الشيخ مصطفى الزرقاء:
نعم هو قرض حسن يعني غير خاضع لربا، فبناء عليه هو بالنسبة للدائن يعني عديم الفائدة منه، أي بمعنى أنه ليس ناميًا بالنسبة إليه، أي فقد فيه شرط النماء وعندئذ لا يصح في نظري إيجاب الزكاة على الدائن ما دام لم يقبض الدين. وفي هذا أرى ما رآه فضيلة الأستاذ الشيخ السلامي وإن كنت أخالفه في عدم ملكية المدين للدائن فهو مملوك، للدائن ويتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، لكن هذا لا يخرج عن كونه مالًا غير نام ومفقود النماءة بالمرة بالنسبة للدائن. أما بالنسبة إلى المدين فكذلك هذا هو يستنميه ويثمره ولكن هذا أيضًا مشغول الذمة بوفائه، والقاعدة في الأموال التي تخضع للزكاة أنها يسقط منها الديون وكل ما يحتاج إليه صاحب المال في حاجته الأساسية فيما زاد عن النصاب هذا لا شك أنه أيضًا مفقود بالنسبة للمدين، هذا المعنى، لأنه مشغول الذمة بالوفاء فهو وإن كان مالكًا لهذا المال ويستثمره ولكن ذمته مشغولة بوفائه فكأنه غير موجود لأنه سوف يذهب. وإنما يستفيد المدين ثمرات هذا الدين الذي عليه لغيره، يستفيد ثمراته، وعندئذ نحن عندما نوجب على المدين أنه يطرح مبلغ الدين ويزكي بقية أمواله التي هي في طريق النماء موضوعة، فقد أدخلنا ما جناه من فوائد وثمرات من هذا الدين واستثماره إياه مدة الحول، أدخلناه في الزكاة التي تجب عليه وهذا هو العدل، فنحن نأخذ من المدين زكاة عن الثمرة التي استفادها من هذا الدين مدة بقائه في ذمته، أما أن نأخذ منه زكاة عن أصل الدين وهو مكلف بإعادته، فهذا أراه مخالفًا لمنطق الشريعة وقضية نماء المال، وفي النتيجة أرى أن الدين لا تجب زكاته على الدائن إلا بعد القبض كما تفضل الأستاذ السلامي وأما المدين فلا تجب عليه أبدًا إلا الثمرة وهذه تدخل في زكاة ما يبقى من ماله بعد طرح الدين.
الرئيس:
لا تجب عليه إلا بعد القبض، قصدي يستقبل بها أو لها اثر رجعي.
الشيخ مصطفى الزرقاء:
بعد القبض يعني من الممكن أن نقول إنه هو الأقرب أنه يزكيه بعد حولان الحول.
الرئيس:
يعني يستقبل.
الشيخ مصطفى الزرقاء:
بعد القبض إذا حال عليه الحول.
الرئيس:
يستقبل بها حولًا.
стр. 177
الشيخ مصطفى الزرقاء:
نعم، وأما ما ذكره أخونا الكريم الأستاذ الخليلي من أن الراجح في نظره وقد يكون هذا أيضًا الراجح في نظرنا أن الزكاة تتعلق بالمال لا بالذمة فإن هذا لا ينتج النتيجة التي أرادها من إيجاب الزكاة على المدين ذلك لما بينت، أن المال وإن تعلقت به الزكاة لكن هناك شرط النماء فليس مجرد وجود المال يكفي بأن تتعلق به الزكاة وإنما قضية النماء شرط أساسي بإجماع الأمة فيما أعلم. وهذا ما أراه والله أعلم.
الشيخ معروف الدواليبي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. سيدي الرئيس ملاحظتي حول زكاة الدين لا نص فيها كما استمعنا إلى السادة الأفاضل ستكون ملاحظة عامة في الحقيقة حول جميع مواطن الاجتهاد، لماذا هذه المواطن وما الحكمة فيها وما هو الواجب عنها؟ لأنه عرض من قبل بعض هذه الآراء في القضية الواحدة من علماء أجلاء ونحن اليوم أيضًا في قضية قد يطول البحث فيها وربما تأتي وسوف تأتي خاصة على المجمع مواقف كثيرة. لا أريد أن أجعل من كلمتي هذه محاضرة ولكنني أتكلم بنقاط أو كلمات برقية، أي مختصرة جدًا.. أين هي مواطن الاجتهاد وهي ما سكتت عنه النصوص سواء الكتاب أو السنة "وما كان ربك نسيًا" ولا رسول الله ﷺ يريد أن يسكت في المواطن التي يجب أن يبين فيها، وإنما كما جاء في الحديث الشريف ((ما كان ربك نسيا)) وإنما رحمة بنا، فالرحمة إذن كلما سكتت النصوص. هذا السكوت مقصود منه أن يترك فيه البيان بدأ من الرسول ﵊ فيما يتعلق بالقرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وتتمة الآية في هذا الإبداع ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لأن رسول الله ﷺ لم يبق في عهد التشريع المدني إلا عشر سنوات فيما بين أصحابه ولم يأذن الله أن يكون خالدًا ليتابع معهم الوقائع والأحداث ولكن بين لهم لنتخذ من رسول الله ﷺ قدوة أو نورًا نهتدي في الأحداث التي حدثت بعده، كيف نستفيد من مواطن الاجتهاد وهي التي سكتت عنها أولًا النصوص القرآنية بالنسبة للرسول ﵊ وهي بالنسبة إلينا فيما بعد الرسول أو سكتت عنها النصوص النبوية إلينا أيضًا فيما بعد وقد مضى على ذلك أربعة عشر قرنًا تقريبا فتركت لنا. والأساس في الحقيقة بالبيان سواء كان للرسول ﵊ أو لنا فيما ترك عن قصد من الله ومن الرسول ﵊ ما كان كما قلنا نسيًا، ولا يمكن للرسول أن يسكت في مقام الواجب فيه البيان وإنما ما سكت عنه أيضًا الرسول كما سكت عنه القرآن، أو ما جاء عامًا أو ما جاء مجملًا كما هو في القواعد الأصولية هو مواطن الاجتهاد. والشريعة في الاجتهاد مبناها مصالح العباد كما قال الأئمة أمثال ابن تيمية وابن القيم وغيرهم، أينما كانت المصلحة، فثم شرع الله وإن لم ينزل بها وحي ولا قال بها الرسول، فنحن في مثل هذه المواطن وقد سكت عنه النص في زكاة الديون، استمعنا إلى الآراء بدءًا من أجلة الصحابة وبعد ذلك من أجلة العلماء وإنني لست وحدي باسم جميع السادة العلماء الحاضرين كلنا نحمل في أنفسنا الإعظام والإجلال للصحابة ﵃ وإن اختلفت آراؤهم وللأئمة الذين تقدموا فلا أحد هنا متكلم عن هوى وإنما عن تفتيش عن البحث عن المصلحة وأذكر فقط فيما تختلف فيه الآراء أحيانًا حتى بالنسبة للرسول ﵊.
стр. 178
هناك آراء، كل منهم يهدف ويفتش عن المصلحة المشروعة فالرسول ﵊ مثلًا في قضية تشريع الأضاحي كما هو معلوم للسادة العلماء لما شرع الأضاحي ((كلوا وتصدقوا وادخروا)) فلما جاء العام الذي بعده في ظروف لم ينتبه الناس فقال: ((كلوا وتصدقوا ولا تدخروا)) فلما جاء العام الثالث فظن المسلمون وهذا من البيان الذي نستفيد منه من الرسول ﷺ أكلوا وتصدقوا، والأيام كانت حارة وفاض من اللحوم، فتجمعوا كما تعلمون في المسجد النبوي وتعالت أصواتهم اللحم كاد يفسد، ولقد نهانا رسول الله في العام الماضي وقال ((كلوا وتصدقوا وادخروا)) فما نصنع؟ فسمع الرسول ﷺ من الحجرة النبوية فخرج إليهم وقال: ويحكم إنما نهيتكم في العام الماضي، أما الآن فقد وسع الله ((فكلوا وتصدقوا وادخروا)) إذن في مثل هذه النصوص بأجمعها إن كانت مجملة أو عامة أو سكت عنه الرسول، أنا أتمنى على المجلس الكريم لأنها ستعرض لنا في كثير من المواقف، مواقف الإفتاء، لا أرى في مثل هذه القضية أن نبحث لأن نقول بالرأي الراجح وإنما نوصي بمبدأ الأصول في مثل هذه المواطن التي أذن العلماء أن يجتهدوا أن يتركوها مفتوحة لنظر المفتي بالنسبة لكل حادث كما حدث للرسول ﷺ في قضية التشريع، اختلف ما بين سنة وأخرى المصلحة ولذلك اختلف القول ولم يكن القول الأخير ناسخًا فكذلك لو كان مثلًا عبد الرحمن بن عوف ﵁ هو الدائن المعروف بثروته، أنا لا أقول له إنك لا تزكي عن المال الدائن، عن المال الذي أنت أخرجته في ملكك وأذنته فلا أميل في مثل هذا الموقف، لا أقول لمثل عبد الرحمن ابن عوف وليس فيه عليه حرج مثلًا ولكن ادفع زكاة دينك، الدين الذي عند الآخرين لأنه لا يخرجه وهو أنفع للفقراء وقد اتخذ في موقف آخر، بالنسبة للدائن لو كان دينه بسيطًا ومضى عليه أربع سنوات مثلًا كان مائة ريال في كل سنة والدائن ليس مماطلًا ولكنه في كل سنة أوجب عليه أن يدفع ٢.٥ % وإذا طالب هذا الرجل الذي لا يملك إلا مثلًا مائة ريال أو ألف ريال كل على حسبه، أن ألزمه بجميع السنوات، فأنا نفسي أجد وأشعر أن عندما يكون الرجل في راحة وفي استطاعة وضربت مثلًا عن عبد الرحمن بن عوف المعروف بغناه فيما بعد فأقول بإلزامه بإخراج زكاة الدين، ولكن في حالة أخرى لا أتبنى هذا الموقف أنظر إلى مصلحة الدائن والمدين. وشكرًا.
الرئيس:
شكرًا، الشيخ مختار وأرجو الإيجاز لأنها آخر المطاف.
стр. 179
الشيخ المختار السلامي:
شكرًا سيادة الرئيس.. وأنا دائمًا وأبدًا أوجز، ولكني في هذه الحالة لا بد من أن ولا أستطيع الإيجاز الكامل إذ إنما سأفتتح كلمتي هذه بشيء من الأدب ولا بد منه، فقد كان المعز باديس في عاصمة القيروان وقد طاف حول المدينة الأعراب الذين قدموا من كل مكان وانهزم جيشه، فوقف أمامه شاعره وقال به:
تنبه لا يخامرك اضطراب *** فقد خضعت لعزتك الرقاب ...
فأمر بقصيدته أن تمزق وأن يطرد شاعره الأثير عنده عادة، لأن كلمة: تنبه، رأى فيها سوء أدب وقال له: متى تعودت مني الغفلة حتى تقول لي: تنبه، وفي هذا المقام ما قبلت أبدًا أن يقول لي أحد زملائي لأني أحترمهم جميعًا، أريد أن أنبه فلانًا، لأني أعتقد أننى قد انتبهت لكل ما قيل وانتبهت لما قلت، إذ جاء في كلمة الأستاذ صديقي وعزيز أن ما انضاف من الأموال الحكم فيه أنه يأخذ حول الأصل. قلت بالنسبة لمذهب مالك أن هذا ليس صحيحًا ولكن في مذهب مالك كل مال له حوله متى قبض، فلا حاجة لي بأن ينبهني شخص لوجود خلاف في مذاهب أخرى إذ أنني قلته من أول الأمر. هذه واحدة.
الأمر الثاني، لما تحدثت عن الملك الناقص لما قلت: ملكًا ناقصًا بالنسبة لرب الدين فأنا أعي ما أقول، لأن رب الدين عندما يدفع دينه لغيره فأصبح تصرفه في ملكه تصرفًا ناقصًا، إذ أنه لا يجوز بيع الدين ويدخله في كثير من الأحكام فملكه ملك منقوص.. وأيضًا لا يستطيع أن يستثمره إذ هو عند غيره، فلما قلت كلمة ملكًا ناقصًا لم أنف الملكية ولكني قلت إنها ليست ملكية لها الحقوق الكاملة للملك إذ نقص بعضها وبقي بعضها وإلا كان ذلك بيعًا لوانتفى الملك. هذا هو أمر الدين وهو نفس ما أقوله لفضيلة الأستاذ شيخنا الشيخ الزرقاء هذا ما أريد أن أقوله من كلمتي إنه ملك غير تام. وشكرًا.
стр. 180
الرئيس:
شكرًا.. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد،
فإنه من خلال البحوث المعدة ومن خلال هذه المناقشات المباركة الميمونة والمداولات يتضح أمامنا أمور:
الأمر الأول: أن هذه المسألة ليس فيها نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
الأمر الثاني: لهذا اتسعت فيها دائرة الخلاف بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم رضي الله تعالى عن الجميع.
الأمر الثالث: أن خلاصة النقاش تنحصر تقريبًا في تحقيق المناط، هل القدرة على التحصيل كالمحصول عليه أو لا؟ فتحقيق المناط في مسألة الديون هل القدرة على التحصيل كالمحصول عليه أولًا.
ولهذا فإن أهل العلم معللين في حال الضمار وفي حال الملاءة، مفرقين بين حال الضمار وبين حال الملاءة وحال الضمار هي كما في موطأ الإمام مالك ﵀، أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه كتب في كتاب له لما سئل عن الدين إن أدى زكاته لما مضى من السنين ثم رجع وقال: أدى زكاته لسنة واحدة، قال مالك: وذلك لأن الدين كان ضمارًا. والدين الضمار هو لدين الغالب الذي ليس على مليء. إذن تحقيق المناط في مسألة الضمار وفي مسألة الملاءة هي فلكة المغزل في هذه المسألة الفقهية المطروحة بين أيديكم. وقد علم يقينًا أن عددًا من المحققين ليس لهم اختيار في هذه المسألة، ومن المحققين المعاصرين الذين بحثوا هذه المسألة باستفاضة وجمعوا ما ورد فيها من النصوص انسحبوا منها ولم يفصحوا عن رأيهم وأذكر على سبيل المثال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان رحمه الله تعالى فإنه بحث هذه المسألة في الجزء الثاني من أضواء البيان بحثًا عليمًا دقيقًا مستفيضًا لكن لم يصرح له فيها برأي لأن المسألة ليست ذات نص من كتاب أو سنة أو إجماع مع الخلاف في تحقيق المناط في هذه القضية.
ومن هنا فإن أنظاركم أصحاب الفضيلة التي جرى سماعها في هذا الموضوع اختلف التقييد لدى من رأى إلى آخر في الإطلاق والتقييد ولهذا فإنني أرجو من حضراتكم الكريمة قبول الاقتراح الآتي:
أن يتفضل كل عضو بأن يقدم الرأي فقط مختصرًا مكتوبًا إلى الأمانة، والأمانة نجتمع وإياها ونأخذ هذه الآراء ونعرضها ملخصة مع بيان من قال باتجاه إلى أي من هذه الأقوال وبعد هذا يمكننا البت في هذه المسألة بإذن الله تعالى والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 181
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم ١
بشأن زكاة الديون
أما بعد:
فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١٠ – ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ/ ٢٢- ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥م.
بعد أن نظر في الدراسات المعروضة حول "زكاة الديون" وبعد المناقشة المستفيضة التي تناولت الموضوع من جوانبه المختلفة تبين:
١- أنه لم يرد نص من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ يفصل زكاة الديون.
٢- أنه قد تعدد ما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم من وجهات نظر في طريقة إخراج زكاة الديون.
٣- أنه قد اختلفت المذاهب الإسلامية بناء على ذلك اختلافًا بينًا.
٤- أن الخلاف قد انبنى على الاختلاف في قاعدة هل يعطي المال الممكن من الحصول عليه صفة الحاصل؟
وبناء على ذلك قرر:
١- أنه تجب زكاة الدين على رب الدين عن كل سنة إذا كان المدين مليئًا باذلًا.
٢- أنه تجب الزكاة على رب الدين بعد دوران الحول من يوم القبض إذا كان المدين معسرًا أو مماطلًا.
стр. 182
زكاة المستغلات العمارات والمصانع ونحوها
فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي
يشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث:
الأول: في زكاة "المستغلات" بين المضيقين الموسعين؟
الثاني: كيف تزكى هذه الأشياء؟
الثالث: كيف يحسب النصاب فيها؟
المبحث الأول
زكاة المستغلات بين المضيقين والموسعين
المستغلات: هي الأموال التي لا تجب الزكاة في عينها، ولم تتخذ للتجارة ولكنها تتخذ للنماء، فتغل لأصحابها فائدة وكسبًا بواسطة تأجير عينها، أو بيع ما يحصل من إنتاجها.
فما يؤجر: مثل الدور والدواب التي تكون بأجرة معينة، ومثل ذلك الحلي الذي يكرى وغيره. وفي عصرنا يتمثل في العمارات ووسائل النقل وغيرها.
وما ينتج ويباع نتاجه: مثل البقر والغنم غير السائمة التي تتخذ للكسب فيها، ببيع لبنها أو صوفها أو تسمينها أو غير ذلك. وأهم منها الآن المصانع التي تنتج ويباع إنتاجها في الأسواق.
وقد اخترنا في الفصل السادس أن تقاس المنتجات الحيوانية على العسل، ويؤخذ منها العشر من الصافي، لأنها متولدة من حيوان لا تجب الزكاة في أصله. ولهذا أرى أن تستثنى من المستغلات التي نذكرها في هذا الفصل، وإن أدخلها بعض الفقهاء فيه.
стр. 183
والفرق بين ما يتخذ من المال للاستغلال وما يتخذ للتجارة: أن ما اتخذ للتجارة يحصل الربح فيه عن طريق تحول عينه من يد إلى يد. وأما ما اتخذ للاستغلال فتبقى عينه، وتتجدد منفعته.
وعلى كل حال، فإن معرفة الحكم في المستغلات أمر مهم. وخاصة في عصرنا، بعد أن تعددت أنواع المال النامي فيه تعددًا واضحًا، فلم يعد مقصورًا على الماشية والنقود وسلع التجارة والأرض الزراعية.
فمن الأموال النامية في عصرنا: العمارات التي تعد للكراء والاستغلال، والمصانع التي تعد للإنتاج، والسيارات والطائرات والسفن التي تنقل الركاب والبضائع والأمتعة، غير ذك من رؤوس الأموال الثابتة أو شبه الثابتة، وبعبارة أدق: رؤوس الأموال المغلة النامية غير المتداولة التي تدر دخلًا وفيرًا على أصحابها، فماذا تقول شريعة الإسلام وفقهاؤها في زكاة هذه الأشياء؟
إن الجواب عن هذا السؤال يختلف باختلاف وجهة المضيقين والموسعين في إيجاب الزكاة.
وجهة المضيقين في إيجاب الزكاة:
أما الذين يميلون إلى التضييق في الأموال التي تجب فيها الزكاة، فيقولون:
١- إن الرسول ﷺ حدد الأموال التي تجب فيها الزكاة، فلم يجعل منها ما يستغل أو ما يكرى من العقارات والدواب والآلات ونحوها، والأصل براءة الناس من التزام التكاليف، ولا يجوز الخروج عن هذا الأصل، إلا بنص صريح عن الله ورسوله، ولم يوجد في مسألتنا.
стр. 184
٢- يؤيد هذا: أن فقهاء المسلمين في مختلف الأعصار، وشتى الأقطار، لم يقولوا بوجوب الزكاة في هذه الأشياء، ولو قالوا به لنقل عنهم.
٣- أنهم نصوا على ما يخالف ذلك فقالوا: لا زكاة في دور السكنى، ولا أدوات المحترفين، ولا دواب الركوب، ولا أثاث المنازل ونحوها. وإذن يكون الحكم عندهم: أن لا زكاة في المصانع وإن عظم إنتاجها، ولا في تلك العمارات، وإن شهق بنيانها، ولا في تلك السيارات والطائرات والسفن التجارية، وإن ضخم إيرادها.
فإذا قبض من إيرادها شيء، وبقي حتى حال الحول، ففيه زكاة النقود: بشروطها المدونة. وإن لم يبق إلى الحول نصاب أو ما يكمل نصابًا فلا شيء عليه.
والتضييق في أموال الزكاة مذهب قديم، عرف به بعض السلف، وتبناه ودافع عنه الفقيه الظاهري ابن حزم، وأيده في الأعصر الأخيرة الشوكاني، وصديق حسن خان، حتى قالوا: لا زكاة في عروض التجارة، ولا في الفواكه والخضروات ونحوها.
ومن أوضح العبارات في ذلك ما قاله صاحب "الروضة الندية" ردًا على ما قال: في المستغلات –كالدور والعقار والدواب ونحوها- بمجرد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها، مما لم يسمع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون، ثم الذين يلونهم، فضلًا عن أن يسمع فيه بدليل من كتاب أو سنة. (١)
وجهة الموسعين في إيجاب الزكاة:
وأما المتوسعون في الأموال التي تجب فيها الزكاة فيقررون وجوبها في الأشياء المذكورة من مصانع وعمارات ونحوها، وهذا هو رأي بعض المالكية والحنابلة –وإن يكن غير مشهور- ورأي الهادوية من الزيدية. كما هو رأي بعض العلماء المعاصرين، أمثال أساتذتنا الأجلاء: أبي زهرة وخلاف وعبد الرحمن حسن. كما سنبين ذلك في المبحث القادم. وهذا التوسع هو الذي أرجحه استنادًا إلى الأمور الآتية:
١- أن الله أوجب في كل مال حقًا معلومًا، أو زكاة، أو صدقة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقوله ﷺ : ((أدوا زكاة أموالكم)) من غير فصل بين مال ومال.
وقد رد ابن العربي على الظاهرية الذي نفوا وجوب الزكاة في عروض التجارة، لعدم ورود حديث صحيح فيها، فقال: قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ عام في كل مال على اختلاف أصنافه، وتباين أسمائه واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه في شيء فعليه الدليل. (٢)
٢- أن علة وجوب الزكاة في المال معقولة، وهي النماء كما نص الفقهاء الذين يعللون الأحكام، ويعملون بالقياس، وهم كافة فقهاء الأمة ما عدا حفنة قليلة من الظاهرية والمعتزلة والشيعة. ومن هنا لم تجب الزكاة في دور السكنى، وثياب البذلة، وحلي الجواهر، وآلات الحرفة، وخيل الجهاد بالإجماع وكان القول الصحيح سقوط الزكاة عن العوامل من الإبل والبقر، وعن حلي النساء المستعملة المعتادة، وعن كل مال لا ينمى بطبيعتة أو بعمل الإنسان.
وإذا كان النماء هو العلة في وجوب الزكاة، فإن الحكم يدور معه وجودًا وعدمًا، فحيث تحقق النماء في مال وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا.
٣- أن حكمة تشريع الزكاة –وهي التزكية والتطهير لأرباب المال، أنفسهم والمواساة لذوي الحاجة، والإسهام في حماية دين الإسلام، ودولته ونشر دعوته –تجعل إيجاب الزكاة هو الأولى والأحوط لأرباب المال أنفسهم، حتى يتزكوا ويتطهروا، وللفقراء والمحتاجين، حتى يستغنوا ويتحرروا، وللإسلام دينًا ودولة، حتى تقوى شوكته، وتعلو كلمته.
وقد قال الكاساني في دلالة العقل على فرضية العشر فيما خرج من الأرض:
إن إخراج العشر إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس من الشح ومن الذنوب، وتزكيتها بالبذل والإنفاق، وكل ذلك لازم عقلًا وشرعًا. اهـ.
فهل يكون شكر النعمة، ومساعدة العاجز، وتطهير النفس وتزكيتها بالبذل، لازمًا عقلًا وشرعًا لصاحب الزرع والثمر، غير لازم لصاحب المصنع والعمارة والسفينة والطائرة ونحوها، مما يدر من الدخل أكثر مما تدره أرض الذرة والشعير بأضعاف مضاعفة، ويجهد أقل من جهدها؟
стр. 185
الرد على أدلة المضيقين:
أما قولهم: لا زكاة إلا فيما أخذ منه النبي ﷺ الزكاة؛ فنقول:
إن عدم نص النبي ﷺ على أخذ الزكاة من مال لا يدل على عدم وجوب الزكاة فيه، فإنما نص النبي ﷺ على الأموال النامية التي كانت منتشرة في المجتمع العربي في عصره، كالإبل والبقر والغنم من الحيوانات، والقمح والشعير والتمر والزبيب من الزروع والثمار، والدراهم الفضية من النقود.
ومع هذا أوجب المسلمون الزكاة في أموال أخرى لم يجئ بها نص، قياسًا على تلك الأموال، أو عملًا بعموم النصوص، وتطبيقًا لما قرر من حكمة فرض الزكاة.
(أ) من ذلك ما قاله الإمام الشافعي في الرسالة عند زكاة الذهب، قال: وفرض رسول الله ﷺ في الورق و (النقود الفضية) صدقة، وأخذ المسلمون في الذهب بعده صدقة: إما بخبر من النبي ﷺ لم يبلغنا وإما قياسًا على أن الذهب نقد الناس الذي اكتنزوه، وأجازوه أثمانًا على ما تبايعوا به في البلدان، قبل الإسلام وبعده. اهـ. (١)
واحتمال وجود خبر نبوي لم يبلغ الشافعي في عصره –مع حاجة الناس إلى تناقل هذا الخبر- احتمال ضعيف، فالعمدة هو القياس، وبهذا جزم القاضي الفقيه أبو بكر ابن العربي، فذكر في شرح الترمذي، في بيان الحكمة من ذكر النبي ﷺ الفضة، ونصابها ومقدار الواجب فيها، وترك ذكر الذهب، قال: "إن تجارتهم إنما كانت في الفضة خاصة، معظمها، فوقع التنصيص على المعظم ليدل على الباقي، لأن كلهم أفهم خلق الله وأعلمهم، وكانوا أفهم أمة وأعلمها، فلما جاء الحمير الذين يطلبون النص في كل صغير وكبير، طمس الله باب الهدى، وخرجوا عن زمرة من استن بالسلف واهتدى" (٢) وهو يعني بكلمته الأخيرة العنيفة الظاهريين الذين ينفون القياس، ولا يلتفتون إلى العلل.
(ب) ومن ذلك أنه لم يرد نص صحيح صريح بوجوب الزكاة في العروض التجارية، ومع هذا نقل ابن المنذر الإجماع على وجوبها، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية الذين تعلقوا بشبهات واهية فندناها في موضعها.
(جـ) ومن ذلك أن عمر أمر بأخذ الزكاة من الخيل، لما تبين له أن فيها ما تبلغ قيمته مبلغًا عظيمًا من المال، وتبعه في ذلك أبو حنيفة؛ ما دامت سائمة، واتخذت للنماء والاستيلاد.
(د) أن أحمد أوجب الزكاة في العسل، لما ورد فيه من الأثر، وقياسًا على الزرع والثمر، وأوجب الزكاة في كل معدن، قياسًا على الذهب والفضة، ولعموم آية ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ .
(هـ) أن الزهري والحسن وأبا يوسف أوجبوا فيما يستخرج من البحر من لؤلؤ وعنبر ونحوهما الخمس، قياسًا على الركاز والمعدن.
(و) أن كل مذهب من المذاهب المتبوعة أدخل القياس في الزكاة في أحكام عدة، كقياس الشافعية غالب قوت البلد، أو غالب قوت الشخص على ما جاء به الحديث في زكاة الفطر، من التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير، وكقياسهم كل ما يقتات على الأقوات الأربعة المذكورة، التي جاء بها النص في عشر الزرع والثمر.
٢- وأما قولهم: إن فقهاء الإسلام في جميع أعصاره وأمصاره لم ينقل عنهم القول بذلك –فلأن بعض هذه الأموال النامية لم ينتشر في عصرهم انتشارًا تعم به البلوى، ويدفع الفقيه إلى الاجتهاد والاستنباط، وبعضها لم يكن موجودًا قط، بل هو من مستحدثات الأزمنة الأخيرة.
стр. 186
ومع هذا وجد من أقوال الفقهاء ما يدل على وجوب الزكاة في هذه الأشياء أو في غلتها وفوائدها. كما سنذكر بعد.
٣- وأما نص الفقهاء على إعفاء الدور والآلات ونحوها من الزكاة؛ فهو عين الصواب –ولكن هذه الأشياء التي أخرجها علماؤنا من وعاء الزكاة غير ما نحن فيه، فدور السكنى غير العمارات الاستغلالية، وآلات المحترف كالقدوم والمنشار ونحوهما؛ غير الماكينات والأجهزة التي تنتج وتعمل وتدر ربحًا ودخلًا، والتي غير ظهورها وجه الحياة في العالم كله. ولهذا أطلق عليه المؤرخون اسم "الانقلاب الصناعي" ودواب الركوب غير هذه السيارات والطائرات والجواري المنشآت في البحر كالأعلام، وأثاث المنازل غير محلات "الفراشة" التي تؤجر أثاثها ومقاعدها ومعداتها للناس- فما أخطأ علماؤنا حين قرروا أن لا زكاة فيما ذكروا من الأشياء، بل طبقوا بدقة ما اشترطوه لوجوب الزكاة؛ أن يكون المال ناميًا، فاضلًا عن الحاجة الأصلية لصاحبه، ولهذا علل صاحب "الهداية" الحكم بعدم الزكاة في الأشياء المذكورة بقوله: لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أيضًا. (١)
ووضح ذلك صاحب "العناية" فقال: يعني أن الشغل بالحاجة الأصلية وعدم النماء؛ كل منهما مانع من وجوبها، وقد اجتمعا ههنا: أما كونها مشغولة بها فلأنه لا بد له من دار يسكنها، وثياب يلبسها.. الخ- وأما عدم النماء فلأنه إما خلقي كما في الذهب والفضة، وإما بإعداد للتجارة، وليسا موجودين ههنا. (٢)
وعلى هذا اتفق الفقهاء: أن لا زكاة في دار اتخذها صاحبها للسكنى، وهذا من العدل والتيسير الذي جاء به الإسلام، وإن كنا نرى كثيرًا من قوانين الضرائب في الدول المعاصرة تعمد إلى أخذ ضريبة على العقار، ولو كان سكنًا لصاحبه، وقليل منها –مثل التشريع الأمريكي- هو الذي نص على إعفاء مالك المبنى من الضريبة إذا كان يتخذه لسكناه.
هذا إلى أن تعليل فقهائنا لعدم وجوب الزكاة في الدور والثياب وآلات الحرفة ونحوها بأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وبأنها غير نامية، يدل –بمفهوم المخالفة- أن ما اتخذ منها للنماء ولغير الاستعمال في الحاجة الأصيلة يصبح صالحًا لوجوب الزكاة.
стр. 187
المبحث الثاني
كيف تزكي العمارات والمصانع ونحوها
الأموال النامية التي أوجب فيها الإسلام الزكاة نوعان:
الأول: نوع تؤخذ الزكاة من أصله ونمائه معًا، أي من رأس المال وغلته، عند كل حول، كما في زكاة الماشية وعروض التجارة، وهذا لتمام الصلة بين الأصل وفوائده وغلاته، ومقدار الزكاة هنا هو ربع العشر، أي ٢.٥ %.
الثاني: نوع تؤخذ الزكاة من غلته وإيراده فقط، بمجرد الحصول على الغلة دون انتظار حول، سواء أكان رأس المال ثابتًا كالأرض الزراعية، أو غير ثابت كنحل العسل. ومقدار الزكاة هنا هو العشر أو نصفه أي ١٠ % أو ٥ %.
فعلى أي أساس تعامل هذه الأموال النامية الجديدة؟ وكيف تأخذ منها الزكاة؟ أنأخذ الزكاة من رأس المال وما بقي من غلته كما في أموال التجارة! أم نأخذ من غلته وإيراده فقط كما في الحبوب والثمار والعسل؟
стр. 188
اتجاهان قديمان في زكاة الدور المؤجرة ونحوها من المستغلات:
ولعل كثيرًا من المتصلين بالفقه ولا يغوصون في أعماقه يظنون أن الدور التي تكرى للناس بأجر، ونحوه مما يدر في كل عام أو في كل شهر مالًا وإيرادًا متجددًا؛ لم ينص أحد من الفقهاء على حكم في زكاته؛ لأنها لم تكن مما عمت به البلوى، وانتشر بين الناس، واحتاجوا فيه إلى حكم حاسم.
وهذا التعليل حق، ولكن وجدنا رغم ذلك من فقهائنا من يقول بتزكيتها، وإن اختلفوا في معاملتها والنظر إليها: أتعامل معاملة رأس المال التجاري، فتقوم كل حول، وتؤخذ الزكاة منها ربع عشر قيمتها؟ أم يغض النظر عن قيمتها وتؤخذ الزكاة من غلتها وإيرادها إذا بلغ نصابًا مستوفيًا لشروط الزكاة؟
الاتجاه الأول: أن تقوم وتزكى زكاة التجارة:
هذا الرأي يعامل مالك العمارة الاستغلالية، والطائرة والسفينة التجاريتين ونحوها معاملة مال السلع التجارية، فتثمن العمارة كل عام، مضافًا إليها ما بقي معه من إيرادها، ويخرج عن ذلك كله ٢.٥ % ككل عروض التجارة.
وقد وجد في فقهاء السنة وفي فقهاء الشيعة من ذهب هذا المذهب.
رأي ابن عقيل الحنبلي:
ففي فقه أهل السنة وجدت هذا الرأي للفقيه الحنبلي أبي الوفاء ابن عقيل –وهو عالم قوي الذهن ناضج الفكر خصب الاستنتاج- وقد نقل عنه هذا الرأي المحقق ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد" نقل الموافق المقر- قال ابن عقيل مخرجًا ما روي عن الإمام أحمد في تزكيته حلى الكراء: يخرج من رواية إيجاب الزكاة من حلى الكراء والمواشط؛ أن تجب في العقار المعد للكراء، وكل سلعة تؤجر وتعد للإجارة.
قال: "وإنما خرجت ذلك على الحلي؛ لأنه قد ثبت من أصلنا أن الحلي لا تجب فيه الزكاة، فإذا أعد للكراء وجبت. فإذا ثبت أن الإعداد للكراء أنشأ إيجاب الزكاة في شيء لا تجب فيه الزكاة كان في جميع العروض التي لا تجب فيها لزكاة ينشئ إيجاب الزكاة.
"يوضحه أن الذهب والفضة عينان تجب الزكاة بجنسهما وعينهما، ثم إن الصياغة والإعداد للباس والزينة والانتفاع؛ غلبت على إسقاط الزكاة في عينه، ثم جاء الإعداد للكراء فغلب على الاستعمال، وأنشأ إيجاب الزكاة؛ فصار أقوى مما قوى على إسقاط الزكاة، فأولى أن يوجب الزكاة في العقار والأواني والحيوان التي لا زكاة في جنسها" (١)
هذا ما ذكره ابن عقيل وأقره ابن القيم تخريجًا على مذهب أحمد.
ونحن نقول: إن ما ذهب إليه الإمام أحمد من إسقاط الزكاة عن الذهب والفضة إذا استعملا في حلي مباح، ومن إيجابها في الحلي إذا أعد للكراء؛ مذهب قوى، يستند إلى أصل هام في باب الزكاة وهو: أن لا زكاة في مال غير نام أو مشغول بالحاجة الأصلية، وإنما الزكاة في المال النامي، وهو الذي يدر على صاحبه كسبًا ودخلًا.
стр. 189
والحلي المباح المستعمل للزينة واللبس مال غير نام، ومشغول بحاجة صاحبته، فإذا أعده للكراء فقد خرج عن ذلك إلى حيز النماء، وأصبح صالحًا للدخول في وعاء الزكاة".
وهو قول لمالك أيضًا كما ذكر ابن رشد. (١)
وإذا طبقنا هذا على العقارات والأثاث والسيارات والسفن والطائرات والماكينات والأجهزة الصناعية المختلفة، اتضح لنا هذا الحكم: أن لا زكاة فيها إذا كانت للاستعمال الشخصي، فإذا أعدت للكراء، وغدا من شأنها أن تجلب نماء وربحًا؛ فقد غدت صالحة لوجوب الزكاة، وزكاتها في هذه الحال كزكاة عروض التجارة نصابًا ومقدارًا.
ومعنى هذا أن مالك العمارة أو "الأوتوبيس" أو الطائرة أو الفندق أو محل "الفراشة" (٢) أو أي سلعة تؤجر وتعد للإجارة –كما قال ابن عقيل - عليه- فردًا كان أو شركة- أن يقوم عقاراته أو سياراته (التاكسي) ، فإذا عرف قيمتها ضم إليها ما لديه من رأس المال النقدي، وما له من ديون مرجوة، كما يصنع التاجر في رأس ماله، ثم يخرج ربع عشرها زكاة.
ولا يقال: إن هذه الأشياء رأس مال ثابت، فيجب أن يعفى من الزكاة، كما يعفى الأثاث الثابت في حوانيت التجارة؛ لأنا نقول: إن هذه الأشياء الثابتة هنا هي نفسها رأس المال النامي المغل الذي به تجلب المكاسب والأرباح، وإنما يعفى ما لم يكن مقصودًا للكسب من ورائه، كالأرض والمباني التي توضع فيها الماكينات الصناعية، لأن الماكينات هي المقصودة، بخلاف الأرض والمباني في العمارة والفندق والسينما ونحوها، فإن المبنى نفسه هو الذي يجلب الفائدة والمال.
стр. 190
مذهب الهادوية في المستغلات:
وفي فقه الشيعة وجدت صاحب "البحر الزخار" وهو سجل جامع لمذاهب علماء الأمصار أهل سنة وشيعة –قد نقل عن الهادوية من الشيعة الزيدية؛ أنهم ذهبوا إلى إيجاب الزكاة في المستغل من كل شيء لأجل الاستغلال، لعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولأنه مال قصد به النماء في التصرف فكان كمال التجارة فيزكيه إذا بلغت قيمته نصابًا. (١)
ثم رجعت إلى "متن الأزهار" وشرحه وحواشيه، في فقه الزيدية، فوجدته يتبنى مذهب الإمام الهادي في "المستغلات" ويعنون بها: كل ما تجددت منفعته، مع بقاء عينه. فلا تجب الزكاة عندهم في الخيل والبغال والحمير والدور والضياع ونحوها، إلا أن يكون شيء منها لتجارة أو استغلال.
فكل ما يؤجر من حلية أو دار أو دابة أو غيرها إذا بلغت قيمته نصابًا من النقود طرفي الحول، تجب تزكيته زكاة التجارة.
ذكروا عن الهادي: أن من اشترى فرسًا لبيع نتاجها متى حصل، فإنه يلزمه الزكاة في قيمتها وقيمة أولادها، قال المؤيد بالله وأبو العباس وأبو طالب: ووجهه أنها تصير للتجارة هي وأولادها.
قال المؤيد بالله: وكذلك من اشترى دود القز ليبيع ما يحصل منها.
стр. 191
قال الحقيني: وكذلك من اشترى الشجرة ليبيع ما يحصل منها من الثمار
وقيل: وكذا من اشترى بقرة ليبيع ما يحصل منها من السمن واللبن، أو شاة ليبيع ما يحصل من الصوف والسمن والأولاد. (١)
ودليل هذا المذهب ذكره في "البحر" وهو أمران:
١- عموم النصوص التي أوجبت الزكاة في الأموال مطلقًا، دون فصل بين مال ومال.
٢- قياس المال المستغل على المال المتجر فيه، فكلاهما مال قصد به النماء، ولا فرق بين المعارضة في الأعيان والمعارضة في المنافع.
اعتراضات المانعين:
وقد اعترض على هذا الرأي بعض الفقهاء الذين يميلون إلى التضييق في إيجاب الزكاة، مثل الإمام الشوكاني في (الدرر البهية) وشارحها صديق حسن خان في (الروضة الندية) .
ولا يبعد ممن يقول: ليس في الخضروات ولا في البقول ولا في أموال التجارة زكاة –وهذا رأي الشوكاني وصديق- أن يقول: ليس من المستغلات كالدور والدواب التي يكريها مالكها زكاة.
وجملة ما احتج به في الروضة يرجع إلى شعبتين: إحداهما تتعلق بالمنقول من الخبر، والثانية تتصل بالمعقول من النظر.
(أ) فأما الخبر فحديث ((ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة)) وهو يصرح بنفي الصدقة عن فرس المسلم نفيًا عامًا، وهذا النفي يشمل حالة استغلاله بالتجارة أو بالكراء.
وأما الشبهة الأخرى فهي أن إيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق –كالدور والعقار والدواب ونحوها- بمجرد تأجيرها بأجرة بدون تجارة في أعيانها، مما لم يسمع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فضلًا عن أن يسمع فيه بدليل من كتاب أو سنة.
стр. 192
وقد كانوا يستأجرون ويؤجرون، ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابهم ولم يخطر ببال أحدهم أن يخرج في رأس الحول ربع عشر داره أو عقاره أو دوابه، وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاق، حتى كان آخر القرن الثالث، من أهل المائة الثالثة؛ فقال بذلك من قال بدون دليل إلا مجرد القياس على أموال التجارة، وقد عرفت الكلام في الأصل –يعني زكاة التجارة- فيكف يقوم الظل والعود أعوج؟ مع أن هذا القياس في نفسه مختلف بوجوه، منها: وجود الفارق بين الأصل والفرع، فإن الانتفاع بالمنفعة ليس كالانتفاع بالعين. (١)
وخلاصة هذه الشبهة: أن الأصل براءة الناس من التكاليف، ولم يوجد دليل يوجب الزكاة في هذه المستغلات، حتى إن أحدًا من السلف لم ينقل عنه القول بزكاتها، فضلًا عن نص من آية أو حديث.
أما القياس على أموال التجارة وزكاتها؛ فعلى فرض التسليم بثبوت الزكاة فيها، فقد اختل القياس بوجود الفارق وهو: أن أموال التجارة وسلعها ينتفع بعينها، فتنتقل العين من يد إلى يد بالبيع والشراء، بخلاف هذه الأشياء، فإنها باقية، وإنما يستفاد من منفعتها فحسب.
стр. 193
تعقيب وترجيح:
أما حديث ((ليس على المسلم في عبده أو فرسه صدقة)) فالذي اخترناه أن نفي الصدقة فيهما إنما كان لأنهما من حوائجه الأصلية؛ فالعبد يخدمه، والفرس مركبه وعدته للجهاد، ومن ثم أو جب جمهور الفقهاء منذ الصدر الأول إخراج الزكاة عن العبد والفرس إذا كانا للتجارة، بل نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ولم يقف ظاهرًا هذا الحديث دون ما فهموه وأفتوا به.
وأما عدم النقل عن الصدر الأول ما يفيد إيجاب الزكاة في هذه الأشياء؛ فإنما كان لعدم شيوع الكراء والاستغلال فيها بحيث تعم به البلوى –على حد تعبير الفقهاء- ويظهر الحكم، ويتناقله الرواة، وكل عصر له مشكلاته التي تثار، ويطلب إبرام حكم في شأنها، ولم تكن هذه (المستغلات) من مشكلات تلك الأعصار. قال في (البحر) : وقد ادعى مخالفة الهادوية للإجماع، وفيه نظر؛ إذ لم يصرح السلف فيها بحكم. (١)
وفي حواشي شرح الأزهار: المختار أن قول الهادي ليس مخالفًا للإجماع؛ لأن الصحابة والتابعين إما أن يكونوا خاضوا في المسألة واختلفوا فيها، فهي خلافية، أو خاضوا وأجمعوا، فلم ينقله عنهم ناقل، أو لم يخوضوا، فلا حرج في استنباط مسألة بفكره الصائب، ونظره الثاقب. (٢)
أما قياس هذه (المستغلات) على عروض التجارة؛ فربما كان له وجه عند النظرة الأولى، إذ كل من المستغلات والعروض رأس مال نام مغل، وكلا المالكين تاجر يستثمر رأس ماله ويستغله ويربح منه، وكون صاحب العروض ينتفع بإخراج عين الشيء عن ملكه، وصاحب العمارة والمصنع ينتفع بالغلة مع بقاء العين؛ ليس فرقًا يوجب الزكاة على أحدهما ويعفي الآخر.
بل قد يقال: إن المنتفع باستغلال الشيء مع بقاء عينه في ملكه –كمالك العمارة وصاحب المصنع- ربما كان أكثر ضمانًا للربح، وأمانًا من الخسارة، من صاحبه التاجر الآخر.
стр. 194
هذا ما قد يبدو لأول وهلة، ولكن عند التأمل يتبين لنا المفارقات الآتية:
أولًا: أن أصدق تعريف لعروض التجارة هو: كل ما يعد للبيع من الأشياء بقصد الربح، كما جاء في حديث سمرة أن النبي ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا الزكاة مما يعدونه للبيع. وقد تقدم في زكاة التجارة.
ومما لا يخفى أن هذه العمارات والمصانع وما شاكلها كلها لا يعدها مالكها للبيع. بل للاستغلال. وإنما ينطبق هذا على التجار والمقاولين الذين يشترون العمارات أو يبنونها بقصد بيعها والربح من ورائها. فهذه تعامل معاملة عروض التجارة بلا نزاع.
ثانيًا: أننا لو جعلنا كل مالك يستغل رأس ماله ويبتغي نماءه تاجرًا –ولو كان رأس المال غير متداول وغير معد للبيع- لكان مالك الأرض والشجر التي تخرج له زرعًا وثمرًا تاجرًا أيضًا، ويجب أن يقوم كل عام أرضه أو حديقته ويخرج عنها ربع العشر زكاة، وهذا ما لا يقبل، ولا يقول به أحد.
ثالثًا: أن هذه المستغلات قد يتوقف في بعض الأحيان استغلالها لسبب من الأسباب، فلا يجد صاحب العمارة من يستأجرها، ولا يجد صاحب المصنع المواد الأولية اللازمة، أو الأيدي العاملة، أو السوق الرائجة.. الخ، فمن أين يخرج زكاته؟
إن صاحب العروض التجارية السائلة (المتداولة) يبيعها ويخرج زكاتها من قيمتها، بل يمكن عند الحاجة أن يدفع الزكاة من عينها –كما رجحنا ذلك- ولكن صاحب الدار أو المصنع كيف تؤخذ منه الزكاة إذا لم يكن له مال آخر؟ لا سبيل إلى ذلك إلا بيع العقار أو جزء منه ليستطيع أداء الزكاة، وفي هذا عسر ظاهر، والله يريد بعباده اليسر، ولا يريد بهم العسر.
ومن هنا تظهر قيمة الفرق بين ما ينتفع بعينه كالعروض التجارية، وما ينتفع بغلته كالعقارات ونحوها.
رابعًا: يعكر على هذا الرأي من الناحية العملية: أن العمارة أو المصنع ونحوه ستحتاج كل عام إلى تثمين وتقدير، لمعرفة كم تساوي قيمتها في وقت حولان الحول، إذ المعهود أن مرور السنين ينقص من صلاحيتها، وبالتالي من قيمتها، كما تقلب الأسعار تبعًا لشتى العوامل الداخلية والخارجية له أثره في هذا التقويم، ولا شك أن هذا التقويم الحولي تلابسه صعوبات تطبيقية، ويحتاج أول ما يحتاج إلى مختصين ذوي كفاية وأمانة قد لا يتوافرون كما أن كل هذا يقتضي جهودًا ونفقات تنتقص أخيرًا من حصيلة الزكاة.
لهذا نرى أن الأولى أن تكون العمارة والمصنع ونحوهما في غلتهما، وهذا ما اتجه إليه الرأيان الآخران، وإن اختلفا في تحديد نسبة ما يؤخذ من الغلة: أهي العشر أو نصفه كما في زكاة الزروع والثمار، أم ربع العشر كما في زكاة التجارة؟
стр. 195
الاتجاه الثاني: أن تزكى الغلة عند قبضها زكاة النقود:
أما الرأي الثاني الذي وجدناه لبعض الأئمة في كتبنا الفقهية، فإنه ينظر إلى هذه المستغلات نظرة أخرى، فلا يأخذ الزكاة من قيمتها كل حول، ولكن يأخذها من غلتها وإيرادها.
ما روي عن الإمام أحمد:
وقد روي عن الإمام أحمد فيمن أجر داره، وقبض كراها: أنه يزكيه إذا استفاده. كما ذكر صاحب المغني عنه. (١)
стр. 196
قول بعض المالكية:
وفي كتب المالكية، ذكر الشيخ زروق في شرح "الرسالة": أن في المذهب خلافًا في حكم زكاة الأشياء التي تتخذ للانتفاع بغلتها، كالدور للكراء، والغنم للصوف، والبساتين للغلة، وهذا الخلاف في أمرين:
الأول: في ثمنها إذا بيعت عينها.
والثاني: في غلتها إذا استفيدت.
فالقول المشهور في الأول: أن يستقبل بثمنها حولًا. كعروض القنية (الممتلكات الشخصية) إذا بيعت.
والقول الآخر، ينظر إليها كعروض التاجر المحتكر، وحكمه عند المالكية معروف، وهو أن يزكى ما يبيعه منها في الحال، إذا كان العرض قد بقي في ملكه حولًا أو أكثر.
وهذان القولان يردان في غلة هذه الأشياء وفائدتها، كما أشار إلى ذلك الشيخ زروق، وقال: انظره في المطولات. (١)
والذي يهمنا هنا هو القول الثاني، الذي يزكى فوائد "المستغلات" عند قبضها.
مذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم:
وكل من قال بتزكية "المال المستفاد" عند تملكه (بلا اشتراط حول) يقول بتزكية الإيراد الناتج عن استغلال العمارات وإنتاج المصانع وأجرة السيارات والطائرات والأجهزة وأدوات الفراشة ونحوها.
وسنرى في بحثنا عن المال المستفاد في الفصل القادم: أن هذا هو مذهب ابن عباس وابن مسعود ومعاوية والناصر والباقر وداود، كما روي عن بن عبد العزيز، والحسن البصري والزهري ومكحول والأوزاعي. (٢)
وحجة هؤلاء عموم النص من قوله ﷺ : ((في الرقة ربع العشر)) .
وزاد بعضهم هنا ما ذكره "الهادي" في قياس المال المعد للكراء والاستغلال على المال المعد للبيع. قالوا: وهو قياس قوي؛ لأن بيع المنفعة كبيع العين، وكلما كراها فكأنما باعها، إلا أن القياس يقتضي أن يقدر النصاب من الغلة التي هي الأجرة. كما ذكر صاحب "الحاصر في مذهب الناصر" حيث ذكر في الحوانيت والدور المستغلات إذا بلغ كراهًا وغلتها في السنة ٢٠٠ مائتي درهم، ففيها ربع العشر، وإذا لم يبلغ ذلك، فلا شيء. (٣)
стр. 197
فإذا كان الرأي الأول يجعل أخذ الزكاة من رأس المال نفسه –العمارة والمصنع- فإن هذا الرأي يجعل أخذها من الدخل والإيراد، بنسبة ربع العشر ٢.٥، ولا يشترط لذلك حولان الحول.
رأي معاصر: أن تزكى الغلة زكاة الزرع والثمر:
وهناك رأي آخر معاصر يوافق الرأي الثاني في أخذ الزكاة من غلة هذه الأشياء، ولكنه يخالفه في مقدار ما يؤخذ، فإنه جعل الواجب هو العشر أو نصفه، قياسًا على الواجب في الأرض الزراعية.
فإذا كان الرأي الأول قاس هذه الأشياء على عروض التجارة؛ فهذا قاسها على الأرض الزراعية، وقاس إيرادها على الزرع والثمار، إذ لا فرق بين مالك تجبى إليه غلات أرضه المزروعة، ومال آخر تجبى إليه غلات مصانعه وعماراته ونحوها.
وإلى هذا الرأي –في قياس العمائر والمصانع على الأرض الزراعية- ذهب من فقهائنا المعاصرين الأساتذة: أبو زهرة وعبد الوهاب خلاف وعبد الرحمن حسن –﵏ في محاضرتهم بدمشق سنة ١٩٥٢ عن الزكاة. (١)
فقد قسموا الأموال –نقلًا عن الفقهاء- إلى ثلاثة أقسام:
١- أموال تقتنى لإشباع الحاجات الشخصية؛ كدور السكنى لأصحابها، والأقوات المدخرة لسد حاجة المالك، وهذه لا تجب فيها الزكاة.
٢- أموال تقتنى لرجاء الربح بسببها، أو يكون من شأنها ذلك، ولكن تختزن في الخزائن، وهذا تجب فيه الزكاة باتفاق الفقهاء، ومنه الأموال التي أخذ الرسول منها الزكاة، وهي الأصل الذي يقاس عليه غيره.
٣- أموال تتردد بين النماء وإشباع الحاجة الشخصية كالحلي والماشية التي تتخذ للعمل والنماء معًا، وفي حكمها اختلف الفقهاء، كما بينا من قبل.
ثم قالوا: إن تطبيق هذا التقسيم على عصرنا ينتهي بنا لا محالة إلى أن ندخل في أموال الزكاة أموالًا في عصرنا مغلة نامية بالفعل، لم تكن معروفة بالنماء والاستغلال في عصر الاستنباط الفقهي، وذكروا من هذه الأموال نوعين:
أولًا: أدوات الصناعة التي تعتبر رأس مال للاستغلال، وهي وسيلة الاستغلال لصاحبها، مثل صاحب مصنع كبير يستأجر العمال لإدارته، فإن رأس ماله للاستغلال هو تلك الأدوات الصناعية، فهي من هذه الآلات، فلا تعد كأدوات الحداد الذي يعمل بيده، ولا أدوات النجار الذي يعمل بيده. وهكذا.. ولهذا قالوا: نرى أن الزكاة تجب في هذه الأدوات باعتبارها مالًا ناميًا، وليس من الحاجات التي لإشباع الحاجات الشخصية بذاتها. وإذا كان الفقهاء لم يوجبوا الزكاة في أدوات الصناعة في عصورهم، فلأنها كانت أدوات أولية لا تتجاوز الحاجة الأصلية لصناعته، والإنتاج لمهارته، فلم تعتبر مالًا ناميًا منتجًا، إنما الإنتاج فيها للعامل.
стр. 198
أما الآن فإن المصانع تعد أدوات الصناعة نفسها رأس مالها النامي، ولذلك نقول: إن أدوات الصناعة التي يملكها صانع يعمل بنفسه كأدوات الحلاق الذي يعمل بيده ونحوه تعفى من الزكاة، لأنها تعد من الحاجات الأصلية له. أما المصانع فإن الزكاة تفرض فيها، ولا نستطيع أن نقول: إن تلك مخالفة لأقوال الفقهاء، لأنهم لم يحكموا عليها، إذ لم يروها، ولو رأوها لقالوا مثل مقالتنا فنحن في الحقيقة نخرج على أقوالهم، أو نطبق المناط الذي استنبطوه في فقههم ﵃.
وثانيًا: العمائر المعدة للاستغلال لا للسكنى الشخصية، فإننا نعدها مالًا ناميًا، ولا نعدها من الحاجات الأصلية، ولذلك نقسم الدور إلى قسمين:
أحدهما: ما أعد لسكنى المالك، وهذه لا زكاة فيها، كما قرر الفقهاء.
والقسم الثاني: ما هو معد للاستغلال، فإننا نرى أن تفرض فيه الزكاة، ولسنا في ذلك نخالف الفقهاء، وإن قرروا أن الدور لا زكاة فيه، لأن الدور في عصورهم لم تكن مستغلًا إلا في القليل النادر، بل كانت للحاجة الأصلية، ولم يلتفتوا إلى النادر، لأن الحكم للأغلب الشائع، والنادر لا حكم له في الشرائع.
أما الآن فإن الدور أصبحت للاستغلال لا للسكنى الشخصية فقط، فالعمائر تشاد لطلب الفضل والنماء، وهي تدر الدر الوفير، فالواجب أن تؤخذ منها زكاة، إذ هي مال نام مستغل، ولأننا نأخذ من نظيرها، وهو الأراضي الزراعية، فمن العدل أن نأخذ منها زكاة، وإن لم نأخذ من هذا كان ذلك تفريقًا بين متماثلين، وذلك لا يجوز في الإسلام، ونحن في هذا أيضًا نطبق أقوال الفقهاء أو نخرج على أقوالهم لتحقيق المناط الذي استنبطوه.
ومن الإنصاف أن نقول: إن الإمام أحمد – ﵁ – كانت له غلة تجيئه من حوانيت يؤجرها، فكان يخرج زكاتها، مع أنه لا مورد لعيشه سواها (راجع مناقب الإمام أحمد ص ٢٢٤- لابن أبي يعلى) .
" ولقد رأيناه ﷺ يفرض الزكاة فى الأموال المنقولة غير الثابتة من رأس المال بمقدار ربع عشره ووجدناه يفرض الزكاة فى الأموال الثابتة المنتجة, فى الغلة لا فى الأصل, لأن الأصل لا يقبل التجزئة والأخذ منه، فانتقل الأخذ إلى الغلة، فكان الأخذ من الإنتاج بمقدار العشر أو نصف العشر.
стр. 199
وعلى ضوء ما قرر النبي ﷺ من مقادير مفرقا بين الثابت والمنقول من حيث المأخذ والمقدار، فإنا أيضًا في الأموال المنتجة في عصرنا، نفرق بين المنقول والثابت، ففي المنقول تؤخذ الزكاة من رأس المال بمقدار ربع العشر، والثابت تؤخذ الزكاة من غلته بمقدار العشر أو نصف العشر.
وعلى هذا نقول: إن العمائر وأدوات الصناعة الثابتة تؤخذ الزكاة من غلاتها، ولا تؤخذ من رأس المال، وعند التقدير بالعشر أو نص العشر، إن أمكن معرفة صافي الغلات بعد التكاليف- كما هو الشأن في الشركات الصناعية – فإن الزكاة تؤخذ من الصافي بمقدار العشر، لأن النبي ﷺ أخذ الزكاة بالعشر من الزرع الذي سقى بالمطر أو العيون، فكأنه أخذه من صافي الغلة، وإن لم تمكن معرفة الصافي على وجهه – كالعمائر المختلفة- فإن الزكاة تؤخذ مها (أي من الغلة) بمقدار نصف العشر" (١) . اهـ.
هذا ما ذهب إليه ثلاثة من كبار العلماء، الذين قضوا حياتهم في دراسة الفقه الإسلامي وأصوله وتاريخه، وتدريسها. فاجتهادهم هنا هو اجتهاد الخبير الأصيل، لا المتطفل الدخيل. وهو اجتهاد صحيح، لأن معتمدة هو القياس، أحد الأصول والأدلة الشرعية المعتبرة عند جمهور الأمة.
أما تعليقنا على الموضوع نفسه. فنوضحه في السطور التالية:
مناقشة وترجيح:
إن الرأي الذي ذهب إليه شيوخنا الأجلاء، يوافق الاتجاه الثاني – كما ذكرنا – في أخذ الزكاة من غلة العمارات والمصانع وفوائدها – أعنى أرباحها – ولكنه يخالفه في مقدار ما يجب أخذه. فالرأي السابق يجعل الواجب ربع العشر، اعتبارًا بزكاة النقود. وهذا الرأي يجعل الواجب العشر أو نصفه، اعتبارًا بزكاة الزروع والثمار، وقياسًا لدخل العمارات والمصانع ونحوها على دخل الأرض الزراعية، وهذا الرأي هو الذي أختاره، لأنه اعتمد على أصل شرعي صحيح وهو القياس، ولكني ألاحظ عليه الأمور الآتية:
أولها: أن هذا الرأي أدخل المصانع والعمارات في الأموال النامية التي تجب فيها الزكاة، ولكنه لم يضع ضابطًا عامًا، أو قاعدة جامعة، يندرج تحتها كل ما ماثلها من رءوس الأموال المغلة المنتجة، فلا شك أن في عصرنا مزارع للأبقار والدواجن ونحوها، تدر ربحًا وفيرًا من المنتجات الحيوانية. وفي عصرنا أموال كسيارات الأجرة الصغيرة (التاكسي) والكبيرة (أوتوبيس) وسيارات النقل، والسفن التجارية، والطائرات التجارية والمحلات التي تؤجر الأثاث في الأحفال والمناسبات، وغير ذلك كثير. وهذه الأموال الجديدة لا تدخل تحت المصانع ولا العمارات. ولهذا رأينا أن تدخل هذه الأشياء وما شابهها تحت قاعدة " المستغلات " فهي قاعدة حاصرة جامعة. سواء أكان الاستغلال بطريق كراء العين والاستفادة بأجرتها، كالعمارات والسيارات ونحوها أم بطريق الانتاج وبيع ما يحصل من نتاجه، أي الإنتاج للسوق، كالمصانع ونحوها. سواء كان مصدر الاستغلال حيوانًا كبقر الألبان والدواجن، والتي قسنا منتجاتها في الفصل السادس على عسل النحل – أم جمادًا كالأشياء الأخرى. وسواء كان المستغل عقارًا كالعمارة والمصنع أم منقولًا كالسيارة والأثاث الذي يؤجر في الأحفال ونحوها. فلا ضرورة إذن للتفرقة بين الثابت والمنقول. كما ذكر هذا الرأي، بأن تؤخذ الزكاة في رأس المال الثابت من الغلة بمقدار العشر (أو نصفه) وفي المال المنقول تؤخذ الزكاة من رأس المال نفسه بمقدار ربع العشر.
стр. 200
أجل، لا ضرورة لهذه التفرقة وقد رأينا النبي ﷺ أخذ من العسل وهو غلة النحل، وليس النحل من العقارات، بل هو أقرب إلى المنقولات، وخلايا النحل، يمكن نقلها بالفعل.
الثاني: إن قياس الدور المؤجرة ونحوها على الأرض الزراعية، غير مسلم. وقولهم: لا فرق بين مالك تجبى إليه غلات أرضه، ومالك تجبى إليه غلات عماراته، منقوض. فإن الزكاة التي تؤخذ من الزرع ليست منوطة بملك الأرض الزراعية، بل بملك الزرع نفسه، فصاحب الزرع عليه الزكاة ولو كان مستأجرًا كما هو قول الجمهور.
والذي يصح أن يقاس عليه هو مالك الذي يكري أرضه، وتجبى إليه غلتها في صورة " أجرة " من مستأجريها، فهذا أشبه شيء بمالك العمارة الذي يكريها، وتجبى إليه غلتها كذلك.
ولهذا كان لا بد أن يسبق هذا الحكم أصل يقاس عليه، وهو القول بزكاة أجرة الأرض الزراعية، إذا قبضها مالكها، وهو ما ذهبنا إليه من قبل، ورجحناه بالأدلة. بدون هذا الأصل لا يسلم القياس المذكور.
الثالث: أن قياس العمارات ونحوها على الأرض الزراعية يمكن أن ينقض بوجود الفارق بينهما. ذلك أن الأرض الزراعية مصدر دائم للدخل، لا يعتريه توقف، ولا يلحقه بلى أو تآكل بتقادم العهد. بخلاف العمارات ونحوها فإنها مصدر مؤقت يعيش سنوات تقل أو تكثر ثم ينتهي ويتوقف، فكيف يصح القياس مع هذا الاختلاف بين الأصل والفرع والقياس يقتضي التماثل بين المقيس والمقيس عليه وإلا كان قياسًا مع الفارق.
والذي يخرجنا من هذا الاعتراض، ويصحح القياس المذكور هو الأخذ بما ذهب إليه علماء الضرائب من إعفاء مقابل الاستهلاك، فقد نادوا باقتطاع مبالغ سنوية من الدخل بحيث يؤدي تراكمها على مر السنين إلى الاستعاضة عن رأس المال - مصدر الدخل- بمصدر آخر جديد. فإذا كانت الآلة أو العقار – مصدر الدخل – يستطيع الاستمرار في الإنتاج مدة ثلاثين عامًا مثلًا، فإنه يمكن – بإدخار جزء من ثلاثين جزءًا من ثمنه كل عام – شراء مصدر آخر من آلة أو عقار، عند توقف الأول، بحيث يبقى الدخل قائمًا مستمرًا، وهذا الجزء المقتطع كل عام يجب أن يعفى من الضرائب (١) فإذا كان رجل يملك عمارة يقوم ثمنها بثلاثين ألف دينار مثلًا، وافترضنا أنها تنقص كل عام ١/٣٠ من ثمنها، أي ألف دينار فالمفروض أن تخصم هذه الألف من غلتها السنوية، فلو كانت تؤجر في السنة بمبلغ ٣٠٠٠ ثلاثة آلاف – تعتبر كأنه لم تؤجر إلا بألفين فقط.
وبهذا يصح قياس العمارة والمصنع على الأرض الزراعية، فإنها مصدر باق صالح للإنتاج على مر الزمن، وما تحتاج إليه من تسميد ونحوه، فهو أشبه بنفقات الصيانة للمبنى والآلة. وهذا غير مقابل الاستهلاك الذي ذكرنا.
стр. 201
المبحث الثالث:
نصاب الزكاة في العمائر ونحوها
لم يعرض الأساتذة أصحاب هذا الرأي لموضوع النصاب الذي يجب توافره في غلة العمارة أو المصنع، كم هو؟ وكيف يقدر بقيمة نصاب الزرع، وهو خمسة أوسق (خمسون كلية مصري) ؟ وهل يعتبر أدنى الحبوب والثمار أو أوسطها أو أعلاها؟ – وقد يؤيد هذا المنزع أن نقيس غلة المصنع على غلة الأرض- أم يقدر النصاب بالنقود أي بما قيمته ٨٥ جرامًا من الذهب، على اعتبار أن الذهب وحده التقدير في كل العصور؟
لعل هذا هو الأقرب والأيسر، فإن الشارع اعتبر من ملك هذا القدر غنيًا، وأوجب عليه زكاة، ولم يوجب على من ملك دون ذلك شيئًا من الزكاة. وما دام مالك العمارة أو المصنع يقبض غلة ملكه نقودًا؛ فالأولى أن يقدر النصاب بالنقود.
المدة التي يعتبر فيها النصاب:
وإذا كان لا بد من اعتبار النصاب – لأنه الحد الأدنى للغنى في نظر الشارع – فما المدة التي يعتبر فيها النصاب؟ أيعتبر بالشهر؟ فكل غلة شهر يشترط فيها أن تبلغ نصابًا، أم يعتبر بالسنة؟ فتضم إيرادات الشهور بعضها إلى بعض، ويخرج منها الزكاة في رأس الحول إذا بلغت نصابًا. إن الاعتبار بالشهر له مزية، وهي إعفاء ذوي الإيراد القليل من أصحاب الدور المتواضعة، التي لا يبلغ كراها في الشهر نصابًا، ففيه رفق بأرباب المال.
ولكن الاعتبار بالسنة أنفع للفقراء والمستحقين، لما فيه من توسيع قاعدة الزكاة والأموال التي تجب فهيا، إذ في هذه الحالة تجب على عدد أكبر، فإن ضم دخل الشهور بعضها إلى بعض حتى تبلغ النصاب يدخل في ممولي الزكاة عددًا أكبر.
стр. 202
ولعل هذا الاعتبار هو الأقرب، فإن دخل الفرد- كدخل الدولة أيضًا – يقدر بالسنة لا بالشهر، وقديمًا كانوا يؤجرون الدور بالسنة، ولهذا ذكرنا عن بعض الفقهاء الذين قالوا بتزكية المال المستفاد عند قبضه: إذا بلغ كراء الدار في السنة نصابًا زكي في الحال.
وفي هذا الحال تعتبر غلات الشهور كالزرع أو النخل الذي يؤتى ثماره على دفعات، فيضم بعضها إلى بعض، كما هو مذهب أحمد. قال في المغنى: (وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، سواء اتفق وقت إطلاعها وإدراكها أم اختلف، فتقدم بعضها على بعض في ذلك، ولو أن الثمرة جذت ثم أطلعت الأخرى وجذت، ضمت إحداهما إلى الأخرى، فإن كان له نخل يحمل في السنة حملين، ضم أحدهما إلى الآخر) (١) .
وبذلك يكون حساب العمائر – كحساب المصانع ونحوها – حسابًا واحدًا متشابهًا، فإن المصانع إنما تصفى حسابها، وتعرف صافي إيرادها كل حول، لا كل شهر.
رفع النفقات والديون من الإيراد:
والذي أختاره هنا: أن الزكاة تجب في صافي الإيراد، أي بعد رفع ما يقابل النفقات والتكاليف من أجور وضرائب ونفقات صيانة ونحوها، وكذلك رفع ما يقابل الديون التي تثبت صحتها، ورفع قدر النفقة هو ما ذهب إليه عطاء وغيره في الزرع والثمر، قال عطاء: " ارفع نفقتك وزك الباقي"، وهو الذي أيده ورجحه ابن العربي في شرح الترمذي.
стр. 203
إعفاء الحد الأدنى للمعشية:
وهنا بحث تتم به زكاة العمائر ونحوها، وذلك هو حكم إعفاء الحد الأدنى لمعيشة المالك وعياله، إذا لم يكن له مورد يعيش منه غيرها.
فهل تجب الزكاة في صافي الإيراد السنوي، دون أن يقتطع له منه قدر ما يعيش به هو ومن يعوله في السنة، وبتعبير فقهائنا: ما يحتاج إليه في حوائجه الأصلية؟ أم تجب في جملة الإيراد دون إعفاء شيء من ذلك؟
لا ريب أن من الناس من لا مورد لرزقه غير دار يؤجرها، أو مصنع صغير يديره بنفسه، أو بمن ينوب عنه، وقد يكون هذا المصنع أو تلك الدار لشيخ كبير، أو أرملة، أو صبية أيتام.
فهل يترك لهؤلاء وأمثالهم نصيب لمعيشتهم، وما لا بد لهم منه، وتفرض الزكاة فيما بقى؟ أم تؤخذ الزكاة من جملة الإيراد كله؟
إن الذي يتفق وعدالة الإسلام أن يعفى ما يعتبر حدًا أدنى للمعيشة – في تقدير خبراء متدينين – وأن تجب الزكاة في الباقي من إيراد السنة إذا بلغ نصابًا، وهذا بالنسبة لمن ليس له إيراد آخر يكفيه حاجاته، كمعاش أو راتب أو نحوه.
ودليلنا على ذلك أمران:
الأول: أن الفقهاء اعتبروا المال الذي يحتاج إليه صاحبه حاجة أصلية كالمعدوم شرعًا، وشبهوه بالماء المستحق للعطش، يجوز التيمم مع وجوده، لأنه مع الحاجة إليه اعتبر معدومًا.
الثاني: ما جاءت به الأحاديث – التي ذكرنا من قبل- من أمر الخارصين لثمار النخيل والأعناب بالتخفيف والتيسير على أرباب الثمار، وأن النبي ﷺ قال لهم: ((دعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)) (أي يعفى من الزكاة هذا القدر توسعة على أرباب المال، وتقديرًا لحاجتهم إلى الأكل من الثمر رطبًا) .
وقد يكون من الأضبط والأيسر إعفاء ثلث الإيراد أو ربعه ابتداء، اهتداء بروح الأحاديث المذكورة.
стр. 204
زكاة المستغلات
فضيلة الدكتور علي احمد السالوس
في زكاة المستغلات اختلفت الآراء، ولم يكن هناك خلاف يذكر بين المذاهب الفقهية والذي أبرز هذا الخلاف هو ضخامة هذه المستغلات في العصر الحديث.
فعندما عقدت حلقة الدراسات الاجتماعية بدمشق سنة ١٩٥٢م، وبحثت موضوع الزكاة انتهى المجتمعون إلى أن المستغلات لا تزكى عينها، وإنما غلتها فقط، وأن ما تزكى غلته لا عينه يقاس على زكاة الزرع، فالعين كالأرض، والغلة كالزرع، فصافي الغلة يزكى بنسبة ١٠ %.
وهذا الرأي وجد من عارضه، وأذكر على سبيل المثال أن الشيخ محمود شلتوت أفتى بأن الغلة تزكى زكاة نقود، أي ٢.٥ % واستمر الأمر إلى أن عقد المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٣٨٥هـ (١٩٦٥م) . وكان أستاذنا العلامة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة أحد الذين حضروا حلقة الدراسات الاجتماعية، وقدم للمؤتمر بحثًا عن الزكاة، وذهب في المستغلات إلى ما انتهى إليه الرأي في تلك الحلقة. وبعد مناقشة البحث انتهى المؤتمر إلى ما يأتي:
الأموال النامية التي لم يرد النص ولا رأي فقهي بإيجاب الزكاة فيها حكمها كالآتي:
١- لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية والمصانع والسفن والطائرات وما شابهها، بل تجب الزكاة في صافي غلتها عند توافر الناصب وحولان الحول.
٢- وإذا لم يتحقق فيها نصاب وكان لصاحبها أموال أخرى تضم إليها، وتجب الزكاة في المجموع إذا توافر شرطا النصاب وحولان الحول.
٣ – مقدار النسبة الواجب إخراجها هو ربع عشر صافي الغلة في نهاية الحول. ومعنى هذا أن المؤتمر رفض رأي أستاذنا، ومعلوم أن المجمع لا يصدر الفتاوى إلا بالإجماع، وهذا يعني أنه هو نفسه عدل عن رأيه وانضم لرأي الجماعة، ولكن سمعت غير هذا، ولا أجد له تفسيرًا.
стр. 205
وبعد المؤتمر الثاني للمجمع ظهر كتاب "فقه الزكاة" للأستاذ يوسف القرضاوي وكان للكتاب أثره الواسع في هذا المجال. وانتهى فضيلته في المستغلات إلى رأي حلقة الدراسات الاجتماعية مع شيء من التعديل، يحث رأي إسقاط ما يقابل استهلاك العين، فالعين المستغلة لها عمر زمني مفترض، واقترح عدم تزكية الربع أو الثلث كما كان يحدث عادة في الخرص.
وهذا الرأي كأنه وسط بين الرأيين.
وينتهي الأمر إلى مؤتمر الزكاة الأول الذي شرفت بحضوره. وذكرت في اجتماع اللجنة العلمية ما يؤيد المؤتمر الثاني لمجمع البحوث، مستدلًا بما يأتي:
١- المستغلات في عصرنا لا أصل لها في تاريخ أمتنا، حيث كان المسلمون يؤجرون البيوت، والحوانيت، والحمامات، والدواب، وغيرها، ورأي الأئمة الإعلام أن الغلة تزكى زكاة نقود، وما قال أحد بقياسها على الزرع.
٢- الزكاة عبادة، والقياس في العبادة قد يكون غير جائز.
٣ – ولو أخذنا بالقياس نظرًا للجانب المالي، فهو هنا قياس مع الفارق، لأن المستغل ليس كالأرض، فقد يهلك في لحظة: فتحترق الطائرة، وتغرق السفينة، وتنهدم العمارة، والأرض باقية إلى أن يأذن الله في زلزلتها.
والغلة ليست كالزرع لأنها تزكى كل حول، أما الزرع فبعد أن يزكى، إذا ادخر سنوات فلا يزكى مرة ثانية، إلا إذا أصبح عروض تجارة.
ولذلك بين الإمام الشافعي الفرق بين النقدين والزرع بقوله في رسالته (ص٥٢٧- ٥٢٨) :
" ... وأني لم أعلم منهم مخالفًا في أني علمت معدنا فأديت الحق فيما خرج منه، ثم أقامت فضته أو ذهبه عندي دهري، كان على في كل سنة أداء زكاتها، ولو حصدت طعام أرضى فأخرجت عشرة، ثم أقام عندي دهره، لم يكن على فيه زكاة ".
ولكن هذا الرأي رفضه الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، والأستاذ الدكتور مصطفى الزرقاء، وهو أحد الذين حضروا الدراسات الاجتماعية، وقد رد قائلًا بجواز القياس هنا، وبأن هذا القياس قياس محكم.
стр. 206
العرض والمناقشة
١٠/٤/ ١٤٠٦- ٢٢/١٢/١٩٨٥
الساعة ١٦.٢٠ – ٢٠.٢٠
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نبحث الآن موضوع " زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية " وأمامكم فيه بحثان: أحدهما لفضيلة الشيخ القرضاوي، والثاني لفضيلة الشيخ علي بن أحمد السالوس، وقد ترون مناسبًا أن يتفضل الشيخ يوسف القرضاوي بعرض موجز عن البحث في هذا الموضوع يعتمد النظرة الفقهية من خلال الاختلاف والدليل فليتفضل مشكورًا.
الشيخ يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ﴿رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وبعد.
هذا الموضوع الذي قدمت لأتحدث عنه، ليس جديدًا عليكم وهو في كتابي " فقه الزكاة" وأعتقد أنكم تعرفونه، لذلك فأنا أجد من العسير أن أكرر نفسي لهذا فأنا ألخص تلخيصًا ربما كان مخلًا كالتلخيص الذي لخصه مجموع ملخصات البحوث وهو في الحقيقة ملخص تلخيصًا شديدًا جدًا لا يمكن أن يفي ببعض ما في الموضوع من أساسيات.
الذي أريد أن أؤكد عليه هنا أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين كما أنها لا تجمع بين مختلفين، وأن أحكام الشريعة في جملتها معللة مفهومة، وأن جمهور فقهاء الأمة يعللون الأحكام، وهذا ما جعلنا ننظر في وعاء الزكاة أو الأموال التي تجب فيها الزكاة على أساس هذه النظرة، وأن سبب إيجاب الزكاة كما نص كثير من الفقهاء هو المال النامي، النامي حقيقة أو النامي تقديرًا، النامي أو القابل للنماء، ومعنى أنه نام أنه يدر كسبًا وإيرادًا لصاحبه، وبناء على هذا قلنا: إن الأموال النامية تختلف من عصر إلى عصر، ربما كانت هناك أموال في عصر النبوة وفي عصر الصحابة ليس لها نماء أصبحت في عصرنا أموالا نامية بل من أكبر الأموال النامية وأكثرها وأشهرها، ومن هنا ظهرت أشياء لعلها لم تظهر عند الفقهاء السابقين فلم يكن عندهم ما يجعلهم يجتهدون فيها، والاجتهاد وليد مشكلة يجدها الفقيه فيبحث ويجتهد، فإذا لم توجد أو وجدت على سبيل الندرة، لم يكن هناك حاجة للاجتهاد ربما وجدت بعد عصور الاجتهاد ولكن في عصور التقليد، قلما نجد قولًا إلا أن يردد أقوال السابقين، هذا ما جعلنا ننظر في المستغلات أو أو الأراضى والعقارات , العقارات والمصانع ونحوها التى سماها بعض الفقهاء " المستغلات " وهو ما تبقى عينه وتتجدد منفعته بخلاف الأِشياء التي تعد للتجارة في العين تنتقل من يد إلى يد، هذا الأشياء رأيناها في عصرنا في مثل العمارات السكنية وفي مثل المصانع التي تنتج ويباع نتاجها في الأسواق، ماذا ينبغي أن ننظر إلى هذه الأشياء، ربما إذا نظرنا إلى الفقه التقليدي أو المشهور فيه نقول: لا شك فيها حتى يأتي منها بعض المال ويحول عليه الحول فتجب فيه الزكاة، ولكن إذا لم يحل عليه الحول كما يحدث فعلًا، فإن كثيرًا من أصحاب هذه العمارات والمصانع لا يبقى في يدهم مال يحول عليه الحول، لأن المال يتحول للانتاج مرة أخرى، لا يبقى عنده سيولة، أكبر التجار والرأسماليين ليس عندهم مال سائل، لأن المال يعمل باستمرار من شيء إلى شيء فربما تمر السنون تلو السنين ولا تجب عليه زكاة قط، فهل قصد الشارع أن يعفى هؤلاء من الزكاة.
стр. 207
فمن هنا كانت نظرتنا إلى هذه الأموال، إن هذه هي أموال نامية وعلة وجوب الزكاة هو النماء أو المال النامي، من ناحية أخرى النصوص العامة، عموم النصوص وإطلاقها التي أوجبت في كل مال حقا أو في كل مال زكاة ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ "أدوا زكاة أموالكم" من غير فصل بين مال ومال. وكما قال القاضي أبو بكر بن العربي إن كلمة " زكاة أموالكم"، أو ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، عام في كل مال على تباين أسمائه وإختلاف أغراضه ,فمن خص منها شيئا فعليه الدليل ,فعموم النصوص من ناحية، والتعليل بأن وجوب الزكاة أساسه المال النامي والقياس أيضًا، وأحب أن أقول إن الزكاة فيها قياس من نواح كثيرة، وما من مذهب فقهي إلا وأدخل القياس في الزكاة، والزكاة ينظر إليها على أنها إحدى العبادات الأربع والشعائر الكبرى في الإسلام، وقد ينظر بعض الناس إلى هذا الجانب فيقول: إنه لا يدخل القياس فيها، ولكن الزكاة ليست عبادة محضة، بل هي عبادة وهي أيضًا جزء من النظام المالي والاقتصادي في الإسلام، هذا يجعل الفقهاء أحيانًا ينظرون إليها باعتبارها حقًا ماليًا، ولهذا أوجب الأئمة الثلاثة وجمهور الأمة الزكاة في مال اليتيم، ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية الذين نظروا إلى الجانب العبادي فيها، فلم يوجبوا الزكاة على الصغير والمجنون، على حين أن الحنفية نظروا إليها من الجانب العبادي في هذه الناحية، فالزكاة فيها بجوار الجانب العبادي الجانب الاجتماعي والاقتصادي والمالي، فهذا القياس جعلنا نقول إنه ينبغي أن يقاس ما تنتج هذه العقارات وهذه الأشياء على إيجار الأرض الزراعية خاصة عندما يقال إن المالك يخرج الزكاة عن أجرة الأرض كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة، هذا ما أحببت أن أقوله في وجهة الموسعين في إيجاب الزكاة، وهناك طبعًا مضيقون في إيجاب زكاة، وبعضهم يضيق إلى أن يقول: إنه ليس في عروض التجارة صدقة، كما هو مذهب الظاهرية، فطبعًا أولى أن يقولوا في إيجاب المستغلات.
стр. 208
هناك أحب أن أقول شيئًا في هذا، أنه سبق لكثير من الفقهاء القول بإيجاب الزكاة في هذه الأشياء ولهم أكثر من اتجاه، فهناك من ينظر إلى أعيانها كما حكى ابن القيم عن ابن عقيل، الإمام ابن عقيل الحنبلي وهو إمام مشهور ذو باع طويل وصاحب الفنون، ابن عقيل قال: إن الزكاة في العقارات أو في الحلى كما ورد عن الإمام أحمد: الحلى إذا اتخذ للكراء، ورد عن الإمام أحمد رواية أن فيه زكاة خرج ابن عقيل على رواية الإمام أحمد تخريجًا: أن الدور التي تكرى ونحوها تكون فيها زكاة أيضًا، ونقل هذا ابن القيم عن ابن عقيل ولم يعترض عليه حيث إنه أقره في ذلك، هناك أيضًا بعض الأقوال في مذهب مالك ذكرتها في كتاب " فقه الزكاة "، وهناك رواية عن الإمام أحمد أيضًا: أنه من قبض كراء داره يزكيها عندما يقبضها، وهذا ذكره أيضًا ابن قدامة في " المغنى"، وهناك كل من يزكى المال المستفاد من الصحابة والتابعين يقول بزكاة هذه الأشياء عندما يقبضها، عندما يقبض الغلة، الإيراد. مذهب ابن مسعود ومذهب ابن عباس ومذهب معاوية من الصحابة ومذهب عدد من التابعين أن المال المستفاد، أي المال الذي لم يزك من قبل، الذي يقبضه صاحبه عليه أن يزكيه حين يقبضه، أي يزكيه حين يستفيده كما قال ابن عباس، وكان ابن مسعود يعطي العطاء ويأخذ من كل ألف خمسة وعشرين، يعني بيسموه الحجز في المنبع، وهكذا، وكذلك كان معاوية يزكى العطاء، وكان عمر بن عبد العزيز يزكى العطاء والجائزة، يخصم، فإن كل من يقوم بزكاة المال المستفاد عند قبضه يزكى غلة هذه العقارات، ولكن المذهب الذي اخترته هو ما ذهب إليه مشايخنا منذ ثلث قرن، المرحوم الشيخ خلاف وإخواننا السلفيون يعترضون علينا في المرحوم الشيخ خلاف والشيخ أبو زهرة والشيخ عبد الرحمن حسن ﵏ جميعًا- المرحوم أي المدعو له بالرحمة- فهؤلاء في سنة ٥٢ في حلقة الدراسات الاجتماعية التي عقدت بدمشق، ذهبوا إلى أن هذه العقارات والمصانع تزكى غلتها العشر، عشر الصافي قياسًا على الأرض الزراعية، أنا قلت: هناك يجب أيضًا لكي يكون القياس صحيحًا أن نعفي مقابل الاستهلاك، لأن الأرض الزراعية لا تستهلك في ٣٠ سنة يحسم ذلك على هذا السن التقديري أو العمر التقديري، هذا ما ذهبت إليه وأردت بذلك في الحقيقة أن أرد على الذين يقولون: إن الشريعة الإسلامية توجب الزكاة على الفقراء وتعفى الأغنياء، كما قال لي أحد الإخوة ونحنن نصعد الأسانسير في النفدق الذي نقيم فيه قال: انظر هذه الناطحة من ناطحات السحاب قلت له: ولكن لا يبدو أن ليس عليها زكاة لأن صاحب هذه الناطحة ممكن أن يأتي إليه الآلاف والملايين ومع هذا لا تجب عليه الزكاة لأنه لا ينتظر حتى يحول عليها الحول، ومنذ سنوات كنت في ماليزيا سألني مدير جامعة الملايو سؤالًا أثاره الشيوعيون هناك قالوا: إن الإسلام يوجب الزكاة على فقراء المزارعين صغار الزراع ويعفى كبار الملاك، سألني هذا السؤال فعرفت من أين أتى هذا السؤال، أتى هذا السؤال أن في مذهب الشافعي ويقرب منه بعض المذاهب الأخرى أن الزكاة لا تؤخد إلا مما يقتات على سبيل الاختيار، القمح، الذرة، والأرز، هذه الأشياء، أما مزارع التفاح والمانجو وجوز الهند والشاي والمطاط وغير ذلك وإن جلبت لصاحبها الملايين فليس فيها شيء، المجالس الإسلامية هناك حينما تأخذ الزكاة ممن يزرعون الذرة والقمح وهذه الأشياء وهؤلاء هم الفقراء ومعظمهم مستأجرون، أما كبار الملاك فلا تأخذ منهم شيئا، فقلت له: إن في مذهب أبي حنيفة الزكاة في كل ما أخرجته الأرض، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وقد جاء عن عدد من السلف وهو الموافق لعموم الآيات والنصوص، ولذلك رجحه القاضي أبو بكر ابن العربي في كتابيه أحكام القرآن، وعارضة الأحوذي وقال إن مذهب أبي حنيفة هو أحوط للمساكين وأليق بشكر النعمة وأحق بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق.. إلى آخر المقال، والإمام الشافعي لعله لو كان موجودًا الآن ورأى ما رأينا لغير رأيه ما يدرينا لعله يغير رأيه، وقد غير رأيه في مدة أقرب من هذا، كان له مذهب قديم في العراق ومذهب جديد في مصر، هذه المفارقات هي التي تجعلنا أيها الإخوة نقول بتوسيع وعاء الزكاة، فلا يعقل أن نقول: إن الشارع قصد إلى إعفاء الغنى وإيجاب عبء الزكاة على الفقير، أليس هذا صاحب ناطحات السحاب وغيره أليسوا محتاجين إلى تطهير أنفسهم وتزكية أموالهم؟ ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أليسوا محتاجين إلى التطهير والتزكية؟ هم محتاجون وأموالهم محتاجه بل هم أكثر من غيرهم حاجة إلى هذا التطهير وإلى هذه التزكية.
أكتفى بهذه الإشارات واللمحات وأسأل الله تعالى أن ينير طريقنا وأن يفقهنا في ديننا إنه سميع قريب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 209
الرئيس:
أحب أن أسأل فضيلة الشيخ لما ركز على أن العلة في الزكاة هي النماء هل هي علة اطرادية أم لا؟
الشيخ يوسف القرضاوي:
هي اطرادية نعم.
الرئيس:
إذا كانت اطرادية فعندنا يرد سؤال فيما لو كان عند إنسان رصيد كبير من الذهب أو الفضة وبقى سنين لا يستغله بأي نماء.
الشيخ يوسف القرضاوي:
فضيلة الرئيس أنا أشرت إشارة موجزة إلى معنى النماء، قلت: النماء حقيقة أو تقديرًا، ما كان قابلًا للنماء فهو نام، لذلك اعتبروا النقود بطبيعتها نامية لأنها قابلة للنماء، هذا النماء بالقوة وليس النماء بالفعل، فلو أن إنسانا عطل هذه النقود فعليه زكاتها، هذا ما قصدته من النماء وهو مشروح ومنبه عليه، والفقهاء يقصدون بالنماء: أي النماء حقيقة أو تقديرًا بأن يكون المال في ذاته قابلًا لأن ينمى، هذا ما أردته.
الشيخ رجب التميمي:
لقد ذكر فضيلة الأستاذ أن العقارات والمصانع والمستغلات يؤخذ منها العشر كما في الأرض الزراعية ثم استدرك وقال إن هذه الأشياء قد تستهلك على مدى ثلاثين أو غير ذلك ولذلك يجب أن ننقص العشر لأن الأرض الزراعية لا تستهلك، هذا قول جميل وله تقدير، لكن هذه المستغلات لو قسناها على الأرض الزراعية التي فيها نصف العشر والتي تحتاج إلى مؤونة مثل الأرض التي تسقى بالدولاب وغيره، أم ماذا يرى فضيلة الاستاذ حينما ننقص العشر إلى أي شيء؟ أنا أرى أن هذه المستغلات يؤخذ منها نصف العشر قياسًا على الأرض الزراعية التي تحتاج إلى مؤونة كالأرض التي تسقى بالدولاب وغيره، فما رأي فضيلة الأستاذ في ذلك أم أن له رأيًا آخر في إنقاص الزكاة من العشر إلى أي شيء؟
الشيخ يوسف القرضاوي:
شكر الله لفضيلة الأستاذ التميمي، أنا أيضًا يمكنني أن أوافق على هذا لأن الذي يهمني في الحقيقة هو ألا تخلو هذه الأموال النامية الكبيرة التي يملك بعض الناس منها الكثير والكثير جدًا ألا تخلو عن زكاة عند قبض إيرادها، فيمكن أن نقول كما قال مشايخنا بالزكاة في الصافي على أن يكون عشرًا وأن يحدد المقدار لأن الكلام الآن في المقدار إذ انتهينا إلى أن فيها زكاة، ممكن أن يكون العشر في الصافي مع حساب مقابل الاستهلاك، وممكن أن يكون كما قال فضيلة الشيخ نصف العشر في الإجمالي، في إجمالي الإيراد دون نظر إلى حساب الاستهلاك قياسًا على الأرض التي تروى بآلة وما إلى ذلك أنا لا أمانع في هذا، وربما يكون هذا تيسيرا في الحساب وأسهل على عموم الناس.
الشيخ رجب التميمي:
يعني ممكن أن نتخذ في هذه الجلسة الرأي ونحدد الرأي في المقادير ونبحث ذلك.
стр. 210
الشيخ عبد اللطيف الفرفور:
بسم الله الرحمن الرحيم، أشكر لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ يوسف القرضاوي مطلاعته القيمة وما فيها من لمسات الاجتهاد المذهبي المشكور، غير أن هنالك سهوًا فيما أعتقد، وجل الذي لا ينسى، في تقرير بعض الحقائق العلمية. ففضيلته نسب إلى الإمام الأعظم ومذهبه أنه يقول بوجوب الزكاة في المستغلات أو بغير ذلك، لعل هذا الكلام سهو، والذي هو معروف في المذهب الحنفي، في المفتى به في كتب المذهب أن المستغلات لا زكاة فيها، لا زكاة في المستغلات، وأنا الذي فهمته، ولعلك لم تقل ذلك، وأنا الذي فهمته أن الإمام الأعظم يميل مع الجمهور، لعل هذا القول قول للإمام، لكن المفتى به في المذهب كما هو معلوم لدى السادة العلماء عدم وجوب الزكاة في المستغلات والأراضي الإيجارية. هذه واحدة، فإذا كان فضيلته لم يقل ذلك فقد اتفقنا. بقيت مسألة وهي أن محل الزكاة المال المنامي تقديرًا أو تحقيقًا، وما أظن أن أحدًا من الفقهاء في المذاهب الأربعة الكبرى قال: إن علة الربا هو المال النامي، لأن علة الربا كما تعلمون العلة هي السبب المؤثر، علة الربا عند الحنفية القدر والجنس وعلة الربا عند الشافعية كما تفضل المطعومات والمقتاتات وعلة الربا عند المالكية المدخرات، فإذا تأسس كلامه على أن علة الربا هو المال النامي فقد وضع محل الربا علة، والعلة الحكم شيء ومحله شيء آخر إن علة الربا لدى كل إنسان قرأ المذهب الحنفي هي القدر والجنس، وللحنفية في ذلك استدلال كبير تجده في كتاب " التوضيح " لصدر الشريعة وحاشية التلويح، وفي كتب أصول الفقه المتعددة عند الحنفية، فقضية المال النامي ليس علة أبدًا لا عند الحنفية ولا عند المالكية ولا عند الشافعية، ولكنني إنصافًا للحقيقة العلمية لم أطلع على قول عند الحنابلة في قضية المال المنامي هل هو العلة أم لا؟ وأرجو أن يفيدني في مذهب الحنابلة فضيلته في هذا، فإنني أعلم أن المذهب الحنبلي دائمًا بنحو قريبا من المذهب الشافعي في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل القياسية الفقهية، فإذا كان أصل الموضوع كله مبنيًا على أن علة الربا هو المال النامي فإن أصل الموضوع من أساسه يحتاج إلى نظر، هذا مع العلم بأني أنصف فضيلته في مقاصده وفي حقية وغاية ما قاله وما رمى إليه من أننا نريد توسيع وعاء الزكاة وعدم إعفاء الأغنياء، وأننا نريد ذلك عن طريق علمي أصلي، مؤصل، ولا نريده لأجل أن نقول هذا الكلام انطلاقًا من عاطفة دينية صحيحة جياشة لدينا نريد تحقيقها ولكننا نطالب بالدليل الصحيح، والدليل الصحيح ما كان مبنيًا على أساس صحيح. أشكر فضيلة الرئيس وأرجو الإفادة والاستفادة، فقيل للإمام أبي حنفية: كيف وصلت إلى ما وصلت إليه قال: ما تركت الإفادة وما استنكفت عن الاستفادة. وشكرًا.
стр. 211
الشيخ يوسف القرضاوي:
شكر الله للأخ فرفور ولكن يظهر أنه الذي سها ولست أنا، وجل من لا يسهو، أولا أنا لم أقل إن أبا حنفية قال: إن هناك زكاة في المستغلات، إن هذا مذهب الزيدية وليس مذهب الحنفية، أنا قلت إن أبا حنفية يقول: الزكاة في كل ما أخرجت الأرض ورجحه القاضي أبو بكر ابن العربي، وقلت أن أبا حنيفة قال: الزكاة على المالك المؤجر في الأرض الزراعية وليس على المستأجر، وإن كان المذهب يقول الفتوى على قولهما، على قول الصاحبين وليس على قول الإمام الأعظم، هذا من ناحية، الأمر الآخر هو أمر الربا، ما دخل الربا؟ تكلمت عن علة الزكاة وليس عن علة الربا، موضوعنا هو الزكاة وليس الربا، وهما متقابلان ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ فنحن في الصدقات وليس في الربا يا شيخ فرفور، فعلة الربا هذه معروفة وفيها خلاف المذاهب، أي علة الاقتيات أو القدر والجنس، ولكن ليس هذا موضوعنا وما تطرقت إليه قط، أنا أتكلم في علة الزكاة، فأقول إن الحنفية وغيرهم حتى عند الحنابلة، أشار ابن قدامة في المغنى إلى أن النماء أيضًا هو العلة، المال النامي. أسأل الله أن يغفر لي ولك.
стр. 212
الشيخ على السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى من اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. وبعد أيها الإخوة الكرام. في الواقع أنا لم أكتب بحثًا في هذا الموضوع وأنما أبديت بعض الملاحظات كنت أبديتها أمام اللجنة العلمية للمؤتمر الأول للزكاة، والتلخيص هنا فيه بعض أشياء سقطت، فرقم ١، ٢، ٣ هذه الأرقام إنما هي لفتوى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية هذا ليس رأيي، وأيضًا فيه بعض أشياء أخرى سقطت، والمستغلات في عصرنا لا أصل لها، اذكر أنني قلت فيما كتبت، فما كتبته لم يصلني، هنا جزاهم الله خيرًا أرسلوا الأبحاث ولكن الأبحاث لم تصلني، وأذكر هنا أنني قلت المستغلات لها أصل، ثم الزكاة هنا بالنسبة للقياس قد يكون جائزا وقد يكون غير جائز، ففيه كلمة (غير) ناقصة، على أي حال أبين وجهة النظر التي أبديتها. حلقة الدراسات الاجتماعية كما تفضل الدكتور القرضاوي أفتت بأن المستغلات تقاس على الأراضي الزراعية، والغلة تقاس على الزرع، وهذا الرأي هناك من خالفه مثل فضيلة الشيخ شلتوت، واستمر الأمر إلى أن وصل إلى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية، في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية قرر ما أثبته هنا أنه لا تجب الزكاة في أعيان العمائر بل في غلتها عند توافر النصاب وحولان الحول، وإذا لم يتحقق فيها نصاب وكان لصاحبها أموال أخرى تضم إليها ويزكى على المجموع بشرط توافر النصاب وحولان الحول، ومقدار الزكاة ربع العشر، إذن هنا المؤتمر الثاني لمجمع البحوث رأى أن المستغلات تزكى زكاة نقود، الغلة هي التي تزكى وتزكى زكاة نقود وليست زكاة زروع، ولم يقيسوها على الزرع، ثم أشرت أيضًا إلى ما ذكره فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم " فقه الزكاة " حيث أخذ رأيًا وسطا ولم يذهب إلى رأى حلقة الدراسات كما هو ولم يوافق مجمع البحوث الإسلامية، ولذلك ما أذكره هنا ليس رأيًا شخصيًا وإنما هو أدلة أرى أنها تؤيد ما ذهب إليه المجتمعون في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية.
стр. 213
أولًا: أن هذه المستغلات كانت موجودة من قبل فكانوا يؤجرون الدور والدواب والحمامات وغير ذلك، فالمستغلات كانت موجودة فعلًا، وما قال عالم بأن نقيس هذا على الزروع وإنما كانوا ينظرون إلى الأموال هذه على أنها تزكى زكاة نقود، كيف كانت تزكى، القائلون بأنها تزكى في الحال وهم قلة، وهناك من قال تزكى بعد حولان الحول أو تضم إلى الأموال الأخرى.
الأمر الثاني: أننا هنا نقيس في العبادات والقياس في العبادات قد يكون غير جائز لأننا إذا جئنا للقياس في العبادات على إطلاقه فإننا سنقع في أشياء محظورة، فعلى سبيل المثال إذا قلنا القياس المطلق أو العلة المطلقة، كيف مثلًا أن صاحب أربعين شاة يخرج شاة وصاحب مائة وعشرين شاة يخرج شاة! قلنا هنا بعلة مطلقة وهذا غنى وهذا فقير وصاحب تسع وثلاثين شاة لا يخرج شيئًا! إذن هنا القياس في العبادات لأن العبادات أصلًا أن الإنسان يعبد الله وهو طائع إن لم يستطع أن يصل إلى الحكمة ثم لو فرضنا أن هنا الجانب المالي في الزكاة كما تفضل الدكتور، الجانب المالي قد يجعلنا نأخذ بشيء من القياس، أقول هنا أيضًا بأن القياس مع الفارق، فارق فيماذا؟ المستغل ليس كالأرض لأن المستغل يمكن الطائرة تحترق، والسفينة تغرق، والعمارة تنهدم، إنما الأرض من طبيعتها البقاء، طبيعة الأرض تختلف عن طبيعة المستغلات هذه ناحية، ناحية أخرى، أن المستغل قد يكون قائمًا وصالحًا ومع ذلك لا يستخدم، لماذا؟ لأنه ظهر ما هو أحسن منه، آلة معينة، ثم الاختراعات الحديثة وصلت إلى مرحلة، اعتبرت هذه الآلة مرحلة متخلفة جدًا، فأصبحت لا تستخدم، فكأن ثمن هذا المستغل يعتبر ضاع. إذن نقيس المستغل على الأرض فيه فارق. الأمر الآخر ما تنتجه الأرض وما تنتجه المستغلات: ما تنتجه الأرض، إذا خرج منها وزكيته، فكما يقول الإمام الشافعي: وبقى عندي دهره فلا أزكيه مرة أخرى، أما المستغل ما يخرج منه وبقى عندى دهري ففي كل عام أزكيه، إذن هنا المستغلات زكاة الغلة التي تخرج منها عندما نزكيها هذا العام وتبقى عندنا أيضًا تتزكى في العام التالي وهكذا، أما ما يخرج من الأرض فإننا نزكيه عندما يخرج ما لم يتحول إلى تجارة، وما بينه الإمام الشافعي في رسالته الأصولية عندما أخذ يبين الفرق بين الزرع والذهب والفضة، إذن هنا القياس يكون مع فوارق كثيرة، لذلك أرى أن القياس هنا غير دقيق. أما أن نأخذ برأي أن فيها زكاة أم لا، ونزكى في الحال أم لا؟ هذا رأي أرى أن تبحثوه وأن تنتهوا فيه إلى ما يرضى الله إن شاء الله، ولكن المقدار أن نقيس على الزرع هذا هو ما أرى أنه بعيد. والله أعلم بالصواب، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
стр. 214
الشيخ المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا..
شكرًا لإحالتي الكلمة، وأريد أن أعقب على ما جاء في كلمة سماحة الشيخ يوسف القرضاوي فيما ذهب إليه من حيث التأصيل ومن حيث التفريع. أما من حيث التأصيل فقد اعتمد العمومات في الشريعة وأسند رأيه إلى الإمام أبي بكر ابن العربي، والإمام أبو بكر بن العربي هو معلوم من كبار فقهاء المالكية وهو رجل يطلق كلامه بدون تدقيق، هو قوى الحجة يريد أن يلجيء خصمه، لو أخذنا بكلامه لقلنا له: يا إمامنا عليك أن تزكى حذاءك، عليك أن تزكى عمامتك، وعليك أن تزكى الدار التي تسكنها، وعليك أن تزكى الطعام الذي ادخرته لحياتك لكامل السنة، كل هذه أموال، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ونعلم أن الشريعة الإسلامية من حيث الأصول بينت أشياء وسكتت عن أشياء موجودة في وقت التشريع، وما سكتت عنها إلا لأنها عفو، وقد كانت الدور تكرى، ومالك ﵁ ما ملك دارًا كامل حياته وإنما يسكن في دار بالكراء، ومن أبواب الفقه عندنا أي المسلمين في كل المذاهب باب كراء الرواحل والسفن، فالرواحل والسفن كان يوجد في المسلمين من لهم نشاط في هذا النوع، فهي مشهورة معلومة عند جميع الفقهاء يشاهدونها، والذين يعتمد قولهم ما رأيت واحدًا منهم قال: إنه تجب الزكاة في هذه.
الأمر الثاني هو أننا بجانب شيئين: الأمر الأول الحق الواجب، والحق الواجب هو أمر خطير لأننا نجعل أن كل من لم يقم بهذا الواجب هو آثم مستحق لعقوبة ترك الزكاة، ولكن الإسلام لم يجعل الحد الأدنى هذا هو الحق الوحيد في أموال الناس ولكن الأثرياء عندهم حق واجب وهو الأدنى، وهو ما ورد فيه النص وما زاد على ذلك هم مطالبون فيه بالصدقات وبغيرها من أبواب البر المعروفة في الإسلام.
الأمر الثاني أو الثالث الذي أريد أن ألاحظه هو أنه يكفينا الاتهامات الواردة على هذه القلعة الفقهية من غير الفقهاء فلا نسمح للفقهاء أن يزيدوا ضغثًا على إبالة، ونسمع بالفقه التقليدي. فما أظن أن هناك فقهًا تقليديًا وفقهًا تجديديًا وإنما هناك فقه إسلامي كله نتيجة النظر، فلا يتهم بعضنا بعضًا بالألقاب التي تؤثر بالنسبة للعامة ولا تؤثر على العلماء. فإن هذا مفهوم الزكاة في المستغلات هو أمر مضطرب لأن السفن استهلاكها في أمد، وهناك من يكري السيارات واستهلاك السيارة هو لا يتجاوز بالنسبة للسيارة المكتراة أكثر من ثلاث سنوات على أكثر تقدير، وهناك دور العمارات وتستمر ثلاثين سنة، فهذه المستغلات هي مستغلات لا تدخل تحت قاعدة من القواعد التي نستطيع أن نضبطها بها. وبناء على ذلك كله فأنا أؤكد أن ما ذهب إليه المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية هو الصواب، وما زاد على ذلك لا يزيد على دعوة إلى أثرياء المسلمين ليساهموا في المشاريع العامة، وما وقف صحابة رسول الله ﷺ في بناء الدولة على إخراج الزكاة ولكنهم تجاوزوا ذلك إلى إعطاء ثلث ونصف مالهم وأكثر من ذلك. وشكرًا.
стр. 215
الشيخ أحمد الخليلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد.
فإني أشكر الرئيس على إعطائي هذه الفرصة للحديث، وأشكر للأخوين الكريمين فضيلة الدكتور القرضاوي وفضيلة الدكتور على السالوس بحثهما القيم حول هذا الموضوع ولا ريب أن الذي دفع فضيلة الدكتور القرضاوي إلى الاجتهاد في هذه القضية وما يراه من حاجة المسلمين المعوزين ومن الثراء الواسع عند بعض المسلمين، هذا الثراء يتمثل في مثل العمارات الشاهقة التي تدر عليهم دخلًا كبيرًا، فإذا ما قيل بإعفائهم من الزكاة مع فرض الزكاة على الذين يجهدون في حرث الأرض بعرق الجبين وببذل ما في أيديهم أدى ذلك إلى شيء من المفارقات، في الواقع الدين الإسلامي الحنيف دين اجتماعي يرعى مصالح جميع الطبقات، فلا يكلف الغني فوق طاقته ولا يجعل الفقير أيضًا ضائعًا في مجتمعه، ففي أموال المسلمين حقوق سوى الزكاة، والدليل على ذلك أن الله قال في محكم كتابه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ هذا حق سوى الزكاة بدليل قوله من بعد: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾ ، مع أنه من المعروف أن المعطوف غير المعطوف عليه في العربية، فلا يعفي أمثال هؤلاء الذين من الله عليهم بهذا الثراء من مراعاة حاجات الفقراء والمساكين بعد أن يعطوا حق الزكاة الواجب في الأصناف التي نص العلماء على وجوب الزكاة فيها، أو جاءت النصوص بوجوب الزكاة فيها. كما أنه لا يمنع أن يكون هنالك اجتهاد بحسب الظروف وبحسب الأحوال. فنجد في عهود السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم اجتهادات قد تكون هذه الاجتهادات تؤدي أحيانًا إلى تطبيق أمر لم يكن يطبق في عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، مثل ذلك صنيع عمر ﵁ حيث جلد في الخمر ثمانين، وصنيعه ﵁ حيث جعل طلاق الثلاث ثلاثًا وقال: (رأينا الناس تعجلوا أمرا كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم) فهذا نظر منه وهذا النظر لا يحجر على علماء المسلمين. والقاعدة التي ذكرها فضيلة الدكتور على السالوس وهي أن باب العبادات لا قياس فيه، ينبغي أن ينظر في هذه القاعدة، ذلك لأن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أشار إلى القياس في بعض الأشياء، فعندما سئل عن قبلة الصائم نبه على المضمضة التي هي مقدمة للشرب، هل تنقض المضمضة الصوم؟ فعندما أجيب بـ: لا، جعل حكم القبلة كحكم المضمضة، القبلة هي مقدمة للوقاع والمضمضة هي مقدمة للشرب. وكذلك عندما سألته الخثعمية قالت له "إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان مجزيًا؟ قالت: نعم قال: فذاك ذاك" فالحج عبادة، وقد قاس هذه العبادة التي هي دين الله على دين الناس، وكذلك أيضًا قوله عليه أفضل الصلاة والسلام للرجل الذي جاء يستفتيه في أخته التي نذرت أن تصوم ولم تصم حتى ماتت، أيضًا قاس هذا الدين على دين الخلق وقال: ((فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)) فإذن مجال الاجتهاد والقياس في هذه المسألة ينبغي أن لا نوصد بابه وإنما ينبغي النظر في المقدار فإذا كان هذا الدخل نقودًا ومن المعلوم أن زكاة النقد هي بنسبة ٢.٥ % فأقرب أن تكون هذه الزكاة الواجبة في ريع العمارات وأمثالها زكاة نقد ولا تكون زكاة زراعة، هذا الذي يتجه لي، وطبعًا المجال واسع للاجتهاد في هذه المسألة ونظر أصحاب الفضيلة العلماء فيها.