← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 18831–18870 · переход к 18836.

стр. 18831

الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. نستكمل المناقشة في موضوع استثمار موارد الأوقاف. الدكتور حسن سفر: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سماحة الرئيس، سماحة الأمين العام، أصحاب الفضيلة، أود بادئ ذي بدء أن أتقدم بالشكر والتقدير لأصحاب الفضيلة العلماء والفقهاء الذين قدموا لهذا المجمع هذه البحوث الفقهية القيمة والتي تكشف عن الكنوز والمكنونات الثمينة لفقه هذه الشريعة الغراء في معالجتها لقضايا العصر ومستجدات الحياة ونوازلها، وتطلع المسلمين في أرض الله المعمورة لتوصيات وقرارات المجلس الموقر كمنارات وضاءة مشرقة يستضئ بها المسلمون في خطوب الزمان ومدلهماته، والشكر موصول لجهود الفضلاء من العلماء على بحوثهم المتميزة بالدقة والشمول في أمر الأوقاف، والشكر لأستاذنا الدكتور خليفة بابكر على العرض والتلخيص. سماحة الرئيس، هذا الموضوع الذي تنازع الناس في أمره وتشابك القريب والبعيد، والأهل والأقارب، وعجت الخصومات الدعاوى في محاكمه على جانب كبير من الأهمية، وهو الذي يوليه مجمعنا الموقر هذه العناية من استكتاب العلماء والفقهاء فيه، لكن هناك من الأوقاف ما عجز أهلها عن تعميرها، وتوقف ريعها إما خراباً وإهمالاً، فوجب معالجة أمرها وتنمية مواردها واستثمارها وفق التأصيل الفقهي والنظرة الموضوعية، غير أنني بعد الاستقراء في هذه البحوث أجد أن منها ما عالج طرق الاستثمار عند التعطيل ولكن بمنظور تقليدي واختصارات وإشارات، والبعض لم يتعرض لأمرها كمسألة المناقلات والاستبدال إذا تعطلت مصالحها، فلو تم نزع عقار أو استبداله وكان ثمن التعويض لا يفي بغرض شراء عقار آخر بديل في نفس البلد أو المدينة المنزوع فيها العقار، فهل يجوز شراء ما وجد في مدينة أخرى بنفس القيمة إذا كان فيه مصلحة للاستثمار في بلد آخر؟ لم أجد فيما عالجت به هذه البحوث هذه النازلة، ولا يخفى أن هذه النوازل قد كثرت في العالم الإسلامي وخصوصاً في دار غير المسلمين عند التحبيس، علماً بأن سماحة مفتى الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم، ﵀، أفتى في فتاويه بعلاج هذه النازلة من منظور المصلحة، وأشار إليها الشيخ عبد الله بن دهيش، ﵀، في المناقلات في الأوقاف.

стр. 18832

فحبذا لو تفضل المجلس الموقر عند اتخاذ التوصية بالنظر في هذا الموضوع لتطلع الناس في أن يبين حكمه، كما أن لي بعض الملاحظات ليس هذا موضع بسطها استثماراً للوقت أعرضها على فضيلة العارض حفظكم الله ورعاكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ ثقيل الشمري: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. شكراً فضيلة الرئيس والشكر موصول للعلماء الأجلاء في بحوثهم وللأستاذ العارض، في الحقيقة أحب أن أشكر المجمع على اهتمامه باستثمار أموال الوقف والاهتمام بها لما لها من أهمية في المجتمعات المسلمة، ويجب أن ينصرف ذلك إلى استثمار أموال الوقف في أوجه البر العامة، التي بين الباحثون صيغ استثمارها وهي صيغ أظنها على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، لأن سبل استثمارها تختلف زماناً ومكاناً، والحكم فيها يختلف بحسب الأحوال، ونحب أيضاً أن نشير إلى مسألة يكثر فيها النزاع في المحاكم وفي الأوقاف وهي ما يوقفه الأثرياء ويوصون به بعد وفاتهم بأن ذلك الوقف يوقف على أوجه البر العامة ثم يتنازع فيه الناس، منهم من يقول إن ذلك وصية لا يجوز استثمارها وإنما يجب توزيعها حالاً، ومنهم من يقول إن هذا من الوقف لأنه أوصى بأن توقف بعد وفاته، وقد قال بجوازها بعض العلماء، فالذي يجري عليه العمل في بعض البلاد وما تدل عليهم أعرافهم أن ثلث الموصى به في وجه البر العام يسمونه وقفاً ويجرون عليه أحكام الوقف، وقد جرت بعض وزارات الأوقاف في بعض البلاد الإسلامية على ذلك، بل وقامت بعض المؤسسات على هذا في استثماره والمساعدة في أوجه البر العامة، والذي يظهر –والله أعلم- أن هذه الوصايا التي يوصي بها على أن تصبح وقفاً بعد الوفاة، لها حكم الوقف في أوجه البر العامة وأنه يجوز استثمارها، ولكن هذه الوصية إذا تعينت فهل لها حكم الوقف العام (الوقف الخيري) في أوجه البر العامة فيجوز استمارثها على القول بجواز استثمار الوقف في أوجه البر العامة؟ وهذا الذي نحتاج فيه إلى رأي المجمع، وهذا ما أحببت الإشارة إليه وشكراً لكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. الشيخ يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وبعد، أحب أن أؤكد على أهمية مؤسسة الوقف في تراثنا الإسلامي وفي حياتنا الإسلامية، وينبغي الاهتمام بهذه المؤسسة وإحياء هذا الأمر حتى يؤدي ثمرته ويؤتي أكله، كما كان في السابق، فقد أدى الوقف مهمة كبيرة في الحفاظ على مؤسساتنا الدينية والعلمية والتربوية والفقهية وغيرها قروناً من الزمن. والوقف الإسلامي كما أثبتت الحجج والآثار الوقفية ليس له نظير في أوقاف العالم كلها، حيث إنه شمل جميع الحاجات الإنسانية التي لم يكن ليتخيلها الناس، ولا داعي للإطالة في هذه الناحية، ولكن الذي أريد أن أشير إليه هنا هو أننا ينبغي أن نتوسع في إجازة أنواع من الوقف ربما لم تكن معروفة من قبل مثل ما أشار إليه أخونا فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه من وقف النقود، العالم الغربي الآن يوقفون النقود بالملايين على مشاريع خيرية أو إنسانية أو ربما دينية، فينبغي أن نستفيد من إيقاف النقود، والإيقاف أيضاً لفترات محددة، أي ليس من الضروري عملية التأبيد، هناك من المذاهب من أجاز الوقف لسنين محدودة، واحد يوقف مبلغاً أو يوقف عمارة أو دخل عمارة لمدة أربعين سنة أو عشرين سنة أو عشر سنوات، ينبغي أن نستفيد من هذا مادام هناك وجه للإجازة، ينبغي أن نتوسع في الإجازة.

стр. 18833

أيضاً فقد اعتدي على أوقاف إسلامية كثيرة في بلاد شتى وللأسف نتيجة بعض الفتاوى من بعض علماء السلطة أو نحو هؤلاء، وهذا ينبغي أن ننكره ونطلب إعادة هذه الأوقاف المنهوبة إلى أصحابها، وبعضها موقوف على مؤسسات دينية ومؤسسات علمية وكان لها أثرها، واستولت عليها بعض الحكومات والأفراد بغير حق، مع أن الفقهاء اعتبروا أموال الأوقاف وأموال اليتامى في مستوى واحد، من يأكل مال الأوقاف كمن يأكل مال اليتيم، ولكن الناس اجترءوا عليها فمثلاً في بعض العمارات ترى الواحد يسكن في الشقة بخمسة جنيهات وهي تساوي خمسمائة أو أكثر، يعني أجرة المثل تساوي أكثر من مائة ضعف، فهذا أمر ينبغي أن ننكره. هناك شيء ينبغي أن نلفت النظر إليه ذكره الأخ الشيخ خليفة وهو أوقاف القدس وهذا يفتح أعيننا على قضية في غاية الأهمية وهي قضية القدس كلها، ليست أوقاف القدس هي المهددة، القدس كلها بمسجدها الأقصى ومسجد الصخرة والأوقاف الإسلامية وأرض فلسطين كلها مهددة، والمعركة الآن حامية الوطيس، وأرى أن مثل هذا المجمع الموقر في عالميته وبأعضائه وخبرائه وضيوفه جدير أن يقول قولاً في هذه القضية، ولا ينبغي أن يجتمع هذا المجمع وينتهي ثم تظل هذه القضية لم يقل فيها شيئاً، المسلمون في أنحاء العالم ينتظرون من هذا المجمع أن يقول شيئاً عن القدس، وللأسف العالم الإسلامي واقف موقف المتفرج ليس هناك حتى صراخ! يعني كنا زمان ليس لنا إلا الصراخ، حتى الصراخ لا نصرخ! نهمس! والهمس ينيم اليقظان والصراخ يوقظ النائم، نحن لم نصرخ!! والعلماء عليهم أن يوعوا الأمة ويوجهوها حتى تصحو وتستيقظ وتعرف ما عليها، يجب أن يقول هذا المجمع شيئاً حول قضية القدس، الآن وهي معروضة للبيع والمساومات، في سنة ١٩٦٩م حينما أحرق رجل أسترالي منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى هاج العالم الإسلامي من شرقه وغربه وشماله وجنوبه ومن أقصاه إلى أقصاه، وأدى ذلك إلى اجتماع أول مؤتمر قمة إسلامي وإلى انبثاق منظمة المؤتمر الإسلامي عن هذا الأمر، الآن الأمر أشد من مجرد إحراق جزئية بل هو ضياع العملية، الحفريات وما يجري من هذا النوع يكاد يضيع المسجد الأقصى وتضيع القدس كلها. فأنا أرى أن على المجمع أن يصدر قراراً أو توصية أو نداء إلى العالم الإسلامي حتى ينبههم على أهمية القدس الشريف والمسجد الأقصى وثالث المسجدين المعظمين وأولى القبلتين، وشكراً، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 18834

الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سيدي الرئيس، إنني أتقدم إليك بالتهنئة والتنويه بدوركم القيم وإعادة انتخابكم على رأس هذه المؤسسة العظيمة منوهاً بدوركم القيم الذي أصبح منارة إشعاع علمي تضيء معارف مختلف أنحاء العالم وأعني المجمع الذي أنتم ترأسونه. أما الموضوع فهو استثمار أموال الأوقاف والتي قدم الباحثون فيها دراسات قيمة وأحكاماً وآراءً وتصورات طيبة. إن الأوقاف إذا تمت تنميتها واستثمارها بطرق عصرية دون تفويت عينها فإنها ستحل كثيراً من المشاكل الاجتماعية التي يواجهها العالم الإسلامي، وإن دراسة أموال الأوقاف لا تشكل خلافاً جوهرياً في شأن المبادئ العامة، مثل بقاء العين في وضع تستمر ملكيتها في ذمتها على ذمة الواقف دون أن يتصرف فيها، وملكية المنفعة في المحبس عليه، هذه مسألة لا شك في الاتفاق عليها، لكن الوضع الذي أصبح محيراً في استثمار أموال الأوقاف كما أشار إلى ذلك معالي الوزير العبادي في أول تدخل لمناقشة هذا الموضوع والذي يطرح التساؤل الكثير هو انعدام منفعة العين المحبسة وإمكانية بيعها وصرف ثمنها في عين أخرى. أما تعريفه وأقسامه هل هو عام أو خاص؟ ومشروعيته وكيفية إدارة أمواله والتي هي ولاية، وتسمى النظارة، وكذلك مختلف الجهات التي يتم الوقف عليها، هذه مبادئ عامة تكاد تكون محل إجماع في جل الأحكام التي تطبق عليها، لكن الذي يبقى محل النظر هو تعطل منفعة الحبس بسبب هلاك العين أو جفاف الأرض أو التلاعب بما يعطيه الحبس من أموال، وأيضاً هل يمكن العمل على تنمية موارده وزيادتها بإدخالها في استثمارات لابد أن تزول معها العين الموقوفة باستعمال رؤوس أموالها بهدف تحسين إنتاجها في مقاولات وغيرها؟ فأمام صيغة المحبس التي هي ألفاظ عادة يتبعها المحبس بقوله: يبقى موقوفاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 18835

فلهذا يكون أي تفويت لهذه العين مخالفاً لغاية المحبس، وبالتالي فما دامت ذات العين قائمة هل يمكن إزالتها أو تفويتها؟ هذا لا يجوز عند جمهور علماء المذاهب، ومع ذلك فإنها لا تخلو من إشارات ولو غير مباشرة يمكن أن تستنبط منها الأحكام تجعل الحبس يستجيب للهدف الأسمى عند المحبس وهو استمرار إمكانية تنمية موارده مع بقاء عينه، المالكية يمنعون منعاً باتاً بيع العين المحبسة في الأصول خاصة، ويجيزون ذلك في المنقولات إذا كانت لا تفي بغاية المحبس وإلى ذلك أشار ابن عاصم بقوله: ومن يبيع ما عليه حبسا يرد مطلقا ومع علم أسا واستمر في القول إلى أن قال: وغير أصل عادم النفع صرف ثمنه في مثله ثم وقف واختلفوا في الملك المشترك بين الأشخاص إن أصيب أحدهم بفقر وأصبح لا شيء له هل يمكن أن تباع وتصرف عليه؟ أو تجعل في عقار آخر يمكن أن يدر عليه نفعاً أكثر من بقاء العقار المشاع الذي لا يدر عليه نفعاً؟ وإليه أشار ابن عاصم أيضاً قال: وكل ما يشترط المحبس من سائغ شرعا عليه حبس مثل التساوي والأخذ بالأسفل وبيع حظ من بفقر ابتلى فالمالكية عندهم بيع العين الأصل غير جائز ولكنهم يمنحون الكاري حق ملكية الزينة التي أقامها على الأرض، فإذا اكترى داراً وخربت بسبب ماء أو تهدم فإنهم يجيزون له إصلاحها وبقاءه منتفعاً باستعمال عينها كراءً، وإن كان هذا الأمر أيضاً منعه بعضهم، وبما أن جميع الحالات التي تضمن استثمار سلامة أداء العين الموقوفة لغرض الواقف هو بقاء العين، فإن أكثريتهم لا تجيز استعمالها بأي طريقة من الطرق، والبحوث التي بين أيدينا تكلمت عن المواقف المرنة للحنبلية والمواقف التي أشار إليها كل الباحثين كانت قيمة جداً، ولكن تبقى أسئلة لا بد من طرحها في هذا الموضوع وهي: إذا بيع هذا المال فهل تركن النفس إلى سلامة ثمنه من التلاعب به؟ وإذا وضع في استثمار فهل هناك مؤسسات ستتقي الله في مال الأوقاف وتنميه تنمية تنفع الفقراء والمساكين وتجعله يبقى يخدم المصلحة التي وقف من أجلها؟ ثم أيضاً ما أشار إليه الآن الشيخ يوسف القرضاوي من أن أموال الأحباس درجت العامة على كرائها بثمن بخس تتعطل معه إمكانية صيانتها مما تدره من أموال، فهذا ينبغي للمجمع أن يشير إليه، وهذه العين التي ستباع؛ الذي اشتراها يريد من وراء شرائها ربحاً فهل يجوز لنا أن نحولها له بعقد هو يريد منه ربحاً ونتحاشى هذا الربح للواقف؟ هذه الأسئلة تجعلنا نقول بأن الفتوى أو القرار بزوال أصل الحبس من أجل استثماره أمر يكاد يكون يخالف نية المحبس، وأمر أيضاً لا ندري هل استخفاف الناس بالقواعد الإسلامية اليوم يجعله سيبقى ذلك البديل في المستوى أو في الطموحات التي طمح إليها المحبس؟ نحن نعلم في المغرب أنه كانت أحباس لكل الأشياء حتى للطيور وكانت أحباس بالعين: بالفضة والذهب، وهناك كانت أحباس للفقراء الذين يريدون الزواج، وأخرى للذين ساءت أحوالهم المادية، يستثمرونها فيرجعون عينها مع الربح، ولكن لاستخفاف الناس بالأوامر والنواهي بقيت هذه الأحباس تندثر حتى أصبحت اليوم في عداد حكايات الماضي. إذن أنا أقول بأنه ينبغي الحذر من بيع العين، أما المنقولات فهذا شيء جائز، والذي ينبغي أيضاً أن يوجه إليه المجمع هو توجيه الناس لضرورة رجوع هذه السنة التي تكاد تندثر، وشكراً، والسلام عليكم.

стр. 18836

الشيخ محمد المختار السلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه. شكراً سيدي الرئيس لتمكيني من الكلمة في هذا الموضوع الهام الذي هو ثروة لكل قطر من أقطار العالم الإسلامي، وثروة إسلامية أيضاً كان لها دورها الحضاري في مختلف أوجه الحياة الإسلامية، فدخلت الأحباس في المعرفة، في التعليم، وفي الأمن، وفي الدفاع، وتوسعت قاعدتها مع مرور الزمن من العهد النبوي، حسب ما نقرؤه في السجلات القديمة أيام كانت الحضارة الإسلامية متألقة، ثم لما انتكست الحضارة تبعها أمر الأوقاف، وصدرت في هذه الفترة من الضعف فتاوى عمرت بها كثير من الكتب التي ألفت بعد القرن التاسع وأصبحنا نتخذ تلك الفترة كطريق من طرق الاستثمار مع أنها كانت تتناسب مع الوقت الذي تمت الفتوى فيه، وأنها حتى بالصيغ التي عبر بها عنها تدل على الضعف اللغوي للأمة الإسلامية في ذلك العصر، فنعلم أن الناصر اللقاني –رحمة الله عليه- أفتى بالخلو في أحباس السلطان الغوري وجاءت الفتوى بالكردار وجاءت الفتوى بالحكر، والذي أريد لفت النظر إليه في هذا المجمع هو أن يعاد النظر في هذه الفتاوى فإنها فتاوى الانهزام الحضاري وليست فتاوى التألق الفقهي بمعنى أنها كانت فتاوى للترميم لحالات لا يصح –بحال من الأحوال- أن نجعلها مستمرة خاصة في هذه اليقظة الإسلامية التي كانت من مظاهرها هذا المجمع الموقر الذي ينظر في قضايا العصر حسب المستجدات، وهنا ثلاث نواحي أريد أن أتكلم فيها: الناحية الأولى: إعادة النظر في الفتاوى السابقة والتي ذهب ريع كثير من الأوقاف بسببها والتي لا أتهم فيها العلماء ولكنهم ما صنعوا أحسن ما يوجد في عصرهم. الناحية الثانية: كيف نوسع دائرة الأوقاف؟ فدائرة الأوقاف قد تقلصت وأصبح الإقبال عليها أضعف بكثير مما كان عليه، ولاشك عندما تقوم الأوقاف بمهامها وعندما تقوم الأوقاف ويقوم القائمون عليها باستثمارها استثماراً يتناسب مع العصر ويكون مثالاً يكون ذلك داعية للمسلمين للإقدام على الوقف، فلا بد من النظر في هذا الأمر، حتى نعلم كيف نستطيع أن نوسع قاعدة الأوقاف ودعوة الناس إلى الاستمرار على ذلك التراث الذي كان لآبائهم وأجدادهم. الناحية الثالثة: الاستثمار، وإذا ابتدأت كلمتي بأن الأوقاف ثروة فإن الثروات الأخرى لها أصحابها الذين يدافعون عنها، وفي هذا المجلس الموقر بذلنا مجهوداً كبيراً لمساعدة أصحاب الأموال على استثمار أموالهم بطرق شرعية وبطرق جديدة غير الطرق المعلومة والمعروفة من قبل، فهنا بالنسبة للأوقاف أيضاً لابد من نظرة شمولية كاملة، والشكر للمجمع لاختيار هذا الموضوع ولفت النظر إليه، وأقترح في هذا الباب أن يتصل المجمع باعتباره عضواً متميزاً في المؤتمر الإسلامي بجميع المؤسسات الوقفية في العالم الإسلامي وأن يحصر الطرق التي اتخذتها كل دولة بمفردها لتنمية أموال الوقف، ثم تتكون ندوة لذلك تنظر في كل هذه النواحي وتعطي للعالم الإسلامي صوراً جديدة من تنمية الأوقاف لما لها من امتياز واختصاص، هذه النواحي الثلاث التي أردت أن أتكلم فيها، وشكراً لكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 18837

الدكتور منذر قحف: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً للسيد الرئيس على إتاحة الفرصة لي للكلام، وأشكر الإخوة الذين قدموا هذه الأوراق وللأخ الدكتور خليفة الذي عرضها عرضاً جيداً، هناك بضعة نقاط أعتقد أنها مهمة في هذا الموضوع: النقطة الأولى: والتي لا يمل المرء من تكرارها وهي أهمية أوقاف القدس وفلسطين عموماً، وأريد أن أضيف إلى ما قاله الشيخ يوسف بارك الله فيه أن هنالك وثائق معروفة وموجودة في الأرشيف العثماني وفي وثائق المحاكم العثمانية لهذه الأوقاف كلها وأوقاف القدس منشور فيها كتابان تفصيليان يذكران مواقع هذه الأوقاف وأوضاعها، هذه ينبغي أن نطالب بها نحن أي أن يطالب بها المجمع الفقهي الإسلامي لأنه أولى الناس بالمطالبة بها مع أهل فلسطين دعماً لأهل فلسطين في أوقاف القدس بالوثائق الموجودة. النقطة الثانية: لاحظت من خلال قراءة الأوقاف أن هناك أحيانا عدم أو قلة دقة في استعمال بعض الألفاظ، فكلمة موارد الأوقاف قد تعني أملاك الأوقاف، وقد تعني إيرادات الأوقاف أيضاً، فأرجو أن يؤكد على أننا نقصد منها تنمية أملاك الأوقاف وليس استثمار إيرادات الأوقاف، لأن إيرادات الأوقاف هي من حق الموقوف عليهم فقط، ولا يمكن أن يستثمر إلا ما فاض عنهم، إذا لم يستعمل في مصرف آخر شبيه بالموقوف عليهم، إذا كلامنا بصورة رئيسية ينبغي أن ينصب على تنمية أملاك الأوقاف، وفي تقديري هذا التعبير أدق لأنه هو الذي نقصده من هذه العملية. النقطة الثالثة: معنى الاستثمار هو الزيادة في الأصول، كما أشارت إلى ذلك إحدى الأوراق، فإلى أي حد نستطيع أن نأخذ من الإيرادات حتى نزيد في الأصول؟ هذا أمر ينبغي أن يكون واضحاً في النظر في الحكم الشرعي.

стр. 18838

النقطة الرابعة: إن التنمية الحقيقة لأملاك الأوقاف لا تكون إلا بإعادتها إلى القطاع الخاص وإخراجها من الإدارة الحكومية التي يعرف الناس كلهم شرقاً وغرباً مدى ضعف قدرتها على التنمية في مشروعات مثل مشروعات الأوقاف، وقد ذكر الكثير من الإخوة القدر الكبير الذي انتهبت فيه الأوقاف وكان معظم هذا الانتهاب من السلطات الإدارية التي تسيطر على الأوقاف من الحكومة، إدارة الأوقاف الخاصة أهم نقطة ينبغي أن يبدأ منها من أجل تنمية أملاك الأوقاف، المشكلة في الأوقاف أنها على خلاف الشركات الشخصية فهي أملاك ليس لها مالك يحرص على تنميتها، فينبغي أن نضع الآلية المناسبة التي تعالج هذا الانفصال بين الملكية وبين الإدارة، لأن الإدارة لا تملك، وأعتقد أن هذه الآلية هي في أن تكون وزارة الأوقاف وزارة مشرفة، مراقبة، مفتشة، داعمة، معينة، بدلاً من أن تكون وزارة مديرة مستثمرة مشغلة بنفسها، هذه هي القضية الأساسية وما لم نعالج هذه القضية لا نستطيع أن نعالج مسألة تنمية أملاك الأوقاف، وقد كتبت في هذا الموضوع تفصيلاً. النقطة الخامسة: أن هنالك عدداً من الصيغ التمويلية لتنمية أملاك الأوقاف يمكن لنا أن نفكر فيها من خلال أساليب الاستثمار المعاصرة دون الاعتماد على الأساليب التقليدية التي كفاني الكلام عنها فضيلة الشيخ السلامي وما صدر فيها من فتاوى، فنحتاج إذا إلى ابتكار هذه الصيغ الحديثة المناسبة للعصر لتنمية الأوقاف وأرى أن هذه الصيغ التمويلية يمكن أن نتخذ اتجاهين عريضين: الأول: اتجاه اللجوء إلى الأفراد مباشرة من ناظري الأوقاف في الاستعانة بهم على تمويل الأوقاف من خلال سنداتهم وشهاداتهم وغير ذلك مما يمكن أن يصدر لاستدرار الأموال لتنمية أموال الأوقاف، وفي هذا بنود كثيرة لا مجال لتفصيلها. أما الاتجاه الثاني فهو الاستعانة بالمؤسسات التمويلية، إسلامية، أو غير إسلامية على أساس إسلامي. النقطة السادسة: هي أنه إذا أردنا أن نراعي مسائل الأوقاف في تنميتها فلابد من وضع ضوابط دقيقة تتناسب مع العصر في مسائل الاستبدال وفي مسائل تخصيص جزء من إيرادات الأوقاف لزيادة أصولها، إن تجارب الماضي دلت على أن هاتين المسألتين وهما كيفية استعمال إيرادات الأوقاف وضوابط الاستبدال كانتا مسألتين أساسيتين في انتهاب أموال الأوقاف. وأخيراً أريد أن أنوه بالأهمية الكبرى لاقتراح فضيلة الشيخ السلامي بأن ندرس هذا الموضوع بالتفصيل وأن تعقد له ندوة خاصة، ولكنني أرجو أن يخرج هذا المجمع في جلسته هذه أو في اجتماعه هذا بقرار مهم بأنه لابد من العودة لتنمية أملاك الأوقاف وإعادتها إلى مجرى الاستعمال المفيد المثمر، هذا أمر أساسي تنبني عليه الندوة القادمة إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 18839

فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. إن موضوع الأوقاف هو موضوع له أهمية كبرى في الوقت الذي يحتاج فيه العالم الإسلامي إلى جهد كبير ليلج جميع ميادين العمل الخيري، وفي الوقت الذي تقوم فيه المؤسسات التي تسمى مؤسسات خيرية في الغرب بجمع الأموال وتنميتها واستثمارها وغزو العالم الإسلامي من خلالها، في هذا الوقت نحن جديرون بأن ننظر إلى هذه المؤسسة الخيرية التي تسمى بالوقف والتي هي مؤسسة فريدة، وكما نص فقهاؤنا لم تكن موجودة في الديانات القديمة، هذه المؤسسة التي كانت في وقت من الأوقات حصناً يلجا إليها طلاب العلم والفقهاء ويلجأ إليها الفقراء ويلجأ إليها المرضى، لعلكم تذكرون أوقاف قرطبة على المرضى حيث يقدم بعض المرضى دعواهم عندما يصلون إلى قرطبة حديثاً، ثم يتقدمون أمام المحكمة ليشملهم هذا الضمان الاجتماعي وهو الأوقاف، فتحكم المحاكم بحسب مذهب مالك أن من أقام أربعة أيام صحاحاً يعتبر من سكان قرطبة وبالتالي له الحق في هذا الضمان الاجتماعي، أضف إلى ذلك ما قامت به الأوقاف في تحصين الثغور وفي فك أسارى المسلمين وفدائهم إلى غير ذلك من الميادين التي ولجتها الأوقاف. إذن لا نحتاج إلى تذكير بهذه الأهمية، لكن كيف نحيي هذه المؤسسات في حياة الأمة؟ في الحقيقة توجد عقبات، عقبات فقهية في النظرة المتأصلة هي أن الوقف ثابت لا يتحرك وساكن لا يسير، هذه النظرة الفقهية جعلت كثيراً من الأوقات تضيع إلى جانب الفساد التاريخي والاعتداء على الأوقاف الذي لا يزال مستمراً في بعض رقاع العالم كما سمعنا قبل قليل في القدس، لا بد إذن أن نزيل هذه العقبات. وقد حاولنا من خلال دراسة الأوقاف عن طريق ما سميناه بالمصلحة أن نعتبر أن المصلحة أساس في الوقف وبالتالي أنها ليست من باب التعبدي كما توهمه النظرة الأولى إلى مذهب الإمام مالك والشافعي رحمهما الله، وقول مالك: دعها تغمرها الرمال بالنسبة للنخيل، وما قاله بعض الشافعية أن تلك الحصر التي في المسجد تحرق، كأنها مسألة تعبدية لا يفقه لها معنى وليست من معقول الأحكام، فهذه النظرة بقيت فترة من الزمن مسيطرة على الذهنية العامة في العالم الإسلامي، وضاعت كثير من الأوقاف بسببها، ثم كانت تؤجر بالبخس حتى تبقى العين ثابتة، بجانب هذا هناك موقف وسط هو موقف مذهب الإمام أحمد المتمثل في استبدال الأوقاف، وهذا الموقف سنرى في النهاية أن المالكية والفقهاء في الأندلس أخذوا به وأجازوا الاستبدال بشروطه وأصبح معمولاً به.

стр. 18840

ثم إن هناك موقف متقدم وهو موقف جماعة من العلماء منهم بعض الأندلسيين من أصحاب مذهب مالك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ومنهم بعض الحنفية وهو أن الأوقاف مصلحية، والمصلحي هذا عبارة ابن رشد، لأنه قسم الأحكام إلى مصلحي وتعبدي، وأنه يجوز التصرف فيها حسب المصلحة الراجحة وهي عبارة ابن تيمية، وأن المصلحة الراجحة تجيز الاستبدال وتجيز المعاوضة، وهكذا وجدنا هذا المذهب مقبولاً وصحيحاً من حيث الأدلة، وبالتالي إذا وافقنا على هذا المذهب سنكون قد أزلنا عقبة كبيرة في طريق استثمار الأوقاف والتعامل معها، في الأندلس كانت فتوى ابن رشد الجد –رحمة الله عليه- صاحب البيان والتحصيل بأن وفر الأوقاف يستعمل في اشتراء الأصول وهي النظرة الاقتصادية التي أشار إليها بعض الإخوان قبل قليل فقال: الوفر هي العبارة التي استعملها أهل الأندلس وهو ما زاد عن حاجة أهل الوقف، وبالتالي فإن الوفر يمكن أن يكون أساساً للاستثمار لأن اشتراء الأصول معناه الاستثمار، ثم إن العين توقف للسلف، وهو قديم في مذهب مالك، والسلف هو قريب من المضاربة أيضاً، وقد جاء عن غيرهم أنها توقف للمضاربة، فيجب أن نرجح هذا القول فنقول: توقف العين للمضاربة للقراض وللأهداف الاستثمارية، وأن نزيل هذه العقبة نهائياً من أذهان الناس، لكن مع ذلك هناك تحذير هو أن الوقف في الأصل ما لم يكن مؤقتاً –والقول بالتوقيت في مذهب مالك- فالوقف حكمته هو استمرار العين أو استمرار المنفعة، وهناك رأيان للعلماء منهم من يقول باستمرار العين (الإبقاء على العين) ، ومن يقول بالإبقاء على ديمومة المنفعة، فلا بد إذن من اتخاذ الإجراءات للإبقاء على ديمومة المنفعة، وهذه المعادلة صعبة ويجب أن تتخذ كل الإجراءات في تحصيل هذه المعادلة. وفي هذا الزمان نشأت وزارات أوقاف، وجرت عادات وأعراف في مختلف الأقطار الإسلامية، وهذه الوزارات أصبحت هي الجهة التي تمثل الإمام في رعاية شؤون الأوقاف العامة أو الأوقاف المجهولة المصرف، وهي تتمتع بصلاحيات واسعة إلى جانب القضاء في تقديم النظار وعزلهم، إلا أن القضاء هو الذي يحكم في الخصومات، والترتيب القديم للعلماء هو الناظر، وبعده القاضي.

стр. 18841

وقد ذكرت هنا مسألة وقعت في القرن الثامن الهجري، حيث كان ناظر الوقف قد ذهب إلى القاهرة، ثم اختلفوا بعد ذلك في ما الذي يجب عمله فاستفتوا من علماء المذاهب الأربعة: علي بن جلال المالكي، والسراج البلقيني الشافعي، والشيخ محمد بن أحمد السعودي الحنفي، والشيخ عبد المنعم البغدادي الحنبلي، فأفتوا جميعاً بأن القاضي يقوم مقام الناظر، وهذا يدل على اهتمامهم بالوقف حيث لم يقتصروا على مذهب واحد بل استشاروا جميع علماء المذاهب حتى تكون الفتوى إجماعية كأنهم يمثلون مجمعنا هذا الذي تمثل فيه مختلف المذاهب، لهذا أرى أن التعاون بين وزارات الأوقاف والقضاء والجهات الخيرية الواقفة والجهات المنتفعة يمكن أن يعد برنامج الاستثمار الذي يراعي الناحيتين الشرعيتين والمصلحة بحيث يحافظ على الموازنة الدقيقة بين انفتاح الوقف لمقتضيات المصالح الراجحة المحققة أو المظنونة، وبين الإبقاء على الوقفية التي تتمثل في بقاء العين أو ما يقوم مقامها للمحافظة على طبيعة الانتفاع للمستفيد من الوقف بحيث لا تؤثر مراعاة المصلحة بالإبطال على أصل الديمومة والجريان المستمر اللذين يمثلان أساس الحكمة التي تميز الوقف عن غيره من الصدقات والهبات. هذه المعادلة بين ديمومة الوقف وتحقيق أفضل ريع وعائد وفائدة للوقف يجب أن توضع نصب أعين الأطراف المسؤولة عن شؤون الأوقاف وكل الآراء الاجتهادية في المذاهب الفقهية تدور حول هذين المحورين، فبعضها غارق في التمسك بديمومة عين الوقف إلى حد الاحتفاظ بالذات بلا نفع، وكأن الوقف تعبدي سداً للذريعة وخوفاً من اعتداء شطار النظار، وعدوان حكام الجور، وقد سجل التاريخ الكثير من ذلك، بينما نحت اجتهادات أخرى إلى تحرير الوقف تذرعاً بالمصلحة التي من أجلها أنشئت الأوقاف بحثاً عن الاستثمار الأمثل مع ما يسببه ذلك من تعريض الوقف للتغيير والتبديل من جراء نهم النظار الذين خربت ذممهم وخفت أمانتهم. وانطلاقاً مما تقدم ينبغي صياغة سياسة للمحافظة على الأوقاف ولا سيما في ديار الغرب حيث يتعين تسجيل المساجد والأوقاف الأخرى باسم هيئات موثوق بها، وإيجاد صيغة لاعتراف السلطان في هذه الديار بهذه الأوقاف، وشكراً.

стр. 18842

الشيخ عبد الله بن منيع: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أشكر لسماحة الرئيس إتاحته الفرصة لي مع أنها فاتت، ولكن جزاه الله خيراً استدركها وتفضل علي بذلك، فجزاه الله خيراً. الواقع حفظكم الله أن موضوع تنمية الوقف يتناول أمرين: أولاً: تنمية رقبة الوقف من حيث إصلاحه وترميمه والأخذ بكل ما يوجب له غبطة ومصلحة. ثانياً: تنمية غلاله، بحجبها عن مستحقيها، والأخذ بتنمية هذه الغلال بأي وسيلة من وسائل التنمية، نستطيع أن نتصور الأمرين من خلال تعريف الوقف طبقاً لتوجيه رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب –﵁ وأرضاه- في وقفيته حصته في خيبر. قال ﷺ أو ما معناه: ((حبس أصله وسبل منفعته)) فالوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فأخذاً بمفهوم الوقف فلا يجوز حجب الغلال عن مستحقيها بغرض تنميتها حيث يترتب على ذلك أمرين: أحدهما: تعطيل الوقف، فالهدف من الوقف ابتغاء الأجر واتصال العمل الصالح للواقف بعد موته على اعتبار أن الوقف صدقة جارية. الثاني: ظلم مستحق الوقف وحرمانه من حقه في حال وفاته، ومطله حقه في حال حياته، فمتى استحقت الغلة تعين صرفها لمستحقها سواء أكان شخصاً طبيعياً أم شخصاً معنوياً، وعليه فلا أرى جواز حجب الغلال لغرض تنميتها، وأما رقاب الأوقاف فيجب على الناظر أن يعنى بتنمية الوقف من حيث عمارته وترميمه وبيعه في حال تعطل منافعه، والاستعاضة عنه بما يكون بدلاً عنه محققاً المصلحة والغبطة، وفي حال تعذر إعماره لعدم وجود ما يقابل ذلك، وإمكان بيع بعضه لعمارة باقية فيجب ذلك إنقاذاً للوقف وأخذاً بأدائه الذي هو الهدف من إيقافه وما يتعلق بآليات إعمار الوقف، فكل وسيلة من وسائل الإعمار والإصلاح والترميم، وهي محققة للوقف الغبطة والمصلحة، فهي وسيلة مقبولة سواء كان ذلك إصلاحاً وترميماً أم كان ذلك عن طريق الاستثمار بالإيجار قصير الأجل أو طويله أو متوسطه، مع الأخذ في الاعتبار التصرف والعناية ببقاء الرقبة وقفاً، ومنع كل تصرف يتعرض للرقبة بالفناء. هذا ما أحببت التنبيه إليه، حفظكم الله.

стр. 18843

الشيخ الطيب سلامة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أريد أن أنبه إلى قضية هي أصل القضايا في هذا الموضوع وهي مكانة الوقف في العالم الإسلامي، فهو يمثل مؤسسة عظمى قد جاء بها الإسلام ولم يسبق إليها البتة، وليس لها نظير إلى اليوم حتى في العالم الغربي، ولذلك بات من المسلم لدى جمهور العلماء أن هذا الوقف هو من شرعة الإسلام، شرعته السنة النبوية، فقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة مثل حديث الصحيحين أن عمراً –رضي الله تعالى عنه- أصاب أرضاً بخيبر، فقال: يا رسول الله، أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ فقال ﷺ : ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)) فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث، فتصدق به على الفقراء بأن يجعل ريعها للفقراء ولذي القربي وفي الرقاب والضيف وابن السبيل ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. هذا الحديث وضع المؤسسة ووضع أصولها ووضع ما اشتملت عليه هذه المؤسسة من فروع وإدارات، فهي أشبه ببنك عظيم من البنوك الكبرى في العالم التي لها مصالح متعددة، وكل كلمة في الحديث أشارت إلى مصلحة من المصالح، وهذه المصالح حين نعددها انطلاقاً من الحديث، من غير الخروج عنه، نجد مصلحة تثبيت أصل المال المحبس وتحريم انتقاص شيء منه، مع إباحة استخدامه وتنمية موارده لينتفع المستحقون بريعه حلالاً طيباً وليأكلوا من فضل الله هنيئاً مريئاً، ونجد أيضاً مصلحة أخرى هي مصلحة الصدقات الجارية التي يستمر بها المحبس بعد موته صاحب مبرة وصاحب عمل لا ينقطع، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) . وكم من شعوب إسلامية فقيرة إلى حد المجاعة القاتلة لم تعد الأحباس قادرة على مواساتها كما كانت، لأنهم أضاعوها فأضاعتهم، وأيضاً مصلحة صلة الرحم وإعانة ذوي القربى، ومصلحة عتق الرقاب، وليس العتق مقصوراً على عتق العبيد والإماء، لأن في عصرنا هذا رقاب أسيرة إما للاتجار في أعراضها البشرية وكرامتها الإنسانية، أو لأسباب أخرى تجعلهم أذلة يتحكم فيهم الأقوياء، أيضاً مصلحة إقراء الضيف وإعانة أبناء السبيل، وكم يحتاج هؤلاء إلى عون وإن كانوا في مواطنهم من أصحاب التفضل والجاه واليسار، وأخيراً مصلحة تشغيل عدد مهم من العمال في هذه الأملاك الموقوفة على اختلاف درجاتهم، وإذا أردنا أن نيسر الأوقاف وإدارة الأوقاف فسيكون العاملون في هذا الميدان فيهم الفنيون والمهندسون على اختلاف اختصاصهم والعاملون في درجات مختلفة. هذه صورة الوقف باختصار، أشار إليها الحديث إشارة عابرة ولكنها توحي بمعان كثيرة، وتتركنا نتساءل هل سارت الأوقاف على هذا المنهج ثم أصابها ما أصابها من ضياع؟ لا، أبداً، بل الأوقاف تولتها جماعات ليست من أهل الدراية وليست من أهل الاختصاص، ولذلك حصل ما حصل مما نعلمه جميعاً وأصبح الأجانب والأباعد والمعادون للإسلام يرمون الأوقاف بأنها جانب من الجوانب التي أخرت الإسلام، والتي أحدثت ما أحدثته المجتمعات الإسلامية وعطلت ثروات البلاد.

стр. 18844

وأقترح أن يتناول هذا المجمع الشريف بعلمائه الأجلة الأخيار موضوع الوقف، والحُبُس، وكيفية تطوير موارده فإن ما تنتظره الأمة الإسلامية قرارات تعيد الاعتبار والمكانة للوقف باعتباره مؤسسة عظمى ذات مصالح جُلَّى وليست تراثاً بالياً جعلت لنهب الناهبين ولحيل المتحيلين، حتى صار هذا التراث مصدر شقاء لمستحقيه مما جلب إليهم، زيادة على الفقر والاحتياج، من خصومات أوقفتهم أمام المحاكم وأنهكتهم حتى في نطاق ثرواتهم القليلة والخاصة، وصارت مصدر إهمال لجانب من أملاك الأمة، وأنا أعرف أن في تونس مثلاً هناك أوقاف تَفَرَّع مستحقوها حتى أصبحت تسمى بـ (الأراضي الاشتراكية) حيث يملكها عدد كبير من الناس، وفي الواقع لا يملكها أحد وبقيت مهملة ولا يستطيع أحد أن ينفق فيها مالاً لصيانتها ولا لتنميتها، وصارت قطعة مهمة جداً من الجمهورية التونسية معطلة لا يدخلها إلا من أراد أن يتجاسر على قطعة منها فيستغلها ولكن بدون ملكية. وأرى أن الدراسات التي كتبت في الموضوع وبذلت فيها جهود مشكورة من السادة العلماء، وقد ألحت بالخصوص على الجوانب الفقهية الموسوعية والنظرية التي هي جزء من ثروة الفكر الإسلامي التي لم يعرف لها مثيل سوى في التشريع الإسلامي ونظرياته الفقهية، هذا في حد ذاته أمر مهم للرد على الجهلة الذين يرمون الفقهاء بالإفلاس ويرمونهم بتجاوز العصر، ويرمون الأحباس بأنها من العوائق للاقتصاد الإسلامي، ولكن الذي يترقبه الحبس في ذاته وفي ذات من يعود عليهم نفعه من عامة المسلمين على تفاوتهم في الدرجات وما يترقبه المسلمون من هذا المجمع الكريم أمران: أولاً: تقرير القرارات القطعية أو ما يقرب منها لمزيد تثبيت مشروعية الأحباس باعتبار ما فيها من نفع اقتصادي واجتماعي. ثانياً: اقتراح بديل للمؤسسات الحالية القائمة على حدود الأوقاف التي لم تعد تصوراتها وتصرفاتها كفيلة بازدهار الأوقاف وتنميتها، لأن المؤسسات الآن أصبحت تحتاج إلى نمط المصارف أو نمط البنوك للأوقاف، وتكون ذات هيكلية عصرية متطورة كما تطورت البنوك، بنوك التنمية مثلاً، على اختلاف جهاتها من بنوك فلاحية وتجارية وصناعية وعمرانية وغيرها، ولماذا لا تكون هنالك مصارف بنكية فيها من الإدارات المختصة ما يقوم على شأن هذه الأملاك وإدارتها؟ وبذلك نستطيع أن نكفل للأوقاف بقاءها ودورها الاجتماعي والاقتصادي وتنميتها سواء من حيث أصل الأوقاف أو من حيث الريع الذي تدره على المسلمين فتكفيهم وتكفي الطبقات التي نسميها (شعبية) وما دونها، تكفيها الحاجة وتكفيها مد اليد للتسول.

стр. 18845

هذا ما أردت أن أقوله، وشكراً لكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الشيخ عبد اللطيف آل محمود: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكراً سيادة الرئيس. في الوقت الذي تشكو فيه أوقاف المسلمين من إهمال إدارات الأوقاف الناظرين عليها حتى أعرض الناس عن الوقف لما رأوا من تضييع له، أود أن أشير إلى تجربة إدارية لتنمية الأوقاف كان لها أثر كبير في تنمية أموال الوقف وتحقيق أغراض الواقفين وإقبال الناس على الوقف من جديد، هذه التجربة هي تجربة دولة الكويت بإنشاء الأمانة العامة للأوقاف والصناديق المتخصصة لكل غرض من أغراض الواقفين وهي تجربة يشترك في إدارتها الجهات الحكومية والأفراد من غير الموظفين الحكوميين، حيث لكل صندوق من هذه الصناديق مجلس إدارة جل أعضائه من غير الموظفين الحكوميين، وهذه التجربة الإدارية الناجحة تستدعي الدعوة لدراستها من قبل المجمع الموقر والنظر فيما لها من إيجابيات وما عليها من سلبيات إن وجدت، ونشر هذه التجربة من قبل المجمع الموقر على الدول الإسلامية للدعوة إلى الأخذ بما في هذه التجربة من عناصر كانت كفيلة بإعادة مكانة الأوقاف وتنميتها دون تعطيل، وشكراً. الشيخ حمزة الفعر: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد الله وأثني عليه وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أشكر السادة الباحثين على ما قدموه من أعمال جليلة في سبيل بيان الطرق الكفيلة بتنمية الأوقاف، ومشكلة الأوقاف وما تعانيه في مجتمعات المسلمين مشكلة مزمنة قديمة وقد اعتراها الإهمال والتضييع عبر سنين طويلة، والحقيقة أن هناك عدد من الأمور التي بدت من خلال قراءة الأبحاث ومن خلال العرض الذي قدم في صبيحة هذا اليوم، ولكني في الجملة أرى أن هذه البحوث التي قدمت مع ما بذل فيها من جهد لم تصل إلى عمق المشكلة ولم تحاول أن تعالج جوانبها التي يعاني منها الناس، ذلك أن أكثر ما قدم في هذه البحوث هو عبارة عن رصد للأساليب المتبعة في استثمار الأوقاف وهي أساليب معروفة، ولكن الشيء الأهم من ذلك في نظري يتمثل في أمرين: الأمر الأول: هو كيفية النهوض بهذه الأوقاف القديمة من ناحية إحياء مصارفها ومن ناحية تطوير أساليب الإدارة والإشراف فإنها تعاني معاناة شديدة في هذا الجانب، وأكثر القائمين عليها لا يكترثون لمسألة تطويرها وتعميرها وتثميرها، فهذه البحوث لم تقدم منهجاً عملياً في هذا المضمار اللهم إلا ما ورد في بعضها من استخدام بعض الأدوات التمويلية والأدوات المالية المعاصرة مثل طرح سندات المقارضة والمشاركة المتناقصة إلى غيرها، ولكن هذه كلها لا تحل المشكلة، نحن بحاجة إلى تطوير إداري بالنسبة للإشراف على الأوقاف وتنميتها، والأوقاف كما هو معلوم ضاع كثير منها بسبب الإدارات وبسبب طغيان بعض الحكومات، وإن أوجب الواجبات الآن على المجتمعات المسلمة وعلى الهيئات العلمية وأولي الأمر السعي لاستخلاص هذه الأوقاف وإعادتها إلى مصارفها التي أنشئت من أجلها.

стр. 18846

والأمر الثاني: هو تشجيع الناس على الوقف، وقد أشار فضيلة الدكتور عبد اللطيف إلى التجربة التي قامت بها بعض الجهات في الكويت وهي بلا شك تجربة رائدة نحتاج إلى الإفادة منها، ولكن المسألة بحاجة إلى زيادة تطوير، فإن هناك من أبواب الوقف ما يحتاج إلى نظر جديد، كان الناس فيما مضى يقفون الأوقاف بصفة فردية، فأحد المحسنين يسعى لإنشاء وقف إما على بعض طلاب العلم أو على بعض أوجه الخير، ولكن المسألة الآن اتسعت وبدت الحاجة ملحة لإيجاد أوقاف جديدة قد لا تسعها أموال الأفراد. ولذلك فإن من الأهمية بمكان النظر في مسألة الأوقاف التي تكون رؤوس أموالها مشتركة يقوم كثير من المحسنين ومن أهل الخير بالتبرع لهذه الأوقاف، ثم بعد ذلك تقوم هيئة معينة بالإشراف على تنفيذ هذه الأوقاف وإنشائها، ووضع نظام خاص بها. هنالك أيضاً مشكلة كبيرة في قضية الأوقاف، وهي مسألة بعض الأمور الاجتهادية التي أصبح من الضرورة إعادة النظر فيها، فكثير من الاجتهادات الفقهية التي اعتبرت أحكام الأوقاف وظروفها هي بحاجة الآن إلى إعادة انظر، فكثير منها يستند إلى الاجتهاد ولا يستند إلى دليل قاطع، فمسألة الحكر ومسألة الخلو وغيرها كلها مسائل أفتى فيها العلماء بالاجتهاد، فيجب أن نعيد النظر في أمثال هذه الاجتهادات الآن إن أردنا أن نطور هذه الأوقاف حتى تؤدي الغرض المنشود الذي أنشئت من أجله. وبحث فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه في الحقيقة تمحور حول قضية المصلحة وارتباطها بالوقف، وأطال النفس في هذا الباب، وكنت أتمنى لو أن فضيلته وفر هذا الجهد للحديث عن بعض القضايا المشكلة التي تحتاج إلى بحث فإنه قرر بعد صفحات طويلة أن قضية الوقف متعلقة بالمصلحة، وأن الوقف ليس مسألة تعبدية بل أمر معقول المعنى، والحقيقة أن هذه القضية لا تحتاج إلى طول بحث وكبير نظر، لأنها من المعاملات والعقود، وكلها في جملتها مبنية على المعاني والمقاصد الشرعية الواضحة، ولا يمكن أن تكون هذه من الأمور التعبدية، فكنت أتمنى لو أن فضيلته ناقش عدداً من القضايا التي أشار إليها ومر عليها مرور الكرام، في مسالة تغيير مصارف الأوقاف، وفي مسألة توجيهها وجهة معينة، وفي مسألة جمعها إلى بعضها، هذه أمور كلها تحتاج إلى إعادة نظر.

стр. 18847

هناك أيضاً مصارف معطلة نظراً إلى انقطاع من رصدت المصارف لهم، أو إلى أنه لا يعرف لها أحد، أو أنه أصبح من المتعذر صرفها في هذا الباب، فالقضية الآن بحاجة إلى اجتهادات فقهية في إحياء هذه المصارف وفي توجيهها الوجهة الصحيحة، وأعتقد أن القضاء يمكن أن يفعل شيئاً كثيراً في مثل هذا الباب لأن هذا العمل من أعمال البر، ويمكن للقاضي بعد أن يتأمل في المسألة إذا رأى أن مصرفاً معيناً قد تعطل وأنه لا يمكن الصرف عليه يمكن أن يوجه هذا إلى ما يشبهه من المصارف وما يقاربه، والعلماء قد تكلموا في هذا أيضاً كثيراً. وحتى لا أطيل عليكم فإني أؤكد مرة أخرى على أهمية إصلاح أوضاع الأوقاف القائمة وتطويرها وإمدادها بالأساليب الإدارية المتطورة كما أشار إلى ذلك فضيلة الشيخ كمال جعيط في بحثه إلى قضية دراسة الجدوى، فإن هذا الأمر لا أظن أنه مما يعمل به الآن في هذه القضية، قضية تطوير الأوقاف وتنميتها، لو أننا أدخلنا هذه الأساليب الهندسية والإدارية والتطويرية في تقييم أوضاع الأوقاف، وفي إصلاحها وإدارتها واستعنا بكثير من التقنيات المعاصرة، أعتقد أننا بإذن الله إذا صحت منا النوايا وبذلنا هذه الجهود أن الأوقاف يمكن أن تتطور كثيراً وأن تسد حاجات كثيرة لا يمكن أن تسد إلا من هذا الباب، والسلام عليكم ورحمة الله. الشيخ عكرمة صبري: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً سماحة الرئيس، شكراً للإخوة الذين تحدثوا في موضوع الوقف بشكل عام وحول أوقاف القدس بشكل خاص، وأحب أن أعطي فكرة موجزة حول توثيق أوقاف القدس. أول مصدر لتوثيق أوقاف القدس هو المحكمة الشرعية في مدينة القدس، هذه المحكمة التي تعتبر أقدم محكمة في التاريخ الإسلامي والتي تولى فيها القضاء الصحابي الجليل عبادة بن الصامت –﵁ في عهد الصحابي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب –﵁ والمحكمة الشرعية بالقدس تحتفظ بملفات وسجلات يعود تاريخها إلى العهد الصلاحي أي من أيام صلاح الدين الأيوبي، وقد صورت هذه السجلات على طريقة الميكروفيلم، للمحافظة عليها وذلك بعد احتلال إسرائيل لمدينة القدس عام ١٩٦٧م، واحتفظ بنسخ من الميكروفيلم في الجامعة الأردنية في عمان وفي مواقع أخرى حتى لا تغزو إسرائيل هذه السجلات.

стр. 18848

ثم موقع آخر للمحافظة على الأوقاف في القدس هو مؤسسة إحياء التراث الإسلامي الموجودة في مدينة القدس، ومهمتها المحافظة على الوثائق والوقفيات والمخطوطات التي لها علاقة بتاريخ القدس بشكل عام وعلى الوقف الإسلامي بشكل خاص. وكذلك موقع ثالث هو مكتبة المسجد الأقصى المبارك داخل المسجد وفيها أيضاً ميكروفيلم وتصوير لجميع الوقفيات الموجودة في حوزتنا، ولكن هذا لا يمنع الاستعانة بما هو محفوظ في مدينة (إستانبول) في تركية لأن تركية تعتبر أكبر دولة تحتفظ بالتراث وبالوقفيات، لا يمنع من مخاطبة الحكومة التركية رسمياً لتصوير ما له علاقة بالوقف الإسلامي في فلسطين لأن هناك كثيراً من المخطوطات والوقفيات مفقودة في مدينة القدس وهي موجودة حالياً في مدينة (إستانبول) ، لا بد من الاهتمام بموضوع الوقف من حيث التنمية ومن حيث إعادة النظر في جميع الإجارات، لأن هناك إجحاف بحق الوقف من قبل المواطنين بشكل عام ومن قبل المسؤولين عن الوقف بشكل خاص. مرة أخرى أثني على ما قاله أصحاب الفضيلة عن تسجيل قرارات وتوصيات خاصة بأوقاف القدس، وبارك الله فيكم جميعاً، وشكراً. الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بعد هذه المناقشات المباركة، ونظراً لوجود عدة موضوعات أمامنا وهي: (الإثبات بالقرائن والأمارات) ، وموضوع (حقوق الأطفال والمسنين) وموضوع (دور المرأة المسلمة في تنمية المجتمع) وموضوع (التضخم وتغير قيمة العملة) وموضوع (ترجمة القرآن الكريم) وموضوع (إنشاء هيئة إسلامية لعلوم القرآن الكريم) ، فقد رؤي كتجربة أن تشكل لجان عددها ست لجان، لكل موضوع من هذه المواضيع، وتشتغل بالدراسة وإعداد مشاريع قرارات ويكون الاجتماع العام لدراسة ما يعدونه في الساعة الثامنة إن شاء الله تعالى من صباح يوم الخميس. وبهذا ترفع الجلسة وستوزع عليكم إن شاء الله تعالى البيانات، وبيان محل الاجتماع في القاعة في هذا المكان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 18849

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين. قرار رقم: ١١١ (٥/١٢) بشأن موضوع استثمار موارد الأوقاف (الأحباس) إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١هـ إلى غرة رجب ١٤٢١هـ (٢٣-٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠م) . بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع (استثمار موارد الأوقاف – الأحباس) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء. قرر ما يلي: إرجاء النظر في الموضوع لمزيد من البحث والدراسة وبخاصة الفقرات التالية: ١-استثمار الوقف. ٢- وقف النقود. ٣- الإبدال والاستبدال. ٤-خلط الأوقاف. ٥-التفرقة بين الوقف والإرصاد (Trust) . والله أعلم.

стр. 18850

الإيجار المنتهي بالتمليك وصكوك التأجير إعداد الشيخ محمد المختار السلامي مفتي الجمهورية التونسية سابقاً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. أصحاب السماحة والفضيلة أيها السادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد رغبت مني الأمانة العامة لمجمع الفقه الدولي بجدة، أن أقدم بحثاً حول الإيجار المنتهي بالتمليك وصكوك التأجير حسب العناصر التالية. ١) تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك. ٢) صور الإيجار المنتهي بالتمليك. ٣) التكييف الشرعي للإيجار المنتهي بالتمليك. ٤) حالات الوعد بالتمليك: أ- البيع بالقيمة المتبقية للعين المؤجرة. ب-البيع بثمن رمزي أو حقيقي. جـ- الهبة بعقد هبة عند انتهاء الإجارة. ٥) حكم الدفعة المقدمة في الإيجار المنتهي بالتمليك. ٦) توكيل المستأجر بشراء العين. ٧) تسجيل العين المؤجرة صورياً باسم المستأجر لتفادي الإجراءات والرسوم. ٨) تعديل أقساط الإجارة في حالة قوات التملك بسبب لا يرجع إلى المستأجر. تذكير إن قضية الإجارة المنتهية بالتملك قد اهتم بها المجمع، في ثلاثة قرارات: أولاً- في دورته الثانية المنعقدة بجدة ١٠-١٦ربيع الثاني ١٤٠٦،٢٢-٢٨/١٢/١٩٨٥م وقرر إرجاء الموضوع للدورة القادمة، مع مطالبة البنك بتقديم تقرير من هيئتة العلمية الشرعية. ثانياً- في دورته الثالثة المنعقدة بعمان ٨-١٣ صفر ١٤٠٧، ١١ - ١٦/١٠/١٩٨٦ وقد تضمن قراره المبادئ الآتية: أ-إن الوعد بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها، أمر مقبول شرعاً. ب-إن توكيل العميل بشراء ما يحتاجه مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك بغية تأجيره بعد حيازة الوكيل، أمر مقبول شرعاً، والأفضل أن يكون الوكيل غير العميل.

стр. 18851

جـ-إن عقد الإيجار يجب أن يتم بعد التملك، وأن يبرم بعقد منفصل. د-إن الوعد بهبة المعدات عند انتهاء أمد الإجارة جائز بعقد منفصل. هـ-إن البنك ضامن للعين المؤجرة ولا يتحمل المستأجر إلا ما كان ناشئاً عن تعد أو تقصير. ثالثاً- في دورته الخامسة المنعقدة بالكويت ١-٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ – ١٠-١٥/١٢/١٩٨٨- وقرر ما يأتي: الاكتفاء عن صور الإيجار المنتهي بالتمليك ببدائل أخرى منها البديلان التاليان: ١- البيع بالأقساط مع الحصول على الضمانات الكافية. ٢- عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور الآتية: مد مدة الإجارة –إنهاء عقد الإجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبها- شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة. مع تأجيل النظر في صور أخرى مختلفة للإيجار المنتهي بالتمليك لإصدار قرار بشأنها بعد تقديم نماذج من عقودها ودراستها. مقارنة القرارات الثلاثة: -إن القرار الأول يدل على أن ما قدم من دراسات وغيرها لم يوضح طبيعة هذا التعامل توضيحاً يمكن أعضاء المجمع من الحكم عليه. -أما القرار الثاني فقد انتهى إلى تحديد الضوابط الشرعية التي يكون بها عقد الإيجار المنتهي بالتمليك –كما يقوم به البنك الإسلامي للتنمية (وهو الذي طرح السؤال على المجمع) - عقداً مشروعاً، فتتبع العملية مدققاً في الضوابط الشرعية التي تحكم كل مرحلة من المراحل، وأنه إذا تحققت تلكم الضوابط المذكورة كان التعامل مشروعاً مقبولاً حلالاً. -أما القرار الثالث فقد جرى في طريق مخالف للقرار الثاني منتهياً إلى حكم مغاير. ذلك أنه لم يقبل عقد الإيجار المنتهي بالتمليك كما تقوم به المؤسسات المالية الإسلامية ووجههم بتقديم بديلين. إن تقديم البديل وقصر جواز التعامل عليه، يدل على أن عقد الإيجار المنتهي بالتمليك غير مشروع، إذ لو كان مشروعاً مقبولاً لما احتيج إلى البديل.

стр. 18852

إنه أمام هذه المواقف المتباينة (التوقف. قبول صور من المعاملة بضوابط. رفض كل الصور والاقتصار على البدائل) يجعل من المؤكد إعادة النظر في هذه المعاملة خاصة، وقد كانت مواقف الباحثين في الدورة الخامسة التي انبثق عنها القرار الثالث متباينة تبايناً أثر حتماً على شكل القرار المتخذ. -إن الباحث الأول فضيلة الدكتور عبد الله محمد عبد الله، قد انتهى إلى أن هذا العقد ظاهره غير باطنه، وأن التعاقد لا بد أن يبنى على الوضوح والصدق، ولذا هو يرفض هذا النوع من التعاقد. -أما الباحث الثاني فضيلة الدكتور حسن علي الشاذلي فقد انتهى إلى تصورات خمسة. ١) أن ينتهي عقد الإيجار بتملك المستأجر للعين المؤجرة مع آخر قسط من أقساط الإيجار، ولم يرتض هذه الصورة فرفضها، وقدم لها بديلاً، وهو بيع العين المؤجرة مع تقسيط الثمن، والحجر على المشتري في التفويت في المبيع قبل سداد جميع الأقساط، وأن تتم صياغة العقد على أساس أن ينتقل التملك للعين بهبتها للمستأجر هبة معلقة على سداد آخر قسط، أو على أن يعده بالهبة، والوعد بالهبة ملزم. ٢) أن ينتهي عقد الإيجار بتملك العين بثمن رمزي، وهذه لا يرى جوازها، والبديل هو ما جاء في الصورة الأولى من الحل. ٣) أن ينتهي عقد الإيجار ببيع العين المؤجرة بثمن حقيقي وهذه يرى جوازها، صادراً من المستأجر والمالك معاً، فالحكم أنه إن كان بثمن رمزي فحكم هذه الصورة كحكم الصورة الثانية، وإن كان بثمن حقيقي فالحكم كحكم الصورة الثالثة. أما إذا كان الوعد صادراً من المستأجر فالعقد صحيح، لأن تنفيذه بيد المالك. وأما إذا كان الوعد صادراً من المؤجر فإنه إن كان بثمن رمزي فالحكم كحكم الصورة الثانية، وإن كان بثمن حقيقي فالحكم هو كحكم الصورة الثالثة. ٤) أن ينتهي عقد الإجارة بتخيير المستأجر بين مد مدة الإجارة، أو شراء العين، أو ردها على صاحبها، وهذه يرى صحتها. -أما الباحث الثالث فضيلة الشيخ عبد الله المحفوظ بن بيه، فإنه ينتهي إلى أن هذه المعاملة على الصورة التي تتم بها، لا تشبه العقود الجائزة، ولا يمكن أن تكون جائزة إلا إذا تمت على أساس أن يكون الإيجار حقيقياً ومعه بيع بالخيار مؤجل، أو أن يلحق وعد البيع عقد الإجارة، أو أن يقترن البيع بالتحجير على المشتري حتى يتم خلاص جميع الأقساط وهذا في الحقيقة بيع بالتقسيط مع التحجير، أو أن يكون الوعد بالبيع لاحقاً لعقد الإيجار.

стр. 18853

-أما الباحث الرابع فهو بحث حجة الإسلام على التسخيري، وقد صور المعاملة في صورتين: أ-أن تقوم المؤسسة ببناء مساكن ثم تؤجرها على أن تنتهي الإجارة بتمليك المستأجر للمسكن بمجرد دفع أقساط الإيجار. ب-أن يعجز باني بيته عن إتمامه فيبيعه للبنك شريطة أن يتم البنك بناءه ثم يؤجره له، وعند تمام خلاص الأقساط التي هي ما أنفقه البنك على إتمام البناء، مضافاً إليها أرباحه، يعود البيت ملكاً للمستأجر، وينتهي إلى جواز المعاملتين، أما الأولى فلا إشكال فيها، وأما الثانية فلا تصح إلا إذا تحقق أنه لا يكون إلزام بالربط بين المعاملتين. -أما الباحث الخامس فهو فضيلة الدكتور عبد الله إبراهيم، وهو يرى أن الحل هو أن يودع المستأجر قدراً من المال زائداً على ثمن الإيجار، يودعه في حساب الودائع الاستثمارية، لفائدة البائع أصلاً وأرباحاً، هذا في البيع، وأما الهبة فلا تجوز عنده، ويرجح في النهاية جواز الوعد بالبيع لا بالهبة. تعريف الإجارة: عرفها ابن عرفة: بأنها بيع منفعة ما أمكن نقله، غير سفينة ولا حيوان لا يعقل، بعوض غير ناشئ عنها، بعضها يتبعض ببعضه، وهو جار على المصطلح المالكي في التفرقة بين كراء الرواحل والسفن وبين إجارة منافع غيرها. وعرفها الخطيب بقوله: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بثمن معلوم. إن هذه التعريفات ليست حدوداً، وإنما هي رسوم تقرب المعنى المقصود للفقهاء، وذلك بتتبع أركان المعرف، ثم التعبير عن ذلك في أخصر لفظ. فالإجارة هي أولا عقد من العقود، تتحقق إذا كانت المعاوضة تشمل منافع يملكها صاحبها، ويحل تداولها، فيبيعها لطرف ثان مقابل ما يتفقان عليه من الثمن الذي هو الأجر، وبذلك فالإجارة عقد يجري عليه ما يجري على سائر عقود المعاوضات، وأركانها (المؤجر – المستأجر – المنفعة – الأجرة – الصيغة – رضى الطرفين) . وهذا العقد هو عقد جائز شرعاً، لازم للطرفين، يقول القاضي عبد الوهاب: ليس لأحد من المتعاقدين فسخه، مع إمكان استيفاء المنافع المعقود عليها خلافاً لأبي حنيفة (١) . والإجارة نوعان: إجارة شيء معين، والإجارة في الذمة، فالأول كإجارة دار معينة أو سيارة معينة، ولا بد من تعيين المنفعة بما يرفع الغرر والجهالة، والثاني كإجارة على خياطة ثوب وحمل متاع أو إنسان، ولا بد فيه أيضاً من تحديد يرفع الجهالة والغرر وما يمكن أن يفضي إلى الخصام. والمعروف أن الإجارة عقد ينتهي بحصول المنفعة للمستأجر، كخياطة الثوب وبناء الحائط، وبلوغ الراكب المكان المقصود، أو السكنى بالدار المدة المحددة في العقد، وفي نهايتها تعود العين المؤجرة إلى المالك. إن هذا التشريع قد طورته المؤسسات الإسلامية واستفادت منه باتخاذه كآلية من آليات النشاط الاقتصادي، ذلك أن الباعثين للمشاريع المؤثرة في تطور الاقتصاد هم في حاجة إلى تمويل يمكنهم من إنجاز مشاريعهم، والاقتراض بدون فائدة يكاد يكون مستحيلاً، لأن المحتاج للسيولة النقدية قد يجد من يقرضه مواساة وطلباً للأجر، وتوثيقاً لروابط الصلة الدينية، لينقذ المحتاج من الضائقة تبعاً لمرض يستدعي العلاج، أو لمتابعة الدراسة العالية في الاختصاصات المكلفة، أو أزمة مالية لمجابهة نفقات العائلة ونحو ذلك، أما أن تجد من يقرضك بدون فائدة لبعث مشروع اقتصادي كبير فيكاد يكون مستحيلاً. ولا تبنى المشاريع الاقتصادية على القرض الحسن –ولهذا الغرض ولدت في المجتمعات الإسلامية المؤسسات الإسلامية التمويلية التي تحامت الربا، ويتمكن الباعثين الاقتصاديين من تمويل مشاريعهم بطرق حلال يستفيد منها أصحاب هذه المؤسسات، كما يستفيد منها اقتصاد الأمة وخاصة بما يوفره من فرص التشغيل للعمال بالفكر والساعد، وما يتبع ذلك من دوران عجلة التعامل والنشاط، وإنقاذ اقتصاد الأمة من الركود، وما يتبع ذلك من نمو الثروات والعون على اعتماد الأمة الإسلامية على إمكاناتها.

стр. 18854

إنه لتحقيق هذا الغرض استحدثت آليات عديدة، عمل على ضبطها فقهاء مستشارون لدى المؤسسات الإسلامية، منها البيع بالمرابحة للآمر بالشراء، والبيع بالتقسيط، والإيجار المنتهي بالتمليك، والمغارسة على الطريقة المالكية، والاستصناع على المعمول به في مذهب أبي حنيفة وغير ذلك. إن تلكم العقود هي عقود مقبولة في التشريع الإسلامي، بما وضع لها من الشروط ومن الضوابط المحققة للمصلحة النافية للظلم والفساد، وقد كانت هذه العقود تجري على النمط الاقتصادي الذي كانت تسير عليه الحياة قبل دخول الآلة في الإنتاج، وما ولدته من ثروات ضخمة، وما تبع ذلك من مشاريع كبرى. فتوجه الفقهاء المعاصرون إلى تلكم العقود وطوروها تطويراً يستجيب لواقع الحياة، وينسجم مع الاقتصاد العالمي في حركيته، مع الحرص الكامل على احترام أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.. فما كان مجمعاً عليه أو مستنداً إلى قطعي اعتبروه من الثوابت التي لا يقبل بأي وجه من الوجوه تجاوزها أو عدم احترامها أو التهاون في تطبيقها، وما كان مختلفاً فيه وتعددت في أنظار العلماء الذين يحرص كل واحد منهم على تفهم النصوص وإعمال قواعد الاستنباط منها منطوقاً ومفهوماً وقياساً كما واضح أثره داخل كل مذهب، وهو أوضح وأجلى بين مذهب ومذهب آخر. وإن التزام أي مذهب التزاماً كاملاً، هو من التزام ما لا يلزم، وتقديس لأقوال البشر الذين يجوز على كل واحد منهم الخطأ والصواب بدرجة متساوية، خذ لذلك مثلاً شركات المساهمة، فالشركة كما كانت في العهد النبوي وما تلاه من العهود، كانت تقوم بين اثنين في معظم الأحوال بينهما تعارف وتآلف، وقلما تجاوزت أو بلغت عدد أصابع اليد، أما اليوم فإن الشركاء قد يبلغ عددهم الآلاف، ولا يعرف الشريك شريكه، ولا يهمه إن كان صالحاً أو طالحاً، كما لا تتأثر الشركة لا بصلاحه ولا بفساده، ولا يمكن لأي دولة أن تسير اقتصادها بفاعلية ونجاح ما لم تنتشر فيها هذه الشركات. وكذلك تشريع الإجارة قد أفادت منه المؤسسات الإسلامية، وذلك باتخاذه كآلية من آليات النشاط الاقتصادي الذي تقوم به كما قدمناه، وأصله الذي يهدي إليه ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فأتاه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) قال: لا والله يا رسول الله، لكنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً)) (١) ، إن الرسول ﷺ لم يفصل بين أن يبيع تمره من الشخص الذي اشترى منه النوع الجيد أو أن يبيعه من غيره، وترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم مقام العموم في المقال، فلما كانت الصورة العملية صحيحة فيها بيع تمر بالدراهم وشراء تمر آخر بالدراهم فلا حرمة وإن تفاضلا كماً، ولو وقع ذلك مبادلة لحرم، كما جاء في الحديث –لا تفعل- مع أن الواقع في نتيجة المعاملة واحد.

стр. 18855

طرقة اعتماد التأجير كآلية من الآليات المعمول بها في المؤسسات الإسلامية: تريد بعض الدول إنشاء مصانع، أو ترغب في شراء طائرات أو بواخر لأسطولها التجاري الجوي أو البحري، ولكنها لا تمتلك السيولة المالية لتجهيزها بتلكم التجهيزات وما يتبعها. وهذا الأمر غير قاصر على الدول بل الأمر كذلك بالنسبة لكثير من النشطين في الميادين الاقتصادية أفراداً أو شركات، وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من الناس ممن يرغب في شراء سيارة أو منزل. وكل هؤلاء هم بين إمكانات متاحة في سوق التمويل في بلاد العالم الإسلامي: الاقتراض بالربا – الشراء بالتقسيط – الشراء على طريقة المرابحة للآمر بالشراء مع تأجيل الثمن – الإيجار المنتهي بالتمليك ... طريقة إنجاز العملية: الخطوة الأولى: يتراوض العميل مع المؤسسة المالية، وهذه المراوضة تنجز على نوعين: ١) أن تكون المؤسسة المالية مالكة للعين المرغوب فيها، كما إذا كانت تملك سيارات أو مساكن، يريد العميل أن يعقد عليها عقد إجارة منتهية بالتمليك. ٢) أن تكون المؤسسة لا تملك العين، فتقوم بشراء ما يرغب فيه العميل، ثم تعقد معه عقد إيجار منته بالتمليك. أما النوع الأول فلا إشكال فيه إذ تتصرف المؤسسة فيما تملك. وأما الصورة الثانية فقد صدر فيها قرار المجمع في المبدأ الأول (إن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول) . الخطوة الثانية: تملك المؤسسة المالية الإسلامية للعين المرغوب في استئجارها. لتحقيق ذلك توكل المؤسسة الإسلامية العميل الراغب في الاستئجار للقيام بجميع الإجراءات في حدود سقف معين من الثمن، وبذلك يتكفل العميل باختيار النوع والمواصفات الفنية مما يحقق له غرضه، باعتبار أن المؤسسة ليست لها خبرة فيما يرغب فيه العميل، ومن جهة أخرى لا ترغب بحال من الأحوال في تملك تلكم المعدات. وما سعت لتملكها إلا لأن العميل طلب منها استئجارها استئجاراً منتهياً بالتمليك، فالبنك الإسلامي للتنمية ليس له خبرة مثلاً في الأجهزة الباهظة الثمن للتنقيب عن النفط، وفوارق الأثمان والمواصفات متخلفة اختلافاً كبيراً والدولة الراغبة في استئجارها لها خبراؤها ومهندسوها الذين يعلمون طبيعة طبقات الأرض حسب الدراسات الفنية التي قاموا بها، وهم يعلمون جيداً ما يتلاءم معها وما لا يتلاءم، فنفياً لكل خطر في رضا العميل، يوكل البنك الإسلامي العميل (الدولة مثلاً) بشراء تلكم الأجهزة باسم البنك، ويتحمل الوكيل مسؤولية التقصير أو التهاون في أداء ما وكل عليه نوعاً ومطابقة للمواصفات المطلوبة. وهذا ما حسمه أيضاً قرار المجمع في المبدأ الثاني (إن توكيل البنك الإسلامي للتنمية أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك، بغية أن يؤجره البنك تلك الأشياء بعد حيازة الوكيل لها هو توكيل مقبول شرعاً، والأفضل أن يكون الوكيل غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك) .

стр. 18856

الخطوة الثالثة: إيجار المعدات بعد تسلمها من الوكيل إن كانت هناك وكالة. إنه بعد أن يتملك البنك الإسلامي المعدات ملكاً تاماً، وذلك بتولي الوكيل قبضها نيابة عنه وباسم البنك، يعقد البنك مع العميل عقد إيجار للمعدات أو العين، يحدد في هذا العقد ثمن الإيجار عن كل فترة زمنية، كما تحدد مدة الإيجار، وفي أغلب الأحوال يكون ما سيقبضه البنك من المستأجر مساوياً للثمن الذي دفعه البنك ومضافاً إليه الأرباح التي تم الاتفاق عليها في المراوضة السابقة بينه وبين العميل، والتي على أساسها وكل البنك العميل بإتمام صفقة الشراء. - الأسئلة المطروحة على هذه المرحلة: السؤال الأول: إذا كان هذا العقد الإيجاري مؤاده تملك السلعة المؤجرة مقابل دفع أقساط الإيجار؛ فلماذا لا يقع العقد من البداية على أساس بيع مؤجل ومقسط على نفس آجال الإيجار؟ الجواب عن ذلك هو أن عقد الإيجار يختلف عن عقد البيع بالتقسيط، ولا يحقق ما يمكن أن يرغب فيه المالك أو المستأجر. ففي عقد الإيجار المالك للمعدات أو المنزل أو السيارة، هو المؤسسة المالية، يوضح هذا ما جاء في العقد النمطي للبنك الإسلامي للتنمية: أنه يجب أن يعلق على المعدات وفي مكان واضح، أنها ملك للبنك الإسلامي للتنمية، ويتبع ذلك أن ضمانها منه، عملاً بالقاعدة (الخراج بالضمان) بينما في البيع الآجل بالتقسيط تخرج الملكية عن البنك ويتحول الضمان إلى المشتري (الذي هو المستأجر في عقد الإيجار) ، وما ينبني على ذلك أن يد المستأجر هي يد أمانة لا حق له إلا في المنفعة مقابل ما يدفعه من أقساط الإيجار، ويتنزل وارثه منزلته، ولا تقبل أية مخاصمة في حال إفلاس المستأجر من غرمائه؛ فالمؤجر يكتسب طمأنينة أكبر وأتم على استرداد نفقاته وأرباحه، إما من الأجرة وإما من الأعيان.

стр. 18857

ومن ناحية أخرى فإن البيع بالتقسيط تنقطع صلة البائع بالسلعة المبيعة (المعدات) ويتعلق حقه بذمة المشتري فكل الظروف التي تعطل المشتري عن الانتفاع بالأعيان المشتراة لا أثر لها على صفقة البيع، بينما الإيجار فإنه تسقط فيه الأجرة عن المستأجر في كثير من الأحوال كحالة غصب الأعيان المكتراة أو غصب المنفعة. قال خليل في تعداد ما تسقط به الإجارة ويسقط تبعاً لذلك الأجرة وتنفسخ الإجارة: (ويغصب الدار، وغصب منفعتها) ، قال ابن حبيب: وسواء غصبوا الدور من أصلها أو أخرجوا منها أهلها وسكنوها لا يريدون إلا السكنى حتى يرحلوا (وأمر السلطان بإغلاق الحوانيت) ، ابن حبيب: وكذلك الحوانيت يأمر السلطان بغلقها لا كراء على مكتريها من ربها، ابن يونس: كلما منع المكتري من السكنى من أمر غالب لا يستطيع دفعه من سلطان أو غاصب فهو بمنزلة ما لو منعه أمر من الله كانهدام الدار وامتناع ماء السماء حتى منعه حرث الأرض، فلا كراء عليه في ذلك كله، لأنه لم يصل إلى ما اكترى، وقال أصبغ: من اكترى رحى سنة فأصاب أهل ذلك المكان فتنة جلوا بها عن منازلهم، وجلا معهم المكتري، أو بقي آمناً إلا أنه لا يأتيه الطعام لجلاء الناس فهو كبطلان الرحى بنقص الماء أو كثرته، ويوضع عنه قدر المدة التي جلوا فيها، وكذلك الفنادق التي تكرى لأيام الموسم (١) . والمشتري بالتقسيط إذا أخل بالوفاء بالتزاماته فإنه يعتبر مديناً ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أما المكتري فإنه يسقط حقه في البقاء إذا عجز عن دفع معلوم الإيجار. هذه بعض الوجوه التي يختلف فيها بيع التقسيط عن الإجارة المنتهية بالتمليك؛ مما يدل على أن غرض المتعاملين لا يتساوى فيه بيع التقسيط والإجارة المنتهية بالتمليك.

стр. 18858

السؤال الثاني: كيف يتم انتقال المعدات إلى المستأجر؟ الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل، ذلك أن انتقال المعدات إلى المستأجر إما أن يتم بمقابل، وإما أن يتم بدون مقابل. القسم الأول- أن يتم بمقابل ويتصور ذلك بصور: الصورة الأولى: أن ينص في عقد الإجارة على أن المؤجر يبيع للمستأجر عند سداد آخر قسط المعدات بثمن رمزي. الصورة الثانية: أن يكون الثمن حقيقياً، إما بتعيينه أو بسعر السوق عند حلول الأجل. الصورة الثالثة: أن يعد المؤجر المستأجر بأن يبيعه الأعيان المؤجرة بقيمة الأقساط المتبقية في أثناء المدة متى أحضر الثمن. الصورة الرابعة: أن يكون الوعد أو البيع غير مصاحب لعقد الإجارة بل لاحقاً به. القسم الثاني: أن يتم بدون مقابل، ويتصور ذلك بصور: الصورة الأولى: أن يهبه المعدات في عقد الإجارة هبة تنفذ عند سداد آخر قسط. الصورة الثانية: أن يعده بهبة المعدات في عقد الإجارة عند سداد آخر قسط. الصورة الثالثة: أن يتم الوعد أو الهبة بعد تمام عقد الإجارة. أما ما تم تصويره من أن عقد الإجارة ينتهي بتخيير المستأجر بين تمديد عقد الإيجار، أو استرجاع العين المؤجرة، أو بيعها له، فهذه ليست من الإجارة المنتهية بالتمليك في شيء، ولذا فهي خارجة عن نطاق البحث. للإجابة عن حكم هذه الصور لابد من تحقيق ما يلي: أولاً: هل يجوز أن يجتمع عقد الإجارة وعقد البيع؟ لما كان العقدان لا تنافي بينهما في الأحكام فإنه يجوز تبعاً لذلك أن يجتمعا، ذلك أن عقد الإجارة هو عقد على بيع منافع، ولذلك جعل ابن عرفة كلمة (بيع) جنساً في تعريف الإجارة. إن عقد البيع على العين وما يشترط فيه يشترط في عقد الإجارة، ولذا نجد الفقهاء يحيلون تفصيل شروط الإجارة وأركانها على ما سبق لهم أن قرروه في عقد البيع، إلا أنه إن كان محل البيع ومحل الإجارة واحداً فقد اختلف فقهاء المالكية في جواز اجتماعهما، وقد حصل ابن رشد: "إن البيع والإجارة في الشيء المبيع لا يجوز بحال عند سحنون، ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وهو الصحيح: أنه إذا كان يعرف وجه خروجه كبيعه ثوباً على أن على البائع خياطته أو قمحاً على أن يطحنه، أو فيما لا يعرف وجه خروجه إلا أنه يمكن إعادته للعمل كبيعه صفراً على أن يعمل منه البائع قدحاً وما أشبه ذلك، فذلك جائز، وأما ما لا يعرف وجه خروجه ولا يمكن إعادته كبيعه غزلاً على أن على البائع نسجه فلا يجوز باتفاق" (١) . إن ما حصله ابن رشد يبدو حسب الأمثلة التي مثل بها أن الخلاف يجري في الإجارة حسب إطلاق علماء المذهب المالكي الذين غلب عندهم إطلاق لفظ الإجارة في العقد على منافع ما يعقل، وهو الذي يتصور فيه الخطر الذي منع من أجله سحنون اجتماعهما، لما يحصل من عمل الأجير من تأثير في العين لو استحق الشيء المبيع مثلاً، أما في الكراء الذي هو على منافع ما لا يعقل، فلا يتصور فيه مثل هذا التأثير، فالظاهر أنه لا خلاف في جواز اجتماعهما في عقد واحد، وقد صرح بذلك في المدونة: "سحنون قلت أرأيت إن اشتريت عبداً واشترط على بائعه ركوب راحلة بعينها إلى مكة، أخذت العبد وكراء الراحلة جميعاً في صفقة واحدة بمائة دينار، أيجوز هذا الشراء والكراء؟ وإن لم أشترط إن ماتت الراحلة أبدلها لي؟ قال: الشراء جائز إذا لم تشترط إن ماتت الراحلة أبدلها، وإن اشترط إن ماتت الراحلة أبدلها فالشراء فاسد" (٢) .

стр. 18859

ثانياً: هل يجوز أن يبيع العين المكتراة إلى المستأجر؟ جاء في المعونة: "يجوز للمؤاجر أن يبيع العين المستأجرة من المستأجر وغيره إن بقي من مدة الإجارة ما لا يكون غرراً يخاف تغيرها في مثله، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ولأنه ليس في بيعها إبطال حق المستأجر، لأن المشتري إنما يتسلمها بعد انقضاء مدة الإجارة، فكل تصرف لا يبطل حق المستأجر لا يمنع منه، ولأنه عقد على منفعة فلم يمنع العقد على الرقبة أصله إذا باع أمة قد زوجها" (١) . فالقاضي قد جعل بيعها للمستأجر أصلاً مقيساً عليه مما يومئ إلى أنه متفق عليه. وذكر ابن شاس أنه "إذا بيعت الدار المستأجرة من المستأجر صح البيع ولم تنفسخ الإجارة، واستوفى المبتاع المنفعة بحكم الإجارة، ولو باعها من غيره لصح أيضاً، واستمرت الإجارة إلى آخر المدة. وروي أيضاً تخصيص الصحة في ذلك بالمدة اليسيرة كالسنتين والثلاثة وما قارب ذلك، والكراهية في المدة الطويلة. وكذلك يصح بيع الرقبة واستثناء المنفعة مدة لا يتغير المبيع فيها، ويصح من المستأجر إجارة الدار للمالك، كما يصح منه للأجنبي" (٢) . إنه بمجرد ما يتم عقد الإجارة بين الطرفين تنتقل المنافع إلى المستأجر وتكون ملكاً له يتصرف فيها كما يتصرف تصرف المالكين، فله أن ينتفع بنفسه، وله أن يبيع المنفعة لغيره سواء أكان المالك الأصلي أم لأجنبي، إلا أنه إذا باعها من المالك يراعى لجواز الصفقة أن لا تكون تحايلاً على الربا، كما إذا اكترى بمائة حالّة ثم أكرى العين المؤجرة إلى المالك بمائة وعشرين إلى أجل. وذكر ابن جزي ما يأتي: "يجوز بيع الرباع والأرض المكتراة خلافاً للشافعي، ولا ينفسخ الكراء ويكون واجب الكراء في بقية مدة الكراء للبائع، ولا يجوز أن يشترطه المشتري لأنه يؤول إلى الربا، إلا إن كان البيع بعرض، وإن لم يعلم المشتري أن الأرض مكتراة فذلك عيب له القيام به" (٣) ، فابن جزي أطلق في المشتري سواء أكان المكتري أم غيره، لكن بشرط أن يكون البائع المؤجر ينتفع بثمن الإجارة في باقي المدة، وذكر ابن الجلاب: "من أكرى داراً أو أرضاً مدة معلومة فلا بأس أن يبيعها من مكتريها قبل تمام المدة، ولا بأس أن يبيعها من غيره إذا أعلمه بالإجارة، فان باعها ولم يعلم المشتري بالإجارة فهو عيب ... والأجرة على كل حال للبائع دون المبتاع" (٤) . قال التلمساني: "ولا يجوز أن يشترط المشتري الأجرة لنفسه لأنه يدخله الذهب بالذهب متفاضلاً، ثم قال: قال مالك: (ومن ساقى حائطاً ثم باعه، فالبيع ماض والمساقاة ثابتة لا ينقضها البيع) ؛ الأبهري: لأن عقد المساقاة لازم كعقد الإجارة " (٥) .

стр. 18860

ثالثاً: هل يجوز أن يتم البيع بثمن رمزي؟ إن البائع العالم بنوع ما يبيعه وبثمنه إذا كان رشيداً صحيحاً فإنه لا خلاف أن له أن يبيع ملكه بثمن المثل، وبأقل منه وبأغلى، وأن يهبه أو أن يتصدق به، وكل ما ذكره بعض الفقهاء أنه إذا باع العين وسماها بغير اسمها جهلاً منه بحقيقة المبيع، كمن باع ياقوته وسماها عند البيع أنه يبيع زجاجة، فإنه في مثل هذه الحالة له أن يقوم على المشتري وينقض البيع، وأما لو سمى المبيع باسم عام يتناوله؛ كمن سمى المبيع شيئاً أو حجراً في المثال المذكور، فهذا لا قيام له بالغبن، قال المتيطي: "ومن باع سلعة بثمن بخس لجهله بها أو بقيمتها مثل أن يبع حجراً بدرهمين فإذا هو ياقوت، فإن ذلك يلزمه عند مالك، قال: ولو شاء لاستبرأ لنفسه قبل البيع، قال ابن حبيب: "وكذا لو ظن المبتاع أنه ياقوت فلم يجده ياقوتاً فذلك لازم له.. وأما إن قال البائع: من يشتري مني هذه الزجاجة فباعها على ذلك فإذا هي ياقوتة فله نقض البيع، جهله المبتاع أو علمه، كما لو سمى ياقوتاً فألفي زجاجاً فللمبتاع رده، وأما لو سكت أو قال: حجراً، ولم يبين فلا كلام له" (١) . وقد نظم ابن عاصم ذلك فقال: وبيع ما يجهل ذاتاً بالرضا بالثمن البخس أو العالي مضى وما يباع أنه ياقوتة أو أنه زجاجة منحوتة ويظهر العكس بكل منهما جاز به قيام من تظلما وكذلك إذا غبن أحد المتبايعين عند من يرى القيام بالغبن الذي لا يعتبر إلا إذا توفرت شروطه، وهي التي أشار إليها ابن عاصم بقوله: ومن لغبن في مبيع قاما فشرطه أن لا يجوز العاما وأن يكون جاهلاً بما صنع والنقص بالثلث فما زاد وقع والقضية منصوص عليها، والحديث الذي رواه البخاري ومسلم من أن حبان ابن منقذ كان يخدع في البيوع، فقال رسول الله ﷺ : ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)) ، علق القاضي عياض على هذا الحديث فقال: غبن المسترسل، وهو المستسلم لبيعه ممنوع فله القيام إذا وقع ولا يلزم الغبن، والمسترسل هو الذي لا بصر له بالبيوع، وإن لم يسترسل بل ماكس فإن كان بصيراً بالقيمة عارفاً بها فلا قيام له لأنه كالواهب لما غبن فيه، وإن كان غير بصير بالقيمة فهذا موضع الخلاف، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا قيام له بالغبن، وقال البغداديون من المالكية: له القيام بالغبن غير المعتاد ... وعلق عليه الأبي: "قلت: لم يجعل له الخيار في الحديث إلا بشرط، فالحديث حجة لعدم القيام بالغبن" (٢) . إن الذي حملني على التوسع في تحرير هذا هو ما جاء في بحث "إن ثمن المبيع في الفقه الإسلامي لابد أن يكون مقارباً لقيمة السلعة الحقيقي" (٣) . يظهر مما قدمناه: أولاً: إن اجتماع البيع والإجارة في صفقة واحدة جائز لعدم التنافي بين العقدين، إن ما ذهب إليه سحنون من عدم الجواز محله إجارة الإنسان العاقل على عمل يدخله في المبيع، فتتأثر العين بعمل الأجير، وهذا غير متصور في الكراء الذي لا أثر لعمل المكتري فيه، فالصورة الأولى والثانية من هذه الناحية مقبولتان، وكذلك لا أثر لكون الثمن رمزياً أو حقيقياً، وأنه لا حجر على الرشيد العالم ما يفعل في الثمن الذي يرضى به في البيع، خاصة والبائع بنك له خبراؤه، وهو حريص على ما ينفعه حرصاً تسنده الخبرة والعلم بمسار الاقتصاد لا في الدولة التي ينتسب إليها فقط ولكن في العالم خصوصاً مع وسائل الاتصال الحديثة والنشرات المتتابعة عما يجري في الأسواق.

стр. 18861

إن الصفقة في تلكم الصورتين تمثل عقدين لا عقداً واحداً، عقد إجارة، وعقد بيع، وليست الصفقة تمثل عقداً واحداً مع شرط فاسخ، ذلك أن الذي وقع النص عليه في عقد البيع هو أن المؤجر بائع وأن المستأجر مشتر للعين المؤجرة، والثمن معلوم، وأجل تنفيذ الصفقة معلوم أيضاً هو وقت سداد آخر قسط، وهذا مضبوط باعتبار أن الأقساط التي التزم المستأجر بخلاصها معلومة الآجال، متفق بين الطرفين على بدايتها ونهايتها. إلا أن هذا العقد لا بد فيه من تقديم الثمن حتى لا يؤول إلى تعمير ذمتين الممنوع شرعاً، فعلى المشتري (المستأجر) أن يدفع الثمن الرمزي حالاً، أو أن يدفع الثمن المتفق عليه ناجزاً أيضاً، لتكون الصفقة في هذه الصورة حلالاً، وأما تركه لسعر السوق يوم التنفيذ فغير جائز لما بيناه، من أن ذمة البائع (المؤجر) عامرة وذمة المستأجر المشتري عامرة أيضاً، ولا يقال إن ذمة البائع قد فرغت بقبض المستأجر للعين، ذلك أن يد المستأجر هي يد أمانة لا يد ملك، وهي لا تتحمل الضمان وبالتالي لا تستحق الخراج. حكم الصورة الثالثة: أما الصورة الثالثة هي أن يعد المؤجر في صلب العقد أن يبيع للمستأجر المعدات بقيمة الأقساط المتبقية في أثناء المدة متى أحضر الثمن. الصورة الظاهرة هي صورة وعد، ولكن بإمضاء الطرفين على العقد يظهر أن المؤجر قد التزم بالبيع وأوجبه على نفسه عند إحضار المستأجر الثمن (باقي الأقساط) وأن الطرف الثاني المستأجر هو بالخيار في قبول الصفقة متى شاء أو عدم قبولها أثناء كامل مدة الإيجار، وبيع الخيار لا يجوز إلا إذا كان الأجل مضبوطاً بمدة محددة مما يكون المشتري في حاجة إليه حسب العادة في المذهب المالكي، ولذا فإن المدة تختلف باختلاف العين المؤجرة، يقول ابن عاصم: بيع الخيار جائز الوقوع لأجل يليق بالمبيع كالشهر في الأصل وبالأيام في غيره كالعبد والطعام وقدرة الحنفية والشافعية بثلاثة أيام، فعلى رأي المالكية والحنفية والشافعية تكون الصورة الثالثة غير جائزة، ورأى الإمام أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن أن الخيار جائز لأي مدة اشترطت ورضى بها الطرفان، وذهب الثوري والحسن البصري وجماعة إلى أن الخيار مقبول مطلقاً ضرب له أجل أو لم يضرب (١) . وقد ذكر ابن قدامة قائلاً: "إنه إذا شرطا الخيار أبداً متى شاءا، أو قال أحدهما: ولي الخيار ولم يذكر مدته، أو شرطا إلى مدة مجهولة كقدوم مسافر، أو هبوب ريح، أو نزول مطر، أو مشاورة إنسان، ونحو ذلك؛ لم يصح في الصحيح من المذهب، وهذا اختيار القاضي، وابن عقيل، ومذهب الشافعي، وعن أحمد أنه يصح، وهما على خيارهما أبداً أو يقطعاه أو تنتهي مدته، وهو قول ابن شبرمة" (٢) . فعلى رأي أحمد والثوري والحسن وابن شبرمة تكون هذه الصورة الثالثة مقبولة أيضاً. الصورة الرابعة: أن يكون بيع المعدات من المؤجر للمستأجر بعقد منفرد بعد انبرام عقد الإجارة، وهذه الصورة لا يختلف حكمها عما قرر في الصورة الأولى والثانية، مع التأكيد على وجوب تعجيل الثمن. وأما الصورة الثالثة فهي وعد من المؤجر للمستأجر، وهذا الوعد ملزم لأن المؤجر قد أدخل المستأجر في طريق وحوله إليه بموجب الوعد، لأنه لو لم يعده لما بذل المستأجر مجهوداً إضافياً أو دخل في التزامات مع أطراف آخرين ليفوز بما وعده المؤجر. نقل ابن عابدين عن جامع الفصولين: "لو ذكر البيع بلا شرط، ثم ذكر الشرط على وجه العدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس ثم ذكر: فقد صرح علماؤنا بأنهما لو ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه العدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد" (٣) .

стр. 18862

القسم الثاني الصورة الأولى: وهي أن يقترن عقد الإجارة بهبة المعدات هبة معلقة على دفع آخر قسط من أقساط الإيجار، هذه الصورة هي صورة جائزة ولازمة للواهب (المؤجر) ، وقبض المستأجر للمعدات وبقاؤها تحت يده كاف في القبض الموجب لتنفيذ الهبة في أمدها المحدد في العقد، ويقدم المستأجر على الغرماء، ولا حق للورثة في الرجوع في الهبة لو مات الواهب قبل الأجل المحدد، ذلك أن حوز المستأجر هو حوز تام معتبر، إنه لا يكون حوز المستأجر غير مجزئ إلا إذا كانت الهبة لغير المستأجر، ولم تصرف الإجارة للموهوب له. الصورة الثانية: أن يعد المؤجر المستأجر في صلب العقد بهبة المعدات عند سداد آخر قسط، والفرق بين هذه وما قبلها أن هذه الصورة هي التزام بالهبة عند الأجل المحدد، وما قبلها إيجاب للهبة من الآن، والذي يدل عليه كلام الحطاب في النوع الخامس من الالتزام المعلق الذي فيه منفعة للملتزم: أن هذا الوعد ملزم، وعلى المؤجر أن ينفذ وعده عند سداد آخر قسط (١) . بقي أني لم أظفر بنص صريح فيما لو مات المؤجر قبل بلوغ الأجل، فهل يكون هذا الوعد وعداً نافذاً، وعلى الورثة إذا سدد المستأجر آخر قسط تنفيذ الهبة، أو يكون لهم حق الاختيار في التنفيذ أو الامتناع؟ والراجح حسب قواعد النظر أن الورثة ملزمون أيضاً بتنفيذ الوعد باعتبار أنهم وارثون للمورث فيما له وفيما عليه من حقوق تسعها التركة، والعقد الذي تم به الإيجار وأمضاه الطرفان قد نص فيه على الوعد (الالتزام) إذ ما رضي كل طرف من المتعاملين بالعقد إلا بجميع ما اشتمل عليه. الصورة الثالثة: وهي أن يهبه المعدات بواسطة عقد أبرم بعد عقد الإجارة، وقع التنصيص فيه على أن الهبة معلقة بسداد آخر قسط من أقساط الإجارة. هذه هي هبة، وهي كسابقتها جائزة ونافذة، ولا مقال للورثة فيها باعتبار أنها هبة تم حوزها في حياة الواهب وهي معلقة، فمتى حصل الأمر المعلق عليه استحق الموهوب له الهبة. وأما إن وعد بالهبة بعد عقد الإيجار، فإن استمر الواهب حياً فهو ملزم قطعاً بتنفيذ وعده، وإن مات قبل ذلك فهل يكون الورثة غير ملزمين بتنفيذ الوعد نظراً إلى أنه لم يبن العقد الأول على الهبة؟ أو يكونون ملزمين؛ لأن الواهب وعد بالهبة وعداً ملزماً لربطه بأمر له فيه حظ والموهوب له (المستأجر) قد قبل الهبة، وقد حصل الحوز، فجميع أركان لزوم الهبة قد تحققت؟

стр. 18863

الخاتمة عملت في بحثي هذا على تتبع عقد الإيجار المنتهي بالتمليك، وبيان أحكامه، وفي الورقة المقدمة من الأمانة العامة ثلاثة أسئلة لم أتعرض لها أثناء البحث لأنها حالات خاصة ليست من طبيعة عقد الإيجار المنتهي بالتمليك. الأول: حكم الدفعة المقدمة في الإيجار المنتهي بالتمليك: إن تصور الواقع كما جرى هو الذي يعطينا الضوء لضبط الحكم، والسؤال غامض ويحتمل وجوهاً، فهل يعني أن المعدات التي اشتراها المستأجر بتوكيل من المؤجر قد تم في فترة التراوض أن المستأجر يدفع نسبة من ثمن المعدات مقدماً، وأن المؤجر يدفع الباقي، ثم يستأجر كامل المعدات من البنك، على أن أقساط الإيجار قد اتفق على أنها موزعة حسبما دفعه المؤجر، فإذا كان هذا هو المقصود، فإن المستأجر بعقده الصفقة عند شراء المعدات باسم المؤجر، وأن المؤجر هو الضامن، وعقد الضمان باسمه؛ فإن المستأجر يكون قد تنازل عن حقه في التملك للجزء الذي دفع ثمنه، وأن المؤجر هو المالك للجميع، وهذه تتخرج على أنها هبة فعلية نافذة، إذ أن المستأجر هو الذي تولى الصفقة وأسقط اسمه من وثائق التملك، وتظهر آثار ذلك إذا عجز عن السداد، فإن المؤجر هو الذي يفوز بجميع المعدات وليس للمستأجر حق فيها. وإن كان معنى ذلك أن المستأجر يدفع قسطاً من أقساط الإيجار مقدماً قبل أن ينتفع بالعين المؤجرة؛ فقد ذكر الحطاب في تنبيهه على قول خليل: "إن ملك البقية"الثاني، قال في المدونة: وللكري أن يأخذ كراء كل يوم يمضي إلا أن يكون بينهما شرط فيحملان عليه.. ابن يونس: وإن لم يكن شرط وكانت سنة البلد النقد قضي به (١) . الثاني: تسجيل العين المؤجرة صورياً باسم المستأجر لتفادي الإجراءات والرسوم: إن الفرار من الواجب على الشخص أو على المؤسسة بإظهار خلاف الواقع هو (التوليج) وهو كذب لا يحل أبداً، ذلك أن انتساب المؤجر والمستأجر إلى دولة من الدول واستفادتهما من مؤسساتها وأجهزتها في أمنهما وتعلمهما وصحتهما وحماية حياتهما وأرزاقهما، والدفاع عن حوزة الوطن الذي ينتسبان إليه، وغير ذلك من المكاسب التي لولاها لما استطاعا أن ينشطا اقتصادياً ولا أن يعقدا مثل هذا العقد، كل ذلك يفرض على كل واحد منهما أن يكون أميناً في التعامل مع الأنظمة المعمول بها، وأن لا يحاول التهرب من الرسوم أو التحايل على الإجراءات المعمول بها، فإن ضمان حقوقه إنما هو بالسلطة القضائية والتنفيذية، وهي ملجؤه، فكيف يحل له التمتع بالغنم والتهرب من الغرم؟ الثالث: تعديل أقساط الإجارة في حالة فوات التملك بسبب لا يرجع إلى المستأجر: إن شأن العقود أنها لا تنقض ولا يعاد النظر فيها بعد انبرامها لظروف خاصة بأحد المتعاقدين، ولا أعلم استثناء لذلك إلا في الثمار إذا أصيبت بجائحة وذلك بالشروط المعتبرة شرعاً عند القائلين بوضع الجوائح (٢) . ولما كان هذا العقد عقداً جديداً، فالذي يظهر كَحَلِّ اعتماداً على التوسع في فهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] الحل هو أن ينص في عقود الإيجار المنتهي بالتمليك بأن مثل هذه الحالة تحال على لجنة المحكمين كبقية الخلافات التي تطرأ في مراحل تنفيذ العقد. والله أعلم وأحكم وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 18864

صكوك التأجير المبنية على الإيجار المنتهي بالتمليك هذا هو الشق الثاني من موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك حسبما حددته الورقة التي اتصلت بها من الأمانة العامة. وقد عرفتها بأنها: أدوات مالية للاستثمار عن طريق تملك أعيان وتأجيرها. ثم تمثيلها في أوراق مالية، ونقل ملكية الأعيان المؤجرة إلى المستثمرين بحصولهم على الصكوك واستحقاقهم الأجرة بحسب حصص الملكية. إن بحث الموضوع على الطريقة التي قدم بها لا يستغني عن ضبط الأمور الآتية: ١) إن تحويل هذه الأداة إلى صكوك يتصف فيها تصرف الصكوك من بيع وشراء وهبة ورهن ... إلخ، يتوقف النظر في ذلك أولاً: على صدور القرار المجمع في التأجير المنتهي بالتمليك قراراً واضحاً ومستوفياً. أما قبل صدور هذا القرار- والمجمع لحد الآن حسب آخر قرار له يقدم البديل ولا يقر أصل التعامل – فإنه يكون تبعاً لذلك بحث هذا الشق غير مبني على الأساس الذي يعتمد عليه إذ النظر في أحكام هذه الصكوك لابد أن تكون تابعا للضوابط التي يضبط بها أصل التعامل. ٢) ما ذكر في تبرير القول بالتعامل بصكوك التأجير أن الحاجة داعية إليها، ولا غناء للحكومات ولا للمؤسسات المالية عن تحصيل الأموال بإصدار سندات الدين أو بالاقتراض الربوي المباشر. إن هذا التبرير لا يطمأن إليه إذا سبقه رصد لنماذج من الدول والمؤسسات لعملياتها المبنية على التأجير المنتهي بالتمليك، وعن دور هذا الإصدار لمساعدتها لحماية تعاملاتها من الطرق غير المشروعة، إذ إبراز أهمية ذلك ليكون في محل الحاجة لا يبنى على التصور المظنون ولكن على ما يظهره الواقع فعلاً.

стр. 18865

٣) لابد من مراعاة أمر خطير، وهو أثر تحويل الإيجار المنتهي بالتمليك إلى صكوك تتداول، إن هذه العملية لا تعدو أن تكون ضخاً لسيولة مالية لا تمثل إنتاجاً. فإذا اشترى البنك الإسلامي المعدات، ثم آجرها للعميل، فقلب تلكم المستحقات إلى صكوك إيجار وقبضه لقيمتها يكون ازدياداً في النقود دون مقابل. ومعلوم أن التضخم ظلم لكل من يملك سيولة مالية (ناض) . ٤) قضية الضمان. وهي قضية هامة وأساس في إصدار الصكوك ليقبل عليها المستثمرون. وإن المتبع فيها في معظم الأحوال اختلاف شخصية الضامن عن شخصية المضارب باختلاف الشخصيات القانونية. وسؤال لابد من التعمق فيه وبحثه بحثاً مركزاً، هو أن اختلاف الشخصية القانونية هل يكون معتبراً شرعاً إذا كانت تلكم الشخصيات تنتهي إلى المؤسسة الأم، لتصب فيها جميع عائداتها ليتكون من جيمعها الموازنة العامة للمؤسسة الأم؟ ولذا فإن ضبط الضمان من الطرف الثالث بالضوابط المبني على النظر إلى الواقع لا إلى التسميات له أثره في بيان الحكم الشرعي. ٥) قضية قياس صكوك التأجير على صكوك المقارضة. لا غنى عن تقديم بحث مركز بين أيدي الفقهاء يحدد أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما في المنشأ والغرض والنهاية. الرأي أقترح أن يسبق عرض هذا الموضوع الذي جاء فيه قرار عام في الدورة الثامنة المنعقدة ببندر سري بجاون (بروناي دار السلام) ٧٨/٥/د٨- ونصه: صكوك التأجير أو الإيجار المنتهي بالتمليك وقد صدر بخصوصها قرار المجمع رقم٦/د٥ – وبذلك تؤدي هذه الصكوك دوراً طيباً في سوق المال الإسلامية في نطاق المنافع. إن إعادة طرحه على المجمع قد يكون ناشئاً عن خلو القرار المذكور من الضوابط والتدقيقات الكاشفة عن هذا التحويل. وما فيه من صواب مقبول ومن صور غير مقبولة. فالرأي أن يقدم له بندوة متخصصة. والله أعلم وأحكم وهو حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير. محمد المختار السلامي

стр. 18866

الإجارة المنتهية بالتمليك وصكوك الأعيان المؤجرة إعداد الدكتور منذر قحف مقدمة تتميز الإجارة –بين أدوات التمويل الأخرى- ببضع مزايا، من وجهة نظر كل من المؤجر، والمستأجر، فبالنسبة للمستأجر، أهم ما يميز الإجارة هو أنها تمويل من خارج الميزانية بمعنى أن إدارة المؤسسة المستأجرة، التي هي في العادة مطالبة بتقديم تبرير تفصيلي لاستعمالات أموالها، لا تحتاج إلى ذلك فيما يتعلق بالأعيان المستأجرة، لأن شراء الأصل المستأجر يتم من قبل المؤجر، ولا يتعلق التزام المستأجر إلا بدفع الأجرة، التي تعتبر نفقة إيرادية، وليست رأسمالية. ثم إن الإجارة تقدم –في الأغلب- تمويلاً كاملاً لشراء الأصل الثابت المستأجر بخلاف الأدوات الأخرى، وبخاصة القرض الربوي، التي تتطلب في العادة مشاركة المستفيد بنسبة معينة من ثمن الأصل الثابت المطلوب. وكذلك فإن الإجارة تساعد المستأجر على التخطيط والبرمجة لنفقاته، لأنه يعرف التزامه المالي مقدماً، وتعتبر وسيلة جيدة تحميه ضد التضخم، خصوصاً إذا ارتبط بعقد إجارة ثابت الأجرة لوقت طويل، وهي تيسر الأعمال الإدارية والمحاسبية للمستأجر، بإعفائه من الخوض في مسائل احتياطيات الاستهلاكات، والتغير في قيمة الأصول الثابتة، وما لذلك من تأثير على تقدير الضرائب، والتقارير اللازمة لها، وهي لا تضغط على سيولة المستأجر النقدية أو رأس المال العامل لديه، بقدر ضغط شراء الأصل المرغوب في منافعه مما يتيح له استعمال السيولة للأغراض الأخرى للشركة. كما أن للإجارة مزايا أخرى بالمقارنة مع بعض الأدوات التمويلية الأخرى، كل على حدة، فهي مثلاً تحافظ على حصر ملكية الشركة بمالكيها الحاليين، إذا ما قورنت مع زيادة رأس المال عند الحاجة إلى تمويل لشراء أصول ثابتة جديدة، وهي أكثر ثباتاً وتأكيداً من السحب على المكشوف والتسهيلات الائتمانية المصرفية أو التجارية، كما أنها قد تتمتع بمزايا ضريبية، لأن الأجرة نفقة تنزل من الأرباح، إذا ما قورنت بوسائل التمويل التي تقوم على توزيع الأرباح، كالمضاربة.

стр. 18867

أما بالنسبة للممول (المؤجر) ، فالإجارة تشكل صيغة أخرى من صيغ التمويل، مما يزيد في مجال اختياراته بين الصيغ المعتمدة، وهي أقل مخاطرة من القراض والمشاركة، لأن الممول يملك الأصل المؤجر من جهة، ويتمتع بإيراد مستقر وشبه ثابت، وسهل التوقع من جهة أخرى، وهي تدر إيراداً للممول (المؤجر) خلافاً للقرض الحسن، وفضلاً عن ذلك فإن بعض المزايا الضريبية، التي نالها المؤجر يمكن أن تنعكس على المستأجر على شكل تخفيض في الأجرة، مما يجعل الإجارة أكثر كفاءة من أشكال التمويل التي لا تحقق مزايا ضريبية، كما أن التمويل عن طريق الاستئجار أقل تعقيداً من حيث الإجراءات والشروط القانونية –في العادة من التمويل عن طريق زيادة رأس المال (١) ، يضاف إلى ذلك أن بقاء الملكية بيد المؤجر يعطيه ضماناً مفضلاً للتمويل الذي يقدمه، مما يجعله أكثر اطمئناناً من التمويل بالمرابحة الذي ينقل الملكية إلى المشتري من تاريخ العقد. ويلاحظ أن الإجارة كصيغة تمويلية لم تلفت نظر الباحثين في البنوك الإسلامية خلال العقد الأول من وجود هذه المصارف (٢) ، ولعل من أوائل من كتب فيها تفصيلاً الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان باقتراح من كاتب هذه الأوراق، وقد نشر المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بحثه في عام ١٩٩٢م، تلا ذلك كتاب سندات الإجارة والأعيان المؤجرة لمنذر قحف الذي نشر عام ١٩٩٥م. تحتوي هذه الأوراق على قسمين: أبحث في القسم الأول منهما في الإجارة المنتهية بالتمليك وأخصص القسم الثاني لصكوك التأجير.

стр. 18868

القسم الأول الإجارة المنتهية بالتمليك تعريف الإجارة، ومشروعيتها ولزومها: ذكرت الموسوعة الفقهية تعريفاً للإجارة نسبته للفقهاء! هو أنها "عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض"، ونقل الدكتور أبو سليمان تعريفات عن كل من المذاهب الأربعة ورجح منها تعريف الحنابلة وهو "عقد على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة، من عين معلومة، أو موصوفة في الذمة، أو عمل، بعوض معلوم"، ونلاحظ التفصيل في هذا التعريف من إدخال شرطي العلم والإباحة، وأنه يشمل مدة معلومة وإنجاز عمل معلوم، كخياطة ثوب أو نقل شخص مسافة معلومة، بغض النظر عن المدة التي يأخذها ذلك العمل. وإن هذا التعريف يصلح كمقدمة لبحث الإجارة المنتهية بالتمليك، لأنها إجارة تتحدد في العادة بالزمن وليس بإنجاز عمل معلوم. أما حكمها التكليفي فهو الجواز أو المشروعية، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والعقل (١) ، وهي عقد لازم عند المذاهب الأربعة (٢) ، وحكى ابن رشد الجواز فيها، ويرى الحنفية أن للمستأجر فسخ الإجارة للعذر الطارئ (٣) .

стр. 18869

تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك: قد يصعب وضع تعريف محدد للإجارة المنتهية بالتمليك قبل التعرف على صورها، فهي من جهة إجارة ينطبق عليها تعريف الإجارة المذكور، ولكن فيها تخصيصاً أضيق، لأنه يقصد منها أن يشتمل مجموع الأجرة خلال مدة العقد على ما يفي بسداد ثمن العين المؤجرة مع العائد الإيجاري المرغوب به، فحقيقتها أنها –في جميع صورها- إجارة وشراء معاً، مهما كان الشكل التعاقدي الذي يتخذه نقل الملكية، سواء أكان ذلك عند انتهاء مدة الإجارة، أم تنجيماً على أسهم أثناء مدة العقد. ولقد جاء في استفسار البنك الإسلامي للتنمية الموجه إلى مجمع الفقه الإسلامي؛ وصف هذا العقد بأنه عقد إجارة يتضمن التزاماً من المؤجر بهبة العين المستأجرة عقب وفاء جميع أقساط الأجرة، أما الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي فقد عرفت الإجارة المنتهية بالتمليك بأنها: عقد على انتفاع المستأجر بمحل العقد بأجرة محددة موزعة على مدة معلومة على أن ينتهي العقد بملك المستأجر للمحل. أما هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية فقد آثرت تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك من خلال تعداد حالاتها العملية، وهي: (أ) الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق الهبة. (ب) الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق البيع بثمن رمزي أو غير رمزي يحدد في العقد. (ج) الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق البيع قبل انتهاء مدة عقد الإجارة بثمن يعادل باقي أقساط الأجرة. (د) الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق البيع التدريجي. ويمكن إضافة حالة خامسة هي: (هـ) الإجارة المبتدئة بالتمليك، وتنتقل فيها ملكية العين بعقد بيع في أول مدة الإجارة مقابل الدفعة النقدية المقدمة مع استثناء منافع العين من البيع لمدة الإجارة، ثم تباع هذه المنافع لمشتري العين نفسه بعقد إجارة للمدة المعلومة. وفي جميع هذه الحالات يكون نقل الملكية ملزماً ومطلوباً للطرفين، فهو من مقصود العقد نفسه.

стр. 18870

أما القسط الذي يدفعه المستأجر فيمكن أن يتخذ أياً من ثلاثة أشكال هي: ١- مبلغ ثابت متساو لجميع الأقساط، محدد في العقد، يتألف كل قسط منه من جزء متزايد يقابل أصل ثمن العين المؤجرة، ومن جزء متناقص يقابل أجرة محسوبة على أساس مجموع الأجزاء المتبقية من أصل الثمن. ٢- مبلغ متناقص بشكل تدريجي محدد في العقد، يتألف كل قسط منه من جزء ثابت يقابل نسبة من أصل الثمن (مثلاً ١٠ % إذا كانت الإجارة لعشر سنوات) ، وجزء متناقص يقابل أجرة محسوبة على أساس مجموع الأجزاء المتبقية من أصل الثمن. ٣- مبلغ متناقص يتألف من جزأين: جزء ثابت مماثل للشكل رقم (٢) وجزء متناقص غير محدد بذاته في العقد ولكن قد حدد العقد طريقة حسابه، كأن يكون معدل Libor + ٢ % مثلاً، بحيث يعلم مقداره قبل بدء كل فترة إيجارية. وإلى جانب الإجارة المنتهية بالتمليك نجد نوعاً من الإجارة التمويلية الشائعة، وبخاصة في السيارات، وهي إجارة منتهية بالتخيير، لا بالتمليك، ويكون التخيير فيها عادة للمستأجر بين إعادة العين المؤجرة إلى المالك أو شرائها بثمن يحدده العقد نفسه (١) .
следующие страницы →