ينتقل في المبحث الثاني إلى ثنائية التنوع وخصائص التشريع الإسلامي ومما قاله في هذا: لعل المطلع على فلسفة التشريع الإسلامي يواجه أول ما يواجهه قضية ثنائية التنوع باعتبارها من أبرز خصائص التشريع الإسلامي ولاسيما في قضية (الثوابت والمتغيرات) ، وتعد هذه القضية حجر الأساس في حتمية تطور التشريع الإسلامي.
أما المبحث الثالث فهو عن: خصائص الاجتهاد ودوره في تجدد التشريع الإسلامي. لأن العنوان الرئيسي يشمل قمسين. بين مذهب الحداثة الشاملة، فهو حديث عن الحداثة، ثم فقه التجديد البديل. فالمبحث الثالث خصائص الاجتهاد ودوره في تجدد التشريع الإسلامي.
ثم يتحدث في المبحث الأول من الفصل الثالث عن أسباب التخبط في الفكر الغربي. فيقول: السبب الأول في ذلك هو وجود تناقض بين لونين من المعرفة.
أولاً: المعرفة الدينية الغيبية المعتمدة على التقليد الأعمى والمحاكاة وإلغاء العقل بالكلية، مع كهنوت متسلط لا يقيم للعلم ولا للعقل وزنًا.
ثانيًا: المعرفة العلمية القائمة على أساس التجربة والاستنباط. فالتناقض بين هذين الأمرين يجعله السبب الأول من أسباب التخبط في الفكر الغربي.
ثم يتحدث عن عوامل التخبط في الفكر الغربي ومظاهره، وهو هنا يميز بين الأسباب والعوامل، أسباب التخبط في الفكر الغربي والثاني: عوامل التخبط في الفكر الغربي.
ويختم المبحث الثالث في هذا الفصل الثالث بعنوان (نتائج وثمرات) .
ويتحدث هنا متسائلاً ومتعجبًا: وكيف لا تنهزم أمة رأس مفكريها رجل ينكر الله والوحي والنبوات والشرائع والإسلام، ويهزأ بذلك كله علنًا، وليس هناك من يناقشه أو يسأله؟!
ويشير في الحاشية إلى اسم الرجل، وأبرأ إلى الله من أن يكون هذا رأس مفكري هذه الأمة، وهو مجتهد من جملة المفكرين يصيب ويخطئ وأخالفه، لكنه ليس رأس المفكرين على وجه اليقين.
стр. 18202
ثم يتحدث عن أبرز عناصر الحداثة وأظهر ركائزها الأساسية، فيقول:
١ - مناوأة الدين بوجه عام والإسلام بشكل خاص.
٢ - تحكيم العقل في الإنسان وبكل ما يتصل به تحكيمًا مطلقًا دون أي ضابط.
٣ - الحرية المطلقة للإنسان وما انتهت إليه.
٤ - الأخذ بالعلم وحده وبمناهجه بعيدًا عن كل ما لا يخضع لقوانين العلم والتجربة.
٥ - الاعتقاد بحتمية التقدم والتطور المطلقين.
٦ - تمجيد الفردية المطلقة.
٧ - النفعية المحضة وهي نظرية البراغماتية.
ثم يتحدث بعد ذلك عن خطورة الترويج لمذهب الحداثة.
أما المبحث الثالث فهو يتحدث عن فقه التجديد (الدعوة إلى البديل الصحيح عن الحداثة) وهو فقه التجديد. وقد استأذنته قبل دخولنا هذه القاعة أن يعفيني من شرح هذا الموضوع الفقهي الدقيق. وإذا رأى معالي الرئيس أن الوقت يسمح لعله يأذن للدكتور الفرفور في أن يشرح هذا الأمر في دقائق معدودة.
البحث الأخير هو لهذا الماثل بينكم المتحدث اليوم الراجي عون ربه وقد استغرقته البحوث الثلاثة الأولى حقيقة، وأحس أني إذا عرضته من أوله سيكون حديثي تكرارًا يملُّني قبل أن يملكم، ولذلك أستأذنكم جميعًا في أن أقرأ آخر صفحة أو صفحة ونصف من هذا البحث الذي استغرق ما يزيد على سبع وعشرين صفحة.
في آخره أقول: إن الإسلام - وأرجو أن لا تسرعوا إلى اتهامي في شيء - بالفهم الصحيح له كانت الحداثة من بعض منهجه الشامل، وإن العلماء المسلمين هم آباء الحداثة الأوروبية بما نقلوه إلى أوروبا من منهج يقوم على ما منحهم الإسلام من حرية التفكير والتعبير والتجاوز عن الخطأ والسهو في البحث والاجتهاد - هذا العنصر الأول من عناصر الحداثة - وبتسخيره لهم ما في السماوات والأرض جميعًا منه تعالى، وما حضهم عليه من التفكير والتدبر والنظر واستعمال العقل وتحكيمه، وهجر الخرافات والأساطير، وبما دعاهم إليه من التعامل بالأسباب وتطوير الحياة وتقدمها، وبما هيأه لهم من تحرر الإنسان من عبوديته للإنسان وجعل العبودية لله وحده بغير وسيلة بشرية تفصل بين الخالق والمخلوق وتتوسط بينهما.
стр. 18203
هذا كله شرحته وذكرت ما ذهب إليه بعض العلماء لهذا الفكر الإسلامي وترجمات معاني القرآن الكريم، وقد ذكرت بعض الكتب لعلماء مسلمين كانت السبب في ظهور العلمانية وبزوغ حركات الإصلاح الديني حيث كانت العلمانية لا تعدو أن تكون ثورة على الكهنوت والكنيسة ورجال الدين، ولم تكن ثورة على الدين نفسه، وفرق بين الأمرين.
ثم بعد ذلك أنتم تعلمون أن كل شيء من حسن يدخله الشطط يفسد، فهذه كانت في بدايتها بهذا الحجم فقط، ثم بعد ذلك فسدت حتى وصل الأمر إلى واحد مثل نيتشه أن يقول: الآن مات الإله. فانتقلت العلمانية من ثورة على الإكليروس والكهنوت والكنيسة وحدها إلى الكفر وإلى الإلحاد. الأولى لا اعتراض لنا عليها لأنه ليس عندنا إكليروس ولا كنيسة. الثانية يبرأ منها كل مسلم مؤمن.
هذا هو تفسير هذا الكلام. ولذا قلت: إن آخر الكلام يوضحه أوله. وبجعله كتابه الكريم ودينه مبسوطين للناس جميعًا دونما احتكار لطبقة دون غيرها تعدل فيهما وتُغير وتفسر وتشرح وتمنح وتحرم، فانطلق العلماء المسلمون يحملون مشاعل الهداية والحداثة الحقيقية المؤمنة التي تعرف أن وراء الأسباب مسببًا سبحانه، لا تعمل بغير إرادته لأنهم هم قالوا بعد ذلك: إذا توافر السبب لابد أن يؤدي إلى نتيجة، ونحن بطبيعة الحال لا نقف هذا الموقف وأنه استخلف الإنسان في الأرض لإصلاحها وعمارتها وإقامة العدل وإشاعة الرحمة بين أهلها مهما تختلف أديانهم وأعراقهم وألوانهم، وأن الله رقيب على الناس فيما يعملون لا يغيب عن مثقال ذرة، فعليهم مراقبته باتباع هذا المنهج الخلقي الإيماني الذي تجردت منه الحداثة الأوروبية في مسيرتها التاريخية وتطورها الزمني، لأن الحداثة كما يقول كثير من الأوروبيين انتهت إلى كوارث، كوارث بيئية، كوارث طبيعية، وكوارث بشرية، وهذا كله مذكور في التوازن بين الفرد والمجتمع، ونأى المادية المفرطة التي أدت إلى الأنانية وإلى غطرسة القوة الغاشمة، وجعل الحرية والعقل والعلم والتقدم تنطلق كلها في فلك أخلاقي إطاره قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣ - ١٨٤] .
стр. 18204
ولا تستطيع أمة أن ترقى في معارج التقدم، وأن تحقق لنفسها نهضة وتبني حضارة بغير الحداثة بعناصرها التي ذكرناها، وبمثل ذلك تقدم المسلمون وشادوا حضارتهم الشامخة، وحين تخلوا عن الحداثة المؤمنة واقتبستها منهم أوروبا وشوهتها بعد ذلك تخلفوا هم وتقدمت هي. فبغير حرية الرأي والتعبير - هذه العناصر الأصلية للحداثة - وحرية الاجتهاد والبحث العلمي - وأنا أذهب أن الاجتهاد عندنا هو الذي أخذوه وسموه البحث العلمي - وحينما تركنا الاجتهاد ولا أقول أغلقنا بابه تخلفنا في باب الاجتهاد وتقدموا في البحث العلمي. تخلفنا نحن وتقدموا هم. فبغير حرية الرأي والتعبير، وحرية الاجتهاد والبحث العلمي واستعمال العقل والاحتكام إليه، واستخدام العلم ومنهجه وتطبيقاته وتطويرها - لأنني ذكرت قبل قليل أنهم هم ألَّهوا العلم وجعلوه إلهًا بدل الإله - تظل الأمة تدور حول نفسها حتى يصيبها الوهن. وهكذا فإن الإسلام سابق المسلمين الحاليين منذ تخليهم عن جوهره، وإن أردنا أن نتمسك به فعلينا أن نتقدم نحن نحوه لأنه أمامنا، تفصلنا عن حقيقته أشواط، فهو حديث دائمًا، عصري دائمًا، وبعضنا لا يكاد يعرف منه ولا عنه إلا مظاهر العبادات.
وخلاصة كل ما تقدم أن الإسلام ليس في مواجهة الحداثة الصحيحة، بل هي منه في صميم منهجه، وقد أخذتها منه أوروبا، فأفادت منها كثيرًا، ووصلت بها إلى هذه المرحلة الباذخة من الحضارة. ثم ما لبثت أن أقحمت عليها ما ليس منها وجعلته شرطًا لها، وفرغت منها روحها وإنسانيتها، فأصابتها بالجفاف وطوحت بها وبأهلها في مهاوي الضياع، وعلينا نحن أن نستعيد حداثتنا فنزيل عنها ما أقحم عليها ونرد إليها ما انتزع منها، وحينئذ نستأنف رسالتنا الحضارية للإنسانية.
والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18205
* * *
التعقيب والمناقشة
التعقيب والمناقشة
الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا يخفى على الجميع أن موضوع الحداثة كان الشغل الشاغل للكتاب، وخاض فيه الكثيرون من الكُتاب، ومن العلماء مَن يعرف ومَن لا يعرف. كُتبت الكتب الجادة، وكتبت المقالات والكتب الهزيلة المضحكة، وحيث إن غالب هؤلاء لم يعرف من الحداثة شيئًا ولم يعرف من مصادرها شيئًا، وإنما هي أصداء يقرؤها في الجرائد ويسمعها من المذياع أو في الفضائيات دون دراسة فاحصة ودون نقد موضوعي لها. ولهذا كان الأمل كبيرًا أن تكون الدراسات التي قُدمت عن الحداثة كان الأمل أن تشبعنا وتُقدم لنا مادة علمية موضوعية على مثل ما فعل أستاذنا الكبير الدكتور ناصر الدين الأسد، فكر صاف وموضوعية ونقد موضوعي دون تحامل أو تحيز، ودراسة فاحصة وممحصة نتمنى أن يكون كل من يتعرض لموضوع جديد على مثل هذا الفكر وعلى مثل هذه العقلية وعلى مثل هذا المنهج. هو في نظري المنهج المثالي الذي كُنا نتمنى أن البحوث التي قُدمت تتناولها هذا التناول الموضوعي العلمي الذي يقبله المثقف وذو العقل والخصم ويقبله كل أحد.
الشيء الذي كنت لا أريد التحدث عنه، ولكنه في نفسي كنت أتمنى أن ننجز دراسة جادة عن الحداثة كما رايتموها عند أستاذنا الكبير الدكتور ناصر الدين الأسد وبقية الأساتذة.
النقطة الأخرى. الواقع أن مجمعنا - جزى الله الأمانة فيه خيرًا - رسخ فينا أمورًا منهجية للبحث. فالبحث الذي يُقدم لابد أن يكون أصيلاً، بمعنى لم يسبق أن كُتب ولا يُنقل طباعة ويُضخم البحث به.
стр. 18206
النقطة الأخرى الملخص للبحث. الكثيرون ربما نظروا إلى كثير من البحوث نظرات وتصفحات سريعة فحبذا كما قرر المجمع وأمانته أن يكون هنا ملخص للبحث، وهذا أمر موجود في المؤسسات العلمية. أيضًا يوضع في النهاية نتائج وملخص البحث ليعطي القارئ روح البحث، ونهاية البحث خصوصًا للمتعجل. الأهم من كل ذلك هو أن مجمعنا يُرسخ فينا تقاليد علمية ثابتة في المجامع العلمية. لو أن كل بحث له معقب، هذا المعقب يقرأ ويفحص البحث الذي يُقدم إليه فحصًا دقيقًا ونقدًا علميًّا موضوعيًّا منهجيًا ويُقرأ ذلك التعقيب. فعندئذ كل كاتب يكتب بحثًا يعرف أن من ورائه معقبًا. هذا المعقب يتتبع حسناته كما يتتبع سيئاته، يبين مزاياه ويبين عيوبه. أتمنى أن تكون في دوراتنا القادمة أن يكون لكل بحث علمي معقب، هذا المعقب يشترك في المسؤولية ويوفر على الكثير منا التعقيب السريع والنظرة العاجلة.
كما لا يخفى على الجميع أن مجلسنا هو محط الآمال ومعقل لآمال المسلمين في كافة القضايا وله كلمته الحاسمة، والآن وقد تعرض المجمع لموضوعين، هذان الموضعان شغلا الكثير من الفكر ومن الوقت، وهما: (العلمانية) و (الحداثة) . ومادام أن المجمع قد تعرض لهما فنأمل أن تخرج عن هذا المجمع دراسة علمية موثقة متأنية من كبار المفكرين الذين اشتهروا بالموضوعية وعدم التحامل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، ولا أكتمكم أنني قرأت عنها، ولكن ليس مقتنعًا بهذه الكتابات.
أصبحت هذه الموضوعات: الاستشراق، العلمانية، الحداثة، كل واحد يكتب فيها لغرض من الأغراض ولهدف من الأهداف، ولكن أعلم أن البعض - ولا أقول كثير - يكتب وهو لم يقرأ كتابًا واحدًا ولم يعرف شيئًا عنها. وإنما يكتب فقط، وهو من الأعلام البارزين. أتمنى على هذا المجمع وقد تعرض لهذين الموضوعين أن يقدم دراسة متأنية لها أثرها العلمي في المحافل والمجامع العلمية، وأرجو أن يكون من بين هؤلاء الذين ينتدبون شخصيًا لهذا العمل معالي الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد. فأعتقد أن المنهجية التي سار عليها والفكر الذي توخاه يعتبر أنموذجًا لدراسات مثل هذه الأفكار. ونحن نتمنى أن تصدر عن هذا المجمع دراسات عن العلمانية وعن الحداثة بالصورة التي نأملها وتعتبر مصدرًا للجميع. وشكرًا.
стр. 18207
الدكتور علي داود الجفال:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أشكر الإخوة الباحثين على هذه البحوث القيمة والتي استمعنا إليها، ولكن أريد أن أوجه نقطة وأطلب أن تكون توصية في هذا المجمع الموقر، وذلك من واقع الممارسة، حيث إن المناهج التي تُعطى في معظم العالم العربي حول أوروبا الحديثة والنهضة الأوروبية كما علمناها للطلاب بأن النهضة الأوروبية هي انطلاق شامل لجميع ميادين الحياة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية مع أنه كما قال أستاذنا الكبير ناصر الدين الأسد بأن هذا الخطر كان في الكنيسة، بدليل أن مارتن لوثر حينما عاش في الفاتيكان خرج منه محتجًا باسم البروتستانت كان أول ما طالب به زواج القسس والأشياء الأخرى. فأصبحت أوروبا في حيرة ماذا تعمل؟ هل تعود إلى الكنيسة؟ إن النظرة السوداء لهذه الكنيسة لا يمكن أن تعود لها، فماذا تعمل؟ لجأت إلى العقد الاجتماعي، فهذا (توماس هبس) يدافع عن الملكية دفاعًا شديدًا، وهذا (جون) يعارضه في ذلك.
وهكذا تطور الأمر في أوروبا حتى قامت الثورة الفرنسية فأصبح الطلاب في العالم العربي والعالم الإسلامي يؤمنون بأن الأخوة والإنسانية والحقوق نشأت من الثورة الفرنسية، وأن المفكرين الفرنسيين هم أنبياء الحرية، وهذا التعميم أصبح في ذهن معظم طلاب العرب كما لمسناه في الواقع، ونقول لهم بأن هذا شيء والإسلام شيء آخر، وأن العلماء الغربيين لو كانوا هم مسلمين وفهموا العقيدة الإسلامية لما وضعوا هذه الحلول وهذه النظريات وهذه القوانين.
فأريد أن أنوه لهذه النقطة كما سبق وإن تكلم الأستاذ الجناحي في الصباح بأن يكون هنالك تعديل في مناهج العالم العربي والإسلامي، بأن تكون هذه النقطة تؤخذ بعين الاعتبار لأن قليلاً من معلمي التاريخ من يعرف بأن هذا شيء والإسلام شيء آخر. فأرجو أن تؤخذ هذه النقطة بعين الاعتبار. وشكرًا.
стр. 18208
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
أشكر الإخوة الباحثين، وأبدأ كلمتي بأن تحرير المصطلحات أمر مهم، وإن ما يأتي على الناس خطأ من وضع الأسماء على غير مسمياتها. فهذه جمل ذكرها علماؤنا في تعاملهم مع المصطلحات. وقالوا: إن خطأ الدليل يأتي من جعل اللفظ المشترك متباينًا أو من جعل المتباين مترادفًا.
نحن أمام مصطلحات جديدة فهي مصطلحات غربية غريبة. من هذه المصطلحات، كما استمعنا إليه في الصباح، مصطلح (العلمانية) أو (المتعالمة) أو (التعالمية) ، لأنها في الحقيقة تريد أن تنسب نفسها للعلم وهي ليست من العلم في شيء، فهي من باب (التعالم) وليست من باب (العلم) . فينبغي أن نخرج بمصطلح، قد يقول الناس: إن هذا شيء تافه، المجمع يجتمع ليخرج بمصطلحات. معركة المصطلحات هي معركة مهمة جدًا لتحديد مضمونها ومحتواها.
ثم في المساء تحدثنا عن (الحداثة) .
أولاً: بالنسبة للتعالمية يبدو لي أنها لا دينية أو لا مقدسة، وهذا ما تفسره الحضارة الغربية في الحقيقة عندما نعود إلى أصولها. أما الحداثة ففيما يبدو لي مع أن الإخوة درسوها دراسة شاملة كاملة لكن المظهر الأساسي من مظاهر الحداثة هو مظهر أدبي. بمعنى العلاقة باللغة أو ما يسمونه بتفكيك النصوص، وتفكيك النصوص هذا لا يستثنى منه أي نص وبالتالي يعتدي على النصوص المقدسة، وعندنا قديمًا العلماء بحثوا في مسألة اصطلاحية اللغة وعدم اصطلاحيتها، وقالوا: إن ذلك لا يجوز، تغيير اللغات لا يجوز إذا كانت الألفاظ تتعلق بالنصوص الشرعية، فبعض العلماء قالوا: لا يجوز، وبعضهم يرى أن مسألة تفكيك النصوص وإعادتها إلى سياقها التالي هي من المسائل الكبرى التي - في رأيي - يجب أن تدرس بغض النظر عن المسائل الأخرى، لأن بعض الإخوان طرحوا الحداثة بالمعنى اللغوي، وهو تفسير لمدرسهم باللغة الفرنسية، وهذا الأمر أعتقد لا يختلف فيه كثيرًا. إن التحديث أو إصلاح الأوضاع أو توكيد الأوضاع أو التجديد في ضوء الشريعة أمر مرغوب فيه وهو أمر ينبغي أن ندرسه. من ناحية النظرية الغربية لابد أن ندرسها بكاملها، وأرى من الناحية التنظيمية أن نضع قائمة لهذه البدائل. فقد رأيت كثيرًا من هذه البدائل اشتبكت في دراسة الحداثة وقد لا تكون ذات صلة حميمة بالحداثة.
стр. 18209
النظريات الفلسفية الغربية، التي تنافي الدين، من المعلوم أن الغرب عنده ما يسمى بالعالم المكتفي بنفسه، أي أن هذا العالم لا يقسم عنه بشيء خارج عن العالم. فيفسرون ظاهرة بظاهرة وإذا لم يجدوا تفسيرًا لظاهرة ما وقفوا متحيرين بمعنى أنهم لا يضعون مكانًا لله - جل وعلا - في تفسير ما يجري في الكون. وهذا ما يسمى بنظرية العالم المكتفي بنفسه، المهم أنها نظرية خطيرة مثيرة.
هناك عندهم ما يسمى بالنسبية؛ أي أن كل شيء نسبي، لكن حتى في العلوم البحتة هناك نسبية كما يقول إنشتاين، لكن النسبية أيضًا تتجاوز إلى العقائد. كل شيء نسبي. عندنا أمور مطلقة لا يمكن تقييدها ولا يمكن أن تكون نسبية، بل هي صالحة كما بالأمس كما هي صالحة اليوم وصالحة غدًا أيضًا.
باختصار يبدو لي أن الذي يمس بشكل حميم وله صلة بما نحن فيه هو تقديم بحوث عن التجديد في الإسلام، والتجديد كلمة ليست دخيلة بل هي معروفة في الإسلام في مسألة: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها))
وهو حديث أخرجه جماعة من الحفاظ.
فهذا التجديد موضوع مهم جدًا، وإذا قدمنا أسس التجديد في الشريعة من مقاصدها ودلالاتها اللغوية - دلالات منضبطة وليست دلالات الحداثة التي لا تنضبط - من دلالاتها المنضبطة حوالي أربعين دلالة، أي من دلالاتها المنضبطة ومن مقاصدها أيضًا والتي ضبطها العلماء سواء ما يتعلق بالمقاصد الثلاثة أو في المقاصد الأخرى ومن قواعدها أيضًا يمكن أن نقدم خدمة كبيرة وبالتالي نرد في نفس الوقت على مسألة الحداثة والتحديث.
إني موافق على تكوين لجان، وموافق على تقديم بحث متكامل، يقدمه أهل الاختصاص من المفكرين الذين يمكن أن يقدموا تصوراتهم أساسًا ويقدم الفقهاء جانبًا آخر بصفتهم أهل الاختصاص.
وشكرًا. والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 18210
الدكتور عبد الله بن عبيد:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
شكرًا فضيلة الرئيس وشكرًا للإخوة الباحثين.
تعليقي فيما يتعلق بالحداثة هو أنها من المصطلحات الحديثة، ومن المصطلحات البراقة. كما استخدم لفظ العلمانية استخدم لفظ الحداثة، والشباب يتعلقون بهذه المسميات.
الحداثة ذات معنيين: المعنى الأول: التجديد في الطرح والتجديد في العرض مع البقاء على القواعد والأصول والضوابط، وهذا أمر ممدوح ولا تعليق عليه. ولا أعتقد أن المجمع يناقش هذا المفهوم كما أشار إليه الأستاذ ناصر الدين الأسد، لكن لعل المقصود هو الجانب الآخر من الحداثة وهو الحداثة المتعلقة بالأدب وبالنقد الأدبي، والمتعلقة بالشعر والنثر وما تم طرحه على الساحة الإسلامية من هذا المنطلق.
من هنا الحداثة تتعلق بالإيغال في النص وقداسته وتعدد مفهومه. الطرح المتمرد أو المتجرد عن، ومن، الدين والأخلاق، هذا قام به أفراد منعزلون عن المجتمع، ولا أقول جماعة ولا أقول فئة، لأن لكل منهم مفهومه. هؤلاء المنعزلون عن المجتمع دينيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، أفراد استوحوا أفكارهم من جوهم الخاص ومن إطارهم المحدود المنقطع عن البيئة. أفراد منكفئون على ذواتهم. لكل بلد بل لكل شخص حداثته. لهذا نجد صعوبة في قراءة هذا الإنتاج، كما يجد الحداثيون أنفسهم صعوبة فيه، لأن الهدف هو الخروج عن المجتمع وتقاليده، فهي عامل هدم وليست عامل بناء، فأصبح القارئ لا يفرق بين ما يكتبه مسلم أو غير مسلم.
لهذا أتقدم باقتراح يتعلق بالتحذير من الحداثة التي هذه أوصافها، وفي ذات الوقت حث الأدباء والشعراء والنُقاد على الانطلاق في العرض والطرح من مبادئ الإسلام الحنيف. كما أود أن يخرج هذا الاجتماع بتشكيل لجنة لدراسة هذه الظاهرة دراسة يشترك فيها من ألمَّ بها ومارسها وانصرف عنها وهم كثير.
وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 18211
الشيخ محمد الشيباني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛
فإنني أشكر الدكتور ناصر الدين الأسد على عرضه القيم، حيث إنه لم يُثرِ نفسه على غيره في عرضه. وإنني أريد أن أشير إلى بعض ما جاء في بحثي بحيث لا أزيد فيه على ما هو محدد إن شاء الله.
أقول جاء في هذا البحث:
لقد انتقد الغربيون الأحكام الشرعية ووصفوا أحكام القصاص والحدود بأنها أحكام قاسية تخالف في زعمهم ما أسموه بحقوق الإنسان، وهذا باطل، لأن القصاص والحدود ما شرعت إلا لحفظ الإنسان في نفسه ودينه وعقله ونسله وعرضه وماله.
وهذه هي الضروريات الواجب حفظها للإنسان تجب مراعاتها في كل ملة.
أما القصاص فقد شرع للحفاظ على حياة الإنسان. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] .
وهذا واضح لمن تأمله، فالإنسان إذا علم أنه إذا قتل سيقتل فلابد أن يكفَّ عن القتل. قال القرطبي: (والمعنى أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معًا) .
أما الدين فإن التمسك به إنما هو في صالح الإنسان نفسه، لأنه يكسبه حياة أبدية في نعيم الجنة ويجنبه الخلود في النار، ولذلك قال الرسول ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه))
أخرجه البخاري عن ابن عباس، ﵄.
وأما العقل فإنه هو الذي يميز الإنسان والحيوان، ولصيانته شُرع حد شرب الخمر، صيانة لعقل الإنسان. وأما النسب فإن حفظه ضروري للإنسان ولذلك شرع حد الزنا؛ لأن الإنسان إذا لم ينسب لأب معروف فإنه تلحقه معرة شديدة.
كما أن حد القذف شرع حفاظًا على عرض الإنسان، وأما المال فإنه ضروري لحياة الإنسان فلذلك شُرع حد السرقة.
وبهذا يتضح أن القصاص والحدود إنما شرعت لمصلحة الإنسان في صيانة نفسه ودينه وعقله ونسبه وعرضه وماله.
وفي هذا المجال يطيب لي أن أنوه بالمرسوم الذي أصدره صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة - حفظه الله - وجاء في هذا المرسوم بالحرف الواحد:
(نأمر بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء على جميع القضايا الخاصة بالقصاص والدية والحدود وجرائم الأحداث والمخدرات، وأن يكون الفصل في هذه القضايا من اختصاص المحاكم الشرعية على مستوى الدولة. وعلى النيابة العامة إحالة جميع القضايا سالفة البيان إلى المحاكم الشرعية المختصة. وعلى جميع الجهات المختصة سرعة تنفيذ هذا الأمر) . وعندي صورة من هذا المرسوم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18212
الرئيس:
بقي عدد من المتكلمين، وأن ما حصل، فيه الخير والبركة من العرض ومن المناقشات، ولعل الإخوان يعذروننا في عدم استكمال بقية أسمائهم، ولهذا ترون مناسبًا أن تكون اللجنة من أصحاب الفضيلة والمشائخ والأساتذة: ناصر الدين الأسد، نزيه حماد، عبد الوهاب أبو سليمان، عبد الستار أبو غدة.
وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 18213
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرار رقم: ٩١ (٣/١١)
بشأن
الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤ - ١٩ نوفمبر ١٩٩٨م) .
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة) . وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى خطورة هذا الموضوع، وكشفت وأوضحت حقيقة الحداثة بأنها مذهب فكري جديد يقوم على تأليه العقل، ورفض الغيب، وإنكار الوحي، وهدم كل موروث يتعلق بالمعتقدات والقيم والأخلاق.
وأن أهم خصائصها عند أصحابها:
- الاعتماد المطلق على العقل، والاقتصار على معطيات العلم التجريبي بعيدًا عن العقيدة الإسلامية الصحيحة.
- الفصل التام بين الدين وسائر المؤسسات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الخيرية. وبذلك تلتقي مع العلمانية.
لذا قرر المجمع ما يلي:
أولًا: الحداثة بالمفهوم المنوه به مذهب إلحادي يأباه الله ورسوله والمؤمنون لمناقضته الإسلام في أصوله ومبادئه، مهما تلبست بمظهر الغيرة على الإسلام ودعوى تجديده.
ثانيًا: إن في قواعد الإسلام وخصائص شريعته ما يفي بحاجة البشرية في كل زمان ومكان من حيث ابتناؤه على ثوابت يقينية لا تستقيم الحياة الإنسانية إلا بدوام وجودها، ومتغيرات تكفل التقدم والتطور، وتستوعب كل جديد صالح من خلال الاجتهاد المنضبط المعتمد على مصادر التشريع المتنوعة.
التوصيات:
يوضي المجمع بما يلي:
أ - أن تهتم منظمة المؤتمر الإسلامي بتكوين لجنة من المفكرين المسلمين لرصد ظاهرة الحداثة، ونتائجها، ودراستها دراسة علمية موضوعية شاملة لتنبه إلى ما قد تشتمل عليه من زيف، لحماية الناشئة من أعضاء الأمة الإسلامية من الآثار الخطرة.
ب - على ولاة أمر المسلمين صد أساليب الحداثة عن المسلمين وبلادهم، وأخذ التدابير اللازمة لوقايتهم منها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 18214
مجمع الفقه الإسلامي الدولي
ووحدة الأمة الإسلامية
إعداد
محمد الحبيب ابن الخوجة
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك جل ثناؤك، أقمت جماعتنا على منهج التوحيد، وجعلتنا خير أمة أخرجت للناس، وبنيت ملتنا على أمتن القواعد وأكملها: إيمان بالله وتقواه، ومراقبة له في كل لحظة من لحظات الحياة، وأخوةٍ صادقة يتساند بها أفراد الأمة، وتنشئ من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية، وإقامة هذه الحياة على التقارب والتآلف والتناصح، ذلول بعضها لبعض، محب بعضها لبعض، متآلف بعضها مع بعض ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣] .
وأصلي وأسلم على إمام الأمة نبي الرحمة عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، الذي غرس بيديه الكريمتين غريسة الوحدة في نفوس المؤمنين، فنمت وتغلغلت، وامتدت جذورها وبسقت أغصانها، وينعت ثمارها، فجعل منهم قوة بعد أن كانت قلوبهم شتى، وعداواتهم جاهرة، وبأسهم بينهم شديدًا، فجزاه الله عنا من إمام أفضل الجزاء، وأعطاه الله الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة من الجنة.
стр. 18215
سيادة الرئيس
أصحاب السماحة والفضيلة
أيها السادة العلماء
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ...
في هذه المناسبة الكريمة التي تجددت بها مظاهر اليقظة الإسلامية، والتقت فيها كلمة المؤمنين والمصلحين على الإشادة بما في ديننا وعقيدتنا ومتمسَّكنا في دنيانا وآخرتنا، من أصول وثوابت، ومبادئ وقيم، وهدى ونور، نحرص كل الحرص على تجلية الوحدة، ونعمل جاهدين على تحقيقها، وندعو إلى القيام بنشرها بين الناس، إشاعة للفضل، وتعميمًا للخير، وتمكينًا للدين الحق من النفوس.
وقد قامت بهذه الدعوة الإيمانية التآلفية الخيرة، وبالمناداة إلى الوحدة الإسلامية، هيئات كثيرة ومنظمات، ومؤسسات ومجامع هنا وهناك في أطراف العالم الإسلامي، نذكر من بينها وفي طليعتها منظمة المؤتمر الإسلامي الجامعة لكلمة الأمة، والقائمة على توحيد صفوفها فكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، ومجمع الفقه الإسلامي النابع من هذه المنظمة، والذي يمتد تعاونه مع جميع الهيئات العاملة في هذه السبيل.
стр. 18216
أصحاب السماحة السادة العلماء
في الخطاب الإلهي الخالد، الموجه للمؤمنين كافة، دعوة صريحة إلى هذا المهم، تنطلق بها الآيات الكريمة من سورة آل عمران:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) ﴾
[آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥] .
ففي هذه الآيات دستور للمسلمين يضعونه نصب أعينهم، ويعقدون عليه قلوبهم، ودعوة مباركة إلى تقوى الله، والالتزام بالإسلام، وأمر بالاعتصام بحبل الله، واجتناب التفرق، وتنبيه على نعمة الأخوة التي مَنَّ الله بها على الجماعة المسلمة وأسبغها عليهم، وحثٌّ لهم على الاضطلاع بالدعوة إلى الخير، والنصيحة لكل مسلم، ولا يتولى عن هذا الدستور أو يصد عنه إلا من أنكر نعمة الأخوة عليه، أو لسوء عقيدته، أو لما في قلبه من دخل.
فهذه الآيات البينات من القرآن الكريم تقتضي أن يجتمع المؤمنون تحت لواء الله، وأن ينبذوا الأحقاد التاريخية، والتارات القبلية، والأطماع الشخصية، والرايات العنصرية، وقد رأينا تحقق النتائج العظيمة لقيام هذه الوحدة في الرعيل الأول من المسلمين أيام قوتهم وعزتهم وإبداعهم وتأسيس حضارتهم، وصف ذلك الدعاة والمصلحون في حديثهم عن الوحدة الإسلامية، ونوه بذلك الأستاذ محمد عبده في قوله:
من المغرب الأقصى إلى تونازني على حدود الصين، في عرض ما بين قازان من جهة الشمال، وبين سرنديب تحت خط الاستواء: أقطار متصلة، ديار متجاورة يسكنها المسلمون، كان لهم فيها سلطان لا يُغلب، أخذ بصولجان الملك منهم ملوك عظام، أداروا بشوكتهم كرة الأرض إلا قليلًا، ما كان يهزم لهم جيش، ولا يُنكس لهم عَلم، ولا يُرد قول على قائلهم.
стр. 18217
قلاعهم وصياصيهم متلاقية، ومنابتهم ومغارسهم في سهوبهم، أراضيهم سهلة واسعة، وأخيافهم رابية مزدهية بأنواع النبات، حالية بأصناف الأشجار، صنع أيدي المسلمين، ومدنهم كانت آمنة مؤسسة على أمتن قواعد العمران، تباهي مدن العالم بصنائع سكانها وبدائعهم، وتفاخرها بشموس الفضل، وبدور العلم، ونجوم الهداية من رجال لهم المكان الأعلى في العلوم والآداب.
وقد كان المسلمون - بأصول دينهم - أنورَ عقلًا، وأنبه ذهنًا، وأكثر استعدادًا لنيل الكمالات الإنسانية، وأقرب إلى الاستقامة في السلوك والأخلاق، لما بينهم من إخاء مؤزر بمناطق العقائد، وبما ساخ في نفوسهم من جذور المعارف التي أرشدهم إليها دينهم، كانوا يعدون أنفسهم أولى الناس بالعلم، وأجدرهم بالفضل، ولكنهم حين غاضت كمالاتهم ولم يعد لها من باقية تركوا كتاب الله وراء ظهورهم، فلم يهتدوا بآياته، ولا أقاموا العدل أو ساسوا مجتمعاتهم بأحكامه، كما صدفوا عن سنة رسولهم فلم يأخذوا بأحاديثه، ولم ينتفعوا بحكمته، فأصابهم ما أصابهم من الضعف والوهن، ومن الاختلال الكبير في حياتهم.
وظهرت الفتن، وانتشرت البدع، واستشرت الغواية والجهالة فيهم، ووقفوا في سيرهم الحضاري، بل تأخروا عن غيرهم في المعارف والصنائع، بعد أن كانوا أئمة العالم فيها والمتفوقين بها، وطمع فيهم الأباعد وكادوا لهم كيدًا، وغزوا أراضيهم فنقصوها من أطرافها، ومزقوا حواشيها حتى لم يعد لهم في شؤونهم حل ولا عقد، لا يستشارون في مصالحهم، ولا أثر لإرادتهم في منافعهم العمومية.
стр. 18218
والأمة إذا بلغت هذا الحد، وجهدها البلاء، لم تعد غير فئات مغلوبة وجماعات مقهورة ليس لها من الأمر شيء، فلا تثبت على حال ولا ينضبط لها سير، وقد ألهاها ما مرت به من أزمات، وتعرضت له من مهانة، وحل بها من نكبات عن الانتفاع بتعاليم الدين واتباع مناهجه التي قامت عليها عزة الأجداد وقوتهم وحضارتهم وريادتهم.
ولما بدأت تسري في جموعهم روح اليقظة إذا هم يثوبون إلى الرشد، ويطمعون في القيام بانطلاقة جديدة تعيد لهم عقيدتهم وتصوراتهم ومبادئهم وقيمهم، وتفقدوا ما في مداخل قلوبهم من بقايا الإيمان والهدي الديني، فرجعت إليهم الآمال، وأشرقت نفوسهم بالبشر، حين أدركوا أنهم سهوا وما غووا، وزلوا وما ضلوا، ولكن دهشوا وتاهوا، فهم في حاجة إلى من يمد لهم يد العون، ويهديهم إلى الرشد وإلى سواء السبيل.
كانت هذه الأحوال معروفة ومعلومة عند ساسة الأمة وقادتها، وحين حزبهم الأمر دعتهم الحاجة إلى تكوين رابطة جامعة، وإقامة مؤسسة دولية يلتقون فيها لتخطيط السير، وتنسيق الجهود من أجل تحقيق التنمية، والعودة بشعوبهم إلى المنزلة اللائقة بها التي تخلوا عنها للأسباب التي ذكرناها قبل.
وفي مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة، فيما بين ١٩ - ٢٢ ربيع الأول سنة ١٤٠١هـ، دعا جلالة الملك الراحل خالد بن عبد العزيز، ﵀، الأمة الإسلامية وفقهاءها وعلماءها أن يجندوا أنفسهم، ويحشدوا طاقاتهم في سبيل مواجهة معطيات تطور الحياة المعاصرة ومشكلاتها، بالاجتهاد والاسترشاد بالعقيدة، وما تضمنته من مبادئ خالدة قادرة على تحقيق مصلحة الإنسان الروحية والمادية في كل زمان ومكان.
стр. 18219
وصدر عن مؤتمر القمة الثالث القرار ٨ /٣ بإنشاء مجمع الفقه الإسلامي العالمي، وفي المؤتمر التأسيسي للمجمع المنعقد بمكة المكرمة أيضًا، من ٢٦ إلى ٢٨ شعبان ١٤٠٣هـ، الذي حضره ممثلون عن إحدى وأربعين دولة، ألقى رئيس المؤتمر خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، حفظه الله، خطابه المنهجي الرئاسي الخالد، الذي توجه به إلى الأمة الإسلامية قاطبة من خلال ممثليها، من مسؤولين وعلماء وفقهاء وحكماء في مختلف البلاد الإسلامية، وقد جمع هذا الخطاب الرئاسي فرائد جمة أبرزها:
التأكيد على أن بناء الوحدة الإسلامية لا يمكن إقامته ولا تجديده بين أفراد الملة إلا بالتمسك بالعقيدة الإسلامية، جوهر الوحدة وأعظم مقوماتها.
وأن الدين الإسلامي متمسكنا، لهو أكمل الأديان وأجل النعم، وخير ما اختاره ورضيه الله لنا في هذا الوجود لنيل الحسنيين وبلوغ السعادتين، فالإسلام دين يخاطب العقل، ويناهض التخلف، ويشجع حرية الفكر، ويستوعب منجزات العصر، ويحض على متابعتها، كما أنه يضع قواعد السلوك الإنساني، فينظم العلاقات الاجتماعية والدولية على أساس التراحم.
وأن في بيانه للناس وتجلية حقيقته لهم، وفي الالتزام به، حكامًا ومحكومين، لحقنًا للدماء، وحفظًا للأموال، وصيانة للأعراض، ونشرًا للرحمة والأمن بين أفراد ملتنا، وتمكينًا لهم من مواجهة كل الأخطار والتحديات إذا ما تداعت الأمم على حضارتنا وتراثنا وديننا.
стр. 18220
وفي هذا الخطاب الجامع إشارة أولًا: إلى ما أصاب الأمة من تفرق وداهمها من أحداث، وواجهها ويواجهها من تحديات ومشاكل، لابد من الانتصار عليها، كما ورد فيه.
ثانيًا: التنبيه إلى سبيل ذلك في هذا الظرف التاريخي الذي نعيشه ونمر به، والذي ينبغي أن يتخطى فيه شرف خدمة الشريعة حدود الجهود الفردية والإقليمية، ويجتاز الحدود السياسية، في أول تنظيم عالمي يتمثل في مجمع الفقه الإسلامي، الذي يلتقي فيه العلماء والفقهاء من مختلف البلاد الإسلامية ليشهدوا منافع لهم، ويقوموا بعرض وجهات نظر المذاهب الفقهية الاجتهادية المختلفة في كل قضية تبحث، ويجتهدوا في ذلك اجتهادًا جماعيًّا يوحد صفوفهم، وينتهي بهم إلى اكتشاف المنهج الأقوم لبيان الأحكام، ورعاية المصالح المعتبرة شرعًا، فيما يتخذونه من قرارات أو يصدر عنهم من توصيات.
وقد حدد الخطاب التأسيسي الملكي لهذا المجمع دوره وبدايات نشاطه قائلًا: إن البداية السليمة لبناء وحدتنا تتمثل في نبذ الخلافات بين المسلمين، وتصفيتها بروح الأخوة الإسلامية، كما أن البداية الحقيقية لقوتنا تعتمد على قدرتنا على مواجهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية العالمية، بحلول إسلامية مستلهمة من روح الشريعة السمحة، ومتجاوبة مع احتياجات العصر، وإن هذا الأمر مهما بدا مشكلًا أو صعبًا يستطاع تذليله والتغلب عليه بالفهم الدقيق، والتدبر العميق للقضايا المطروحة، وبتجنب التعصب المقيت، فإنه لا معنى للتعصب في الإسلام، وإن طريق الوصول إلى الحكم ليعتمد ما بين أيدينا من أدلة تستمد من كتاب الله وسنة رسوله، طبقًا لضوابط الاستنباط وأصوله الشرعية المرعية لدى العلماء والفقهاء، وهو بما يوجه إليه من ذلك ليأمل من رجال الاختصاص المجتهدين في الأحكام في كل شؤون الحياة أن يحاولوا التوصل إلى رأي جامع، ليكون السبيل الأقوم لتحقيق الوحدة بين جميع الشعوب الإسلامية.
стр. 18221
ومن يُعد النظر في هذا الخطاب المنهجي، وفي التراتيب المعدة من طرف أعضاء المجمع للقيام برسالتهم على أكمل الوجوه، يدرك أن الأهداف الأساسية من بعث هذه المؤسسة الفقهية الاجتهادية تقوم أولًا: على تحقيق الوحدة الإسلامية نظريًّا وعمليًّا عن طريق السلوك الإنساني ذاتيًّا واجتماعيًّا ودوليًّا، وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، وثانيًا: على شد الأمة الإسلامية بعقيدتها، ودراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهادًا أصيلًا يمكن من تقديم الحلول المناسبة النابعة من الشريعة الإسلامية.
وهذا الدور العظيم الذي نحن مطالبون به يقتضي -بدون شك- تنقية الدين من الشوائب التي امتزجت به، وإبطال تحريفات المبطلين الذين يكيدون للإسلام بما يختلقونه من أفكار وينشرونه من ضلالات، وهكذا تصبح للمجمع الفقهي الإسلامي الدولي وظيفتان أساسيتان، إحداهما: عملية نفعية عامة، وثانيتهما علمية أكاديمية خاصة.
ومما يترجم عن وظيفته الأولى توصية المؤتمر الثالث بعمان، التي تناشد الأمة الإسلامية شعوبًا وحكومات، أن تعمل جهدها لاستنقاذ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وتحرير الأرض المحتلة، بحشد طاقاتها وبناء ذاتها وتوحيد صفوفها، والتسامي على كل أسباب الاختلاف بينها، وتحكيم شريعة الله سبحانه في حياتها الخاصة والعامة.
стр. 18222
وكذلك توصية الدورة الرابعة بجدة التي من خلال دراستها لمجالات الوحدة الإسلامية وسبل الاستفادة منها، نوهت برابطة الإسلام بين شعوب الأمة الإسلامية، باعتبارها قاعدة ثابتة لكل بناء حضاري يرمي إلى توحيد صفوفها، وإلى التأليف بين الجهود المبذولة في مجابهة التحديات المعاصرة، وتحقيق العزة والتقدم، كما دعت إلى وجوب تنسيق سياسات الدول الإسلامية في مختلف ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والحرص على توثيق علاقات التناصر والتعاون والتراحم بين شعوب الأمة لرفع ما يعوق سيرها من ألوان التبعية، وما يجابهها من تحديات، حرصًا على بلوغ ما تعمل كادحة من أجله، من تحقيق الرقي والمنعة والازدهار للأمة الإسلامية.
أصحاب السماحة السادة العلماء:
لقد كانت الوحدة والعلم الديني والدعوة إلى الخير والعمل الصالح أساس كل نهضة وسبيل كل رقي وتقدم، ومما ورد في هذا الشأن قول الإمام علي، كرم الله وجهه، يخاطب المؤمنين من حوله:
(العمل العمل، والاستقامة الاستقامة، والورع الورع، وإن لكم علمًا فاهتدوا بعلمكم، وإن للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته، واخرجوا إلى الله بما افترض عليكم من حقه، وبين لكم من وظائفه، واعلموا أن القرآن هو الناص? الذي لا يغش والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عَمَى، فعلى المؤمنين أن يتدبروه، وعلى علمائهم أن ينصحوا به) .اهـ.
стр. 18223
فإن أول صيحة تبعث إلى الوحدة، وتوقظ من الرقدة لهي تلك التي تصدر عن أعلى الناس منزلة، وأعظمهم حرمة، وأقواهم حجة، وليس لهذا غير العلماء العاملين، فإن كلمتهم مسموعة، ودعوتهم مقبولة، وهم الذين لهم اليد الطولى في هذا العمل الشريف، يذكرون الجماعات الإسلامية بسنن الله في كونه، ويتلون عليهم من الآيات ما فيه مزدجر، ويثبتون في قلوبهم ما وعد به الرحمن عباده الصالحين من عزة ونصر في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] .
وقد دعا أحد الأئمة من أجل تحقيق الوحدة بين المسلمين إلى ضرورة الاستعلاء على حالة التمحور حول الذات، شخصية كانت أم مذهبية أم إقليمية، والارتقاء إلى مستوى الاهتمام بالكيان الكلي للأمة.
أما الوظيفة الثانية، وهي لا تقل شأنًا عن الأولى، فإنها تتمثل في الجانب العلمي الأكاديمي، الذي تقوم به في كل زمن أصحاب الاختصاص من ذوي التكوين العلمي الواسع، الذين يصورون للفقهاء من منطلق اختصاصاتهم المتنوعة الوقائع والحوادث كما هي في الواقع، ويكيفونها بالوجه الذي يساعد الشرعيين على إصابة المحز في اجتهاداتهم، وتحقيق المناط فيما يصدر عنهم من أحكام في القضايا المطروحة عليهم للدرس والنظر.
وقد تهيأ للقيام بشرف خدمة الفقه الإسلامي سراة القوم وكبار علمائهم، فدعوا إلى المجمع من الدول الإسلامية كافة، فهم أعضاء يمثلون دولهم، أو شخصيات لامعة في العلوم الفقهية وفي مجال النظر والاجتهاد، أو ممثلون للمؤسسات الفقهية المنتشرة في العالم الإسلامي، أو خبراء ومراسلون يقدمون في كل دورة من دورات المجمع دراساتهم العميقة، وبحوثهم القيمة، مستمدة من فقه المذاهب المعتبرة الباقية التي ينتسبون إليها، فيعرضون نتائج جهودهم وثمرات بحوثهم على مجلس المجمع، ويجري فيها النقاش، ويكون ذلك هو طريقهم إلى إصدار الأحكام الفقهية والقرارات والتوصيات المجمعية، ولا يعتد من ذلك إلا بما يحظى بإجماع الأعضاء أو باتفاق الأغلبية منهم، مما يكون أقوى حجة ودليلًا، وأوفى بمقاصد التشريع، وأقرب إلى مراعاة المصالح المعتبرة.
стр. 18224
وبممارسة هذا المنهج في القضايا التي ذكرها الأئمة من قبل، وبحثوها في مدوناتهم، أو في القضايا المستجدة التي تنتظر فتاوى مجمعية، تكون القرارات المتخذة بشأنها صورة للاجتهاد الجماعي، وطريقًا إلى توحيد المنازع والاتجاهات الفقهية، فهي تبرز أولًا حقيقة التشريع الإسلامي من حيث عمومه وسعته، وصلاحيته لكل زمان ومكان وخلوده، وتذكر من أدلة الكتاب والسنة ما يعتبر أساسًا للأحكام، وربما لمسنا في هذا المجال مدى اعتبار الإجماع والقياس في الأحكام الاجتهادية، وأهمية الاعتماد على القواعد العامة الشرعية المتوافرة في كل مذهب، وفي كل مدرسة من المدارس الفقهية الاجتهادية.
وإنا لندرك ثانيًا من وراء هذا العمل الفقهي الاجتهادي مسايرة الفقه الإسلامي للشريعة وارتباطه بها، بحكم أنه جزء منها ومتفرع عن قواعدها، ونراه يلامس مسائل العبادات وقواعد السلوك، لما لهما من أهمية كبيرة في الدين الإسلامي، كما يتناول بالتقعيد والتفريع وضبط الأحكام في القضايا المتعلقة بالفرد والأسرة والمجتمع، وما يعتبر من ذلك قانونًا إسلاميًّا للأحوال الشخصية، وللقضايا المدنية والجزائية ما يتصل منها بالظروف العادية والظروف الطارئة، وما له ارتباط بالمعاملات والسير والسياسة الشرعية في السلم والحرب. وكذلك ما يتبع هذا من الطرق الإجرائية كالشروط والوثائق والمحاضر والسجلات، ما امتد إليه تشريع الأحكام، كالتوسع في مسائل الوقف وتصرفات المأذون وأشباهها. وإن الفقه الإسلامي بذلك لأثرى فقه عرفته الإنسانية، ترجمت نصوصه، واقتبست منه التشريعات والقوانين الوضعية كثيرًا من النظريات والقواعد، وهو لا يزيد مع الأيام إلا نموًّا وجدة ببحثه لأحدث الصور، وبخاصة في مجال المعاملات والشؤون الاقتصادية وقضايا الاجتماع ومسائل الطب الوقائي والعلاجي ونحوها.
ولم يُعدَّ الفقه الإسلامي في فترة محصورة معينة واحدة، بل هو امتداد وتطور للنظر، يشمل كل العصور المتعاقبة التي ظهر فيها المجتهدون في الأحكام، من الفقهاء المبرزين من بعد وفاة رسول الله وانتقاله صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى حتى اليوم.
стр. 18225
وقد حدثت في هذا العصر تطورات عجيبة، واختلفت مناهج السلوك في الحياة وتغيرت، وظهر من الاختراعات والمبتكرات التي يحتاج الإنسان إلى استخدامها والانتفاع بها ما يُذهل العقل، وشهدت علوم الاقتصاد والطب ونحوها تقدمًا كبيرًا في المعاملات مع الشركات، وفي طريقة العلاج والمداواة، بما لا يخضع في الغالب لروح الشريعة وأصولها، ومن ثم نجد دعوة ملحة من المسلمين عامة، ومن الدول الإسلامية، تنادي ببحث هذه القضايا المستجدة، وإيجاد الحلول الشرعية المناسبة لها.
ولا جدال في كون الإسلام قد طالب كل قادر على النظر والاجتهاد، وهم بحمد الله كثر، ضمتهم مراكز البحوث والمجامع الفقهية، ببذل الوسع واستنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية مع لزوم الاحتياط والتثبت من صحة الأدلة الفقهية والاستدلال بها، والانتهاء بعد الدرس إلى الحد الذي يفيد الظن القوي بإصابة حكم الله تعالى في تلك القضايا.
والذي يمكن الجزم به من الآن هو أن الشريعة الإسلامية المرنة الطيعة مبنية أساسًا على الإباحة الأصلية، ومن ثم رأيناها في العصور الأولى وعند بناء الحضارة الإسلامية العالمية قد تأثرت بكل ألوان الثقافات التي كانت منتشرة في العالم الإسلامي، فلم تحاربها، ولا قطعت الصلة بها، ولكنها تجاوبت معها تجاوبًا أبقى على المفيد منها، وأخضعت ما دونه إلى الأصول والمبادئ الشرعية التي لا يجوز تجاوزها، لكونها المثبتة لهويتنا والمميزة لملتنا.
وأهل الاجتهاد عندنا - كما وصفهم العلامة الشيخ يس سويلم طه - هم الذين استنارت عقولهم وبصائرهم بهدي الكتاب والسنة، وامتلأت قلوبهم بالخوف من القول في دين الله بغير حجة، وعرفوا بالرسوخ العلمي، وسلامة الاعتقاد، واستقامة التفكير، واعتدال منهج النظر والاستدلال، والتحرر من تحكم الهوى وسيطرة التعصب، ونقلت عنهم مذاهبهم نقلًا يفيد الثقة والطمأنينة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
وهذه السمات الشريفة والصفات النبيلة كانت واضحة مميزة للصفوة من الفقهاء الذين تعاقبوا عصرًا بعد عصر، وفريقًا إثر فريق، وكان لهم من عظيم القدر وعلو المنزلة وبالغ الأثر في مجتمعاتهم ما جعلهم القدوة والمثال، والأسوة لمن حولهم من الناس، فمنهم مجتهدون ظهروا في عصر النبوة وفي عهد الصحابة، ومنهم من ظهر بعد ذلك في عهد الدولة الأموية فيما بين منتصف القرن الأول وأوائل القرن الثاني، ونبغ في الدور الرابع أئمة الأمصار من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع، وانتشرت آراؤهم ومذاهبهم في أطراف البلاد الإسلامية.
стр. 18226
قال حسن مأمون:
(وغطى نشاطهم من أقصى السند وأقصى خراسان إلى أرمينية وأذربيجان إلى الموصل، وديار ربيعة، وديار مضر إلى أقصى الشام وإلى مصر وإفريقية، إلى أقصى الأندلس وأقصى بلاد البربر، إلى الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، إلى العراق والأهواز إلى فارس إلى كرمان إلى سجستان إلى كابل إلى أصفهان إلى طبرستان وجرجان إلى الجبال، وكان منهم في كل إقليم كثيرون يضيق المقام عن عدهم وحصرهم) .
وتباينت درجاتهم بين مجتهد مطلق، ومجتهد مقيد بالمذهب، ومجتهد في بعض أبواب الفقه أي في المسائل، وتواصل بعد ذلك الاهتمام بقضايا الفقه، وظهرت طوائف من العلماء في الدور الخامس من منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن السابع، وفي الدور السادس الممتد فيما بين سنة ٦٥١ إلى ظهور المجلة العدلية ١٢٨٦، ولحق به الدوران الأخيران السابع والثامن من ظهور المجلة إلى سنة ١٣٥٤، ومن ذلك الوقت إلى الآن.
وقد تنوع هؤلاء الفقهاء - وخاصة في الأطوار الأخيرة - فكانوا على تفاوت فيما بينهم، بحسب ما كان يميز بعضهم عن بعض من الإحاطة والفهم وملكة الاستنباط وكمال الذوق الفقهي.
ولو أمعنا النظر لوجدناهم في هذه الفترة فئات ثلاثة:
الأولى: لا تلتزم إلا بما هو نص من الكتاب والسنة، فلا يمتد نظرها إلى ما في المصدرين من عمومات، ولا إلى ما في الشريعة من قواعد كلية، فهي بذلك تجمد الإسلام في قوالب حجرية، صنعتها عقول من كانوا قبلنا مناسبة لزمانهم ولم تعد مناسبة لنا.
والثانية: من المتأخرين ممن يتجاوزون النصوص وحتى العمومات، ويطلقون العنان لخيالاتهم وفلسفاتهم، فهم يعملون على تطويع الإسلام للعصر، ويرفضون الوقوف عند الأصول المعتمدة في التشريع لدى الفقهاء والمجتهدين من ذوي الاختصاص، وهذه الفئة أسوأ الفئات بما تجترئ به على الله في بناء الأحكام وضبطها.
стр. 18227
والثالثة: خرجت من الأفق الضيق المحدود الذي وضعت الفئة الأولى نفسها فيه، وكان درسها للقضايا الفقهية أبعد وأكمل نظرًا، وهي وإن وقفت عند مصدري التشريع في استنباطاتها، فقد كان لوقفتها هذه أثرها في تركيز الفقه على أسس علمية صحيحة ثابتة، وفي العمل على تقليص الخلاف والارتباك الناشئين بين فقهاء المسلمين وأئمة المذاهب.
وما من شك في أن أكثر هؤلاء وأولئك ممن تصدى للاجتهاد كانوا متفقين على اعتماد الأصول الأربعة الأساسية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإن اختلفوا في الاستدلال بالاستحسان وبالمصلحة المرسلة وبالاستقراء، ولو كانت ثلاثتها من أنواع القياس، ولم يعتد الكثير منهم بالاستصحاب، وبالبراءة الأصلية، وسد الذرائع، والعرف، وإن عدها الفقهاء في القواعد الفقهية ورجعوا إليها في استنباط الأحكام.
وقوام هذا كله أن يقال: إن هذه الأصول العامة لا يتطرق إليها خطأ في وصفها، ولا قصور في كفايتها وصلاحيتها لكل زمان، لأنها من وضع الخبير الذي أحاط بكل شيء علمًا، وإنما يقع الخطأ والقصور في الاستنباط منها والبناء عليها؛ لأنها من عمل العقول والأفهام، فقد يقع الخطأ في الطريق إلى ذلك لخفاء بعض حلقات الاستنباط والاستدلال أو فقدانها، وقد يقع القصور في تطبيقها للجهل أو للجمود وضيق الأفق في الفهم والتفكير.
وقد صدعوا بعد التفرقة بين عملية الاستنباط المعتد بها والمعتمد عليها، وبين عملية الاستنباط الناقصة الخاطئة، بأن المجتهد لا يجوز له قطعًا أن يعتمد الرأي الذي تستحسنه العقول دون رجوع إلى دلالة ما نزل به الكتاب، وجاءت به السنة، فإن ذلك ليس من التشريع الإلهي ولا مما تحتاجه الأمة المسلمة، وهو مرفوض، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] ، وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
ورغم ما تواضع عليه فقهاء المسلمين من ذلك في كل عصر، فإنا نجد أصحاب الاتجاه المعادي للفقه الإسلامي يحادون المذاهب الفقهية، ويهاجمونها مدعين أنها لم تكن تعبر إلا عن وجهات نظر أصحابها، وهي تترجم عن آراء شخصية، خاضعة في جملتها لبيئات خاصة وعصور معينة، وهذا وإن صح بالنسبة إلى جزئيات الأقوال والآراء المتصلة بالحوادث اليومية مما لا نص فيه، فإنه غير صحيح بالنسبة إلى مجموع الفقه الإسلامي الذي يمثل ثروة تشريعية ضخمة، شاركت في إنشائها وتنميتها شوامخ العقول الإسلامية ابتداء من عصر الصحابة، ومن بعدهم على توالي القرون، مهتدية بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
стр. 18228
أما دعواهم الأخرى التي تبرز فيما بين تلك المذاهب من تفارق واختلاف في الأحكام، مما لا تقره وحدة الإسلام ولا شريعته الغراء، فمردود لأن المذاهب الفقهية بريئة من ذلك. ومعلوم أن كل إمام من أئمة الحق له في بحر النبوة ورد وله منه شرب، ومما وقفنا عليه من ذلك
قول ابن خلدون: إن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافًا لابد من وقوعه، واتسع في الملة اتساعًا عظيمًا، وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا:
فكلهم من رسول الله ملتمس
غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم
واختلاف المجتهدين ليس تفرقًا في الدين، ولا تجريح فيه للمختلفين، وإنما هو أمر طبيعي فطري يمليه تفاوت الأفهام، كما أنه أثر لاختلاف مناهج البحث وطرق الاستدلال، وهذا لا يجري بينهم في القطعيات التي هي أساس التشريع ومحوره، وما يحدد اتجاه الإسلام وأهدافه، وإنما تظهر فقط فيما دون ذلك من أحكام ونظم.
قال أحد العلماء: فقد يكون في بعض المذاهب الاجتهادية من التيسير ما ليس في البعض الآخر، وكثيرًا ما تتفاوت المذاهب الفقهية شدة ويسرًا، وإن كانت في مجموعها لا تخرج عن دائرة الأصول الشرعية التي بنيت عليها. ومن الصور الفقهية الناطقة بذلك ما نجده بين الأئمة من اختلاف في الأحكام والفتاوى. وهذا في ذاته مصدر ثروة تشريعية ونظريات فقهية متعددة. ومما يشهد لذلك وينبه إلى الحكمة فيه قول رسول الله ﷺ : ((اختلاف أمتي رحمة)) .
وفي الموافقات للشاطبي تقرير ذلك وبيانه. قال القاسم بن محمد: لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمله. وقال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنه لو كان قولًا واحدًا كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة.
стр. 18229
وعلى هذا تكون كتب المذاهب المختلفة، وفي مقدمتها كتب الخلاف، وكتب السنن والآثار، والفقه المقارن، قد سجلت القواعد والأحكام الأساسية المقررة في الكتاب والسنة، ووضعت الركيزة لمن يروم الاجتهاد اليوم، فهو يواصل السير ولا يبدأه من فراغ، ولكنه في عمله الاجتهادي، ينطلق من تلك الثروة الهائلة من الاجتهادات السابقة التي تعتبر الأساس القوي الذي لا يستهان به، ولا يمكن بحال لمجتهد الاستغناء عنه.
ونحن لا نشك بأن في عودتنا لفقهنا وشريعة ربنا وأصالة تراثنا ما يفتح الآفاق الواسعة لإنقاذنا من التبعية الشائنة، ويحررنا من القوانين الأجنبية الوضعية التي لا تتماشى مع طبيعتنا ولا تتجاوب معنا، كما أن في ذلك تحقيقًا لأمانينا وبلوغًا لحاجاتنا. وإننا بما نقوم به في مجمع الفقه الإسلامي؛ نفتح سبيلًا جديدة لا نلتزم فيها بعد عمق النظر والدرس بمذهب واحد؛ وإنما هو الأخذ بالأقوى برهانًا، والأوفى بمقاصد الشارع وتحقيق المصالح.
وفيما يتطلبه هذا المنهج من بحث ودرس ومقارنة ما يرفع أولًا من مدارك العلماء الفقهية، ويمدهم بغزير الفوائد المترتبة على معرفة وجهات أنظار الأئمة في أحكامهم، والمقارنة بين أدلتهم والغوص على أسرار التشريع الإسلامي ومقاصده في مصنفاتهم وكتبهم الكثيرة، وما يمكنهم ثانيًا من التغلب على التعصب للمذاهب الفقهية، وعلى توسيع شقة الخلاف فيما بينها، بدافع الجمود وضيق الأفق، والوقوف من المسائل الخلافية موقف التنطع والتزمت والتضييق على الناس، كما يساندهم في القضاء على الأنانيات والعنصريات والعصبيات المهلكة التي ترتبت على ما ظهر بينهم من فرقة وتقاطع وتدابر، وأولى الناس باجتناب ذلك والتنفير منه العلماء لما قام بين أيديهم من أدلة.
وقد كان من مميزات الأئمة المتقدمين زمانًا وإحسانًا، والعلماء السابقين المتضلعين في الفقه عنايتهم بهذا الشأن، واحتفاؤهم بهذا المنهج، أمثال القاضي عبد الوهاب في الإشراف، والبيهقي في الخلافيات، وعبد الملك الجويني في الجمع والفرق، وابن الدهان في تقويم النظر، وابن رشد الحفيد في البداية، وابن قدامة في المغني، والقرافي في الذخيرة، ونحوهم ... وهم بحمد الله كثر.
كما تجلى مثل ذلك لدى الشريف المرتضى في الانتصار، والطوسي في الخلاف، والحلي في التذكرة، وابن المرتضى في البحر الزخار. ومثل هذه القوائم يطول في كل مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي، بإضافة العدد الكبير من علماء القرون الأخيرة ورجال عصرنا، بما ألقاه الشيوخ من دروس في الجامعات الإسلامية، وأشرفوا عليه من رسائل في هذا الفن. وقد لمسنا ذلك في الأزهر والزيتونة، وفي الموسوعات الفقهية، ووجدناه يتجدد على أيدي دعاة التقريب، أمثال الشيوخ: عبد المجيد سليم، ومحمد أبو زهرة، ومحمود شلتوت، ومحمد محمد المدني، والأعلام من فقهاء أهل البيت كالبروجردي، ومحمد الحسين كاشف الغطاء ... ونحوهم.
стр. 18230
وإن مما يحقق التقارب بين أهل الملة ما وضعه مجمع الفقه الإسلامي من مشاريع، تلتقي فيها آراء الفقهاء والعلماء من كل صوب، كالموسوعة الفقهية الاقتصادية، ومعجم المصطلحات الفقهية، ومعلمة القواعد، ومدونة أدلة الأحكام الفقهية التي دعا إليها جمهرة من فقهائنا وعلماء عصرنا ممن ينتمي إلى المذاهب الأربعة، ومن إخوتنا من الإمامية والزيدية والإباضية المسهمين معنا في أعمال المجمع ومشاريعه.
وقد كانت الدعوة صريحة إلى هذا التقارب والتوحيد في الخطاب الافتتاحي للمؤتمر التأسيسي لمَجْمَع الفقه الإسلامي، وجاء فيه على لسان خادم الحرمين الشريفين حفظه الله: لقد التزمت المملكة هذه الروح في تنظيمها القضائي، وقررت توحيد الحكم الشرعي في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة؛ وذلك بقرار يصدر عن هيئة علمية للعمل بأقوى المذاهب دليلًا من كتاب الله وسنة رسوله. وقد عقب قوله هذا بالدعوة التي توجه بها إلى عامة المشاركين في المجلس التأسيسي للمجمع قائلًا: أيها الإخوة الكرام؛ إنا لمطالبون جميعًا بالعمل على توحيد الأحكام في البلاد الإسلامية في كل شؤون الحياة على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية؛ فذلك هو السبيل الأوحد لتحقيق الوحدة الإسلامية بين الشعوب المسلمة.
وهكذا تلتقي الريادات السامية، والتوجهات الصادقة بإذن الله، في رحاب دين الله، وفي آداب وأحكام وأصول شريعته الخالدة، على تحقيق التقارب الإسلامي وتجديد بناء وحدة الأمة، معتبرة أن القيام بهذه الرسالة فريضة على المسلمين، وخاصة في هذه الظروف الصعبة الحالكة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية، فإنه لا يدرأ عنها الأخطار وشرور الفتنة، ولا يقيها أسباب التصدع وعوامل الفناء والانقراض، إلا رجوعها إلى دينها وتمسكها بشريعتها، وعملها الجاد في إنقاذ وحدتها وإعلاء كلمتها، وإيجاد الحلول الشرعية البينة لما يجد أو يستشكل من قضايا العصر في كل المجالات.
ولقد أدت الشريعة الإسلامية في الماضي وظيفتها العظيمة - كما قال أحد أعلام رجال القانون - وذلك طالما كان المسلمون متمسكين بها، عاملين بأحكامها، تمسك بها المسلمون الأوائل وعملوا بها وهم قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس، فإذا هم في عشرين سنة سادة العالم وقادة البشر، ما أوصلهم لهذا إلا الشريعة الإسلامية التي علمتهم وأدبتهم، ورققت نفوسهم، وهذبت مشاعرهم، وأشعرتهم العزة والكرامة، وأخذتهم بالمساواة التامة والعدالة المطلقة، وأوجبت عليهم أن يتعاونوا على البرِّ والتقوى، وحرمت عليهم الإثم والعدوان، وحررت عقولهم ونفوسهم من نير الجهالات والشهوات. كان ذلك حال المسلمين طالما تمسكوا بشريعتهم، فلما تركوها وأهملوا أحكامها تركهم الرقي، وأخطأهم التقدم، ورجعوا القهقرى إلى الظلمات التي كانوا فيها يعمهون من قبل، فعادوا مستضعفين مستعبدين لا يستطيعون دفع معتد ولا الامتناع من ظالم.
стр. 18231
ولعمري إن الجهود الكبيرة لخدمة الإسلام وبناء الأمة لا يستطيع أن ينهض بها على أكمل الوجوه غير علماء الملة، فإنهم المسؤولون عن ترشيد السير، وعن النصيحة لكل مسلم، وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين عناهم الإمام علي كرم الله وجهه بقوله: (لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته) .
وإني لأقف في هذه المناسبة، وبحث موضوع الوحدة الإسلامية في الدورة الحادية عشرة لمجمعنا بالبحرين مطروح على حضراتكم، لأحييكم أيتها الصفوة الكريمة من العلماء، السادة النجباء، والأئمة الفقهاء لما صرفتم فيه أوقاتكم من طاعة الله، ودعوتم مخلصين لمنهجه، والتزمتم بأحكامه وآدابه، وطلعتم على الناس بالبحوث العلمية المفيدة، والفتاوى الفقهية النافعة بإذن الله، فمناظرة أمثالكم في الدين فرض، والاستماع لكم ولما تعمرون به مجالسكم أدب، ومذاكرتكم تلقيح للعقول واستزادة من الخير. فجزاكم الله أحسن الجزاء، وآتاكم الحكمة وبوأكم مقامًا عليًّا في معرفة أحكام الشريعة.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد نبي الرحمة، ومنقذ الأمة، وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته وسلم تسليمًا.
محمد الحبيب ابن الخوجة
стр. 18232
الوحدة الإسلامية
منهجية المقارنة بين المذاهب الفقهية
إعداد
الدكتور عبد الستار أبو غدة
عضو المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذا البحث يعالج أحد المحاور في موضوع الوحدة الإسلامية، وهو (منهجية المقارنة بين المذاهب الفقهية) وهو إن كان يتناول جانبًا تخصصيًّا، فإن أهميته عامة نظرًا لعموم التكليف بالأحكام العملية الشرعية التي يحد الفقه بأنه هو معرفتها، ولا يخفى أن التطابق أو التناسق في الاختلاف الفقهي ذو أثر كبير في تحقيق الوحدة الإسلامية.
والهدف المنشود من هذا البحث تلمس أسباب الخلاف الفقهي، وضبط أنواعه، وخصائصه، ورسم السبل التي تحول دون أدائه إلى الفرقة والتباعد، بحيث تضيق مساحة الاختلاف، فضلًا عن بيان أدبيات المقارنة الفقهية، والله الموفق والهادي لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 18233
تمهيد
المنهجية (١) : مصدر مأخوذ من المنهج، وهو: فن التنظيم لسلسلة الأفكار العديدة للكشف عن الحقيقة إن كانت مجهولة، أو البرهنة عليها إن كانت معلومة (٢) .
ويمكن تعريف (المقارنة) بأنها: النظر في اثنين أو أكثر مما يشترك في الطبيعة والصفات الأساسية، لإبراز مواطن الاتفاق والافتراق، وقد ينضم إلى ذلك الترجيح بوجه من وجوهه المقررة.
والدراسات المقارنة الفقهية تسمى: (علم الخلاف العالي) . وعن فن الخلاف يقول الشيخ عبد القادر بدران: علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة، وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من أقسام المنطق، إلا أنه خص بالمقاصد الدينية.
وقد يعرف بأنه: علم يقتدر به على حفظ أي وضع وهدم أي وضع كان بقدر الإمكان. ولهذا قيل: الجدلي إما مجيب يحفظ وضعًا، أو سائل يهدم وضعًا (٣) .
وعرفها أحد الأساتذة الباحثين (المنهجية) : بأنها عرض المذاهب الفقهية والآراء الاجتهادية المختلفة والاستدلال لكلٍّ، ثم المقارنة بينها للتوصل إلى الرأي الراجح منها، والعرض إما حسب الاتجاهات الفقهية إذا كان بين بعضها اتفاق، أو عرض الآراء المختلفة على انفراد إذا كانت متباينة، وذلك مع تحرير محل النزاع لاحتمال أن الخلاف لفظي، ثم عرض الأدلة ومناقشتها والانتهاء بالترجيح، أو الاجتهاد الجديد لمن له أهليته (٤) .
стр. 18234
منشأ الاختلاف وأنواعه والحكمة منه:
منشأ الاختلاف:
الاختلاف سنة الله في الكون، ولم تخلُ منه أمة من الأمم، بما فيها الأمة الإسلامية في جميع عهودها بنوع من أنواعه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] ، وهو ليس بمذموم إلا إذا أدى إلى التفرق والتنابذ، وهو المعبر عنه باختلاف القلوب كما في حديث مسلم: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) ،
وحيث يصبح ذريعة فساد، مع أنه قد يكون - إذا اقتصر على اختلاف الآراء - أداة لتمحيصها، والحيلولة دون الإطباق على ضلال، لأن الاختلاف إذا زال لم يؤمن أن يؤول إلى اتفاق على الباطل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] .
أنواع الاختلاف:
والاختلاف قد يكون في الأمور المتعلقة في العقيدة وبالقيم العليا (الخلاف في الأصول) ، وقد يقتصر على التطبيقات العملية والسلوكيات (الخلاف في الفروع) ، والمألوف أن يتمخض عن الخلاف في الأصول خلاف في الفروع دون العكس إلا نادرًا، ولذلك كان الاجتماع على منهج واحد في الأصول على قدر كبير من الأهمية، ولأن محاذير الاختلاف فيها كبيرة وفيها قابلية للغلو والإفراط بحيث ينتج عنه الولاء أو البراء كما هو معروف.
ولا يخفى أن المذاهب الفكرية المتعددة في التاريخ الإسلامي تولدت عنها اتجاهات فقهية مختلفة لا تُنكر أهميتها وضرورة أخذها بالاعتبار، لأن الخلاف الفقهي هو المظهر البارز للاختلاف في مسائل أصول الدين، فالفقه أحكام عملية منظورة، ومقولات أصول الدين أحكام عملية نظرية.
ومع هذا التفاوت في الأثر بين نوعي الاختلاف القائمين في الأمة الإسلامية، وهما الاختلاف في المذاهب الاعتقادية، والاختلاف في المذاهب الفقهية، فإن الاختلاف الفقهي كثيرًا ما يحول دون التقارب بين أصحاب المذاهب الاعتقادية، والتقارب هدف يجب تحقيقه، أو على الأقل يجب زوال الآثار السلبية للاختلاف التي لا يؤمن معها من التفرق والتنازع.
ويجب أن نلاحظ أن الخلاف الذي نتج عن المذاهب الفقهية ليس خطيرًا، بل إنه كان محمود العاقبة حسن النتيجة، إذا نتج من مجموع الآراء المختلفة ما يمكن أن يُستخلص منه قانون محكم، يعادل أحكم القوانين وضعًا، وأعدلها منهجًا، وأقواها على مسايرة الزمن مع الملاءمة للفطرة الإنسانية السليمة.
стр. 18235
أهمية معرفة الاختلاف الفقهي:
إن معرفة الاختلاف الفقهي من شروط الاجتهاد، وكذلك الإفتاء، وفي ذلك يقول هشام بن عبد الله الرازي: من لم يعرف الاختلاف فليس بفقيه.
ويقول عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يكون عالمًا باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه، ويقول قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه (١) .
وإذا كان الافتراق حول العقائد في جملته شرًّا، فإنه يجب أن نقرر أن الاختلاف الفقهي في غير ما جاء به نص من الكتاب والسنة لم يكن شرًّا، بل كان دراسة عميقة لمعاني الكتاب والسنة وما يستنبط منها من أقيسة، ولم يكن افتراقًا بل كان خلافًا في النظر، وكان يستعين كل فقيه بأحسن ما وصل إليه الفقيه الآخر، ويوافقه أو يخالفه (٢) . وكان عمر بن عبد العزيز يسره اختلاف الصحابة في الفروع، ويقول: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنه لو كان قولًا واحدًا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم لكان في سعة. وفي عبارة أخرى له أيضًا: ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم (٣) .
وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر: (لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى نفسه في سعة، أو رأى أن خيرًا منه قد عمله) .
وفي عبارة أخرى: (أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء) . وقال يحيى بن سعيد: اختلاف أهل العلم توسعة، وما برح المفتون يختلفون فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا.
وبالرغم من أن معظم المنقول عن العلماء يؤكد أن في الاختلاف رحمة وخيرًا، فقد روي عن بعض العلماء عكس ذلك، فعن مالك: ليس في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ سعة، وإنما الحق في واحد. وعن المزني: ذم الله الاختلاف وأمر بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة.
وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بين الاتجاهين، فبين أن الاختلاف قد يكون رحمة إذا لم يُفضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم، إذ قد يكون خفاء الحكم على المكلف رحمة لما في ظهوره من الشدة عليه. وقد يكون عذابًا، فإن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة (٤) .
стр. 18236
الاختلاف الحقيقي أو المعنوي، والخلاف اللفظي:
من الأمور المهمة في المقارنة الفقهية تحرير النزاع، وذلك لاستبعاد ما ظاهره الاختلاف وليس في الحقيقة كذلك، فإذا اعتبرت الرأيين اللذين ظاهرهما الخلاف وجدتهما متفقين في المعنى بالرغم من اختلاف التعبير الموهم بوجود خلاف.
الخلاف الحقيقي أو المعنوي: ما يترتب عليه آثار شرعية مختلفة، وأحكام متباينة، أو هو ما يتعدى الخلاف فيه من الألفاظ إلى المعاني بشكل يؤثر على اختلاف النتائج والأحكام، وذلك كمسألة ما يقع بالطلاق بالثلاث مجتمعة.
والخلاف اللفظي، أو الاختلاف في العبارة: ما يرجع فيه الخلاف إلى التسمية والاصطلاح الفقهي، وذلك كتسمية جمهور الفقهاء الفرض واجبًا، ولذا كان من الخطأ نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة، كما أن نقل الوفاق في محل الخلاف لا يصح، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بغرض القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها (١) .
الفرق بين الخلاف والاختلاف:
بعض العلماء يسمي الخلاف الحقيقي (خلافًا) ، ويسمي الخلاف اللفظي (اختلافًا) . ومن ذلك قول الكفوي: (الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفًا والمقصود واحد، والخلاف هو أن يكون كلاهما مختلفًا) . والغالب استعمال لفظي الخلاف والاختلاف على لسان الأصوليين والفقهاء بمعنى واحد.
غير أن الشاطبي وبعض المؤلفين في الفقه والأصول فرقوا بين الخلاف والاختلاف على نحو آخر هو أن الخلاف ما نشأ عن متابعة الهوى، وهو الاجتهاد غير المعتبر شرعًا، لصدوره عمن ليس بعارف بما يفتقر إليه الاجتهاد، أو هو قول بلا دليل. أما (الاختلاف) فهو عند هؤلاء: ما يقع من آراء للمجتهدين في المسائل الدائرة بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظارهم، أو بسبب خفاء بعض الأدلة أو عدم الاطلاع عليها.
فالاختلاف هو نتيجة لتحري المجتهد قصد الشارع، وذلك باتباعه الأدلة على الجملة والتفصيل والبحث عنها، أي هو قول بني على دليل (٢) .
стр. 18237
الخلاف الزمني، والخلاف البلداني:
يتباين الحكم أحيانًا في موضوع واحد بين إمام المذهب وأصحابه، أو بين الفقهاء من طبقات مختلفة في الزمن، ويكون السبب في ذلك تغير العرف باختلاف محل الحكم، ومثاله: اختلاف أبي حنيفة وصاحبيه في سقوط خيار الرؤية بمشاهدة غرفة واحدة من الدار عند أبي حنيفة، حيث كان المعتاد بناء الغرف على نحو موحد في عصره، وخالف في ذلك صاحباه فاشترطا رؤية جميع غرف الدار، وذلك لتغير طريقة البنيان في زمنهما. ويسمي المؤلفون هذا النوع: خلاف عصر وزمان وليس خلاف حجة وبرهان.
وقد يكون منشأ الخلاف اختلاف البلاد، ففي سقوط خيار الرؤية أيضًا يرى زفر وابن أبي ليلى أنه لابد من الدخول داخل البيوت، ولا تكفي رؤية صحن الدار، قال البابرتي: الأصح أن جواب القدوري على وفاق عادتهم في الكوفة أو بغداد في الأبنية ... أما اليوم فلابد من الدخول في داخل الدار للتفاوت في مالية الدور بقلة مرافقها وكثرتها (١) .
اختلاف التنوع واختلاف التضاد: سيأتي الكلام عنه فيما بعد.
стр. 18238
أسباب الاختلافات الفقهية:
الينبوع الصافي لهذه الشريعة هو كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ . وإن النصوص تتناهى، ولكن الحوادث لا تتناهى، فكان لابد من استنباط حكم شرعي لكل حادثة من الحوادث، والنصوص إن شملت الأحكام الكلية، لا تجيء فيها الأحكام الجزئية في النص، فكان لابد من التعرف بالنظر والفحص، وقد تشعبت بين أيدي الدارسين طرق تعرف الأحكام، وكل أخذ بما استقام في منطقه ونظره، وبما وصل إليه من حديث أو أثر لصحابي صح عنده (١) .
وهذا هو السبب الرئيسي للاختلاف بين الفقهاء، وقد أشار من كتبوا في أصول الفقه، أو تاريخ التشريع من قدامى ومعاصرين؛ إلى أسباب الاختلاف، ومن أقدمها كتاب ابن السيد البطليوسي الأندلسي، وقد لخص الشاطبي أسباب الاختلاف من كتاب ابن السيد وهي أوسع المراجع لها، وحصرها في ثمانية أسباب:
السبب الأول: الاشتراك الواقع في الألفاظ، واحتمالها للتأويلات، وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اشتراك في موضوع اللفظ المفرد؛ كالقرء للمحيض وللطهر.
القسم الثاني: اشتراك في أحواله العارضة في التصريف، نحو: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، لاحتمال لفظ (يضار) وقوع الضرر منهما إذا اعتبر مبنيًا للمعلوم، أو عليهما إذا اعتبر مبنيًا للمجهول.
القسم الثالث: اشتراك من قبل التركيب نحو ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ، لما جاء فيه من الاختلاف في الفاعل: هل هو (الكلم) أم (العمل) ؟
السبب الثاني: دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز، وهو ثلاثة أقسام أيضًا:
القسم الأول: ما يرجع إلى اللفظ المفرد، نحو: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] .
القسم الثاني: ما يرجع إلى أحواله، نحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] .
القسم الثالث: ما يرجع إلى جهة التركيب، كإيراد الممتنع بصورة الممكن، وأشباهه مما يورد من أنواع الكلام بصورة غيره، كالأمر بصورة الخبر.
السبب الثالث: دوران الدليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه، كمسألة البيع بشرط، فكل قائل بشيء منها استند إلى دليل لم يلاحظ فيه دليل غيره، كما حصل لليث بن سعد مع أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة.
السبب الرابع: دورانه بين العموم والخصوص، نحو: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، هل هو خبر بمعنى النهي، أو هو خبر حقيقي؟
السبب الخامس: اختلاف الرواية، وله علل ثمانية: فساد الإسناد، ونقل الحديث على المعنى، أو من الصحف، والجهل بالإعراب، والتصحيف، وإسقاط جزء الحديث، أو سببه، وسماع بعض الحديث وفوت بعضه.
السبب السادس: جهات الاجتهاد والقياس.
السبب السابع: دعوى النسخ وعدمه.
السبب الثامن: ورود الأدلة على وجوه تحتمل الإباحة وغيرها؛ كالاختلاف في الأذان والتكبير على الجنائز، ووجوه القراءات.
стр. 18239
ويذكر ابن رشد أسباب الاختلاف - وهي عنده ستة - كما يلي:
١ - تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًا يراد به الخاص، أو خاصًا يراد به العام، أو عامًا يراد به العام، أو خاصًا يراد به الخاص. أو يكون له دليل خطاب أو لا يكون له.
٢ - الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك إما في اللفظ المفرد كالقرء، أو المركب كمرجع الاستثناء في ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] على الفاسق فقط أو الشاهد معه، فتجوز شهادة القاذف بعد توبته.
٣ - اختلاف الإعراب.
٤ - تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز التي هي: إما الحذف وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة.
٥ - إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، كإطلاق الرقبة وتقييدها بالأيمان للعتق.
٦ - التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها شرع الأحكام بعضها من بعض، وكذلك التعارض الذي هو معارضة القول للفعل أو للإقرار أو القياس، ومعارضة الإقرار للقياس (١) .
وقد أورد الشيخ علي الخفيف أسباب اختلاف الفقهاء بأسلوب عصري مبسط، فردها إلى ستة أسباب هي:
١ - الاختلاف في فهم بعض آيات القرآن، أو السنة النبوية.
٢ - التفاوت فيما يحفظه أو يطلع عليه كل إمام، أو في ضبط حال خاصة وفي روايتها.
٣ - الاختلاف في القبول أو الرد لأسانيد ما وصل من الأحاديث إلى كل إمام.
٤ - التفاوت في فهم أسرار الشريعة وعللها وأغراضها.
٥ - اختلاف البيئات والعادات والمعاملات باختلاف الأقطار الإسلامية وتباعدها، حيث تختلف بذلك المصالح المعتبرة التي تقوم عليها كثير من الأحكام.
٦ - اختلاف المسلمين سياسيًّا في آخر عهد عثمان وفي عهد علي بظهور الشيعة والخوارج (٢) .
стр. 18240
ويذكر ولي الله الدهلوي أسبابًا رئيسية للاختلاف بين فقهاء الصحابة، وأكثرها يصدق أيضًا على اختلاف غيرهم بما يتناسب مع طبيعة السبب وتصوره في عهد التابعين أو الأئمة المجتهدين. وأهم هذه الأسباب التي لها صفة العموم هي:
١ - سماع حديث في قضية ولم يسمعه مجتهد آخر فاجتهد برأيه. ثم إما أن يوافق اجتهاده الحديث رغم عدم علمه به، أو يبلغه الحديث بسند مردود فلا يأخذ به، أو لا يبلغه الحديث أصلًا.
٢ - اختلاف الاجتهاد في حمل الحكم على القربة أو الإباحة.
٣ - الاختلاف في الجمع بين الأمرين المتعارضين (١) .
وقد لخص أحد الباحثين هذه الأسباب في تقسيم رباعي:
١ - الاختلاف في ثبوت الحديث وعدم ثبوته.
٢ - الاختلاف في فهم النص.
٣ - الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة.
٤ - الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط (٢) .
المقارنة بين المذاهب الفقهية:
موضوع (محل) المقارنة ومعيارها:
موضوع المقارنة: هو الفروع الاجتهادية التي تخفى أدلتها، فهذه الخلاف فيها واقع في الأمة ويعذر المخالف فيها، لخفاء الأدلة أو تعارضها أو الاختلاف في ثبوتها.
وهذا النوع هو المراد في كلام الفقهاء إذا قالوا: في المسألة خلاف، وهناك أمور أخرى ليست موضوعًا للمقارنة، لأنها ليست من المحال التي يصح فيها الاختلاف، وهي أصول الدين الأساسية التي تثبت بالأدلة القاطعة والفروع المعلومة من الدين بالضرورة (٣) .