← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

فإذا اتفقنا على حرمة مخالفة الوعد فلا بد أن نجعل القضاء خادما للجانب الديني والأخلاقي ما دام قادرا على ذلك، فالقضاء لا يدخل في النوايا ولكن يدخل في الأمور الواردة بين الناس فيما يتعلق بالمعاوضات أو في غير المعاوضات ومن هنا أضم صوتي إلى الأخ الكريم الأستاذ فاضل الدبو إذا كان ذلك في التبرعات، ففي باب المعاوضات يكون الالتزام أشد حتى لا يكون هناك فصام وازدواجية بين القضاء والأخلاق والديانة ما دام ذلك ممكنا. وقد ناقشت هذه الآراء في رسالتي بالتفصيل ولنا في ذلك سابقون: وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا؟ رابعًا: ما ذكره الأستاذ الدكتور نزيه في مناقشة النافين الوفاء لوجوب بالوعد، ففي اعتقادي أن هذه المناقشة لهم لا تمس أدلتهم ولا تدك بنيانها فحمل الآية ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ على من وعد وفي ضميره ألا يفي بما وعد فهذا الحمل تحميل دليل وتخصيص بدون مخصص، فالآية عامة وردت بلفظ ما العامة هذا من جانب، ومن جانب آخر إن مبنى الأحكام الشرعية على الظواهر والله يتولى السرائر فكيف نعلم أنه نوى أم لم ينو؟ وجوابهم كذلك عن حديث النفاق أخص من الدليل حيث نقل الأخ الكريم عن الغزالي وكلامه في عدم الوفاء بعذر مع أن الكلام في مخالفة الوعد مطلقا أو في مخالفة الوعد بدون عذر. خامسًا: ما ذكره الأخ الفاضل الأستاذ محمد رضا في التلازم بين الإكراه والقول بوجوب الوعد أرى أنه لا يوجد أي تلازم بين المسألتين فلا نسلم ذلك، فعدم قبول الإكراه لخلل في القصد، بينما قضية الوعد أمر آخر. وفي الختام أرجح القول بحرمة المخالفة للوعد ديانة، وترجيح القول بإلزامية الوعد قضاء ما دام يترتب عليه ضرر للجانب الثاني بناء على الأدلة السابقة وجمعا بينها والجمع أولى والصلح خير. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 5637

الدكتور عجيل جاسم النشمي: بسم الله الرحمن الرحيم. تلخص من عرض الدكتور نزيه حماد كما ذكر مجمل البحوث الأخرى أن المذاهب في الوفاء بالوعد خمسة وأرى أن هناك رأيا سادسا ينبغي أن يذكر، فالمذاهب الخمسة التي ذكرت هي: إن الوفاء بالوعد واجب، والثاني إن الوفاء بالوعد واجب إلا لعذر، والثالث أنه مستحب فلو تركه فاته الفضل وارتكب مكروها كراهة تنزيهية، والرابع إن الوفاء بالوعد أفضل من عدمه إذا لم يكن هناك مانع وهو رأي الإمام الجصاص، والخامس أن الوفاء بالوعد المجرد غير واجب أما المعلق على شرط فإنه يكون ملزما. أود هنا أن أبرز رأيا سادسا ربما اعتبره البعض مغمورا ولم يذكره الدكتور نزيه كاملا وذكره بعض الباحثين بمرور سريع وهو رأي الإمام الغزالي وهو قوله: إذا فهم الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا إن يتعذر وقد يفهم الجزم في الوعد إذا اقترن به حلف أو إقامة شهود على الوعد أو قرائن أخرى، وهذا الرأي يجمع عند التحقيق عدة آراء سابقة، وأرى أنه رأي وسط جامع يحقق مصلحة المصرف والعميل في آن واحد، فالوعد غير ملزم مطلقا وكي يكون ملزما لا بد من عنصر الجدية فيه وهذه الجدية ضمانة وقائية ومصلحة للمصرف أو البنك وفي هذا الرأي سعة للمصرف في أن يقرن الوعد بتواقيع أو بشهادات أو أية وسيلة أخرى فيكون الوعد ملزما حينئذ. هذا ما استنبطه من رأي الإمام الغزالي. وشكرا.

стр. 5638

الدكتور حسن عبد الله الأمين: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبد الله ورسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وبعد: مسألة الوفاء بالوعد: قضية طرحت منذ زمن طويل على عدة مجامع علمية ولا زالت تراوح مكانها لم تتقدم كثيرا، أول ما طرحت في ندوة المصرف الاٍسلامي بدبي سنة ٧٩ ثم في الندوة الثانية للمصرف الإسلامي بالكويت وفي ندوة البركة الثالثة بتركيا، والذي دعا إلى إثارة قضية الوعد، والوعد معروف وموضح ومقرر في كتب الفقه أحكامه واضحة وبينة كما سردها وبينها الإخوة في أبحاثهم التي عوضوها علينا الآن والتي قرأناها، الذي دعا إلى إثارة هذه القضية هو مسألة بيع المرابحة للواعد بالشراء أو للآمر بالشراء هذه القضية هي التي أثارت هذا الموضوع ودعت إلى البحث عن الوعد في عدة مجامع عملية ومنها انتهى الأمر إلى أن عرضت هذه المرة على مجمعكم الموقر، وقد استند الناس في هذه القضية إلى وجوب الوعد فيما ذكره المالكية عن الوعد في مجال المعروف وقالوا إن الوعد يجب الوفاء به بناء على مذهب المالكية وهو قول غير ممحص كما أشار إلى ذلك بعض الإخوة الذين سبقوني الآن الدكتور العاني والدكتور ابن بيه، وهذا هو الصحيح في مذهب المالكية أن العدة أو الوعد لم يتكلموا عن الوفاء به على عدة صور إلا في حالة واحدة وفيما يتعلق بالمعروف وقالوا إنه لا يرد في أمور الالتزامات أو عقود المعاوضات صراحة، فكيف لنا أن نقول بذلك ونقحمه على المالكية إقحاما؟

стр. 5639

الذي دعا إلى الدوران حول هذه القضية، قضية الوعد كما قلنه هو ربطها بقضية بيع المرابحة للآمر بالشراء، وفي رأيي أن القضية يجب أن ننظر في حلها نظرا آخر غير هذا التلفيق الذي نربطه بين عقد المعاوضة " البيع " والعقد من جهة واحدة " العقد المنفرد" وهو الواعد إن صح أنه عقد، هذا التلفيق أرى أننا لا نصل في الدوران حوله إلى نتيجة، فالمقررات الفقهية واضحة، المذاهب كلها لا تقول بوجوب الوعد، والمذهب المالكي الذي يقول بالوفاء بالعهد يقصره على المعروف ويبعده عن المعاوضات المالية ولا نجد في ذلك حلا لقضيتنا، فنحن أمام عقد معاوضة واضح ورئيسي وهو عقد البيع للآمر بالشراء، والمشكلة منشؤها أن البيع للآمر بالشراء بيع لسلعة قائمة، فالتعاقد على معدوم غير حاضر، والحديث النبوي الشريف نهى عن بيع المعدوم أو عن بيع غير الحاضر فكيف نحل هذه المشكلة؟ هذا هو بيت القصيد. في رأيي أن الوفاء بالوعد وربط القضية به والتلفيق بينه وبين عقد البيع لا يحل القضية كما ذكرت، وإنما يجب أن ننظر في فقه هذا الحديث، النهي عن بيع الغائب أو عن بيع المعدوم، كيف نحل القضية؟ هل السلعة المصنعة المحددة المواصفات المعلومة المنضبطة الوصف غير الحاضر في مجلس العقد بيعها يعتبر معدوما؟ كل أو أغلب السلع تباع وهي غير معاينة وإنما هي قائمة ولكنها معلومة بأوصافها لدى المتبايعين، فهل ينطبق عليها هذا الحديث؟ وبيع المرابحة يجرى في هذا النوع من السلع فهل فهمنا للحديث يدخل هذا النوع من السلع في بيع الغائب؟ أعتقد أننا يجب أن ننظر للموضوع من هذه الناحية يجب أن نوسع فهمنا للحديث على ضوء المعطيات الحاضرة، هل السلع بأنواعها المختلفة ذات المواصفات المحددة والموديلات المعينة الغائبة التي في مصانعها أو في أماكن بيعها البعيدة عنا التي يجب استيرادها يعتبر بيعها معدوما، أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر في فهم الحديث على ضوء هذه المعطيات؟ إذا استطعنا أن نصل إلى فهم لهذه القضية على ضوء ظروفها نستطيع أن نحل المشكلة دون أن نلجأ إلى الوعد والتلفيق والدوران حول هذه القضية على الوجه الذي سرنا عليه وعهدناه في ندواتنا ومؤتمراتنا، ولعل الإمامين الجليلين ابن القيم وابن تيمية لهما نظرات صائبة في هذا المجال تحدثا فيها عن هذا المعنى بيع المعدود وبيع الموصوف، وإذا رجعنا إلى هذه الآراء القيمة استفدنا منها وحاولنا أن نستفيد منها في فهمنا وإدراكنا لقضايانا الحاضرة لعلنا نصل إلى حل يريحنا من هذا الدوران الطويل حول قضية الوعد الملزم أو غير الملزم. شكرا جزيلا.

стр. 5640

الدكتور عبد الله محمد عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم. في الواقع لي تعقيب بسيط على الموضوع لأننا نريد أن نحقق معنى كلمة " الوجوب: يجب قضاء" فبعض الإخوان يفهم أنه " يجب قضاء " بمعنى أنه لا بد من تنفيذ الوعد بالفعل، وإيقاع وتحقيق العقد لا يلزم من القول بالوجوب وتنفيذ العقد أو تنفيذ الوعد بتحقيق العقد ولعل ابن العربي ومن شايعه في رأيه أنه يجب إلا لعذر نقصد منه هذا. بمعنى إذا امتنع الواعد من تنفيذ وعده وتنفيذ العقد، هل للطرف الآخر أن يلجأ إلى القضاء لا لطلب تنفيذ العقد، بل لمحاكمته مثلا أو إيقاع العقوبة عليه؟ ولهذا قال: العين بدل العين عن ابن شبرمة أنه حبس رجلا لعدم الوفاء بالوعد مستندا إلى قوله تعالى ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ولم يستند إلى قوله ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ لأن الوعد غير العقد، فإذا امتنع عن تنفيذ الوعد قد يكون لعذر وقد يكون لغير عذر فإن كان لعذر لم يستوجب العقوبة أما إذا كان هزلا وتلاعبا وعدم التزام بالكلمة فهذا الذي يستحق العقوبة. والعقوبة قد تكون بدنية وقد تكون مالية كما تعلمون في التعزير. بقيت مسألة أخرى، الفرق بين الوجوب أو الجواز، عندما استندت إلى كلام الونشريسي وقاعدة الونشريسي بمنع المواعدة، الذي ربط بين المواعدة وبين جواز إيقاع العقد في الحال، وقال: كل عقد لا يمكن إيقاعه في الحال تمنع المواعدة فيه، فهذا القول أطلقه على مختلف العقود وجاء بالأمثلة في عقود المعاوضات كبيع الطعام قبل القبض والبيع وقت نداء الجمعة، وبيع ما ليس عنده، فإذا قلنا إن هذا العقد لا يجوز إيقاعه في الحال فلا تجوز المواعدة فيه، فلو كان العقد جائزا إيقاعه في الحال جازت المواعدة فيه. فإذا كانت المواعدة جائزة ووعد وأخلف، فهل يختلف الحكم؟ إذا كان العقد جائزًا ووقع في الحال، فالمواعدة جائزة، فإذا وعد فهنا المواعدة جائزة في عقد المعاوضات في البيع، فإذا امتنع لاشك أنه يخضع للأقوال الفقهية الأربعة أو الخمسة أو الستة كما ذكر الدكتور عجيل.

стр. 5641

بقيت مسألة من الأمثلة التي ذكرتها في لزوم الوعد ولأضرب مثالا: تواعدت مع شخص على أن يبيعني شيئا وواعدني على ذلك ولم يكن عندي ما أسدد به الثمن فذهبت فبعت سيارتي في السوق لأوفر له الثمن فلما بعتها وجئت أخلف في الوعد، ألم يدخلني في سبب؟ فالذي قال إن المواعدة تلزم إذا كان معلقا على سبب، أو الرأي الآخر إذا قال إذا كان معلقا على سبب ودخل في السبب، أليست المواعدة هنا مبنية على سبب؟ ودخلت في السبب وعرضني مثلا أنني بعت سيارتي بخسارة؟ أليست هذه الصورة شبيهة بهذه الصورة التي ذكرها في تحرير الكلام؟ قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن رجل اشترى من رجل كرما، فخاف الوضيعة فأتى ليستوضعه فقال له: بع وأنا أرضيك قال فإن باع برأس ماله أو بربح فلا شيء له، وإن باع بوضيعة كان عليه أن يرضيه، أليست هذه الصورة مثل هذه الصورة؟ ما الفرق بين عقد المعاوضة وبين عقد التبرع؟ هنا التزم ... الدكتور محمد رضا عبد الجبار العاني: التزام الوضيعة تبرع وليس بالعقد.

стр. 5642

الدكتور عبد الله محمد عبد الله: فهذا أشد، فالذي عرض في عقد المعاوضة للخسارة وأدخله في سبب أشد وطئًا من الذي واعده بمجرد الوعد في عقد تبرع، فهذا يعني لابد من استعراض مختلف الصور حتى يكون الحكم مناسبا وملائما ومحققا للمصلحة. فمسألة التفريق بين عقد المعاوضة وعقد التبرع هو أن الونشريسيي حيث قال منع المواعدة في العقد الذي لا يجوز إيقاعه في الحال. نقول في حالة الجواز، أنا معك في حالة الجواز أن العقد الذي يجوز إيقاعه في الحال تجوز المواعدة فيه. أنا معك في هذان مع هذا الجواز استعملنا المواعدة، فماذا يكون الحكم؟. هي الحقيقة الأقوال الثلاثة: الذي يقول بالإلزام مطلقا. والذي يقول بالإلزام إذا كان معلقا على سبب، والذي يقول بالإلزام على معلق على سبب ودخل في السبب، والقول الرابع الذي قاله ابن العربي إذا كان: تلزم المواعدة إلا لعذر، للعذر كيف مثلا؟ هذا وعدني أن يبيعني السيارة وهو في طريقه إلي عمل حادثًا بالسيارة، فأصبح تنفيذ العقد غير قائم، معذور إذن فهذا هو الذي يعذر. أما القول بهذا فهو قول متناقض ومتهافت ومتساقط ولا يحقق المصلحة أبدًا. وشكرا.

стр. 5643

الدكتور محمد سليمان الأشقر: بسم الله الرحمن الرحيم: أنا أود أن أنبه إلى ما حصل من كثرة البحث في الموضوع ومن أسباب كثرة هذا البحث وبذل الجهود الكثيرة التي هي أكثر من اللزوم في الحقيقة، إن الإخوة في المجامع التي طرحت هذا الموضوع انتقلوا من قضية الإلزام المسبق إلى قضية الوعد، ثم ذهبوا إلى الأدلة في الوعد، وأقوال العلماء فيه والأدلة الواردة والكتب المؤلفة فيه، القضية ليست في تصوري هذا وأنا أول من طرح هذه المسألة في رسالة لي نشرت وعرضت على المجمع على ندوة البنوك الإسلامية في بيت التمويل الكويتي سنة ٨٤ م، وكان الموضوع الذي طرح على أساس معين، وهو أنه إن كان هناك إلزام سابق ببيع لاحق بطل البيع اللاحق، وليست المسألة مسالة وعد نسميه وعدا أو ما نسميه، هذا شيء آخر خارج عن الموضوع إن كان هناك كلام سابق غير ملزم في المرابحة اللاحقة أو الوعد اللاحق، صحيح وإن كان هناك إلزام سابق ففي تصوري البيع اللاحق غير سليم لأنه ما صدر عن إرادة سليمة إنما تحت خطر الحكم القضائي بالسجن أو بالغرامة أو بغير ذلك، كما قال كثير من الإخوة في أبحاثهم بالنسبة للخطبة، خطبة النكاح لو كانت وعدا ملزما أو كان فيها إلزام يكون النكاح اللاحق غير واقع بإرادة حرة، فلا يكون صحيحا، فكذلك نقول في هذا إنه إذا كان هناك التزام سابق ببيع لاحق فهذا في نظر الشرع الأسلامي لا يجوز سواء سميتم الأول وعدا أو غير وعد. ليس النظر في كونه وعدا، النظر في أنه هل يجوز الالتزام السابق بوعد لاحق؟ أنا أقول في تصوري وقلت هذا في رسالتي إن قلنا بأن المواعدة السابقة هي إلزام، هذا يقتضي مباشرة وبدون أن يتوقف على أمر آخر بطلان العقد اللاحق لأن هذا يكون من باب بيعتين في بيعة، لو قلنا بجواز إلزام سابق بوعد لاحق فتنفتح هي للربا على مصارعها وحينئذ لا حاجة للكلام في المواعيد والكلام في إلزاميتها والكلام في بيع المرابحة على الطريقة التي جرى فيها البحث، لأنك كما قال الحنفية مثلا، يجوز أن تبيع وأن تقرض إنسانا ألف دينار وبدل أن تطلب فائدتها مثلا مائة دينار للسنة تقول له اشتر مني هذا قلم الرصاص الذي لا يساوي خمسين فلسا اشتراه مني بمائة دينار التي هي فائدة الألف دينار، أبيعك أو أقرضك الألف دينار، هذا عقد معه عقد آخر ببيع قلم رصاص بمائة دينار تكون هي الفائدة، إذا أجزتم الإلزام السابق بوعد لاحق فحيل الربا مفتوحة أمامكم على مصارعها. الإمام الشافعي ﵁ وكذلك أقوال المذاهب الأخرى كلها تدل على أنه لا يجوز البيع اللاحق بناء على إلزام سابق وقد نص.

стр. 5644

الرئيس: الإلزام السابق يا شيخ ببيع لاحق. الدكتور محمد سليمان الأشقر: فالشافعي ﵁ في النص الذي نقله الإخوة ونقله الأستاذ سامي حمود في رسالته يقول: فإن ألزما أنفسهما بالأمر الأول بقطع النظر عن تسميته وعدا أو غير وعد إن ألزما أنفسهما بالأمر الأول فهو مفسوخ أبدا. كذلك المالكية، المالكية لاشك وهذا أمر قطعي: أن مذهبهم أن المواعدة الجائزة إنما هي في المعروف وقد نصوا في المرابحة بالذات وفي كتبهم جميعا على أن المرابحة بناء على وعد سابق لا تجوز، حتى على وعد لا تجوز. فمن باب أولى لو كان على إلزام سابق، والحنابلة أيضًا كلامهم في ذلك صريح، والحنفية أيضا كون الإلزام لا يجرى بالوعد في البيع الإلزام بالوعد في البيع والإجارة والمعاوضات جميعا لا يجوز. كلهم يرفضون هذا، لماذا؟ يعني ما هي النظرية التي تحكم عملية الوعد السابق الملزم؟ النظرية أنه صار العقدان كأنهما عقد واحد، وكما قلت هذه من النبي ﷺ عندما نهى عن صفقتين في صفقة، أو بيعتين في بيعة أو شرطين في بيع. وجميع الفقهاء- يعني غالبا- ولا أستطيع أن أجزم على الجميع لكن الرأي المشهور عند الفقهاء جميعا أن اشتراط عقد في عقد هذا هو النوع الوحيد من الشروط الذي يكادون يتفقون على منعه، أن تشترط عقدا في عقد، الحنابلة أوسع الناس في الشروط في العقود إلا أن هذا النوع عندهم هو الوحيد تقريبا الذي يرون أنه ممنوع وإن أجازوا كثيرا من الشروط.

стр. 5645

نستطيع أن نقول إن الوعد إذا كان ملزمًا وهناك قوانين تلزم به وقضاء يلزم به فهو عقد، أو كما رأيت في بعض أبحاث الإخوة أنه عقد ابتدائي وفعلا هو عقد، وقد رأيت بعض النماذج التي أخرجتها البنوك الإسلامية بالنسبة للوعد السابق، كتب عليها عقد وعد، فهو إذا كان ملزما وهناك التزام فهو نوع من العقد ولا يمنع هذا أن يقال إنه لا نلزمه بالعقد الجديد، ولكن نلزمه بأداء الغرامة وفي حالة عدم أداء الغرامة فإنه يكون معرضا للسجن كل هذا لا يلغي أن هناك إلزامًا سابقًا بل يبقى الإلزام، سواء ألزمناه بعقد جديد أو ألزمناه بتعويض الأضرار.

стр. 5646

الذي أرى أنه على البنوك الإسلامية أن لا تكتفي بالعمل في المرابحة في ميدان عدم الإلزام بالأمر السابق بناء على قول الحنفية والشافعية الذين يجيزون التسهيل في هذا، طبعا المالكية والحنابلة يرفضون المواعدة السابقة ولو كانت غير ملزمة على مثل هذا النوع من البيع الذي هو بيع المرابحة، لكن الحنفية والشافعية يجيزون المواعدة السابقة كما في نص الإمام الشافعي ونص الحنفية واضح في ذلك. بقي الذي افترضه أن البنوك الإسلامية ترضى وتقبل وتسير بالمسلمين في طريق لا تكاد تكون فيه شبهة كبيرة وهو أن تقبل المواعدة غير الملزمة وتنفذ عملية في حدود هذا المقدار وبدل أن تستند إلى المرابحة في تسعين في المائة من عملياتها تستند إلى خمسين أو ستين أو سبعين في المائة، وهذا يكفي في هذا الميدان، وتبحث عن وسائل جديدة وطرق جديدة أخرى لعل الله يهدي إليها بعض الباحثين ومنها الذي طرحه الأستاذ حسن الأمين من أن نرجع إلى البيع بالوصف وهو الأصل في هذا الموضوع، الأصل في هذا الباب البيع نفسه، نأتي إلى البيع مباشرة أن نبيع بالوصف تبيع البنوك الإسلامية هذه البضاعة المطلوبة مثلا في الذمة بأوصاف محددة وإن كان الشيء غير معين لأنه إذا كان معينا فلا بد أن البنك قد حازه، لكن إذا كان على الوصف فحينئذ لا بأس من أن يبيع البنك إلا أن أيضا هذا الحل يصطدم بأن المشهور عند الفقهاء أن المبيع على الذمة لا بد أن يكون ثمنه مدفوعا فورا، فهل لهذه المسألة من حل؟ أرجو، لعل المجمع يطرحها للبحث في مستقبل الندوات ونصل في ذلك إلى حلول ولعل أيضا الإخوة يركزون على البحث عن حلول أخرى تغطي الكمية الباقية من العقود التي يحتاج إليها في البيع المؤجل. وشكرًا.

стр. 5647

الرئيس: في الواقع أنه، يعني في هذه المسألة إذا نظرنا أنها تنبني على الوعد، فأمامنا قول جماهير علماء الأمة على أن الوعد المالي أنه غير ملزم، وأمامنا أن الهبة وهي أقوى من قضية الوعد أنها لا تلزم عند الجمهور إلا بالقبض، وأمامنا كما ذكره الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم في الفتح، أن الموعود بمال ليس له الحق في أن يضارب به بناء على الوعد، هذا إذا كان بناء هذه المسألة على الوعد، هل هو ملزم أو غير ملزم؟ وكذلك ما أشار إليه الأستاذ الشيخ حسن الأمين من بيع الغائب والمعدوم وما إلى ذلك، لأن الشريعة آخذ بعضها بلحمة بعض، وأما لو فرض تكييف المسألة على قضية الإلزام السابق ببيع لاحق فإن الأمر كما ذكر الشيخ محمد لا شك أنه فيه فتح وتوسيع لجريان عدد كبير من المعاملات الربوية في المصارف، لكن هذا يرتبط في البحث الذي سيكون بعد هذه الجلسة إن شاء الله تعالى في بيع المرابحة. والآن استراحة نعود إن شاء الله تعالى في العاشرة والنصف. وشكرًا.

стр. 5648

قرار رقم (٢، ٣) بشأن الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ / ١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨ م. بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوعي (الوفاء بالوعد والمرابحة للآمر بالشراء) واستماعه للمناقشات التي دارت حولهما. قرر: أولًا: أن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعًا، هو بيع جائز طالما كانت تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه. ثانيًا: الوعد (وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزمًا للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقًا على سبب ودخل الوعود في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلًا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر. ثالثًا: المواعدة (وهي التي تصدر من الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز، لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكًا للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة ((لنهي النبي ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده.)) ويوصي المؤتمر: في ضوء ما لاحظته من أن أكثر المصارف الإسلامية اتجه في أغلب نشاطاته إلى التمويل عن طريق المرابحة للآمر بالشراء. يوصي بما يلي: أولًا: أن يتوسع نشاط جميع المصارف الإسلامية في شتى أساليب تنمية الاقتصاد ولا سيما إنشاء المشاريع الصناعية أو التجارية بجهود خاصة أو عن طريق المشاركة والمضاربة مع أطراف أخرى. ثانيًا: أن تدرس الحالات العملية لتطبيق (المرابحة للآمر بالشراء) لدى المصارف الإسلامية، لوضع اصول تعصم من وقوع الخلل في التطبيق وتعين على مراعاة الأحكام الشرعية العامة أو الخاصة ببيع المرابحة للآمر بالشراء. والله أعلم

стр. 5649

المرابحة للآمر بالشراء بيع المواعدة المرابحة في المصارف الإسلامية وحديث ((لا تبع ما ليس عندك)) إعداد الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه مجموعة أبحاث في تصور، وحكم بيع المواعدة الجاري في المصارف الإسلامية باسم (بيع المرابحة للآمر بالشراء) في بعض صوره، وإنما اخترت تلقيبها باسم (بيع المواعدة) لأنها في جميع صورها مبنية على الوعد ملتزما به كان أو غير ملتزم به، ولئلا تختلط على البعض مع (بيع المرابحة) المحرر عند متقدمي الفقهاء – رحمهم الله تعالى – في (بيوع الأمان) . على أن صورتها تدخل تحت اسم (السلم الحال) المنهي عنه في قصة حديث حكيم بن حزام ﵁ كما في (زاد المعاد) ويأتي نقله في السادس، وسترى في المبحث الثاني) بعد موقعها الصحيح من مباحث الفقهاء. وهذه المجموعة من الأبحاث معقودة في البحوث الآتية: ١- المبحث الأول: بيع المرابحة في اصطلاح متقدمي الفقهاء. ٢- المبحث الثاني: في مدى لزوم الوفاء بالوعد. ٣- المبحث الثالث: المؤلفات والبحوث فيها. ٤- المبحث الرابع: صور بيع المرابحة في المصارف الإسلامية. ٥- المبحث الخامس: سبب وجودها في المصارف الإسلامية. ٦- المبحث السادس: حكمها. ٧- المبحث السابع: في ضوابطها الشرعية. فإلى بيانها والله ولي الهداية والتوفيق.

стр. 5650

المبحث الأول: بيع بالمرابحة عند متقدمي الفقهاء (١) . يستقرئ بعض أهل العلم أنواع البيوع بأنها أربعة: ١- بيع المساومة، ويقال: المماكسة، ويقال: المكايسة. ٢- بيع المزايدة. ٣- بيع المرابحة. ٤- بيع أمانة. ومنهم من يجعل بيع المرابحة منه، فتكون أقسامه ثلاثة: بيع المرابحة: وهو البيع بأزيد من رأس المال. بيع الوضيعة: وهو البيع بأنقص من رأس المال. بيع التولية: وهو البيع برأس المال سواء. وإنما سميت هذه (بيوع أمان) للائتمان بين الطرفين على صحة خبر رب السلعة بمقدار رأس المال. فبيع المرابحة مثلا: حقيقته بيع السلعة بثمنها المعلوم بين المتعاقدين، بربح معلوم بينهما، ويسمى أيضا (بيع السلم الحال) (٢) . فيقول رب السلعة: رأس مالي فيها مائة ريال، أبيعك إياها به وربح عشرة ريالات. وهذا هو معنى ما هو جارٍ على الألسنة من قولهم: اشتريت السلعة مرابحة، أو: بعتها مرابحة. وركن هذا العقد: هو العلم بين المتعاقدين بمقدار الثمن ومقدار الربح، فحيث توفر العلم فيهما فهو بيع صحيح، وإلا فباطل.

стр. 5651

وهذه الصورة من البيوع (بيع المرابحة) جائزة بلا خلاف بين أهل العلم، كما ذكره ابن قدامة (١) ، بل حكى ابن هبيرة (٢) : الإجماع عليه، وكذا الكاساني (٣) . والخلاف في الكراهة تنزيها، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وروي عن ابن عمر، وابن عباس ﵃، وعن الحسن، ومسروق وعكرمة، وعطاء بن يسار رحمهم الله تعالى. وقد علل الكراهة تنزيها بأن فيه جهالة، فيما إذا قال: بعتكه برأس ماله مائة ريال، وربح درهم في كل عشرة، فالجهالة أن المشتري يحتاج إلى جمع الحساب ليعلم مقدار الربح، لكن هذه الجهالة مرتفعة؛ لأنها تعلم بالحساب، بل لا ينبغي وصفها بالجهالة، وليس فيها تغرير ولا مخاطرة. وهذه العلة هي مستند ما يحكى عن ابن راهويه رحمه الله تعالى، من قوله بعدم الجواز. وقد علمت ارتفاعها بالحساب، على أن من وراء ذلك الوقوف على صحة السند للمروي. فصح الاتفاق إذًا حكمًا على الجواز، وطردًا لقاعدة الشريعة من أن الأصل في المعاملات الجواز والحِلّ حتى يقوم دليل على المنع. هذا هو بيع المرابحة المسطر في كتب أهل العلم تحت هذا اللقب في: أبواب البيوع، وفي مطاويه صور وفروع، وما زال الناس يتوارثون العمل به في معاملاتهم بأسواقهم من غير نكير. لكن هذه الصورة غير مرادة في هذه الرسالة، وإنما جاء الحديث عنها للاشتراك اللفظي مع (بيع المرابحة للآمر بالشراء) في صورته الحادثة المتعامل بها في المصارف الإسلامية، لينظر: هل يشتركان في الحكم: الجواز، كما اشتركا في الاسم أم أن حكمه التحريم بإطلاق أم بتفصيل؟ هذا ما ستراه إن شاء الله تعالى في أبحاث هذه الرسالة.

стр. 5652

المبحث الثاني: في مدى لزوم الوفاء بالوعد ديانة وقضاء (١) . بحث مدى لزوم الوفاء، أساس في معرفة الحكم في هذه المعاملة. بيع المواعدة لأن الوعد أساس في صورها كافة، وعليه فاعلم أنه قد أجمع المسلمون أنه على العموم فإن الوفاء بالوعد (العهد) محمود، وأن إخلاف الوعد (العهد) وعدم الوفاء به مذموم، وقد أثنى الله تعالى على رسوله ونبيه إسماعيل بأنه كان صادق الوعد فقال سبحانه ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ . [مريم آية: ٥٤] .

стр. 5653

وهو بدليل مخالفته يفيد أن إخلاف الوعد مذموم، وهذا المفهوم قد جاء مصرحا به في آيات من الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣] . وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . [التوبة: ٧٧] . والسنة طافحة بهذا، ومنه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف ... )) الحديث. هذا من حيث الوفاء بالوعد بصفة عامة. أما (الوعد المالي) فإن العلماء يجرون الخلاف في حكم الوفاء به (قضاء) على أساس حقيقته الاصطلاحية التي تواضعوا عليها وهي كما قال ابن عرفة المالكي رحمه الله تعالى (١) (الوعد: إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل) . فهو (الوعد المعروف) وعلى هذا يدور كلامهم في حكم الإلزام به كما حكى الشيخ عليش الخلاف بعد بيان الحقيقة المذكورة له. وعليه تجده مبحثا مشتركا بين: المفسرين، والمحدثين والفقهاء، وكتب الرقائق وفضائل الأعمال، كما ساق البخاري رحمه الله تعالى بعض الأحاديث في (العِدَة) في كتابه (الأدب المفرد) والنووي في (الأذكار) . أما هذا النوع الجديد من (الوعد التجاري) الذي يريد به العميل مع المصرف: تداول سلعة بالثمن والربح ولما تحصل ملكيتها بعد، فإن خلافهم في (الوعد) لا ينسحب على هذا بل هو يتنزل على حد حديث حكيم بن حزام وما في معناه (لا تبع ما ليس عندك) ، وعلى مسألة (البيع المعلق) .

стр. 5654

فتحرر من هذا أن عقود المعاوضات، وهي التي يقصد بها تحصيل المنافع وإدرار الربح لا تدخل في المواعدة هذه وخلافهم فيها، إذ جميع الأمثلة التي يسوقها العلماء على إثر الخلاف في (لزوم الوفاء بالوعد من عدمه) إنما هو فيما سبيله الإرفاق المعروف لا الكسب التجاري) (١) . ولهذا فإن (عقد الاستصناع) وهو: عقد على بيع عين موصوفة في الذمة مطلوب صنعها يقرر من قال به إنه عقد لا وعد، فهو من عقود المعاوضات الخالية من الغرر (٢) . وبناء على جميع ما تقدم فإن أهل العلم يذكرون هذه الصورة من المبيع في (بيوع المعاوضات المحرمة) فيذكرونها في: ١- بيع العينة. ٢- وفي الحيل المحرمة. ٣- وفي شرح حديث حكيم وغيره ((لا تبع ما ليس عندك)) . ٤- وفي: بيوع الغرر. ٥- وفي: تعليق العقود بالشروط. لهذا: فإن جماعة من الباحثين المعاصرين وهموا بإجراء البحث فيها تفريعا على (حكم الوعد هل هو ملزم أم غير ملزم؟) فأوهموا الدارسين لهذه المعاملة والذي نعرفه نجا من هذا ممن كتب فيها بحثا أو فتيا: ١- شيخنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز في فتواه حيث خرجها على حديث (لا تبع ما ليس عندك) . ٢- وتلميذه الشيخ العلامة محمد الأشقر في رسالة (بيع المرابحة) .

стр. 5655

فإذا أخلف الواعد وعده، هل يلزم به قضاء وحكما؟ الخلاف في هذا على أقوال ثلاثة: القول الأول: عدم الإلزام بالوفاء به مطلقا.. وهو مذهب الجمهور منهم: الثلاثة ورواية عن مالك، ومذهب داود، وابن حزم، وقد حكى عليه الإجماع: المهلب، وابن بطال، وابن عبد البر، وتعقبه الحافظ ابن حجر بوجود المخالف لكنه قليل. القول الثاني: الإلزام بالوفاء بالوعد مطلقا. قال به: عمر بن عبد العزيز، وابن الأشوع الهمداني الكوفي، وابن شبرمة. القول الثالث: التفصيل: إن أدخل الواعد بوعده في (ورطة) لزم الوفاء به وإلا فلا يلزم الوفاء به، وهو رواية عن مالك رحمه الله تعالى. ومثاله: من قال لرجل: تزوج، فقال: ليس عندي ما أصدق به الزوجة، فقال: تزوج وألتزم لها الصداق وأنا أرفق عنك، فتزوج على هذا الأساس فقد احتمل الوعد (ورطة) فيلزم بالوفاء به. وأدلة القول الأول: وهو قول الجمهور من عدم الإلزام بالوعد قضاء مطلقا، فقد استدل له بالإجماع على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء، حكاه المهلب، وابن بطال، وابن عبد البر، قال المهلب (١) : (إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء) اهـ. وقال ابن بطال: (٢) (لم يرو أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة، أي مطلقا، وإنما نقل عن مالك أنه يجب منه ما كان بسبب) اهـ. وذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى- تعقب الإجماع في ذلك فقال (٣) : (ونقل الإجماع في ذلك مردود فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر، وابن العربي: أجل من قال به عمر بن عبد العزيز) اهـ. ووجه هذا القول من حيث النظر: أنه وعد بمعروف محض (٤) ، ولا سبيل عليه بالإلزام في المعروف. والله أعلم. واستدل له أيضا بالهبة فإنها لا تتم عند الجمهور إلا بالقبض خلافا للمالكية، وذلك يقتضي على مذهب الجمهور: عدم الحكم بها قضاء فيما لو رجع الواهب عنها قبل قبض الموهوب له إياها.

стр. 5656

وعليه: فإذا كانت الهبة لا تلزم إلا بالقبض فكيف يلزم بالهبة لو وعده بها مجرد وعد إذا قال له: سوف أهبك إياها (١) . ولهذا استدل بهذا الفرع على عدم وجوب الوفاء بالوعد: ابن قدامة في (المغني) والنووي في (الأذكار) وقال: (واستدل من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور وعند المالكية تلزم قبل القبض) اهـ. وأدلة القول الثاني: الإلزام به: النصوص المتقدمة، ومنها أيضا حديث " الْعِدَةُ دَيْنٌ " رواه عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا الطبراني في (الأوسط) والقضاعي وأبو نعيم، والبخاري في: (الأدب المفرد) ، والديلمي، والخرائطي في (مكارم الأخلاق) وأبو داود في (المراسيل) ، وابن أبي الدنيا في (الصمت) ، وغيرهم جميعهم بألفاظ متقاربة وأسانيده لا تخلو من ضعف (٢) . وأما القول الثالث بالتفصيل (٣) : إن احتمل ورطة ألزم به قضاء وإلا فلا، فحجته عموم حديث رفع الضرر في قوله ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) . قال شيخنا الأمين رحمه الله تعالى في (أضواء البيان) بعد أن ساق الخلاف محررا: (الذي يظهر لي في هذه المسألة، والله تعالى أعلم أن إخلاف الوعد لا يجوز لكونه من علامات المنافقين؛ ولأن الله يقول ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد، ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبرا، بل يؤمر به ولا يجبر عليه؛ لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به لأنه وعد بمعروف محض، والعلم عند الله تعالى) اهـ.

стр. 5657

المبحث الثالث: البحوث والمؤلفات في هذه النازلة. تم الوقوف على المؤلفات والأبحاث الآتية: ١- بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية. تأليف: محمد بن سليمان الأشقر. طبع: عام ١٤٠٤هـ. نشر مكتبة الفلاح بالكويت. ٢- فقه المرابحة في التطبيق الاقتصادي المعاصر. تأليف: عبد الحميد بن محمود البعلي. نشرر: مكتبة السلام العالمية بالقاهرة. ٣- بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية. تأليف: يوسف القرضاوي. طبع: دار القلم بالكويت عام ١٤٠٥ هـ. ٤- المرابحة / أصولها وأحكامها وتطبيقاتها في المصارف الإسلامية. تأليف: أحمد علي عبد الله. نشر: الدار السودانية. الخرطوم. عام ١٤٠٧هـ. ٥- كشف الغطاء عن بيع المرابحة للآمر بالشراء.

стр. 5658

تأليف: رفيق المصري. ٦- الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية.. الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية. ٧- المرابحة في البنوك الإسلامية ومناقشة وضعها على ضوء الأدلة. تأليف: بدر بن عبد الله المطوع. نشر: مطبعة الجذور بالكويت. ٨- الاستثمار اللاربوي في نطاق عقد المرابحة. بحث: حسن بن عبد الله الأمين. ٩- تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية. سامي حمود. الأردن. ١٠- الودائع المصرفية واستثمارها في الإسلام ص/٣٢٥-٣٣٠. حسن عبد الله الأمين، السودان. وقد عقد لمناقشتها عدد من الندوات وفي عدد من مؤتمرات المصارف الإسلامية والمجامع وصدرت فيها عدة فتاوى منها: ١- المؤتمر الدولي الثاني للاقتصاد الإسلامي المنعقد في: إسلام أباد في باكستان عام ١٩٨٣م. ٢- مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدبي عام ١٣٩٩هـ. ٣- مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني بالكويت عام ١٤٠٣هـ. ٤- المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية / عمان عام ١٤٠٧هـ. ٥- فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز/ السعودية. ٦- فتوى الشيخ بدر المتولي عبد الباسط/ الكويت.

стр. 5659

المبحث الرابع: صور بيع المواعدة وفيه: الصورة الجارية في المصارف الإسلامية (بيع المرابحة للآمر بالشراء) . بالتتبع يمكن أن تكون صور بيع المواعدة، أو يقال (صور بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما يلي: الصورة الأولى: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين مع عدم ذكر مسبق لمقدار الربح. وصورتها: أن يرغب العميل شراء سلعة بعينها فيذهب إلى المصرف ويقول: اشتروا هذه البضاعة لأنفسكم ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل بربح، أو سأربحكم فيها. الصورة الثانية: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع ذكر مقدار ما سيبذله من ربح. وصورتها: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها، فيذهب إلى المصرف ويقول: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم، ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال: ألف ريال مثلا. الصورة الثالثة: وتنبني على المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين، مع ذكر مقدار الربح. وصورتها: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها المنضبطة عينها بالوصف، فيذهب إلى المصرف ويتفقان على أن يقوم المصرف ملتزما بشراء البضاعة من عقار أو آلات أو نحو ذلك، ويلتزم العميل بشرائها من المصرف بعد ذلك، ويلتزم المصرف ببيعها للعميل بثمن اتفقا عليه مقدارا وأجلا وربحا.

стр. 5660

المبحث الخامس: سبب وجودها تئن الديار الإسلامية من المعاملات الربوية الضاربة بجرانها في البنوك والمصارف الربوية، دور المحاربة لله ولرسوله ﷺ ، وأكبر مركز يهز الاقتصاد ويخرب الديار، ويمتص روح الحياء والحياة، ويؤول بالأمة إلى: جمع فقير غارم. وفي طليعة معاملاته التي يهرع إليها كثيرون (صريح الربا) المجلل بالاسم الكاذب (القرض بفائدة) . وإن من مآثر المد الإسلامي المعاصر: حركة المصارف والبنوك الإسلامية، فكان حقيقا عليها إيجاد المعاملات الإسلامية لرد الأمة في معاملاتها إلى دين الله وشرعه، وكف الدخيل عليها. فكما ولد المسلم من نكاح بعقد شرعي فليسر في حياته وكسبه وما فيه قوام دينه ودنياه على جادة العقود الشرعية المتخلصة من الربا ووضره. فرفضًا لذلك الربا الصريح (القرض بفائدة) ، صار إيجاد المصارف الإسلامية لهذه المعاملة التي أطلق عليها اسم: بيع المرابحة، أو: بيع المرابحة للآمر بالشراء والذي يناسب أن يطلق عليه اسم: (بيع المواعدة) ؛ لأن فيه وعدا من الطرفين: وعدا من العميل بالشراء من البنك، ووعدا من البنك بشراء السلعة وبيعها عليه. والمواعدة في هذا البيع ملزمة أو غير ملزمة هي أساس في الاختلاف فيه حِلًّا وحرمة فصارت تسميته (بيع مواعدة) أولى، والأسماء قوالب للمعاني. فهل هذه المعاملة كالقرض بالفائدة في التحريم، أم تجوز مطلقا أم فيها تفصيل يوضحه المبحث بعده؟ والله أعلم.

стр. 5661

المبحث السادس: حكمها. وَهلَ جماعة من الباحثين في أبحاثهم فحسبوها من نوازل العصر وقضاياه، فصار الوقوع في أنواع من الغلط والوهم، سيأتي التنبيه عليها بعد إن شاء الله تعالى، في هذا المبحث. والحال أن هذا الفرع الفقهي بصوره مدون عند الفقهاء المتقدمين في مباحث الحيل، والبيوع، فهو عند: محمد بن الحسن الشيباني في كتاب (الحيل) ص/٧٩، ص/١٢٧، ومالك في (الموطأ) ومعه (المنتقى) للباجي ٥/٣٨-٣٩، والشافعي في (الأم) ٣/٣٩، وابن القيم في (إعلام الموقعين) ٤/٣٩. وغيرها كثير. وهذه نصوصهم فيها: ١- الحنفية: ففي كتاب (الحيل) لمحمد بن الحسن الشيباني قال: (قلت: أرأيت رجلا أمر رجلا أن يشتري دارا بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها، فتبقى في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام، ويقبضها، ويجيء الآمر ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة درهم. فيقول المأمور: هي لك بذلك، فيكون ذلك للآمر لازما، ويكون استيجابا من المأمور للمشتري: أي ولا يقل المأمور مبتدئا: بعتك إياها بألف ومائة؛ لأن خياره يسقط بذلك فيفقد حقه في إعادة البيت إلى بائعه، وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار، فيدفع عنه الضرر بذلك) اهـ. ففي الموطأ للإمام رحمه الله تعالى في: باب بيعتين في بيعة: (أنه بلغه أن رجلا قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه) اهـ. والمسألة مبسوطة لدى المالكية كما في: (١) المنتقى لأبي الوليد الباجي ٥/٣٨ – ٣٩، والكافي لابن عبد البر، (والمقدمات) لابن رشد ٢/٥٣٧، وخليل في (المختصر) وشراحه كافة.

стр. 5662

وهذا نص ابن رشد في (المقدمات) (١) : (فصل) والعينة على ثلاثة أوجه جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة أن يمر الرجل بالرجل من أهل العينة، فيقول له: هل عندك سلعة كذا ابتاعها منك؟ فيقول له: لا، فيخبره أنه قد اشترى السلعة التي سأل عنها فيبيعها بما شاء من نقد أو نسيئة، والمكروهة أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا فأنا أربحك فيها وأشتريها منك، من غير أن يراوضه على الربح، والمحظورة أن يرواضه على الربح، فيقول له: اشتر سلعة كذا وكذا بعشرة دراهم نقدا، وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقدا، والثانية أن يقول له: اشترها لي بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل، والثالثة عكسها، وهي أن يقول له: اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا أشتريها منها بعشرة نقدا، والرابعة أن يقول له: اشترها لنفسك بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا، والخامسة أن يقول له: اشترها لنفسك بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، والسادسة عكسها، وهي أن يقول له: اشترها لنفسك، أو: اشتر، ولا يزيد على ذلك باثني عشر إلى أجل، وأنا ابتاعها منك بعشرة نقد، فأما الأول: وهو أن يقول: اشترها لي بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا، فالمأمور أجير على شراء السلعة للآمر بدينارين؛ لأنه إنما اشتراها له، وقوله: وأنا أشتريها منك، لغو لا معنى له؛ لأن العقدة له بأمره، فإن كان النقد من عند الآمر أو من عند المأمور بغير شرط فذلك جائز، وإن كان النقد من عند المأمور بشرط فهي إجارة فاسدة؛ لأنه إنما أعطاه الدينارين أن يبتاع له السلعة وينقد من عنده الثمن عنه فهي إجارة وسلف ويكون للمأمور إجارة مثله إلا أن تكون إجارة مثله أكثر من الدينارين، فلا يزاد عليهما على مذهب ابن القاسم في البيع والسلف، إذا كان السلف من غير البائع وفاتت السلعة أن للبائع الأقل من القيمة بالغة ما بلغت، يلزم أن يكون للأمور ههنا إجارة مثله بالغة ما بلغت، وإن كانت أكثر من الدينارين، والأصح أن لا تكون له أجرة؛ لأنا إنا جعلنا له الأجرة كانت ثمنًا للسلف فكان تتميما للربا الذي عقدا فيه، وهو قول سعيد بن المسيب، فهي ثلاثة أقوال فيما يكون له من الأجرة، إذا نقد المأمور الثمن بشرط، وهذا إذا عثر على الأمر بحدثانه ورد السلف إلى المأمور قبل أن ينتفع به الآمر، وأما إن لم يعثر على الآمر حتى انتفع الآمر بالسلف قدر ما يرى أنهما كانا قصداه فلا يكون في المسألة إلا قولان، (أحدهما) أن للمأمور إجارته بالغة ما بلغت، (والثاني) أنه لا شيء له، ولو عثر على الآمر قبل الابتياع وقبل أن ينقد المأمور الثمن، لكان النقد من عند الآمر، ولكان فيما يكون للأجير قولان: (أحدهما) أن له إجارة مثله بالغة ما بالغة ما بلغت.

стр. 5663

(والثاني) أن له الأقل من إجارة مثله أو الدينارين، وابن حبيب يرى أن المأمور إذا نقد فقد تقدم الحرام بينهما فتدبر ذلك، (وأما الثانية) وهو أن يقول: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدا، وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فذلك حرام لا يحل ولا يجوز؛ لأنه رجل ازداد في سلفه، فإن وقع ذلك لزمت السلعة للآمر؛ لأن الشراء كان له، وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ به منه أكثر منه إلى أجل، فيعطيه العشرة معجلة ويطرح عنه ما أربى، ويكون له جعل مثله بالغا ما بلغ في قول، والأقل من جعل مثله أو الدينارين اللذين أربى له بهما في قول، وفي قول سعيد بن المسيب: لا أجرة له بحال؛ لأن ذلك تتميم للربا، كالمسألة المتقدمة، قال في سماع سحنون: وإن لم تفت السلعة فسخ البيع، وهو بعيد، فقيل: معنى ذلك إذا علم البائع الأول بعملهما، وأما الثالثة وهي أن يقول له: اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا فذلك أيضا حرام لا يجوز، ومكروهه أنه استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بسلف عشرة دنانير يدفعها إليه ينتفع بها إلى الأجل ثم يردها إليه، فيلزم الآمر السلعة باثني عشر إلى أجل ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد، وإن كان قد دفعها إليه صرفها عليه، ولم تترك عنده إلى الأجل، وكان له جعل مثله بالغًا ما بلغ في هذا الوجه باتفاق، وأما الرابعة وهي أن يقول له: اشتر سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا اشتريها منك باثني عشر نقدا، فاختلف في ذلك قول مالك: فمرة أجازه إذا كانت البيعتان جميعا بالنقد وانتقد، ومرة كرهه للمراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور، وأما الخامسة وهي أن يقول: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فهذا لا يجوز إلا أنه يختلف فيه إذا وقع، فروى سحنون عن ابن القاسم، وحكاه عن مالك أن الآمر يكره الشراء باثني عشر إلى أجل؛ لأن المشتري كان ضامنا لها لو تلفت في يده قبل أن يشتريها منه الآمر، ولو أراد أن لا يأخذها بعد اشتراء المأمور، كان ذلك له، واستحب للمأمور أن يتورع فلا يأخذ من الآمر إلا ما نقد في ثمنها، وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني إن كانت السلعة قائمة، وترد إلى المأمور، فإن فاتت ردت إلى قيمتها معجلة يوم قبضها الآمر، كما يصنع بالبيع الحرام؛ لأنه كان على مواطأة بيعها قبل وجوبها للمأمور، فدخله بيع ما ليس عندك، وأما السادسة وهي أن يقول له: اشترها لنفسك باثني عشر إلى أجل، وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا، فروى سحنون عن ابن القاسم أيضا، أن البيع لا يرد إذا فات، ولا يكون على الآمر إلا العشرة، وأحب إليه أن لو أردفه الخمسة الباقية؛ لأن العقدة الأولى كانت للمأمور، ولو شاء المشتري لم يشتر، وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني على كل حال، كما يصنع بالبيع الحرام للمواطأة التي كانت للبيع قبل وجوبها للمأمور، فإن فاتت ردت إلى قيمتها يوم قبضها الثاني، وهو ظاهر رواية سحنون أن البيع الثاني يفسخ ما لم تفت السلعة، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى أقوم طريق.

стр. 5664

وقال الدردير في (الشرح الصغير ٣/١٢٩) قال: (١) (العينة: وهي بيع – من طلبت منه سلعة للشراء وليست عنده، لطالبها بعد شرائها – جائزة، إلا أن يقول الطالب: اشترها بعشرة نقدا، وأنا آخذها منك باثني عشر إلى أجل، فيمنعه لما فيه من تهمة (سلف جر نفعا) ؛ لأنه كأنه سلفه ثمن السلعة يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر) اهـ. وفي (الأم) للإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (إذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعةَ، فقال: اشترها وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعًا، وإن شاء تركه. وهكذا إن قال: اشتر لي متاعا ووصفه له، أو متاعا أي متاع شئت وأنا أربحك فيه فكل هذا سواء. ويجوز البيع الأول، ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وصفت إن كان قال: ابتعه وأشتريه منك بنقد أو دَيْن، يجوز البيع الأول، ويكون بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز، وإن تبايعا به على أن الزما أنفسهما فهو مفسوخ من قبل شيئين: أحدهما: أنه تبايعاه قبل أن يملكه البائع. والثاني: أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه كذا) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (إعلام الموقعين) : (المثال الموفي مائة – أي من أمثلة الحيل-: رجل قال لغيره: اشتر هذه الدار أو هذه السلعة من فلان بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا، فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد. فالحيلة: أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام، أو أكثر ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت، فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار، فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة: أن يشترط له خيارا أنقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع، ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه) اهـ. هذه جملة من نصوص العلماء في هذا الفرع الفقهي الذي تبنته المصارف الإسلامية للتعامل به مع العميل لها مستبعدة معاملة البنوك التجارية الربوية من معاملة صريح الربا (القرض بفائدة) . ومن هذه النقول يتضح الحكم في كل واحد من الصور الثلاث المتقدمة على ما يلي: فالصورة الأولى: التي تنبني على التواعد بين الطرفين – غير الملزم مع عدم ذكر مسبق لمقدار الربح وتراوض عليه – فالظاهر الجواز: عند الحنفية والمالكية والشافعية، كما تقدم نقله من كلام ابن رشد في المذهب المالكي؛ وذلك لأنه ليس في هذه الصورة التزام بإتمام الوعد بالعقد أو بالتعويض عن الضرر لو هلكت السلعة فلا ضمان على العميل فالبنك يخاطر بشراء السلعة لنفسه وهو على غير يقين من شراء العميل لها بربح، فلو عدل أحدهما عن رغبته فلا إلزام ولا يترتب عليه أي أثر فهذه الدرجة من المخاطر هي التي جعلتها في حيز الجواز والله أعلم (٢) .

стр. 5665

والصورة الثانية: التي تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين مع ذكر مسبق لمقدار ما سيبذله من الربح ومراوضته عليه فقد تقدم في كلام ابن رشد أنها من العينة المحظورة؛ لأنه رجل ازداد في سلفه وتقدم نقل كلام الشرح الصغير. والله أعلم. والصورة الثالثة: التي تنبني على المواعدة والالتزام بالوفاء بها بالاتفاق بين الطرفين، قبل حوزة المصرف للسلعة، واستقرارها في ملكه، مع ذكر مقدار الربح مسبقا واشتراط أنها إن هلكت فهي من ضمان أحدهما بالتعيين، فهذه حكمها البطلان والتحريم فهي أخية القرض بفائدة، وذلك للأدلة الآتية: ١- أن حقيقتها عقد بيع على سلعة مقدرة التملك للمصرف مربح قبل أن يملك المصرف السلعة ملكا حقيقيا وتستقر في ملكه. ٢- عموم الأحاديث النبوية التي نصت على النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده. منها حديث حكيم بن حزام ﵁، قال: قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني المبيع لما ليس عندي فأبيعه منه ثم أبتاعه من السوق، فقال ﷺ ((لا تبع ما ليس عندك)) رواه أصحاب السنن وقال الترمذي: حديث حسن ، فسبب الحديث نص في بيع الإنسان ما لا يملك فحكم ﷺ بالنهي عنه، قال ابن قدامة في " المغني " (١) . " لا نعلم فيه خلافا " اهـ. وعلته والله أعلم " الغرر في القدرة على التسليم وقت العقد " (٢) . وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) . رواه أصحاب السنن وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (فاتفق لفظ الحديثين على ((نهيه ﷺ عن بيع ما ليس عنده)) فهذا هو المحفوظ عن لفظه ﷺ وهو يتضمن نوعا من الغرر فإنه إذا باعه شيئا معينا وليس في ملكه، ثم مضى ليشتريه ويسلمه له كان مترددا بين الحصول وعدمه فكان غررا يشبه القمار فنهى عنه، وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهى لكونه معدما فقال: لا يصح بيع المعدوم، وروى في ذلك حديثا ((أنه ﷺ نهى عن بيع المعدوم)) ، وهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث ولا له أصل) اهـ.

стр. 5666

وقال الخطابي رحمه الله تعالى (١) : (قوله ((: لا تبع ما ليس عندك)) يريد بيع العين دون بيع الصفة ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق، أو جَمَلَهُ الشارد ويدخل في ذلك: كل شيء ليس بمضمون عليه، مثل أن يشتري سلعة فيبيعها قبل أن يقبضها.) اهـ. ٣- عموم الأحاديث النبوية التي نصت على نهي الإنسان عن بيع ما اشتراه ما لم يقبضه (٢) . وقد صحت الأحاديث في هذا من حديث ابن عمر، وابن عباس وابن عمرو وزيد بن ثابت، وحكيم بن حزام، وجابر ﵃ وغيرهم رضي الله عن الجميع. منها حديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يَسْتَوْفِيَهُ)) رواه الستة إلا الترمذي. وعن ابن عمرو ﵄، أن النبي ﷺ ((نهى عن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما لم يقبض)) رواه الترمذي وغيره. وقد حكى: ابن المنذر والخطابي، وابن القيم، وغيرهم: الإجماع على أن من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى يقبضه. وأما بيع ما يشتريه الإنسان قبل قبضه من غير الطعام من مكيل أو موزون أو عقار وغير ذلك ففيه خلاف على أقوال أربعة، والذي عليه المحققون هو: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال وهو مذهب ابن عباس ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايات عن أحمد. حكى ذلك ابن القيم واختاره فقال (٣) . (وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره) اهـ. ثم حرر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في علة المنع من بيع ما لم يقبض وقال (٤) . (فالمأخذ الصحيح في المسألة أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع عن الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه ... ) اهـ. ووجه الاستدلال من هذا في مسألتنا هذه: أن النصوص إذا كانت صريحة صحيحة عن النبي ﷺ في النهي عن بيع ما لم يقبض، وأنه على عمومه، وأن العلة عدم تمام الاستيلاء والاستقرار في ملك المشتري، فكيف يجوز للمصرف أن يبيع ما لم يملك أصلا ويصافق ويربح فيه؟ فملكه تقديري لا حقيقي، واستيلاؤه عليه تقديري لا حقيقي. المنع من هذا يكون من باب الأولى والله أعلم.

стр. 5667

٤- أن حقيقة هذا العقد: بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل بينهما سلعة محللة فغايته (قرض بفائدة) . ولهذا قال ابن عباس ﵄ في بيع ما لم يقبض (١) . (أنه يكون قد باع دراهم بدراهم والطعام مُرَجّى) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة. قال الخطابي: (وهو غير جائز؛ لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام مؤجل غائب غير حاضر ... ) اهـ. والذي عليه المحققون هو شمول النهي عن بيع ما لم يقبض من طعام وغيره وإن ذكر الطعام خرج مخرج الغالب والله أعلم (٢) . ٥- أن البيوعات المنهي عنها ترجع إلى قواعد ثلاث: ١- الربا. ٢- الغرر. ٣- أكل أموال الناس بالباطل. وقد روى الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر.)) وفي معناه أحاديث أخرى، وهذا الحديث ليس من باب إضافة الموصوف إلى صفته فيكون ﷺ نهى عن بيع الذي هو غرر وإنما من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، فالمبيع نفسه هو الغرر كبيع الثمار قبل بدو صلاحها (وبيع ما لا يملكه) وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى (٣) . ولهذا لما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أقسام المعدوم وهي: معدوم موصوف في الذمة (السلم) وهو جائز اتفاقا. ومعدوم تبع للموجود مثل بيع الثمار بعد بدو صلاحها وهو جائز اتفاقا. ومثل بيع المقاثي والمباطخ فهذا جائز على التحقيق، وأما الثالث فقال (٤) : (الثالث: معدوم لا يدري يحصل أو لا يحصل ولا ثقة لبائعه بحصوله بل يكون المشتري منه على خطر فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدوما بل لكونه غررا فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر ﵄، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه ليذهب ويحصله ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيها بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد ولا تتوقف مصلحتهما عليه) اهـ.

стр. 5668

وجهة نظر المخالف: يتضح مما تقدم أنه ليس من خلاف يؤثر عند أهل العلم في أن البيع في (الصورة الثالثة) باطل محرم، لكن لما أثريت في العصر الحاضر، وكتب فيها من كتب وجرى الخلاف بين الكاتبين فيها بين الجواز والمنع قرر المجيزون الجواز لعدة وجوه وهي أن الوعد ملزم وأن العين مرادة (حقيقة) في هذا العقد، فالعقد حقيقي، وليس صوريا: فالعميل يقصد الانتفاع بالعين ولا يريدها للتوصل إلى دراهم يحتاجها، وأن النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده: خاص فيما كان فيه البيع حالًّا بتسليم العين المباعة، أما إذا كانت العين المباعة مؤجلة إلى أجل محدود فلا، وينسحب عليهما حكم بيوع الآجال وإن النهي عن بيع المعدوم: هو ما كان المعدوم فيه مجهول الوجود في المستقبل، أما العين هنا فهي محققة الوجود مستقبلا حسب العادة (١) . وأنه في هذه الصورة لو تأخر العميل في أداء الثمن لم يفرض عليه أي زيادة في الثمن. وأنه على أقل الأحوال فإن الحاجة في التعامل داعية إليه كما دعت إلى السلم، والاستصناع واغتفر ما يعتريهما من الغرر تقديرا للحاجة، والحاجة هنا داعية لاتساع رقعة التعامل وتضخم رؤوس الأموال وحاجة المنشآت إلى دعمها بالآلات والمباني التي لا قوام لها إلا بها، فإن لم تتم تلك المعاملة وقع المسلم في حرج ومشقة الفوات لمصالح يريد تحقيقها، فإن لم تكن من هذا الباب، اضطر إلى (القرض بفائدة) ودينه يعصمه من هذا الربا المحرم، فليقرر هذا التعامل تحت وطأة الحاجة (الضرورة) والانتشال من المحرم وتحقيق مصالح المسلمين. المبحث السابع: في الضوابط الكلية التي تجعل (بيع المواعدة) أي (المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية) – في دائرة الجواز وهي على ما يلي: ١- خلوها من الالتزام بإتمام البيع كتابة أو مشافهة قبل الحصول على العين بالتملك والقبض. ٢- خلوها من الالتزام بضمان هلاك (السلعة) أو تضررها من أحد الطرفين: العميل أو المصرف بل هي على الأصل من ضمان المصرف. ٣- أن لا يقع العقد للمبيع بينهما إلا بعد قبض المصرف للسلعة واستقرارها في ملكه. والله أعلم بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 5669

المرابحة للآمر بالشراء إعداد الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون – جامعة الخرطوم عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١- بيع المرابحة: البيع إما أن يكون عن طريق التفاوض بين البائع والمشتري من غير نظر إلى رأس المال الذي قامت به السلعة على البائع، ويسمى بيع المساومة، وإما أن يكون على أساس رأس المال، ويسمى بيع الأمانة، وفي بيع الأمانة قد يكون البيع برأس المال فقط، ويسمى تولية، إذا أخذ المشتري كل السلعة، أما إذا أخذ جزءا منها بما يقابله من الثمن، فيسمى إشراكا، وقد يكون بربح معلوم ويسمى مرابحة، وقد يكون بخسارة معلومة، ويسمى وضيعة ومواضعة ومحاطة ومخاسرة. فبيع المرابحة نوع من البيع الجائز بلا خلاف، غير أن بيع المساومة أولى منه عند بعض الفقهاء، يقول ابن رشد: البيع على المكايسة والمماكسة أحب إلى أهل العلم وأحسن عندهم؛ وذلك لأن بيع المرابحة كما يقول الإمام أحمد: تعتريه أمانة واسترسال من المشتري، ويحتاج إلى تبيين الحال على وجهه، ولا يؤمن من هوى النفس في نوع تأويل أو غلط، فيكون على خطر وغرر، وتجنب ذلك أسلم وأولى. ويشترط في بيع المرابحة ما يشترط في البيع بصفة عامة، ويختص بشروط خاصة أهمها علم المتبايعين برأس المال والربح، كأن يقول البائع: رأس مالي مائة، أو: هو علي بمائة، بعتك بها وربح عشرة. وإذا ظهرت خيانة البائع فيما ذكره من الثمن أو غيره مما يجب ذكره، فالبيع صحيح، ولكن يثبت للمشتري الخيار، فإن شاء أخذ بما بينه البائع على ما فيه من زيادة، وإن شاء ترك البيع، وقال بعض الفقهاء: ليس للمشتري الخيار، وإنما له الحق في إسقاط الزيادة (١) .

стр. 5670

٢- بيع المرابحة للآمر بالشراء: حقيقته: هذه صورة من صور التعامل وردت في الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، وتطبقها البنوك الإسلامية، وكيفيتها كما جاء في الموسوعة: " أن يتقدم العميل إلى البنك طالبا منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد منه بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلا مرابحة بالنسبة التي يتفقان عليها، ويدفع الثمن مقسطا حسب إمكانياته". ثم أوردت الموسوعة تبريرا لهذه المعاملة فقالت: " فهذه المعاملة مركبة من وعد بالشراء، وبيع بالمرابحة، فهي ليست من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأن البنك لا يعرض أن يبيع شيئا، ولكنه يتلقى أمرا بالشراء، وهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب ويعرضها على المشتري الآمر ليرى إذا كان مطابقا لما وصف، كما أن هذه العملية لا تنطوي على ربح ما لم يضمن؛ لأن البنك قد اشترى فأصبح مالكا يتحمل تبعة الهلاك " (١) اهـ. فهذه المعاملة تتم في مرحلتين: المرحلة الأولى: عندما يتقدم العميل إلى البنك طالبا منه شراء سلعة معينة أو موصوفة ليست عند البنك، فيعده البنك بأنه سيشتري السلعة التي يطلبها العميل ويبيعها له، ويعد العميل البنك بأنه سيشتريها منه عندما يقدمها له، ويحددان في هذه المرحلة ثمن الشراء والربح، وطريقة الدفع، وهو مؤجل غالبا، وتطلب بعض البنوك دفع عربون في هذه المرحلة. وقد يكون هذا الطلب شفويا، وقد يكون مكتوبا، ولكن جاء في الموسوعة: " إنه لا ينبغي أن يكون الأمر بالشراء شفاهة وإنما يلزم أن يكون طلبا مكتوبا، وأن يتأكد البنك من جدية الطلب حتى تصبح المخاطرة محسوبة، وحتى يتلافى البنك نكول الآمر بالشراء بعد طلبه ذلك " (٢) . والسلعة المطلوبة قد تكون موجودة في السوق المحلي، وقد لا تكون موجودة فيستوردها البنك من الخارج. المرحلة الثانية: المرحلة الأولى كانت مجرد مواعدة، أما هذه المرحلة الثانية فهي مرحلة إبرام العقد، وتبدأ بعد شراء البنك البضاعة وتسلمها وعرضها على العميل وقبوله، وعندئذ تتم كتابة عقد البيع وتوقيعه من الطرفين.

стр. 5671

هل هذه معاملة مستحدثة؟ هذه المعاملة ليس مستحدثة، وإنما المستحدث هو التسمية فقط، أما حقيقة المعاملة فهي معروفة في الفقه الإسلامي، ونورد فيما يلي بعض النصوص الفقهية التي تذكر هذه المعاملة وتذكر حكمها: ١- روى مالك في الموطأ أنه بلغه أن رجلا قال لرجل: " ابتع لي هذه البعير بنقد، حتى أبتاعه منك إلى أجل، فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه" (١) . ذكر مالك هذه المسألة في باب: " بيعتان في بيعة " فكأنه يرى أن ابن عمر يعتبرها داخلة فيما نهى عنه من بيعتين في بيعة. قال الباجي: " ولا يمتنع أن يوصف بذلك من وجهة أنه قد لزم مبتاعه بأجل بأكثر من الثمن، فصار قد انعقد بينهما عقد بيع تضمن بيعتين: إحداهما الأولى، وهي بالنقد، والثانية المؤجلة، وفيها مع ذلك بيع ما ليس عنده؛ لأن المبتاع بالنقد قد باع من المبتاع بالأجل البعير قبل أن يملكه، وفيها سلف وزيادة؛ لأنه يبتاع له البعير بعشرة على أن يبيعه منه بعشرين إلى أجل، يتضمن ذلك أنه سلفه عشرة في عشرين إلى أجل وهذه كلها معان تمنع جواز البيع، والعينة فيها أظهر من سائرها، والله أعلم" (٢) . وقد أورد فقهاء المالكية صورا متعددة لهذه المعاملة تحت عنوان بيع العينة، وبخاصة شراح متن خليل عند قوله: " جاز لمطلوب منه سلعة أن يشتريها ليبيعها بنماء ولو بمؤجل بعضه" (٣) .

стр. 5672

٢- قال الإمام الشافعي: " وإذا أرى الرجل الرجل السلعة فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز والذي قال: أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعا، وإن شاء تركه، وهكذا إن قال: اشتر لي متاعا، ووصفه له، أو متاعا أي متاع شئت، وأنا أربحك فيه، فكل هذا سواء، يجوز البيع الأول، ويكون هذا فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء هذا ما وصفت إن كان قال: ابتاعه وأشتريه منك بنقد، أو بدَيْن، يجوز البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز، وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ من قبل شيئين: أحدهما أنهما تبايعا قبل أن يملكه البائع، والثاني أنه على مخاطرة إنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه كذا " (١) . ٣- قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني: " قلت: أرأيت رجلًا أمر رجلا أن يشتري دارا بألف درهم وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها، فتبقى في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ويقبضها ويجيء الآمر، ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة درهم، فيقول المأمور: وهي لك بذلك، فيكون ذلك للآمر لازما، ويكون استيجابا من المأمور للمشتري، وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار، فيدفع عنه الضرر بذلك" (٢) اهـ. هذه النصوص الفقهية لثلاثة من كبار أئمة الفقه تبين لنا بوضوح أن بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تمارسه البنوك الإسلامية ليس أمرا جديدا، كما يتوهمه بعض الباحثين، وتبين لنا من هذه النصوص أن السلعة التي يطلب الآمر شراءها قد تكون معينة، وقد تكون موصوفة، وقد لا تكون معينة ولا موصوفة كما في عبارة الشافعي: " أو متاعا أي متاع شئت "، كما تبين لنا أن الآمر بالشراء قد يشتري السلعة بنقد وقد يشتريها إلى أجل، وفي الحالين يكون الشراء بربح محدد.

стр. 5673

حكم هذه المعاملة عند هؤلاء الأئمة: هذه المعاملة لا تجوز عند هؤلاء الأئمة الثلاثة إذا كانت ملزمة للطرفين، وهذا واضح من عبارة الشافعي، " وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ "، وواضح أيضا من عبارة الباجي التي شرح بها قول مالك وهي: " ولا يمتنع أن يوصف بذلك من وجهة أنه قد لزم مبتاعه بأجل بأكثر من الثمن "، أما الإمام محمد فإن إرشاده المأمور إلى استعمال خيار الشرط يدل على أنه يرى أن إلزام الآمر بالشراء غير جائز؛ لأنه لو كان جائزا لم تكن هناك حاجة إلى الحيلة. والتعليل الذي يؤخذ من أقوال هؤلاء الأئمة للحكم بعدم جواز الإلزام هو: ١- أن البيع مع الإلزام يكون قد وقع قبل أن يملك البائع السلعة، كما يقول الشافعي، والباجي. ٢-أن الإلزام يجعل هذه المعاملة داخلة في " بيعتين في بيعة" المنهي عنها " كما يقرر الباجي. ٣- أن الإلزام يجعل في المعاملة مخاطرة: " إنك إن اشتريته بكذا أربحك فيه كذا"، كما يقول الشافعي. ٤- أن في هذه المعاملة سلف وزيادة، كما يقول الباجي. وهذه كلها معان تمنع جواز البيع، والأظهر منها عندي هو المانع الأول، وهو أن الإلزام بالوعد يجعل هذه المعاملة من قبيل بيع الإنسان ما لا يملك. ويفهم من أقوال هؤلاء الأئمة الثلاثة أن هذه المعاملة تجوز إذا جعل للطرفين الخيار، أو جعل الخيار لأحدهما، وقد صرح الإمام الشافعي بهذا، بل إن الشافعي جعل الخيار للمشتري من غير شرط، وحكم بأن اشتراط الإلزام مفسد لعقد البيع بين الآمر والمأمور.

стр. 5674

الخلاف الحادث في الإلزام بالوعد في هذه المعاملة: لا أعلم خلافا معتبرا بين الفقهاء المعاصرين في جواز بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا جعل للطرفين أو لأحدهما الخيار وإنما الخلاف بينهم فيما إذا وقع هذا البيع على الإلزام من أول الأمر، بمعنى أن البنك ملزم بالبيع مرابحة للآمر بالشراء، والآمر بالشراء ملزم بتنفيذ وعده بالشراء، عندما يقدم له البنك السلعة المطلوبة. وقد ظهر أول اختلاف بين الفقهاء المعاصرين عندما بحث هذا الموضوع في مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي ١٣٩٩هـ، ١٩٧٩م، وكان رأي الأكثرية جواز الإلزام بالوعد في هذه المعاملة، ولهذا جاءت توصية المؤتمر على النحو التالي: يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعدا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعدا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع، بعد الشراء طبقا لذلك الشرط. إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقا لأحكام المذهب المالكي، وملزم للطرفين ديانة طبقا لأحكام المذاهب الأخرى، وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأمكن للقضاء التدخل فيه. تحتاج صيغ العقود في هذا التعامل إلى دقة شرعية فنية، وقد يحتاج الإلزام القانوني بها في بعض الدول الإسلامية إلى إصدار قانون بذلك. (١) انتهت التوصية.

стр. 5675

وبحث هذا الموضوع مرة أخرى في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني المنعقد بالكويت في جمادى الآخرة ١٤٠٣هـ – مارس ١٩٨٣م، وأصدر فيه المؤتمر التوصية التالية: ٨- يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء، بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها، ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق هو أمر جائز شرعا، طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي. وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزما للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وأن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعا، وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه. وكانت التوصية الخاصة بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء بالإجماع، أما التوصية الخاصة بجواز الإلزام بالوعد فكانت رأي الأكثرية. وبحث هذا الموضوع مرة ثالثة في ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي المنعقدة بالمدينة المنورة في شهر رمضان ١٤٠٣هـ – يونيو ١٩٨٣م، وجاءت الفتوى على النحو التالي: " وأما الصورة المرابحة للآمر بالشراء فإن اللجنة تؤكد ما ورد في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي المنعقد في الكويت مع ما تضمنت من تحفظات بالنسبة للإلزام". وقد اختلف العمل في البنوك الإسلامية بالنسبة لإلزام الآمر بوعده وعدمه، تبعا لاختلاف فتاوى هيئات الرقابة الشرعية للبنوك، والعمل في كل البنوك الإسلامية في السودان على عدم الإلزام، ما عدا بنكا واحد، وتضمن بعض البنوك نصا صريحا في العقد يعطي الآمر الخيار في الشراء وعدمه، عندما يقدم له البنك السلعة المطلوبة. والصواب عندي هو عدم إلزام الآمر بالشراء للأدلة التي ذكرها المتقدمون من الفقهاء، وأقواها أن بيع المرابحة للآمر بالشراء مع إلزام الأمر بوعده يؤدي إلى بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأنه لا فرق بين أن يقول شخص لآخر: بعتك سلعة كذا بمبلغ كذا، والسلعة ليست عنده، وبين أن يقول شخص لآخر: اشتر سلعة كذا، وأنا ملتزم بشرائها منك بمبلغ كذا وبيع الإنسان ما ليس عنده منهي عنه بحديث: " لا تبع ما ليس عندك" (١) ولا يغير من هذه الحقيقة كون البنك والآمر بالشراء سينشئان عقد بيع من جديد بعد شراء البنك السلعة وتقديمها للآمر، ما دام كل واحد منهما ملزما بإنشاء البيع على الصورة التي تضمنها الوعد.
следующие страницы →