هو في حالة الهبوط المفاجئ الذي يحصل عادة بقرار حكومي يتخذ سرًّا ثم يعلن فجأة ويفاجأ به الناس، أو بحدوث طارئ آخر مفاجئ.
أما إذا كانت العملة تهبط قيمتها هبوطاً تدريجيًّا ملحوظاً للعاقدين عند التعاقد فلا عبرة له إلا إذا كان الدين مؤجلاً إلى أجل طويل غير محدد، وأدى الهبوط التدريجي إلى درجة فاحشة بطول الزمن، كما في المهر المؤجل في عقود الزواج، فعندئذ تعتبر القيمة وقت العقد وينصف الفرق بين الزوجين؛ لأنه غير ملحوظ عند التعاقد.
متى يعتبر الهبوط فاحشاً
أما متى يعتبر الهبوط فاحشاً يلحق بكساد النقود ويؤدي إلى تنصيف الفرق؟ فالذي أرى أن الهبوط إذا تجاوز ثلثي قيمة النقد وقوته الشرائية عند العقد في البيع وعند القبض في القرض، وبقي من قيمته أقل من الثلث. فإنه حينئذ يعتبر فاحشاً ويوجب توزيع الفرق على الطرفين، أخذاً من الأدلة الشرعية والآراء الفقهية التي تحدد حد الكثرة بالثلث، والله سبحانه أعلم.
وفي الختام أدعو هذا المجمع الفقهي الكريم إلى أن يعيد النظر في قراره السابق الذي اتخذه في دورة انعقاده في الكويت، وأن يقرر في ضوء ما أوضحته ونقلته آنفاً وجوب تنصيف الفرق الفاحش في سعر العملة في المداينات السابقة، وفي العقود المتراخية التنفيذ، وأن للقاضي سلطة، بناء على رأي الخبراء، في فسخ العقد كليًّا أو جزئيًّا فيما لم يتم تنفيذه، وفقاً لما جاء في قرار المجمع الفقهي بمكة، واستناداً إلى ما استند إليه من الأدلة الشرعية. والله ولي التوفيق.
الدكتور مصطفى أحمد الزرقاء
стр. 14695
قرار
مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي
في دورته الرابعة
المنعقدة في سنة ١٤٠٢ هـ
بشأن الظروف الطارئة وتأثيرها
في الحقوق والالتزامات العقدية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فقد عرض على مجلس المجمع الفقهي الإسلامي مشكلة ما قد يطرأ بعد إبرام عقود التعهد ونحوها من العقودات ذات التنفيذ المتراخي في مختلف الموضوعات من تبدل مفاجئ في الظروف والأحوال ذات التأثر الكبير في ميزان التعادل الذي بنى عليه الطرفان المتعاقدان حساباتهما فيما يعطيه العقد كلًّا منهما من حقوق وما يحمله إياه من التزامات مما يسمى اليوم في العرف التعاملي بالظروف الطارئة.
وقد عرضت مع المشكلة أمثلة لها من وقع أحوال التعامل وأشكاله توجب التفكير في حل فقهي مناسب عادل يقضي على المشكلة في تلك الأمثلة ونظائرها الكثيرة. فمن صور هذه المشكلة الأمثلة التالية:
١- لو أن عقد مقاولة على إنشاء بناية كبيرة يحتاج إنشاؤها إلى مدة طويلة ثم بين طرفين، وحدد فيه سعر المتر المكعب من البناء وكسوته بمبلغ مئة دينار مثلاً، وكانت كلفة المواد الأولية من حديد وأسمنت وأخشاب وسواها وأجور عمال تبلغ عند العقد للمتر الواحد ثمانين ديناراً فوقعت حرب غير متوقعة أو حادث آخر خلال التنفيذ قطعت الاتصالات والاستيراد وارتفعت بها الأسعار ارتفاعاً كبيراً يجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً جدًّا.
٢- لو أن متعهداً في عقد توريد أرزاق عينية يوميًّا من لحم وجبن ولبن وبيض وخضراوات وفواكه ونحوها إلى مستشفى أو إلى جامعة فيها أقسام داخلية، أو إلى دار ضيافة حكومية، بأسعار اتفق عليها في كل صنف لمدى عام. فحدثت جائحة في البلاد أو طوفان أو زلزال، أو جاء جراد جرد المحاصيل الزراعية، فارتفعت الأسعار إلى أضعاف كثيرة عما كانت عليه عند عقد التوريد، إلى غير ذلك من الأمثلة المتصورة في هذا المجال.
стр. 14696
فما الحكم الشرعي الذي يوجبه فقه الشريعة في مثل هذه الأحوال التي أصبحت كثيرة الوقوع في العصر الحاضر الذي تميز بالعقود الضخمة بقيمة الملايين، كالتعهد مع الحكومات في شق الطرق الكبيرة وفتح الأنفاق في الجبال، وإنشاء الجسور العظيمة، والمجمعات لدوائر الحكومة أو للسكنى، والمستشفيات العظيمة أو الجامعات. وكذا المقاولات التي تعقد مع مؤسسات أو شركات كبرى لبناء مصانع ضخمة، ونحو ذلك مما لم يكن له وجود في الماضي البعيد.
فهل يبقى المتعاقد الملتزم على حدود عقده وأسعاره قبل تبدل الظروف وطروء التغييرات الكبيرة المشار إليها مهما تكبد في ذلك من خسائر ماحقة ساحقة، تمسكاً بمقتضى العقد وحدوده في الأسعار والكميات، أو له مخرج وعلاج من فقه الشريعة الحكيمة السمحة العادلة يعيد كفتي الميزان إلى التعادل، ويحقق الإنصاف بقدر الإمكان بين الطرفين؟
وقد نظر مجلس المجمع في النظائر الفقهية ذات الصلة بهذا الموضوع من فقه المذاهب واستعراض قواعد الشريعة ذات العلاقة مما يستأنس به ويمكن أن يوصى بالحكم القياسي والاجتهاد الواجب فقهاً في الشأن كما رجع إلى آراء فقهاء المذاهب فوجد ما يلي:
١- إن الإجارة يجوز للمستأجر فسخها بالطوارئ العامة التي يتعذر فيها استيفاء المنفعة كالحرب والطوفان ونحو ذلك، بل الحنفية يسوغون فسخ الإجارة أيضاً بالأعذار الخاصة بالمستأجر، مما يدل على أن جواز فسخها بالطوارئ العامة مقبول لديهم أيضاً بطريق الأولوية فيمكن القول إنه محل اتفاق، وذكر ابن رشد في بداية المجتهد ٠ص ١٩٢ من طبعة الخانجي الأول بالمطبعة الجمالية بمصر) تحت عنوان: أحكام الطوارئ) أنه: (عند مالك أن أرض المطر – أي البعلية التي تشرب من ماء السماء فقط – إذا كريت فمنع القحط من زراعتها، أو إذا زرعها المكتري فلم ينبت الزرع لمكان القحط –أي بسببه- أن الكراء ينفسخ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة فلم يتمكن المكتري من زرعها) . انتهى كلام ابن رشد.
٢- وذكر ابن قدامة المقدسي في كتاب الإجارة من المغني (المطبوع مع الشرح الكبير ٦/٣٠) أنه: (إذا حدث خوف عام يمنع من سكنى ذلك المكان الذي فيه العين المستأجرة، أو تحصر البلد فامتنع الخروج إلى الأرض المستأجرة للزرع أو نحو ذلك، فهذا يثبت للمستأجر خيار الفسخ؛ لأنه أمر غالب يمنع المستأجر من استيفاء المنفعة. فأما إذا كان الخوف خاصاً بالمستأجر، من أن يخاف وحده لقرب أعدائه ... لم يملك الفسخ؛ لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية فأشبه مرضه) .
٣- وقد نص الإمام النووي ﵀ في روضة الطالبين (٥/٢٣٩، أنه لا تنفسخ الإيجارة بالأعذار، سواء أكانت إيجارة عين أو ذمة، وذلك كما إذا استأجر دابة للسفر عليها فمرض، أو حانوتاً لحرفة فندم، أو هلكت آلات تلك الحرفة، أو استأجر حماماً فتعذر الوقود. قال النووي وكذا لو كانا لعذر للمؤجر بأن مرض وعجز عن الخروج مع الدابة، أو أكرى داره وكان أهله مسافرين واحتاج إلى الدار أو تأهل قال: فلا فسخ في شيء من ذلك، إذ لا خلل في المعقود عليه) اهـ.
٤- ما يذكره العلماء ﵏ في الجوائح التي تجتاح الثمار المبيعة على الأشجار بالأساليب العامة كالبرد والجراد وشدة الحر والأمطار والرياح ونحو ذلك مما هو عام؛ حيث يقررون سقوط ما يقابل الهالك بالجوائح من الثمن وهي قضية الجوائح المشهورة في السنة والفقه.
стр. 14697
٥- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مختصر الفتاوى (ص ٣٧٦) أن من استأجر ما تكون منفعة أجارته لعامة الناس، مثل الحمام والفندق والقيسارية، فنقضت المنفعة لقلة الزبون أو لخوف أو حر أو تحول سلطان ونحوه فإنه يحط عن المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة.
٦- وقال ابن قدامة أيضاً في الصفحة (٢٩) من الجزء السابق الذكر نفسه (ولو استأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها إلى مكان معين، فانقطعت الطريق إليه لخوف حادث أو اكترى إلى مكة فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق فلكل واحد منهما فسخ الإجارة وإن أحب إبقاءها إلى حين إمكان استيفاء المنفعة جاز) . وقال الكاساني من فقهاء الحنفية في الإجارة من كتاب بدائع الصنائع (٤/١٩٧) : (إن الفسخ في الحقيقة امتناع من التزم الضرر، وإن إنكار الفسخ عند تحقق العذر خروج عن العقد والشرع؛ لأنه يقتضي أن من اشتكى ضرسه، فاستأجر رجلاً لقلعها، فسكن الوجع يجبر على القلع، وهذا قبيح عقلاً وشرعاً) .
هذا وقد ذكر فقهاء المذاهب في حكم الأعذار الطارئة في المزارعة والمساقاة والمغارسة شبيه ما ذكروا في الإجارة.
٧- قضى رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده، وقرر كثير من فقهاء المذاهب في الجوائح التي تجتاح الثمار ببرد أو صقيع، أو جراد، أو دودة، ونحو ذلك من الآفات، إنها تسقط من ثمن الثمار التي بيعت على أشجارها ما يعادل قيمة ما أتلفته الجائحة وإن عمت الثمر كله تسقط الثمن كله.
٨- قال رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه: ((لا ضرر ولا ضرار)) وقد اتخذ فقهاء المذاهب من قوله هذا قاعدة فقهية اعتبروها من دعائم الفقه الكبرى الأساسية، وفرعوا عليها أحكاماً لا تحصى في دفع الضرر وإزالته في مختلف الأبواب.
ومما لا شك فيه أن العقد الذي يعقد وفقاً لنظامه الشرعي يكون ملزماً لعاقديه قضاء عملاً بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
стр. 14698
ولكن قوة العقد الملزمة ليست أقوى من النص الشرعي الملزم للمخاطبين به كافة، وقد وجد المجمع في مقاييس التكاليف الشرعية، ومعايير حكمة التشريع أن المشقة لا ينفك عنها التكليف عادة بحسب طبيعته، كمشقة القيام في الصلاة، ومشقة الجوع والعطش في الصيام، لا تسقط التكليف، ولا توجب فيه التخفيف، ولكنها إذا جاوزت الحدود الطبيعية للمشقة المعتادة في كل تكليف بحسبه، أسقطته أو خففته، كمشقة المريض في قيامه في الصلاة ومشقته في الصيام وكمشقة الأعمى والأعرج في الجهاد، فإن المشقة المرهقة عندئذ بالسبب الطارئ الاستثنائي توجب تدبيراً استثنائيًّا يدفع الحد المرهق منها، وقد نص على ذلك وأسهب في بيانه، وأتى عليه بكثير من الأمثلة في أحكام الشريعة الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة) .
فيتضح من ذلك أن الخسارة المعتادة في تقلبات التجارة لا تأثير لها في العقود؛ لأنها من طبيعة التجارة وتقلباتها لا تنفك عنها، ولكنها إذا جاوزت المعتاد المألوف كثيراً بمثل تلك الأسباب الطارئة الآنفة الذكر توجب عندئذ تدبيراً استثنائيًّا.
ويقول ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) :
(إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه بالعدل الذي قامت به السماوات والأرض وكل أمر أخرج من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى عكسها فليس من شرع الله في شيء وحيثما ظهرت دلائل العدل وسفر وجهه فثم شرع الله وأمره) (إعلام الموقعين) وقصر العاقدين إنما تكشف عنه وتحدده ظروف العقد، وهذا القصر لا يمكن تجاهله والأخذ بحرفية العقد مهما كانت النتائج فمن القواعد المقررة في فقه الشريعة أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
ولا يخفى أن طريق التدخل في مثل تلك الأحوال المعروضة آنفاً في العقود المتراخية التنفيذ لأجل إيجاد الحل العادل الذي يزيل الجور إنما هو من اختصاص القضاء، ففي ضوء هذه القواعد والنصوص المعروضة التي تنير طريق الحل الفقهي السديد في هذه القضية المستجدة الأهمية، يقرر الفقه الإسلامي ما يلي:
١- في العقود المتراخية التنفيذ (كعقود التوريد والتعهدات والمقاولات) إذا تبدلت الظروف التي تم فيها التعاقد تبدلاً غير الأوضاع والتكاليف والأسعار تغييراً كبيراً بأسباب طارئة عامة لم تكن متوقعة حين التعاقد، فأصبح بها تنفيذ الالتزام العقدي يلحق بالملتزم خسائر جسيمة غير معتادة من تقلبات الأسعار في طرق التجارة، ولم يكن ذلك نتيجة تقصير أو إهمال من الملتزم في تنفيذ التزاماته، فإنه يحق للقاضي في هذه الحال عند التنازع وبناء على الطلب تعديل الحقوق والالتزامات العقدية بصورة توزع القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لو يتم تنفيذه منه إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل في القضية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له صاحب الحق في التنفيذ، يجبر له جانباً معقولاً من الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد بحيث يتحقق عدل بينهما دون إرهاق للملتزم ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعاً رأي أهل الخبرة الثقات.
стр. 14699
٢- ويحق للقاضي أيضاً أن يمهل الملتزم إذا وجد أن السبب الطارئ قابل للزوال في وقت قصير، ولا يتضرر الملتزم له كثيراً بهذا الإمهال.
هذا وإن مجلس المجمع الفقهي يرى في هذا الحل المستمد من أصول الشريعة تحقيقاً للعدل الواجب بين طرفي العقد، ومنعاً تتضرر المرهق لأحد العاقدين بسبب لا يد له فيه، وأن هذا الحل أشبه بالفقه الشرعي الحكيم، وأقرب إلى قواعد الشريعة ومقاصدها العامة وعدلها والله ولي التوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
[توقيع] [اعتذر لمرضه]
نائب الرئيس رئيس مجلس المجمع الفقهي
محمد علي الحركان عبد الله بن حميد
الأعضاء
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
عبد العزيز بن عبد الله بن باز محمد محمود الصواف صالح بن عثيمين
[توقيع] [تخلف عن الحضور] [توقيع]
محمد بن عبد الله بن السبيل مبروك العوادي محمد الشاذلي النيفر
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
مصطفى أحمد الزرقاء عبد القدوس الهاشمي محمد رشدي
[تخلف عن الحضور] [توقيع] [تخلف عن الحضور]
أبو الحسن علي الحسني الندوي أبو بكر محمود جومي حسنين محمد مخلوف
[توقيع] [تخلف عن الحضور] [توقيع]
محمد رشيد قباني محمود شيت خطاب محمد سالم عدود
مقرر المجمع الفقهي الإسلامي
محمد عبد الرحيم الخالد
стр. 14700
من كتاب نظرية الظروف الطارئة – د. عبد السلام الترمانيني-
٣- وفي النقود يظهر الطارئ غير المتوقع الذي يؤثر في قيمة النقد المتعاقد به هبوطاً وارتفاعاً، وقد عرفت سورية ولبنان مشكلة هبوط النقد في الحرب العالمية الأولى عندما هبطت قيمة الأوراق النقدية العثمانية. وبعد الحرب حين هبط الفرنك الفرنسي، وكان التعامل بين الناس آنئذ يجري بالعملية الذهبية، كما عرفت مصر أيضاً هذه المشكلة بعد تلك الحرب في العقود المعقودة بالفرنك وبالمارك الألماني الذي هبطت قيمته هبوطاً كبيراً. (١)
وقد عالج الفقه الإسلامي مسألة النقد معالجة واسعة على ما فصلناه فيما تقدم، فميز بين العملة الخالصة والمغلوبة الغش، وبين العملة الخالصة والغالبة الغش، أي بين ما يكون نقداً بذاته، وبين ما يكون نقداً بالاعتبار، وهذا النوع الثاني يطابق مفهوم العملة الورقية أجزائها المعدنية التي أصبحت مدار التعامل في كل أنحاء العالم.
ويظهر من قول الإمام أبي يوسف أنه قد اعتبر الذهب أساساً للعملة الاعتبارية، فأوجب الوفاء بما يعادل قيمتها يوم العقد أو القبض من الذهب عند تبدل القيمة والكساد والانقطاع. (٢)
ومع أن رأي أبي حنيفة وتلميذه محمد، بالوفاء بالنقد المتعاقد به دون النظر إلى تبدل قيمته، يطابق ما استقر عليه الرأي في زماننا قانوناً وفقهاً واجتهاداً، إلا أن في الأحكام القضائية التي رجعت إلى قيمة النقد يوم العقد في الدعاوى التي أقيمت في مصر على أثر سقوط الفرنك والمارك ما يطابق رأي أبي يوسف. ويبدو من هذه الأحكام أنها قد طبقت نظرية الحوادث الطارئة بطريق غير مباشر استناداً إلى نية المتعاقدين ومبدأ العدالة. (٣)
стр. 14701
على أن تطبيق نظرية الظروف الطارئة في مسائل النقد في الفقه الإسلامي يظهر واضحاً فيما قرره ابن عابدين في العقود المعقودة بالقروش، إذا هبطت قيم العملات التي كان يحصل بها الوفاء هبوطاً متفاوتاً، فقد رأى أن الضرر الناشئ من هذا الهبوط لا يجوز أن يتحمله أحد العاقدين وحده، وإنما يجب أن يتحمله الاثنان معاً، وذلك بالوفاء من الأوسط من تلك العملات. وقد بنى رأيه على نية المتعاقدين (١) وعلى حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) وهو من قواعد نظرية الضرورة التي قامت على مبدأ العدالة (٢) وهذا الرأي يطابق ما أخذ به القانون المصري والسوري من رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول.
وخلاصة ما ننهي به هذا الفصل أن نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي بتطبيقاتها التي عرضنا لها، تتسع الاتساع لنظرية الظروف الطارئة، بل يمكننا القول بأن هذه الأخيرة تعد من جملة تطبيقات نظرية الضرورة، ما دامت النظريتان قائمتين على أساس واحد هو مبدأ العدالة.
стр. 14702
التضخم والكساد
في ميزان الفقه الإسلامي
إعداد
الدكتور علي أحمد السالوس
أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة
جامعة قطر
التضخم والكساد
في ميزان الفقه الإسلامي
تقديم:
المبحث الأول: الاستقرار النسبي للنقود السلعية.
المبحث الثاني: بيان السنة المطهرة.
المبحث الثالث: أثر انخفاض قيمة النقود والكساد عند الفقهاء:
المطلب الأول: أقوال المالكية.
المطلب الثاني: أقوال الشافعية.
المطلب الثالث: أقوال الحنابلة.
المطلب الرابع: أقوال الحنفية.
المبحث الرابع: التضخم وأنواعه.
المطلب الأول: تعريف التضخم.
المطلب الثاني: أنواع التضخم.
أولاً: التضخم في ظل قاعدة الذهب.
ثانياً: التضخم الدائم.
ثالثاً: التضخم الجامح.
المبحث الخامس: قياس التضخم.
المبحث السادس: التضخم والكساد.
المطلب الأول: مفهوم الكساد.
المطلب الثاني: نوع التضخم الذي يعتبر كساداً.
خاتمة: من المسؤول عن علاج التضخم؟
стр. 14703
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا برهم يعدلون. والحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمةٍ منه، توجب على مؤدى ما مضى نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها. ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. أحمده حمداً كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. وأستعينه استعانة من لا حول ولا قوة إلا به. وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه. وأستغفره لما أزلفت وأخرت، استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. (١) أما بعد،
فبخصوص أحكام العملات الورقية انتهى المجمع الموقر في دورته الثالثة إلى أنها نقود اعتبارية، فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة، من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها.
وبشأن تغير قيمة العملة قرر المجمع في دورته الخامسة أن العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة، لأن الديون تقضى بأمثالها. فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة –أياً كان مصدرها- بمستوى الأسعار.
وبعد القرارين، وبحث الموضوع في أكثر من ندوة علمية، خرج منها المشاركون بما يتفق مع القرارين المذكورين، ظننت أن أحكام العملة الورقية لم تعد مجالا للبحث مرة أخرى، فقد حظي هذا الموضوع بالبحث والدراسة والمناقشة بما لم يحظ غيره من جميع الموضوعات. ولكني فوجئت بدعوة كريمة للكتابة عن مفهوم كساد النقود الورقية في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة، وحدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقوداً كاسدة.
стр. 14704
ولما كنت قد اعتذرت من قبل عن عدم الكتابة لظروف خاصة، وتكررت الدعوة من أخ نجله ونحبه ونقدره، أمين –ونعم الأمين- لمجمع موقر له أثره في العالم الإسلامي، رأيت ألا مناص من الاستجابة لهذه الدعوة. ومستعيناً مستهدياً بالله بدأت الكتابة فقسمت الموضوع إلى ستة مباحث وخاتمة:
في المبحث الأول تحدثت عن الاستقرار النسبي للنقود السلعية لأقارن بينه وبين التضخم في عصرنا.
والمبحث الثاني خصصته لبيان السنة المطهرة، ليكون معلوماً منذ البداية أن الموضوع له أصل في السنة.
والمبحث الثالث كان عن أثر انخفاض قيمة النقود والكساد عند الفقهاء، وذلك لبيان الرأي الفقهي عند مناقشة التضخم.
وانتقلت بعد ذلك لتعريف التضخم وبيان أنواعه في المبحث الرابع. ثم لقياس التضخم في المبحث الخامس وبيان أن هذا ينبني على افتراضات جزافية لا يمكن أن تكون أساساً لحكم شرعي.
وفي المبحث السادس بينت مفهوم الكساد في اللغة وعند الفقهاء، ونوع التضخم الذي يتفق مع هذا المفهوم، وهو التضخم الجامح في مراحله الأخيرة فقط.
وجعلت الخاتمة لبيان أن الدولة هي المسؤولة أولاً عن مرض التضخم، وعليها تبعة العلاج، فلا يجوز أن يتحمل الأفراد مسؤولية غيرهم.
وأسأل الله – أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وهو المستعان، وله الحمد في الأولى والآخرة.
стр. 14705
المبحث الأول
الاستقرار النسبي للنقود السلعية
في عصر التشريع كان الغالب في سعر الصرف الدينار بعشرة دراهم، ولذا كان نصاب الزكاة عشرين ديناراً أو مئتي درهم. وبالبحث في النصاب، ووزن كل من الدينار والدرهم نجد أن قيمة الذهب كانت سبعة أضعاف قيمة الفضة. ومع أن الذهب والفضة يتميزان بالاستقرار النسبي غير أن العلاقة بينهما لم تظل ثابتة، فيتغير سعر الصرف من وقت لآخر، بل وجدنا –في عصرنا- الفضة تهبط إلى ما يقرب من واحد في المئة (١?) من قيمة الذهب.
كما أن العلاقة بينهما وبين باقي الأشياء لم تظل ثابتة، مثال هذا عندما غلت الإبل في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فزاد مقدار الدية من النقدين.
إن هذه الزيادة تعني أن النقود انخفضت قيمتها بالنسبة للإبل. ولكن الأمر لم يكن قاصراً على الإبل، فغيرها قد يرتفع ثمنه وقد ينخفض، وارتفاع الثمن يعني انخفاض قيمة النقود، وانخفاض ثمن السلع يعني ارتفاع النقود.
غير أن الزيادة أو النقصان لم تكن بالصورة التي شهدها عصرنا، عصر النقود الورقية، وعلى الأخص بعد التخلي عن الغطاء الذهبي، ولجوء بعض الدول أو اضطرارها إلى خفض قيمة ورقها النقدي.
والغلاء الفاحش الذي ساد في عصرنا لم يكن سائداً في الدول الإسلامية من قبل لالتزامها بمنهج الإسلام أو قربها منه. فالاقتصاد الإسلامي يعني زيادة الإنتاج، وعدالة التوزيع، وترشيد الاستهلاك. والإسلام يمنع الوسائل التي تؤدي إلى غلاء الأسعار كما هو معلوم لمن يدرس البيوع المنهي عنها، وينهى عن ظلم المسلمين بكسر سكتهم وإفساد أموالهم.
جاء في البيان والتحصيل (٦/٤٧٤) ما يأتي: قال محمد بن رشد: (الدنانير التي قطعها من الفساد في الأرض هي الدنانير القائمة التي تجوز عدداً بغير وزن، فإذا قطعت فردت ناقصة غش بها الناس فكان ذلك من الفساد في الأرض، وقد جاء في تفسير قوله قال: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] .
إنهم أرادوا بذلك قطع الدنانير والدراهم؛ لأنه كان نهاهم عن ذلك، وقيل: إنهم أرادوا بذلك تراضيهم فيما بينهم بالربا الذي كان نهاهم عنه، وقيل: إنهم أرادوا بذلك منعهم للزكاة وأولى ما قيل في ذلك أنهم أرادوا بذلك جميع ذلك. وأما قطع الدنانير المقطوعة فليس قطعها من الفساد في الأرض، وإنما هو مكروه) .