← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 18901–18940 · переход к 18906.

стр. 18901

ويلاحظ أن ملكية الآلة لا تؤول هنا إلى المستأجر، ولكن أياً من طرفي العقد ليس له بها حاجة، بعد انقضاء مدة الإجارة، وقد تشبه في هذه الحالة بعض صيغ ما يسمى بالعرف المالي المعاصر بالإيجار التمويلي: (Financial Lease) ، من حيث إن الإجارة تشمل مجموع العمر الاقتصادي للعين المؤجرة، مع فارق عدم تملك المستأجر للعين المؤجرة عند نهاية العقد، وهي تشبه كذلك بيع التقسيط من حيث إن المالك يسترد قيمة الأصل مع أرباحه من خلال الدفعات الدورية للأجرة، مع فارق عدم انتقال الملكية إلى المستفيد، الذي يحصل في البيع بالتقسيط منذ تاريخ العقد، في حين لا ينتقل الملك في الإجارة إلى المستأجر. ويدخل ضمن الحالة الرابعة هذه أن تكون رقبة العين المؤجرة تستحق لطرف ثالث بعد انتهاء مدة الإجارة، كأن تكون العين المؤجرة جسراً بناه شخص على أرض له عليها إقطاع ارتفاق مؤقت بمدة عشرين سنة مثلاً من الدولة، وتشترط الدولة أن تؤول إليها ملكية ما على الأرض، بعد انتهاء مدة إقطاع الارتفاق، كجزء من الخراج المشروط عند الإقطاع، فهنا العين المؤجرة باقية بعد انتهاء الإجارة واستيفاء منافعها ولكنها على غير ملك المؤجر، كما لو باعها لثالث عند انتهاء الإجارة. الحالة الخامسة: وهي تشبه الحالة الثانية، حيث يرغب المستأجر بتملك العين المؤجرة عند نهاية الإجارة، فيعقد مع أصحاب الصكوك –منذ إصدارها- عقد استصناع يشتري به منهم عيناً موصوفة بالذمة لها نفس المواصفات المتوقعة للعين المؤجرة عند انتهاء الإجارة، وعند انتهاء مدة الإجارة، يتم تسليم العين المؤجرة بالثمن المتفق عليه، وتبقى العين المؤجرة نفسها مملوكة لأصحاب الصكوك طيلة مدة الإجارة، وبالتالي فإن صكوكهم التي تمثل عيناً مادية مؤجرة، تكون قابلة للتداول بسعر سوقي يتفق عليه بين المتبايعين، قد يزيد، أو ينقص عن سعر الشراء. ومن الواضح أن عقد الاستصناع ملزم للطرفين ويمكن فيه تأجيل الثمن حسبما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، عام ١٤١٢هـ، ولكن هذا العقد لا يصح لبعض الأعيان المؤجرة، نحو الأرض مثلاً، التي ليس فيها من الصناعة شيء، غير أن هذا القيد قليل الأهمية التطبيقية، لأن معظم الأعيان المؤجرة ينطبق عليها مبدأ التصنيع مثل الآلة، والبناء، والجسر، والطائرة، ونحو ذلك.

стр. 18902

وإذا كان عقد البيع لا ينافي عقد الإجارة، فإن الاستصناع بيع، فهو بذلك لا ينافي الإجارة أيضاً، الأمر الذي يدل على أن هذه الحالة مقبولة من وجهة النظر الفقهية، على ضوء ما ورد في هذا البحث، مع ملاحظة أن عقد الإجارة وعقد الاستصناع لا يقعان على نفس العين عند التعاقد، لأن الاستصناع – كالسلم - بيع لموصوف في الذمة، في حين أن الإجارة تقع هنا على عين حاضرة، ولا يتنافى ذلك مع قيام الصانع بتقديم العين المأجورة نفسها للوفاء بالتزامه في عقد الاستصناع ما دامت تتحقق فيها الصفات المحددة للمبيع فيه. الحالة السادسة: وهي أن تكون الإجارة بأجرة متناقصة، أو متزايدة، ولكنها في جميع الأحوال معلومة، كأن تكون أجرة كل سنة أكثر (أو أقل) بعشرة في المائة من السنة التي قبلها، ويمكن تطبيق هذه الحالة بالزيادة مثلاً للحماية من التضخم المتوقع، فتجعل نسبة الزيادة المحددة في الأجرة السنوية، أو الشهرية، معادلة للنسبة المتوقعة للتضخم، أما حالة تناقص الأجرة، فيمكن تطبيقها عند توقع التناقص في منفعة العين مع الزمن لأسباب فنية، مثل السيارة التي تقل كفاءتها مع الاستعمال، أو لأسباب التقدم العلمي التكنولوجي، وبخاصة حيث تكون سرعة التطور التكنولوجي كبيرة، بحيث تفقد الآلة القديمة قيمتها بسرعة. وفي جميع حالات الأجرة المتناقصة، أو المتزايدة، فإن المتفق عليه بين المذاهب الإسلامية هو اشتراط أن تكون الأجرة معلومة، أو بمقادير أو نسب معلومة، كل ذلك في عقد الإجارة أي عند إصدار الصك نفسه. ويلاحظ هنا أن من الحنابلة من أجاز البيع بما ينقطع به السعر في المستقبل، بتاريخ معين، من غير تحديد الثمن وقت العقد (١) ، وهو بيع بسعر يمكن معرفته، لأنه معلق على أمر يعلم دونما نزاع، أو خلاف، فإذا جاز هذا في البيع، فإن الإجارة بأجرة متزايدة، أو متناقصة، غير محددة في العقد، ولكنها معلقة على أمر يعلم، ويعلن قبل بدء الفترة الإيجارية، التي تحدث فيها الزيادة، أو النقصان، قد تكون جائزة أيضاً، لأن الإجارة بيع، وبخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار مبدأ العقود المترادفة، كما هو معروف عند الحنفية، حيث تنعقد الإجارة على الفترة اللاحقة عند انتهاء الفترة التي قبلها.

стр. 18903

الصورة السادسة: وهي صورة من صكوك التأجير تقوم على أساس الحكر. والحكر إجارة طويلة، تنطبق على أراضي الأوقاف في الأغلب، وقد تكون في الأملاك الخاصة أيضاً (١) . حيث يقصد منح المستأجر إجارة طويلة تمكنه من إقامة البناء أو غرس الأشجار، لأنه يطمئن إلى انتفاعه بالأرض خالياً من المنافسين لمدة الحكر. وقد اتفق الفقهاء أن البناء والغراس ملك للمستأجر، له أن يبيعه، أو يهبه، أو يوصي به، كما أنه يورث عنه (٢) ويمكن في الحكر وصف البناء، ووصف صيانته وتأمينه خلال مدة الإجارة، بدقة لا تترك مجالاً للنزاع، بحيث يعرف ما سيكون على الأرض من بناء عند انتهاء الحكر. كما يمكن بالشرط جعل البناء على الأرض- وهو معلوم – جزءاً من أجرة آخر سنة من سنوات الحكر. وصورة صكوك التأجير القائمة على الحكر هي أن يحكر ناظر الوقف، المالك، الأرض إلى وسيط مالي، نحو مصرف إسلامي، أو شركة تأجير إسلامية. فيقوم الوسيط بالبناء والتأجير، ثم يصدر صكوك تأجير أعيان بملكية البناء وحده، دون الأرض، يبيعها للأفراد المستثمرين. وتمثل هذه الصكوك ملكية البناء المؤجر وهي ملكية آيلة إلى الانتهاء عند أجل الحكر لانتقال ملكية البناء إلى الوقف بعقد الحكر بصفته جزءاً من أجرة السنة الأخيرة. فنحن هنا أمام صكوك ذات عائد إيجاري لمدة محددة دون أن يكون للعين المؤجرة قيمة متبقية يملكها صاحب الصك. خصائص صكوك التأجير: تتميز صكوك التأجير بعدد من الخصائص، التي تجعل من الممكن لهذه الصكوك أن تكون أساساً مهماً في السوق التمويلية الإسلامية. وتقوم هذه الخصائص على طبيعة عقد الإجارة بشكله الشرعي، وطبيعة التكييف الشرعي للصكوك، باعتبارها تمثل ملكية أعيان مؤجرة. وقبل شرح هذه الخصائص لابد من كلمة حول أهمية الأوراق المالية عامة لأي دولة معاصرة.

стр. 18904

فالحكومات المعاصرة تحتاج إلى أوراق مالية ذات استقرار نسبي في أسعارها في سياستها النقدية التي تهدف إلى تنظيم كمية النقود الموجودة في أيدي الناس، بحيث تستطيع أن تبيع هذه الأوراق عندما ترغب الحكومة بتقليل كمية النقود في السوق، أو شراءها عندما ترغب بزيادة تلك الكمية. وقلما تستطيع الحكومات استعمال أسهم شركات المساهمة في هذا المجال بسبب التغيرات الكبيرة التي تطرأ على أسعار الأسهم في الأسواق المالية. يضاف إلى ذلك الحاجات التمويلية لبناء بعض المشاريع الكبيرة وبخاصة مشاريع البنية التحتية كالجسور والطرق الكبيرة والمطارات ومحطات السكة الحديد وشبكات الاتصالات مما يمكن تمويله بصكوك التأجير. وكذلك فإن السوقين المالية والنقدية تحتاجان دائماً إلى تنوع في الأوراق المالية، وبشكل خاص إلى أوراق مالية ذات عائد منتظم ومخاطر قليلة، بحيث تصلح لتكون علامة (Bench Mark) ترجع إليها السوق في تحديد عوائد الدرجات الكبيرة من المخاطر أو ما يسمى برأس المال المغامر (Venture Capital) الذي يتمثل عادة في الأسهم. ولنعد الآن إلى بيان أهم خصائص صكوك التأجير حيث يمكن تصنيفها تحت عنوانين هما خضوع الصكوك لعوامل السوق والمرونة الكبيرة التي تتمتع بها، وتفصيل ذلك فيما يلي: I) خضوع الصكوك لعوامل السوق: ١- بما أن صكوك التأجير تمثل ملكية أعيان، فإنه تخضع لعوامل السوق في تقييم أثمان هذه الأعيان. فإذا ارتفعت القيمة السوقية لهذه الأعيان ترتفع قيمة الصكوك، وتهبط قيمتها إذا انخفضت القيمة السوقية للأعيان التي تمثلها. وهذه القيمة السوقية لما تمثله صكوك التأجير من ملكية تتأثر بعوامل العرض والطلب في السوق.

стр. 18905

٢- فمن جهة عرض صكوك التأجير، فإنه يرتبط بحاجة المشروعات والأعمال إلى الاستثمارات الجديدة، مما ترغب المؤسسات الاستثمارية العامة أو الخاصة بتمويله عن طريق الإجارة من جهة، وما يعرضه المستثمرون الماليون من صكوك تأجير موجودة في محافظهم الاستثمارية، يرغبون في بيعها، أي تسييلها، أو تحويلها إلى نقد جاهز. وذلك إما لإعادة استثمار أموالهم في مشروعات أخرى، أو لسداد الحاجات إلى السيولة الناشئة عن الطلب الاستهلاكي أو الطلب التربصي (Speculative) للنقود، من جهة أخرى، وبالتالي، فإن عرض الصكوك بعنصريه- العرض الجديد من جانب المشروعات، وعرض الصكوك القديمة من قبل أصحابها- يعتمد على ثلاثة أمور هي: فرص الاستثمار الأخرى المتاحة، وحجم الاستهلاك، وحجم المضاربات (Speculations) المتاحة. يضاف إلى ذلك المزايا التي تتمتع بها الإجارة بالمقارنة مع الصيغ التمويلية الأخرى، سواء من حيث الضريبة، أم من حيث شروط التمويل وظروفه، مما أشرنا إليه في مقدمة هذا البحث. ٣- ومن جهة الطلب على هذه الصكوك تعتمد على عدة عوامل منها ما ينطبق على جميع أنواع الصكوك ومنها ما يتعلق بنوع واحد منها فقط. ويمكن أن نناقش أهم هذه العوامل فيما يلي: فالمستثمر المطلق، أي الذي لا يهتم بغير هدف استثمار ماله، ينظر إلى صكوك التأجير من زاوية المخاطر التي تحيط بها، والعائد المتوقع عليها، ومدى القدرة على تحويلها إلى نقد جاهز – أي سيولتها – إذا لزم الأمر. وهذا العوامل الثلاثة تنطبق على جميع صكوك التأجير، بكل أنواعها، وصورها، كما تنطبق على الأدوات المالية الأخرى للاستثمار. ويتضمن عنصر المخاطرة خطر عدم قدرة المستأجر على دفع الأقساط الإيجارية، والرأسمالية إن وجدت، إضافة إلى مخاطر تغير سعر صكوك التأجير في السوق، لتغير أحوال العرض والطلب عليها، التي من أهمها عوائد الفرص البديلة. كما أن هنالك مخاطر سياسية أيضاً يتعرض لها حاملو صكوك التأجير إذا كانت صادرة عن الحكومة، سواء أكانت وطنية، أم أجنبية. ومخاطر التغير في أسعار صرف العملة الأجنبية بالنسبة للصكوك الصادرة بعملة أجنبية.

стр. 18906

ومن الملاحظ أن هذه المخاطر مألوفة يتعرض لها حاملو سندات القرض الربوي، أو غير الربوي. غير أن حاملي صكوك التأجير يتعرضون لنوع إضافي من المخاطر ينشأ عن عدم القدرة على التحديد المسبق للجزء من نفقات الصيانة، الذي يترتب على المالك. وذلك بالنسبة لمعظم صور صكوك التأجير المذكورة في هذا البحث. ولنا أن نتساءل هنا عما إذا كانت صكوك التأجير تتضمن – دائماً – أية مخاطرة تتعلق بتغير أسعار ما تمثله هذه الصكوك من أعيان، أو منافع مملوكة لأصحاب الصكوك؟ وللجواب على ذلك، لابد من النظر الدقيق إلى الصور المتعددة للصكوك فهي لا تمثل مجرد أعيان، وإنما هي أعيان مرتبطة بعقود إجارة ملزمة. بالتالي، فإذا كانت الإجارة متجددة، أو كانت تشمل جميع العمر الاقتصادي للعين المؤجرة، أو كان المؤجر مرتبطاً بوعد ملزم ببيع العين، أو هبتها عند انتهاء الإجارة، فإن التغير في الأسعار السوقية للأعيان المؤجرة، لا يؤثر على إيراد الصك، ولا على قيمته الحالية. وهكذا فإن صاحب الصك لا يتحمل – في هذه الأحوال – المخاطر المتعلقة بانخفاض سعر العين المؤجرة، كما أنه لا يتمتع بارتفاع ذلك السعر. ٤- أما العائد المتوقع للصكوك التأجير، فلابد في الحديث عنه من التمييز بين الصور المختلفة للصكوك. ذلك لأن الأجرة تتحدد فيها منذ تاريخ إصدار الصكوك. ويبقى غير معروف الجزء الذي لا يمكن معرفته، عند العقد، من المال الصيانة الجوهرية، وهو ما يقع على عاتق أصحاب الصكوك، إذا كان مما لا يقبل التأمين المباح شرعاً وبالتالي فإن إيراد أصحاب الصكوك هو المجموع الجبري لثلاثة عناصر هي: (أ) الأجرة الدورية الصافية المحددة في العقد. وهي تساوي الأجرة التعاقدية، منقوصاً منها ما يقع على المالك من تأمين وصيانة معلومين، مما يخصم من الأجر. وتكون الأجرة دائم، بالنسبة للأعيان المتجددة أو الدائمة كالأرض. ولنرمز للأجرة الدورية الصافية هذه بالحرف (ر) . (ب) القيمة المتبقية – إن وجدت – وهي قيمة العين المؤجرة عند انتهاء صكوك التأجير. ويمكن لهذه القيمة أن تكون معلومة عند العقد، كما في الحالتين الثانية والخامسة. ولنرمز للقيمة المتبقية بالحرف (ق) . (ج) نفقات الصيانة الجوهرية غير المعروفة عند العقد، ولنرمز لها بالحرف (ص) . وهذه النفقات تترتب على صاحب الصك.

стр. 18907

والعائد المتوقع للصك هو سعر الخصم، الذي يساوي بين سعر صك التأجير في السوق من جهة، ومجموع القيمة الحالية للأجرة الدورية والقيمة المتبقية مطروحاً منها القيمة الحالية لنفقات الصيانة المتوقعة من جهة أخرى. فإذا كان سعر الصك عند إصداره هو (س) ، فإن العائد السنوي المتوقع للصك (ع) يحسب من المعادلة التالية: وذلك على فرض أن الأجرة ثابتة خلال مدة الصك، وأن هذه المدة هي (ن) ، وأن (م) هي السنة التي توقع فيها حدوث صيانة جوهرية غير معلومة مسبقاً. ومن المعادلة رقم (١) يحسب المعدل المتوقع لعائد الصك. ولو فرضنا أن السند يمثل أعياناً متجددة (الحالة الثالثة) ، وأن نفقات الصيانة الجوهرية غير المعروفة قليلة بحيث تهمل أو تصل إلى الصفر، فإن سعر الصك في هذه الحالة يصبح: ويلاحظ وجود علاقة عكسية بين سعر الصك في السوق وعائده المتوقع. فإذا طرح في السوق صك تأجير لعين متجددة معينة، يمثل ١/١٠٠٠ من آلة معينة، بسعر ١٠٠ دينار مثلاً وبأجرة دورية صافية قدرها ١١ ديناراً، فإن عائده المتوقع هو ١١ %. أما إذا كان سعر طرح الصك ١١٠ دينار، فإن عائده المتوقع سيكون ١٠ % فقط. وباستخدام المعادلة رقم (١) يمكن حساب سعر صك التأجير، إذا كان لدى المستثمر فكرة مسبقة عن العائد الذي يرغب به (عَ) ، نحو أن يكون هنالك عائد لفرص البديلة (١) ، يقيس عليه. وبذلك يكون سعر الصك (س) هو: ويتضح من المعادلة رقم (٤) أن سعر صك التأجير يرتفع كلما ارتفعت أية من الأجرة الدورية الصافية، أو القيمة المتبقية، وينخفض كلما زاد المقدار المتوقع لنفقات الصيانة الجوهرية غير المعلومة مسبقاً. كما أن هنالك علاقة عكسية بين سعر الصك والعائد المرغوب فيه مع ملاحظة معلومية الأجرة الدورية وثباتها. أما تأثير عمر الصك، فإن طول عمر الصك يزيد في عدد دفعات الأجرة الدورية الصافية، أي عدد الكوبونات، مما يزيد في سعر الصك، إلا أنه بنفس الوقت ينقص القيمة الحالية للقيمة المتبقية للعين، إن وجدت.

стр. 18908

ومن الواضح أن هذه هي نفس المعادلة التي تستعمل في تقييم الأوراق المالية التقليدية، من أسهم وسندات قرض ربوي، مع فارق من حيث طبيعة ما يمثله السند، ومن حيث وجود عنصر الصيانة الجوهرية غير المتوقعة في صكوك التأجير، وعدم وجود هذا العنصر في سندات القرض الربوي. ٥- أما عنصر السيولة، فإن صكوك التأجير تحتوي على جميع العوامل، التي تجعلها قابلة للتحويل إلى نقد جاهز بأي وقت. فمن الوجهة الشرعية، تمثل الصكوك ملكية أعيان مؤجرة قابلة للبيع بأي سعر يتفق عليه المتبايعان. ومن الوجهة المالية، تتوافر فيها – من الناحية النظرية – جميع الشروط اللازمة لسندات القرض، أو للأسهم، من أجل قبول التداول بها في الأسواق المالية، سواء منها المنظمة، أم غير المنظمة. ويمكن هنا الإشارة إلى عنصر من عناصر المخاطرة، التي توجد في بعض صور صكوك التأجير، وبيان قلة تأثيره على قابلية هذه الصكوك للتداول. حيث هنالك نوع من نفقات الصيانة الجوهرية، مما يتحمله المالك، لا يعلم عند العقد. ولكن معظم الصيانة الجوهرية، وبخاصة ذات المبالغ الكبيرة يعتبر خاضعاً للتأمين، وقسط التأمين يحول – في واقع الأمر- الكلفة غير المعروفة إلى كلفة مقدرة محسوبة منذ إنشاء عقد التأمين. وبالتالي فإن تأثير عامل عدم التوقع في نفقات الصيانة قليل، بحيث يمكن إخضاعه لمبادئ التوقع الطبيعي الاعتيادي، واحتساب سعر له، بمثابة هامش، يضاف إلى الإيراد المرغوب فيه للصك ليقابل عنصر المخاطرة المتعلق بالصيانة.

стр. 18909

ب) مرونة صكوك التأجير: تتمتع صكوك التأجير بمرونة كبيرة، سواء من حيث المشروعات التي يمكن تمويلها بها، أم من حيث الجهات المستفيدة من التمويل، أم من حيث الوساطة المالية المتضمنة فيها، أم من حيث التنوع في الخيارات المتعددة التي تتاح لطالب التمويل، أم من حيث أنواع الأملاك والمشروعات التي يمكن تمويلها، أم من حيث التنوع في الصور والحالات التي يمكن فيها صياغة صكوك التأجير ... إلخ. ١) إصدار صكوك التأجير من كل من قبل القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الخيري: يمكن استخدام صكوك التأجير لتمويل مشروعات تقوم بها الحكومة، سواء أكانت مركزية، أم إقليمية، أم محلية. كما يمكن استخدامها من قبل كل من القطاع الخاص، والقطاع الخيري التبرعي. والسبب في ذلك أن العلاقة بين الجهة الممولة وأصحاب الصكوك يمكن أن تبدأ على أساس الوكالة، إذا أصدرت الصكوك قبل اقتناء الأصل الثابت ثم تنقلب إلى علاقة إجارة بين المالك (أصحاب الصكوك) والمستأجر (مصدر الصكوك) . وهاتان العلاقتان لا تتعارضان فقهاً، وبخاصة أن الوكيل لا يؤجر لنفسه، وإنما يؤجر له أصحاب الصكوك، فهو يقبض العين المؤجرة نيابة عنهم بحكم وكالته، ثم يتسلمها بصفته مستأجراً منهم. ٢) صلاحية صكوك التأجير للوساطة المالية: إن طبيعة صكوك التأجير يمكن معها إصدارها، إما مباشرة من قبل المستفيد من التمويل نفسه، وإما عن طريق وسيط مالي نحو البنوط الإسلامية، أو شركات تؤسس خصيصاً لأعمال التمويل بالإجارة. كما يمكن لدور الوسيط المالي أن يزداد أو ينقص، حسب المصلحة التي يراها المتعاملون، أو السلطة الرقابية. فيمكن للوسيط المالي أن يقوم بدور المروج فقط، لقاء أجر محدد، يحصل عليه إما من أصحاب الصكوك، وإما من الجهة المستفيدة بالإجارة، وإما من كليهما معاً. كما أنه من الممكن كذلك أن يتوسع دور الوسيط ليشمل الالتزام ببيع جميع الصكوك، وأن يشتري بنفسه الجزء الذي لا يباع منها. ويمكن كذلك – في معظم صور وحالات صكوك التأجير – أن يقوم الوسيط المالي بعقد الإجارة الأولي، وإصدار الصكوك ثم بيعها. ويمكن أيضاً أن يحتفظ بدور المدير، وكالة عن أصحاب الصكوك، في متابعة ما يتعلق بالعلاقة بين المستأجر وأصحاب الصكوك من أمور.

стр. 18910

٣) صلاحية صكوك التأجير لتلبية حاجات تمويلية متنوعة: تستطيع صكوك التأجير أن تمول مشروعاً يدر الربح. فيمكن مثلاً تمويل آلات مصنع للأجهزة الإلكترونية، أو أثاث متجر للمواد الغذائية، أو شاحنات شركة لنقل البضائع. ويمكن كذلك استخدام صكوك التأجير في تمويل أصول ثابتة لا يقصد الربح من استعمالها، سواء أكان استعمالها في قطاع الخدمات الحكومية مثل إقامة العدل، وتحقيق الأمن، ومراكز البحث العلمي، أم في القطاع الخيري التبرعي، نحو تمويل سيارات إسعاف لجمعية خيرية. ويمكن كذلك إصدار صكوك التأجير لتمويل إقامة المشروعات ذات النفع العام، التي لا ترغب الحكومة في إقامتها على أساس الربح، لمصلحة عامة تراها، نحو تمويل بناء الجسور، والمطارات، والطرق، والسدود، وسائر مشروعات البنية التحتية الصماء. وفي هذه الحالة تكون الحكومة هي المستأجر، من أصحاب الصكوك الذين يكونون هم المالكين لهذه الأعيان المؤجرة للدولة. ثم تقوم الحكومة – بصفتها مستأجراً – بإباحة الطريق لسير السيارات، والجسر للعابرين عليه، وباستعمال السد لحجز المياه، وتخزينها، وتوزيعها على المزارعين وسائر السكان. ويمكن لصكوك التأجير كذلك أن تمول المشروعات الإنتاجية الحكومية أو التابعة للقطاع العام الاقتصادي. فتمول شراء محطات توليد الكهرباء، والأصول الثابتة لشركات النقل العام، وآلات استخراج أو تصفية البترول والمعادن الأخرى. ويمكن أيضاً استخدام هذه الصكوك في تمويل عين واحدة، أو أصل ثابت واحد، نحو طائرة، أو مولد كهربائي. وكذلك يمكن استخدام هذا الأسلوب التمويلي لمجموعة من الأصول الثابتة، سواء أكانت ذات أعمار إنتاجية متساوية أم لا، وسواء أكانت ذات استخدام نوعي واحد أم لا، وساء أكانت لمستأجر واحد أم لعدة مستأجرين، وبعقود مختلفة. بحيث يمثل السند حصة معلومة محددة من ملكية كل من الأصول الثابتة المجموعة مع بعضها في حزمة (Bundle) واحدة. وبالتالي، فإن البنك الإسلامي يستطيع تحويل عدة عقود إيجار مجتمعة إلى صكوك (Securitization of Leases) ، يطرحها للمدخرين كإصدار واحد ذي قسائم (كوبونات) ، قيمة كل قسيمة هي مجموع الأجرة المستحقة بتاريخ القسيمة.

стр. 18911

٤) توفر بدائل متعددة من صكوك التأجير: أن الصور المتعددة لصكوك التأجير، والحالات المتنوعة لمعظم هذه الصور، وكذلك الشروط الكثيرة التي يمكن إضافتها، وبخاصة فيما يتعلق بالإجارة الموصوفة في الذمة، كل ذلك يتيح لكل من المدخر من جهة، والمؤسسة الاستثمارية من جهة أخرى، اختيار الصيغة التي تتناسب مع ظروف كل منهما، مما يوجد في سوق الأوراق المالية صكوك تأجير ذات نماذج عديدة، الأمر الذي يزيد من فرص الاختيار أمام المدخرين، كما يوسع دائرة الإصدار من وجهة نظر المستفيد من التمويل، ويزيد من مرونة السوق نفسها واستجابتها لجميع رغبات المستثمرين. ٥) الاستجابة للحاجات الخاصة لبعض زمر المحتاجين للتمويل: فمن الجهات التي تحتاج إلى التمويل من يرغب بالحصول على العين المؤجرة عند نهاية عقد الإجارة، فيجد في صور صكوك التأجير ما يناسبه لذلك. ومن الجهات المستفيدة من التمويل من لا يستطيع، بسبب وضعه القانوني، التصرف برقبة الأرض، أو العقار. مثال ذلك أراضي الأوقاف، أو البلديات، أو بعض الأملاك العامة التي تمنع الأنظمة السارية بيع رقبتها. فتيسر بعض أنواع صكوك التأجير لهذه الجهات، الحصول على التمويل اللازم لعمارتها، دون التخلي عن ملكية رقبة الأرض أو العقار. ونحو ذلك من يرغب في الحصول على تمويل آني، مع الاحتفاظ بملكية رقبة الأرض، أو العقار لورثته مثلاً. ٦) المرونة في ميعاد دفع الأجرة: فقد رأينا أن جمهور الفقهاء لا يرى في تعجيل الأجرة، أو تأخيرها، أو تنجيمها بأساً، طالما أنها محددة ومعروفة، واتفقا العاقدان بالشرط على موعد دفعها (١) . وهذه المرونة في تحديد موعد دفع الأجرة تتيح فرصة توزيع الأجرة، على مجموع المدى الزمني للاستثمار، بغض النظر عن العمر الحقيقي للآلة، أو البناء الذي يتم تمويله بصكوك التأجير. فلو كانت فترة إنجاز البناء تتطلب سنتين مثلاً، وعمر البناء عشر سنوات، فيمكن مثلاً تنجيم الأجرة على اثنى عشر قسطاً سنوياً، يدفع أولها قبل سنة من استكمال البناء، مع ملاحظة أن الأقساط الاثني عشر تخص مدة إيجارية هي عشر سنوات فقط.

стр. 18912

الإيجار المنتهي بالتمليك وصكوك التأجير إعداد الشيخ محمد علي التسخيري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قبل الدخول في بيان التكييف الشرعي في عنوان البحث وبيان الرأي في مشروعيته لابد من تقديم تعريف للإجارة وما يتوقف عليه العنوان ويرتبط به لسهولة تناول المقصود بذلك. ١- تعريف الإجارة: قد شاع بين الفقهاء تعريف الإجارة بتمليك المنفعة بعوض، فتمتاز الإجارة بذلك عن البيع، لأن البيع تمليك العين بعوض، وإليك جملة من كلمات الفقهاء: قال المحقق في الشرائع: كتاب الإجارة وفيه فصول أربعة: في العقد وثمرته تمليك المنفعة بعوض معلوم، ويفتقر إلى إيجاب وقبول (١) . وقال المحدث البحراني: قد عرف بعض الأصحاب الإجارة بأنها: عقد ثمرته تمليك المنفعة بعوض معلوم، وعرفها آخر بأنها عبارة عن تمليك المنفعة الخاصة بعوض معلوم، ومرجعه إلى أنها عبارة عن نفس العقد الذي ثمرته ذلك أو عبارة عن التمليك الذي ثمرته ذلك أو عبارة عن التمليك الذي هو الثمرة (٢) . وقال صاحب الجواهر [عقد الإجارة: وهو اللفظ الإنشائي الدال عليها: وثمرته التي شرع لها تمليك المنفعة المعلومة بمقابلة تمليك عوض معلوم على وجه اللزوم، ويفتقر في تحقق مسماه إلى إيجاب وقبول، والعبارة الصريحة عن الإيجاب باعتبار وضعها للدلالة عليه: "آجرتك وأكريتك هذه الدار مثلاً"] (٣) . وقال السيد اليزدي: "هي تمليك عمل أو منفعة بعوض، ويمكن أن يقال إن حقيقتها التسليط على عين للانتفاع منها بعوض" (٤) . وقال السيد الخميني: "وهي إما متعلقة بأعيان مملوكة من حيوان أو دار أو عقار أو متاع أو ثياب ونحوها فتفيد تمليك منفعتها بالعوض، أو متعلقة بالنفس كإجارة الحر نفسه لعمل، فتفيد غالباً تمليك عمله للغير بأجرة مقررة، وقد تفيد تمليك منفعته دون عمله كإجارة المرضعة نفسها للرضاع لا الإرضاع " (٥) . وقال السيد الخوئي: "وهي المعارضة على المنفعة عملاً كانت أو غيره، فالأول مثل إجارة الخياط للخياطة والثاني مثل إجارة الدار" (٦) .

стр. 18913

٢- وقوع الإجارة بالمعاطاة: قد اتضح مما تقدم افتقار عقد الإجارة إلى الإيجاب والقبول من المؤجر والمستأجر، ولا إشكال في وقوع الإجارة بالعقد اللفظي الذي هو الإيجاب والقبول، إنما الكلام في وقوعها بالمعاطاة، حيث إن الإجارات المتعارفة في عصرنا- غالباً – تقع بتعاطي العين المؤجرة من دون إجراء الصيغة المعهودة للإجارة، فذاك دافعنا إلى البحث عن وقوع المعاطاة في الإجارة. قال السيد الخميني: [عقد الإجارة هو اللفظ المشتمل على الإيجاب، الدال بالظهور العرفي على إيقاع إضافة خاصة مستتبعة لتمليك المنفعة أو العمل بعوض والقبول الدال على الرضا به وتملكها بالعوض، والعبارة الصريحة في الإيجاب: "آجرتك أو أكريتك هذه الدار مثلاً بكذا "وتصح بمثل "ملكتك منفعة الدار"مريداً به الإجارة لكنه ليس من العبارة الصريحة في إفادتها] . ولا يعتبر فيه العربية، بل يكفي لفظ المعنى المقصود بأي لغة كان، وتقوم مقام اللفظ الإشارة المفهمة من الأخرس ونحوه كعقد البيع، والظاهر جريان المعاطاة في القسم الأول منها، وهو ما تعلقت بأعيان مملوكة، وتتحقق بتسليط الغير على العين ذات المنفعة قاصداً تحقق معنى الإجارة، أي الإضافة الخاصة، وتسليم الغير لها بهذا العنوان، ولا يبعد تحققها في القسم الثاني أيضاً يجعل نفسه تحت اختيار الطرف بهذا العنوان أو بالشروع في العمل كذلك. (١) واستدل الإمام الخميني على صحة المعاطاة في كل عقد أو إيقاع يمكن إنشاؤه بالفعل بما يلي: "مقتضى القاعدة جريان المعاطاة في كل عقد أو إيقاع يمكن إنشاؤه بالفعل، فإن العقل، كالقول آلة للإيجار والإيقاع الاعتباري، ومع الإيقاع كذلك، يعتبر المنشأ مصداقاً للعناوين العامة والخاصة، ودليل صحتها ولزومها هو الأدلة الخاصة أو العامة" (٢) . واستدل السيد البجنوردي في قواعده على صحة المعاطاة في الإجارة بوجهين. الأول: تحقق عنوان الإجارة بالمعاطاة فتشمله العمومات. الثاني: قيام السيرة المستمرة في جميع أنحاء العالم على تحقق الإجارة بالمعاطاة وبناء العقلاء من كافة الأمم على ذلك فإذا تحققت الإجارة بالمعاطاة فتشملها العمومات من الآيات والروايات التي تدل على إمضائها وترتيب الأثر عليها، فلا ينبغي أن يشك في صحة الإجارة المعاطاتية ولزوم ترتيب أثر الإجارة الصحيحة عليها، وجميع أدلة اللزوم خصوصاً أصالة اللزوم في الملك تجري، فالإجارة – مطلقاً – تحققت بالعقد أو المعاطاة معاملة لازمة لا تنفسح إلا بالتقايل أو شرط الخيار كسائر العقود اللازمة (٣) .

стр. 18914

٣- عدم بطلان الإجارة بموت المؤجر والمستأجر: اتفق فقهاء الإمامية – في العصور المتأخرة – على عدم بطلان الإجارة بموت المؤجر والمستأجر. قال صاحب الجواهر: "لا تبطل بموت أحدهما، وهو الأشبه بأصول المذهب وقواعده، والأشهر بين المتأخرين، بل هو المشهور بينهم، بل في المسالك نسبته إليهم أجمع، ولعله كذلك" (١) . وقال السيد اليزدي: "لا تبطل الإجارة بموت المؤجرة ولا بموت المستأجر على الأقوى" (٢) . وقد قرره على هذا الرأي جميع الفقهاء المعلقين عليها، وهم المعاصرون من الفقهاء. واستدل السيد البجنوردي على هذا الرأي بأن مقتضى القواعد الأولية هو دخول منافع العين المستأجرة في ملك المستأجر في المدة المضروبة وخروجها عن ملك المؤجر، وكذلك الأمر في الأجرة التي هي عوض تلك المنافع. مقتضى صحة العقد ونفوذه ووجوب الوفاء به وصفاً وتكليفاً دخولها في ملك المؤجر وخروجها عن ملك المستأجر، وقد فرغنا عن إثبات أن الإجارة عقد لازم لا تنفسخ إلا بالتقايل أو أحد الأسباب المقتضية للفسخ، فخروج كل واحد من العوضين عن ملك مالكه بعد وقوع العقد الصحيح ورجوعه إلى مالكه الأول يحتاج إلى دليل (٣) . ٤- شروط صحة الإجارة: قال السيد الخميني: "يشترط في صحة الإجارة أمور، بعضها في المتعاقدين أعني المؤجر والمستأجر وبعضها في العين المستأجرة وبعضها في المنفعة وبعضها في الأجرة. - أما المتعاقدان، فيعتبر فيهما ما اعتبر في المتبايعين من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر لفلس أو سفه ونحوهما. - وأما العين المستأجرة، فيعتبر فيها أمور: منها التعيين، فلو آجر إحدى الدارين أو إحدى الدابتين لم تصح، ومنها المعلومية، فإن كانت عيناً خارجية فإما بالمشاهدة وإما بذكر الأوصاف التي تختلف بها الرغبات في إجازتها، وكذا لو كانت غائبة أو كانت كلية. ومنها: كونها مقدوراً على تسليمها، فلا يصح إجارة الدابة الشاردة ونحوها، ومنها: كونها مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، فلا يصح إجارة ما لا يمكن الانتفاع بها، كما إذا آجر أرضاً للزراعة مع عدم إمكان إيصال الماء إليها ولا ينفعها ولا يكفيها ماء المطر ونحوه، وكذا ما لا يمكن الانتفاع بها إلا بإذهاب عينها كالخبز للأكل والشمع أو الحطب للإشعال.

стр. 18915

ومنها: كونها مملوكة أو مستأجرة فلا تصح إجارة مال الغير إلا بإذنه أو إجازته. ومنها: جواز الانتفاع بها، فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد مباشرة. - أما المنفعة فيعتبر فيها أمور، منها: كونها مباحة: فلا تصح إجارة الدكان لإحراز المسكرات أو بيعها، ولا الدابة والسفينة لحملها، ولا الجارية المغنية للتغني ونحو ذلك. ومنها: كونها متمولة يبذل بإزائها المال عند العقلاء. ومنها: تعين نوعها إن كانت للعين منافع متعددة، فلو استأجر الدابة يعين أنها للحمل أو الركوب أو لإدارة الرحى وغيرها، نعم تصح إجارتها لجميع منافعها فيملك المستأجر جميعها. ومنها: معلوميتها، إما بتقديرها بالزمان المعلوم، كسكني الدار (شهراً) ، أو الخياطة أو التعمير والبناء (يوماً) ، وإما بتقدير العمل، كخياطة الثوب المعين خياطة كذائية. - وأما الأجرة: فيعتبر معلوميتها وتعيين مقدارها بالكيل أو الوزن أو العد في (المكيل والموزون والمعدود) وبالمشاهدة أو التوصيف (في غيرها) ويجوز أن تكون عيناً خارجية، أو كلياً في الذمة، أو عملاً، أو منفعة، أو حقاً قابلاً للنقل مثل الثمن في البيع (١) .

стр. 18916

٥- قاعدة الشرط: ومما يرتبط بالبحث، بل يتوقف عليه، العنوان: (قاعدة الشرط) لتوقف تمليك المؤجر العين المستأجرة للمستأجر على صحة الشرط ونفوذه واشتراط ذلك في عقد الإجارة، ويتم المقصود من البحث – في هذه القاعدة – في أمور: الأول: مدرك القاعدة. قاعدة الشرط من القواعد الفقهية المشهورة الثابتة بالإجماع والسنة وبناء العقلاء والكتاب العزيز. أما السنة فهي روايات منها ما رواه عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق ﵇ قال: سمعته يقول: من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله (١) . ومنها ما رواه عبد الله بن سنان أيضاً عن الإمام الصادق ﵇ قال: المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله فلا يجوز (٢) . ومنها ما رواه إسحاق بن عمار عن الإمام الصادق ﵇ أن علي بن أبي طالب ﵇ كان يقول: من شرط لامرأته شرطاً فليف لها فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً (٣) . ومنها ما رواه في غوالي اللآلي عن النبي ﷺ ، قال: ((المؤمنون عند شروطهم)) (٤) . ومنها ما رواه في دعائم الإسلام عن النبي ﷺ أنه قال: ((المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله)) (٥) . ومنها ما رواه يونس عن الإمام الكاظم موسى بن جعفر ﵇ قال قلت له: إن رجلاً من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل الله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها فأعطاها ذلك ثم بداله في الترويج بعد ذلك فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمنون عند شروطهم)) (٦) ، وغير ذلك من الروايات. وأما الإجماع وبناء العقلاء والكتاب فقد استدل بها المحقق المراغي، فقال في وجوه لزوم العمل بالشروط: أحدها: ظهور الإجماع من الأصحاب على صحة الشرط ضمن العقد، فإنهم في سائر المقامات يحكمون بصحة الشرط ولزومها من دون نكير منهم في ذلك.

стр. 18917

وثانيها: الإجماعات المحكية على ذلك حد الاستفاضة. ثالثها: ما ذكرناه في إثبات صحة العقود من أن المعاملات ليست مبنية على التعبد والاختراع وإنما هي أمور مجعولة عند العقلاء على نحو يتم به النظام، والشارع قررهم على ذلك، فكل معاملة شائعة بين الناس يحكم بصحتها لكشفه عن تقرير الشارع، إلا ما ورد المنع عنه فنقول: لو كان ورد من الشارع عن أخذ الشروط في ضمن العقود بهذا العنوان لاشتهر وتواتر، كسائر المعاملات الفاسدة، لعموم البلوى وشدة الحاجة، مع أنه قد انعكس الأمر، وهذا يكشف عن رضا الشارع به وهو المدعى. ورابعها: أن ما دل على لزوم الوفاء بالعقود يدل على صحة الشرط الواقع ضمن العقد. إما أن ذلك كالجزء من العقد والقيد منه، فإذا وقع الارتباط بينه وبين العقد في قصد المتعاقدين فالوفاء بالعقد يقتضي الوفاء به، لأنه من كيفيات العقد؛ ولا فرق بين ما اعتبر في الأركان أو لوحظ من الخارج، بل هذا – في الحقيقة – يرجع إلى صفة في أركان العقد، فلابد من الوفاء بالعقد. وإما لأن الشرط بنفسه عهد من العهود، وقد دلت الآية على لزوم الوفاء بالعهود، ولا يضر الانصراف إلى المتعارف – هنا – لأن الشرط ضمن العقد من العهود المتعارفة الشائعة، فكما يشمل العقد الأصلي يشمل الشرط، ولا يحتاج إلى إثبات كون الوفاء بالعقد مستلزماً للوفاء بالشرط (١) . وقال في معنى الشرط والتحقيق، إن الشرط في العقد إنما هو بمعنى الربط، وإحداث العلاقة بين العقد وما شرط، وهو المعنى اللغوي للشرط، ولا يطلق الشرط على الإلزام المستقل الذي لا ربط له بشيء آخر؛ والمراد من قولهم: بعتك وشرطت عليك كذا أني أنشأت البيع والتمليك وربطته بالأمر الفلاني أي جعلتهما مرتبطين في الإنشاء والإحداث بمعنى إرادة وقوعهما مرتبطين، فيصير الشرط كأجزاء العوض والمعوض؛ فمن قال: "بعتك السيف والفرس "يريد وقوع التمليك فيهما معاً، بمعنى تعلق الغرض بالمجموع المركب من حيث هو كذلك، ومثله الشرط، والغرض ارتباط الشرط والمشروط في المقصودية والإنشاء، لا أن ذلك تعليق لأصل العقد، بمعنى أني بعت إن كان كذلك، ولا تعليق للدوام بمعنى أني بعت ولكن إن وقع هذا الشرط، فدائماً وإلا فلا، ولا بمعنى أني بعت، ولكن لا أرضى باللزوم إلا بذلك الشرط، فإن كل ذلك غير صحيح، إذا الأولان مبطلان، والأخير لا دخل له بالمتعاقدين، وإنما المقصود ما ذكرناه (٢) .

стр. 18918

الثاني – الشروط: ثم إن لتنفيذ الشرط وصحة تأثيره شروطاً قد ذكرها الفقهاء. قال الشيخ الأنصاري: "الكلام في شروط صحة الشرط، وهي أمور قد وقع الكلام أو الخلاف فيها. أحدها: أن يكون داخلاً تحت قدرة المكلف، فيخرج ما لا يقدر العاقد على تسليمه إلى صاحبه، سواء كان صفة لا يقدر العاقد على تسليم العين موصوفاً بها مثل صيرورة الزرع سنبلاً، وكون الأمة والدابة تحمل في المستقبل أو تلد كذا أو كان عملاً كجعل الزرع سنبلاً والبسر تمراً.... الثاني: أن يكون الشرط سائغاً في نفسه، فلا يجوز اشتراط جعل العنب خمراً ونحوه من المحرمات، لعدم نفوذ الالتزام بالمحرم ... الثالث: أن يكون ما فيه غرض معتد به عند العقلاء نوعاً، أو بالنظر إلى خصوص المشروط له.... الرابع: أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة، فلو اشترط رقبة حر أو توريث أجنبي كان فاسداً، لأن مخالفة الكتاب والسنة لا يسوغها شيء ... الخامس: أن لا يكون منافياً لمقتضى العقد، وإلا لم يصح، لوجهين: أحدهما: وقوع التنافي في العقد المقيد بهذا الشرط، بين مقتضاه الذي لا يختلف عنه والشرط الملزم لعدم تحققه، فيستحيل الوفاء بهذا العقد مع تقيده بهذا الشرط. فلابد إما أن يحكم بتساقطهما، وإما أن يقدم جانب العقد، لأنه المتبوع المقصود بالذات والشرط تابع، وعلى كل تقدير لا يصح الشرط. الثاني: أن الشرط المنافي مخالف للكتاب والسنة الدالين على عدم تخلف العقد عن مقتضاه، فاشتراط تخلفه مخالف للكتاب ... السادس: أن لا يكون الشرط مجهولاً جهالة توجب الغرر في البيع، لأن الشرط – في الحقيقة – كالجزء من العوضين.

стр. 18919

السابع: أن لا يكون مستلزماً لمحال، كما لو شرط في البيع أن يبيعه على البايع، فإن العلامة قد ذكر هنا أنه مستلزم للدور، وقال في التذكرة: "لو باعه بشرط أن يبيعه إياه لم يصح سواء اتحد الثمن قدراً أو جنساً ووصفاً أو لا وإلا جاء الدور لأن بيعه إياه يتوقف على ملكيته له المتوقفة على بيعه فيدور ... ، سيأتي تقرير الدور مع جوابه في النقد والنسيئة ... الثامن: أن يلتزم به في متن العقد فلو تواطيا عليه قبله لم يكف ذلك في التزام المشروط به، على المشهور بل لم يعلم فيه خلاف، عدا ما يتوهم من ظاهر الخلاف والمختلف، وسيأتي، لأن المشروط عليه إن أنشأ إلزام الشرط على نفسه قبل العقد كان إلزاماً ابتدائياً لا يجب الوفاء به قطعاً. وإن كان أثره مستمراً في نفس الملزم إلى حين العقد بل إلى حين حصول الوفاء وبعده، نظير بقاء أثر الطلب المنشأ في زمان إلى حين حصول المطلوب وإن وعده بإيقاع العقد مقروناً بالتزامه، فإذا ترك ذكره في العقد لم يحصل ملزم له (١) . الثالث – حكم الشرط الصحيح: قال الشيخ الأنصاري: إن الشرط إما أن يتعلق بصفة من صفات المبيع الشخصي ككون العبد كاتباً والجارية حاملاً ونحوهما، وإما أن يتعلق بفعل من أفعال أحد المتعاقدين أو غيرهما كاشتراط اعتاق العبد وخياطة الثوب، وإما أن يتعلق بما هو من قبيل الغاية للفعل كاشتراط تملك عين خاصة وانعتاق مملوك خاص ونحوهما. ولا إشكال في أنه لا حكم للقسم الأول إلا الخيار مع تبين فقد الوصف المشروط، إذ لا يعقل تحصيله هنا، فلا معنى لوجوب الوفاء فيه، وعموم (المؤمنون عند شروطهم) مختص بغير هذا القسم، وأما الثالث فإن أريد باشتراطه الغاية- أعنى الملكية والزوجية ونحوهما – اشتراط تحصيلهما بأسبابهما الشرعية فيرجع إلى الثاني وهو اشتراط الفعل، وإن أريد حصول الغاية بنفس الاشتراط فإن دل الدليل الشرعي على عدم تحقق ملك الغاية إلا بسببها الشرعي الخاص كالزوجية والطلاق والعبودية والانعتاق وكون المرهون مبيعاً عند انقضاء الأجل ونحو ذلك كان الشرط فاسداً لمخالفته للكتاب والسنة، كما أنه لو دل الدليل على كفاية الشرط كالوكالة والوصايا وكون مال العبد وحمل مال العبد وحمل الجارية وثمر الشجرة ملكاً للمشتري فلا إشكال.

стр. 18920

وأما لو لم يدل دليل على أحد الوجهين كما لو شرط في البيع كون مال خاص غير تابع لأحد العوضين كالأمثلة المذكورة ملكاً لأحدهما أو صدقة وكون العبد الفلاني حراً ونحو ذلك، ففي صحة هذا الشرط إشكال، من أصالة عدم تحقق الغاية إلا بما علم كونه سبباً لها، وعموم (المؤمنون عند شروطهم) ونحوه لا يجري هنا، لعدم كون الشرط فعلاً ليجب الوفاء به، ومن أن الوفاء لا يختص بفعل ما شرط، بل يشمل ترتيب الآثار عليه نظير الوفاء بالعهد، ويشهد له تمسك الإمام ﵇ بهذا العموم في موارد كلها من هذا القبيل، كعدم الخيار للمكاتبة التي أعانها ولد زوجها على أداء مال الكتابة مشترطاً عليها عدم الخيار على زوجها بعد الانعتاق، مضافاً إلى كفاية دليل الوفاء بالعقود في ذلك بعد صيرورة الشرط جزءاً من العقد. وأما توقف الملك وشبهه على أسباب خاصة فهي دعوى غير مسموعة مع وجود أفراد اتفق على صحتها كما في حمل الجارية ومال العبد وغيرهما.

стр. 18921

دعوى تسويغ ذلك لكونها من توابع المبيع مدفوعة لعدم صلاحية ذلك للفراق مع أنه يظهر من بعضهم جواز اشتراط ملك حمل دابة في بيع أخرى، كما يظهر من المحقق الثاني في شرح عبارة القواعد في شرائط العوضين) وكل مجهول مقصود بالبيع لا يصح بيعه وإن انضم إلى معلوم، وكيف كان فالأقوى صحة اشتراط الغايات التي لم يعلم من الشارع إناطتها بأسباب خاصة، كما يصح نذر مثل هذه الغايات، بأن ينذر كون المال صدقة والشاة أضحية أو كون هذا المال لزيد، وحينئذٍ فالظاهر عدم الخلاف في وجوب الوفاء بها بمعنى ترتب الآثار. والقسم الثاني وهو ما يتعلق فيه الاشتراط بفعل. والكلام فيه يقع في مسائل: الأولى: في وجوب الوفاء من حيث الكليف الشرعي، والمشهور هو الوجوب لظاهر الحديث النبوي: ((المؤمنون عند شروطهم)) ، والحديث العلوي: ((من شرط لامرأته فليف لها به فإن المسلمين عند شروطهم ... )) . الثانية: لو قلنا بوجوب الوفاء من حيث التكليف فهل يجبر عليه لو امتنع؟ ظاهر جماعة ذلك ... الثالثة: هل للمشروط له الفسخ مع التمكن من الإجبار فيكون مخيراً بينهما؟ أم لا يجوز له الفسخ إلا مع تعذر الإجبار؟ ... المختار عدم الخيار إلا مع تعذر الإجبار. ثم لو كان الشرط من قبيل الإنشاء القابل للنيابة فهل يوقعه الحاكم عنه إذا فرض تعذر إجباره؟ الظاهر ذلك، لعموم ولاية السلطان على الممتنع، فيندفع ضرر المشروط له بذلك. الرابعة: لو تعذر الشرط فليس للمشتري إلا الخيار، لعدم وجود دليل على الأرش، فإن الشرط في حكم القيد لا يقابل بالمال، بل المقابلة عرفاً وشرعاً إنما هي بين المالين، والتقيد أمر معنوي لا يعد مالاً ... الخامسة: لو تعذر الشرط وقد خرجت العين عن سلطة المشروط عليه بتلف أو رهن أو استيلاء فالظاهر عدم منع ذلك من الفسخ. السادسة: للمشروط له إسقاط شرطه إذا كان مما يقبل الإسقاط.... السابعة: تخلف الشرط لا يقدح في تملك كل منهما لتمام العوضين (١) .

стр. 18922

٦ - الملكية: الملكية ماهية اعتبارية متقومة باعتبار العقلاء حدوثاً وبقاءً، وليس لها حقيقة سوى الاعتبار العقلاني، فإذا تحقق عقد البيع مثلاً يصير موضوعاً لاعتبار الملكية عند العقلاء، كما أن عقد النكاح إذا تحقق يصير موضوعاً لاعتبار الزوجية عندهم، وإذا تحققت الحيازة تصير موضوعاً لاعتبار الملكية؛ ولا يصير العقد علة لحصول الملكية ولا علة لاعتبار العقلاء، فلا علِّيَّة ولا سببية في العقود لإيجاد مضمونها، بل هي بعد تحققها تصير موضوعاً لاعتبار العقلاء، فالعقلاء يعتبرون ملكية العين عند تحقق عقد البيع، وملكية المنافع عند تحقق عقد الإجارة. وبعبارة أخرى إن الاعتبار العقلاني له وجود لا يحصل إلا بالاعتبار، ولا يوجد باللفظ وغيره فاللفظ في العقود لا يمكن أن يكون علة لما هو خارج عن نطاقه وحوزته، والعلة في ذلك الاعتبار إنما هو إرادة العقلاء، لا اللفظ الصادر من اللافظ العاقد. ثم إن حقيقة هذه المبايعة الاعتبارية إضافة حاصلة بين المال ومالكه، وهي قد تكون ذاتية كالإضافة الحاصلة بين الإنسان وعمله فإن الإنسان مسلط على عمله ونفسه وما في ذمته، فله إجارة نفسه وبيع ما في ذمته، وقد أمضى الشارع أيضاً هذا النحو من الملكية، وقد تكون الإضافة عرضية، وهي قد تكون أولية وقد تكون ثانوية. والأولى: قد تكون أصلية استقلالية وقد تكون تبعية، أما الأولية الأصلية كالإضافة الحاصلة بالعمل أو بالحيازة أو بهما، أما الأولية التبعية كالإضافة بين المالك ونتاج أمواله، وأما الإضافة الثانوية قد تكون قهرية كالإضافة بين الوارث والميراث والموقوف عليه والوقف، وقد تكون اختياريه كالإضافة الحاصلة من المعاملات بين المالك ومملوكه، والمقصود منهما في المقام هو القسم الأخير من الملكية التي تحصل بالعقود والإيقاعات.

стр. 18923

٧ - عناوين المعاملات: إن عنوان البيع والإجارة والصلح وغيرها من عناوين المعاملات إنما هي فعل من أفعال المكلف، وليست من أفعال العرف ولا الشرع، فإذا صدر عنوان من هذه العناوين من المكلف فإن كان واجداً للشروط العرفية ينسب إلى العرف ويقال إنه عقد صحيح عرفي، وإن كان فاقداً لأحدهما فيقال إنه بيع باطل عرفي، وكذلك النسبة إلى الشرع فالبيع الواجد للشروط الشرعية ينسب إلى الشرع ويقال بيع صحيح شرعي، والفاقد يقال له: البيع الباطل شرعاً، فعلا معنى لوضع هذه العناوين للصحيح الشرعي خاصة بل هي تطلق على البيوع غير المشروعة. وعلى ذلك، فإذا شك في تأثير العقد أثره الخاص لا مانع من التمسك بالإطلاق في صحته وتأثيره مع صدق البيع عرفاً، فيما إذا شك في اعتبار وجود شيء أو عدمه، لأن خطابات الشرع إنما تكون ملقاة إلى العرف فتحمل على المعنى العرفي، فإذا أحرز الصدق العرفي وشك في اعتبار الشارع أمراً زائداً على الصدق العرفي يتمسك في رفعه بالإطلاق، لأن الشارع بعدما كان في مقام إمضاء البيع فلا مناص عليه من ذكر كل ما له دخل في نظره ومن عدم البيان يكشف عدم اعتبار المشكوك شرعاً أيضاً كما أنه غير معتبر عرفاً. بل على تقدير كون الموضوع في المعاملات صحيح يصح أيضاً التمسك بإطلاق الأدلة، وذلك لأن الخطاب من الشارع ملقى إلى العرف، فإذا أحرز الصدق العرفي وشك في ما يعتبر فيه شرعاً فيصبح التمسك بالإطلاق، لأن الشك في اعتبار أمر زائد، فيدفع بالإطلاق.

стр. 18924

نتيجة البحث إذا وقعت إجارة بين شخصين أو شركة وشخص مستجمعة لشروط الصحة وشرط المستأجر على المؤجر تملك العين المستأجرة بعد انتهاء أجل الإجارة أو شرط المؤجر على نفسه ذلك في عقد الإجارة، سواء كان بعنوان (شرط الفعل) بأن يملك المؤجر العين المؤجرة للمستأجر في نهاية الإجارة بعقد خصا وإنشاء الملكية بفعل مخصوص كإجراء عقد بيع أو هبة أو صلح أو نحو ذلك من أسباب العقود المملّكة، أو كان بعنوان (شرط الغاية) بأن يتملك المستأجر في ذلك الحين العين التي وقعت الإجارة عليها بلا إصدار فعل من المؤجر وإنشاء منه، بل تحصل الملكية بطبيعة الحال، ومن نتيجة الشرط الواقع في عقد الإجارة قبل ذلك، يصح عقد الإجارة، ويصح الشرط الواقع فيه، ويلزم العمل وفق الشرط، فإن كان على نحو (شرط الفعل) فيجب على المؤجر إعلان التمليك منه عند نهاية الإجارة ولو امتنع المشروط عليه من التمليك المشروط، يجير عليه، ويكون للمشروط له الخيار في الفسخ. وإن كان على نحو (شرط الغاية) فيحصل الملك للمستأجر حسب الشروط في نهاية عقد الإجارة ولا مانع من تنفيذ هذا الشرط وتأثيره لعدم توقف الملكية على سبب خاص – كما عرفت في كلام الشيخ الأنصاري – مع وجود أفراد منها متفقاً عليها كما في ملكية حمل الجارية ومال العبد وغيرها، بل قد عرفت أن المحقق الثاني جوز اشتراط ملك حمل دابة في بيع آخر، وقد نفى الخلاف في وجوب الوفاء بهذا النحو من الشرط، فقال الشيخ فيما تقدم نقله: إن الظاهر عدم الخلاف في وجوب الوفاء بمعنى ترتب الآثار في شرط الغاية. مضافاً إلى ما تقدم من أن الملكية أمر اعتباري متقومة باعتبار العقلاء حدوثاً وبقاءً، وليس لها حقيقة سوى الاعتبار العقلاني، فإذا تحقق عقد الإجارة يصير موضوعاً لاعتبار الملكية عند العقلاء في جميع مضمونها من نقل المنافع في مدة الإجارة، ونقل العين في نهاية الإجارة.

стр. 18925

والاعتبار العقلاني له نحو وجود لا يحصل إلا بالاعتبار، ولا مانع من الاعتبار العقلاني في عقد الإجارة الذي وقع فيه شرط التمليك من اعتبار الملكية حسب الشرط الواقع فيها. أضف إليه أن المعاملة إذا وقعت صحيحة في نظر العرف وصدق عليها الموضوع والعنوان المطلوب عرفاً فإن شك في تأثيرها وتنفيذها شرعاً للشك في اعتبار شيء خاص فيها فلا مانع من التمسك بالإطلاق في رفع هذا الشك، لأن خطاب الشرع موجه إلى العرف، ويكون المراد من العنوان في الخطاب هو العنوان العرفي، فالإجارة المشروطة بالتمليك إجارة عرفية صحيحة مملكة للمنفعة في مدة الإجارة وللعين بعد نهاية تلك المدة، فإن شك في اعتبار أمر زائد على الصحة العرفية –في صحتها ونفوذها- فلا مانع من التمسك بالإطلاق في رفع هذا الشك، لأن خطاب الشرع موجه إلى العرف، ويكون المراد من العنوان في الخطاب هو العنوان العرفي، فالإجارة المشروطة بالتمليك إجارة عرفية صحيحة مملكة للمنفعة في مدة الإجارة، وللعين بعد نهاية تلك المدة، فإن شك في اعتبار أمر زائد على الصحة العرفية –في صحتها ونفوذها- فلا مانع من التمسك بإطلاق دليل الإجارة في صحة هذه الإجارة وتنفيذها وتأثيرها في مضمونها ومفادها. فإن شك في حاجة حصول المالك للمستأجر إلى إيجاد سبب خاص، يتمسك في رفع الشك –في ذلك- إلى إطلاق الخطاب. ويمكن التمسك بإطلاق دليل اللزوم في المعاملات على ما تقدم، بأن كل معاملة شائعة بين الناس يحكم بصحتها لكشفها عن تقرير الشارع، إلا ما ورد المنع عنه، ولو ورد من الشرع نهي عن أخذ الشروط ضمن العقد بهذا العنوان لاشتهر وتواتر، كسائر المعاملات الفاسدة، لعموم البلوى وشدة الحاجة، مع أنه قد انعكس الأمر وهذا يكشف عن رضا الشارع به. مع أن ما دل على لزوم الوفاء بالعقود يدل على صحة الشرط الواقع ضمن العقد، إما لأن ذلك كالجزء من العقد والقيد منه، فإذا وقع الارتباط بينه وبين العقد في قصد المتعاقدين فالوفاء بالعقد يقتضي الوفاء بالشرط، لأنه من كيفيات العقد فلابد من الوفاء بالشرط حتى يحصل الوفاء بالعقد. وإما لأن الشرط بنفسه عهد من العهود وقد دلت الآية على لزوم الوفاء بالعهود، والشرط ضمن العقد من العهود المتعارفة الشائعة، فكما يشمل العقد الأصلي كذلك يشمل الشرط. وعلى ذلك، فلا مانع من قبل الشرع في صحة عقد الإيجار المنتهي بالتمليك ولزومه، ويجب على كل من المؤجر والمستأجر الوفاء بعقد الإجارة والوفاء بالشرط الواقع في ضمنه، حسب ما قدمناه في أنواع الشروط، من شرط الفعل أو شرط الغاية، والله العالم والسلام.

стр. 18926

الإجارة وتطبيقاتها المعاصرة (الإجارة المنتهية بالتمليك) دراسة فقهية مقارنة إعداد أ. د. علي محيي الدين القره داغي أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بكلية الشريعة والقانون جامعة قطر والخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن التطبيقات العملية لأحكام الفقه الإسلامي هي التي تدفع بالفقه نحو التقدم والتطور والازدهار، وكما قيل: "الحاجة أم الاختراع"، لذلك شهد عصره الذهبي عندما كانت أمور المسلمين (أئمتهم وعامتهم) تدور عليه، وتبحث في إطاره، ولا يسمح بالخروج عليه، فنشطت قرائح الفقهاء وتفكيراتهم لتوضيح الحلول الشرعية ولإيجاد البدائل والمخارج على ضوء القواعد الكلية والمبادئ العامة للشريعة ومقاصدها العامة، ثم رعاية العرف والحاجة، وما يقتضيه رفع الحرج عن المسلمين في تعبدهم وتعاملهم فازدانت تلك العصور بعدد كثير من المؤلفات الضخمة في الفقه وفي فقه النوازل والحوادث، والفتاوى العملية والأقضية والأحكام. ثم أتى على الفقه الإسلام حين من الدهر أصابه الجمود والتأخر بسبب جمود الأمة وتخلفها وبعدها عن الاجتهاد والتقدم والتحضر، وانشغالها بالبدع والخرافات، فاستغل ذلك الوضع الاستعمار فجاء بغزوه الفكري والتشريعي والسياسي والاقتصادي فاستخر (فاستعمرنا) وطبق علينا قوانينه وتشريعاته، فأبعد فقهنا الإسلامي عن الحياة، وغيبه عن الواقع وهمش دوره على مسرح الأمة، ولأول مرة في تاريخ هذه الأمة تفرض عليها قوانين بشرية أجنبية تأتي بها دول محتلة لأراضيها، ويقبل منها مثقفوها، وحينما صحت الأمة الإسلامية فرأت ما حولها من العوائق والمصائب والمشكلات، وأنها أحيط بها من كل جانب، بدأت تتحرك نحو إصلاح ما أصابه الفساد، وكان نصيب الفساد للجانب الاقتصادي أكبر، حيث كان البديل الوضعي عن الاقتصاد الإسلامي هو المطبق في كل بلاد المسلمين، وبلغ الأمر إلى أن حدا ببعض المنتسبين إلى الدين أن يصدروا فتاوى بحل آثار هذا النظام الرأسمالي اليهودي من الربا ونحوه، كما أن الإحباط من إيجاد البديل الإسلامي كاد أن يعم الجميع، وهذه الظروف الصعبة قامت القائمة على الأمة التي بدأت تحارب هذا الاستعمار وتعيد الأمة إلى كتاب ربها وسنة نبيها محمد ﷺ فبذلت المحاولات الجادة في هذا المجال من خلال الكتب والندوات والمؤتمرات الفقهية والفتاوى الجماعية بخطورة النظام الربوي حتى استطاع الفكر الإسلامي في مجال الاقتصاد أن يظهر ويثبت أقدامه، ويخطو خطوة رائعة نحو التطبيق من خلال البنوك الإسلامية، وشركات التأمين الإسلامي.

стр. 18927

ومنذ ذلك الحين بدأ الفقه الإسلامي تدب فيه الحياة، ويعود إلى الحياة مرة أخرى، ويعاد إليه دوره المنشود في قيادة الأمة، وبدأ التفكير الجاد لإيجاد الحلول الشرعية لهذا الكم الهائل من النوازل والمستجدات المتراكمة، فانطلق الفقه انطلاقته الجديدة، وكثرت المؤلفات والبحوث الفقهية المعاصرة، وازدهر بالمؤتمرات والندوات والحلقات الفقهية التي أثرى بها كثير من القضايا المعاصرة، وساعد على وضوح الرؤية والاجتهادات الجماعية من خلال المجامع الفقهية بجانب الاجتهادات الفردية. ومن هذا المنطلق يأتي دور البنك الإسلامي للتنمية ومعاهده المتخصصة في خدمة الفقه الإسلامي وتجديده من خلال فقه العمل، وفقه الحاجة وفقه النوازل وبالأخص في الاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات المالية. ولذلك حينما طلب مني الأخ الكريم الدكتور عمر زهير حافظ مدير المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية: أن أكتب بحثاً عن: " الإجارة المنتهية بالتمليك "ليلقى في ١٤ رمضان ١٤١٨هـ ضمن الموسم الثقافي للمعهد، لم يسعني إلا الاستجابة لهذه الدعوة الكريمة، والعمل على تنفيذها بكل ما أستطيع بذله من جهد وفكر. وسوف يتناول بحثي: الإجارة في الكتاب والسنة، لاستنباط المبادئ الأساسية لها، ثم بحثها في كتبنا الفقهية، ثم ينتهي البحث بالتطبيقات المعاصرة التي تكون الإجارة المنتهية بالتمليك أهم تطبيقاتها، ثم يختم بخاتمة تتضمن تلخيصاً للبحث ونتائج البحث وتوصياته. والله أسأل أن يوفقنا لما فيه خير ديننا وأمتنا، ويسدد على طريق الحق خطانا، ويجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يعصمنا عن الخطأ والزلل في العقيدة والقول والعمل، إنه حسبنا ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير.

стр. 18928

القسم الأول • التعريف بالإجارة لغة واصطلاحاً. • الإجارة في الكتاب والسنة. • المبادئ والأحكام المستنبطة للإجارة من الكتاب والسنة. • مشروعيتها. التعريف بالإجارة في اللغة والاصطلاح الإجارة لغة: الأجرة على العمل، ويستعمل في العقد الذي يرد على المنافع بعوض (١) وقد قال بعض العلماء: إنه قد غلب وضع الفعالة (بالكسر) للصنائع نحو الصناعة والخياطة، والفعالة (بالفتح) لأخلاق النفوس الجبلية نحو السماحة والشجاعة، و (بالضم) للمحتقرات كالكناسة والنخالة (٢) . والإيجار مصدر: آجره يؤاجره مؤاجرة وإيجاراً أي اكتراه منه، وأصله من أجر الشيء، أي أكراه، وأجر فلاناً على كذا، أي أعطاه أجراً، ومضارعه (يأجر) مضموم العين، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] ، أي تكون أجيراً لي، ويقال: أجر الله عبده أي أثابه، واستأجره أي اتخذه أجيراً، وائتجر أي طلب الثواب بصدقة ونحوها (٣) . قال الإمام الرافعي: "الإجارة ... وإن اشتهرت في العقد فهي في اللغة اسم للأجرة، وهي كراء الأجير" (٤) . الإكراء: والإكراء بمعنى الإجارة، ويستعمله الفقهاء بمعناها وهو لغة من: أكريت الدار أي آجرها فهي مكراة، ويقال: اكتريت الدار وغيرها أي استأجرت، وكذا استكريت وتكاريت وأصله من كرى النهر –بفتح الراء- كرياً أي حفر فيه حفرة جديدة، وكري الرجل –بكسر الراء- أي نام فهو كرٍ، وكري (٥) .

стр. 18929

الإجارة في اصطلاح الفقهاء: عرفها الحنفية: بأنها عقد على المنافع بعوض (١) ، وعرفها بعضهم بأنها: تمليك يقع بعوض (٢) ، وجاء في الذخيرة: "هي بيع المنافع" (٣) وقال الحطاب: "وقال في اللباب: حقيقتها تمليك منفعة معلومة زمناً معلوماً بعوض معلوم ... ، وقول القاضي: معاوضة على منافع الأعيان؛ لا يخفى بطلان طرده ... " (٤) . وقد فرق المالكية بين الإجارة والكراء فخصصوا تمليك منفعة الآدمي باسم الإجارة، ومنافع المتملكات باسم الكراء، لكن بعضهم قد يستعمل الإجارة بمعنى الكراء وبالعكس عن طريق المجاز (٥) . قال الدردير: "وهي والكراء شيء واحد في المعنى: هو تمليك منافع شيء مباحة مدة معلومة بعوض، غير أنهم سموا العقد على منافع الآدمي وما ينقل غير السفن والحيوان إجارة، والعقد على منافع ما لا ينقل كالأرض والدور، وما ينقل من سفينة وحيوان كالرواحل كراء" (٦) . وعرفها الشافعية بأنها تمليك المنفعة بعوض (٧) . وعرفها الحنابلة بأنها بيع المنافع (٨) ، وجاء في منتهى الإرادات: "الإجارة شرعاً عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم ... " (٩) . ويفهم من كلام ابن حزم الظاهري أن الإجارة عقد وارد على منفعة كل شيء له منفعة ولا يستهلك عينه (١٠) . وهذه التعاريف متقاربة من حيث النتيجة، إلا أن التعريف الأخير مفصل أكثر من غيره، ومبين فيه عناصر الإجارة الأساسية. ولا يختلف معناها في القانون عما ذكرناه، فقد عرفت المادة (٥٥٨) من القانون المدني المصري الإيجار بأنه: "عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه أن يمكن المستأجر من الانتفاع بشيء معين مدة معينة لقاء أجر معلوم". بل استعمل القانون المدني العراقي التعريف الفقهي فنصت مادته (٧٢٢) على أن: "الإيجار تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم لمدة معلومة، وبه يلتزم المؤجر أن يمكن المستأجر من الانتفاع بالمأجور". ويطابق تعريفه في القانون المدني السوري المادة (٥٢٦) وفي القانون المدني الليبي في مادته (٥٥٧) ما ذكره القانون المصري السابق (١١) .

стр. 18930

الإجارة في القرآن الكريم: ورد لفظ الأجر ومشتقاته في القرآن الكريم حوالي مائة وثماني مرات، منها الآيات الواردة في سورة القصص بخصوص قصة سيدنا موسى في مدين وأخذ أجرة سقيه، ثم جعله أجرته مهراً لزوجته حيث يقول الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٤-٢٨] . فهذه الآيات تضمنت صورة عقد متكاملة للإيجاز كما تضمنت ضوابط وآداباً للإجارة ونحوها، فالعقد قد تم بين العاقدين وهما: سيدنا موسى ﵇ والشيخ الكبير على أساس أن المعقود عليه هو العمل في الرعي ونحوه لمدة ثماني سنوات أو عشر سنوات في مقابل إنكاح ابنته ومهرها، والصيغة تتمثل في إيجاب الشيخ الكبير، وقبول موسى ﵇. ويستفاد منها أن الإيجاب (أو القبول) يمكن أن يتحقق بفعل المضارع ما دامت القرائن تدل على الإنشاء دون الوعد، كما أن القبول قد يتم بأي صيغة تدل عليه مثل: "ذلك بيني وبينك"دون الالتزام بلفظ مخصوص، وهذا هو ما يسمى بمبدأ الرضائية في العقود.

стр. 18931

كما يستفاد منها أن مدة عقد الإجارة يمكن أن تكون محددة بوقت واحد، ويمكن أن تكون على الخيار بين وقتين، حيث تم العقد في الإيجاب على أساس ثماني سنوات، أو عشر، وكان قبول موسى ﵇ أيضاً غير محدد حيث قال: ﴿ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي﴾ [القصص: ٢٨] . ويقاس على ذلك ما إذا كان الخيار بين أكثر من وقتين مادام ذلك لا يؤدي إلى النزاع (١) . ودلت هذه الآيات الكريمة على جواز الجمع بين عقدين في صفقة واحدة، وهما النكاح والأجرة والربط بينهما قال أبو بكر ابن العربي: "في هذا الاجتماع إجارة ونكاح، وقد اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: يكره ابتداء، فإن وقع مضى. الثاني: قال مالك وابن القاسم في المشهور: لا يجوز. والثالث: قال ابن الماجشون: إن بقي من القيمة ربع دينار جاز، وإلا فلا. قال أبو بكر: " والصحيح جوازه وعليه تدل الآية" (٢) . وتضمنت الآيات إرشادات في غاية من الأهمية لاختيار الأجير، والوكيل، والموظف، والمدير ونحوهم، حيث قالت: ﴿إن خير من استئجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦] ، فهاتان الصفتان: القوة والأمانة إذا تحققتا فيمن يوكل عليه العمل فإن النجاح يكون متحققاً بإذن الله تعالى. فالقوة تعني القوة البدنية والفكرية والعقدية وتدخل فيها الخبرة والمعرفة والفطنة والكياسة، والمهارة، وأما الأمانة فتعني الإخلاص والغيرة والإحساس بالمسؤولية، ووجود رقابة داخلية تمنع الشخص من الخيانة والاعتداء، ومن التفريط والتقصير، والمقصود أن يتوافر في الشخص الإخلاص والاختصاص وهما جامع الخير كله. واستعمل القرآن الكريم الأجور بدل المهور في أكثر من آية، فقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥] ، كما استعملها في أجور المرضعات فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، كما استعمل القرآن الكريم الأجر والأجور بمعنى الثواب في الآخرة في آيات كثيرة، وبمعنى الأجر الدنيوي في مقابل العمل كما في قوله تعالى في قصة موسى والخضر: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] .

стр. 18932

الإيجار في السنة المطهرة: تكفلت السنة النبوية المشرفة بتفصيل الإجارة وكثير من أحكامها وآدابها، فقد خصص البخاري أحكامها بكتاب خاص سماه: كتاب الإجارة، وذكر فيه اثنين وعشرين باباً، واشتمل على ثلاثين حديثاً، المعلق منها خمسة، والبقية موصولة، ووافقه مسلم على تخريجها سوى أربعة أحاديث، وفيه من الآثار ثمانية عشر أثراً (١) . وكذلك فعل أبو داود في جامع سننه وقد ذكر باب استئجار الرجل الصالح، ثم باب رعي الغنم على قراريط وذكر فيه حديثاً بسنده إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)) ، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) (٢) . ثم ذكر باب استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام فأورد بسنده عن عائشة ﵂: "استأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل، ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً". –الخريت الماهر بالهداية-. ثم ترجم باب: إذا استأجر أجيراً ليعمل له بعد ثلاثة أيام –أو بعد شهر أو بعد سنة- جاز، وأورد الحديث السابق للدلالة على ذلك "ثم ترجم باب الأجير في الغزو، وباب: إذا استأجر أجيراً فبين له الأجل ولم يبين العمل واستدل في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حيث مال البخاري إلى جواز ذلك، قال الحافظ ابن حجر: "ووجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل، وإنما فيه أن موسى أجر نفسه من والد المرأتين"ثم قال: "قال المهلب: ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة، لأن ذلك كان معلوماً بينهم، وإنما حذف ذكره للعلم به، وتعقبه ابن المنير بأن البخاري لم يرد جوازاً أن يكون العمل مجهولاً، وإنما أراد أن التنصيص على العمل باللفظ ليس مشروطاً، وأن المتبع المقاصد، لا الألفاظ (٣) .

стр. 18933

ثم أورد أبواباً أخرى منها باب إثم من منع أجر الأجير، فروى فيه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ... ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره)) . ومنها باب من استأجر أجيراً فترك أجره، فعمل فيه المستأجر فزاد، أو من عمل في مال غيره فاستفضل، فروى فيه قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار (١) . ومنها باب أجرة السمسرة: ولم ير ابن سيرين وعطاء، وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأساً، وقال ابن عباس: لا بأس أن يقول بع هذا الثوب، فما زاد على كذا وكذا فهو لك، وقال ابن سيرين: إذا قال: بعه بكذا، فما كان من ربح فلك، أو بيني وبينك فلا بأس به، وقال النبي ﷺ : ((المسلمون عند شروطهم)) (٢) ومنها باب: هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب؟ فأورد فيه حديث خباب قال: كنت رجلاً قيناً، فعملت للعاص بن وائل..... ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد اطلع على ذلك وأقره، قال المهلب: (كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله. والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين) . وقال ابن المنير: (استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة، ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله، وبطريق التبعية له) (٣) . ومنها باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب، وقال ابن عباس عن النبي ﷺ : ((أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) ، قال الحافظ ابن حجر: "حديث ابن عباس ﵄ وصله المؤلف ﵀ في الطب واستدل به للجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم، وأجازوه في الرقي كالدواء" (٤) .

стр. 18934

ومنها باب كسب البغي والإماء، وكره إبراهيم النخعي أجر النائحة والمغنية، ثم أورد فيه حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. ومنها باب عسب الفحل حيث أورد حديث ابن عمر ﵄، قال: نهى عن عسب الفحل –أي أجرة نزوه-. وختم البخاري بباب: إذا استأجر أرضاً فمات أحدهما، وقال ابن سيرين: ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل، وقال الحكم والحسن وإياس بن معاوية: تمضي الإجارة إلى أجلها. وقال ابن عمر: أعطى النبي ﷺ خيبر بالشطر فكان ذلك على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر، ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددا الإجارة بعدما قبض النبي ﷺ ثم أورد أحاديث في الباب (١) . قال الحافظ ابن حجر: "الجمهور على عدم الفسخ –أي فسخ الإجارة بموت أحد العاقدين- وذهب الكوفيون، والليث بن سعد إلى الفسخ ... " (٢) . وأورد أبو داود في كتاب الإجارة في سننه عدة أبواب منها باب كسب المعلم، فأورد حديث عبادة بن الصامت الدال على حرمة الأجرة على تعليم القرآن، حيث قال: علمت أناساً من أهل الصفة القرآن والكتاب، فأهدى إلي رجل منهم قوساً فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها (عنها) في سبيل الله، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمي عنها (عليها) في سبيل الله؟ قال: ((إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها)) (٣) .

стр. 18935

قال الخطابي: "اختلف قوم من العلماء في معنى هذا الحديث وتأويله، فذهب بعضهم إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، وقالت طائفة: لا بأس به ما لم يشترط وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي، وأباح ذلك الآخرون وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً: ((زوجتكها على ما معك من القرآن)) وتأولوا حديث عبادة على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه، ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة لرجل أو استخرج له متاعاً قد غرق في بحر تبرعاً وحسبة فليس له أن يأخذ عليه عوضاً، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذ المال منهم مكروه، ودفعه إليهم مستحب " (١) . وقد رجح الحافظ البيهقي حديث ابن عباس وهو: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) ، وحديث سهل بن سعد على حديث عبادة لأنهما أصح إسناداً، أما حديث عبادة ففيه الأسود بن ثعلبة، قال البيهقي: "فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث، وهو حديث مختلف فيه على عبادة ... " (٢) . ومنها باب في كسب الأطباء، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري في أخذه الجعل على رقيته (٣) . ومنها باب في كسب الحجام، فأورد فيه حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: ((كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث....)) ثم أورد حديث ابن محيصة عن أبيه أنه استأذن رسول الله ﷺ في إجارة الحجام فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى أمره ((أن اعلفه ناضحك، ورقيقك)) ، ثم روى حديثاً آخر عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله ﷺ وأعطى الحجام أجره، ولو علمه خبيثاً لم يعطه. (٤) وهذا الحديث الأخير دليل واضح على إباحة كسبه، ويحمل الخبيث في الحديث على الرذيل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وأورد البيهقي في كتاب الإجارة عدة أبواب منها جواز الإجارة فذكر فيه عدداً كبيراً من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك.

стр. 18936

ومنها باب: لا تجوز الإجارة حتى تكون الأجرة معلومة، فذكر فيه الاستدلال بحديث النهي عن بيع الغرر، من حيث إن الإجارات صنف من البيوع، ثم أورد حديثاً بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((لا يساوم الرجل على سوم أخيه ... ومن استأجر أجيراً فليعلمه أجره)) (١) . ومنها باب إثم من منع الأجير أجره، فأورد فيه بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً استوفى منه ولم يوفه)) قال البيهقي: ورواه البخاري في الصحيح عن يوسف بن محمد، ثم أورد حديث أبي هريرة بلفظ: ((أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) (٢) . ومنها باب: ما يستحب من تأخير الأحمال ليكون أسهل على الجمال وغيرها، فأورد فيه قول عمر ﵁: ينادي: أخروا الأحمال؛ فإن الأيدي معلقة، والأرجل موثقة. ثم رواه مرفوعاً بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حملتم فأخروا، فإن اليد معلقة والرجل موثقة)) (٣) . ومنها باب كسب الرجل وعمله بيده، فأورد فيه حديث معدي كرب الذي رواه البخاري أيضاً، وهو أن رسول الله ﷺ قال: ((ما أكل أحد من بني آدم طعاماً خيراً له من أن يأكل من عمل يديه، إن نبي الله داود كان يأكل من كسب يديه)) ، ثم أورده بسنده قول عائشة ﵂: كان أصحاب رسول الله ﷺ قوماً عمال أنفسهم. وفي رواية: كانوا يعالجون أرضيهم بأيديهم (٤) .

стр. 18937

المبادئ والقيم التي تستفاد من هذه الآيات والأحاديث: أولاً: مشروعية الإجارة، بل إثبات فضلها حيث قال الرسول ﷺ : ((ما أكل أحد من بني آدم طعاماً خيراً له من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبي الله داود كان يأكل من كسب يديه)) كما ورد أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يؤجرون أنفسهم، وأنه ما من نبي إلا رعى الغنم، وأن رسول الله ﷺ كان يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط. وهذا المبدأ يؤكد أن العبادة (أو الأجر والثواب) لا تنحصر دائرتها في باب الشعائر والمناسك، بل هي تشمل كل عمل نافع يراد به تعمير الكون على ضوء منهج الله، ولذلك تعتبر الإجارات في مجموعها من فروض الكفايات التي لا ينبغي تركها. ثانياً: رعاية الحقوق المتبادلة والتركيز على حق الأجير، وذلك من خلال الأحاديث الدالة على أن يبذل الأجير ما يسعه جهده حتى يعرق، وعلى أن يعطى حقه قبل أن يجف عرقه، حيث شدد الإسلام في ذلك حتى إن الله تعالى يكون خصم ذلك الرجل الذي يأخذ حقه من الأجير، ولكن لا يعطيه حقه في الأجرة المتفق عليها. ثالثاً: استئجار الرجل الصالح القوي القادر الأمين الماهر الخريت. رابعاً: عدم اشتراط ذكر العمل في إجارة الأشخاص حيث ترجم البخاري باب: إذا استأجر أجيراً فبين له الأجل ولم يبين له العمل حيث إن موسى ﵇ أجر نفسه دون ذكر العمل. خامساً: الاستثمار في أجرة الأجير التي تركها، حيث يكون المال كله له، وهذا من قمة الأخلاق الإسلامية. سادساً: عدم البأس بأجرة السمسار. سابعاً: عدم البأس من الاستئجار للكافر كقاعدة عامة. ثامناً: جواز أخذ الأجرة على الرقية والتطبيب. تاسعاً: عدم جواز الاستئجار في المحرمات والخبائث والشبهات. عاشراً: الموت لا يؤثر في عقد الإجارة ومدتها ماضية حتى تنتهي. الحادي عشر: الجمع بين الأحاديث الدالة على جواز الأجرة على تعليم القرآن والأحاديث الدالة على المنع، أو بترجيح أحاديث الجواز على المنع لأنها أصح إسناداً.

стр. 18938

الثاني عشر: عدم جواز الغرر والجهالة في الإجارة. الثالث عشر: آداب إسلامية رائعة في تأجير الدواب تدل على منتهى الرفق بالحيوان، بل تدخل السلطة لأجل عدم وقوع الظلم عليه، وهناك أحكام أخرى لا يسع المجال لذكرها. الرابع عشر: جواز استئجار الأجير بطعامه وكسوته، ويدل على ذلك حديث عتبة بن المنذر، قال: كنا عند النبي ﷺ فقرأ طسم، حتى بلغ قصة موسى ﵇، فقال: ((إن موسى أجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه، وطعام بطنه)) ، رواه أحمد وابن ماجه (١) . الخامس عشر: ضرورة الحرص على أداء العمل بإخلاص وإتقان وبعلم، بحيث إذا لم يكن عالماً بمهنته فإنه يكون ضامناً للآثار التي تترتب على عمله، لما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بسندهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) (٢) . مشروعية الإجارة: الإجارة مشروعة، بل مطلوبة في الإسلام كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث التي ذكرناها. وقد أجمعت الأمة على جوازها، ولكن يحكى عن أبي بكر عبد الرحمن بن الأصم أنه لا يجيزها، بناء على أن الإجارة بيع المنافع، وهي معدومة في الحال، والمعدوم لا يجوز بيعه، وأنها غرر (٣) ، وكلامه هذا متعارض مع النصوص السابقة ومع الإجماع فلا يعتد به، قال ابن قدامة: "وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار، وسار في الأمصار، والعبرة أيضاً دالة عليها، فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع" (٤) ، وقال الكاساني: "إن الأمة أجمعت على ذلك قبل وجود الأصم حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير، فلا يعبأ بخلافه، إذ هو خلاف الإجماع" (٥) . وذكر ابن رشد أن ابن علية مع الأصم في هذا الرأي بناء على شبهة واهية، وهي: أن المعاوضات إنما يستحق فيها تسليم الثمن بتسليم العين كالحال في الأعيان المحسوسة، والمنافع في الإجارات في وقت العقد معدومة فكان ذلك غرراً، ومن بيع ما لم يخلق. ولكن الرد عليها جلي وهو أن طبيعة عقد الإجارة تختلف عن البيع لأنها قائمة على تحقيق المنفعة التي تستوفى في المستقبل، كما هو الحال في السلم، حيث هو عقد قائم على تسليم شيء في المستقبل (٦) .

стр. 18939

القسم الثاني • الإجارة في الفقه الإسلامي. • طبيعتها وأنواعها، وأركانها، وشروطها، وأحكامها. • وسائلها واشتراط الشروط فيها. • آثارها. • كيفية فسخها. طبيعة عقد الإجارة وصفته عقد الإجارة من عقود المعاوضات المسماة، وهو عقد لازم عند جمهور الفقهاء حيث لا يكون لأحد الطرفين فسخها دون رضا الآخر إلا لحق خيار الشرط، أو العيب، أو نحوهما، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١) . ونقل عن شريح: أنها غير لازمة، وتفسخ بلا عذر لأنها إباحة المنفعة فأشبهت الإعارة، ورد بأنه القياس مع الفارق، لأن الإعارة بدون عوض، فهي تطوع وإحسان، في حين أن الإجارة معاوضة من الطرفين. وذهب الحنفية إلى أنها عقد لازم، ولكن تفسخ بعذر طارئ، قال الكاساني: "وأما صفة الإجارة فالإجارة عقد لازم إذا وقعت صحيحة عرية عن خيار الشرط، والعيب والرؤية عند عامة العلماء، فلا تفسخ من غير عذر" (٢) ، وقال أيضاً: "وأما شرط اللزوم فنوعان: نوع هو شرط انعقاد لازم، ونوع هو شرط بقائه على اللزوم، أما الأول: فأنواع: منها أن يكون العقد صحيحاً، لأن العقد الفاسد غير لازم بل هو مستحق النقض والفسخ رفعاً للفساد حقاً للشرع، فضلاً عن الجواز. ومنها: أن لا يكون بالمستأجر عيب في وقت العقد، أو وقت القبض يخل بالانتفاع، فإن كان لم يلزم العقد، حتى قالوا في العبد المستأجر للخدمة إذا ظهر أنه سارق له أن يفسخ الإجارة، لأن السلامة مشروطة فتكون كالمشروط نصاً كما في بيع العين. ومنها: أن يكون المستأجر مرئياً للمستأجر، حتى لو استأجر داراً لم يرها ثم رآها فلم يرض بها أنه يردها، لأن الإجارة بيع المنفعة فيثبت فيها خيار الرؤية كما في بيع العين. وأما الثاني فنوعان: أحدهما: سلامة المستأجر عن حدوث عيب به يخل بالانتفاع به (مثل استئجار دابة ثم تعرج، أو بيت فينهدم بعضه، أو شخص فيمرض) فالمستأجر بالخيار إن شاء مضى على الإجارة وإن شاء فسخ، بخلاف البيع إذا حدث بالمبيع عيب بعد القبض فليس للمشتري أن يرده ... فإن لم يفسخ ... فعليه كمال الأجرة، لأنه رضي بالمعقود عليه مع العيب فيلزمه جميع البدل.. وإن زال العيب قبل أن يفسخ..، بطل خيار المستأجر، لأن الموجب للخيار قد زال والعقد قائم فيزول الخيار.

стр. 18940

هذا إذا كان العيب مما يضر بالانتفاع بالمستأجر، فإن كان لا يضر به بقي العقد لازماً ولا خيار للمستأجر كالعبد (الشخص) المستأجر إذا ذهبت إحدى عينيه، وذلك لا يضر بالخدمة، أو سقط شعره، أو سقط من الدار المستأجرة حائط لا ينتفع به في سكناها، لأن العقد ورد على المنفعة لا على العين.. والثاني عدم حدوث عذر بأحد العاقدين، أو بالمستأجر، فإن حدث بأحدهما، أو بالمستأجر عذر لا يبقى العقد لازماً، وله أن يفسخ، وهذا عند أصحابنا، وعند الشافعي: هذا ليس بشرط بقاء العقد لازماً، ولقب المسألة أن الإجارة تفسخ بالأعذار عندنا خلافاً له ... لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر، لأنه لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد.. فكان الفسخ في الحقيقة امتناعاً من التزام الضرر، وله ولاية ذلك. ثم بين الكاساني تفاصيل الأعذار التي يفسخ بها العقد فقال: إن العذر قد يكون من جانب المستأجِر، وقد يكون في جانب المؤاجر، وقد يكون في جانب المستأجَر: أما الذي في جانب المستأجر: "فنحو أن يفلس فيقوم من السوق، أو يريد سفراً، أو ينتقل من الحرفة إلى الزراعة، أو من الزراعة إلى التجارة، أو ينتقل من حرفة إلى حرفة، لأن المفلس لا ينتفع بالحانوت فكان في إبقاء العقد من غير استبقاء المنفعة إضرار به ضرراً لم يلتزمه العقد فلا يجبر على عمله". وأما الذي هو في جانب المؤاجرة فنحو أن يلحقه دين فادح لا يجد قضاءه إلا من ثمن العين المؤجرة، وأما الذي هو في جانب المستأجر فمنه بلوغ الصبي الذي أجره أبوه أو جده، أو وصيهما، ومنها أن لا يأخذ الصبي من ثدي الظئر. ولكن الحنفية لم يجعلوا الرخص أو التوسع من الأعذار، لأنه زيادة منفعة فلا يؤثر في العقد، فلا يجوز له أن يفسخ العقد لأجل أن أجرة الحانوت الذي أجره أغلى من غيره أو أضيق (١) ، غير أنهم قالوا: إذا كانت الأجرة لأموال اليتيم، أو الوقف أقل من أجرة المثل تكون الإجارة فاسدة، وتلزم أجرة المثل (٢) . ويظهر أن الحنفية مع الجمهور في لزوم عقد الإجارة غير أن الأعذار الطارئة عندهم بمثابة العيوب التي تعطي حق الفسخ وسيأتي لذلك مزيد من التفصيل عند الحديث على فسخ الإجارة. والأدلة من الكتاب والسنة تدل على وجوب الوفاء بالعقود، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، ولأن عقد الإجارة من عقود المعاوضات كالبيع فيجب أن يكون ملزماً، بل إن الإجارة –كما قالوا- هي بيع المنافع.
следующие страницы →