وبيان ذلك أن المالك إذا أذن في العمارة على أن تكون خلوا شاركه بقدر ما تزيده العمارة، وإذا قبض منه شيئا على أن يكون له خلو في ريعه شاركه بقدر ما ينقص ذلك من أجره. هذا ما قرره العلامة أبو الفداء إسماعيل التميمي - رحمة الله عليه – ولكنه أورد بعده أن الشيخ عبد الباقي الزرقاني سمع من شيخه الأجهوري يقول: معظم شيوخنا أفتوا بأن منفعة ما فيه الخلو شركة بين صاحب الخلو والوقف بحسب ما يتفق عليه صاحب الخلو والناظر على وجه المصلحة كما يؤخذ مما أفتى به الناصر وعقب عليه بقوله: وهو صريح في أن ما به الاشتراك هو ما وقع عليه اتفاق المتعاقدين وهذا هو الحق، إذ الخلو بمعنى المنفعة مبيع فلا بد من تعيين قدره عند انعقاد البيع فيه ليدخلا على معلوم فتعيينه موكول لاختيارهما فإذا عينه البائع ورضي المشتري باشتراء ذلك المقدار من المنفعة، فذلك، وإلا فلا بيع. وقد أشكل على كلام أبي الفداء من وجوه:
١- أن ما قرره سابقا نسبة للشركة في منفعة الوقف بين الوقف وبين صاحب الخلو يبدو منه الإلزام، وذلك ما يظهر جليا فيما نقله عن بعض فضلاء المالكية
(١) مما أورده السيد الحموي في غمز عيون البصائر في شرط صحة الخلو حيث يقول: إن الخلو إذا كان لخراب المحل فلا بد أن يكون بقدر ما يصلح ذلك الخراب، فما يفعل الآن [في عصر بعض الفضلاء من المالكية] من أخذ دراهم لا يصح في ذلك القدر الزائد، وإنما تعتبر الشركة في المنفعة بقدر ما تزيده العمارة فيها لا غيره. وما قرره هنا فيما نقله عن العلامة الزرقاني عن شيخه علي الأجهوري أنه قال: إن معظم شيوخنا أفتى إلخ ما سبق يفيد أن نسبة الشركة بين الوقف وبين صاحب الخلو في منفعة الوقف تكون على حسب ما يقع عليه الاتفاق بين صاحب الخلو والناظر مثلا (٢) . وبين الأمرين فرق كبير.
стр. 4552
٢- قد تضمن ما أفتى به معظم شيوخ الأجهوري أن منفعة ما فيه الخلو شركة بين صاحب الخلو وبين الوقف بحسب ما يتفق عليه صاحب الخلو، والناظر على وجه المصلحة اعتماد فتوى ناصر الدين اللقاني.
ونص فتوى ناصر الدين لم يتعرض للشركة بين صاحب الخلو وبين الوقف في منفعة الوقف لا نصا ولا مفهوما، ولو سلمنا بأخذ نسبة الشركة بينهما من فتوى الناصر اللقاني فقد حذر فقهاء المالكية من أخذ الفقه بالمفهوم من غير كلام المعصوم..
٣ - أن المنقول عن شيوخ الأجهوري متعلق بالشركة في الوقف بين الوقف وصاحب الخلو، وللوقف قيوده وقد دعم به الشيخ نسبة الشركة في الملك بين المالك وصاحب الخلو في منفعة الملك، وبين الأمرين بون شاسع إذ المالك يتصرف في ملكه كما يشاء ويريد في حدود الشرع.
وبعد هذه النظرة في وجوه التصرف في الخلو يتضح لنا أن القول بجوازه حل وسط يبطل الادعاء بأن الوقف خرم لنظام الاقتصاد العام ويثبت أن الوقف لا يحول دون استثمار الموقوف حتى في أطوار الركود للمجتمعات الإسلامية وقد عد الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور ﵀ الفتوى بجواز الخلوات وصحة التصرف فيها وسيلة وافية لنظام الوقف من أن يكون معول هدم للنظام الاقتصادي العام في فتوى له نشرت في كتيب بعنوان: الوقف وآثاره في الإسلام فقال: ومنها أي [الوسائل التي تجعل مستحق الوقف فاقد القدرة على القيام به ينتفع به] عقود الاستنزال في الأوقاف لا سيما الرباع على حسب فتوى ناصر الدين اللقاني والغرقاوي ومن جاء بعدهم، وهو أن تكرى كراء مؤبدا بقدر معين لا يتغير فيصير المستنزل متصرفا فيها تصرف المالك في ملكه. (١)
وقبل إنهاء الكلام في هذا المبحث لا بد من بيان أن جواز الخلو وصحة التصرف فيه بوجوه التصرفات السابقة مشروط بشروط سيأتي تفصيلها في المبحث الموالي المبحث السادس: شروط صحة التصرف في الخلوات:
حري بنا قبل بيان الشروط المشترطة لصحة التصرف في الخلوات أن نوطئ بتوطئة نبين فيها النقاط الآتية:
١- أن صاحب خلو الحوانيت، كما هي التسمية المصرية، أو المفتاح كما هو الاصطلاح التونسي، أو أحد نمطي الحزقة كما تعورف إطلاق ذلك في تونس على خلو الدور التي يسكنها اليهود شريك وأن غيره من أصحاب الخلوات الأخرى ليسوا بشركاء وقد سبق بيان ذلك.
стр. 4553
٢- أن ما سنعرض إليه في هذا المبحث من الشروط منه ما يختص بخلو الحوانيت الناشئ عن وقف والمبيع من طرف مستحق الوقف أو ناظره، أو مالك أو ناظر ملك يتيم، ومنها ما يشترط فيه وفي غيره من أنواع الخلوات الأخرى التي هي أكرية على التبقية والمبيعة من طرف الساكن الذي أخذ الخلو بملك منفعة الحانوت حسب البيان الآتي قريبا -إن شاء الله.
٣- لا خصوصية للبيع فيما سأعرض إليه من الشروط، بل هي مشروطة في جميع التصرفات السالفة في المبحث السابق ولكن لفظ البيع هو الذي غلب على من تكلم في هذا الموضوع.
وبعد هذه الإضاءات الموطئة فما هي الشروط المشترطة في صحة بيع الخلو المعروف مصريا بخلو الحوانيت الوقف الواقع بيعه من طرف مستحق الوقف أو ناظره؟ وما هي شروط صحة بيع خلو الحوانيت من طرق المالك أو ناظر ملك اليتيم؟ وما هي شروط صحة بيع الخلوات جميعا من طرف الساكن الذي أخذ الخلو بملك منفعة الوقف؟
وإجابة عن السؤال الأول أقول: تنوعت شروط بيع خلو الحوانيت الوقف من طرف مستحق الوقف أو ناظره إلى نوعين:
١- شروط عامة.
٢- شروط خاصة.
أما الشروط العامة بعد الاستقراء فسبعة:
١- أن يكون الداعي المحوج إلى بيع الخلو الوقف المشار إليه سالفا أحد أمرين: خرابة، أو تقوية النفع باشتراء ربع يصرف ريعه بجانب الوقف، فإذا انعدم هذا الداعي لا يصح بيع الخلو في الوقف لأن ناظره معزول عما لا مصلحة فيه (١) .
٢ - أن يكون ثمن الخلو المبيع عائدا بالمنفعة على الوقف بأن ينتفع به في جهة الوقف، فإذا أخذ الناظر الثمن وصرفه في مصالحه، وجعل لدافع الثمن خلوا في الوقف فبيع هذا الخلو غير صحيح، ويرجع دافع الثمن على الناظر بالثمن الذي دفع (٢) .
стр. 4554
ويجب أن يعلم أن الخلو إذا كان داعية خراب المحل فلا بد أن يكون ثمن الخلو بقدر العمارة، فإن أخذ الناظر قدرا زائدا على العمارة فلا يصح الخلو في ذلك المقدار الزائد عن العمارة لأن الشركة في المنفعة بين مالك الخلو والوقف إنما تعتبر بقدر ما تزيده العمارة فيها فقط، ويرجع عن الناظر بالزائد عن العمارة من ثمن الخلو، ولا يصح أن يشارك بقدر ما تنقصه بأن يكون في هذه الصورة الفرضية مشاركا بما زادته العمارة وما نقضته الدراهم الزائدة عليها لعدم توفر الشرط وهو عود المنفعة على الوقف بالنسبة للزائد (١) .
٣ - أن لا يكون للوقف ريع يعمر منه، فإن كان ويفي بعمارته وحاجياته كأوقاف الملوك الكثيرة الريع، صرف من ذلك الريع على ما يحتاج إليه الوقف ولا يصح بيع خلوه، فإن وقع كان باطلا، ورجع دافع الدراهم على قابضها.
٤ - إذا كان السبب المحوج لبيع خلو الوقف عمارته اشترط في ثبوتها أن يكون بالبينة لا بالتصادق إذا كان للوقف شاهد وذلك بأن يثبت صرف ما دفع ثمنا للخلو على منافع الوقف بالوجه الشرعي، فلو صدق الناظر على الوقف صاحب الخلو فيما ادعى صرفه من غير ثبوت عمارة ولا ظهورها فلا عبرة بهذا التصديق لأن الناظر غير مصدق في مصرف الوقف عند وجود شاهد للوقف (٢) .
فإذا ثبت أنه بنى وأنفق في العمارة عدا أن البينة لم تقف على القدر المنفق على العمارة وإنما شهدت بأن هذا الأساس وضعه مشتري الخلو وهذا الجدار بناه، وهذا السقف أوجده وما شاكل ذلك فالذي استظهره أبو الفداء إسماعيل التميمي تصديقه في القدر المنفق على العمارة بعد يمينه إذا كان البناء يشبه ما ادعاه من الإنفاق عادة وعرفا، فمجموع شهادة العرف والاستظهار باليمين في المقدار المنفق يتنزل منزلة الشهادة بتعيين القدر وحصول العمارة.
أما إذا ثبت القدر المنفق من أجل العمارة ولم تثبت العمارة كما إذا دفع أثمان الحديد والأسمنت والحجارة إلخ مقومات البناء وأجرة المقاول بشهادة الشهود، ولكن هؤلاء الشهود لم يقفوا على البناء ولا عاينوه، فقد أجاب عنها الشيخ الإمام أبو القاسم الغبريني في سؤال رفع إليه في ناظر حبس سور مشترط عليه أن لا يتولى دخلا أو خرجا إلا بالعدالة وفي السؤال فصول أخر فكان جوابه عن هذا الفصل أن قال: فإن حكم الحبس عندي في ذلك كحكم ربع الأيتام وإصلاح الوصي له، فانظر ذلك في الوصايا من كتاب الوثائق وأعمالها للمتيطي فإن قدر المقدم على إثبات أن ما أصلحه محتاج للإصلاح فيقوم له ما ظهر جديدا ويحاسب به والله أعلم.
стр. 4555
وأما إذا لم يكن للوقف شاهد أصلا فإن قول ناظر الوقف مقبول كقبول قول: ولي اليتيم، وقد نقل ابن فرحون عن شرح الجلاب للقرافي وعن غيره أن الوصي وكذا ولي السفيه مصدق فيما ذكر من نفقة اليتيم على نفسه وعلى عمارة ربعه إذا أتى بما يثبته لأن النفقة لا بد منها، وإقامة البينة تشق على الأولياء وقد يتعذر ذلك فيؤدي إلى عدم النفقة وخراب الربع. اهـ.
والمشهور أنه لا يقبل قوله في النفقة إلا إذا كانوا في حضانته ولم يأت بسرف ولا بد من حلفه على ذلك.
فإن أراد أن يحسب أقل ما يمكن فقال أبو عمر: أن لا يمين. وقال عياض: لا بد منها إذ قد يمكن أقل منه، وظاهر كلام المتأخرين ترجيحه، وأما عمارة الربع فهي جارية على ذلك فلا بد من أشباه قوله واليمين على القدر الذي دعاه، فإذا ادعى نفقة عظيمة مثلها يكون لها أثر في الربع ولم يوجد أثر فلا تسمع دعواه لأن العادة تكذبها، وكذا إذا وجد أثر لا يحتمل ما ادعاه.
أما إذا ادعى نفقة في الدار مثلها لا تكون للإقامة كحل خندقها وإصلاح بئرها وماجلها وما أشبه ذلك وجرت العادة بأن تلك الدار لا تخلو عما ذكره فههنا يقبل قوله بيمينه.
وعلى هذا يجري الحكم في صرف الناظر ثمن الخلو إن لم يكن للوقف شاهد، والاحتياط أن لا يطلق القاضي يده على ذلك فيشترط عليه أن لا يفعل شيئا إلا بإشهاد لتسارع الناس في هذا الزمن للأوقاف وتهالكهم على أموالها وتحيلهم على ذلك بأنواع الحيل حسبما رأيناهم (١) .
٥ - أن يكون القدر المملوك من المنفعة معلوما لدى المتعاقدين ساعة العقد فإن ذلك القدر مثمون فلا بد من تعيينه ومعرفة المتعاقدين بقدره.
وهذا الشرط يشترط في الملك أيضا (٢) .
٦ -أن يكون بائع الخلو مالكا له بملكية صحيحة احترازا من ملكية حكام السوء لأوقاف المسلمين بطريق العسف، فإنها ليست بملكية. ولعل ذلك ما يشير إليه قول أبي البركات أحمد الدردير ﵀ فيما بناه الملوك والأمراء بقرافة مصر ونبشوا مقابر المسلمين وضيقوا عليهم: وهذه يجب هدمها قطعا، ونقضها محله بيت مال المسلمين تباع لمصالح المسلمين أو يبنى بها مساجد في محل جائز أو قنطرة لنفع العامة ولا تكون لوارثه إن علم إذ هم لا يملكون منها شيئا، وأين لهم ملكها وهم السماعون للكذب الأكالون للسحت يكون الواحد منهم عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه فإذا استولى بظلمه على المسلمين سلبهم أموالهم وصرفها فيما يغضب الله ورسوله ويحسبون أنهم مهتدون؟ (٣) .
стр. 4556
٧ - أن يتوجه عرفاء عدول لتحقيق السبب المحوج إلى بيعه من الأسباب السالفة الذكر، وبعد عمل تلك الشهادة يقع البيع بتقويم العرفاء العدول أيضا حتى يسلم من الغبن وإلى هذا الشرط أشار السنوسي الجد في لقط الدرر بقوله:
وبيع خلو الوقف بالتقويم بالعرفا في المنهج القويم
حتى يزول الغبن في الأوقاف ولا يرى لنفيه منافي (١)
هذه هي الشروط العامة، وهي شروط على الجمع متى اختل منها شرط لم يصح بيع الخلو.
وأما الشروط الخاصة فتتمثل في شرط واحد هو: إذا كان لذمي خلو في وقف لمسجد فإنه يمنع من وقفه على كنيسة مثلا قطعا بالعقل والنقل.
أما العقل فلأن الوقف الأصلي حامل لمنفعة الخلو، لا يصح أن يحمل المسجد للكنيسة.
وأما النفل فالنصوص الدالة على أن من مقاصد شريعة الإسلام إذلال الكفر وأهله وهذا ينافيه (٢) .
ولعل خلو الحزقة الذي عرضت له سابقا هو أحوج ما يكون إلى هذا الشرط.
هذا ما يتعلق ببيع الخلو إذا كان ناشئا عن وقف وما اشترط فيه من الشروط العامة والخاصة.
وأما إذا كان ناشئا عن كراء أَبَدِيٍّ فقد اشترط البدر القرافي لذلك الشروط الآتية:
١- أن يكون إكراء محل الخلو من مستحق للوقف أو ناظره أي من مالك ملكية صحيحة لمنفعة الوقف أو من ينوب عنه.
٢- أن يكون الساكن الذي أخذ الخلو يملك منفعة الحانوت مده (٣) . ويبدو لي أن البدر القرافي أراد بهذا الشرط أن تحصل للساكن المذكور شهرة في ذلك المحل ويضيف إلى المنفعة زيادة وهو ما يسمى اليوم بـ (الاسم التجاري) فإذا أراد بيعه اشترى من عنده يكون الدافع لثمن شرائه مقابل انتفاعه بتلك الشهرة وبتلك المنفعة المضافة في تلك المدة من طرف الساكن قبله في ذلك المحل المالك لخلوه.
стр. 4557
٣- أن يكون بيد الساكن الذي يريد بيع الخلو عقد إجارة بمقتضاه يملك الخلو وأما إن لم يكن مالكا للمنفعة بإجارة وهو الكثير الوقوع فلا عبرة بذلك الخلو، ويؤجره الناظر لمن شاء بأجرة المثل وبذلك أفتى بعض مشائخي وبناء على قول ابن رشد ولا يجوز بيع أصل العطاء لأنه يبطل بموته (١) .
٤ - وأن تكون الإجارة بأجرة المثل.
ويبدو لي أن المثلية في فروع الفقه يقررها العرف وتخضع للتغير ولذلك تكون مشروطة فيما يظهر حين العقد.
ورد الغرقاوي في رسالته تحقيق مسألة الخلو عند المالكية اشتراط البدر القرافي أن يكون بيد الساكن في محل يريد بيع خلوه عقد إجارة وقال: قضيته بل صريحه أن لا بد في صحة الخلو من الإجارة وليس كذلك إذ ليست ركنا ولا شرطا له لوجود حقيقته وصحته بدونها إذ هي كما تقدم عن شيخنا الأجهوري: اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة الخ. نعم ليس للناظر إجارته إذا أراد ذلك لغير رب الخلو (٢) .
والذي يبدو أن جملة البدر القرافي وما تضمنته من شروط تعم جميع أنواع الخلوات ولا تختص بما يسمى مصريا خلو الحوانيت.
هذا ما تيسر لي الوصول إليه من شروط بيع الخلو الناشئ عن كراء أبدي. وأما بيع الخلو الناشيء عن ملك فلا يخلو حال المالك من أن يكون مالكا رشيدا، أو مالكا يتيما، فإن كان رشيدا فله حرية التصرف في ملكه في الحدود المشروعة ولا يشترط فيه على ما يبدو خلا شرطا واحدا وهو أن يكون القدر المملوك من منفعة الرقبة الملك خلوا معلوما لدى المتعاقدين ساعة العقد فإن ذلك القدر مثمون فلا بد من تعيينه ومعرفة المتعاقدين بقدره.
وهذا الشرط كما أسلفت يعم الوقف والملك.
وأما إن كان يتيما فيشترط لبيع خلو ملكه أن يكون السبب المحوج لبيعه ثبوت خراب المحل وليس لليتيم مال يعمر به أو قلة نفعه وليشتري بثمن خلوه ربع آخر يدر على اليتيم مالا وربحا. واستظهر العلامة إسماعيل التميمي أنه يلحق بذلك احتياج دار اليتيم إلى العمارة أو احتياج اليتيم إلى النفقة أو إلى أمر ضروري لا تفي به الغلة ويكون بيع الخلو في كل ذلك من صلح من بيع الرقبة.
стр. 4558
وعند انعدام هذا السبب المحوج مما ذكر لا يصح البيع وإن وقع من ناظر اليتيم فسخ لأنه معزول عن كل تصرف لا يعود بالنفع عن اليتيم.
المبحث الثامن: وجهة نظر المانعين لصحة:
من الأمانة العلمية أن نقرر أن الغرقاوي وهو من أشهر القائلين بصحة الخلو وجوازه - يعرض إلى أن بعض فقهاء المالكية اعترض ذلك متعمدا ما يلي:
١- أن صاحب الخلو كأنه أسلف الواقف ما دفعه إليه من الدراهم وجعل له الواقف السكنى في مقابلة ذلك وهو سلف جر نفعا. والقاعدة: أن كل سلف جر نفعا فهو ربا.
٢- ما دام الخلو عائدا إلى التصرفات الربوية فلا يعول على العرف كما قال اللقاني لأنه مبني على فاسد والمبني على الفاسد فاسد.
٣- أن القول بجواز الخلو يؤدي إلى تصرف فيه غرر وجهالة لأن تلك المنفعة التي يملكها دافع الدراهم -والخلو اسم لها - غير محدودة بل هي له لموته فتبطل ويدفع الناظر له دراهمه التي قبضها منه الواقف ويتصرف هو في حانوت الوقف بالإجارة له أو لغيره ولكن هذا لا يصح أن يفتى به الآن لأن فيه ضياع أموال الناس وتجرى الحكام على ذلك فيصير من العلم الذي يجب كتمه. وهذا كله إذا وقع من الواقف. وأما إن وقع من الناظر فلبعض الفقهاء اعتراضان على ذلك:
١- أن الناظر لا يجوز له بيع الوقف لقول خليل في مختصره: (لا عقار وإن خرب) .
٢- إن وقع الخلو منه يكون فيه الإجارة بدون أجرة المثل وهو وكيل والوكيل لا يجوز له أن يبيع إلا بالقيمة بل بأكثر منها.
وبعد أن عرض الغرقاوي لاعتراضات بعض فقهاء المالكية على صحة الخلو وجوازه نقضها واحدا واحدا وقال:
١- نمنع مدعاكم بأنه سلف جر نفعا ونقرر أنه بيع من الواقف لتلك الحصة لا المنفعة وإن كانت هي المقصودة من العين فهو عقد معاوضة وليس سلفا حتى يوصف بأنه جر نفعا.
٢- بتقرير الإجابة الأولى فالعرف ليس مبنيا على فاسد إذ ليس الخلو سلفا جر نفعا، والعرف أصل من أصول التشريع الإسلامي يجب العمل به وقد جعلوه كالشرط قاله القرافي في قواعده وابن رشيد في رحلته وغيرهما ومن أفتى بما في الكتب حيث تغيرت العادة فقد خالف الإجماع.
وبهذا يتبين بطلان هذا الاعتراض
стр. 4559
٣ - وأما قول هذا المعترض: إن بيع الخلو فيه غرر وجهالة فمردود بأن الدراهم التي دفعها صاحب الخلو واشترى بها تلك الحصة التي أصبح بشرائها شريكا، وهي وإن لم تكن حاضرة حالة العقد فالعقد صحيح إذا وصفت إذ بيع الغائب الموصوف صحيح عند المالكية وله الخيار إذا رآه، لا في مقابلة منفعة حتى يبني عليها كونها غير محدودة، وإذا كانت في مقابلة عين وكان الواقف قد باعهم تلك العين كما هو فرض المسألة عنده فلا يبطل استحقاقه لها لموته بل تنتقل لوارثه. وقول يبطل: فيه نظر.
وقوله: ويدفع الناظر له دراهمه مبني على البطلان الذي ذكره المبني على فرض المسألة في المنفعة لا العين وقد علم ما فيه.
٤ - وقوله: وأما إن وقع من الناظر فلا يصح، مردود لأنه -كما ذكر وكيل عن الواقف فله أن يفعل في الوقف كل ما جاز أن يفعله ويرضاه إن لو كان حيا ورآه لأنه قد يراعي قصد المحبس في بعض الأمور دون لفظه كما يؤخذ ذلك من كلام القابسي في جواب سؤال رفع له ونقله الحطاب عن البرزلي وبنى عليه حكما أشار إليه بقوله: وكزيادة رواتب الطلبة لما أن كثروا وتفضل شيء من خراجها بحيث لو كان المحبس حاضرا لارتضاه، وكان ذلك كله برضى الناظر في الحبس للنظر التام. انتهى نص الحطاب فانظره، وقوله: لأن الناظر لا يجوز له بيع الوقف: نقول بهذا الموجب: بل ولا للواقف نفسه حيث لم يشترطه لنفسه فضلا عن الناظر، وكأنه حمل فعل الناظر للخلو على البيع كما فرضها في الوقف والأمر بخلاف ذلك إذ ما يقع من الناظر من الخلو ليس بيعا للوقف وإنما هو يصير ما عاد على الوقف مستحقا لمريد الخلو.
٥ - وقوله: إن وقع يكون فيه الإجارة بدون أجر المثل. غير مسلم لأنه إن كانت المنفعة العائدة على الوقف عمارة فهي خلو له ويستأجر الأرض بأجرة مثلها قبل العمارة فليس فيها الإجارة بدون أجرة المثل وكذا لو كانت المنفعة غير عمارة بل دراهم دفعت للناظر وعادت لجهة الوقف فتكون الإجارة على حسبها مثلا: أو كان المحل قبل عود الدراهم عليه يكري بعشرة وبعدها بخمسة عشر فالإجارة تكون بعشرة تدفع لجهة الوقف والخمسة خلو له فليس فيه أيضا بدون أجرة المثل.
стр. 4560
وقوله: والوكيل لا يجوز له أن يبيع إلا بالقيمة: تأمل كيف جعله من قبيل الإجارة ثم جعله من قبيل البيع وإن كانت الإجارة بيع المنافع لكن ليس مراد المعترض وإنما مراده البيع الاصطلاحي بدليل مقابلته بالإجارة وهل هذا إلا تناقض! ثم إن كون الوكيل لا يبيع إلا بالقيمة مسلم في حد ذاته ولكن ليس ثم ما يباع إذا الكلام في الوقف وهو لا يباع والله أعلم (١) .
هذا ما أورده الغرقاوي في رسالته المذكورة سابقا أوردته على طوله حتى أبين أن مشكلة الخلو ليس متفقا على حكم فيها وخاصة في الوقف لكثرة قيوده في الظروف العاديه وحيث لم تكن هنالك ضرورة عامة مؤقتة، أما إذا وجدت هذه الضرورة العامة المؤقتة جاز وصح وهو ما وجه به الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور ﵀ فتوى ابن سراج وفتوى ابن منظور الأندلسيين وغيرهما، وقد عرضت لذلك سالفا، وما جاء صريحا في فتوى المحقق عبد الرحمن أفندي العمادي مفتي دمشق من الحنفية جوابا لسؤال عن الخلو المتعارف بما حاصله: أنه يجوز ذلك قياسا على بيع الوفا الذي تعارفه المتأخرون احتيالا عن الربا حتى قال في مجموع النوازل: اتفق مشائخنا في هذا الزمان على صحته بيعا لاضطرار الناس إلى ذلك ومن القواعد الكلية: إذا ضاق الأمر اتسع حكمه فيندرج تحتها أمثال ذلك مما دعت إليه الضرورة، وبهذا نأتي إلى تمام هذا البحث والله ولي التوفيق.
محي الدين قادي
стр. 4561
بدل الخلو وتصحيحه
إعداد
فضيلة الشيخ حجة الإسلام محمد علي تسخيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما هو بدل الخلو؟
يطلق هذا الاصطلاح على المبلغ المدفوع لقاء فسح المجال لقيام الدافع باستئجار محل ما.
ورغم أنه متعارف في المحال التجارية إلا أنه لا يختص بها فقد يتصور وقوعه في غيرها.
والدواعي المتصورة هنا متعددة منها:
أ - التمتع باستئجار المحل لقاء مبلغ الإجارة القليل.
ب - التمتع بالموقع الممتاز للمحل.
أنواعه:
والمعروف منها نوعان:
النوع الأول: أن يقوم المستأجر بتخلية المحل لمستأجر ثان لقاء أخذ بدل الخلو.
النوع الثاني: أن يقوم المؤجر نفسه بأخذ مبلغ تحت هذا العنوان لكي يؤجر المحل للمستأجر.
الإشكال المطروح هنا والداعي لهذا البحث يتلخص في الأمور التالية:
أ - في مالية ما يدفع بدل الخلو لقاءه لئلا تأتي قاعدة (حرمة أكل المال بالباطل) والباطل هنا هو ما لا مالية عرفية له.
ب - مدى استحقاق الأخذ (سواء كان المستأجر والمؤجر) .
جـ- ما هو موقف الأطراف من هذا العمل؟ مثلا ما هو موقف المالك إذا أخذ المستأجر الأول هذا البدل أو ما هو موقف المستأجر الأول إذا أخذه المالك وأجَّر المحل على مستأجر آخر؟
فهل يمكن تصحيح هذه المعاملة؟
стр. 4562
أما بالنسبة للنوع الأول فهناك فروض:
الفرض الأول: أن يقوم المستأجر الطبيعي وغير المشترط مسبقا لشيء ما بشرط صريح بعد انتهاء مدة إجارته بهذا العمل أي يسلم المحل لمستأجر آخر لقاء (بدل الخلو) .
وهذا العمل في الوهلة الأولى واضح البطلان لأنه مع افتراض انتهاء مدة الإجارة لم يبق له أي حق في أي شيء فهو إذن يستلم المبلغ لقاء ماذا؟ هذا أولا ثم هو يتصرف في مال غيره دونما إذن منه وهو محرم.
إلا أن هذا العمل يقع بين أهل الحرف والتجارات فما هو الوجه لتصحيحه – إن كان هناك وجه؟
ربما يقال هنا: إن هذا المقدار من التنازل حق من حقوق المستأجر الأول – وهو حق عرفي يعترف به المالك أيضا - ولذا فهو يقدمه على غيره عند انتهاء مدة الإجارة ومن هنا فهو يأخذ هذا البدل لقاء هذا التنازل عن الحق.
ولكن هذا المعنى يجب أن نحلله إلى فرضين:
فتارة نفترض أن المالك راضٍ بهذا العمل وأنه عازم على تقديم المستأجر الأول لو طلب التمديد فإنه حينئذ يمكننا أن نصحح أخذ البدل لقاء عدم قيامه بمزاحمة المستأجر الثاني وفسح المجال له كي يتم العقد مع المالك ويكون ذلك بنحو (الهبة المعوضة) أو بنحو الجعالة (بناء على أنه يكفي في الجعالة أن لا يعمل شيئا إذا كان عدم العمل أمرا له مالية عند العقلاء) .
كما يمكننا أن نفترض حقا عرفيا هنا له مالية يتنازل عنه المستأجر الأول لقاء بدل الخلو هذا دونما حاجة لإجراء الهبة المعوضة أو الجعالة.
وربما استدل له برواية عن الإمام الصادق جاء فيها:
(عن الرجل يرشو الرشوة على أن يتحول عن منزله فيسكنه غيره قال: لا بأس) (١) .
ولكنه قيل في جوابه بأن الرواية واردة في المنازل التي هي مشتركة كالمدارس الوقفية (حيث الوقف لمن سبق) .
وعلى أي حال فهو عمل لا غبار عليه.
وأخرى: نحاول أن نجبر المالك على القبول بهذه المعاملة والرضوخ للإجارة الثانية وهذا ما لا نجد فيه ابتداء أي ملزم ويأتي فيه إشكال التصرف في مال الغير.
стр. 4563
إلا أنه حاول البعض تصحيحه من خلال افتراض كون هذا العرف الجاري مشكلا لشرط ضمني ارتكازي من قبل المستأجر على المالك كي يسمح له في نهاية المدة بالقيام بهذا العمل ذلك أن بناء العرف وخصوصا في هذه الأزمنة قائم على أساس أن المالك لا يخرج المستأجر إلا برضاه ولا يتخلف عن تجديد العقد معه عند انتهاء مدة الإجارة.
والشرط الضمني المرتكز كالشرط المصرح به تماما كما لو باع شخص كتابا بثمن فإنه لا يحق للمشتري أخذ الكتاب واحتساب المبلغ دينا بذمته لأن نقدية الثمن شرط ضمني لجريان العرف على التسليم.
وقد رفض بعض العلماء هذا النوع من الاستدلال بحجة أن العرف هنا غير ملزم للمالك وإنما هو محبذ لتجديد العقد لا غير وأضاف: (ومن البعيد جدا أن يكون المؤجر حين عقد الإيجار يقصد إنشاء هذا الحق للمستأجر) (١) .
بل وحتى لو كان العرف يراه حقا إلزاميا فهو حق تبعي لحصول الإجارة لا يأتي إلا بعد حصولها فلا يمكن أن يكون شرطا ضمنيا فيها، لو قبلنا بهذا لزم أن نحول كل الظروف المماثلة إلى شروط ضمنية فمن المتعارف أن تخدم الزوجة في بيت الزوج ولكن ذلك لا يحول الأمر إلى شرط ضمني في ذلك بحيث تجب عليها الخدمة.
ولكننا نستطيع أن نصحح هذا العمل لو افترضنا وضوح العادة العرفية وعموميتها بحيث يتصور المتعاقدان هذا المعنى تماما عند القيام بالعقد ويحسب كل منهما لهذا الحق حسابه.
ولا يقاس هذا على موارد كخدمة الزوجة لأن الزواج يتم بكل وضوح على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ووفق الظروف الشرعية التي وضحت الحقوق والواجبات ولا يتجاوز الفهم العرفي مسألة العادة العائلية المنبية على الخدمة الطوعية للزوجة لا غير أما إشكال التبعية في هذا الحق فهو واضح البطلان فصحيح أنه يأتي دوره بعد العقد ولكنه متصور حين العقد بنحو يجعله شرطا.
الفرض الثاني: أن تأتي هذه المعاملة في ظل قانون حكومي يفرض على المؤجر أن يجدد العقد تباعا متى ما شاء المستأجر والاشتراط هنا أوضح والتصحيح أسهل.
стр. 4564
الفرض الثالث: أن يستأجر المحل لعشرين سنة مثلا ويشترط لنفسه الحق في إيجاره من غيره، ولا مانع في هذه الصورة من القيام بأخذ بدل الخلو وتأجير المحل إلى تمام المدة المذكورة وفقا للتخريجات الماضية.
الفرض الرابع: أن يستأجر المحل ويشترط في عقد الإجارة أن يوكله في التأجير الثاني، وهذه الوكالة ملزمة لأنها شرط في عقد لازم ولا مانع حينئذ من القيام بهذا العقد الثاني.
الفرض الخامس: أن يستأجر المحل بلا دفع (بدل الخلو) لأحد إلا أنه يشترط في عقد الإيجار أنه ليس للمالك إجباره على التخلية وللمستأجر حق البقاء في المحل وتجديد عقد الإجارة سنويا لنفسه فقط وفق مبلغ معين.
فإن للمستأجر أن يتنازل عن المحل ويخليه للمستأجر الثاني لقاء (بدل الخلو) على أن يتفق هذا الثاني مع المالك على الإيجار الجديد فهذا البدل إنما يتم لقاء الخلو لا بإزاء انتقال حق التصرف منه إلى المستأجر الثاني.
وهكذا وجدنا في هذه الفروض أن المصحح لأخذ بدل الخلو من قبل المستأجر هي حالة ما إذا كان للمستأجر حق البقاء بنحو من الأنحاء (حتى ولو كان ذلك بالأولوية العرفية) فإن له التنازل عن هذا الحق لقاء بدل الخلو.
النوع الثاني من أنواع التعامل ببدل الخلو وهو أن يقوم المالك بأخذ هذا البدل ابتداء.
فما هو المصحح لأخذ هذا البدل؟
وهل للمالك أن يمنع المستأجر الأول من إيجاره لآخر مع أخذ بدل الخلو منه؟
أما عن المصحح لأخذ هذا البدل، فقد قيل بأن حق الإيجار هو أمر إضافي على نفس منافع المحل ولذلك فيمكنه أن يأخذ في قباله مبلغا معينا يسمى هنا ببدل الخلو ولا نرى مانعا من ذلك.
إلا أن البعض لما لم يستطع تصور كون هذا الحق مما يقبل التعويض راح يتصور وجوهًا أخرى.
منها: أن المالك يشترط هنا شرطين في عملية الإقراض:
الأول: أن يدفع المستأجر مبلغا معينا.
الثاني: أنه يشترط على نفسه أن يسلطه على إيجار المحل لمن شاء عند انتهاء مدة الإجارة أو قبلها.
ومنها: أن يتصالح الطرفان على أن يدفع المستأجر مبلغا من المال بإزاء عدم مزاحمة المالك للمستأجر في إيجار المحل لمن شاء عند انتهاء المدة أو قبلها.
стр. 4565
ومنها: أن يجعل بدل الخلو جزءا من مبلغ الإجارة ويقبل بأن تكون مشروطة بأن تتجدد عند انتهائها بمقدار الجزء الآخر أو أنه يمكن أن يقوم المستأجر بتسليمها إلى مستأجر آخر بنفس المقدار من الإجارة وحينئذ يكون له أخذ بدل خلو يتفق عليه مع المستأجر الثاني.
ومنها: أن يؤجره المحل بألف مثلا ويشترط في ضمن الإجارة أن يكون المستأجر وكيلا في إيجار المحل لنفسه أو لغيره بذلك المبلغ ووكيلا في توكيل الثالث ويكون بدل الخلو في قبال هذه الوكالة التي تعود لازمة لاشتراطها ضمن عقد لازم.
إلا أننا نرى أن نفس إقدام المالك على عقد الإيجار حق له ماليته العرفية التي يمكن أن تقابل بمبلغ ما.
يبقى أن المستأجر في قبال ذلك يشترط شروطا تضمن له الاستفادة من هذه الفرصة فهذا أمر آخر (كأن يشترط وفق الصور الماضية) بل وحتى لو لم يشترط شيئا يؤهله لأخذ بدل الخلو بعد ذلك ولم يقبل المالك أي شرط من هذا القبيل ولكن المستأجر يرى أن نفس تأجيره المحل بهذا المبلغ الزهيد رغم موقعه الممتاز وتعهد المالك بإدامة المبلغ وتجديد العقد له بالخصوص على هذا النمط هو مكسب له فإنه يستطيع الإقدام على هذا التعامل.
نعم لو لم يكن في العقد أي شرط لصالح المستأجر – حتى بشكل ضمني – فإن العرف يفهم من ذلك أن مبلغ الإجارة يساوي بدل الخلو زائدا المبلغ المسمى للإيجار.
أما التساؤل حول ما إذا كان بإمكان المالك أن يمنع المستأجر الأول من إيجاره لآخر مع أخذ بدل الخلو منه فذلك يتبع وجود الاشتراط الصريح أو الضمني وعدمه ولا علاقة له بالمبلغ المدفوع في بدء المعاملة إذا لم يتم الاشتراط.
محمد علي التسخيري
стр. 4566
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، لدينا في هذه الجلسة بدل الخلو، وبيع الاسم التجاري والترخيص، وكان من المقرر أن يكون فيه عارضان، أحدهما الشيخ محمد الأشقر لكنه تخلف عن الحضور، والشيخ وهبة الزحيلي نرجو أن يتفضل بعرض عن هذا الموضوع. عن بدل الخلو فقط.
الشيخ وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد، هذا الموضوع، موضوع بدل الخلو أصبح من الموضوعات المهمة في حياتنا المعاصرة ويتطلب إبداء حكم شرعي فيه بسبب تنازع الناس واختلافهم الشديد حول هذه القضية والناس وإن طغت القوانين الوضعية على أفكارهم لكن ما يزال فيهم أصالة من خير ولله الحمد فكثير منهم يتعففون وينأون عن أخذ بدل الخلو سواء في المحلات التجارية، أو في الدور والعمارات أو في غير ذلك من الأماكن. لهذا لا يجد الناس سبيلا لأن يطمئنوا على حكم هذا الموضوع من الناحية الشرعية إلا اللجوء إلى الإفتاءات الفردية، ولذا أصاب المجمع وأحسن حينما جعل هذا الموضوع أحد الموضوعات التي تدرس في هذه الدورة لما له من أهمية لينضم إلى الفتاوى الفردية الفتوى الجماعية ويرتفع الحرج عن كثير من الناس في هذا الموضوع سواء ممن يقول بالمنع أو يقول بالحل والإباحة أو يتوسط، ويأخذ الأمور بحسب ما تقرره القواعد الشرعية والمبادئ الفقهية.
أما تعريف بدل الخلو، فهو مبلغ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقار عن حقه في الانتفاع به. وهذا الموضوع يتطلب بيان حكمه الشرعي بحث أمور أو حالات ثلاثة.
стр. 4567
الحالة الأولى:
هي أن للمالك المؤجر أن يأخذ من المستأجر مقدارا مقطوعا من المال. بالإضافة إلى الأجرة السنوية أو الشهرية إذا تراضيا على ذلك وهو ما يدفع عادة في بداية عقد الإيجار، يدفع بدل مقدم كبير نسبيا ثم تدفع أجور شهرية أو سنوية دورية. فالحقيقة هذا أمر لا مانع منه ويعتبر هذا المبلغ الذي يدفع أولا مقسطا على سنوات أو شهور أو أيام الإيجار. فأجد أن هذا لا مانع منه شرعا وتكون الأجرة شاملة لما دفع كمبلغ معجل مقطوع أولا. ثم ما يضم إليه من أجور تدفع سنويا أو شهريا أو ما شاكل ذلك. هذه هي الحالة الأولى.
أما الحالة الثانية:
وهي ما يأخذه المستأجر من بدل الخلو من المالك المؤجر من أجل فسخ عقد الإيجار.
الرئيس:
ممكن تلخيص الأولى يا شيخ.
الشيخ وهبة الزحيلي:
تلخيص الأولى: يأتي شخص يريد استئجار محل تجاري وهو ذو موقع استراتيجي مهم فيطلب منه مالك هذا المحل التجاري، يتفق معه على إيجار سنوي مثلا عشرين ألف ريال في السنة ثم يقول له أو يتفق معه، لكن على أن تدفع فروغ أو بدل خلو مثلا مائة ألف ريال الآن، فهنا يصبح ما يأخذه المالك من مستأجر هذا المحل التجاري أجرة سنوية دورية كل عام والمبلغ المقطوع الذي يدفعه المستأجر قبل أن يتسلم هذا المحل التجاري، فرأيت أن هذا المبلغ المدفوع رضي به المستأجر مع المالك ويعتبر أجزاء هذا المبلغ المدفوع مقسطة على مدة الإيجار طوال السنوات المتفق عليها ولا مانع من أن تدفع الأجرة كلها معجلة أو مقسطة أو مؤجلة بحسب الاتفاق والتراضي الذي يحدث بينهم. هذه هي الحالة الأولى. أما الحالة الثانية وهي كثيرا ما تحدث، يريد مالك منزل أن يخرج المستأجر من هذا المنزل أو المحل التجاري فيطلب منه تسليمه المكان فيأبى المستأجر من تفريغ هذا المكان إلا إذا دفع له مالك هذا العقار المأجور مبلغا من المال. تكييف هذا الموضوع.
стр. 4568
هو أن يأخذه المستأجر بحسب القواعد الفقهية يكون في نظير فسخ عقد الإيجار. وحينئذ أردت أن أبين هذا الموضوع في ضوء ما يقرره فقهاؤنا من أنه هل يجوز أن يأخذ الإنسان عوضا آخر مخالفا للعوض الأصلي الذي تم الاتفاق عليه بسبب إقالة العقد وفسخه أو أنه لا تصح الإقالة إلا بنفس العوض السابق ولا يجوز أن يأخذ عنه زيادة مما دفع. الحقيقة الفقهاء في هذا الموضوع اتجهوا اتجاهين: الاتجاه الأول رأي الجمهور غير المالكية والإمام أبي يوسف أن هذا الذي يأخذه المستأجر يعتبر كسبا حراما غير مباح شرعا لأن إقالة عقود المعاوضات المالية أو فسخها كالبيع والإيجار لا يجوز إلا بنفس العوض الذي تم التعاقد عليه في رأي الإمام أبي حنيفة الذي يجعل الإقالة فسخا في حق العاقدين وبيعا جديدا في حق شخص ثالث غيرهما. فبناء على هذا الرأي لا يصح أن يأخذ المستأجر من المال شيئا لأن الإقالة يجب أن تتم بنفس العوض السابق وهذا رأي أبي حنيفة يوافقه عليه أيضا زفر الذي يجعل الإقالة فسخا في حق الناس كافة وليس في حق العاقدين فقط كما ارتأى أبو حنيفة فلذلك أيضا لا يجوز أخذ هذا العوض. وكذلك أيضا الشافعية والحنابلة الذين قرروا بطلان الإقالة في هذه الحالات إذا طلب عوض زائد عن الثمن الأصلي وبسبب هذا الشرط الفاسد وهو أنه قال له بعتك الشيء مثلا ثم أقاله على أن يدفع له أزيد - يدفع أي المشتري إلى البائع - أزيد من الثمن الذي دفعه أولا فهذا أيضا عند الشافعية والحنابلة والحنفية كما بينا ما عدا أبا يوسف كل ذلك لا يجوز أخذ زيادة عليه مقابل الفسخ عملا بالحديث النبوي الإقالة نوعا من التعاون ((من أقال نادما أقال الله عثرته يوم القيامة)) فلذلك لا يعتبر نوعا من الإرفاق والتعاون ورفع هذا الندم الذي حل بالمشتري. فلذلك يجب أن يكون عملا من أعمال المعروف ولا يأخذ زيادة عما دفعه المشتري سابقا.
أما الإمام مالك فيرى أن الإقالة بيع جديد، وإذا كانت بيعا جديدا فيجوز فيها الزيادة أو النقصان. وهو أيضا قول أبي يوسف الذي يجعل الإقالة بيعا جديدا في حق العاقدين وغيرهما، إلا أن يتعذر جعلها بيعا، فتجعل فسخا. بناء على هذا الرأي الثاني يصح للمالك المؤجر دفع زيادة عن الأجرة المقبوضة إلى المستأجر الذي دفعها، نظير فسخ الإجارة وتسليم المأجور من المستأجر إلى مالكه.
стр. 4569
أما إذا وهب المؤجر باختياره ورضاه بعد انتهاء الإجارة من المال للمستأجر يسميه الناس الآن (مقابل الخلو) لأجل إخراج المستأجر من المأجور، فهو أمر جائز باتفاق العلماء، لأن الهبة تبرع، وقد تم الدفع بالتراضي. يعني لا ندخل هذا تحت المشارطات وتحت المفاوضات وإنما أراد أن يكرم هذا المالك ذلك المستأجر عندما سلمه هذا العقار المأجور وربما كان في بعض البلاد لا تسمح أكثر البلاد الآن إلا ما عدا الحمد لله البلاد المحظية بتطبيق الشريعة الإسلامية إلى حد كبير في ديارها هناك قوانين تحمي المستأجرين وهي تكاد تُمَلِّك المستأجر هذا العقار فييأس الملاك من استرداد عقاراتهم والناس يصرون على أن يأخذوا بدل الخلو، وكان هذا المستأجر متعففا متدينا وَرِعًا ثم أراد المالك أن يكرمه فقدم له شيئا من المال هبة وتطوعا ودون مفاوضات ولا مشارطات ففي الحقيقة هذا داخل في التبرع، والتبرع لا نزاع في جوازه. هذه الحالة الثانية.
أما الحالة الثالثة وهي الحالة الغالبة والتي تثير النزاع:
ويقع الخلاف فيها بين الناس في الوقت الحاضر وهي ما يأخذه المستأجر من بدل الخلو من شخص آخر غير المالك المؤجر، ليتنازل عن اختصاصه بمنفعة العقار، ليحل محله ذلك الشخص الجديد في الانتفاع في العقار. هذه الحالة جائزة أيضا بشرط أن يكون التنازل من المستأجر إلى مستأجر آخر ضمن مدة عقد الإجارة. فإذا كانت المدة سنة، أمضى المستأجر في العقار ستة أشهر منها مثلا، جاز له التنازل لشخص آخر للانتفاع بالمأجور بقية المدة المتفق عليها بين المالك والمستأجر. وإذا كانت مثلا الإيجارة سنوية دون تحديد مدة قصوى، وهذا ما أجازه الفقهاء غير الشافعية - مسانأة أو معاومة أو مشاهرة - يعني العقد يتجدد تلقائيا كل سنة أو شهر. وهذا ما يحدث الآن في كثير من البلاد من عقود الإيجارات. فهذا أيضا العقد جائز وحينئذ تكون المدة غير محددة لا يحدد أقصاها. فحينئذ يستطيع المستأجر أن يتنازل عن العقار الذي يشغله إلى شخص آخر، وهذا ما يعرف في القوانين بالتأجير من الباطن. وفقهاؤنا قالوا إن المستأجر يتملك المنفعة وحقه خلاف ما يقرره القانونيون أن حق المستأجر حق شخصي وفقهاؤنا قرروا أن حق المستأجر حق عيني وبالتالي يستطيع أن يستوفي المنفعة بنفسه أو بغيره ويجوز له أن يتنازل عن هذه المنفعة إلى الغير إما بعوض أو بغير عوض. فكل ذلك جائز ما دام ضمن مدة الإيجار.
стр. 4570
ويؤيد هذا أن فقهاء الحنفية أفتوا صراحة بجواز النزول عن الوظائف بمال كالإمامة والخطابة والأذان ونحوها، استنادا إلى الضرورة وتعارف الناس، وبالقياس على ترك المرأة قسمها لضرتها لصاحبتها للزوجة الأخرى لأن كلا منهما مجرد إسقاط للحق، وقياسا على أنه يجوز لمتولي الأوقاف عزل نفسه عند القاضي ومن العزل الفراغ عن وظيفة النظر أو غيره وقد جرى العرف بالفراغ بعوض. فهذا دليل على الجواز أيضا: التنازل عن الاختصاصات مقابل عوض جائز كما صرح الحنفية. كذلك استدل بعض العلماء على جواز مسألة (النزول عن الوظائف بمال) بما صنعه سيدنا الحسن ﵁ سبط رسول الله ﷺ من تنازله عن الخلافة وقبوله الراتب. ولكن ربما نوقش هذا الكلام بأن ما كان يأخذه السيد الإمام ﵁، لم يكن عوضا عن التنازل عن أمر الخلافة فحسب، لأن الخلفاء قد تعودوا منح الوظائف والرواتب غيره كثيرا من الصحابة والتابعين، فلم يكن راتب سيدنا الحسن عوضا عن تنازله عن الخلافة. يعني الحقيقة الاستدلال بهذه الواقعة التي استدل بها بعض الفقهاء غير سديد. ولكن أردت أن أذكر ذلك وإن كنت مقتنعا بالرد الذي رد به عليهم من أجل الإحاطة بالموضوع. أيضا الشافعية صرحوا أثناء كلامهم في كتاب (واضح بجرم الخطيب) في الصفحة الثانية في عقد البيع على أنه يجوز التنازل عن الاختصاص بعوض أو بغير عوض. والاختصاصات كل المنافع التي تكون تحت تصرف الإنسان كما قال الحنفية من إمامة وخطابة وغير ذلك أجازوا التنازل عنها بعوض.
إلا أن ذلك كما قلت مقيد شرعا - حال تنازل المستأجر عن منفعة المأجور- بمدة الإيجار المتفق عليها. فإن تنازل المستأجر لغيره بعوض بعد انتهاء مدة الإيجار، فلا يجوز ذلك شرعا إلا برضا المالك، وإبرام عقد إجارة جديد. لأن العقد يجب أن يحترم وإنما البيع عن تراض وكل العقود يجب أن يتم فيها التراضي خلافا لما نجد من عقود قهرية وبالإكراه وبالقسر. عقود إجارات كثيرة في كثير من البلدان التراضي فيها غير متوفر إلا بحماية القوانين الجائرة.
стр. 4571
وكذلك المالكية أيضا كالشافعية، وجدت في رسالة أطلعني عليها المرحوم زين العابدين خضر حسين شقيق شيخ الأزهر السابق الذي كان مقيما في دمشق بالميدان، أطلعني على رسالة لمتأخرين من علماء المالكية بعنوان (جملة تقارير وفتاوى في الخلوات والإنزالات عند التونسيين) طبعا إخوتنا التونسيون يعرفون هذه الرسالة معرفة تامة لمفتي المالكية إبراهيم الرياحي بتونس والشيخ محمد بيرم التونسي إلى آخره كلهم جاء في هذه الرسالة ما يدل على تجويز المعاوضة عن الخلوات عملا بالعرف والعادة ولأن المستأجر يملك المنفعة فله أن يتنازل عنها بعوض كالإجارة وتعتبر عوض كالإعارة. وأيضا نقل البناني عن البرزلي في النزول عن الوظيفة ما يقتضي جوازه، ونقل فتوى الفاسيين بجواز بيع الخلو وقال الشيخ محمد بيرم: وما أشبه الخلو بالمغارسة غير أن الخلو لا تحمل به ملكية الرقبة لتعلقه بالمنفعة.
أما الحنابلة: فلم يجيزوا أخذ العوض على الاختصاصات، لأن محل حق الاختصاص الانتفاع فقط، ولا يملك أحد مزاحمة مستحقه، لكن الاختصاص يجري فيما هو محرم شرعا كعصير العنب المتخمر عند المسلم، ويجري في بعض المباحات كتحجير الأرض الموات، أما المملوكات الجارية في الأعيان والمنافع فيجوز التنازل عنها بعوض.
والخلاصة: أن بدل الخلو جائز شرعا إذا كان ضمن مدة الإيجار مع المالك المؤجر وأما بعد انتهاء المدة فلا يجوز التنازل عن المنفعة، ولا أخذ البدل عنها إلا برضا مالك العقار، بإبرام عقد آخر مع المستأجر الجديد، وإلا كان أخذ البدل سحتا حراما، والمتنازل غاصبا، وآكلا أموال الناس بالباطل، وكذلك يكون المتنازل معتديا على حقوق الآخرين. والسلام عليكم ورحمة الله.
الشيخ محمد أحمد جمال:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: في البداية لا بد من توضيح أن ظاهرة الخلو بحثها الفقهاء الأقدمون على سبب أو على ظاهرة غير الظاهرة التي تعاني منها بعض البلاد العربية ولذلك أجازها بعض الفقهاء القدامى أجاز أخذ الخلو، ومنعه البعض. واستندوا إلى قياس الصداق المؤجل والصداق المعجل.
стр. 4572
ولكن ظاهرة الخلو أو بدل الخلو في عهدنا الحاضر ظاهرة غير الظاهرة التي كانت أو التي اعتمد عليها أو أسس عليها الفقهاء القدامى لذلك أباحوا أن يؤخذ الخلو باعتباره مؤجلا أو على أساس البيع بالتقسيط. اعتبروا الخلو جزءا من الإيجار ثم يدفع المستأجر الأجر الشهري أو السنوي أقل من أجرته الحقيقية: على هذين الأساسين فيما علمت أو فيما درست بنى الفقهاء القدامى جواز أخذ الخلو. لكن نحن هنا نعاني في عصرنا الحاضر في بعض البلاد العربية من الخلو معاناة غير المعاناة التي كانوا يعانون منها. السبب في ذلك أن بعض البلاد العربية أخذت ببعض القوانين الغربية فجمدت الإيجارات أو أجور العقار. البلاد الغربية نفذت هذا المبدأ أو هذا القانون تنفيذا مؤقتا ثم عادت عنه لكن بعض البلاد العربية تمسكت بهذا القانون وهو تجميد الأجور، سبب تجميد أجور العقار في هذه البلاد العربية ظلما للملاك. استمرت الأجور مثلا خمسين عاما في بلد عربي معروف كما هي بينما ارتفعت أسعار الأغذية والأكسية والأطعمة، الملاك تظلموا من هذا التجميد ومن هذا الظلم القانوني في بلادهم حتى أحدث ظاهرة أخرى الآن في هذه البلاد العربية وهي أن الملاك الجدد أصبحوا يملكون عماراتهم للتمليك لا للتأجير فأحدث أزمة سكن في هذه البلاد العربية نتيجة لظلم القانون، ظلم قانون الدولة التي فرضت تجميد أجور العقار.
إذا اضطر الملاك أن يفرضوا نتيجة لما يقاسونه من ظلم وعنت خلوا لأنهم يعلمون يقينا أن هذا المستأجر لن يخرج من أملاكهم ولن يزيد في أجورها سنويا أو بعد عدة سنوات. فالسبب هنا غير السبب الذي أسس عليه الفقهاء القدامى جواز أخذ الخلو باعتباره كبيع التقسيط أو كالمهر المؤجل والمعجل. هناك كان فيه شبه تعاون أو تخفيف بين المالك والمستأجر في أن يدفع خلوا مبلغا ما، ثم يقسط الأجرة شهريا أو سنويا بأقل من الأجرة المعتبرة أو كمقدمة صداق ومؤخرة صداق. فهنا ينبغي للمجمع الموقر أن ينظر إلى أسباب الخلو الآن، وما يعانيه الملاك بسبب تجميد أجور عقارهم وما أحدث ذلك من في عقار ولجوء الملاك إلى تمليك العقار لا إلى تأجيره، فيكون وضع الإباحة أو الجواز أو المنع على هذا الأساس على أساس ما جاء في الأبحاث المقدمة من استنادات شرعية سابقة لا تتفق مع ظروف الخلو في الوقت الحاضر.
الرئيس:
شكرا. في الواقع إن ما ذكره الشيخ أحمد مهم جدا حتى يحدد ويحسم البحث الذي نريده وهو أن السبب في إحالة بدل الخلو إلى المجمع ليس هو قضايا التحكير والصبرة وما جرى مجراها، وإنما هو قضية القانون أو مواد القانون التي فرضت على المالك ألا يخرج المستأجر من ملكه، وأن يكون بنفس الأجرة التي تم عليها العقد حتى ولو فرض أن العقار زاد أضعافا مضاعفة إلى ما شاء الله من الأضعاف.
стр. 4573
ولهذا فقد ترون مناسبا أن تكون المداولات والنقاش في ضوء ما نتج عن هذا السبب سواء أريد في حالاته الثلاثة التي تفضل بها الشيخ وهبة من المالك إلى المستأجر، أو من المستأجر للمالك أو بين المستأجر الأصلي مستأجر آخر. وبهذا يكون الموضوع متوحدا في هذه القناة وبه يحسن أن يبحث الأصل وهو قضية صدور هذه المادة. هل هي شرعية أو لا؟ فإذا كانت غير شرعية فهل أخذ المستأجر المالك ضمانة أمام هذا القانون الذي لا حيلة له في التصرف فيه أن يأخذ بدل خلو من المستأجر في مدى شرعية هذا؟ ثم المستأجر مع المالك إذا امتنع من الإخلاء إلا ببدل. ثم المستأجر الأصلي مع مستأجر آخر إذا أخذ يضارب أو يؤجر غير ما هو يملك وفيما هو خارج عن مدة الإجارة. وأرجو أن تروا مناسبا أن تكون المداولة في هذه الحدود حتى يمكن لنا أن تكون مجدية وأن ننطلق من الواقع الأعم الأغلب وإن كانت قضايا التحكير والصبرة لا تزال قائمة لكن ليس لها من الشمول والعموم وقوة القانون مثل ما لمسألة عدم تمكين المالك من إخراج مستأجر أو زيادة الأجرة.
الدكتور رفيق يونس المصري:
بسم الله الرحمن الرحيم، في الحقيقة هذه الكلمات التي تفضلتم بها جميعا كلمات مفيدة وتساعدنا في الوصول إلى الغاية. أنا كنت أود من خلال اطلاع سريع على الأوراق التي قدمت ومن خلال ما سمعت الآن يجري أن الحديث في بدل الخلو حول حكمته، مقصده، نشأته أسبابه تكييفه الشرعي الفقهي، التمييز الذي ذكره الأستاذ أحمد جمال بين أسباب نشأته في الماضي وأسباب نشأته في الحاضر ما معنى الخلو عند القدامى؟ ولكن أريد أن أختصر الآن لأصل إلى نقطة. إذا كان بدل الخلو في ضوء القوانين الحديثة – القوانين الوضعية - هو يعتبر بمثابة تعجيل الأجرة إلا أن الدكتور الزحيلي لم يتكلم عن نقاط أخرى طبعا قد لا تتسع لها الورقة. ختم عرضه بجملة فهمت منها أن عقد الإجارة إذا انتهى فلا يستطيع المستأجر أن يطالب المالك يعني إذا آل المأجور إلى المالك لا يستطيع أن يطالبه ببدل الخلو وقد استشكلت هذا للسبب التالي. لنفرض مثلا أنني دفعت عند عقد الإيجار بدل خلو قدرت أن هذا يعدل أجرة خمس سنوات مقدما ثم لسبب طارئ انتهت الإجارة بعد سنتين فكيف لا يجوز لي أن أطالب المالك بحصة من هذا المبلغ المدفوع مقدما والذي اعتبرناه إجارة؟ وشكرا.
стр. 4574
الدكتور أنس مصطفى الزرقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم. . يبدو لي من بين الدراسات المقدمة دراسة من قبل الدكتور محمد الأشقر وجدت أنني كاقتصادي أوافق تقريبا على كل ما أتى فيها من تقسيمات وما انتهى إليه فيها من نتائج وأرى أن البند الرابع من الخلاصة في بحث الدكتور الأشقر وهي في الصفحة عشرين تلخص الموضوع بطريقة يمكن إصدار قرار بها. فلا أقرأها الآن فهي موجودة بين أيديكم. إنما أولا أؤكد تماما ما ذكره الأستاذ أحمد جمال من ملاحظات مهمة جدا وذات علاقة بالموضوع وألاحظ أن بحث الدكتور الأشقر والذي أؤيد النتيجة التي انتهى إليها في البند ٤ من خلاصته لم تتعرض لحالة كثيرة الوقوع في ظل القوانين المعاصرة التي تقيد الإجارة على خلاف الأصل الشرعي وهي الحالة التالية: (في ظل قانون مخالف للأصل الشرعي ويقيد الإجارة إما سعرا أو يقيدها من حيث المدة فيلزم المالك لا يستطيع إخراج المستأجر مهما طال العقد ولا يغير الأجرة. في ظل مثل هذا الوضع لو أتى إنسان ودفع بدل خلو للمالك نفترض عمارة جديدة واستأجرها ملحوظ في بدل الخلو في ظل نظام من هذا النوع هو نظام جائر ولكن في ظل هذا النظام الجائر دفع بدل الخلو والمالك يعلم أن هذا يعني أن المستأجر أن يبقى في هذا البيت إلى ما شاء الله. فالآن في مثل هذه الحالة لو بعد حين من الزمن أراد هذا المستأجر أن ينتقل إلى مكان آخر، أليس من حقه أن يأخذ بدل الخلو، بدل الخلو الذي يرضى به سواء كان من المالك، أو من مستأجر لاحق، ما دام دفع الخلو الأصلي جرى في ظل قانون جائر ولاحظ فيه الطرفان أن دخول المستأجر إلى هذا المنزل يعني حقه قانونا في البقاء فيه إلى المدى الذي يشاء) .
ففي ظل هذه الحالة الخاصة التي لم أر أن بحث الدكتور الأشقر تعرض إليها كما أني ما سمعته من كلام فضيلة الدكتور الزحيلي أيضا لم يتعرض إليها. ألا يحق لنا هنا أن نقول في هذه الحالة الخاصة إن للمستأجر حق أخذ الخلو في هذه الحالة؟ والسلام عليكم.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. يبدو أننا لا بد أن نلجأ بين الحين والآخر إلى مسألة تحديد محل بحث أو تحرير محل نزاع. فهذا سيبلور الأمر وسيزيد الموضوع جلاء. أولا: ما سمعته في التلخيص الجيد لبحث زميلنا وأخينا الأستاذ الدكتور وهبة. النقطة الأولى أظن أنها خارجة عن محل البحث. عندما نتكلم عن إقالة العقد أو فسخ العقد مقابل مال فعلا هذا شيء مبحوث في كتب الفقه ومحل خلاف ولكن ليست هذه هي المشكلة المطروحة.
الرئيس:
هذه هي الحالة الثانية يا شيخ.
стр. 4575
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي:
نعم الثانية. المشكلة المطروحة أن عقد الإيجار ينتهي، عقد الإيجار إما مشاهرة أو عقد سنوي. في نهاية العام انتهى العقد آليا ومع ذلك فإن المالك يدفع الخلو في سبيل إخراج المستأجر. إذن هذه الصورة لا تنطبق على ما قاله الفقهاء من المراوضة أو المحاورة في سبيل إقالة عقد أو في سبيل فسخ عقد. هذا لا علاقة لنا به إطلاقا.
الموضوع الآخر، تنازل المستأجر عن المنفعة التي يملكها أثناء امتلاكه لها، أي أثناء جريان العقد. أيضا هذا ذكره كثير من الفقهاء ومنهم كثير من متأخري الحنفية. هذا الإنسان يملك حقا وثم فهل يملك أن يتنازل عن هذا الحق مقابل بدل أم لا؟ شيء مبحوث، إلا أن بحثا ليس جاريا في هذا الموضوع قط. مدة الإيجار تنتهي وتطوى المنفعة وتفرغ يده من الانتفاع بها ومع ذلك فهو يطالب المالك أو يطالب المستأجر الآخر ببدل. إذن هذا أيضا لا علاقة له بما ذكره الفقهاء.
إذن نحن أمام الحالة التالية: عقد الإيجار انتهى ولم يعد للمستأجر حق في المنفعة أو الانتفاع ومع ذلك فهو يطالب المالك أو يطالب المستأجر الآخر ببدل. هذا البدل ما هو غطاؤه الشرعي؟ هذا هو المبحوث عنه. الغطاء الوحيد هو ما أشار إليه الأستاذ أحمد. إننا أمام وضع جائر، أمام قانون ألجأ المستأجر في بعض الأحيان والمالك في بعض الأحيان إلى أن يقتص لنفسه من بريء وأن يطالب لحق من إنسان ليس هو المُفْتَئِت عليه في هذه الحالة. إذا تصورنا الأمر بهذا الشكل فأعتقد أنني سأقول: إن هذا البدل بدل غير سائغ ولا وجه له. أما ما ذكره الأستاذ الدكتور أنس من أن هذا الخلو بما أنه جاء نتيجة قانون جائر فإن من حق من أصبح ضحية لهذا القانون أن ينتصف لنفسه إما من مستأجر قادم أو من المالك الذي أجر. هذا الكلام لا مسوغ له لأن ما جر إليه الباطل فهو باطل، ولأن هذا الكلام يفتح ثغرة كبرى وهو يتنافى مع مبدأ سد الذرائع. خير من معالجة هذا الوضع الذي جاء ثمرة لقانون غير سوي، خيرا من هذا أن نعود إلى القانون أصله فنعالجه ونعيده إلى وضعه الطبيعي والسوي. إذن فممكن لموضوع إقالة العقد، أو فسخ العقد أن نسير مع الرأي القائل ندفع المال في سبيل إقالة العقد. هنالك من قال ذلك ولا حرج. ممكن أيضا أثناء جريان عقد الإيجار أن آخذ مالا مقابل المنفعة التي أعطيتها لشخص آخر ليستفيد منها، لا ضير، ولكن عندما ينتهي عقد الإيجار وقبل أن يبتدئ العام الآخر، نعم لا أستطيع أن أكيف هذا الأمر بشكل شرعي. ولكم الشكر.
стр. 4576
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. إن قضية بدل الخلو ليست وليدة قانون جاء، ولكنها قضية نشأت منذ قرون في العالم الإسلامي وقد نص فقهاء مصر على أن كثيرا من الدكاكين كان خلوها حبسا وكان ملكها لشخص آخر. الخلو حق الانتفاع بمقابل في الدكان أو في الحانوت هو للمصالح العامة على مسجد والمالك الذي يأخذ الإيجار هو شخص أو عائلة أو ولد. وهذا نشا من عهود قديمة ثم في عهد السلطان الغوري كما نعلم لما بنى الدكاكين التي بناها اشترط على كل من يكتري منه دكانا أن يدفع له قيمة جملية تعطيه حق البقاء في ذلك المحل ووقع في كثير من بلدان العالم الإسلامي أنه جرى العرف والعادة أن من يكتري محلا لا يخرج منه، وعلى هذا خرج كثير من الفقهاء قضية الخلو هذا باعتبار أن ما كان موجودا بالعرف وقت العقد، فمعنى ذلك أن المتعاقدين قد دخلا عليه. حينئذ لا بد أن نفرق بين الإجارة حسب ما قررها الفقهاء في العهود الأولى. فالإجارة إما أن تكون لمدة معينة تنتهي بانتهائها أو تكون وجيبة تتكرر كلما تكررت المدة إلى أن يفسخ أحد الطرفين في نهاية المدة أو ينبه على الآخر بفسخ العقد هذا أمر جرى عليه المسلمون قرونا. ثم حدث وهذا أمر جديد، حدث على الأنحاء التالية:
أولا: أن يطلب المالك من المستأجر - ممن يستأجر المحل - أن يدفع له مقابلا من الأول صبرة زيادة على قيمة الإيجار. هذه واحدة.
الأمر الثاني: هو أن لا يدفع إليه شيئا ولكن العرف الجاري هو الذي مكن المستأجر من البقاء في المحل وعلى هذا وقع. فإذا ما أراد أن يتنازل عن هذا الحق. أله حق في أن يأخذ مقابلا؟ ها هنا جاءت فتاوى العلماء قديما ليس بعد هذا قانون على جواز ذلك. فالقضية يجب ألا ننظر إليها على أنها وضع جديد ولكن على أنها وضع قديم وقد وجد هذا في الأبحاث التي بين أيدينا مطولا ومتتابعا وتكلم من أول ما تكلم به ينسب فيه إلى المالكية ولكن تكلم فيه المالكية وتكلم فيه الحنفية وتكلم فيه غيرهم. والقضية هي قضية العرف ومقدار تأثير العرف.
стр. 4577
الشيخ محمد على التسخيري:
شكرا سيدي الرئيس: أنا أعتقد أن النقطة الأساسية هنا أن بدل الخلو يعطى في قبال التنازل عن حق، وهذا الحق إما أن يأتي من بقاء مدة مقررة في العقد ويتنازل المستأجر عن ذلك مثلا، أو من شرط اشترط في العقد وهو يستفيد من هذا الشرط، أو حتى من مجرد الإقدام على الإيجار من قبل المالك فله الحق ألا يقدم أو حتى من عدم الاستفادة من حق الأولوية إذا منح هذا الحق المالك للمستأجر وأراد المستأجر أن يستفيد من حق الأولوية هذه في الاستمرار في الإيجار. والشرط الذي أشرت إليه قد يكون صريحا، وقد يكون ضمنيا. الشرط الضمني قد يكون في إطار قوانين حكومية تمنع من إخراج المستأجر هذه القوانين تضيف شرطا يتراضى عليه المتعاقدان عند الاستئجار ويخول المستأجر مثلا أن يأخذ بدل الخلو عند انتهاء مدة الإجارة. وقد يكون هذا الشرط شرطا متعارفا تعارفا عرفيا يشكل ارتكازا، هذا الارتكاز يجعل الشرط كأنه شرط صريح في العقد وحينئذ يستطيع المستأجر أن يستفيد من هذا الحق المشترط عرفه. أشير هنا إلى بعض الملاحظات بشكل سريع، هناك مسألة حق الولاية التي أشار إليها الأستاذ وهبة. ما نعتقده أن حق الولاية، ولاية الأمر لا يمكن التنازل عنها مطلقا ولا يقبل الإسقاط.
الملاحظة الثانية: ملاحظة الأستاذ أحمد في مسألة تجميد الأجور أعتقد أن مسألة قوانين تجميد الأجور أو الإيجارات، هذه القوانين بالعنوان الأول وبطبيعة الحال غير جائزة ولكن إن رأى ولي الأمر الشرعي أن هناك أزمة اجتماعية ضخمة سوف تحدث إن لم يظل مثل هذا القانون فإنه يستطيع أن يستفيد من حق تدخل ولي الأمر في المنطقة المباحة والإلزام ببعض الأمور وبعض الشروط ويصدر مثل هذا القانون للحفاظ على أصل النظام وهو الأهم. طبعا إذا كان القانون جائرا أو صادرا من ولي غير شرعي، ففي هذه الحالة إن استطاع هذا القانون أن يؤثر شرطا في العقود فله أثره وإلا لا قيمة له. وشكرا.
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه.
في الحقيقة يجب علينا أن نلاحظ أمورا منها أن الأصل في مال الغير عدم جواز أخذه إلا بوجه شرعي. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . فالتراضي على كل حال أمر مشترط والتراضي يعني ألا يكون هناك إكراه من قانون جائر أو حاجة ملحة بحيث يجب التعاون مع المحتاج إزاءها ويمكن بسبب هذا التعاون أن يتوصل هذا المحتاج إلى ما يحتاج إليه.
стр. 4578
فبدل الخلو إنما يبحث الآن في ضوء الأوضاع الحاضرة والأوضاع الحاضرة كما تعلمون في كثير من بلاد الإسلام تسلطت عليها قوانين غير شرعية، غير جائزة في الفقه الإسلامي فمن هذه الناحية وحسب ما سمعنا من الأستاذ أحمد جمال وحسب ما سمعنا من الشيخ وهبة في تقسيمه حق الخلو إلى ثلاثة أقسام. ينبغي أن ننظر في هذه الأقسام الثلاثة كما تفضل معالي رئيس الجلسة. وحسب رأي الخلو الذي يأخذه صاحب العقار إن كان صاحب العقار اتفق من أول الأمر مع أحد على إيجار معين لمدة معينة بعض هذا الإيجار مقدم وبعض هذا الإيجار مقسط فالإيجار المقدم حكمه كحكم الإيجار المقسط من حيث استحقاقه له، لكن مع مراعاة مضي المدة، أي مع مراعاة إبقاء ذلك العقار في يد مستأجره إلى أن تمضي المدة فإذا أراد المستأجر أن يتخلى عن ذلك الإيجار مع أن هذا الإيجار مقدم كان إيجارا له قسط كبير فينبغي أن يرد إليه بالمحاصَّة مقدار ما تبقى من المدة التي اتفق عليها الجانبان. أما إذا كان هذا الإيجار يأخذه هذا المستأجر من شخص آخر يريد أن يستأجر منه هذا العقار في المدة المتفق عليها من أول الأمر بين الجانبين في المدة الشرعية التي يقرها الشرع بين الجانب المؤجر والجانب المستأجر ويأتي مستأجر آخر. هنا لا أجد مانعا منه، أما في ضوء القوانين غير الشرعية، في الأوضاع الحاضرة بحيث لا يمكن لصاحب الملك أن يتوصل إلى الانتفاع بملكه ما دام هنالك عقد بينه وبين غيره، هذا العقد ولو كان لملك غير محدد لمدة معينة يبقى ساريا إلى ما نهاية له. فهنا أخذ المستأجر لهذا الخلو في مثل هذه الحالة يجب أن ينظر فيه لأن الوعيد في الأموال وعيد شديد. هذا الذي أردت أن أقوله لكم وتفضلوا بالنظر.
الشيخ إبراهيم فاضل الدبو:
بسم الله الرحمن الرحيم، سيادة الرئيس الذي وددت أن أقوله هو ما ذكرته في بحثي المقدم أمام حضراتكم باختصار هو أن المبلغ الذي يأخذه المؤجر سلفا والذي أجازه فضيلة أستاذنا وهبة الزحيلي هل هو جزء من الأجرة أو هو خارج عن الأجرة؟ فإذا كان جزءا من الأجرة يدفعه المستأجر للمؤجر على شكل أقساط أو ما أشبه ذلك فلا باس في هذه الحالة على ما أرى. ولكن إن كان ما يأخذه بدلا عن الخلو فأقول: إن المؤجر هو المالك وهو صاحب الحق فإن كان مقابل تنازله عن حقه فقد تنازل عنه بالأجرة التي هي بدل الإيجار.
стр. 4579
لهذا لا أرى مسوغا للمؤجر أن يأخذ شيئا إلا إذا اعتبره جزءا من الأجرة. هذا بالنسبة للحالة الأولى.
الحالة الثانية: حق استئجار المنفعة من قبل المستأجر خلال المدة أمر جائز ولا أرى بأسا في ذلك كما قرره معظم فقهاء المسلمين رحمهم الله تعالى.
أما الحالة الثالثة التي ذكرها الأستاذ الفاضل الزحيلي بعد انتهاء العقد. فالذي أقوله هنا إذا انتهى العقد بأي حق يجوز للمستأجر أن يتمتع بهذا العقار؟ انتهت مدة عقد الإجارة بأي حق يجوز للمستأجر أن يتمتع بهذا العقار؟ فلا أرى له مسوغا شرعيا أن يطالب ببدل خلو من المؤجر أو لا أرى له من مسوغ شرعي أن يتنازل عن حقه بعد انتهاء فترة العقد إلى رجل أجنبي ثالث لقاء مبلغ من المال. هذا ما وددت بيانه وشكرا لكم.
الرئيس:
شكرا. نكتفي بهذا القدر من المناقشات وترفع الجلسة وتكون العودة إن شاء الله تعالى في الساعة الخامسة مساء وبالله التوفيق..
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، نستأنف الجلسة بإعطاء المناقشة للشيخ خليل
الشيخ خليل محيي الدين الميس:
بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام في موضوع بدل الخلو في الحقيقة لا بد له من مقدمة وسؤال. لماذا جميع الأنظمة تراعي زيادة الراتب مع هبوط العملة ولم يراع أحد زيادة الأجرة مع هبوط العملة؟ هذا أمر. إذن الذي جعل كل دولة أو كل رب عمل يزيد في الأجر مع اتفاقه سلفا على أجرة معينة وإذا به يزيد في الأجر شعورا منه بإنصاف هذا المستأجر وهل هناك فرق بين العين المستأجر وما بين الإجارة التي ترد على منفعة الأشياء؟
أمر آخر، إن الأنظمة غالبا ما نراها تتوسل إلى العامة على حساب الخاصة. مثلا إن الأنظمة تتوسل إلى العمال، أو ما يسمى بالشعب فتضغط على أرباب الأعمال لصالح الشعب. ولماذا هذه القيود على الملكية؟ قيدت الملكية لأن أغلب قوانين الدول معاصرة أنها تورد قيودا على المالك بينما لا تورد قيودا على المستأجر، لنضرب لذلك مثلا. إن الإجارة في بلادنا - ولا أدري في المملكة كيف شأنها - الإجارة صارت عقدا ملزما تنتهي المدة وتبقي الإجارة بنفس الأجر السابق وهذا أمر لا شك أنه مخالف للشريعة الإسلامية.
стр. 4580
فإذا كنا نراعي حال المستأجر فلماذا لا نراعي حال المالك؟ وهذه الخلوات وإن كان فيها الظلم، لكن الظلم الأشد في تلك التشديدات التي يراعى بها وضع القيود على الملكية. وللأسف نلاحظ كل القوانين الحديثة المستقاة من الدول الأوروبية مثلا تتقرب من العمال على حساب رب العمل، تتقرب من المستأجرين على حساب المالكِين. هذا التوجه الذي لا يخفى خلفيته، وإن الملجأ الوحيد لهذا الأمر لا شك إلى عقد الإجارة كما صوره فقهاء المسلمين، والإجارة كما هو معلوم عقد على منفعة تتجدد ساعة فساعة. وقد ضربوا له الشهر أو الأسبوع وما إلى ذلك وإذا بالشهر يصير سنة وإذا بالسنة تصير جيلا وجيلين كما هو معروف في كثير من الدول يموت المؤجر والمستأجر ويرث أبناء المستأجر العين المستأجرة بنفس تلك القيمة التي أجرت فيها والقوانين لا تواكب في تطوراتها بالإجارة كما تواكب القوانين الإنصاف للعمال. فبينما نلاحظ في الحقيقة أن كثيرا من القوانين المستقاة من الدول الغربية كأن فيها جورا على الملكية لصالح الشعب وبينما الإسلام كما هو معروف ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ إذن في النتيجة لماذا لا نصدر تعميما أو فتوى تناسب بأن عقد الإجارة عندما يكون سنويا أو مسانهة كما قيل في نهايته إما أن يعدل في الأجرة وإلا فإن المستأجر يأكل مالا حراما. والله أعلم.
الشيخ محمد سيد طنطاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. لعل من الخير عندما نتكلم عن هذا الموضوع الهام أن نتذكر بعض النصوص وبعض القواعد الأصولية التي وضعها العلماء وعلى رأس هذه النصوص قوله ﷺ : ((المؤمنون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما)) وأيضا قوله ﷺ أنه ((لا ضرر ولا ضرار)) ومن القواعد الشرعية التي تعلمناها وحفظناها أن بعض الأحكام قد تتغير بتغير الأزمان وبتغير الأحوال ولا بأس بذلك ما دام هذا التغير لا يناقض نصا أو لا يعارض نصا من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ .
والصور الثلاثة التي ذكرها الأخ الفاضل الدكتور وهبة والصورة الأولى منها أن للمالك المؤجر أن يأخذ من المستأجر مقدارا مقطوعا من المال بالإضافة إلى الأجرة السنوية أو الشهرية، وجميل منه أن يقول إذا تراضيا على ذلك. أرى أن هذه المسألة جائزة ولا شيء فيها ما دام قد حدث التراضي لأن هذا التراضي لا يتم إلا عن مصلحة يراها كل طرف من المؤجر والمستأجر.
стр. 4581
وما دام هناك تراض حقيقي وهناك أيضا إيجاب وقبول ففي هذه الحالة أرى بأنه لا بأس من أن يأخذ المالك المؤجر من المستأجر مقدارا معينا ولكن النقطة التي وقفت أمامها أن فضيلته جعل ما يأخذه المالك وقام المؤجر بعدها بتسليم العقار إلى المستأجر مؤثرا إياه على غيره من المستأجرين الذي وقفت أمامه ويعد المأخوذ جزءا معجلا من الأجرة المشروطة في العقد في تصوري أن الأجرة المشروطة في العقد هي تلك الأجرة السنوية أو الشهرية وما أخذه المالك زيادة على ذلك إنما أخذه بناء على مصلحة يراها وارتضاها المستأجر أيضا هذه المصلحة كما هو حادث في بعض البلاد أن صاحب العقار مثلا عندما يبني عمارة ويريد أن يعرض شققها للإيجار لا يحكمه في هذه الحالة قانون العرض والطلب وإنما الذي يحكمه أنه بعد أن يؤجر الشقة بمائة جنيه مثلا تأتي بعد ذلك لجنة معينة فتخفضها إلى خمسين جنيها مثلا، وهذا حاصل وموجود وفي هذه الحالة المالك عندما أخذ الزيادة إنما أخذها احتياطا لغبن قد يقع عليه عند تقدير هذه اللجنة لأن هذا الإيجار هو لا يملكه في الحقيقة وإنما الذي تملكه بعد ذلك هي جهة معينة هذه الجهة تقدر أن إيجار هذه الشقة هو كذا وفي هذه الحالة تطالب المالك إذا كان قد حرر العقد بزيادة عن هذا التقدير الذي قدرته اللجنة عليه أن يرد للمستأجر ذلك. فالمالك في هذه الحالة مسكين يرى أن هذا الإيجار فيه غبن شديد وفي هذه الحالة هو يلجأ إلى أن يأخذ حقه بهذا الطريق وما دام في رأي أن المستأجر قد رضي بذلك فلا بأس في هذه الحالة. النقطة التي وقفت أمامها قول الأخ الفاضل الدكتور وهبة - ويعد المأخوذ جزءا معجلا من الأجرة المشروطة في العقد - في الحقيقة أنا الذي أفهمه أن الأجرة المشروطة في العقد هي ما أشار إليه فضيلته من أنها الأجرة السنوية أو الشهرية المحددة.
بالنسبة للنقطة الثانية، يرى فضيلته أن جمهور الفقهاء يرون أن ما يأخذه المستأجر من بدل الخلو من المالك المؤجر لفسخ عقد الإيجار ضمن مدة العقد وتسليمه الشيء المؤجر لصاحبه يعد كسبا حراما، وهذا كما هو أمامنا رأي الجمهور.
стр. 4582
في الحقيقة الإنسان أيضا يعود إلى تلك القاعدة التي حفظناها وهي أن بعض الأحكام قد تتغير بتغير الزمان وبتغير الأحوال فأنا في الأحوال التي أراها الآن سائدة في كثير من الدول، عندما يأخذ المستأجر من المالك شيئا ربما بعض الملاك يقبل يديه، يقبل يد المستأجر لأن المستأجر في هذه الحالة يريد أن يأخذ من المالك شيئا لكي يذهب إلى مسكن آخر يلائمه أو يلائم مركزه الاجتماعي وهو هذا المسكن بأجر ضئيل وقد مضى عليه عشرات السنين فيذهب إلى مكان آخر فربما دفع المستأجر ضعف ما أخذه من المالك لأنه يريد أن يتحول إلى مكان آخر وفي الوقت نفسه المالك استفاد استفادة عظمى لأنه بعودة هذا الملك إليه يستطيع أن يربح من ورائه أضعاف أضعاف ما كان يربحه من وراء هذا المستأجر الأصلي.
فما دامت الأمور مبنية على التراضي، المستأجر قد انتفع لأنه ذهب إلى مسكن آخر ودفع فيه هذا المبلغ الذي أخذه من المالك أو دفع أكثر أو دفع أقل، والمالك قد انتفع بمسكنه لأنه يستطيع أن يؤجره بعد إدخال تعديلات معينة عليه، يستطيع أن يؤجره بإيجار أضخم وأضخم وتراضيا على ذلك عن طواعية وعن اختيار وبدون استغلال. فأرى أن هذا ليس فيه شيء من الحرام، ولذلك أنا أميل إلى رأي المالكية ورأي الإمام أبي يوسف في هذه المسألة.
فيما يتعلق بالمسألة الثالثة، وهي الحالة الغالبة المثيرة للنزاع وهو ما يأخذه المستأجر من بدل الخلو من شخص آخر غير المالك المؤجر مقابل تنازله إلى آخره. أنا أرى أن المسألة أيضا لا ضير فيها بشرط أن يكون قد نص في العقد على أن من حق هذا المستأجر أن يؤجر العين لغيره في المدة المحددة للإيجار أو لا بد أن يكون هناك شرط لأن الملكية الخاصة محترمة في شريعة الإسلام. فالمالك ما دام مالكا لهذه العين فلا يصح للمستأجر بحال من الأحوال أن يتصرف في هذه العين إلا بإذن المالك وإذا تصرف فإنما يكون تصرفه في حدود ما يملكه من أخشاب، من أدوات هو يملكها. أما التصرف في العين بأي صورة من صور التصرف فلا بد أن يكون بإذن من المالك، فلا يصح لهذا المستأجر أن يؤجرها من الباطن لغيره، ولعل هذا هو الذي تأخذ به البلاد فيما يتعلق بالتأجير من الباطن وهو أنه لا بد أن يكون بإذن من المالك لأن الملكية الخاصة محترمة ما دامت قد أتت عن طريق الحلال وما دام صاحبها يؤدي حق الله ويؤدي حق المجتمع فيجب أن لا تمس ويجب أن يحافظ عليها محافظة تامة وبالله التوفيق.
стр. 4583
الشيخ محمود شمام:
بسم الله الرحمن الرحيم، لي ملاحظة شكلية قبل الدخول في الأصل. الموضوع له علاقة متينة بموضوع الاسم التجاري فأنا أرجو، لأن الموضوع يشكل فرعين الاسم التجاري وبدل الخلو، فأنا أرجو قبل إصدار قرار فيما يتعلق ببدل الخلو مناقشة الاسم التجاري ولي كلمة حول الاسم التجاري تشمل بدل الخلو أرجئها لما بعد. وشكرا.
الشيخ أحمد محمد جمال:
الحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. أحب في البداية أولا أن أعقب على كلمة فضيلة الشيخ خليل الميس عما لاحظه من ظاهرة الظلم النازل بالملاك وعدم تغيير الأجرة لسنوات طويلة وأقول له وأعطيه مثلا حكيما في ذلك وهو أن المملكة العربية السعودية هنا منذ عهد الملك عبد العزيز ﵀ كان يصدر أمره حسب ظروف ارتفاع تكاليف المعيشة وارتخائها، يصدر أمره أحيانا بتخفيض الأجرة ٢٥ % ثم بعد سنتين أو ثلاث عندما يرى تغير الأحوال الاقتصادية يرفعها إلى٢٥ % هكذا كان جلالة الملك عبد العزيز ﵀ يراعي الظروف الطارئة في المجتمع السعودي ولا يترك الملاك يستبدون تارة ولا يترك أيضا المستأجرين يستبدون تارة أخرى، إنما يلاحظ هذا الاختلاف في الظروف المعيشية بين انخفاض وارتفاع.
الأمر الثاني الذي أشار إليه فضيلة الأستاذ الميس هو أن ذلك مقتبس، النظام الواقع في المجتمعات العربية والإسلامية من الدول الغربية والحقيقة أنا أرى أنها مقتبسة من الدول الشرقية لأن زعماء الدول العربية هؤلاء الذين يضغطون على الملاك إنما يستندون إلى المذاهب أو المبادئ الشيوعية لأنهم ينظرون إلى الملاك نظرة إقطاعيين، الملاك في نظر هذه الدول الاشتراكية وزعمائها الملاك جماعة من الإقطاعيين وهم يريدون أن يتملقوا طبقة العمال الطبقة الوسطي من الموظفين، لذلك يضغطون على العمال في سبيل إرضاء الطبقة العاملة أو الطبقة المتوسطة.
بعد ذلك انتقل للموضوع الأساسي وأرجو أن يسمح لي أصحاب الفضيلة العلماء أن أنبه إلى أنه ينبغي لنا ألا نكرر ما سبق في المناقشة الماضية من اهتمام بالجزئيات في المبادئ والأحكام، الاهتمام بالجزئيات والاهتمام بالثانويات والاهتمام بالفرعيات، فهذه تترك للتفصيلات أو المذكرات التفسيرية أو اللوائح كما يقال ذلك في عداد الأنظمة. لماذا؟ لأنا نحن كمشرعين أو كواضعين أحكاما جديدة تعالج قضايا حديثة لا يمكن أن نحتاط لكل هذه الفرعيات. وأعتقد أن معظمها من باب الديانة.
стр. 4584
ومبدأ الديانة أو ملحظ الديانة في التشريع الإسلامي معتبر. الرسول ﵊ وهو الملهم المعصوم الذي يتلقى الوحي دائما - لاحظ هذا الملحظ فتركه للمسلم، ما احتاط في كل حكم بملاحظة وفرع وشرط، وهكذا لأن ذلك يطول ولا يمكن أن نحصي ملاحظ الشرط في المعاملات. الرسول ﵊ يقول كما تذكرون: ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من النار إن شاء أخذها وإن شاء تركها)) أو كما قال ﵊. إذن لا يمكننا أن نحيط بكل دقيقة في كل مبدأ من المبادئ التي نضعها الآن. فنترك الفرعيات والثانويات لتحل عند النظر أو عند النزاع. أقول ذلك لأنا نستطيع أن نستمر في الحوار الدائم وفي النقاش الدائم والكلام الكثير لا نخرج بحكم أو بأحكام حكيمة أو صحيحة أو سريعة كما ينبغي. فأحب أن ألفت النظر إلى ذلك. استتماما لهذا الموضوع أو لهذه القضية أحب أن أقدم اقتراحا طبعا قابل للتصحيح والتعديل مشروع للقضية في مادتين أو في ثلاثة مواد قابلة للتعديل. خذوها كفكرة تقرب المسافة بيننا. المادة الأولى: لا يجوز أن يفرض المالك بدل خلو على المستأجر إلا إذا كان هذا البدل جزءا معجلا يترتب عليه انخفاض الأجرة السنوية أو الشهرية، وأن يذكر ذلك في العقد صراحة أي يكون بالتراضي وأن يكون جزءا من الأجرة..
المادة الثانية: يجوز للمستأجر إذا طالبه المالك بالإخلاء خلال فترة العقد أن يطالب بتعويض يقدر بمثل ما بقي من أجرة للفترة الباقية من العقد.
ثالثا: لا يجوز أن يؤجر المستأجر العين على آخر دون إذن المالك احتراما لحقه في الملكية الأصلية.
هذه كرؤوس كعناصر إنما تمهد لنا السبيل لنقر شيئا ولا نطيل في الجدل في الفرعيات والثانويات وشكرا.
الشيخ درويش جستنية:
بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على الرسول النبي الأمين. أقول وبالله التوفيق.. أولا بالنسبة لتعريف خلو الرجل. ألاحظ أن هناك اختلافا في تعريف خلو الرجل فأنا أعرفه مثلا بأنه مبلغ يدفعه مستأجر يحل عن مستأجر آخر وليس علاقة كرائية بين مالك ومستأجر. ثانيا: ليس من الضروري أن تكون فكرة خلو الرجل مبنية أو مبررة بسبب وجود قانون ظالم يقيد حرية المالك في التصرف في ملكه. فكما سمعنا من أصحاب الفضيلة أن خلو الرجل قائم وقديم بصرف النظر عن دوافعه.
стр. 4585
لكن الذي أشير إليه هنا هو أن لخلو الرجل مبررات اقتصادية تقوم على أساس أنه يحقق مصالح لكل من المالك والمستأجر والمؤجر له، أي أنه عقد فيه ثلاثة أطراف وليس عقدين لطرفين. فصورة واقعية من صور المصلحة الاقتصادية هو أن يكون هناك مثلا تاجر يستأجر متجرا في السوق بإيجار سنوي معين ويأتي تاجر آخر يرغب في أن يستأجر نفس المتجر لكنه لا يمكنه ذلك لأن شاغل المتجر سوف يجدد العقد كبقية المستأجرين في نهاية العام، كذلك فإنه من غير المقبول شرعا ولا عرفا أن يذهب للمالك فيغريه بإيجار أعلى حتى يطرد المستأجر الأول ولا يجدد له العقد. لذلك فهو يتفق مع التاجر الأول على مبلغ معين مقابل بعض الأثاث الموجود بالمحل وكإرضاء له على التنازل عن مصلحته في تجديد العقد دون قهر وفي نفس الوقت يقوم التاجر بالاتصال بالمالك ليتفق معه على زيادة أجر العين أو إعطائه مبلغا مقابل الموافقة على تجديد العقد باسم التاجر الثاني. وبذلك تتحقق مصلحة لكل الأطراف وتحقق أيضا مصلحة التوازن بين الإيجارات والمستوى العام للأسعار كما أشار إليه بعض السادة المتحدثين. وهذا معمول به هنا في المملكة. وهناك صور أخرى كثيرة لا مجال لذكرها الآن وهي صور لعقد إرفاق كما أظن. فهل في هذه الصورة ما يتعارض مع نص شرعي يجعلها غير جائزة؟ وباختصار فإنني أعتقد بأهمية تحديد الصور التي تبنى عليها الفتوى. وأن يحقق الخلو مصلحة لكل من المالك والمستأجر الأول والثاني. والسلام عليكم.
الشيخ عبد الله محمد عبد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.. في الواقع إن الإخوة الذين تحدثوا ربطوا بين الخلو وبين قوانين الأجرة وامتداد عقد الإيجار بقوة القانون. أما فيما يتعلق بالنسبة لتحديد الأجرة فإني أعتقد أنه لا ارتباط بين الخلو وبين تحديد الأجرة. إذ في البلاد التي لا تقيد الأجرة ولا تحددها أيضا يجرى فيها مسألة الخلو. كالكويت مثلا القاعدة أنها تخضع لقاعدة العرض والطلب.
стр. 4586
كلما كثر الطلب على الأماكن وقلت الأماكن هنا يتدخل الملاك ويضعون مبالغ للتفاضل بين المتقدمين من يدفع لهم يأخذ ولهم تحايل لاستحلال أو لأخذ هذه المبالغ. منهم من يجعلها جزءا من الأجرة تدفع جملة على أن تكون الأجرة الشهرية مراعى فيها ما دفع سابقا. والدليل على ذلك عندما كثرت المحلات التجارية وقل الطالبون أخذ أصحاب المحلات التجارية هم أو أصحاب العقارات يعرضون ويكتبون الإعلانات في الصحف وعلى المحلات طالبين الأجرة ولا يطلبون الخلو؛ لأن هذه المسألة خاضعة للعرض والطلب ليس إلا. فينبغي البحث في مسالة الحكم الشرعي على ضوء ما بحث الباحثون وقدموه في بحوثهم. وشكرا.
الشيخ محيي الدين قادي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه. أنا شخصيا أريد أن أرجع بقضية الخلو إلى أصلها الذي نشأت فيه، في المجتمعات الإسلامية المتأخرة نسبيا. أول ما ظهرت، ظهرت في أراضي الأوقاف. (أراضي الأحباس) ففي القرن الثامن ظهرت في مصر ما يعرف بالأحكار المؤبدة وهي التي أشار إليها العلامة خليل في توضيحه في باب الشفعة ونصه: (وينبغي أن يتفق في الأحكار التي عندنا بمصر أن تجب الشفعة في البناء القائم بها لأن العادة عندنا أن رب الأرض لا يخرج صاحب البناء أصلا فكان ذلك بمنزلة مالك الأرض) ، قاله شيخنا ومصطلح خليل إذا قال شيخنا فهو يعني المنوفي. هذا بالنسبة إلى الأراضي الزراعية التي هي من امتلاك الأوقاف وجاء بعد خليل عالمان من علماء المالكية وعللا ذلك هما ابن منظور وابن سراج في فتاويهما المنشورة بمعيار الونشريسي. التعليل في ذلك أنها من قبيل الضرورة. وزاد هذا الموضوع توضيحا سماحة الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه فقال: هي ضرورة عامة مؤقتة. كيف هي ضرورة؟ لأن لو تركت أراضي الأحباس ما يدخلها من التشتت أو من الإهمال ومن التجزئة لأهملت ولأصبحت أرضا بورا ولأدخلت شللا على الاقتصاد. فمن هذا المنطلق أفتى هؤلاء الأعلام فيما يخص الأراضي الزراعية وهي المشكلة التي عرضت بالنسبة إلى عصرهم. وبعد ذلك ازدهرت الحالة الاقتصادية في مصر وبالخصوص التجارة وغلت أكرية الحوانيت حتى وصل الحانوت في سوق الغورية بمصر إلى أربعمائة دينار ذهب جديد. ورفعت النازلة إلى عالم من علماء المالكية هو من طائفة مجتهدي التخريج ألا وهو ناصر الدين اللقاني فأفتى بجواز ذلك وبدون قيد ولا شرط وبقي المالكية يتحدثون عن هذه الفتوى بين قابل لها، وهم الأكثر وبين رافض لها وهم الأقل.
стр. 4587
وقد بسطت كل هذا في البحث الذي قدمته. لكن هذه المشكلة ماذا يصنع ناصر الدين اللقاني في حوانيت هي من قبيل الأحباس وقد ازدهرت الحالة الاقتصادية وأصبحت غير كافية، الحوانيت لما يتطلب من التجارة وغلت، فكيف يقول للناس قال بذلك. ولكن عندما قال هؤلاء وهو ما يسمى في مصر خلو الحوانيت ويسمى في تونس بخلو المفتاح، هذا النوع من الخلو فيه مصلحة. المصلحة فيه ماذا؟ أنه الذي يعطي هذا المقدار الدراهم يصبح شريكا في المنفعة. يصبح الكاري المستأجر مالكا للمنفعة مع صاحب الوقف. وحتى في إصلاح الحانوت يكون بينهما شركة وفي كل شيء هو بينهما شركة ولو تعدد الشركاء وباع أحدهم نصيبه في المنفعة شفع فيها الآخر. كما ذكر ذلك الأمير في مجموعه وفي حواشيه على المجموع. هذا بالنسبة إلى ما أفتى فيه الفقهاء، الفقهاء كانوا يفتون ويرجحون المصلحة أو تقهرهم أعراف فيرجعون إلى القاعدة التي قررها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
هذا بالنسبة للخلو الذي عرفناه ربما مؤخرا وهو قديم أيضا أن يعمد مستأجرا ويكري من مستأجر آخر المنفعة فهذا قد ألف البدر القرافي فيه رسالة عرض فيها لمسألتين منها هذه المسألة وجوز ذلك بشروط وقد أتيت على هذه الشروط في البحث الذي كتبته. جوز ذلك بشروط لأنه يملك المنفعة وأضاف الجديد وقت أن بقي في الحانوت مدة زمنية طويلة أو في الحمام أو في المقهى أو في غير ذلك. فقد أضاف إليها شيئا. هذا هو الذي راعاه البدر القرافي في رسالته: الدرة المنيفة في التنازل عن الوظيفة راعاه وقال بالجواز مع حف هذه المسألة بشروط. وكما سبق لسماحة مفتي جمهورية مصر العربية الناس على شروطهم والمؤمنون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. هذا بالنسبة لما أفتى به الفقهاء ولكني رأيت أن الاتجاه لا يتجه إلى فتاوى الفقهاء وإنما يتجه إلى ما أقرته القوانين الوضعية البشرية. هنا المجمع مطالب بأن يعرف ما أفتى فيه الفقهاء وما هو فقه وينزله ويلزم به إن استطاع إلى ذلك سبيلا الدول الإسلامية على أن تعدل القوانين الموجودة في البلاد الإسلامية على ضوء الفتاوى الصادرة عن المجمع. هذه وجهة نظر.
стр. 4588
أما العلماء، الإشكال في الخلوات والذي استشكله الفقهاء هو هذه الإيجارة على التبقية ولم أسمع في عرض الصباح وهو الشرط الذي اشترطه الفقهاء كلهم قضية التبقية. لم أسمع في عرض الصباح أو لعلي لم أنتبه إلى قضية التبقية التي هي روح المسألة. هو يدفع المقدار لأنه يبقى بصورة أبدية ولا تخضع المسألة لتغير الأسواق وحوالة الأسواق وقد نص على ذلك فقهاء المالكية وحققه أبو الثناء إسماعيل التميمي في رسالة له وهو ممن ادعى اجتهاد التخريج ولم ينكره عليه معاصروه. هذا بالنسبة إلى القضية من أساسها. وأصل الإشكال فيها أنه كيف يكون الكراء على التبقية. ومالك ﵁ يروى عنه هذا النص: (ولا أرى مانعا من أن يكري إنسان مسيلا يوصل الماء إلى داره السنين الطويلة أو إلى الأبد. لأن مالك رأى أن الحاجة إلى الماء فأقر نظرا لهذه الحاجة أن يكري الإنسان مسيلا من الماء إلى داره أو إلى أرضه على سنين طويلة أو إلى الأبد. ومنه جوز فقهاء المالكية الكراء على التبقية أو الكراء الأبدي) . هذا وقد ذكر البرزلي عينات كثيرة وأتيت على البعض منها في البحث، عينات كثيرة وقعت في تونس - فالفقهاء أفتوا نتيجة ظروف وأنا لن أذكر شيئا حتمت في الظرف، مثلا في تونس في وقت من الأوقات في عهد حمودة باشا الحسيني أصدر هذا الباي أمرا بأن اليهود يمنع عليهم امتلاك الأراضي الزراعية والعقارات وحصرهم في حارات معينة نظرا لما لليهود من الخبث عندما حصرهم في حارات معينة ضاق بهم الأمر وغلا الكراء وارتفع وحجر على المسلمين السكن في حاراتهم ماذا يصنع المالك المسلم في الدار الموجودة في حارة من حارات اليهود؟ فتحتم الأخذ بنوع من الخلو ويبقى اليهودي في الدار على الأبد على التبقية. إلى غير ذلك من المسائل. فالمطلوب معناه أين هو الإشكال؟ هو في كون الكراء على التبقية وفي كونه إجارة على التبقية. هذا ما عرضت ضرورة عامة مؤقتة أوجبته فإذا زالت من المجتمعات الإسلامية فالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح في أكريتهم. وتحدث للناس أقضية بمقدار ما أحدثوا من الفجور. نكتفي بهذه الكلمة.
стр. 4589
الرئيس:
شكرا. على كل ملاحظة بسيطة يا شيخ محي الدين وهي قضية لما ذكرتم تريدون تنزيل فتاوى العلماء على الواقع الموجود في العصر ما أظن أن هذا يتلاقى لأن فتاوى العلماء الذين ذكرتم هي بموجب الأسباب التي توفرت موجبة هذه الفتوى والأسباب التي كانت موجبة لهذه الفتاوى هي خلاف الأسباب التي كانت موجبة للنازلة الموجودة في عصرنا. لهذا فإن قضية التزيل ليست لازمة. الفتاوى لا شك يستنار بها ويستضاء بها أما أن يقال: تنزل فتاوى العلماء السابقين على الأشياء الموجودة فهذا ما أظنه يحصل.
الشيخ إبراهيم الغويل.
الشيخ إبراهيم بشير الغويل:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. الحقيقة أنا لدي اقتراح عملي لأني أثناء المناقشات ما وددت أن أتدخل لأن كما اتضح الآن أن قضية بدل الخلو ليست قضية جديدة رغم اختلاف أو ما يراه البعض من اختلاف الأسباب. ولكن أثناء المناقشة اتضح أننا في حاجة إلى أن نناقش جذور الأمور كقضية الملكية وحدودها ووظيفتها في شريعة الله. وبعض القضايا الأخرى التي قد يكون من المناسب أن تبحث كقضية إيجار الدور، ومتى كانت؟ وما مستندها وأساسها؟ حتى ينظر في هذه الأمور نظرة تؤصل ما تواجهه المجتمعات الإسلامية وتشكو منه. وقد يكون من المناسب أن أذكر نفسي وإخوتي العلماء الأجلاء الأفاضل أن الناس في الشارع قد يشكون خلاف ذلك قد يرون أن هناك إرهاقا وظلما للمستأجرين. لقد سمعت هنا الحديث عن إرهاق وظلم المالكين ولكن جموع المسلمين وجماعة المسلمين قد تشكو في كثير من الأحيان ما يلحق المستأجرين من ظلم وحيف وجور وإلقاء أثاث دورهم في الشوارع وإغلاء الأجرة عليهم وما إلى ذلك، فكل هذه الأمور يجب أن تكون في اعتبار السادة الأجلاء العلماء الأفاضل. إذن هذا البحث عن بدل الخلو في حقيقة الأمر كان من الممكن أن يكتمل ضمن بحث كامل لقضية الملكية وقضية الإيجار والأجرة وقضية بدل الخلو تكون فرعا صغيرا ضمن هذه النظرة الكلية. الحقيقة وإن كان صحح البعض ولكنني سمعت من زميلي الشيخ خليل الميس أمرا عجبا كأن يقال إن النظام الذي يسمح للمالكين أو يظلم المالكين إنما هو من أثر النظام الغربي.
стр. 4590
فلا شك أنه إذا كان النظام الغربي هو الذي يقوم على رأس المال وحماية المالكين وإطلاق يدهم وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون أمر نريد نحن أن نتجاوز حدوده أيضا ونعتبره قليلا وفيه ظلم للمالكين وذلك أمر عجب. أنا أتصور أن هذا النظام الذي أطلق يد المالكين في الغرب حتى إنهم يفعلون في أموالهم ما يشاؤون لا يمكن أن يعتبر أن فيه ظلم للمالكين بل أنه دائما عرف بأنه النظام الذي ينسب إلى رأس المال وإلى الملاك والمالكين. لكن هذا الأمر قد لوحظ عليه وسبقني إليه آخرون. ولكنني أقترح اقتراحا محددا: أن هذه الأمور تتعلق بجذور نظرة كلية، المسلمون في حاجة أن يقدموها للبشرية. ما هي النظرة للملكية في الإسلام؟ وما هي النظرة لوظيفية الملكية؟ وما هي حدود المالكين في تصرفاتهم وما يترتب على ذلك من نظر في قضية الأجرة؟ وما إليه فلعل بحث الأمور من جذورها سيساعدنا في الموضوع الذي بين يدينا ولعله تفريع عن مشكلة أساسية تحتاج لتقديم نظرة الشريعة فيها وشكرا.
الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ما كان لي أن أتدخل في قضية بدل الخلو لأنني جئت إليها متعلما ومشاركا ولست متخصصا ولا باحثا وبقيت أستمع وأتعلم وأفيد من كلمات إخواني وزملائي وتعقيبات الأمانة الكريمة والرئاسة الرشيدة حتى بدرت كلمة، حاولت أن أرفعها والتمس لها المعاذير فلم أستطع ولم يسعفني ذهني ولا عقلي الكليل. وهي من أخ لي صديق حبيب أُكِنُّ له كل احترام وتقدير هو أكبر مني سنا وفي نفسي أنه أكبر قدرا وبيني وبينه روابط وشيجة من الصداقة في ذات الله. غير أن هذه الكلمة لو أني سكت عليها نفاقا اجتماعيا لعددت نفسي آثما وليس لي فيها من تعليل إلا أنها زلة لسان وجل الذي لا يسهو هذه الكلمة التي تفضل بها وكانت مشاركته جيدة ومثمرة فضيلة العالم الفاضل الجليل الأستاذ الشيخ أحمد محمد جمال - حفظه الله - وأفدت من كلامه الكثير غير أن هذه الكلمة ما كان ينبغي أن تخرج من أمثاله من أهل الفضل فزلة العَالِم زلة العَالَم فقال: إننا كمشرعين. يا سيدي الذي أعرفه وتعلمته من إخواني ومن مشايخي ومن أساتذتي أننا لسنا مشرعين، ولا يحق لنا بحال من الأحوال أن نطلق على أنفسنا هذا الكلام أو هذا اللقب لأنه قد أجمعت الأمة كلها على أن المشرع هو الله، هو الحاكم وأنه لو أننا أطلقنا هذا اللفظ الكريم على النبي ﷺ لكان مجازا لا على سبيل الحقيقة. فأقصى ما نطمح إليه أن يقال فينا إننا علماء.