← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 17746–17785 · переход к 17751.

стр. 17746

المحور الرابع الوسائل المشروعة لتجنب آثار المضاربة في العملات هذا المحور هو بمثابة خلاصة وخاتمة لورقة العمل هذه، والتوصيات الواردة فيه هي نتاج دراسة الموضوعات التي تم استعراضها سابقًا. وتتعلق بالمضاربة في العملات وتتجاوزها إلى المشكلات الكامنة في اقتصاديات البلدان الإسلامية، وخاصة ما يتعلق بضرورة الإصلاح الاقتصادي، ودعم الجهاز المصرفي وسياسات أسعار الصرف، والتعامل مع قضية العولمة. وعليه فإن الورقة تطرح المقترحات التالية لتجنب وتخفيف الآثار الضارة للمضاربة في العملات. أولاً: منع وتجريم عمليات التعامل الآجل في العملات في الأسواق المحلية تحت أي مسمى أو أي غرض كان، وعدم توفير الإطار التشريعي والتنظيمي والإجرائي لها، كذلك العمل بقدر الإمكان على منع التعامل الآجل في العملات الوطنية في الأسواق الدولية، وعدم منح ذلك النوع من التعامل أية ضمانات أو تسهيلات أو اعتراف بالحقوق والالتزامات الناشئة عنه. ثانيًا: العمل بقدر الإمكان على منع عمليات المضاربة في العملات سواء تمت في الأسواق الآجلة أو حتى في الأسواق العاجلة المعترف بها شرعًا، والعمل على إيجاد معايير فاعلة لتصنيف أعمال المضاربة عن غيرها من المعاملات الحقيقية المطلوبة، ومراقبة حركة التدفقات المالية بغرض المضاربة وتقييدها. وفي خطوة متقدمة وبقدر حجم المشكلة يمكن العمل على تقييد حرية صرف العملات، وهو إجراء أصبح ينصح به الكثيرون من المختصين، يقول (بول كورقمان) أستاذ الاقتصاد في معهد (ماساشوتيس) للتقنية في مقال نشرته مجلة (Fortune) : "إني أدعو إلى اتباع أسلوب تقييد حرية صرف العملات، وقد يرى البعض أن هذا سيء، والسؤال ينبغي أن يكون سيئًا بالمقارنة إلى ماذا؟ فإذا كان الجواب أنه يسهم في إحداث حالة من الجمود أو الركود الاقتصادي؟ فإن مثل هذا الركود يصبح أمرًا إيجابيًّا إذا كان البديل تراجعًا في النمو يتراوح من (١٠ – ٢٠ %) مثلما شهدت العديد من الاقتصاديات الآسيوية؛ ويضيف: إن الصين تكاد تكون هي الدولة الآسيوية الوحيدة الأقل تأثرًا بالأزمة، ويرجع ذلك إلى سيطرتها على أسعار صرف عملتها".

стр. 17747

الدعوة إذن إلى تقييد التدفقات المالية العالمية ومراقبتها، والسيطرة على أسعار صرف العملة المحلية، والتقييد النسبي لحرية تحويلها وحركتها؛ ليست دعوة منغلقة ولا غير عملية وتعبر عن مصلحة وليست مجرد عاطفة. وخير مثال لما ذكرنا تجربة الصين والهند وتشيلي فهذه الأسواق رغم وجودها في مناطق الأزمة لم تتأثر عمليًّا والسبب الرئيسي أنه لا يمكن لسماسرة البنوك ومتداولي العملات تحريك مليارات الدولارات في يوم أو يومين إلى تلك الدول ثم إخراجها منها. فالصين والهند تفرضان قيودًا على دخول رؤوس الأموال الأجنبية. بينما تفرض تشيلي ضريبة على الاقتراض بالعملات الأجنبية وتشترط الإبقاء على الاستثمارات شبه السائلة لفترات محددة لا يمكن تصفية الاستثمار قبل انقضائها. يقول أحد الخبراء في إندونيسيا: " وفي اللحظة التي تأكد فيها للناس أن الروبية ستهبط هربت المليارات!! لا يمكن أن يحدث ذلك في الهند، لأن أغنياء الهند لا يمكنهم أن يخرجوا ساعة يشاؤون (٢٠) مليار دولار"!. ثالثًا: يجب أن يتم استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية بمعدلات يكون الاقتصاد المحلي قادرًا على استيعابها في استثمارات توسع من قاعدة الإنتاج، وأن يتم قبولها بمعايير تخدم هذا الغرض تمامًا، وأن لا يسمح لها بالتسرب نحو أنشطة المضاربة والعقارات وصناديق الاستثمار ذات الطابع المضاربي. إن تجربة الأسواق الآسيوية أوضحت أن تدفقات الأموال الأجنبية ليست دائمًا في صالح الاقتصاد المحلي، وأنها تكون كذلك فقط إذا كانت من أنواع الاستثمارات المباشرة، أما التدفقات التي تستهدف الأرباح قصيرة الأجل في أسواق الأسهم والعقارات والمحافظ الاستثمارية، فإنها تتحول إلى عامل عدم استقرار عندما تلوح بوادر أية مشكلة عادية كانت أم عميقة. رابعًا: لا بد أن تكون السياسة النقدية حازمة وحاسمة لمقاومة التدهور الزائد في قيمة العملة وذلك بالاستجابة الفورية للإشارات المبدئية والتعامل معها بجدية في الوقت المناسب قبل استفحالها، ومن تلك الإشارات المبكرة ارتفاع أسعار الأسهم والعقارات بشكل كبير، وارتفاع سعر صرف العملة بأكثر من قيمتها الحقيقية وإفراط البنوك في تقديم القروض للاستثمارات المالية. . إلخ.

стр. 17748

كذلك يجب أن تتحول السياسات النقدية في الدول الإسلامية من مجرد إجراءات ومحاولات للحد من الانحرافات التي كانت تحدث، إلى سياسات استراتيجية مبنية على خطط وأهداف بعيدة المدى تسعى السلطة النقدية للوصول إليها. إن من العوامل المسببة للمضاربات المحلية والتشوهات في الاقتصاد تعدد أسعار الصرف المستخدمة في الاقتصاد ووجود فوارق كبيرة بينهما، والمغالات في تحديد سعر الصرف الرسمي، فلا بد من توحيدها ومحاولة تثبيتها في إطار صرف واقعي يعكس حالة الوضع الاقتصادي السائد. خامسًا: لا بد من دعم وتقوية وإصلاح الجهاز المصرفي وإحكام سبل الرقابة على أنشطته وحمايته من الانحراف. وتطوير وسائل قياس المخاطر، ولا بد من شفافية كاملة في معاملاتها وتوفر المعلومات الحقيقية عن أوضاعها تتاح للجمهور أولاً بأول، فلقد أثبتت الوقائع أن تحرير حركة رؤوس الأموال وفتح الأسواق المالية أمام العالم الخارجي مع وجود ضعف في القطاع المصرفي قد لعب دورًا رئيسيًّا في حدوث وتفاقم الأزمة. سادسًا: لا بد من التنبُّه الكامل إلى أن العولمة وإن أصبحت حقيقة واقعية لا بد من التعامل معها – كما يحلو للبعض أن يقول – فإنها تحمل في طياتها مخاطر ومحاذير منها: * فتح الاقتصاد أمام المستثمرين الأجانب والمضاربين مما قد يؤدي في أية لحظة إلى حدوث أزمات مالية تتبعها أزمات نقدية ومصرفية وانهيارات. * في إطار ونطاق العولمة تنتقل الأزمات وبسرعة من دولة لأخرى خصوصًا إذا كانت تشابه في الخصائص الاقتصادية، وهو أمر حاصل لمعظم اقتصاديات الدول الإسلامية. * في حالة عدم إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة، تجعل الاقتصاد المحلي قويًّا ومنافسًا ومتنجًا – وهو ما لا يتوقع حصوله في زمن سريع في الدول الإسلامية – فإن النتائج السلبية للعولمة هي التي سوف تسود وتكون أكثر وضوحًا. ولذلك لا بد من النظر في تحصين الاقتصاديات المحلية قبل أو في الوقت نفسه الذي تتم فيه الهرولة نحو تطبيق مقتضيات العولمة. سابعًا: على الدولة الإسلامية أن تتبنى صورًا من صور التعاون المالي لإنشاء صندوق طوارئ لإدارة الأزمات حال حدوثها، وذلك منعًا لانهيار أو تأخر نمو أقطار وبلاد يعول عليها كثيرًا في دعم ومساندة اقتصاديات الدول الإسلامية الأخرى؛ لما تمتلكه من تجارب وبنى أساسية قوية وأيدي عاملة مدربة. أحمد محيي الدين أحمد

стр. 17749

قائمة المراجع ١- سيد عيسى، أسواق وأسعار صرف النقد الأجنبي. ٢- مروان عوض، التعامل بالعملات الأجنبية وعمليات الاستثمار. ٣- أحمد محيي الدين، عمل شركات الاستثمار الإسلامية في السوق العالمية. ٤- يزيد المفتي، محاكاة سوق القطع الأجنبي، دورة تدريبية، الأكاديمية العربية للدراسات المصرفية. ٥- جورج عشى، سوق النقد الأجنبي والاعتماد المستندي. ٦- ابن ماجه، سنن ابن ماجه. ٧- البيهقي، السنن الكبرى. ٨- السيوطي، الأشباه والنظائر. ٩ – موسى آدم عيسى، الصرف وبيع الذهب والفضة، بحث غير منشور. ١٠- مسلم، صحيح مسلم. ١١- البخاري، صحيح البخاري. ١٢- سامي حمود، تطوير الأعمال المصرفية. ١٣- رفيق المصري، أصول الاقتصاد الإسلامي. ١٤- محمد القري، مقدمة في أصول الاقتصاد الإسلامي. ١٥- عبد الرحمن تاج، السياسة الشرعية والفقه الإسلامي. ١٦- وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته. ١٧- الإمام مالك، الموطأ. ١٨- الشوكاني، نيل الأوطار. ١٩- ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ٢٠- الغزالي، إحياء علوم الدين. ٢١- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري.

стр. 17750

المضاربات على العملة ماهيتها وآثارها وسبل مواجهتها مع تعقيب من منظور إسلامي إعداد الدكتور شوقي أحمد دنيا أستاذ الاقتصاد – جامعة الأزهر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المضاربات على العملة – ماهيتها وآثارها وسبل مواجهتها مع تعقيب من منظور إسلامي من الظواهر التي يمكن اعتبارها بحق إحدى خصائص عصرنا الحاضر، وفي الوقت ذاته إحدى كبر سوءاته، ثم هي فوق ذلك تتربع بجوار قلة معها على عرش أعداء استقراره وازدهاره ومواصلة تحقيقه لمستهدفاته من إنجاز التقدم وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة بل والمتواصلة؛ ظاهرة المضاربات في العملات وما يدور في فلكها من مضاربات في الأوراق المالية. تلك الظاهرة التي كان من ورائها مؤسسات وأشخاص فاقت قدراتهم كل ما يتصور، وباتت الحكومات حتى القوية فيها لا تزيد على أن تكون ألعوبة في أيديها. لقد أسهمت بقوة في تحويل دول بأسرها، وليس مجرد شركات ومؤسسات إلى الفقر بعد الغنى وإلى التدهور بل وما يقارب الانهيار بعد التقدم والازدهار. ماذا عن هذه الظاهرة؟ وماذا يملك الاقتصاد الإسلامي لمواجهتها؟ في هذا البحث إجابة عن كل ذلك، إن لم تكن كاملة فعسى أن تكون كافية مقنعة. تمهيد: للعملة أو النقود (١) قيم متعددة أشهرها وأهمها ما يعرف بالقيمة الحقيقية للنقود، وما يعرف بالقيمة الخارجية أو سعر الصرف. ومعروف أن القيمة الحقيقية للنقود تعني قوتها الشرائية إزاء السلع والخدمات، واستقرار هذه القيمة من الأهمية بمكان، لما لذلك من آثار بالغة الخطورة على كافة الأصعدة. ولذلك مجال واسع للبحث والدراسة ليس ما نحن بصدده الآن، وإنما مقصدنا القيمة الخارجية للعملة، وما تتعرض له من تقلبات عنيفة تعصف عصفًا مدمرًا بكل جوانب المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن المعروف أن المضاربة على العملة تعد من أهم وأخطر مسببات هذه التقلبات في القيمة الخارجية للعملة. وفي هذه الورقة نعرض بقدر كبير من الإيجاز والبساطة لأهم المحاورة المتعلقة بعملية المضاربة على العملة، مع بيان ما يمكن أن يقدمه الاقتصاد الإسلامي من عطاء ثري في هذا المجال. والموضوعات الرئيسة التي تدور حولها هذه الورقة تتمثل فيما يلي: أولاً: التعريف بالقيمة الخارجية للعملة وكيف تتحدد. ثانيًا: المضاربة على العملات – أبعاد رئيسية. ثالثًا: آثار المضاربة على العملات. رابعًا: وسائل مواجهة المضاربة على العملة. خامسًا: موقف الاقتصاد الإسلامي من هذه القضية. * * *

стр. 17751

أولاً: التعريف بالقيمة الخارجية للعملة لكل عملة وطنية قيمة داخلية تتحدد من خلال علاقتها بالسلع والخدمات الوطنية، ولها كذلك قيمة خارجية تتحدد من خلال علاقتها بالعملات الخارجية. وطالما نحن أمام قيم تبادلية فنحن بالضرورة في رحاب الأسواق، والسوق الذي تتحدد فيه القيمة الخارجية للعملة يعرف بسوق الصرف الأجنبي. وكشأن أية سلعة تتحدد قيمتها من خلال محددات معينة تحكم عملية الطلب والعرض عليها، فكذلك الحال في النقود؛ حيث تتحدد قيمتها الخارجية في سوق الصرف الأجنبي من خلال عدة محددات تحكم عملية الطلب والعرض بالنسبة لهذه العملة. وأي اختلال في أي محدد من هذه المحددات يحدث تقلبًا في قيمة العملة هبوطًا أو ارتفاعًا عنيفًا كان أو خفيفًا. وفيما يلي كلمة عن مفهوم القيمة الخارجية للعملة، وعن أساليب تحديدها، وعن سوق الصرف الأجنبي، وعن محددات الطلب والعرض على هذه العملة في هذا السوق. ١ - مفهوم القيمة الخارجية للعملة (١) : بعيدًا عن التعقيد الفني يمكن القول: إن القيمة الخارجية للعملة هي قوتها التبادلية إزاء العملات الأخرى. أو هي بعبارة أكثر وضوحًا، عدد الوحدات من العملة الخارجية التي تتبادل بوحدة واحدة من العملة الوطنية. ففي مصر مثلاُ نجد القيمة الخارجية للجنيه المصري ثلث دولار أمريكي و (١.١) من الريال السعودي، وهكذا. والبعض ينظر لها من الجهة المقابلة فيرى أنها عدد الوحدات من العملة الوطنية التي تتبادل بوحدة واحدة من العملة الأجنبية. وفي النهاية المآل واحد. والتعبير الشائع عن هذه القيمة في دنيا الاقتصاد هو (سعر الصرف) . ٢ - أساليب تحديد القيمة الخارجية للعملة (٢) : في ظل نظام النقد الورقي المعاصر يتحدد سعر صرف العملة أو قميتها الخارجية من خلال ثلاثة أساليب؛ الأسلوب الإداري، والأسلوب الحر، والأسلوب الحر الإداري، فهناك التحديد من قبل الدولة وهناك تحديد من قبل السوق وتفاعل قوى العرض والطلب، وهناك التحديد من قبل السوق مع تدخل الدولة عندما تجد أوضاعًا معينة. فقد تحدد الدولة لعملتها قيمة خارجية معينة لا تتغير إلا بتغيير من قبل الدولة نفسها، ولا يعني ذلك التثبيت المطلق الدائم لسعر الصرف، فقد توجد مرونة تضيق أو تتسع فقي حركة سعر الصرف الإداري، ونحن مع هذه المرونة والاهتمام بها، وقد تترك الدولة للسوق وقوى العرض والطلب الحرية الكاملة في تحديد القيمة الخارجية لعملتها، وهو ما يعرف في لغة الاقتصاد حاليًّا بالتعويم الحر أو المطلق، ومعنى ذلك أن قيمة الجنيه رهينة قوى العرض والطلب عليه، شأن أية سلعة.

стр. 17752

وقد تترك الدولة لقوى السوق أن تمارس هذه المهمة لكن مع شيء من التوجيه والإدارة والتدخل، وهو ما يطلق عليه التعويم المدار أو الموجه. أي أنه إذا حدث اختلال قوي بين قوى العرض والطلب لسبب من الأسباب تدخلت الدولة بما لديها من وسائل في السوق معززة من القوة التي انهارت، حفاظًا على استقرار سعر الصرف أو القيمة الخارجية للعملة، داخل حدود عليا ودنيا، هي بدورها متحركة من حين لآخر في ظل ما تراه الدولة صالحًا داخل الظروف المستجدة. ويلاحظ أن التعويم الكامل نادرًا ما يوجد من الناحية العملية (١) . والتسعير الحكومي كان شائعًا في فترات سابقة لكنه الآن آخذ في الانحسار بقوة، بحيث لم يعد له وجود في غالبية الدول. والذي يشيع اليوم هو ما يعرف بالتعويم المدار. ٣ - سوق الصرف الأجنبي: هي سوق لمختلف العملات الوطنية، وسعر الصرف هو الثمن في هذه السوق. معنى ذلك أن البضاعة المعروضة للبيع في هذه السوق هي عملات وطنية، وهي كذلك البضاعة المطلوبة للشراء. بالاختصار إنها سوق تباع فيها وتشترى العملات بعضها ببضع. ولهذه السوق خصائص فريدة تميزها عن بقية الأسواق، من حيث المتعاملين فيها؛ فمعظمهم مؤسسات مالية، ومن حيث مكانها فهي لا توجد في مكان معين في العالم، بل هي موجودة في كل بقاع الأرض، وهي رغم انتشارها الكوني الواسع متصلة اتصالاً وثيقًا بحكم ثورة الاتصالات، فما يجري في جزء منها في أقصى الشرق يعيشه في التو واللحظة من في الغرب، كذلك فهي متصلة زمانيًّا، فهي عاملة طوال الأربع والعشرين ساعة، على مدار اليوم كله، وقبل أن تغلق أبوابها في الشرق تكون قد فتحت في الغرب (٢) . ثم إن البضائع المتداولة فيها (العملات) لم تعد تنقل ماديًّا، وإنما هي ومضات كهربائية عبر الأجهزة البالغة التطور، وهي أكبر سوق في العالم، حيث يربو حجم التعامل اليومي فيها عادة على التريليون والنصف دولار (٣) . ومعظم صفقاتها في النقد الأجنبي هي صفقات آجلة. وبداخل هذه السوق العديد من الأسواق والتي تتعامل كلها في العملات، ومن أشهر هذه الأسواق الداخلية السوق الفورية والسوق الآجلة (٤) .

стр. 17753

السوق الفورية (Spot Market) تشمل جميع المعاملات التي يتم فيها تبادل العملات في الحال طبقًا للسعر السائد في السوق حال إتمام الصفقة. والسوق الآجلة (Forward Market) تشمل المعاملات التي يتم فيها الاتفاق على سعر الصرف في الحال على أن يكون تسليم العملات في وقت لاحق، يتراوح عادة بين شهر وستة أشهر. وعادة ما يختلف في سعر الصرف الآجل للعملة عن سعرها الفوري بالزيادة أو النقص، وقد يتساويان. ويتوقف تحديد السعر الآجل للعملة على أسعار الفائدة لكلتا العملتين. وعادة ما يستخدم المضاربون السعر الآجل مع سعر العاجل، حماية وتحصينًا ضد مخاطر المستقبل. والغالبية العظمى من حجم هذه الصفقات اليومية تتم بدافع المضاربة وتدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل، وليس بغرض تسوية فاتورة التجارة الدولية أو بدافع الاستثمار طويل الأجل. ٤ - محددات السعر الخارجي للعملة في سوق الصرف الأجنبية: كي نتعرف على أسباب تقلبات القيمة الخارجية للعملة علينا أن ننظر في محددات العرض والطلب على هذه العملة، وأي اهتزاز أو تغير في محدد من هذه المحددات ينجم عند تقلب في قيمة العملة؛ ارتفاعًا أو هبوطًا، ويمكن إجمال هذه المحددات فيما يلي: أ- حركة التجارة الخارجية المنظورة وغير المنظورة (الصادرات والواردات السلعية والخدمية) . معروف أن الصادرات تترجم في سوق الصرف بطلب على العملة الوطنية، فإذا زادت زاد الطلب على العملة والعكس صحيح. كما أن الواردات تمثل في سوق الصرف عرضًا للعملة الوطنية، فإذا زادت زاد عرض العملة والعكس صحيح. ومبادئ نظرية السعر تقول إنه إذا زاد الطلب مع ثبات العرض زاد السعر، وإذا زاد العرض مع ثبات الطلب قل السعر.

стр. 17754

وهكذا تلعب حركة التجارة الخارجية دورًا مؤثرًا في سوق الصرف أو في قيمة العملة الخارجية؛ هبوطًا وارتفاعًا. ومعنى ذلك أن أية هزة في الميزان التجاري تحدث تقلبًا في قيمة العملة الخارجية. ومن ثم فإنه مؤشر طيب لما يمكن أن تكون عليه هذه القيمة مستقبلاً، فكلما كان هناك فائض في هذا الميزان فلا يخشى على العملة من هبوط قيمتها في سوق الصرف، وعندما يتباطأ هذا الفائض أو يتحول إلى عجز فإن ذلك يعتبر نذيرًا بما قد تتعرض له قيمة هذه العملة في من ضغوط مستقبلاً. وقد كان هذا المحدد في الماضي يلعب دورًا رئيسًّا في تحديد سعر العملة وفي سوق الصرف، لكنه الآن فقد هيمنته وتخلى عنها للمحددات الأخرى. ب- حركة رؤوس الأموال الدولية. وبهذا الصدد ميز رجال المال والاقتصاد بين حركات قصيرة لرؤوس الأموال لا تتجاوز مدتها السنة، وحركات طويلة لها تتعدى العام. ومما تجدر ملاحظته أن النوع الأول له الغلبة اليوم في عالمنا الاقتصادي. ويعتبر بضميمة عامل المضاربة المحدد الرئيسي لقيمة العملة الخارجية. ومن المعروف أن الطلب المتزايد على رؤوس الأموال لأجنبية معناه المزيد من العرض للعملة الوطنية وبالتالي المزيد من الضغط على قيمتها الخارجية، ثم إن الحركات السريعة وكذلك البطيئة، لكن السريعة أخطر بكثير هي الأخرى تحدث مزيدًا من عرض العملة الوطنية، ومن ثم تعرض قيمتها للانخفاض. وهكذا نجد أن توقف أو تدني دخول رؤوس الأموال الأجنبية مع الطلب عليها وأيضًا سداد هذه الديون وفوائدها كل ذلك يمثل ضغطًا على سوق صرف العملة. وباختصار فإن قدوم رؤوس الأموال يتضمن طلبًا على العملة، كما أن خروجه يتضمن عرضًا لها. والمشكلة أنه في معمعة الإلحاح على قدوم رؤوس الأموال الأجنبية قد يحدث انخفاض أو تخفيض في قيمة العملة، إغراءً على تحقيق ذلك. ج – عمليات المضاربة على العمليات. أصبحت هذه العمليات في السنوات الأخيرة من أهم العوامل المحددة لعرض وطلب العملة، ومن ثم باتت مسؤولة عن معظم ما يحدث في قيمتها من تقلبات، وخاصة التقلبات الهبوطية. وسندلي بمزيد من المعلومات حول هذا العامل في الفقرات التالية.

стр. 17755

٥ - نماذج من نطاق التقلبات في القيمة الخارجية للعملات: في السبعينيات والثمانينيات أشارت المراجع (١) إلى ما كان يعتبر تقلبًا عنيفًا في أسعار بعض العملات، ومن ذلك أن الإسترليني انخفض في عام ١٩٧٦ من (٢) دولار إلى (١.٥٥) دولارًا، وفي (١٩٧٧) صعد إلى (١.٩٧) دولارًا، وفي نهاية عام ١٩٧٩ قفز إلى (٢.٤) دولار، وفي منتصف عام ١٩٨٥ انخفض إلى (٢) دولار، وفي نهاية ١٩٨٥ صار (١.٥٠) دولارًا. أما (الين) فقد قفز إلى (٢٦٥) ينًا للدولار، وفي عام ١٩٧٥ انخفض إلى (٣٠٠) ين وأكثر، وفي عام ١٩٧٨ وصل إلى (١٧٥) ينًا، وفي خريف عام ١٩٨٢ انخفض إلى (٢٧٥) ينًا، وفي شتاء عام ١٩٨٥ عاد إلى (٢٠٠) ين. هذه التقلبات التي كانت تعد عنيفة لا تثمل شيئًا أمام ما حدث ويحدث للعديد من العملات في التسعينيات، لقد كانت التقلبات على مدار السنوات واليوم أصبحت على مدار الشهور بل الأيام، وكانت أقصى ما وصلت إليه ثلاثة أمثال، واليوم صارت أكبر من هذا بكثير، فمثلاً كان سعر الروبل الروسي في النصف الأول من شهر أغسطس ١٩٩٨ سبعة لكل دولار أمريكي، وقبل نهاية النصف الأول من شهر سبتمبر من نفس العام هبط إلى (٢٤) روبلاً لكل دولار. وفقدت الروبية الأندونيسية خلال ثمانية أشهر أكثر من (٨٠ %) من قيمتها فكانت في يوليو ١٩٩٧ (٢٤٠٠/١) أصبحت في فبراير ٩٨ بـ (٢٠ %) فقط ويراد لها أن تصبح (٢٠٠٠٠/١) . * * *

стр. 17756

ثانيًا: المضاربات على العملة (١) - أبعاد رئيسة في أيامنا هذه كثيرًا ما يكون وراء صفقات استبدال العملات دافع المضاربة. فالمضاربون على العملات منتشرون في كل مكان، يمارسون عملياتهم من خلال مؤسسات وتنظيمات، وأحيانًا يمارسون ذلك بصفة فردية إذا ما وصلوا إلى درجة بالغة من القوة (٢) . وفيما يلي نقدم تعريفًا موجزًا بأهم أبعاد هذا السلوك المضاربي. ١ - تعريف المضاربة في الفكر الاقتصادي الوضعي: يعرف الفكر الاقتصادي الوضعي المضاربة على السلع كما يعرف المضاربة على العملات وكذلك على الأوراق المالية. وجوهر العملية واحد، وإن اختلف الموضوع، المضارب يختلف عن التاجر، وإن كان يجمع بينهما دافع الربح ودوافع أخرى، إن المضارب يشتري الشيء لمجرد أنه يتوقع أن يرتفع سعر هذا الشيء وعندئذ يبعه فيحقق المكاسب. كما أنه يبيع الشيء لأنه يتوقع مزيدًا من الهبوط في سعره، فيتفادى الخسائر أو المزيد منها. وهناك أناس ومؤسسات تحترف المضاربة متخذة منها حرفة ومهنة، بحيث صارت تعرف بها، فيقال مثلاً (جورس سورس) المضارب العالمي الشهير في العملات (٣) . فالمضاربة لون من ألوان التجارة ذات مواصفات خاصة.

стр. 17757

وهكذا يمكن تعريف المضاربة في العملة بأنها طلب العملة لذاتها لا لاستخدامها في سداد دين ما أو في شراء أصل ما، وإنما لأن المشتري لها يتوقع ارتفاع سعرها هي مستقبلاً فيبيعها محققًا الأرباح، وهي أيضًا عرض العملة لهدف محدد هو تفادي الخسائر في الاحتفاظ بها حيث يتوقع هبوط قيمتها. ولذلك نجد بعض الباحثين يعرفها بأنها تحكيم زمني، أي بيع اليوم للشراء غدًا أو شراء اليوم للبيع غدًا (١) . ولم تعد المضاربة اليوم قاصرة على توقع ما يحدث، وإلا لهان الخطب نسبيًّا، ولكنها أصبحت عملاً مقصودًا وليس مجرد استفادة من فرصة متوقعة، إنها باتت خالقة للفرصة وليست منتظرة لها، قد تريد جهة ما أو مؤسسة ما تحقيق هدف معين فتشيع في السوق أن السعر سيهبط أو يرتفع حسبما يتفق ومصلحتها ثم تتدخل ممارسة البيع أو الشراء. فتحدث في السعر ما تريده، ضاربة بعرض الحائط ما يترتب على ذلك من مضار ببعض الأشخاص أو الفئات أو المجتمعات، وإذا كان ذلك يحدث كثيرًا في المضاربات في السلع، فهو يحدث أكثر في الأوراق المالية، ويحدث أكثر وأكثر في العملات، لما لها من طبيعة خاصة تتميز بها عن بقية السلع، وهي عدم وجود أساس ثابت يحكم مستوى سعرها العادي بينما نجد في السلع الأخرى نفقة الإنتاج، وبالتالي فتقلبات قيمتها مرنة إلى حد كبير. ومن المعروف أن هناك ما يعرف بالمضاربين على الهبوط (Bear) فهم يتوقعون الهبوط أو يصنعونه فيبيعون، وعندما تهبط الأسعار بالقدر المغري يعودون فيشترون، لمعرفتهم بأن السعر سيرتفع مستقبلاً، حيث الهبوط كان مؤقتًا، بل ومفتعلاً في كثير من الحالات. كما أن هناك مضاربين على الصعود (Bull) يتوقعون الارتفاع أو يصنعونه فيشترون، ثم يعيدون البيع عندما يرتفع السعر بالقدر المغري.

стр. 17758

٢- خطورة المضاربة في العملات: من الواضح أن للمضاربة آثارًا سلبية مدمرة سنعرض لها في فقرة مستقلة قادمة، لكن ما نقصده هنا هو الإشارة إلى أن عمليات المضاربة وخاصة في العملات لم تعد مجرد عمليات فردية صغيرة لا تحدث أثرًا يذكر بقدر ما تستفيد مما يحدث بفعل عوامل أخرى، وإنما أصبحت من الضخامة بمكان من جهة، وتأخذ هي المبادرة صانعة في السوق ما تريد٠ من جهة أخرى، وتمارس من خلال مؤسسات تنافس اليوم بقوة المؤسسات الإنتاجية، بل كثيرًا ما تتغلب عليها وتجعلها طوع إرادتها. وقد هيأ لها ذلك ضخامة الأرباح المحققة، وكذلك عدم تحملها تكاليف تذكر، كما أنها اخترعت من الأساليب والعمليات ما يغيرها الإغراء الكبير على ممارسة ذلك السلوك، حيث المزيد من التحوط والحماية ضد المخاطر، وحيث الدفع الجزئي أو الصوري، وحيث التكرار السريع الخاطف في عمليات البيع والشراء، وغير ذلك من الصيغ والأساليب التي تشيع داخل بورصات العملة (١) ، يضاف إلى ذلك صعوبة سيطرة الدولة على قيمة عملتها في ظل الاتجاه السائد للتعويم حتى وإن كان موجهًا. وفي ذلك يقول مؤلفا (فخ العولمة) (٢) : "عبر البورصات والمصارف وشركات التأمين وصناديق الاستثمار المالي وصناديق معاشات التقاعد دخلت مسرح القوى العالمية طبقة سياسية جديدة لم يعد بوسع أحد أيًّا كان، سواء كان دولة أو مشروعًا أو مواطنًا عاديًّا التخلص من قبضتها، إنها طبقة المتاجرين بالعملات والأوراق المالية الذي يوجهون بكل حرية سيلاً من الاستثمارات المالية يزداد سعة في كل يوم، ويقدرون بالتالي على التحكم في رفاهية أو فقر أمم برمتها دونما رقابة حكومية تذكر. كل هذا يجعل الربح عاليًا من جهة والتكلفة منخفضة من جهة أخرى، وفي هذا ما فيه من الحافز على ممارسة هذه اللعبة، مهما كان فيها من مضار على بقية الأطراف. ويصور لنا مؤلف (لعبة النقود الدولية) صورة قد تكون بدائية بالنسبة لما يحدث اليوم قائلاً: "إن المضاربة الناجمة على العملات ذات ربحية عالية، فقد حقق المضاربون الذين اشتروا الدولار بالجنيه الإسترليني عند سعر التعادل (٢.٨٠) دولارًا قبل تخفيض نوفمبر ١٩٦٧، ثم أعادوا شراء الجنيه عند سعر التعادل الجديد البالغ (٢.٤٠) دولارًا حققوا ربحًا قدره (١٦ %) ، وفي الشهور السابقة على رفع سعر المارك في سبتمبر وأكتوبر ١٩٦٩ باع المضاربون الدولار ليحصلوا على المارك عند سعر التعادل أربع ماركات، وبعد رفع السعر اشتروا الدولار بسعر (٣.٦٧) مارك، محققين ربحًا قدره (٨ %) .

стр. 17759

ومن الجدير بالملاحظة أن المضاربين حققوا هذه الأرباح في شهر أو اثنين، لذا فإن المعدل السنوي للربح يصل إلى (٥٠ %) أو (١٠٠ %) . . . وفي عالم تكون فيه معدلات الربح السنوي ٨ أو ١٠ %) هي الطبيعية فإن تلك المعدلات السنوية العالية للربح تجذب المغامرين " (١) . ومع ذلك فقد كبدت الكثير من الخسائر مما ألحق الإفلاس بالعديد من البنوك. ٣ - دوافع المضاربة: يعد الدافع الاقتصادي من أقدم الدوافع، ومن أهمها، سواء تمثل في جني المزيد من الأرباح أو تفادي الكثير من الخسائر، واليوم ظهرت دوافع جديدة تشارك الدافع الاقتصادي خاصة بالنسبة للمؤسسات المضاربة العملاقة على المستوى الدولي، فتعزى عمليات مضاربية بالغة الضخامة اليوم إلى دوافع سياسية ودوافع أيديولوجية مارستها دول – وإن من وراء ستار – ضد دول أخرى. وأيًّا كانت الدوافع، وبفرض أن المضارب لا يصنع الفرصة وإنما يغتنمها فإن عينيه هي عين الصقر في أفق السماء يترصد فرائسه منقضًا على الفريسة السهلة الثمينة، إنه يراقب الأوضاع السياسية والأوضاع الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية مراقبة وثيقة، فإذا ما كانت دلالات هذه الأوضاع إيجابية أقبل على شراء العملة، متوقعًا المزيد من الازدهار، وإن كانت سلبية أقبل على البيع متوقعًا المزيد من الضغوط. ولنستمع إلى صاحبي (فخ العولمة) يحكيان لنا ما يقوم به المضارب الأمريكي الشهير (ترنت) : "هو يزور أهم أسواق ومناطق العالم نموًّا ما بين خمس وعشر مرات في السنة، ولمدة تتراوح ما بين أسبوع وأسبوعين، وذلك قصد الحصول على معلومات عن كل نواحي الحياة الاقتصادية هناك. ونادرًا ما يوصد باب في وجهه، فرجال الصناعة وممثلوا الحكومات والمصارف المركزية على علم ودراية بالقيمة التي لا تثمن لمثل هذا (المجاهد) من أجل تدفق رأس المال عبر الحدود والقارات. ولا يسعى (ترنت) في أحاديثه للحصول على أرقام أو تنبؤات تقوم على الرياضيات. فحسب ما يقوله، فإن (الإحصائيات متوافرة في أجهزة الكمبيوتر) ، إن المهم هو الجو العام، هو التوترات والصراعات الخفية. ولذا فعليك بالتاريخ دائمًا وأبدًا، فمن درس تاريخ بلد من البلدان دراسة جيدة سيكون بوسعه التنبؤ على نحو أفضل عما سيحدث عند اندلاع الأزمات". ومعنى ذلك أن هناك ظروفًا وأوضاعًا تعتبر مغرية وجذابة للقيام بعملية المضاربة على العملة، وخاصة فيما يتعلق بالمضارة على الهبوط. ومن المهم الإشارة إلى رؤوس أهم هذه الإغراءات حتى تراقبها الدول الحريصة على تجنب عملاتها أكبر قدر ممكن من المضاربات عليها.

стр. 17760

وقد أسهمت الأزمات المالية الحادة التي تعرضت لها بلدان عديدة في أيامنا هذه، وفي غمراتها انهارت القيم الخارجية لعملاتها، وكان لعامل المضاربة دوره البارز في ذلك، أسهمت هذه الأزمات في رصد العديد من هذه المغريات. ٤- إغراءات على المضاربة بالهبوط في العملات: لا ندعي أننا هنا سنحيط بكل هذه الإغراءات، وإنما هي الإشارة السريعة إلى بعض أهم هذه الإغراءات (١) : ١ - تدهور معدل النمو الاقتصادي: إذا سجل الاقتصاد القومي معدلاً مرتفعًا للنمو واستمر ذلك لسنوات متعددة، ثم أخذ في التدهور بعد ذلك، فإن هذا يعد نذيرًا بأن عملة هذا البلد ستواجه قيمتها الخارجية المزيد من الضغوط. ويعد ذلك إغراءً قويًّا لدى المضاربين على الهبوط فيمارسون هذه اللعبة فيهبط سعر العملة بالفعل، وقد قيل على ألسنة بعض المحللين إن بوارد الأزمة لدول جنوب شرق آسيا قد ظهرت منذ عدة سنوات ممثلة فيما لحق معدلات نموها من تدهور، فبعد أن وصل معدل النمو في هذه الدول إلى (٨ %) لعشرات السنين فمنذ عدة سنوات، أخذ هذا المعدل في التراجع الكبير، الأمر الذي أنذر بوجود خلل ما، ومن ثم فهناك بوادر لحدوث ضغط على سوق الصرف الأجنبي وبالتالي هبوط سعر العملات الوطنية، وهذه فرصة سانحة أمام كل من يضارب على الهبوط في سوق صرف هذه العملات. وقد اغتنم هذه الفرصة العديد من الجهات والمؤسسات المضاربة. ٢ - تدهور وضع الميزان التجاري: الحالة التي عليها الميزان التجاري لأية دولة وتطور هذه الحالة هي ترجمة أمينة لما يمكن أن تكون عليه سوق الصرف الأجنبي لعملة البلدة محل الدراسة. فإذا ما أظهرت تدهورًا ناجمًا عن عقبات أمام التصدير أو ارتفاع معدل الواردات فمعنى ذلك وجود بوادر للضغط على القيمة الخارجية للعملة، حيث يتولد المزيد من العرض مع قلة الطلب، ولاشك أن وجود ذلك يغري المضاربين على ممارسة لعبتهم في سوق صرف العملة الوطنية. والملاحظ أن الكثير من بلاد جنوب شرق آسيا قد حدث في موازينها التجارية تدهور منذ عدة سنوات، ناجم عن صعوبات كبيرة بدأت تظهر في طريق الصادرات، للعديد من الاعتبارات، والتي من بينها تشابه الصادرات إلى حد كبير في هذه الدول، ومن ثم المنافسة الشديدة على الأسواق الخارجية. وتعرض بعض الدول لمشكلات كبيرة (٢) ، فقد وصل عجز الميزان التجاري لتايلاند في عام ١٩٩٦ إلى (٨ %) من إجمالي الناتج المحلي.

стр. 17761

٣ - ارتفاع وتزايد حجم المديونية الدولية وكذلك المحلية ولاسيما المديونية قصيرة الأجل، فمعنى ذلك أن هناك عبئًا قويًّا ضاغطًا على تلك الدولة تمثل في ضخامة ما تقوم بتسديده من ديون وفوائد، ومن ثم المزيد من الطلب على العملات الأجنبية والمزيد من عرض العملة المحلية. ويعتبر ذلك إنذارًا بما يمكن أن تتعرض له العملة من تدهور، وهذا ما حدث قبل وقوع الأزمة في الكثير من دول جنوب شرق آسيا، ويكفي أن ندرك أنه قد دخلت هذه الدول ما يوازي مائة بليون دولار من رؤوس الأموال الأجنبية في عام ١٩٩٦م كما ورد على لسان المدير التنفيذية في صندوق النقد (دكتور عبد الشكور شعلان) في تصريح لصحيفة الأهرام القاهرية في ١٥/٢/١٩٩٨م. ومعنى ذلك تآكل الدعامة الواقية للنقد الأجنبي وتدهور مناعة العملة المحلية تجاه الهجمات المضاربية التي تنطلق من عقالها لحظة حدوث اهتزاز أو قرب اهتزاز في البورصة. ٤ - ضعف الجهاز المالي والمصرفي: أجمع الخبراء – على اختلافهم في تفسير الأزمة – على أن العامل المالي والمصرفي كان من وراء ما اجتاح دول جنوب شرق آسيا من أزمة اقتصادية عاصفة. وجوانب الضعف هنا متعددة، منها ما يرجع إلى طبيعة السياسات المالية والنقدية المطبقة، ومنها ما يرجع إلى فساد في الأجهزة القائمة، وضعف شديد في أجهزة الرقابة والمتابعة، وترتب على ذلك، وعلى غيره بذخ في الإقراض، بغض النظر عن مدى جدوى المشروع، وعن ملاءة المقترض وعن جديته، ما أنتج بلايين الدولارات المعدومة على هذه المصارف، الأمر الذي اضطرها إلى المزيد من الاقتراض الخارجي والداخلي، مهما كانت الشروط القاسية، إضافة إلى ما كانت عليه أصلاً من شهية مفتوحة للاقتراض. وتفيد بعض التقارير أن نسبة الديون الرديئة إلى جملة القروض المصرفية في تايلاند حوالي (٢٠ %) ، وفي أندونيسيا حوالي (١٧ %) ، وفي كوريا حوالي (١٦ %) ، وفي ماليزيا حوالي (١٦ %) . ٥ - الإسراف في الإنفاق وسوء تخصيص الموارد: هذه الوضعية هي الأخرى لا خلاف بين المحللين حول إسهامها البارز في وقوع الأزمة الاقتصادية الطاحنة. فقد طفحت على السطح ظاهرة تفشت في المجتمع، وشملت كلاً من القطاع الخاص والقطاع العام، وكلا من رجال الحكم ورجال المال، إنها ظاهرة الإنفاق الذي فاق حدود البذخ، وتربع بجدارة على عرش ما يعرف بالترف، لقد ظهرت فنادق ما فوق خمس نجوم، وكانت بعض هذه البلاد من أكبر البلاد استيرادًا للسيارات الفارهة ولغيرها من السلع المظهرية باهظة الثمن، في الوقت الذي كان فيه الكثير من السلع والخدمات الأساسية غير متوافر.

стр. 17762

لقد ارتفع معدل الاستثمار في هذه البلاد بشكل كبير، حوالي (٥٠ %) من الدخل القومي، ويتساءل أحد الخبراء عن مصادر تمويل هذه الاستثمارات الضخمة، إن الكثير منها كان تمويلاً خارجيًّا حوالي (١٠٠) بليون دولار في عام ١٩٩٦، كما أن الكثير منها كان تمويلاً محليًّا، والسؤال المهم ماذا عن حقيقة هذه الاستثمارات ومجالاتها؟ يكاد يتفق الجميع على أن معظمها كانت في مجالات غير إنتاجية في مثل الأسهم والعقارات الفاخرة وفوق الفاخرة، وهذا استثمار غير حكيم ويزداد الأمر سوءًا إذا ما كان تمويله بقروض قصيرة الأجل. وقد تمثل الاستثمار العقاري ليس في الإسكان الشعبي أو المتوسط ولكنه في الأبراج وناطحات السحاب وملاعب الجولف، وقد فاقت طاقة هذه المشروعات القدرة الاستيعابية للسوق المحلية وكذلك القدرة على التصدير فيما يمكن تصديره، وقد استنفد جزء كبير من الأموال في تقديم رشاوي وعمولات من أجل الحصول عى هذه التسهيلات المصرفية، والتي عرفت بقروض المجاملة. وبهذا فقدت هذه المشروعات القدرة على سداد ديونها، الأمر الذي ولد إشاعة عدم الثقة والتي عمت أسواق الأوراق المالية والصرف، فاندفع الناس في موجات متلاطمة للتخلص من الأوراق المالية والعملة المحلية، وبذلك فقدت عملات هذه الدول ما يتراوح بين (٣٥ %) و (٦٠ %) من قيمتها خلال عام ١٩٩٧م. ٦ - ارتفاع معدلات التضخم: عندما تظهر الدلائل احتمال ارتفاع معدلات التضخم في مجتمع ما، فإن ذلك نذير ضغوط مستقبلية على قيمة العملة الخارجية، أيًّا كان نظام تحديدها، فإما أن تضطر الحكومة لتخفيضها وإما أن يقوم سوق الصرف بهذه المهمة، حيث الضغط على الميزان التجاري وصعوبة التصدير وشراهة الاستيراد، وحيث الحركة المحمومة الداخلية والخارجية للهروب من العملة واستبدالها بعملات أخرى مستقرة. والتاريخ الاقتصادي الحديث للعديد من الدول ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية شاهد على أن تعرض المجتمع لضغوط تضخمية أثر في سلوك المتعاملين في سوق الصرف، الأمر الذي ولد بدوره المزيد من الضغوط على القيمة الخارجية للعملة والتي خفضتها بشكل بكير. وهكذا يعتبر التضخم نذيرًا بما سيحدث لسوق صرف العملة، وهذه فرصة سانحة للمضاربين على الهبوط فيبادرون بممارسة عملية المضاربة. ٧- الفساد الحكومي والقلاقل السياسية: في كثير من هذه الدول التي ضربتها الأزمة الاقتصادية شاع الفساد السياسي بصوره الذميمة العديدة، وتحالف رجال الحكم مع الأصدقاء في عالم الأعمال، وقدموا لهم تسهيلات سخية من بنوك الدولة، وحموهم من دفع ما عليهم من ضرائب، ومن سداد ما عليهم من ديون وحقوق، فقام هؤلاء الأثرياء الجدد بأعمال القرصنة على حد تعبير أحد المراقبين، إضافة إلى الحكم الفردي وانعدام ظاهرة المشاركة السياسية، بل وانعدام عملية الشورى، ومن باب أولى المتابعة الجادة والمساءلة الفعالة. ثم إن القلاقل السياسية والاضطرابات الداخلية ومع الدول المجاورة كل ذلك يولد عامل الخوف ويزعزع من عامل الأمان، وهذا قد أوجد ظاهرة النقود الساخنة (Hot Money) . والتي تتميز بسرعة الحركة وسرعة التبخر معًا. والتي تتحرك بشكل دائب من مكان لآخر سعيًا وراء الربح السريع، وبالطبع فإن الذي يمارس ذلك بمقدرة هم المضاربون المحترفون. هذه إشارة موجزة إلى ما يمكن اعتباره بيئة خصبة لقيام ونمو النشاط المضاربي في سوق الصرف الأجنبي، وهي إذا كانت بمثابة إغراءات للمضاربين فهي تحذيرات قوية للدول الحريصة على عملتها وعلى تماسك اقتصادها.

стр. 17763

ثالثًا: آثار المضاربات في العملة قبل أن ندخل في تناول الآثار المترتبة على النشاط المضاربي في العملة، ومدى تدميرها للعملة أولاً، وللاقتصاد القومي ثانيًا، ولأوضاع المجتمع عامة ثالثًا. أحب أن أشير إلى ما يطرحه الباحثون في هذا الصدد من تمييز بين نوعين من المضاربة يطلقون على الأول المضاربة الاستقرارية وعلى الثاني المضاربة غير الاستقرارية. والتمييز بينهما يمكن توضيحه باختصار في كون المضارب في النوع الأول يقوم بالشراء عندما ينخفض السعر، ويقوم بالبيع عندما يرتفع السعر، بينما نجده في النوع الثاني يقوم بالشراء عندما يرتفع السعر، أملاً في استمرار الارتفاع، يقوم بالبيع عندما ينخفض السعر، متوقعًا في ذلك استمرار الانخفاض. ويلاحظ أن النوع الأول لا غبار عليه، بل إنه يحدث من الآثار الشيء الجيد على سعر العملة دافعًا له إلى الاستقرار، فالشراء عند بداية الانخفاض يوقف هذا الانخفاض. والبيع عند بداية الارتفاع يوقف أو على الأقل يقلل من الارتفاع. إذن هي بالفعل مضاربة استقرارية. بينما نجد في النوع الثاني عملاً اختلاليًّا يزيد من عدم الاستقرار، فعند بداية أو توقع الارتفاع يشتري فيحدث الارتفاع ويزداد الاختلال، وعند بداية الهبوط أو توقعه يبيع فيحدث الهبوط ويزداد الاختلال. ومما يؤسف له أن النوع الثاني هو السائد والمسيطر حاليًّا في دنيا المضاربات (١) . وهو الذي يولد المزيد من الآثار السلبية التي لا يقف مداها عند الجوانب الاقتصادية بل تتعداها إلى الجوانب الاجتماعية والسياسية. وفيما يلي إشارة إلى بعض هذه الآثار: ١- تدهور القيمة الخارجية للعملة والذي يبلغ في بعض الحالات حد الانهيار أو ما يقاربه، ومعنى فقدان العملة للكثير من قيمتها الخارجية تدهور قيمة الأصول الاقتصادية العينية والمالية في الاقتصاد القومي، بحيث تتاح للأجانب بأبخس الأسعار، لاسيما في ظل حرية الاستثمارات الأجنبية القائمة. إن توقع هبوط سعر الشيء ناهيك عن افتعال هبوطه يؤدي فعلاً إلى هبوطه، حيث الإقدام المتزايد على البيع ومن ثم المزيد من العرض. وقد برهنت الأزمات المعاصرة على حدوث هذا الأثر، فوجدنا تدهورًا يصل إلى حد الانهيار في العديد من القيم الخارجية للعملات، ووجدنا تسارعًا بالتخلص في البداية من العملات المحلية وكذلك الأوراق المالية، فزاد الضغط على العملة فهبطت بشدة، وفي أثرها هبطت بشدة أيضًا قيمة الأوراق المالية المقومة بالعملة المحلية فدخل المضاربون بأثمان قد لا تصل إلى نصف القيمة، مستحوذين بذلك على الأصول العينية لهذه الدول بأبخس الأثمان.

стр. 17764

٢- تدهور معدلات النمو الاقتصادي، فبعد أن وصلت إلى (١٠ %) سنويًّا في دول جنوب شرق آسيا أصبحت الآن لا تتجاوز (٤ %) ، وبعضها صارت صفرًا بل سالبة، ومعنى ذلك تدهور مستويات المعيشة، وحدوث حالة من الانكماش والركود، وإفلاس العديد من المؤسسات وتشريد الملايين من قوة العمل وانضمامهم إلى جيش البطالة فقد أغلق في أندونيسيا (١٦) بنكًا، وفي تايلاند (٣٠) بنكًا. وتفيد بعض التقارير الواردة من دول جنوب شرق آسيا أن الأزمة الاقتصادية التي ضربتها قضت أو كادت على الطبقة الوسطى فيها؛ فملايين الأشخاص الذين عاشوا حياة أفضل من آبائهم وتعلموا بشكل أفضل وحصلوا على عمل أفضل عادوا من جديد ليعانوا كما عانى آباؤهم من قبل، وساءت ظروف معيشتهم من جديد، فالجوع وسوء التغذية وتدني مستوى العلاج تزداد انتشارًا في هذه الدول. وقد وصل عدد العاطلين في صيف عام ١٩٩٧ إلى خمسة ملايين شخص، ويتوقع أن يرتفع الرقم إلى عشرين مليونًا مع نهاية العام الحالي، ويوميًّا يفقد حوالي ألفي شخص عملهم في تايلاند. وهكذا باتت الأزمة تهدد طبقة اجتماعية كاملة كان قد أوجدها النمو الاقتصادي السابق. ٣- تآكل الاحتياطيات الدولية وتعرية الاقتصاد ومن ثم تعرضه لمختلف التأثيرات الخارجية، وتزايد حدة المديونية الخارجية، فسحبت تايلاند من جملة احتياطيها وقدره (٣٠) مليار دولار مبلغًا وقدره (٢٣.٤) مليار دولار في محاولة منها للحفاظ على قيمة عملتها، ومع ذلك فلم تصمد وتركت عملتها للتعويم. وفي هونج كونج، هب بعض كبار الرأسماليين المحليين للدفاع ولدعم دولار (هونج كونغ) وقد تحمل ثلاثة منهم في ذلك خسائر بلغت (٢) مليار دولار (١) . وقد ربت المديونية الدولية لدول جنوب شرق آسيا من صندوق النقد الدولي وحده من جراء هذه الأزمة على (١٢٠) مليار دولار، ومع هذه الضخامة بما تحمله من أعباء ثقيلة؛ فإنها عجزت حتى الآن عن إعادة الثقة في العملات والبورصات الآسيوية. ٤- مع سيادة حالة من الركود يشيع التضخم، ومن ثم نجد الركود التضخمي. وقد شاهدنا جميعًا كيف ارتفعت الأسعار المحلية بشدة عقب الأزمات التي ألمت بروسيا وبدول جنوب شرق آسيا. ومن الناحية النظرية يمكن رد ما يحدث وحدث من تضخم في دول الأزمة إلى العديد من العوامل والاعتبارات والتي منها انكماش العرض وارتفاع سعر الفائدة، وما قد يكون هنالك من تزايد الصادرات. إضافة إلى عامل التوقعات المتشائمة ومن ثم تكالب على الشراء (٢) .

стр. 17765

٥- إضافة إلى ذلك فهناك ما يعرف بالآثار المعدية حيث لا تقف الأزمة بآثارها عند البلد المصابة، بل سرعان ما تنتشر في الدول الأخرى، لاسيما الدول المجاورة، كما حدث في انتشارها من تايلاند إلى بقية دول جنوب شرق آسيا، ثم تتسع دائرة انتشارها حتى تعم العالم كله. وذلك لما هنالك من ترابط وتداخل بين اقتصاديات الدول، وما هنالك من سوق دولية للاستثمارات، وخاصة قصير الأجل، وهي شديدة الحساسية لكل ما يحدث. وفي سوق الأوراق المالية والعملات تشيع نزعة القطيع. فالكل يفر طالما أن أحد الأفراد قد فر من عدو ما، وسرعان ما يكون الفرار لمجرد الفرار، ودونما وجود حيوان مفترس، بل ربما حركة عشب تجعل القطيع يفر هنا وهناك. وهكذا حركات رؤوس الأموال قصيرة الأجل وغير المباشرة. وقبل أن نختم حديثنا عن الآثار المترتبة على المضاربة والتي أشرنا في عجالة إلى بعضها نجد من المهم علميًّا وعمليًّا التنبيه على أن هذه الآثار السلبية تحدث من جراء التقلبات العنيفة في القيم الخارجية للعملة، وخاصة منها ما كان ذا اتجاه هبوطي، وهو الشائع الآن. وهذه التقلبات تتولد عن العديد من العوامل بعضها ذو صبغة اقتصادية وبعضها ذو صبغة اجتماعية وبعضها ذو صبغة سياسية. وبعضها دولي المصدر وبعضها داخلي المصدر. وبالتالي فهي لا تقف عند حد عمليات المضاربة في سوق النقد الأجنبي، إن الوعي بذلك مهم في إجراءات الوقاية وفي إجراءات العلاج. ومع ذلك فإنه باتفاق الخبراء وذوي الاهتمام تلعب المضاربة دورًا بارزًا وتمثل عاملاً رئيسًا في إحداث هذه التقلبات العنيفة، الأمر الذي يسوغ للباحث أن يشير إلى هذه الآثار المترتبة على أنها نتائج لعمليات المضاربة. ومن التصريحات ذات الدلالة في هذا الشأن قول رئيس وزراء ماليزيا: " إن المضاربة في العملة تسببت في إفقار ماليزيا حيث أخذ المضاربون (٦٠ %) من ثروات البلاد علاوة على أموال طائلة من البورصة".

стр. 17766

رابعًا: مواجهة المضاربات في العملة في ضوء الآثار السلبية الفادحة المترتبة على التقلبات العنيفة والخاطفة في القيم الخارجية للعملات والتي تسأل عنها بدرجة رئيسة عمليات المضاربة في سوق الصرف الأجنبي، فإن من الضروري ومن الأهمية بمكان التصدي لهذه العمليات المضاربية الاختلالية ومواجهتها بكل ما يمكن من وسائل وأساليب. وقبل أن نشير إلى بعض هذه الوسائل ننبه إلى ما يكتنف عملية المواجهة هذه من صعوبات وعقبات، ترجع في جزء منها إلى طبيعة سوق الصرف الأجنبي، ونوعية المتعاملين فيه، ومن ذلك تداخل عمليات تبادل العملات بهدف إشباع حاجات حقيقية مطلوبة وبهدف المضاربة وعدم وجود فوراق مميزة بوضوح وحسم بينهما. وكذلك ما يفرضه اليوم النظام الاقتصادي العالمي الراهن من حرية تكاد تكون مطلقة لخدمات المال والتجارة ولعمليات البورصة على المستوى الدولي، الأمر الذي يقيد كثيرًا من قدرة الدول على المناورة ضد ما قد يمارس على عملاتها من مضاربات، ومع ذلك فلا مفر من المواجهة مهما كانت تكلفتها ومهما كانت درجة فعاليتها، حيث الآثار المترتبة من الخطورة والمأساوية بما يجعلها قمينة بالقيام بالمواجهة. ومن الطبيعي أن المواجهة الصحيحة ما اجتمع لها العنصر القبلي والعنصر البعدي، بمعنى ضرورة وجود مواجهة قبلية ومواجهة بعدية، فقبل وقوع الأزمة وقبل ممارسة التلاعب والمضاربة بالعملة، على الدولة أن تتخذ من الوسائل ما يحول بين عملتها وبين هذه الممارسات قدر طاقاتها، فهي بمثابة التحصين ضد المرض. وإذا ما وقعت الأزمة فعلى الدولة أن تهب لعلاج المرض الذي حل من خلال ما تمتلكه من وسائل، وفيما يلي نجمل القول حيال هذه الوسائل أو بالأحرى بعضها: ١ - تجنيب المجتمع الإغراءات على القيام بالمضاربات في عملته: وهذا الأسلوب هو أسلوب وقائي وعلاجي في الوقت نفسه، فعلى الدولة أن تكون على أعلى درجة من اليقظة حيال الإغراءات التي سبق تناولها، وعليها أن تمتلك أنجح وسائل الإنذار والتحذير المبكر، بحيث إذا ما ظهر إغراء من هذه الإغراءات مثل تدهور معدل النمو أو تدهور الميزان التجاري أو فساد النظام المالي أو. . . إلخ. فعليها بالمبادرة الفورية والجادة في علاجه، ومنع ظهوره وانتشاره، حتى لا توجد الفرصة أمام عمليات وألاعيب المضاربين، وعلى الدولة التي أصيبت بداء المضاربة أن تفتش جيدًا عن الإغراء، والظرف الملائم الذي جذب المضاربين وتعمل على علاجه العلاج المناسب الناجع.

стр. 17767

٢ - ضبط العمل بالبورصة: والمعروف أن المضاربين في بورصات العملة والأوراق المالية لا يقفون عند المضاربة بمفهومها الأولي البسيط (المضاربة الاستقرارية) وهو الشراء أو البيع بهدف الاستفادة من فرصة سانحة أو على وشك الحدوث، إنهم لا ينتظرون الفرصة، وإنما يصنعونها صنعًا، ثم إنهم يمارسون عملياتهم من خلال صور وأساليب عديدة كلها تستهدف حمايتهم من المخاطر من جهة، وتكبير العائد من جهة ثانية، وتدنية التكلفة من جهة ثالثة. ومن ذلك عمليات الصرف الآجل والبيع على المكشوف وبيع المستقبليات والاختيارات والتعامل على المؤشرات والشراء الجزئي أوالهامشي، والتكرار السريع لعمليات الشراء والبيع خلال فترات وجيزة، والتعامل على صفقات قد تكون بالغة الضخامة (١) . كل ذلك يدعم من مركز المضاربين، ويدفعهم دفعًا إلى ممارسة عملياتهم وألاعيبهم. وإذا لم يكن للدولة من قدرة أو طاقة على منع قيام المضاربات في البورصات، لاسيما ما كان منها خارج حدودها فإنها تمتلك من القدرة والصلاحية ما يمكنها من منع أو تقييد هذه الأساليب التي يستند عليها المضاربون. فلها أن تحد من تكرار البيع والشراء على الشيء الواحد (٢) ، وإن كان بفرض ضرائب (٣) ، ولها أن ترفض بعض العقود. وممن حذر بقوة من عدم ضبط العمل في البورصات – وحتى قبل وقوع هذه الأزمات الأخيرة – الاقتصادي الفرنسي الشهير (موريس آليه) حيث يقول في إحدى محاضراته (٤) : " إن البورصات كي تكون نافعة جوهريًّا – وهذا ممكن – يجب إصلاحها بما يلي: يجب منع تمويل العمليات بخلق وسائل دفع من لاشيء بواسطة الجهاز المصرفي، ويجب زيادة هوامش المشتريات والمبيعات المؤجلة زيادة جوهرية، ويجب أن تكون هذه الهوامش نقدية، ويجب إلغاء التسعير المستمر والاكتفاء في كل ساحة مالية بتسعيرة واحدة في اليوم لكل ورقة مالية، ويجب إلغاء البرامج التلقائية للشراء والبيع، ويجب إلغاء المراهنة على الأرقام القياسية (المؤشرات) ". إذن علينا كي نحد من عمليات المضاربة على العملة ومن آثارها بإصلاحين؛ إصلاح داخل البورصة، وإصلاح خارج البورصة.

стр. 17768

٣- من وسائل المواجهة القبلية تكون احتياطيات نقدية دولية بالقدر الكافي تحصينًا وتدعيمًا لمركز العملة في سوق الصرف: ومن وسائل المواجهة العلاجية (البعدية) استخدام هذه الاحتياطات لدعم ومساندة العملة عندما تتعرض لاهتزازات في قيمتها. ولاشك أن ذلك قد يحد من هبوط قيمة العملة، لكن ذلك قد لا يجدي إذا ما استفحل الأمر، ثم إنه تدمير وإفناء لهذه الاحتياطات، الذي من المهم الاحتفاظ بها، ثم إن استخدامها في ذلك قد يعطي إشارة سلبية بما عليه العملة من ضعف، فتحدث أثرًا نفسيًّا سلبيًّا، فيزداد الموقف سوءًا، كما حدث في بعض حالات الأزمة الآسيوية الراهنة. ٤ - من الوسائل التي ينادي بها الفكر الاقتصادي الوضعي والتي استخدمت بالفعل، رفع سعر الفائدة كعلاج جزئي للأزمة تجنيبًا للعملة من المزيد من التدهور، وعلى أن يلاحظ أن لسعر الفائدة صلة وثيقة بعمليات المضاربة على العملة، ثم إن رفع سعرها يقلل من عائد الأوراق المالية فيسرع الناس بالتخلص منها، فيشتد الضغط على العملة، فتزداد تدهورًا. ثم إنه مهما ارتفع فلن يجعل المستثمر في الأوراق المالية يبقي على استثماراته، حيث لن يعوضها ارتفاع سعر الفائدة عما يخسره من تدهور سعر العملة، إضافة إلى ما يحدثه هذا الارتفاع من تشويه في الاستثمارات ومن تزايد عبء المديونية.

стр. 17769

٥ - المزيد من استخدام رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية: من خلال تقديم المزيد من الإغراءات والتي من بينها عدم فرض ضريبة أو تقليل معدلاتها. لكن ذلك الإجراء إبان الأزمة قد يعطي دلالة سلبية، فيوحي بالموقف الضعيف للاقتصاد القومي، وبالتالي السرعة المتزايدة في هروب رؤوس الأموال لا في إقدامها مما يزيد الطين بلة. ثم إن المزيد منها ومهما كان دوره قصير الأجل فإن دوره في الأجل الطويل هو تهيئة الفرصة أمام أزمات اقتصادية جديدة (١) ، وقد اعتبر أحد العوامل المسؤولة عن اشتعال أزمة دول جنوب شرق آسيا. ٦ - كذلك فهناك السياسات التقشفية المالية والنقدية: وهي قد تفيد في بعض الحالات ولا تفيد، بل تزيد الحالة سوءًا في بعضها الآخر، وبالتالي فاستخدامها يحتاج إلى درجة عالية من المهارة. ٧ - الاعتماد على النفس: لاسيما في عمليات التمويل، والتدقيق القوي في نشاط الاستثمار الأجنبي، وعدم التعويل الكبير عليه، فهو بمثابة قنابل موقوتة. ٨ - تدعيم التكتل الاقتصادي وعدم الانفراد في الساحة الدولية: ففي ذلك دعم قوي للدولة عند حدوث أزمة، كما أنه إسهام في تجنيبها هذه الأزمات، وذلك من خلال السياسات الاقتصادية المتكاملة والمتعاونة، وليست المتنافسة، كما كان الحال في دول جنوب شرق آسيا، حيث من عوامل أزمتها المنافسة القاتلة بينها وبين بعضها في الصادرات. ٩ - عدم ترك الحبل على الغارب للسوق وتقوقع الدولة في بؤرة الحراسة التقليدية: فمن الضروري أن يكون للدولة دور قوي وفعال في المجالات الاقتصادية وخاصة مجالات المال والنقد، ولاسيما في مجال الصرف الأجنبي. ١٠ - هناك حل أقدمت عليه ماليزيا بعدما تعرضت له من جائحة اقتصادية مزلزلة، تواجه به عمليات المضاربة على العملة وهو عدم قابلية العملة الوطنية للتحويل خارج نطاق الدولة. ويرى القائمون على الأمر هناك أن هذا الحل مثالي في عدم تمكين المضاربين من تعويم العملة من جراء عرضها وطلبها خارج الدولة، ومع هذا فلا يخلو هذا الحل من مشكلات وعقبات.

стр. 17770

خامسًا: الاقتصاد الإسلامي والمضاربة في العملة قبل الدخول في استعراض موقف الاقتصاد الإسلامي من المضاربة في العملات نجد من المهم الإشارة إلى بعض الأمور التي نراها بمثابة مفتاح الموقف. وهي: ١- إن موقف الاقتصاد الوضعي حيال النقود مضطرب إلى حد بعيد: فبينما نراه يذهب إلى التمييز القاطع بين النقود وبين السلع والخدمات جاعلاً هذه في جهة وتلك في الجهة المقابلة من حيث الخصائص والمميزات، وإلى التحديد الحاسم لعلاقة النقود بالثروة، وهل هي من وجهة نظر المجتمع ثروة أم حق على الثروة. ذاهبًا إلى أنها حق على الثروة وليست داخلة فيها – الحديث عن النقود الورقية والائتمانية وليس عن النقود السلعية وخاصة منها المعدنية من الذهب والفضة – بينما نراه يقف هذا الموقف الجيد والدقيق إذا به يعامل النقود في كل أموره معاملة السلع والخدمات، مدخلاً لها في نطاق الثروات والأصول الاقتصادية. فهي تباع أية سلعة وخدمة، وهي تؤجر كما تؤجر السلع والخدمات، وهي يتاجر فيها كما يتاجر في بقية السلع والخدمات. بل لقد أصبحت التجارة في النقود وأشباهها من أروج التجارات في عصرنا، هذا تحت سمع وبصر ومباركة الاقتصاد الوضعي. وبدلاً من أن يتكسب الناس من ممارسة النشاط الاقتصادي الإنتاجي في الزراعات والصناعات والتجارة في منتجاتهما؛ أصبحوا يجنون الأرباح الوفيرة، ومن ثم أصبحوا من كبار الأثرياء على المستويات المحلية والمستويات العالمية نتيجة تجارتهم في النقود والأوراق المالية، أو بعبارة أخرى نتيجة انغماسهم فيما أصبح يعرف بالاقتصاد الرمزي. وبسبب من ذلك – إضافة إلى غيره – كان ما كان وما هو كائن وما هو متوقع أن يكون من أزمات طاحنة تفتك بالاقتصاد الحقيقي، وتكاد تقضي على كل منجزاته. وامتدادًا من هذا الموقف البادي الاختلال وجدنا الاقتصاد الوضعي يكاد يكل كل أمر من النقود إلى الأفراد والمؤسسات الخاصة، وجهاز الأسواق. فطالما عوملت النقود كسلعة تطلب لذاتها شأن أية سلعة فلم لا يخضع شأنها للأفراد؟ ولم لا تدخل الأسواق وتخضع في تحديد قيمتها بل وفي تحديد سعرها إلى قوى العرض والطلب؟

стр. 17771

وهكذا انقض الاقتصاد الوضعي على نفسه قاضيًا على كل ما شيده من مبادئ رشيدة. ٢- إذا كان هذا هو موقف الاقتصاد الوضعي حيال ما يعترف هو به من أن النقود أخطر ظاهرة اقتصادية عرفها الإنسان: وأثرت فيه إيجابًا وسلبًا، فإن موقف الاقتصاد الإسلامي مغاير تمامًا. فالنقود لديه ليست سلعة ولا خدمة، وإنما هي حق على كل السلع والخدمات أو حاكم عليها، كما عبر بحق الإمام الغزالي، إنها في جهة والسلع والخدمات في جهة مقابلة، إنها بتعبير الفقهاء ثمن وما عداها مثمنات، إنها لا تقصد ولا تشبع حاجة بذاتها، وإنما من خلال قدرتها على حيازة وتملك السلع والخدمات ذات المنافع المباشرة وذات القيم الاستعمالية المنفصلة عن القيم التبادلية. بالاختصار الشديد هي شيء وما عداها شيء آخر مغاير تمام المغايرة. وبالتالي فالتعامل معها مغاير تمامًا للتعامل مع غيرها، فهي أداة للتجارة وليست محلاً لها. هي لا تؤجر كما تؤجر بعض السلع، وهي ليست محلاً للتربح بل أداة له (١) . وهذه بعض نصوص فقهية. يقول ابن رشد: "المقصود من النقود المعاملة أولاً لا الانتفاع – لاحظ أنه يتحدث وفي ذهنه النقود المعدنية – أما المقصود من العرض – السلع – فهو الانتفاع أولاً لا المعاملة. وأعني بالمعاملة كونها ثمنًا " (٢) . ويقول السرخسي: "الذهب والفضة خلقا جوهرين للأثمان لمنفعة القلب والتصرف" (٣) . أي أنهما خلقا ليتاجر بهما، ومن خلالهما تتداول السلع والخدمات. ويقول النيسابوري: "وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء " (٤) . ويقول ابن تيمية: " والدراهم والدنانير لا تقصد لذاتها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها" (٥) . ويقول الغزالي: " من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما، ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان يحتاج إلى أعيان كثيرة – سلع كثيرة – في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته. .. فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين متوسطين – وسيط للمبادلة – بين سائر الأموال – السلع والخدمات – حتى تقدر بهما الأموال. . فمن ملكها فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوبًا فإنه لم يملك إلا الثوب" (٦) .

стр. 17772

ويقول ابن القيم: " إن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات. والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال. فيجب أن يكون محددًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن له ثمن يعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة. . وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء. . ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف ويشتد الضرر. كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح، فعم الضرر وحصل الظلم " (١) . ويقول في موضع آخر: " ويمنع المحتسب من جعل النقود متجرًا – سلعة يتاجر فيها – فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها " (٢) . إن التحليل الاقتصادي السليم، بل مجرد النظرة الاقتصادية الموضوعية في هذه النصوص تكشف لنا عن موقف إسلامي واضح وحاسم حيال النقود وضوابط التعامل معها. ٣- اتساقًا مع هذا الموقف المبدئي الصحيح للاقتصاد الإسلامي حيال النقود جاء موقفه حيال المسؤولية عنها وعن إنتاجها وصناعتها: إن المسؤول عن ذلك هو الدولة وليس شيئًا آخر، ومسؤولية الدولة في ذلك لا تقل عن مسؤوليتها حيال أي أمر يتوقف على صلاحه صلاح الدنيا، ومن ثم صلاح الدين. وأي عمل يلحق الضرر بنقود المجتمع مرفوض إسلاميًّا حتى ولو كان من قبل الدولة نفسها، وعلى الدولة مسؤولية وقاية النقود منه ودفعه إذا وقع أًّا كانت صورته، وأيًّا كان مصدره يستوي في ذلك الغش والتزوير وتقليل القيمة، والاحتكار والمضاربة وغير ذلك من كل ما يجد من صور وعمليات تلحق الضرر بالعملة (٣) ، وما ذلك إلا لأن النقود إذا فسدت فسد اقتصاد المجتمع وفسدت بذلك اجتماعياته، وإذا صلحت صلح اقتصاد المجتمع وكل جوانبه.

стр. 17773

إن ذلك لا يحيل النقود إلى صنم يعبد، فلم يدعُ دين على من يعبد النقود مثلما دعا الإسلام " تعس عبد الدينار والدرهم، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش". لكنها أداة ضرورية وفق الله تعالى الإنسان إلى التعرف عليها. وهذه بعض عبارات العلماء المسلمين في هذا الصدد، مع الإحالة إلى ما سبق ذكره في الفقرة السابقة من نصوص بالغة الدقة والوضوح في هذا الشأن. يقول الماوردي في عبارة دقيقة مطولة مخاطبًا الملك رئيس الدولة ورأس الحكم في الدولة: "وليعلم الملك أن الأمور التي يعم نفعها إذا صلحت ويعم ضررها إذا فسدت؛ أمر النقود "، ثم أخذ يعدد له المفاسد المترتبة على التلاعب في النقود بأي شكل من التلاعب، خاصة ما يتعلق بقيمتها. إلى أن قال: " وإن كان النقد سليمًا من غش ومأمونًا من تغيير صار هو المال المدخور، فدارت به المعاملات نقدًا ونساءً، فعم النفع وتم الصلاح، وقد كان المتقدمون يجعلون ذلك دعامة من دعائم الملك. ولعمري إن ذلك كذلك، لأنه القانون الذي يدور عليه الأخذ والعطاء، ولست تجد فساده في العرف إلا مقترنًا بفساد الملك" (١) . ويقول محمد الأسدي: " وربما يقال: إن من تقصير السياسة فساد النقود، وفي فساد النقود دخول الخلل في المعايش والنقص في الأموال والمعاملات " (٢) ، ثم يواصل قائلاً: "فإذا كانت النقود من الشرف بهذه المرتبة والمزية فمن الواجب الاعتناء بها، وعدم إهمال أمرها. ويجب على ولي الأمر نصره الله أن يأمر بحسن إقامتها وتعديلها وتناسبها في إعدادها وتشكيلها، وتصحيح تدويرها وهندامها وتقرير قيمتها وأوزانها " (٣) .

стр. 17774

ويقول الإمام أحمد: " لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رخص لهم في ذلك ركبوا العظائم " (١) . ويقول النووي: "إن ضرب النقود من أعمال الإمام " (٢) . ويقول ابن خلدون: "والسلطان مكلف بإصلاح السكة والاحتياط عليها والاشتداد على مفسديها" (٣) . هذه نصوص متواترة تؤكد على أن أمر النقود هو من اختصاص ومسؤوليات الدولة، وحتى إذا مارسها القطاع الخاص فليكن تحت إشراف ورقابة الدولة (٤) . ٤- من خلال هذين الموقفين المتغايرين لكل من الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي حيال النقود نجد من المهم الإشارة إلى أمر برز بوضوح وخاصة في الآونة الأخيرة على لسان بعض كبار الاقتصاديين من غربيين وغيرهم. وهو طرح تساؤل جوهري حول مدى صلاحية الفكر الاقتصادي الوضعي الراهن. وما إذا كان في حاجة إلى ثورة فكرية تفعل فيه ما سبق أن فعلته الثورة الفكرية الكينزية. يقول الدكتور حازم الببلاوي في معرض تعليقه على الأزمة الاقتصادية التي ضربت بلاد جنوب شرق آسيا: "وجاء أحداث جنوب وشرق آسيا لتلقي من جديد الشكوك حول مدى كفاءة التنظيم الدولي في التنبؤ بالأزمات المالية قبل وقوعها. وليس الأمر مقتصرًا على كفاءة وفاعلية جهاز صندوق النقد الدولي، بل إنه قد ينصرف إلى جوهر النظريات الاقتصادية السائدة والتي يبدو أنها مازالت بعد قاصرة عن الإحاطة بتطورات الواقع الاقتصادي. فهل نحن بحاجة إلى ثورة جديدة في الفكر الاقتصادي كما جاءت نظرية كينز في الثلاثينيات من هذا القرن انقلابًا في الفكر السائد، ولكي تلقي ضوءًا على أسباب الأزمة العالمية في ذلك الوقت؟ سؤال مطروح " (٥) . وقبله ببضع سنين قال الاقتصادي الفرنسي الشهير (موريس آليه) ما هو أشد من ذلك تجريحًا وذمًا في الفكر الاقتصادي المعاصر، ومن أقواله في ذلك (٦) : "إنها بالتأكيد لفضيحة فكرية وسياسية كبيرة أن مجتمعاتنا الديمقراطية، بعد تكرر الأزمات الكبرى منذ قرنين على الأقل، لم يظهر أنها قادرة على تحديد المؤسسات الاقتصادية، التي إن لم تؤدِّ إلى إلغاء التقلبات الاقتصادية، فعلى الأقل إلى التخفيف من حدتها بصورة جوهرية "، "إنه في الوقت الذي فرغت فيه فرنسا من الاحتفال بعيدها المائتين للثورة الفرنسية ولإعلان حقوق الإنسان يجب علينا أن نعلن أنه من الحقوق الأساسية للإنسان هي أن يجد هذا الإنسان حماية فعالة من الطريقة الظالمة بل غير الأمينة التي يعمل بها اليوم اقتصاد أسواق، سمح به تشريع غير ملائم، وربما حاباه وشجعه"، ثم جاءت حركة غريبة نشيطة وقوية عقب هذه الأزمات الطاحنة، فقد عقدت مؤتمرات دولية على أعلى مستوى لدراسة قواعد اللعبة وإعادة النظر فيها، ثم تبلور الموقف عمومًا فيما طرح تحت عنوان (الطريق الثالث) .

стр. 17775

وإنني بدوري أتساءل: في ظل هذه الوضعية المتردية للفكر الاقتصادي الوضعي المعاصر، وعجزه عن عمل شيء فعال لإصلاح واقع الناس ألا يحق لنا، بل يجب علينا أن نعلن بقوة موضوعية ونذيع هنا وهناك بعض إن لم يكن كل مبادئ وأدوات ووسائل الاقتصاد الإسلامي؟ على الأقل فيما يتعلق بالجانب النقدي والمالي وما يقوم عليه من مؤسسات من مصارف وبورصات؟ وبهذا نقي العالم مما يتعرض له بشكل سريع ومتكرر من أزمات وعواصف تخلق باقتصادياته أفدح الأضرار. إن كل ما نادى به (موريس آليه) من إصلاحات ضرورية للنظام النقدي والمالي وللمؤسسات القائمة فيه هو من المبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي. إنه يجزم بحق – ومعه غيره – بأن من عوامل الأزمة ما يسبق الأزمة من سخونة مرتفعة في الاقتصاد ونشاط محموم هنا وهناك، ويؤكد على أن ذلك لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، بل لا بد من التراجع والتراجع السريع الذي يؤدي إلى فقدان الثقة بالاقتصاد كله. وقد برهن الواقع على صدق هذا الفكر من حيث ما حدث البلاد جنوب شرق آسيا. ويؤكد على أنه لا علاج لذلك إلا بحظر خلق النقود من لاشيء وإبرام العقود دون دفع، فعند ذلك " لا يمكن أبدًا حدوث ارتفاعات عظيمة في أسعار البورصات التي سجلت قبل الأزمات الكبرى، لأن كل نفقة مخصصة لشراء أسهم يقابلها في موضع ما نقص في نفقات أخرى بمبلغ مكافئ. وتنشأ في الحال آليات منظمة تميل إلى إلغاء كل مراهنة على الأسعار لا مسوغ لها " (١) . إننا لو نظرنا جيدًا إلى أحكام النقود والعقود في الإسلام لوجدنا فيها أكثر مما ينادي به موريس آليه. وفي اعتقادي أن التعرف على موقف الاقتصاد الإسلامي من عمليات المضاربة على العملات يصبح من السهولة بمكان طالما أمسكنا بمفاتيح القضية السابقة في أيدينا. ويمكن الإشارة إلى أهم جوانب هذا الموقف فيما يلي: ١- استقرار قيمة النقد داخليًّا وخارجيًّا من مقاصد الشريعة ومطلوباتها لما يتوقف عليه من مصالح عامة الناس، وهو من الوظائف الأساسية للدولة الإسلامية. ومعروف أن الاستقرار شيء والتثبيت شيء آخر، الأول لا يختلف حول فوائده أحد، أما الثاني ففوق أنه متعذر فإن له مثالب لا تحبذ المناداة به على الدوام. وأمام الدولة أكثر من وسيلة لتحقيق هذا الهدف خارجيًّا، ومن ذلك الرقابة على الصرف بضوابط، وكذلك ما يعرف بالتعويم المدار، وسن القوانين التي تمنع من المضاربة على العملة أو على الأقل تجعل منها، مثل تقييد عمليات تكرار البيع والشراء، وفرض ضرائب على ذلك، وحظر الكثير من أساليبها وصورها.

стр. 17776

٢- التجارة في النقد – وهي غير الصرف المعتد به شرعًا (١) - مرفوضة شرعًا لما تحدثه من فساد عام يحيق بكل جوانب المجتمع. وسبق ذكر تصريح الفقهاء بذلك. لكن القضية اليوم بالغة التعقيد، ففي الداخل كثيرًا ما تختلط عمليات صرف العملات وهي جائزة بالتجارة فيها. ومن الصعوبة التمييز والتفرقة بين هذا النشاط وذاك. ثم إن سوق الصرف اليوم هي سوق عالمية تنتشر في شتى بقاع العالم، ولم يعد يتم انتقال النقود ماديًّا تحت سمع وبصر الدولة، بل يتم بومضات كهربائية. ثم إن النظام الاقتصادي العالمي القائم والذي ترعاه منظمات دولية يسمح بالتجارة في النقود. كل هذا يمثل عقبات أمام أية دولة تريد الهيمنة الفعالة الكاملة على عملتها. ومع ذلك فيظل أمام الدولة صلاحية وضع الضوابط والقيود التي تقلل بقدر الإماكن من الآثار السلبية للتجارة في العملة. والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . ٣- إذا كانت ممارسة مهنة التجارة في النقود بهدف التربح مرفوضة شرعًا فمن باب أولى كون عمليات المضاربة فيها، وخاصة ما هو سائد ومسيطر في دنيا البورصات اليوم، لما يتولد عنها من مفاسد عامة تصل في بعض الحالات إلى حد تدمير الاقتصاد القومي. وقد اعترف العديد من الخبراء بأنها مقامرات ومراهنات حولت البورصات إلى نوادي وملاعب للقمار، ولو كان رهانًا أو قمارًا على سلعة خاصة أو حتى سلعة عامة لكان الخطب أهون أما أن يكون على نقود الدولة ذات العلاقة الوثيقة بكل ما في الدولة من سلع وخدمات فإن الخطب يكون مفجعًا. ٤- العمليات السائدة في بورصات النقد الأجنبي اليوم والتي يعتمد عليها المتعاملون وخاصة المضاربون، هي عمليات مخالفة لنصوص شريعة مثل البيع الآجل، والبيع الهامشي، والتعامل في المستقليات وفي الخيارات والمؤشرات، كل ذلك أثبتت البحوث الفقهية المعاصرة تحريمه (٢) . إن ذلك الحكم الشرعي الرافض يحد كثيرًا من عمليات المضاربة إن لم يقض عليها. ٥- الإسلام يحرم تحريمًا باتًّا مغلظًّا نظام الفائدة. ولا يخفى على مطلع مدى خطورة الدور الذي يلعبه نظام الفائدة في قيام المضاربة على العملات، وفي الاندفاع في هذا النشاط المدمر إنه يبرز في عمليات المراجحة (٣) ، وكذلك السوق الآجلة، إضافة إلى عمليات الاستثمارات الأجنبية، وخاصة ما كان منها قصير الأجل وغير مباشر، حتى إن استخدامه لعلاج آثار المضاربة مشكوك في فعاليته. إن موقف الاقتصاد الإسلامي حيال موضوع الفائدة يكفي بمفرده لتجنيب الاقتصاديات الكثير من الأزمات العاصفة، وخاصة إذا ما استخدمت الصيغ التمويلية البديلة من مشاركات ومرابحات وغيرها.

стр. 17777

٦- وانسجامًا مع المواقف السابقة فإن الاقتصاد الإسلامي لا يعول كثيرًا على عمليات الإقراض والاقتراض في دنيا الأعمال، وطالما أن الفائدة مرفوضة فلن يبقى لها تلقائيًّا مكان يذكر. ٧- كذلك فإن الإسلام وإن لم يرفض من حيث المبدأ مشاركة الأجانب في الاستثمارات المحلية، فإنه يضع لها من الأطر والضوابط ما يقلل إلى حد كبير من مخاطرها. كما أنه يدفع بها دفعًا قويًّا صوب المجالات الإنتاجية، أو ما يعرف بالاستثمارات المباشرة وليس الاستثمارات المالية. ٨- أقر الإسلام العقوبات الرادعة الزاجرة على كل من يتلاعب في العملة (١) . ٩- كذلك فإن الإسلام يصل في تحريم الإسراف في الإنفاق بكل صوره إلى درجة غير مسبوقة ولا ملحوقة، ويضع من التشريعات العملية ما يجعل ذلك واقعًا معاشًا، ويقدم للدولة في ذلك من الصلاحيات الشيء الكثير، حتى لا تهيئ المجال لظهور هذا المرض الاجتماعي والاقتصادي المعدي الخطير (٢) . وقد رهنت التجارب الراهنة على أن الإسراف ليس مجرد انحراف سلوكي أو اجتماعي، بل إنه انحراف اقتصادي يلحق بالمجتمع من الأضرار الاقتصادية ما يكاد يأتي عليه. وهذا ما يعمق لدينا الإيمان بمبادئ الاقتصاد الإسلامي التي تقوم على الاعتدال وتجريم عمليات التبذير والإسراف والترف. من جوانب مواجهة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمات الاقتصادية: ١- الإسلام يعطي للدولة صلاحية القيام بما تراه ضروريًّا لعلاج آثار الأزمات الاقتصادية والتي قد يكون منشؤها المضاربة في العملات، من قبيل السياسة الشرعية. ولها في ذلك حظر بعض المباحات مثل التوسع في الإنفاق وتنظيم الصادرات والواردات، وتنظيم انتقالات رؤوس الأموال دخولاً وخروجًا، وإعادة النظر في تخصيص الموارد وتوزيعها بين الاستخدامات المختلفة بما يتطلبه الظرف الراهن، بل وتقليل أعداد العاملين في بعض المشروعات، وفرض الضرائب على بعض الأنشطة والفئات، طالما أن المصلحة العامة اقتضت ذلك، والمعروف أن تصرف الحاكم منوط بالمصلحة. ٢- يمكن القول إجمالاً إن الأثر العام لهذه الأزمات الاقتصادية الراهنة، والتي باتت تضرب مختلف بقاع العالم بدرجة أو بأخرى هو ازدياد حدة الفقر واتساع رقعته. وعلى البلدان التي تعرضت لهذه الأزمات أن تتخذ من التدابير ما يخفف من وطأة آثار هذه الأزمات. وللإسلام موقفه الصريح والحاسم حيال ما تتعرض له الدولة أو الأمة أو الجماعة من نكبات أيًّا كان مصدرها وعواملها. في مثل تلك الحالات الطارئة لا يترك البعض ليموت جوعًا، ويعيش الآخرون، في الحديث الشريف: ((إذا بات مؤمن جائعًا فلا مال لأحد)) ، " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في إناء واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم ". وفي الأثر عن عمر ﵁ في عام الرمادة يقول مخاطبًا أحد حكام أقاليم الدولة: "أفتراني هالكًا ومن معي، وتعيش أنت ومن معك "، كما يقول: " لو لم أجد للناس ما يسعهم لأدخلت على أهل بيتي مثلهم، فإن الناس لا تهلك على أنصاف بطونها ". وترجمة هذه التوجيهات والأحكام إلى واقع عملي مناسب مسؤولية المجتمع كله، شعوبًا وحكومات. ويمكن لصندوق الزكاة وصندوق التكافل الاجتماعي أن يلعبا دورًا مهما في ذلك.

стр. 17778

ومن المعروف أن المعروض من كثير من السلع والخدمات يقل، وبالتالي فمن المتوقع إن لم يكن المؤكد أن الأسعار سترتفع بشدة، وفي ذلك ما فيه من صعوبة على الفقراء، أصلاً، وعلى من أصبحوا بتأثير الأزمة فقراء. وهنا يلقى الإسلام على القادرين شطرًا كبيرًا من المسؤولية المتعددة الجوانب، من تقليل للاستهلاك، حتى لا ترتفع الأسعار بشدة، ومن دعم للفقراء بصورة المتعددة؛ نقديًّا وعينيًّا، ومن عدم مغالاة في تحقيق الأرباح ومن ثم الاضطرار إلى رفع الأسعار. وعلى الدولة أن تتابع ذلك وأن تحض عليه، وفي النهاية لها أن تسن من التشريعات والسياسات والإجراءات ما يحقق ذلك. وقد مارست الدولة الإسلامية ذلك في بعض عصورها. وخاصة زمن سيدنا عمر رضى الله عنه. وعلى الدولة أن تسارع قدر وسعها في تقديم الإعانات المختلفة للفئات المتضررة، وعليها أن تيسر وتسهل بل وتدعو وتأمر بالتحركات العمالية عبر الأقاليم وعبر المدن وعبر الريف، حيث من المعروف أن كل الأقاليم في الدولة وكل القطاعات الاقتصادية لا تكون إصابتها واحدة من جراء الأزمة، وبالتالي موقفها من العمالة مختلف. لقد تولت الدولة بكل مستوياتها بدءًا برئيسها في عهد عمر رضى الله عنه توزيع السلع الأساسية على المصابين المتضررين من أزمة الجفاف، واليوم ينادي بعض الخبراء بأهمية قيام الحكومة بإيجاد نظام فعال لتوزيع الغذاء. وكذلك غيره من ضروريات الحياة (١) .

стр. 17779

الخاتمة في هذا البحث الموجز وعدنا بتقديم إجابة عن التساؤلين اللذين مثلا قضية البحث، أو كما يقال: "إشكالية البحث". ونأمل أن يكون قد وفى بما وعد. وفي هذه الخاتمة نعيد تأكيد الاهتمام بما يلي: ١- استقرار القيمة الخارجية للعملة وتحصينها ضد التقلبات العنيفة مطلب اقتصادي وشرعي على درجة كبيرة من الأهمية لما يترتب عليه من فوائد ومنافع اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية. ٢- المضاربة على العملات باتت اليوم وبحكم توجهاتها وما أتيح لها من إمكانيات وآليات؛ من أخطر ما يواجهه استقرار الاقتصاد القومي والعالمي وتقدمه. ٣- أصبحت أسواق الصرف الأجنبي وبورصات التعامل في العملات بمثابة فرس جامح أو أسد قاضم، تفعل فيما يعرف بالاقتصاد الحقيقي أو العيني ما يحلو لها من إضاعة وتدمير، مما يحتم تكتل الجميع في كبح جماحها وتضبيط حركتها، وهناك العديد من الأدوات والوسائل ما يمكن من ذلك. وعلى رأس كل ذلك أن يكف الاقتصاد الوضعي عن نمط تعامله الراهن مع النقود على أنها سلعة من السلع فهي ليست كذلك. وهذا ما سبق له أن اعترف به، لكنه نسي أو تناسى ما قاله. ٤- الاقتصاد الإسلامي له موقفه المتميز من النقود ومن التعامل معها وبها، وهو بهذا قادر على حماية مجتمعاته المؤمنة به من الوقوع فريسة للتلاعب بعملاتها والمضاربة عليها. ٥- ثم إن منهجه حيال التنمية والعلاقات الاقتصادية الدولية وحيال الاستهلاك والتمويل، كفيل بدوره بتحصين قيمة النقود ضد التقلبات العنيفة التي تتعرض لها بفعل عوامل متعددة من أهمها المضاربة عليها. ٦- وأخيرًا فمن الآليات القوية في تحقيق استقرار القيمة الخارجية للنقود، وعدم المضاربة عليها، أو على الأقل تعقيم ما قد يحدث عليها من مضاربات؛ قيام تكتل اقتصادي إسلامي ينسق بين السياسات الاقتصادية للدول الإسلامية في الداخل والخارج. والله أعلم.

стр. 17780

ملحق في التمييز بين الصرف والتجارة في النقد في صلب البحث أشرنا إلى أن التجارة في النقد لها موقف مغاير لموقف الصرف في الإسلام، وقلنا أن الأولى مرفوضة إسلاميًّا، وقد صرح بذلك تصريحًا صريحًا العديد من الفقهاء، وإن الصرف مشروع إسلامي بشروط معينة. ونحب هنا أن نوضح بقدر الإمكان ما هنالك من تمييز بين السلوكين، وأن نتعرف على بعض جوانب الحكمة في تحريم الأولى وإباحة الثانية. تعريف الصرف: الصرف هو بيع الأثمان ببعضها. والأثمان في الاصطلاح الفقهي تعني النقود، سميت بذلك لقيامها بوظيفة الثمنية في المبادلات، ففي كل بيع نجد ثمنًا ونجد مبيعًا. والنقود هي الأثمان المطلقة في العقود، سواء كانت في مواجهة بعضها ولو من جنسها أو من غير جنسها، أو مواجهة سلع وخدمات. إنها متى ظهرت في المبادلة كانت ثمنًا على كل حال. وبعض الفقهاء يصرح في الصرف بأنه مبادلة أو بيع النقود ببعضها. يقول الإمام السرخسي: "الصرف اسم لنوع بيع وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض. والأموال ثلاثة؛ نوع منها في العقد ثمن على كل حال، وهو الدراهم والدنانير صحبها حرف الباء أو لم يصحبها، سواء كان ما يقابلها من جنسها أو من غير جنسها " (١) . فمبادلة العملة بعملة من جنسها أومن غير جنسها هو صرف في المصطلح الفقهي، ما عدا الفقه المالكي، حيث قصر هذا المصطلح على مبادلة العملة بعملة من غير صنفها، مثل الذهب بالفضة، والريال بالجنيه. أما بيع العملة بعملة من صنفها فإن كانت عددًا فيسميها مبادلة وإن كانت وزنًا فيسميها مراطلة. أهمية عملية الصرف في حياة الناس: للصرف، وخاصة بالمفهوم المالكي له، أهمية بينة في حياة الناس، وذلك من حيث تسهيل وتيسير تحصيلهم وتحقيقهم لمطالبهم ومقاصدهم، فما يتوصل إليه بالفضة وهي قليلة القيمة بالنسبة للذهب قد لا يتأتى التوصل إليه بالذهب. والصورة أكثر وضوحًا في العملات المساعدة النحاسية وغيرها. كذلك فإن الحصول على سلع وخدمات في دولة ما يستلزم بذل عملات هذه البلدة وليس غيرها. ومن ثم كان من الضروري قيام صرف أو مبادلة بين العملتين. وغير خاف أن التجارة الدولية وتحركات رؤوس الأموال الدولية تعتمد بصورة أو بأخرى على عملية الصرف بين العملات. لكن الأهمية الواضحة هذه قد تخفت أو تتلاشى عند مبادلة النقد بنقد من نفس جنسه، ذهب بذهب، أو ريال بريال، أو جنيه بجنيه. اللهم إلا إذا ظهر فضل حقيقي أو معنوي في أحدها يغري الفرد على إتمام هذه المبادلة، وإن لم يكن وراءها نفع للطرف الثاني أو للمجتمع. مشروعية الصرف: الفعل إذا حقق مطلبًا سليمًا تتطلبه حياة الناس الرشيدة لا يحظره الإسلام بل يجيزه، ويضع له من الضوابط ما يحول بينه وبين ما قد يكون له من آثار سلبية. وبالتأمل في تناول الفقهاء لمشروعية الصرف وجدنا أمرًا قد يكون جديرًا بالنظر وهو خلافهم حول: هل هو جائز بشروط أم هو ممنوع إلا بشروط؟ والفرق كبير بين هذا وذاك رغم أن المآل قد يكون واحدًا. وقد نقل بتفصيل هذا الحوار الفقهي الإمام السرخسي (المبسوط: ١٤/ ٢) . وقد يكون للموقف الأول قوته ووجاهته إذا ما نظرنا للصرف على أنه تبادل عملة بعملة مغايرة، بينما يكتسب الموقف الثاني نفس المزية إذا ما نظرنا للصرف على أنه مبادلة عملة بعملة من جنسها. حيث في الأولى – كما سبق الإشارة – توجد حاجة حقيقية، بينما في الثانية لا نكاد نجد ذلك بوضوح مع ما قد يتولد عنها من شرور. وبتجاوز هذا الخلاف الدقيق وبفرض سيرنا على أنه جائز بشروط، فإن هذه الشروط لا تختلف من فريق لفريق بل الجميع متفق عليها لوجود النص الصريح عليها في السنة الصحيحة. وهذه الشروط تنحصر في شرطين: ١- التماثل المقداري أو الكمي، وزنًا أو عددًا. وذلك إذا كانت المبادلة بين نقد ونقد من جنسه ذهب بذهب، ريال بريال. . . إلخ. لا تتفاوت في المقدار أو العدد تحت أي اعتبار حتى ولو اختلفت في الصفات بل وفي الجودة. والحديث الشريف يصرح بقوله: ((مثلاً بمثل)) ، وفي حديث آخر يحدد نوع المثلية هذه بقوله: ((وزنًا بوزن)) ، والأحاديث الشريفة يفسر بعضها بعضًا.

стр. 17781

أما إذا كانت المبادلة بين نقد ونقد مغاير سواء من حيث المادة المصنوع منها مثل الذهب والفضة والنحاس، أو من حيث بلد الإصدار مثل ريال وجنيه، فلا مجال لشرط التماثل هذا. ٢- التقابض أو الفورية المتبادلة: بمعنى أن يتم عند العقد القبض المتبادل بين الطرفين، هذا يسلم هذا ويستلم منه. فإذا لم يحدث قبض من كلا الطرفين أو من طرف منهما فسد العقد، وأصبح التعامل محرمًا. وهذا الشرط يعم كل تبادل في النقود، سواء كانت من صنف واحد أو من أصناف مختلفة. فريال بريال وريال بجنيه وذهب بذهب بفضة، وهلم جرا، لا بد في كل ذلك من التقابض المتبادل الفوري حتى يكون التعامل جائزًا. وبعبارة أخرى لا بد من ذلك وإلا كان التعامل حرامًا. كل ذلك أخذًا من النص الصحيح "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد " أو " ها وها" " الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد ". تلمس الحكمة أو بعض جوانبها من هذين الشرطين: تجدر الإشارة أولاً إلى ما لهذين الشرطين من أهمية قصوى في نظر الإسلام، ويكفي أن ندرك أن افتقاد هذين الشرطين أو أحدهما يدخل التعامل في لجة الربا، وكفى به حرمة وبشاعة. ولا شك أن هذا يضيف بعدًا جديدًا لأهمية اكتشاف الحكمة من وراء ذلك أو على الأقل بذل المحاولة الجادة. وقد يسهل من المهمة طرح هذا التساؤل ومحاولة الإجابة عليه: ما الذي يحدث للحياة الاجتماعية والاقتصادية لو تغاضينا في هذه المبادلات العملانية – إن جاز التعبير – عن هذين الشرطين أو أحدهما؟ وحتى يكون فهمنا جيدًا علينا أن نضع نصب أعيننا أننا أمام تعامل في النقود ولسنا أمام تعامل في سلعة من السلع أو خدمة من الخدمات العادية المعروفة، التعامل هنا محله النقد، هو المعقود عليه وهو في نفس الوقت المعقود به. وللنقد طبيعته وخصائصه وله مهامه ووظائفه. لو وضعنا كل ذلك أمامنا فإن ذلك يمكن أن يوصلنا إلى معرفة ما يصيب الحياة الاقتصادية والاجتماعية من جراء التغاضي عن هذين الشرطين أو أحدهما، عند ذلك تصبح النقود سلعة مثل أية سلعة في المجتمع، تقصد لعينها من بعض الأفراد والجهات ويتربح من بيعها وشرائها، وتؤجر وتستأجر، وتحتكر وتخزن، ويتلاعب في سوقها عرضًا وطلبًا للتأثير على سعرها، وتتقلب أسعارها صعودًا وهبوطًا عمدا أو بحوالة الأسواق، وكل ذلك ضد طبائع النقود، كما أنه يقضي على وظائفها التي لا غنى عنها، بل إنه يقضي على وجودها ذاته، كما قال بحق علماء الإسلام، حيث يصير كل ما في المجتمع سلعًا دون نقد. فهل يعيش المجتمع دون نقود؟ ثم لننظر أثر ذلك على الديون وتراكمها محليًّا ودوليًّا، وعلى الاقتصاد الحقيقي، وعلى العلاقات الاقتصادية الدولية، وعلى الاستقرار السعري الداخلي، وعلى التنمية الاقتصادية وما تقوم عليه من عمليات الإنتاج والتبادل؟ وعلى الاستهلاك. إن التغاضي عن هذين الشرطين أو أحدهما يفتح الباب على مصراعيه للتجارة في النقود، حيث التربح السريع والضخم، والمجال المفتوح للثراء السريع. لكنا لو تأملنا جيدًا في نطاق وطبيعة التعامل في النقود في ظل هذين الشرطين لوجدنا أن التعامل فيها عند اتحادها يكاد ينعدم نهائيًّا، حيث لن يحقق لأي طرف أية مزية أو فائدة. وبالتالي تكون التجارة فيه عبثية، كما قال بحق الإمام الغزالي: " وأما بيع الدرهم بدرهم فجائز، من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل ولا يشتغل به تاجر، فإنه عبث يجري مجرى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه. ونحن لا نخاف عى العقلاء أن يصرفوا أوقاتهم إلى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه، فلا نمنع مما لا تتشوق النفوس إليه. . " (١)

стр. 17782

ويبقى التعامل عند اختلاف نوع العملة، لكنه في نطاق الحاجة الحقيقية فقط، وفي نطاق المحافظة على طبيعة وخصائص النقود، فهو تعامل لا يقضي على النقود بل يدعم من دورها ومهامها، ففي داخله تظل النقود ثمنًا، يباع ويشترى للتوصل به إلى الحصول على السلع والخدمات لا لتحويله إلى سلعة من هذه السلع. هذا التعامل في ظل هذه الضوابط جائز واتخاذه مهنة أو تجارة جائزة، لكنها تجارة مكروهة؛ لعسر التحرز من الوقوع في الأخطاء، ولذلك قال العلماء من الأفضل الابتعاد عنها إلا للتقي الحريص على دينه، يقول الإمام الباجي: ". . يقتضي جواز المصارفة لمن لم يتخذ ذلك متجرًا، وأما من اتخذ ذلك متجرًا أو صناعة فقد كره جماعة من السلف، قال مالك، أكره للرجل أن يعمل بالصرف إلا أن يتقي الله " (١) . وليس معنى ذلك زوال هذا النشاط من دنيا الناس، إنه نشاط أساسي، لكنه لا ينبغي أن يكون مجالاً للتربح والتجارة، وإنما الأحرى أن يكون نشاطًا خدميًّا تقوم به الدولة بالدرجة الأولى. في ضوء هذا التحليل السريع المبسط يمكننا فهم مقصود علمائنا رحمهم الله تعالى من قولهم التجارة في النقد ممنوعة ومرفوعة شرعًا، إنهم لا يقصدون بذلك منع ورفض قيام شخص أو مؤسسة بمزاولة نشاط التعامل في النقد بالمواصفات الموضوعة، إن ذلك لا يدخل ضمن التجارة في النقد بالمعنى الذي يهدفون إليه، والذي ينصرف إلى ممارسة هذا النشاط في غيبة هذه الضوابط. أو بعبارة أخرى التجارة في النقد بما يحيل النقد سلعة كأي سلعة، لكن التعامل فيه بما يبقى عليه وصف النقدية والثمنية فلا يدخل في نطاق التجارة في النقد، وهذه بعض أقوالهم. يقول ابن رشد الحفيد: " إن منع التفاضل في هذه الأشياء – الأموال الربوية غير النقود – يوجب ألا يقع فيها تعامل – بيع وشراء – لكون منافعها غير مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع المختلفة. . وأما الدينار والدرهم فعلة المنع – منع التفاضل – فيها أظهر إذ كانت هذه ليس المقصود منها الربح – أي التجارة فيها على أنها سلعة – وإنما المقصود بها تقدير الأشياء التي لها منافع ضرورية " (٢) .

стр. 17783

ويقول الغزالي: " كل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير – تعامل في غيبة الشرطين أو أحدهما – فقد كفر النعمة وظلم، لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينيهما، فإذا اتجر في عينيهما فقد اتخذها مقصودًا على خلاف وضع الحكمة. . . فأما من معه نقد فلو جاز له بيعه بالنقد – التعامل فيه على أنه سلعة – فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدًا عنده وينزل منزلة المكنوز.. " (١) . ويقول ابن تيمية: " إن المقصود بالأثمان – النقود – أن تكون معيارًا للأموال، يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب، فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها دينًا في الذمة مع أنها ثمن من طرفين، فنهى الشارع أن تباع بثمن إلى أجل " (٢) . ويقول ابن القيم: " وحاجة الناس إلى ثمن – نقد – يعتبرون به المبيعات – السلع والخدمات حاجة ضرورية عامة. . إلى أن يقول: فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير – عدم التماثل – مثل أن يعطى صحاحًا ويأخذ مكسرة أو ثقالاً ويأخذ خفافًا أكثر منها لصارت متجرًا – سلعة يتاجر فيها – وجر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس" (٣) . كما يقول: " وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان – النقود – بجنسها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان " (٤) . ولهذا قال في كتاب آخر: " ويمنع المحتسب من إفساد نقود الناس وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها" (٥) وهكذا نجد الاتساق في أقوال ومواقف الفقهاء؛ إذ يقولون بجواز الصرف وبحرمة التجارة في النقد. وهذا ما ينادي به اليوم الفكر الاقتصادي الحكيم. والله أعلم. شوقي أحمد دنيا

стр. 17784

المضاربات في العملة العرض – التعقيب والمناقشة العرض الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين. في هذه الجلسة الصباحية المباركة بمشيئة الله تعالى، نتناول موضوع المضاربات في العملة والوسائل المشروعة لتجنب أضرارها الاقتصادية والتي كتب فيها بحثان سبق توزيعهما عليكم والعارض هو الأستاذ شوقي أحمد دنيا، والمقرر هو الأستاذ أحمد محيي الدين أحمد. الدكتور شوقي أحمد دنيا: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبع سنته وعمل بشريعته إلى يوم الدين. السيد الرئيس: الإخوة الكرام، الأعضاء والخبراء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قبل أن أبدأ كلمتي حدث اتفاق بيني وبين الأخ الدكتور أحمد، صاحب الورقة الثانية على أن يتولى كل منا عرض ورقته، فهل هذا مقبول يا سيادة الرئيس؟ موضوعنا الآن كما تعلمون حضراتكم (المضاربات على العملة) . والورقة المعروضة بعنوان المضاربات على العملة، ما هيتها وآثارها وسبل مواجهتها مع تعقيب من منظور إسلامي. بداية هذه الورقة المتاحة حاليا هي ورقة موجزة إلى حد كبير لعوامل متعددة، ولكن هناك ورقة أخرى أكثر تفصيلا وتبيانا لبعض القضايا التي وجدت أنها في حاجة إلى تبيان، وقد أودعت الورقة الثانية لدى إدارة الدورة. إن النقود كما تعلمون كفقهاء وكاقتصاديين نالت أهميتها القصوى لدى فقهائنا من قبل ﵏، ونالت أيضا أهمية كبيرة لدى علماء الاقتصاد، هذه قضية ينبغي أن نعيها جيدا وأن ندرك ما وراءها حيث إن الكثير من المشكلات الاقتصادية المعاصرة والتي تصل إلى حد الأزمات المدمرة والجائحة للعديد من الاقتصاديات اليوم هي في منشأها وفي أصلها لا تخرج عن خلل ما في التعامل مع النقد سواء التعامل مع النقود وعدم فهم حقيقة النقود والحكمة منها وعدم الفهم الدقيق لما وراء وظائفها وأهميتها في اقتصاديات الأمم والشعوب مما يسجل بالتقدير والإعجاب أن الإسلام قد عنى كل العناية بهذه القضية رغم أنه قد لا يبدو ذلك جليا للنظرة الأولى السريعة، لكن المتأمل والمتدبر في كل ما قيل في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة وعلى ألسنة الفقهاء في مختلف المذاهب فيما يتعلق بأحكام الصرف وأحكام البيوع المختلفة كل شيء يدخل فيه النقد سترى أن هناك موقفا قويًّا ومميزا ودقيقا للإسلام حيال النقد، للأسف الشديد هذه القضية كانت تغيب عنا أو عن بعضنا في أيامنا هذه رغم خطورتها البالغة. الاقتصاديون الوضعيون (هم الآخرون) يعترفون بأن النقود وموضوع النقود ومشكلات النقود من أعقد وأخطر القضايا والمشكلات والموضوعات والمسائل الاقتصادية وهم بدورهم (والحق يقال) وخاصة في بداية مواقفهم وفي أصولها كان موقفهم إلى حد كبير جيدا حيث شخصوا طبيعة النقد وعلاقته بالثروة وبالأموال وبالسلع والخدمات، وبينوا أن النقد في واد والسلع والخدمات الأخرى في واد آخر، ولكنهم (وبكل أسف) انقضوا في الممارسات العملية على أنفسهم وخرجوا على ما قالوه واعتبروا النقد سلعة كأي سلعة تباع وتشترى وكان ما كان. وهذا ما سبق أن حذر منه وبقوة وبوضوح عجيب علماؤنا السابقون إن رخص لهم في ذلك ركبوا العظائم، هذه كلمة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهناك كلمات لابن القيم ولابن تيمية والغزالي ولابن رشد، وغيرهم سوف نعرض لها تباعا إن شاء الله توضح لنا مدى ما كان لدى علمائنا من بصيرة ثاقبة بأهمية النقد، يكفي أن نعلم أن الربا يتمحور في الإسلام أساسا حول النقود والتعامل بها وكفى بالربا سوءة وجريمة في نظر الإسلام. الموضوع هو (المضاربة في العملات أو على العملات) موضوع المضاربة في العملات هذا موضوع شرعي يندرج تحت موضوع أوسع وأشمل وهو التعامل في العملات أو التجارة فيها. ولكي نفهم المضاربة على العملات ونتعرف على الحكم الشرعي فيها، ينبغي أن نتعرف ولو بعجلة سريعة جدًا على التجارة في العملة، وعلى التعامل فيها وعلى قيمتها، وعلى ما يعرف بسوق الصرف الأجنبي إلى آخره، وهذا ما أشارت إليه الورقة المطروحة بإيجاز شديد. فكما تعلمون للنقود أكثر من قيمة يعرفها الاقتصاديون ويعرفها الفقهاء المهتمون بهذه القضية، قيمة قانونية، وقيمة حقيقية، والقيمة الحقيقية تكلم فيها المجمع كثيرًا، وعقد لها ندوات كثيرة؛ وهي أنها ترجع إلى التضخم والكساد أو الاستقرار النقدي. . . إلى آخره، وقيمة خارجية وهذه هي موضوعنا الآن القيمة الخارجية للنقد. ما معنى القيمة الخارجية للنقد؟ لكل عملة وطنية قيمة خارجية، ما هي قيمتها الخارجية؟ قيمتها الخارجية ببساطة شديدة جدًا وبدون الدخول في تعقيدات فنية لا داعي لها ولا أهمية لها هنا هي نسبة تبادل العملة الوطنية إلى العملات الخارجية، بكم أشتري الدولار بالدينا؟ بكم نشتري الجنيه المصري بالريال السعودي؟ كأنها ثمن ومثمن، فالثمن هو العملة الوطنية والمثمن هو العملة الخارجية، أو بالعكس وكلاهما واحد، المهم أننا في سوق للعملة لتحديد قيمتها وسعرها ليس داخليًّا في مواجهة السلع والخدمات، وإنما في مواجهة العملات الأجنبية لمختلف البلدان.

стр. 17785

هذه القيمة تتحدد عادة من خلال ما يعرف بسوق الصرف الأجنبي. سوق الصرف الأجنبي سوق عجيبة الشأن. والورقة أشارت إلى بعض خصائص هذه السوق. أكبر سوق في العالم هي سوق التعامل في العملات اليوم، سوق عالمية بمعنى الكلمة مكانًا وزمانًا، ليس لها مكان معين منحصر كبقية أسواق السلع الأخرى وإنما هي منتشرة في كل بقاع العالم. إذن هي متصلة مكانيًّا. ثانيًا: هي متصلة زمنيًّا على مدار الأربع والعشرين ساعة تجد سوق النقد قائمة، إذا أغلقت في جزء من أجزائها وفي ركن من أركانها فتحت في جزء آخر، ولذلك على مدار الأربع والعشرين ساعة تجد على مستوى الكرة الأرضية سعر العملة الفلانية معروفًا ومحددًا للجميع، للقاصي وللداني. حجم التعامل فيها وصل إلى درجة رهيبة تفزع حتى الاقتصاديين، الاقتصاديون أنفسهم فزعوا من هذا الحجم، الحجم وصل في اليوم إلى أكثر من تريليون ونصف، وطبعًا هذا المبلغ رهيب، أكثر من ألف وخمسمائة مليار يوميًّا حجم التعامل في النقود لكي نعرف صورة هذا الحجم وخطورة هذا الحجم هذا يعادل حجم الناتج الإجمالي لألمانيا، ونحن نعلم اقتصاد ألمانيا وضخامته وقوته. حجم الناتج الإجمالي السنوي لألمانيا يتعامل العالم به يومًا واحدًا وليس أسبوعيًّا أو سنويًّا، وهذا يساوي أربعة أضعاف ما ينفقه العالم سنويًّا على سلعة استرايتجية خطيرة وهي البترول، سبحان الله!! هذا التعامل في النقود ما الدافع إليه؟ هذا التعامل الضخم الرهيب الذي تمارسه مؤسسات عملاقة أصبحت المؤسسات الإنتاجية اليوم بجوارها شبه أقزام، هذا التعامل الرهيب ما الدافع إليه؟ ماذا وراءه؟ هل وراءه تحركات سلع وخدمات والتقاء رؤوس أموال؟ هل وراءه مجرد التعامل النقد بالنقد؟ مما يؤسف له أن الغالبية العظمى من هذا الحجم والتي تتجاوز (٨٠ %) في بعض الإحصائيات ترجع إلى التعامل في النقد للنقد أو للمضاربة ولالتقاء رؤوس الأموال قصيرة الأجل وهي الأخرى تجري وراء المضاربة.
следующие страницы →