وبناء على هذا الرأي يمكن القول بأن تعليق عقد البيع على شرط ملائم له ويحقق غرضًا مشروعًا جائزًا، ويصح هذا التعليق ما دام الطرفان قد اتفقا عليه وصدرت الصيغة باتة في مدلوها (أجرتك هذه السلعة بأجرة هي كذا، على أنك إذا سددت الأجرة بانتظام حتى نهاية سنة كذا أو شهر كذا بعتك هذه السلعة المؤجرة بثمن هو كذا، ويقول الآخر: قبلت ذلك) فيجتمع عقدان: عقد إجارة ناجز- وعقد بيع معلق على شرط هو (الانتظام في سداد الأجرة وهي كذا في مدة هي كذا) وهو تعليق وليس إضافة إلى أجل، لأن الأجل المتفق عليه قد وضع في قالب شرط وهي سداد الأجرة في خلال هذه المدة.
هل يصح أن يكون ثمن المبيع رمزيًّا؟
أولًا: أن ثمن المبيع في الفقه الإسلامي لا بد أن يكون مقاربًا لقيمة السلعة الحقيقي، وذلك لأن البيع هو معاوضة مال بمال، ومعاوضة المال بالمال معناها أن يأخذ البائع من المشتري عوض هذه السلعة وهو الثمن- أو بلفظ آخر- قيمتها، أو ما يقارب ذلك في الأسواق- وأن يأخذ المشتري السلعة من البائع عوض ما دفعه من ثمن - أو ما يقارب ذلك- حيث يغتفر في الفقه الإسلامي التفاوت اليسير، ولكن المطلوب هو تحقيق العدل بين العوضين، والعدل أن تكون السلعة معادلة للثمن الذي حدد لها، وأن يكون الثمن معادلًا للسلعة التي عينت له.
يقول ابن رشد في تحقيق هذا المعنى وتحريره:
(إن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي، ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة جعل الدينار والدرهم لتقويمها –أعني تقديرها- ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات- أعني غير الموزونة والمكيلة- العدل فيها إنما هو في وجود النسبة- أعني أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة الشيء الآخر إلى جنسه، مثال ذلك أن العدل إذا باع إنسان فرس بثياب هو أن تكون نسبة قيمة ذلك الفرس إلى الأفراس هي نسبة قيمة ذلك الثوب إلى الثياب، فإن كان ذلك الفرس قيمته خمسون فيجب أن تكون تلك الثياب قيمتها خمسون، فليكن مثلًا الذي يساوي هذا القدر عددها هو عشرة أثواب، فإذًا اختلاف هذه المبيعات بعضها ببعض في العدد واجب في المعاملة العدلة، أعني أن يكون عديل فرس عشرة أثواب في المثل) .
стр. 7072
ويقول الغزالي عند الحديث عن بيع التعاطي (للبائع أن يتملك الثمن الذي قبضه إن ساوى قيمة ما دفعه، لأنه مستحق ظفر بمثل حقه) .
ويدل على هذا أيضًا:
ما شرع من خيارات – فإنها أجيزت للاطمئنان على أنه لم يحدث غبن ولا ظلم في ميزان العدل الواجب تطبيقه في المعاوضات.
فخيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وغير ذلك من الخيارات التي وضعها المشرع الحكيم لنا أمارة على أنه يجب أن يكون العدل أساسًا في انتقال الأموال معاوضة بجانب ما قرره من ضرورة وقوع التراضي على نقلها من ذمة إلى ذمة ...
ولا يأتي في هذه الصورة البحث حول أن المتعاقدين لهما الحرية التامة في أن يحددا الثمن الذي يريانه، وإن كان قليلًا جدًّا، لأن اقتران عقد الإجارة - مع تحديد الأجرة المرتفعة كثيرًا عن أجرة المثل خلال المدة التي اشترط استمرار الإجارة فيها بهذه الأجرة- بعقد البيع في نهاية هذه المدة وبعد سداد هذه الأقساط الإيجارية – وجعل ثمن المبيع رمزيًّا يفصح بصورة واضحة عن أن المقصود هو عقد بيع من أول الأمر، وليس عقد إجارة ثم عقد بيع، وأن كل ما دفع هو لثمن الرمزي المشار إليه-.
وقد يؤيد هذا أن العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، ويقول الفقهاء تطبيقًا لهذه القاعدة: (إن الكفالة بشرط براءة الأصل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة الأصل كفالة، ولو قال: أعتق عبدك عني بألف كان بيعًا للمعنى ... وينعقد البيع بلفظ الهبة مع ذكر البدل ... وتنعقد الإجارة بلفظ الهبة والتمليك ... (١) كما في الخانية، وينعقد السلم بلفظ لبيع كعكسه) ... ولو شرط رب المال للمضارب كل الربح كان المال قرضًا، ولو شرط لرب المال كان بضاعة.
стр. 7073
وبناءً على هذا لا يعتبر الثمن الرمزي- الذي حدده المتعاقدان في هذه الصورة التي معنا – ثمنًا حقيقيًّا للسلعة- حتى يمكن القول بأنه قد اجتمع في هذا العقد عقدان: عقد إجارة - وعقد بيع - ولكن هذا الثمن الرمزي هو جزء من الثمن وباقي الثمن هو ما يدفعه أو دفعه المستأجر (المشتري) من أقساط ظهرت في صورة أجرة عن كل فترة من الفترات المحددة لانتهاء عقد الإجارة. ولذلك كيَّفه فقهاء القانون الوضعي بأنه عقد بيع بثمن مقسط، إلا أن تكييفه بذلك في الفقه الإسلامي يحول دونه صراحة الصيغة في أنه عقد إجارة، أريدت أحكامه وآثاره خلال هذه المدة ولم يرد عقد البيع بآثاره وأحكامه إلا بعد انتهاء مدة الإجارة والقيام بالالتزامات التي أوجبها العقد ومنها دفع جميع الأقساط الإيجارية.
لذلك فإن هذا العقد يمكن أن يصاغ بديل له على الوجه الذي بيناه في الصورة المتقدمة وهي (عقد بيع يشترط فيه عدم التصرف في المبيع بأي نوع من أنواع التصرفات- معاوضة أو تبرعًا- حتى يتم سداد جميع الأقساط (الثمن) على الوجه المتفق عليه) .
الصورة الثالثة- حدد فيها ثمنًا حقيقيًّا للمبيع بيعًا إيجاريًّا:
وقد سبق إيضاحها، وهي نفس الصورة الثانية إلا أنه قد حدد هنا- في هذه الصورة – ثمن حقيقي للسلعة المؤجرة يدفعه المستأجر- إذا رغب في شرائها- بعد انتهاء سداد جميع الأقساط الإيجارية المتفق عليها. وصيغتها:
(أجرتك هذه السلعة بأجرة هي كذا لمدة هي كذا، على أنك إذا سددت جميع هذه الأقساط الإيجارية خلال هذه المدة بعتك هذه السلعة بثمن هو كذا ... ويقول الآخر: قبلت الإيجار على هذا ...) .
تكييف هذا العقد:
هذا العقد أيضًا هو عقد احتوى على عقد الإجارة، وعقد البيع. على النهج الذي سبق إيضاحه في الصورة الثانية فهو عقد إجارة ناجز مقترن بشرط فاسخ ... وعقد بيع معلق على شرط هو سداد هذه الأقساط الإيجارية خلال المدة المحددة لعقد الإجارة.
وهذا البيع قد حدد فيه ثمن حقيقي للمبيع يدفعه المستأجر (المشتري) بعد انتهاء مدة الإجارة، وبذلك تصبح السلعة المؤجرة (مبيعة) ومملوكة للمستأجر (المشتري) منفعة وذاتًا، وله عليها حق المالك على ملكه من الانتفاع بها والتصرف فيها بالتصرفات المشروعة عند سداد هذا الثمن المتفق عليه.
стр. 7074
أما اجتماع عقدين عقد البيع على هذا الشرط يمكن القول بجوازه –كما أشرنا آنفًا-.
وأما تكييف هذا الاتفاق فلا شك أنه هنا يعتبر في بدايته عقد إجازة تترتب عليه كل أحكام هذا العقد وآثاره التي قررها الشرع الحكيم.
وأنه بعد انتهاء عقد الإجارة يبدأ عقد البيع المعلق على تحقق الشرط الذي اقترن بعقد الإجارة، وهو هنا في هذه الصورة لا يحتاج إلى صيغة جديدة ما دام قد تم بقوله (بعت) ، وقول الآخر: (قبلت) وما في معناهما مما يدل على الجزم، ولم يرد في الصيغة ما يدل على أنه وعد بالبيع أو وعد بالشراء أو وعد بهما من الطرفين.
وهذه الصورة يمكن بناء على ذلك القول بصحتها في الفقه الإسلامي.
جاء في كشاف القناع ٢/٢٩: (فإن قال بعتك داري هذه وأجرتكها شهرًا بألف فالكل باطل، لأن من ملك الرقبة ملك المنافع، فلا يصح أن يؤاجر منفعة ملكها عليه) .
قلت: وللصحة وجه بأن تكون مستثناة من البيع. قاله الشيخ التقي في شرح المحرر.
الصورة الرابعة – اقتران الإجارة بوعد بالبيع:
الصورتان السابقتان كانت الصيغة فيهما تحتوي على صيغة بيع بات، (بعت واشتريت) ولكن قد تقترن الإجارة بوعد بالبيع أو بالشراء، أو وعد بهما من الطرفين (وعد تبادلي) .
وصيغتها:
(أجرتك هذه السلعة بأجرة هي كذا لمدة هي كذا، على أنك إذا سددت جميع هذه الأقساط الإيجارية خلال هذه المدة أبيعك أو سأبيعك، أو أعدك ببيعها لك بثمن هو كذا إذا رغبت ...
وقال الآخر قبلت) .
والذي يختلف معنا هنا عما سبق إيضاحه، هو أنه قد اقترن في هذه الصورة مع عقد الإجارة وعد بالبيع، أو الشراء أو وعد بهما من الطرفين ...
ونظرًا لأن الفقهاء قد اختلفوا في آثار الوعد، هل هو ملزم أو غير ملزم؟ فإننا نوضح آراءهم فيما يلي:
стр. 7075
الوعد وأثره (١)
اختلف الفقهاء في كون الوعد ملزمًا أو غير ملزم إلى رأيين؟:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء (الحنفية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية وجمهور من الصحابة والتابعين) أن الوعد غير ملزم قضاء في جميع الأحوال، وإن كان مأمورًا بالوفاء به ديانة، لأنه تفضل وإحسان، ويقول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ، [الآية ٩١ من سورة التوبة] .
• الرأي الثاني: وهو رأي المالكية، ولهم في إلزام الوعد وعدم إلزامه أقوال أربعة؟
القول الأول: أن الوعد يكون ملزمًا إذا دخل الموعود بسبب هذه العدة في شيء، وهو قول مالك وابن القاسم وقول سحنون (وهذا هو المشهور) .
القول الثاني: أن الوعد يكون ملزمًا إذا كان على سبب، وإن لم يدخل الموعود فيه فعلًا، وإذا لم يكن على سبب فلا يكون ملزمًا- وهو قول لمالك، وأصبغ من علماء المالكية.
القول الثالث: لا يقضي بالعدة مطلقًا على أية حال وهو الرأي الأول الذي ذكرناه آنفًا، وهو من سماع أشهب من علماء المالكية.
القول الرابع: قال بعض المالكية يقضي بالوعد مطلقًا، وإلى هذا ذهب ابن شبرمة (٢) ,وصححه القرافي في فروقه: ٤/٢٤.
وذكر الحطاب أن القولين الأخيرين ضعيفان جدًّا عند المالكية.
وقد استدل من قال بالقضاء بالعدة مطلقًا (أي أنها ملزمة) بقول الله ﵎: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ، [الآية ٣ من سورة الصف] .
وقول الرسول ﷺ : ((أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) ، رواه مسلم من طريق عبد الله بن عمر ﵄.
стр. 7076
وروي عن أبي هريرة بلفظ: ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) ، رواه مسلم أيضًا.
النتيجة:
إن الذي يرجح لدينا هو الرأي الأول الذي يقضي بأن الوعد ملزم إذا دخل الموعود بسبب العدة في شيء، ومن ثم فإنه يقضي به أو يجب الوفاء به قضاء وديانة، للأدلة التي استدل بها من الكتاب والسنة. والله أعلم.
وبناء على هذا الرأي يكون الوعد الصادر من المالك (المؤجر) ببيع هذه السلعة (المؤجرة) للمستأجر- إذا رغب في ذلك، ودفع ثمنًا لها هو كذا- يكون وعدًا ملزمًا للمالك (المؤجر) ببيعها للمستأجر لها، بعد تحقق الشرط، وهو استيفاء جميع الأقساط الإيجارية (المتفق عليها) وإبداء رغبته في شرائها وتقديم الثمن الذي اتفق عليه.
وهنا تحتاج إلى صيغة جديدة في هذا الوقت الذي تحقق فيه كل ذلك من شرط، وإبداء رغبة، وتقديم الثمن المحدد.
وهذا إذا كان الوعد صادر من المالك.
أما إذا كان قد صدر منهما بأن وعد المالك (المؤجر) ببيع السلعة للمستأجر ووعد المستأجر المالك (المؤجر) بشراء هذه السلعة إذا تحقق الشرط وهو الوفاء بكل الأقساط الإيجارية المتفق عليها خلال المدة المحددة، وحدد الثمن.
فحينئذٍ يكون كل منهما ملزمًا بإجراء هذا البيع على الوضع الذي اتفق عليه.
ولا بد من صيغة جديدة هنا أيضًا، لأن العقد لا ينعقد في الفقه الإسلامي إلا بصيغة باتة دالة على أنه أراد البيع في الحال، والآخر أراد الشراء في الحال، ولذلك كانت صيغة الماضي أوكد صيغة في الدلالة على إرادة العقد في الحال- ومثلها الجملة الاسمية-، أما صيغة المضارع المترددة بين الحال والاستقبال فتحتاج إلى قرينة تخلصها للحال فقط، وإلا كانت استدعاء للعقد، وتمهيد له، أو وعدًا- كما أنها لا تصلح إطلاقًا لإبرام العقد إذا اقترن بالمضارع السين وسوف، لأنها تمحضت للاستقبال، ونحن نريد البيع في الحال. فلا تصلح لإبرام العقد بها.
стр. 7077
والصيغة التي معنا هي وعد بالبيع ووعد بالشراء فلا بد لإتمام هذا البيع من صيغة لعقد البيع تصدر عند الانتهاء من تحقيق الشرط المعلق عليه الوعد بالبيع وذلك لعدم وجود صيغة له من قبل، وإنما الموجود هو وعد به فقط...
وأرى أنه عند اقتران عقد الإجارة بوعد بعقد البيع يجب التفرقة بين الوعد الملزم للمشتري بالشراء، والوعد الملزم للبائع بالبيع، أو الملزم لهما؟.
فإنه في حالة ما إذا كان الوعد (تبادليًّا) ملزمًا لهما بإجراء عقد البيع، فإنه في هذه الحالة يجب أن نعود إلى معرفة هل الثمن حقيقي أو رمزي، ومن ثم نقضي بأن العقد بيع وليس إيجار مقترنًا بوعد بالبيع، لأنه ما دام كل منهما قد ألزم بإجراء البيع بمقتضى هذا الوعد، فيكون مثله كمثل ما إذا كان قد اقترن عقد الإجارة بعقد بيع معلق على شرط وهو سداد الأقساط الإيجارية في المدة المحددة، ومن ثم فما قلناه هناك على هذا العقد نقوله هنا.
وأما إذا كان الوعد صادرًا من المستأجر بشراء هذه السلعة المؤجرة له بعد سداد هذه الأقساط الإيجارية في المدة المحددة بعد دفع ثمن معين، ولم يصدر وعد من المؤجر (المالك) ببيعها له (وعد من أحد الطرفين دون الآخر) فمقتضى هذا الوعد أن يكون المالك (المؤجر) مخير في نهاية المدة بين أن يطالبه بالشراء أو لا يطالبه، فالنظر إلى الثمن في هذه الحالة والبحث في أنه صوري أو حقيقي لا يؤثر في أن العقد هو عقد إيجار مقترن بوعد انتهاء الإجارة ولا شك أن الثمن- في الوعد بالبيع- إذا كان رمزيًّا فإن المؤجر (المالك) لا يفكر غالبًا- إن لم نقل قطعًا- في مطالبة المستأجر بالوفاء بوعده (بالشراء) ، لأن الثمن الحقيقي أربح له، والناس يحرصون غالبًا على ما فيه نفعهم.
ومن هنا كانت القرينة دالة على أنهما أرادا الإجارة.
وإن كان الثمن حقيقيًّا، فحينئذ يكون عقد إجارة أيضًا، مدفوعًا بوعد بعقد بيع، والثمن حقيقي فلا أثر له على عقد الإجارة.
أما إذا كان الوعد صادرًا فقط من المؤجر ببيع السلعة المؤجرة بثمن، فإنه يبحث في الثمن المحدد لها أيضا، فإن كان الثمن رمزيًّا، فحينئذٍ سيطالب المستأجر المؤجر ببيع السلعة له قطعًا وفاءً بوعده، لأن ترك ذلك لا يقع فيه إلا من سفه تصرفه وقصر نظره ...، ومن ثم نلزم المؤجر ببيعها له بهذا الثمن. وأرى أن هذه الصورة تأخذ حكم اقتران الإجارة بعقد بيع بثمن رمزي- وقد سبق بيانه.
وإن كان الثمن حقيقيًّا – أو بسعر السوق - فحينئذٍ تأخذ هذه الصورة حكم اقتران عقد الإجارة بعقد بيع بثمن حقيقي- وقد سبق بيانه.
стр. 7078
الصورة الخامسة- اقتران عقد الإجارة بوعد من المؤجر للمستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة:
(بأن يبيع له السلعة المؤجرة له بثمن – محدد أو حسب سعر السوق - أو مدة الإجارة لمدة أخرى، أو إعادة العين المؤجرة إلى المالك- أي أن المستأجر يكون بالخيار بين هذه الأمور الثلاثة، أيها يختار يجاب له) (١) .
ولقد بين فقهاء القانون أن هذا العقد يحتوي على:
١- عقد توريد: طرفاه: الشركة المنتجة للسلعة (المورد) وشركة الليزنج المشترية لهذه السلعة منها التي تصبح مالكة لها.
٢- عقد التأجير: طرفاه: العميل (المستأجر) لهذه السلعة، والمالك: وهو شركة الليزنج.
٣- وعد من مؤسسة الليزنج للعميل (المستأجر) بأنه في نهاية مدة الإجارة يكون له الحق في اختيار واحد من ثلاثة أمور:
- شراء السلعة بثمن يراعى في تحديده المبالغ التي سبق أن دفعها أقساط إيجارية.
- مد مدة الإجارة لفترة أو فترات أخرى.
- إعادة السلعة (المؤجرة) إلى مالكها (مؤسسة الليزنج) .
ويلاحظ أنه في هذا العقد تكون مدة الإجارة طويلة نسبي حتى تتمكن المؤسسة المالية من حصولها على المبالغ التي أنفقتها على التمويل.
стр. 7079
كما أن ثمن المبيع في نهاية المدة- إذا اختار المستأجر الشراء - يمكن أن يحدد في بداية عقد الإجارة أو بأسعار السوق السائدة عند نهاية العقد - مع مراعاة القيمة الاستردادية للشيء المؤجر.
كما يلاحظ أن مؤسسة الليزنج قد توكل العميل في شراء الأشياء التي يرغب في استئجارها من الشركة الموردة طبقًا للمواصفات التي تم الاتفاق عليها نوعًا وكمًّا وصفة.
كما يلاحظ أن مؤسسة الليزنج تظل مالكة للسلعة المؤجرة، وأن المستأجر يلتزم بعدم التصرف فيها كما يتحمل أيضًا بموجب هذا العقد، تكاليف الصيانة والإصلاح والتأمين وغيرها.
النظر في هذا العقد على ضوء قواعد الفقه الإسلامي:
هذا العقد تصاحبه الأمور التالية:
أولًا: أنه تعاقد على سلعة غير مملوكة للمؤسسة التي تؤجرها للعميل- وقت التعاقد-.
وقد سبق أن بينا أن هذا التصرف لا يصح في الفقه الإسلامي، ومن ثم يجب أن تكون السلعة مملوكة للمؤسسة وقت إبرام عقد التأجير مع العميل، ومقبوضة على الوجه الذي رجحنا الأخذ به.
ثانيا: أن هذا العقد قد اشتمل على أكثر من عقد بصورته التي بينها فقهاء القانون.
وعد بالتأجير- عقد توكيل- عقد توريد - عقد تأجير- وعد بالبيع أو مد مدة الإجارة ... ثم عقد بيع - أو إجارة أخرى ... في النهاية.
أو بالاختصار (وعد بالتأجير - عقد إجارة - وعد بالبيع أو مد مدة الإجارة ...، ثم عقد بيع، أو إجارة أخرى بمقتضى هذا الوعد) .
وإن اجتماع مثل هذه العقود وهذه الوعود قد تؤثر على الوفاء بمتطلبات أو موجبات هذه التصرفات التي اتفق عليها. ولكن إذا أخذنا برأي الفقه الإسلامي في أن تكون السلعة مملوكة مقبوضة للمؤسسة وقت التعاقد فإننا بذلك نطوي ونختصر بعض من التصرفات التي تجتمع في هذا العقد حسب صورته القانونية، وهي: (عقد التوكيل، وعقد التوريد، والوعد بالإجارة ...) .
ونصبح حينئذٍ أمام عقد إجارة مقترنة بوعد بالبيع بثمن محدد أو حسب سعر السوق، أو مد مدة الإجارة، أو إعادة السلعة إلى المؤسسة على الوجه الذي بيناه آنفًا.
وبناءً على ذلك لا يكون هناك محظور في هذا التصرف لأنه يتساوى مع صورة الإجارة المقترنة بوعد بالبيع بثمن حقيقي ...، بل إنها هنا تكون أكثر مرونة بالنسبة للمستأجر، إذ تعطيه الحق في اختيار واحد من أمور ثلاثة بعد انتهاء مدة الإجارة:
(شراء السلعة ... مد مدة الإجارة ... إعادة السلعة إلى المال (المؤسسة) .
ومن ثم فلا مانع من صحة هذه الصورة إذا ما تم تملك السلعة (المراد تأجيرها) للمؤسسة قبل إبرام هذا العقد، وقبضها على الوجه الذي سبق أن رجحنا الأخذ به في موضعه من البحث.
стр. 7080
النتائج
ونجعل هذه النتائج في قسمين:
القسم الأول
القواعد العامة التي تحكم مسيرة هذا النوع من التعاقد:
أولًا: أنه يجب أن تكون السلعة المتفق على إجارتها أو بيعها مملوكة للمؤجر أو للبائع وقت التعاقد.
ثانيًا: أنه يجب أن تكون مقبوضة- ويكفي في مثل هذه السلع التي تأخذ حكم العقار في % % % كونها يؤمن فيها الهلاك غالبًا- أن يكون قبضها بالتخلية بين المبيع والمشتري بحيث يتمكن من الانتفاع به والتصرف فيه.
ثالثًا: أنه يجوز أن يجتمع عقد الإجارة مع عقد البيع على رأي المالكية والحنابلة والشافعية (إذا كانا صفقة واحدة) وابن تيمية والإمامية وحينئذٍ يراعى تطبيق أحكام كل عقد عليه.
رابعًا: أنه يجوز اشتراط شرط صحيح أو أكثر في العقد، والشرط الصحيح هو الذي يحقق مصلحة العقد أو مصلحة المتعاقدين، وألا يناقض المقصود الأصلي من العقد، ولا يخالف نص شرعيًّا من كتاب أو سنة، ولا يؤدي إلى محظور شرعي، ولا إلى غرر، ولا إلى ما يستحيل الوفاء به.
خامسًا: أنه يجوز تعليق عقود المعاوضات المالية على شرط ملائم للعقد أخذًا برأي للإمام أحمد، وابن تيمية وعقود التبرعات أخذًا برأي المالكية وبعض الحنفية: إذا كان الشرط ملائم (متعارف) ، ...
سادسًا: أن الوعد بالبيع أو الإجارة أو غيرهما من العقود والتصرفات يكون ملزمًا لمن صدر منه، إذا كان الموعود قد دخل بسبب هذا الوعد في شيء، أخذ بالرأي المشهور عند المالكية.
стр. 7081
القسم الثاني
ما نرجح الأخذ به في صورة الإيجار المنتهي بالتمليك:
الصورة الأولى: (إجارة تنتهي بالتمليك دون ثمن للسعة عند تملكها سوى الأقساط الإيجارية) .
وأرى أنه يمكن أن يؤخذ بصورة بديلة لها تحقق الغرض المطلوب، وهي أن يعقد العقد بيع بشرط ألا يتصرف المشتري بأي تصرف ناقل للملكية- معاوضة أو تبرع- حتى يتم سداد جميع الثمن المؤجل.
أو أن تشتمل صيغة الإجارة على هبة السلعة بعد انتهاء مدة الإجارة وسداد الأجرة المتفق عليها، ويقبل الطرف الآخر، فتكون هبة معلقة على شرط- على القول بجواز تعليقها- أو أن يعد المالك المستأجر بأن يهبه السلعة بعد انتهاء مدة الإجارة وسداد الأقساط الإيجارية المستحقة –على القول بأن الوعد ملزم-.
الصورة الثانية: (اقتران الإجارة ببيع الشيء المؤجر بثمن رمزي بعد الانتهاء من سداد الأقساط الإيجارية) ويمكن أيضا أن يوضع لها الصورة البديلة للصورة الأولى.
الصورة الثالثة: اقتران الإجارة ببيع الشيء المؤجر بثمن حقيقي بعد الانتهاء من سداد جميع الأقساط الإيجارية في المدة المحددة لها.
وهذه الصورة أرجح القول بصحتها.
الصورة الرابعة: اقتران الإجارة بوعد البيع ... فإن كان الوعد صادرًا من الجانبين أخذت هذه الصورة حكم الصورة الثانية، إذا حدد للمبيع ثمن رمزي وحكم الصورة الثالثة إذا حدد للبيع ثمن حقيقي.
وإن كان الوعد صادرًا من المستأجر فقط- دون المؤجر- بشراء السلعة بثمن معين رمزي أو حقيقي فإنني أرى أن عقد الإجارة صحيح، وأن الوعد ملزم للمستأجر بالشراء إذا رغب المؤجر، والبحث في الثمن هنا- رمزيًّا أو حقيقيًّا لا يؤثر على ذلك كما أوضحنا في موطنه- لأن الخيار للمالك وهو أدرى بما ينفعه.
وإن كان الوعد صادر من المؤجر ببيع السلعة المؤجرة للمستأجر بثمن محدد، فإن كان الثمن رمزيًّا، فإن هذه الصورة تأخذ حكم اقتران الإجارة بعقد بيع بثمن رمزي- المبينة آنفًا.
стр. 7082
وإن كان الثمن حقيقيًّا- أو بسعر السوق - فإنها تأخذ حكم اقتران الإجارة بعقد بيع بثمن حقيقي في الصورة المبينة آنفًا.
الصورة الخامسة: اقتران الإجارة بوعد من المؤجر للمستأجر ببيع السلعة المؤجرة له بعد انتهاء مدة الإجارة أو مد مدة الإجارة لفترة أخرى أو إعادة العين إلى مالكها.
هذه الصورة أرجح القول بصحتها.
هذا وفي كل الصيغ التي تحتوي على وعد بالبيع أو الشراء أو بهما معًا، لا بد من صيغة جديدة عند انتهاء مدة الإجارة المتفق عليها؛ لأن الوعد لا يصلح أن يكون إيجابًا أو قبولًًا، بل لا بد من صيغة جازمة للعقد الموعود به.
فإذا تخلف الشخص عن إبرام العقد باشره القاضي، أنه ملزم بمقتضى وعده.
وختامًا: أرجو الله تعالى أن تكون هذه الدراسة مشمولة برضا الله تعالى وأن يغفر لنا ما قد نكون وقعنا فيه من زلل أو خطأ أو قصور، ونسأله جل شأنه أن يعيننا جميعًا على ما حملنا، وأن يلهمنا الصواب ... إنه نعم المسؤول ونعم المجيب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن نهج نهجهم بإحسان إلى يوم الدين.
أ. د حسن علي الشاذلي.
стр. 7083
الإيجار الذي ينتهي بالتمليك
إعداد
الشيخ عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيه
أستاذ بكلية الآداب
بجامعة الملك عبد العزيز – بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، يتصرف في خلقه بغالبات الأقدار بدون وزير ولا معين ولا مستشار، ألزم بشريعته تنفيذًا لحكمته في الابتلاء والاختيار، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله وصحبه الأخيار.
وبعد فهذا بحث يتعلق بإيجار البيع وبيع الإيجار، مسألة عمت بها البلوى في الأقطار، فراجعت هذه المسألة على اشتغال وركوب أسفار، إلا أني سلكت في البحث عنها الأنجاد والأغوار قصد إخراجها عن قاعدة الغرر والخطار، ونفي الضرر والضرار عن طريق إجارة مع بيع بخيار، أو وعد لاحق ببيع أو هبة بعد تمام عقد الإيجار، على صعوبة في الإيراد ووعورة في الإصدار، آثرت في بحثي هذا الاختصار ومحاولة القرب من أقوال ذوي الاستبصار معترف بالقصور عن شأو الاجتهاد والاختيار.
سائل الله جل وعلا وهو الكريم الغفار أن يوفقنا فيما أردنا ويسلمنا من العثار، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7084
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وأزواجه أجمعين، وبعد:
استجابة لطلب الأمين العام لمجمع الفقه أردت أن أقدم بحثا مختصرا حول ما يسمى بالإيجار الذي ينتهي بالتمليك، وهو العنوان الذي اقترحه فضيلته لهذا البحث، وهذا الموضوع كما يستشف من العنوان هو موضوع جديد وعقد حديث نشأ وترعرع في ظل القانون الوضعي، ومن المعلوم أن سنة التطور في هذا الزمان قد جرت، بأن أقطارنا الإسلامية أصبحت تستورد السلع المصنوعة من العالم الآخر، وقد تستورد معها التكنولوجيا لتصنيع هذه السلع محليا وهو أمر مرغوب فيه، إلا أنها قد تستورد مع هذه السلع أحيانا كثيرة الأنظمة وطرق التعامل والتبادل ووسائل التقاضي والتراضي حيث تكون إرادة الطرفين قانونا للعقد ورضاؤهما أساس الحكم الذي تصدر عنه القوانين والذي يرجع إليه القضاة دون نظر إلى أصول خلقية، وقواعد ضابطة لا يمكن الخروج عنها، فحادوا بذلك عن الصراط المستقيم واختلت لديهم موازين العدل التي لا تقوم إلا على الأنظمة الإلهية التي لا يطمع في الاستلهام بمنهجها والاقتباس من نورها إلا من سلك سبيل سيدنا محمد ﷺ ، وأخذ من الكتاب والسنة بقسط وافر، وأقام ميزان على هديهما عن طريق القياس الصحيح طبقا لأصوله ومقاييسه التي وضعها وتواضع عليها سلف هذه الأمة، وهناك شرط آخر يغفله الكثيرون ألا وهو أن يكون القائس عامل بما علم متبع للسنة النبوية إذ لا يقوم على هذا الميزان من حاد عن السبل وجارت به الطرق وارتضى دينا غير دين الإسلام، وقانونا يخالف شريعة سيد الأنام، فعميت عليه الأنباء، ولعبت بعقله الأهواء، لهذا فإن مسألتنا من هذه المسائل الموجودة في غير بيئة هذا الميزان وليس معنى هذا أن نرفضها سلفا ونصدف عن جوهرها ونتخذه صدفا قبل أن نعرضه على ميزان الصدق الذي أشرنا إليه آنفًا، وعليه فسنفصل البحث فيها أولا إلى مقدمة في تعريف هذا العقد تعريف يشمل الجنس والفصل والخاصة وتكييفه من الناحية القانونية معتمدين في هذا على نقل أهل هذا الفن تاركين لهم الكلمة في تعريفه وتكييفه وتصنيفه، ثم نصنف بحثنا في مسائل تنبني على الفروض المختلفة تبين وجهة النظر الفقهية باختصار غير متوسعين في غرض القضية، ثم نختم بخاتمة نقترح فيها ما يمكن أن يكون بديلا أو أن يكون صيغة مقبولة من الناحية الشرعية.
стр. 7085
مقدمة في تكييف العقد
(الإيجار الذي ينتهي بالتمليك) :
أحد الأسماء الذي أطلقه المترجمون والقانونيون العرب على العقد المعروف في القانون الفرنسي باسم Vente Location، ومعناها الحرفي-كما هو واضح- إيجار بيعي لأنه اسم مركب من كلمتين، وقد تطور هذا العقد وتعددت الأسماء طبقا لهذا التطور، فقد كان أولا يعرف باسم البيع بالتقسيط والاحتفاظ بالملكية حتى استيفاء الثمن Vente Atem? Cement، ثم تطور إلى إيجار ساتر للبيع، ثم تطور إلى ما سموه بالإيجار المقترن بوعد بالبيع، وهذه الأسماء التي كان موضوعها في الأصل متحد، إلا أنها ليست اعتباطي وليست من باب المترادفات التي لا تخدم أي غرض، بل تعدد الأسماء كما يشير إليه القانوني السنهوري في شرحه للقانون المدني ناشئ عن تدرج نظرة المشرع لهذا العقد في محاولة لترجمة الهدف الذي يرمي إليه، والمصلحة التي يحرص على حمايتها وهي مصلحة البائع كما هو واضح فهو يرمي إلى الاستيثاق من أن المشتري سيفي بالثمن كاملا في الوقت المحدد. وفي مقابل ذلك يشترط البائع أن تبقى ملكيته قائمة بشكل ما حتى وفاء المشتري بالتزامه بحيث يكون له الحق أولًا: في منع المشتري من تفويت الذات موضع العقد، ثانيا: أن يكون له الحق في استرجاع الذات عند عدم الوفاء في الوقت المحدد، ثالثا: أن يكون له الحق في الحصول على مقابل انتفاع المشتري بالذات في حالة عدم البيع، ونقتطف المقتطفات التالية بنصها من كتاب السنهوري الوسيط: ص١٧٣، ١٨٢.
البيع بالتقسيط مع الاحتفاظ بالملكية
حتى استيفاء الثمن، أو الإيجار الساتر للبيع
النصوص القانونية:
تنص المادة (٤٣٠) من التقنين المدني على ما يأتي:
١- إذا كان البيع مؤجل الثمن، جاز للبائع أن يشترط أن يكون نقل الملكية إلى المشتري موقوف على استيفاء الثمن كله ولو تم تسليم المبيع.
٢- فإذا كان الثمن يدفع أقساطا، جاز للمتعاقدين أن يتفقا على أن يستبقي البائع جزءا منه تعويضا له عن فسخ البيع إذا لم توفَّ جميع الأقساط، ومع ذلك يجوز للقاضي تبعا للظروف أن يخفض التعويض المتفق عليه وفقا للفقرة الثانية من المادة (٢٢٤) .
стр. 7086
٣- فإذا ما وفيت الأقساط جميعا، فإن انتقال الملكية إلى المشتري يعتبر مستندا إلى وقت البيع.
٤- وتسري أحكام الفقرات الثلاث السابقة ولو سمى المتعاقدان البيع إيجارا.
وأول صورة لهذا البيع كانت هي البيع بالتقسيط، ثم تدرج التعامل من هذه الصورة إلى صورة الإيجار الساتر للبيع، وهو الآن في سبيله إلى التدرج نحو صورة ثالثة في الإيجار المقترن بوعد بالبيع. ونستعرض هذه الصور الثلاث التي وقف منها التقنين المدني الجديد عند الصورتين الأوليين لأنهما هما الصورتان، الأكثر انتشار.
البيع بالتقسيط:
عرضت الفقرات الثلاث الأولى من المادة (٤٣٠) مدني، كما رأينا، لحالة البيع بالتقسيط فإذا باع تاجر عين سيارة أو آلة كاتبة أو راديو أو غير ذلك بثمن مؤجل واجب الدفع في ميعاد معين، أو بثمن مقسط أقساط متساوية على النحو الذي قدمناه، واشترط البائع على المشتري أن يكون البيع معلقا على شرط واقف هو وفاء المشتري بالثمن المؤجل في الميعاد المحدد، أو وفاؤه بالأقساط جميعا في المواعيد المتفق عليها، فإن البيع بهذا الشرط يكون صحيحا. ويجب إعمال الشرط حتى لو سلم البائع المبيع للمشتري قبل استيفاء الثمن أو قبل استيفاء أي قسط من أقساطه.
في هذه الحالة تنتقل ملكية المبيع معلقة على شرط واقف إلى المشتري، ويستبقي البائع ملكية المبيع معلقة على شرط فاسخ. وكل من الشرط الواقف والشرط الفاسخ هنا حادث واحد، هو أن يوفي المشتري بالثمن أو بأقساطه في الميعاد المحدد. فإذا فعل تحقق الشرط الواقف وانتقلت الملكية باتة بأثر رجعي إلى المشتري، وتحقق في الوقت ذاته الشرط الفاسخ وزالت الملكية عن البائع بأثر رجعي أيضا، ومن ذلك نرى أن البيع بالتقسيط هو صورة معكوسة لبيع الوفاء، إذ في بيع الوفاء يكون البائع هو المالك تحت شرط واقف والمشتري مالك تحت شرط فاسخ.
وقبل تحقق الشرط يكون المشتري، كما قدمنا مالكا للمبيع تحت شرط واقف. ولا يمنع من وقف ملكيته أن يكون قد تسلم المبيع، فالذي انتقل إليه بالتسليم هو حيازة المبيع، أما الملكية فانتقلت إليه بالبيع موقوفة. ولكن ذلك لا يمنع المشتري من أن يتصرف في هذه الملكية الموقوفة، ويكون تصرفه هو أيضا معلقا على شرط واقف، وإذا كان المبيع منقولا – كما هو الغالب- وتصرف فيه المشتري تصرفا باتًّا لمشتر حسن النية لا يعلم أن ملكية المشتري معلقة على شرط واقف، فقد تملكه المشتري من المشترى تملكا باتًّا بموجب الحيازة. ولا يعتبر المشتري في هذه الحالة مبددًا، فالتبديد يقتضي قيام عقد معين بالإيجار أو العارية أو الوديعة أو الرهن – وليس البيع بالتقسيط من بين هذه العقود. ولو أفلس المشتري، والشرط لا يزال معلقا، كان الباقي من الثمن دين في التفليسة ولا يستطيع البائع من جهة أخرى أن يسترد المبيع من التفليسة.
стр. 7087
فهذان أمران يجريان على غير ما يشتهي البائع: عدم اعتبار المشتري مبددا إذا تصرف في المبيع، وعدم استطاعة البائع استرداد المبيع عينًا من التفليسة.
وإذا تحقق الشرط، ووفى المشتري بالثمن، فقد صار مالك للمبيع هو وثمراته منذ البداية وزال عن البائع ملكيته للمبيع بأثر رجعي. أما إذا تخلف الشرط، وتأخر المشتري عن دفع الثمن، فإن ملكية المشتري التي كانت معلقة على شرط واقف تزول بأثر رجعي لعدم تحقق الشرط، وتعود الملكية باتة إلى البائع منذ البداية إذ أن البيع يعتبر كأن لم يكن. ولا يحتاج البائع في ذلك إلى حكم بزوال البيع، فإن تخلف الشرط الواقف وحده كاف في ذلك وفقًا للقواعد المقررة في الشرط. وللبائع في هذه الحالة أن يطالب المشتري بتعويض، ويغلب أن يكون قد اشترط في عقد البيع أن يكون التعويض هو احتفاظه بكل أو بعض الأقساط التي يكون قد استوفاها، ويعتبر هذا الشرط شرطًا جزائيًّا تسري عليه أحكام الشرط الجزائي، وأهم هذه الأحكام- وهو ما تشير إليه الفقرة الثانية من المادة (٤٣٠) مدني- أنه يجوز للقاضي تخفيضه إذا كان مبالغًا فيه. ويكون مبالغ فيه إذا كان المشتري قد وفى عددًا كبيرًا من الأقساط بحيث يكون احتفاظ البائع بها يزيد كثيرا على الضرر الذي لحقه من جراء عدم استيفائه الباقي من الثمن. ففي هذه الحالة يحكم القاضي بإرجاع بعض هذه الأقساط إلى المشتري، ويحتفظ البائع من الأقساط التي استوفاها بما يكفي لتعويضه.
стр. 7088
الإيجار الساتر للبيع:
وحتى يتجنب البائع المحظورين اللذين أشرنا إليهما- عدم اعتبار المشتري مبددًا إذا تصرف في المبيع قبل الوفاء بالثمن، وعدم استطاعة البائع استرداد العين من تفليسة المشتري، يعمد في كثير من الأحيان أن يخفي البيع بالتقسيط تحت ستار عقد الإيجار، فيسمى البيع إيجارًا، وغرضه من ذلك ألا تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري بمجرد العقد، حتى هذه الملكية المعلقة على شرط واقف والتي كانت هي المانعة من اعتبار المشتري مبددًا ومن استرداد البائع للمبيع من التفليسة، فيصف المتعاقدان العقد بأنه إيجار، ويصفان أقساط الثمن بأنها هي الأجرة مقسطة ثم يتفقان على أنه إذا وفَّى المشتري بهذه الأقساط انقلب الإيجار بيعًا وانتقلت ملكية البيع باتة إلى المشتري، وحتى يحكما ستر البائع يتفقان في بعض الحالات على أن يزيد الثمن قليلًا على مجموع الأقساط فتكون الأقساط التي يدفعها المشتري هي أقساط الأجرة لا أقساط الثمن، فإذا وفاها جميعًا ووفى فوق ذلك مبلغا إضافيًّا يمثل الثمن انقلب الإيجار بيعا باتًّا.
ويحسب البائع بذلك أنه قد حصن نفسه: فهو أولًا وصف البيع بأنه إيجار، وسلم العين للمشتري على اعتبار أنه مستأجر، فإذا تصرف المشتري فيها وهو لا يزال مستأجرًا أي قبل الوفاء بالثمن، فقد ارتكب جريمة التبديد ومن ضمن عقودها الإيجار. وهو ثانيًا قد أمن شر إفلاس المشتري، إذ لو أفلس وهو لا يزال مستأجرًا، فإن البائع لا يزال مالكًا للمبيع ملكية باتة فيستطيع أن يسترده من تفليسة المشتري.
ولكن بالرغم من تذرع المتعاقدين بعقد الإيجار يستران به البيع، فإن الغرض الذي يرميان إلى تحقيقه واضح، فقد قصدا أن يكون الإيجار عقدًا صوريًّا يستر العقد الحقيقي وهو البيع بالتقسيط، والمبلغ الإضافي الذي جعله المتعاقدان ثمنًا ليس إلا ثمن رمزي والثمن الحقيقي إنما هو هذه الأقساط التي يسميانها أجرة. ومن ثم قضت الفقرة الرابعة من المادة (٤٣٠) مدني، بأن أحكام البيع بالتقسيط تسري على العقد، ولو سمى المتعاقدان البيع إيجارًا، ويترتب على ذلك أن الإيجار الساتر للبيع يعتبر بيعًا محضًا، وتسري عليه أحكام البيع بالتقسيط التي تقدم ذكرها. وأهمها أن تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري معلقة على شرط إلى آخره.
стр. 7089
وبعد أن رأينا تكييف المسألة من الناحية القانونية والفروض التي افترضها القانونيون والعروض التي أرسوها عليها، يجدر بنا أن نفصل الموضوع إلى عدة مسائل طبقًا للمقدمة التي كرسناها للتكييف القانوني لهذا العقد.
المسألة الأولى:
المسألة الأولى: بيع بالتقسيط لا تنتقل فيه الملكية إلا بعد الوفاء بالأقساط:
هذه المسألة مسألة مختلف فيها لوجود شرط غير ملائم للعقد، لأن الأصل في البيع أن يكون باتًّا، فتعليق البيع على هذا الشرط لا يوافق عليه أكثر العلماء لأنه منافٍ لتمام الملكية التي ينبني عليها البيع وفيه جهالة بالمال، وهو يتخرج على الخلاف في الشروط، فيكون فيه ثلاثة أقوال: قول ببطلان البيع والشرط، وقول بصحة البيع وبطلان الشرط، وقول بصحة البيع وصحة الشرط، وهذه القوال كما هو معروف مبنية على اختلاف مواقف العلماء من أحاديث الشروط المعروفة، وهي:
أولًا: حديث جابر المتفق عليه وفيه ((اشترى مني النبي ﷺ بعيرًا واشترط ظهره إلى المدينة)) وهو حديث صحيح أدعي فيه الاضطراب، وهو غير مؤثر هنا لأنه يشترط لتأثير الاضطراب تكافؤ سندي الطرق المختلفة، أما إذا لم تتكافأ فيسار إلى الترجيح كما حققه العلامة ابن دقيق العيد.
ثانيا: حديث بريرة وهو متفق عليه أيضًا كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط.
ثالثًا: حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه، قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة)) ، قال أحدهما (أي الراويين) بيع السنين هو المعاومة، وعن الثنيا ورخص في العرايا
رابعا: حديث أبي داود، عن أبي هريرة (بعد سنده) قال: قال رسول الله ﷺ : ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)) .
خامسا: الحديث الذي أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي والحاكم وابن خزيمة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما ليس عندك)) .
سادسا: الحديث الذي رواه أبو حنيفة في مسنده بالسند السابق. ((نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط)) ، أخرجه الطبراني في الأوسط بصيغة ((نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط، البيع باطل والشرط باطل)) .
стр. 7090
ولاختلاف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث نشأ الخلاف في مسألة الشروط فمنهم من أخذ ببعضها ومنهم من أول الجمع بينها، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى بطلان البيع والشرط، وأجاز ابن شبرمة البيع والشرط جميعًا، وأجاز ابن أبي ليلى البيع والشرط، وأجاز أحمد الشرط الواحد. هذه مذاهبهم باختصار شديد. أما مالك ففصل تفصيلًا وحاول الجمع بين الأخبار، ذكرها ابن رشد في البيان والتحصيل وذكر بعضها حفيده في بداية المجتهد مؤداه أن الشرط الذي لا يناقض المقصود من العقد لا يبطله إلا أنه مرة يكون مكروهًا، ومرة يكون جائزا ً، والشرط الذي يناقض المقصود تارة يلغيه دون العقد وتارة يلغي العقد والشرط، وذلك بحسب مناقضة الشرط للعقد فمرة يناقض أصل العقد مناقضة تامة وتارة يناقض حكمًا من أحكام العقد أو شرطًا من شروطه لا يدخل في ماهيته فلا يكون مبطلًا للعقد. وتفاصيل ذلك معروفة سترى بعضها في كلامنا على هذه المسألة وهي المعروفة عند المالكية بمسألة البيع على أنه إن لم يأتِ بالثمن لكذا فلا بيع، والمشهور في مذهب مالك إلغاء الشرط وصحة العقد، قال خليل في مختصره في سرد نظائر يصح فيها العقد ويبطل الشرط (كمشترط زكاة ما لم يطب وإن لا عهدة ولا مواضعة، أو لا جائحة أو إن لم يأتِ بالثمن لكذا فلا بيع) ، ففي هذه المسائل يصح العقد ويبطل الشرط، إلا أن مسألتنا هي المسألة الأخيرة أي إن لم يأت بالثمن لكذا فلا بيع فيها ثلاثة أقوال عن مالك متخرجة على قاعدة الشروط السالفة الذكر نقلها خليل في توضيحه عن ابن لبابة قائلًا: ذكر ابن لبابة عن مالك في هذه المسألة ثلاثة أقوال: صحة البيع وبطلان الشرط وصحتهما وفسخ البيع، ولكن المدونة التي اتبعها المصنف في المختصر اقتصرت على الأول وهو بطلان الشرط وصحة البيع، ونصها في آخر البيوع الفاسدة (ومن اشترى سلعة على أنه إأن لم ينقد ثمنها إلى ثلاثة أيام) ، وفي موضع آخر إلى عشرة أيام فلا بيع بينهما لا يعجبني أن يعقد على هذا فإن نزل ذلك صح البيع وبطل الشرط وغرم الثمن. انتهى. راجع الدسوقي في حاشيته على الدردير الجزء الثالث: ص١٧٥، ١٧٦.
стр. 7091
وذكر الحطاب في التزاماته في هذه المسألة سبعة أقوال: حصلها من كلام المدونة وشروحها كشرح الشيخ أبي إسحاق التونسي، وابن يونس، واللخمي، والرجراجي، وفي كلام ابن بشير وصاحب التوضيح وابن عرفة وغيرهم، أعرضنا عن هذه النقول لطولها واقتصرنا على الأقوال الثلاثة السالفة الذكر لانبنائها على قاعدة الشروط- راجع ص٣٦٦ من تحريم الكلام في مسائل الالتزام.
إلا أن خليل في باب النكاح مشى على شطر آخر من قاعدة الشروط، فحكم بفسخ العقد قبل الدخول فقال في سرد النظائر التي يكون الشرط فيها موجبًا لفسخ النكاح قبل الدخول: (وقبل الدخول وجوبًا في ألا تأتيه إلا نهارًا أو بخيار لأحدهما أو غيره على إن لم يأت بالصداق لكذا فلا نكاح وجاء به، وما فسد لصداقه أو على شرط يناقض كأن لا يقسم لها أو يؤثر عليها أو ألغى) ، ذكرنا نص خليل على طوله لأنه يشير إلى نوعين من الشروط: شروط لا تلائم العقد لأن الحكم يوجب خلافها وهي المشار إليها في الفقرات الأولى، وشروط تناقض العقد وهي المشار إليها في الفقرة الأخيرة ليتضح الأمر لا بد من الإشارة إلى القاعدة التي أصلوها، والتي تفرق بين الشرط الذي يوجب الحكم خلافه إلا أنه لا يناقض العقد مشيرة إلى الخلاف في هذا النوع من الشروط بخلاف ما يناقض العقد أن يهدم ركن من ماهيته، فإنه إما أن يبطل العقد أو يلغى دونه وإلى هذه القاعدة أشار الزقاق في المنهج بقوله:
هل شرط ما لا يقتضي الفساد
إن خالف الحكم اعتبارا فادا
كرجعة نفي رجوع واعتصار
ونفيه ضمان رهن ومعار
ونفيه وشهروا لا في الذي
خالف سنة العقود فاحتذي
كمودع ضمن واكتراء
وشبه دين وابن زرب رائي
خلا تبرع بعيد العقد
وألزم القراض بعد القيد
به ولابن بشر التزامه
تلميذه نصره حسامه
وغيره أنكره ومنعا
ولكلا الرأيين مبنًا سمعا
стр. 7092
أشار المنهج إلى جملة من المسائل، وذكر قول ابن زرب في أن لقيد اللاحق بالعقد لا يبطله كتطوع عامل القراض بضمانه وكذلك ابن بشر شيخ بن عتاب، وصحح تلميذه في مال القاصر يدفعه الوصي قراضًا بجزء من الربح، ويتطوع العامل بضمان المال وغرمه إذا تلف قائلًا أن ذلك شرط جائز وخالفه غيره لمخالفة ذلك لسنة هذه العقود انظر المنثور في شرحه على الزقاق: ص٨٧، و٨٨ مخطوطات الشنقيطي.
إلا أن مسألتنا هذه لا تقتصر على كونها بيع لا يتم نقل الملكية فيه إلا باستيفاء الثمن ليكون داخلا في الخلاف المشار إليه، فهو زيادة على ذلك بيع يتضمن غرر ويخالف سنة العقد في كل وجه، لأن المشتري إذا دفع الأقساط ولم يأتِ بآخر قسط منها ضاع عليه ما أدى وضاعت عليه السلعة محل البيع، ومعلوم أن البيع الفاسد يفوز فيه المشتري بالغلة في مقابل ضمان، فلو فسخ العقد كان للبائع أن يستزيد بالأقساط التي حصل عليها في مقابل الاستغلال؛لأن الغلة في مقابل الضمان كما ورد في الحديث الذي أصبح بعد قاعدة (الخرج بالضمان) ، فقد أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد. قال في المنهج الخرج لضمان أصل قد ورد في مستحق شفعة بيع فسد ... إلخ.
فهذه المسألة الأولى أو الفرض الأول لا يمكن أن تصح بوجه من الوجوه والأهداف التي يحددها القانون لا يوصل إليها ومنها استرداد السلعة عند فلس المشتري ألا يخالفه للحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني، ورواه مالك عن الزهري، وهو (أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل أفلس ولم يكن قد قبض من ثمنها شيئًا فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء) .
стр. 7093
المسألة الثانية:
أما المسألة الثانية، وهي عقد إيجار ساتر للبيع، وهذه الصورة كما تبدو إنما هي بيع سمي إيجارًا لئلا تترتب عليه آثار البيع، فمن جهة البائع هو يحتفظ بملكيته، ومن جهة المشتري فهو لا يستطيع التصرف، فكأنه إيجار بهذا المعنى لتلبية مطلب البائع، إلا أنه بيع من حيث أن الأقساط إذا وفّى بها نشأت عن الوفاء بها نقل الملكية بأثر رجعي، وهو من آثار البيع وليس من آثار الإجارة نقل ملكية الذات فهذا العقد بهذه الخصائص هو عقد غرر ومجازفة، لأن المشتري قد يعسر في آخر قسط، وقد دفع أقساط لا تناسب الإجارة لأنها تتجاوز قيمة المنافع وهي في الأصل قيمة للرقبة، فقد خسر الثمن والمثمون اللذين ربحهما البائع، ويكون بذلك البائع قد حصل على العوض والمعوض خلافًا للقاعدة الشرعية المشهورة التي ذكرها المقري وغيره، فقال القاضي أبو عبد الله المقري: (قاعدة الأصل ألا يجتمع العوضان لشخص واحد لأنه بمعنى العبث وأكل أموال الناس بالباطل) ، قال في المنهج في سرد نظائر من القواعد التي تعتبر أصول:
والإذن للعداء وألا يجمع
الشخص بين عوضين فاسمعا
وليس كل عقد يتردد صاحبه في نتيجته ممنوع، بل هناك من العقود ما تحصل مصلحته عاجلًا كالبيع والإجارة والهبة، كما يقول المقري، وهناك مالا تحصل مصلحته عاجل كالقراض لأن المقصود الربح، وقد لا يحصل فيضيع تعب العامل، بل قد يضيع رأس المال، وهذا جائز نفي للضرر عن المتعاقدين. (انظر المنثور: ص١٣٥ و ١٣٦) .
ومن المسائل التي أجازوا فيها الغرر مع التردد في مآل الأمر مسألة بيع كتابة المكاتب، والمشتري لا يدري هل يفي المكاتب بما عليه فيحصل على دراهم أو لا يحصل عليها فيحصل على عبد، ولكن لما كان البائع قد أحل المشتري محله، فهو أي البائع مهما كانت النتيجة لا يحصل على أكثر من الثمن الذي دفعه له المشتري سلفًا، أجازوا هذه المعاملة استحسانًا مخالفة للقياس. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: ١٨/٨٣، قال: (حدثني ابن القاسم، عن مالك، عن ربيعة بن عبد الرحمن، أنه كره أن تباع كتابة المكاتب، ويقول هو خطار أن عجز كان عبدًا له وإن أدى أربعة آلاف درهم) ، قال محمد بن رشد: (الغرر في هذا بين كما قال وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، إلا أن مالكًا وأصحابه أجازوا ذلك استحسانًا واتباعا على غير قياس، وله وجه، وهو أن المشتري للكتابة يحل فيها محل سيده والذي كاتبه في الغرر، لأنه إذا كاتبه لا يدرى هل يؤدي ما كاتبه عليه أو يعجز فيرجع رقيقًا له، وذلك جائز بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [الآية ٣٣ من سورة النور] ، وقول النبي ﷺ : ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم من مكاتبته)) . هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ، وهو في سنن أبي داود والترمذي ولكن قضيتنا هذه لا يدري المشتري فيها هل يعجز، فيكون قد دفع أكثر الثمن وخسر المثمن، أما البائع فهو دائمًا بأفضل الخيارين، فهذا خطار وغرر شديد يجعل هذه المسألة أيضًا تدخل في العقود الممنوعة.
стр. 7094
قال الحطاب في التزاماته (ما يؤول إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع) كشرط ما يؤدي إلى جهل وغرر في العقد، في الثمن أو في المثمن أو إلى الوقوع في ربا الفضل، أو في ربا النساء كشرط مشورة شخص بعيد أو شرط الخيار إلى مدة مجهولة أو إلى مدة زائدة عما قرره الشرع في السلعة المبيعة، أو شرط تأجيل الثمن إلى أجل مجهول، أو شرط زيادة شيء مجهول في الثمن، أو في المثمون، فهذا النوع يوجب فسخ البيع على كل حال فاتت السلعة أو لم تفت ولا خيار لأحد المتبايعين في إمضائه، فإن كانت السلعة المبيعة قائمة ردت بعينها وإن فاتت ردت قيمتها بالغة ما بلغت، ويستثنى من هذا النوع مسألة وهي البيع بشرط أن يسلف المشتري البائع أو العكس، فإنه لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى الجهل بالثمن، فإن وقع ذلك فالمشهور أنه يفسخ ما دام مشترط السلف متمسكًا به، فإن أسقط مشترط السلف شرطه صح البيع، وسواء أخذ مشترط السلف سلفه وغاب عليه أم لا على المشهور. وقال سحنون: (إنما يصح إسقاط مشترط إذا لم يأخذ مشترط السلف ما اشترطه) ، وأما إن أخذه وغاب عليه فلا بد من فسخ ذلك ورد السلعة؛ لأنه قد تم ما أراده من السلف، وهذا إذا كانت السلعة قائمة بيد المشتري، فأما إن فاتت فلا يفيد الإسقاط؛ لأن القيمة قد وجبت عليه حينئذ، فلا بد من فسخه فإن كان السلف من البائع فله الأقل من الثمن أو القيمة يوم القبض ورد عليه السلف، هذا مذهب المدونة وهو المشهور وقاله المازري وظاهر إطلاق ابن الحاجب وغيره لأنه لا فرق بين أن يكون الإقساط قبل فوات السلعة أو بعد فواته.
стр. 7095
المسألة الثالثة:
أما المسألة الثالثة، وهي الإجارة مع وعد بالتمليك بهبة أو بيع فهي مسألة يجب أن ينظر إليها من عدة وجوه أولها: هل هذه الإجارة إجارة جادة بمعنى أن الأقساط المدفوعة تناسب قدر الإيجار فتكون إجارة حقيقية مصحوبة بوعد، ثانيًا: وهل الوعد حصل في صلب العقد بحيث يؤثر على الثمن أو كان تطوعًا بعد العقد، وهل كان وعدًا بالهبة أو وعدًا بالبيع؟ كل هذه الأوجه تترتب عليها أحكام تخص كلًّا منها فلنبدأ بأقرب هذه الأوجه للصحة والقبول وهو أن يكون الطرفان قد عقدا بينهما إجارة وبعد العقد وعد البائع المشتري بأن يهبه تلك العين إذا هو وفّى بأقساط الإيجار في وقته المحدد برغبته في الوفاء، فهذه الصورة تعتبر وعدًا بهبة، وهو وعد ملزم على أصل مالك في الوعد المعلق على سبب على ما استظهره بعض الشيوخ من الخلاف في مسألة الإلزام بالوعد، فمعلوم أن مذهب مالك فيه أربعة أقوال فيما يتعلق بالإلزام بالوعد، القول الأول: أن الوعد لا يلزم به شيء، وأن الوفاء به إنما هو من مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، وهذا موافق للمذاهب الأخرى، (راجع المغني لابن قدامة في مسألة تعليق الهبة: ٥/٦٥٨) ، والقول الثاني: عن مالك، هو معلوم هو لزوم الوعد الواقع مطلقًا، وهو كما رأيت مخالف للمذاهب الأخرى، وقول بالتفصيل عن مالك بين الوعد الواقع على سبب فيلزم، وقول رابع هو المشهور أنه إذا أدخل الموعود به في ورطة فإنه يلزم، وقد أجمل صاحب المنهج هذه الأقوال الأربعة بقوله:
هل يلزم الوفاء بالوعد نعم
أولا نعم لسبب وإن لزم
стр. 7096
فالمسألة هنا تدخل في قاعدة أن من التزم شيئًا بسبب عمل الملتزم له الإتيان بما يلزمه إذا كان الملتزم- بكسر الزاي- يعلم بوجوب ذلك العمل على الملتزم له بدون مقابل، وأسسوا على ذلك كما قال الحطاب في التزاماته: ص ١٨٩، نقلًا عن ابن رشد في البيان والتحصيل، بعد أن نقل عدم لزوم الوعد على الواجب على الملتزم له- بفتح الزاي- قائلًا ما نصه: (قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في رواية ابن جعفر الدمياطي عنه وذلك إذا لم تعلم (أي زوجته أنه كان يلزمه أن يأذن لها (أي في الحج) ، وأما إذا علمت، فذلك لازم لها لأنها أعطته مالها طيبة بذلك نفسها، وقوله هذا مفسر لهذه الرواية وأطال الكلام في هذه المسألة إلى أن قال الحطاب: تنبيه: فعلى ما قاله ابن رشد إذا كان الملتزم يعلم أن ذلك الفعل يجب على الملتزم له، ثم علق الالتزام عليه فإنه يلزمه ويحمل على أنه أراد ترغيبه في الإتيان بذلك الفعل كقوله إن صليت الظهر اليوم فلك عندي كذا وكذا. والله أعلم.
وذكر كثيرًا من المسائل من هذا النوع من أعطى لزوجته دارًا على أن تسلم، ومن ذلك أيضًا من يقول لعبده إن تركت شرب الخمر أو الزنا، فأنت حر فهذا لازم.
أما الوعد بالهبة في صلب العقد إذا كان من شأنه أن يؤثر على الثمن، فهذا لا يجوز وهو من باب الجعل والجعل لا يجوز جمعه مع الإجارة فكأنه قال له: إن فعلت كذا فلك كذا، قال خليل في الإجارة (وفسدت إن انتفى عرف تعجيل معين كمع جعل) . قال الزرقاني لتنافي الأحكام فيهما، فهذا الوعد بالهبة كما ترى فهو جهة جعل لا يجوز جمعه مع الإجارة ومن جهة أخرى قد يؤثر في الثمن أي في قدر الإيجار فلا يدري ما أعطى مقابل الوعد بالهبة أي هي هبة ثواب، وما أعطى مقابل الإيجار حقيقة.
والوعد بالهبة في صلب العقد بالإجارة أو بالمساقاة أو غيرهما، لا يوجد فيه نص صريح ما عرف عن مالك وابن القاسم وسحنون من وجوب الوفاء بالوعد إذا أدخل الموعود في ورطة، إلا أنهم إنما افترضوا هذه المسألة في عقود أخرى كالخلع قال خليل (وبالوعد أن ورطها) .
أما في عقد البيع مثلًا، فظاهر كلام مالك يدل على المنع إذا كان الأمر معلقًا على شيء لا يدري هل يقع أم لا؟
стр. 7097
قال الحطاب في التزاماته: (قال في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: سمعت مالكًا يقول لا أحب البيع على أنه إذا وجد ثمنًا قضاه وإن هلك ولا شيء عنده لا شيء عليه. قال ابن القاسم: فإن وقع هذا الشرط وفات لزم المشتري قيمتها يوم قبضها. قال محمد بن رشد: هذا الشرط من الشروط التي يفسد بها البيع لأنه غرر فالحكم فيه الفسخ مع قيام السلعة شاءً أو أبيًّا، ويصبح في فواتها بالقيمة بالغة ما بلغت، وهو ظاهر قول ابن القاسم وتفسير لقول مالك؛ إذ قد يقول كثيرًا فيما يجب فيه الفسخ لا أحب هذا، أو أكرهه أو شبهه من الألفاظ فيكتفي بذلك من قوله.
ونقله في النوادر وزاد فيه: قال ابن القاسم: هذا حرام ويرد فإن فات فعليه قيمتها يوم قبضها.
أما الوعد بالبيع فهو مؤثر على الثمن ومخل بهن وسبب للجهالة وأكثر افتراضات نصوص المذهب وشروحه إنما هي في إيجاب الوفاء بالوعد في مسائل التبرعات كالهبة لأنها تملك بالقول عند مالك، وهذا من أسرار مذهب مالك في مسألة الوعد، وكذلك الصدقة والعتق والطلاق. أما البيع فإنه لا ينعقد إلا بالصيغ المشار إليها بقول خليل، ينعقد البيع بما يدل على الرضا إلى آخره، فالتزامه بالوعد إلزام بالبيع والنظر في العقود غالب إلى المآل كما أشار إليه الزرقاني في مسائل الثنيا. وعليه فهذه الصيغة تعتبر تلفيقية في غاية الضعف.
أما الوعد بالبيع بعد عقد الإجارة فيخرج على المسألة المشهورة عند المالكية، وهي إذا قال البائع للمشتري بعد عقد البيع إذا أنا أتيتك بالثمن رددت إلى المبيع، فقبل المشتري بذلك، فإن ذلك يلزمه، قال الحطاب في التزاماته.
مسألة:
قال في معين الحكام، ويجوز للمشتري أن يتطوع للبائع بعد العقد بأنه إن جاء بالثمن إلى أجل كذا فالمبيع له، ويلزم المشتري متى جاءه بالثمن في خلال الأجل، أو عند انقضائه أو بعده على القرب منه، ولا يكون للمشتري تفويت في خلال الأجل فإن فعل ببيع أو هبة أو شبه ذلك نقض أن أراده البائع ورد إليه، وإن لم يأتِ بالثمن إلا بعد انقضاء الأجل فلا سبيل له إليه، وإن لم يضربا لذلك أجلًا فللبائع أخذه متى جاءه بالثمن في قرب الزمان أو بعده ما لم يفوته المبتاع،فإن فوته فلا سبيل له إليه، فإن قام عليه حين أراده التفويت فله منعه بالسطان إذا كان ماله حاضرا فإن باعه بعد منع السلطان له رد البيع وإن باعه قبل أن يمنعه السلطان نفذ بيعه.
ويتخرج أيضًا قاعدة الشروط اللاحقة لا يبطل بها العقد، كما نقلناه عن ابن زرب من المالكية وابن بشر وتلميذه ابن عتاب.
стр. 7098
خلاصة القول: إن هذا العقد المسمى بالإيجار الذي ينتهي بالتمليك في شكله القانوني والعرفي الحالي لا يشبه العقود الجائزة ولا يمكن أن يكون جائزًا على بعض أقوال العلماء إلا إذا أخذ إحدى الصيغ الخمسة التالية:
أولًا: أن يكون إيجارًا حقيقيًّا ومعه بيع خيار عند من يجيز الخيار المؤجل إلى أجل طويل كالإمام أحمد ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف وابن المنذر، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبي ثور يشترط أن تكون المدة معلومة محدودة، واجتماع البيع مع الإجارة جائز في عقد واحد بشرط أن يكون لكل منهما موضوع خاص به في رأي كثير من العلماء، كالشافعية والحنابلة والمالكية، قال خليل عاطفًا عطف مغايرة: (كمع جعل لا بيع) ، قال الزرقاني بعقد واحد فلا يفسد كاشترائه ثوبًا بدراهم معلومة على أن يخيطه البائع. وإننا فرقنا بين هذا وبين الوعد المؤثر بالثمن بالجهالة؛ لأنه هنا إجارة حقيقية وبيع بالخيار، بشرط أن يعقدا على ثمن خاص للبيع يشبه مثله.
ثانيا: وعد ببيع لاحق بعد الإيجار، وقد علمت تخريجه على مسألة الإقالة السابقة، وهذه الصيغة ضعيفة لا تجد سندًا إلا في أصل وجوب الوفاء بالوعد، وهو في البيوع غير مفرع عليه في المذهب كما أسلفنا، إلا أنها لما كانت بعد العقد كانت أخف من شرط البيع الواقع في العقد فأمكن تخريجه على الوعد الواقع على سبب وقد تقدم ما فيه.
ثالثًا: وهو أن يبيعه بشرط ألا يمضي البيع إلا بدفع الثمن وهذه ليست من باب البيع، فيكون البيع معلقًا على دفع آخر الثمن، وحسبما يفيده الزرقاني عن ابن الحسن على المدونة، هذه الصيغة جائزة معمول بها وسلمه البناني مع كلمة (ألا يمضي) بدل من كلمة (أن لا ينعقد) فتكون الذات كالمحبوسة للثمن أو للإشهاد. كما أشار إليه خليل بقوله (وضمن بالقبض إلا المحبوسة للثمن أو للإشهاد فكالرهن) .
فالبيع منعقد غير نافذ، فإذا دفع بعض الثمن وأراد البائع استرجاع السلعة يرد ما أخذ من الثمن.
стр. 7099
وصورة رابعة: وهي أن يبيعه بيعًا باتًّا على أن لا يتصرف له في المبيع حتى يفي بالثمن فيلزمه الوفاء بذلك، وتصير كالمرهونة فلا يتصرف فيها، وهي مستثناة من قول خليل: (وكبيع وشرط يناقض المقصود (قال الدردير: (كأن يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع أولا يجلب أو لا يتخذها أم ولد) .
ونقل عليش في شرحه ما يلي: في سماع عن ابن زياد، سئل مالك –﵁ عمن باع عبدًا أو غيره وشرطه على المبتاع أن لا يبيعهن ولا يهبه، ولا يعتقه حتى يعطيه ثمنه فلا بأس بهذا لأنه بمنزلة الرهن إذا كان إعطاء الثمن لأجل مسمى.
خامسًا: وعد بهبة لاحق بعقد الإيجار جار على سبب، وهذا أجدر هذه الأوجه بالجواز وأولاها بالصواب، وهذا ما نراه في هذه المسألة باختصار، نسأل الله السلامة من العثار، والله أعلم.
الشيخ عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيه.
стр. 7100
الإجارة بشرط التمليك - والوفاء بالوعد
إعداد
الشيخ محمد علي التسخيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قبل الدخول في مسألة مشروعية مثل هذا العقد نجد من الضروري ملاحظة طبيعة عقد الإجارة وامتلاك تصور عن قاعدة ((المؤمنون عند شروطهم)) وحكم الوعد الابتدائي تمهيدا للوصول إلى الرأي المختار في الموضوع.
حول عقد الإجارة:
عرف عقد الإجارة بأنه (تمليك عمل أو منفعة بعوض) أو (تمليك منفعة عمل أو عين بعوض) ، والإجارة لذلك شاملة لعقود كثيرة كعقود إجراء المشاريع (المقاولات) وعقود استخدام الموظفين، والخدمات الطبية والترفيهية والحمل والنقل وغيرها.
وربما جعلت الإجارة أحد الأركان للحياة الاقتصادية في النصوص الإسلامية، فقد ورد عن الإمام علي ﵇ قوله: (إن معايش الخلق خمسة: الإمارة والعمارة والتجارة والإجارة والصدقات، ولو كان الرجل منا يضطر إلى أن يكون بنَّاءً لنفسه أو نجارًا أو صانعًا في شيء من جميع الصنائع لنفسه ويتولى جميع ما يحتاج إليه من إصلاح الثياب وما يحتاج إليه من الملك، فمن دونه فما استقامت أحوال العالم بتلك ولا اتسعوا له ولعجزوا عنه، ولكنه أتقن تدبيره لمخالفته بين هممهم وكلما يطلب مما تنصرف إليه همته مما يقوم به بعضهم لبعض) (١) .
وتمتاز الإجارة على البيع أنها تمليك منفعة وهو تمليك عيني، كما تمتاز على عقود المزارعة والمساقاة والمضاربة بعموميتها أولاً وهي عقود لها موارد خاصة وبأنها عقد تبادلي معلوم العوض دونها، كما تمتاز على الجعالة بعموميتها أيضًا في حين تختص الجعالة بالمنافع ولا تشمل الأدوات، وكذلك تفترقان في مسألة اللزوم لأن الإجارة عقد لازم دون الجعالة وهناك بحوث مفصلة عن أقسامها وشرائطها بالنسبة للمتعاقدين والعوضين وأحكام الإجارة وإمكان شرط الضمان فيها أو عدمه، والإجارات المحرمة ولكننا نكتفي بما أشرنا إليه.
стр. 7101
قاعدة ((المؤمنون عند شروطهم)) :
وهي قاعدة ثابتة بأدلة كثيرة:
فقد جاء في كتاب (دعائم الإسلام) عنه ﷺ قوله: ((المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله)) .
وفي كتاب غوالي اللآلي عن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمنون عند شروطهم)) .
وفي صحيح البخاري وغيره من الصحاح: ((والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرَّمَ حلالًا)) .
وكذلك جاءت روايات عن أهل البيت بهذا المضمون.
منها ما روي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ﵇ قال: سمعته يقول: من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله .
فالروايات بملاحظة كثرتها وعمل المسلمين بها في غاية الوثوق ودلالتهما أيضاً واضحة تماماً وهي – على سبيل الإجمال – تلزم كل مسلم بالثبوت عند التزاماته، والمراد من الثبوت ترتيب الأثر على الشرط.
ولما كان الشرط هو الإلزام والالتزام صح أن يطلق على الأحكام الإلزامية أنها شروط الله، ولذلك أطلق ﷺ الشرط على كون الولاء للمعتق لا للبائع في قصة شراء السيدة عائشة لبريرة حين قال: ((إن شرط الله أحق وأوثق)) ، ولكن المعني به في هذه القاعدة هو الالتزام والوفاء به.
والمراد من القاعدة حكم وضعي كمفاد قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، وهو ثبوت ما التزم به واستقراره عليه ولا يقتصر المفاد على الإلزام التكليفي فقط.
ثم إن هنا بحثاً عن شمول مفهوم القاعدة للشروط والوعود الابتدائية وعدمه نؤجله إلى موضعه من هذا المقال.
وننتقل إلى بيان شرائط صحة الشروط الواقعة ضمن العقود وهي أمور:
١- أن يكون مقدوراً.
٢- أن يكون له غرض معتد عقلائي.
٣- أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة أي يحل حراماً أو يحرم حلالاً.
والضابط أن لا يكون نافيًّا لما أثبته الشارع أو مثبتًا لما نفاه، فلو شرط ارتكاب محرم أو ترك واجب خالف الكتاب والسنة قطعاً. بخلاف ما لو شرط عليه فعل مباح (بالمعنى الأعم) .
стр. 7102
وفي موضوع الشرط الذي يحرم حلالاً وقع الاختلاف والبحث، فإن دائرة المباحات هي التي تشملها الشروط فتلزم بها، فأين إذن مجال (تحريم الحلال) ، وقد قيل في ذلك إنه إذا اشترط ترك نوع من المباح لا فرد مصداق من مصاديقه، وذلك بشكل دائم فهو يؤدي لشرط ترك الطبيعة المباحة من الحكم وهو مخالف للحكم المباح ويحوله إلى حكم محرم باعتبار أن الحرمة تتعلق بطبيعة العمل في جميع الأزمان.
وربما أمكن القول بأن هناك أموراً أصرَّ الشارع على إباحتها كالتمتع بالزوجات وأصل الزواج والطلاق والحرية نفسها، فلا يجوز إلغاؤها عبر شرط متضمن في عقد. وما ذكروه من مجال لتحريم الحلال يدخل كمصداق من مصاديق هذه القاعدة.
٤- أن لا يكون الشرط منافيًّا لمقتضى العقد فلا معنى لاشتراط عدم التملك من قبل البائع في عقد البيع لأنه خلاف مقتضى العقد.
بل أن لا يكون الشرط منافيًّا للأثر الرئيس للعقد كاشتراط عدم الاستمتاع بالزوجة، وربما كاشتراط عدم بيع السلعة مطلقاً مرة أخرى من قبل البائع الأول، وكذلك أن لا يتنافى مع الأثر الشرعي المجعول للعقد كاشتراط الضمان في عقد الإجارة رغم أن أثرها الشرعي هو عدم الضمان – كما يدعى-.
٥- أن لا يكون الشرط مجهولاً في معاملة تضر الجهالة بها، كالبيع دون الصلح وربما يقال بهذا الشرط في مطلق المعاملات بناء على تعميم النهي لكل المعاملات باعتباره أنه ﷺ نهى عن مطلق الضرر، وهذا أمر لم يثبت.
٦- أن لا يستلزم الشرط المحال كقوله: بعتك شريطة أن يكون مبيعًا مني بنحو شرط النتيجة.
٧- التنجيز- على قول.
وهناك شروط أخرى ربما اعتبرها البعض إلا أن العمدة هو ما ذكرناه، ثم إن الشروط على ثلاثة أقسام:
شرط الصفة، وشرط الغاية، وشرط الفعل.
فإذا كان الاشتراط يتعلق بصفة في المبيع مثلاً كان شرط صفة.
وإذا كان الاشتراط يتعلق بنتيجة العقود والإيقاعات كاشتراط الملكية أو اشتراط كون الزوجة مطلقة سمي هذا شرط نتيجة أو شرط غلبة.
وهنا يقع الكلام في إمكان وقوع هذا الشرط شرعًا وعدم ذلك.
стр. 7103
وهذه الأمور قد تكون لها أسباب خاصة في نظر العرف، وقد أمضاها الشارع والكلام هنا في إمكان حصولها بالشرط، وقد تكون أسبابها مفتوحة في نظر العرف بشكل يسع الاشتراط، أي أن يكون الاشتراط سببًا لحصولها.
ولا ريب في أنها إذا كانت لا تحصل إلا بأسبابها الخاصة لم تقبل باشتراطها بالعقد بنحو شرط النتيجة، وإن كانت تقبل الانفتاح على مثل الاشتراط فلا مانع من كونها بهذا النحو.
والكلام في الموارد المشكوكة في دخولها في أي من القسمين، فهل يمكن التمسك بعموم ((المؤمنون عند شروطهم)) ، أو عموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بناء على كون الشرط جزءًا للعقد
الظاهر أنه من التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية وهو باطل، وما قيل من أننا نحقق مصداقية هذه الموارد لتلك العمومات بعد إجراء استصحاب عدم كون الشرط مخالفاً لكتاب الله أمر غير صحيح لأن مثل هذا الاستصحاب إما لا يجري إذا كان بالمعنى النعتي لعدم الحالة السابقة، أو يجري ولكنه من الأصل المثبت وليس الاستصحاب حجة فيه.
وعلى أي حال، فإن قاعدة الاشتراط ((المؤمنون عند شروطهم)) ، لا تثبت لنا أن هذه النتيجة مشروعة الحصول بسبب الاشتراط، وإنما غاية ما تؤكده هو أن الشرط صالح لأن تنشأ به المضامين المشروعة في نفسها. وهناك محاولات جرت لحل هذا الإشكال.
أما شرط الفعل فالمراد به تعلق الشرط بفعل اختياري مقدور للمكلف جامع للشرائط السابقة، وقد اختلفوا حينئذٍ في وجوب إتيانه بالفعل أو قدرته على التخلف وثبوت الخيار للمشروط له تبعًا لذلك.
قيل هنا بأن معنى الثبوت عند الشرط هو وجوب العمل وِفق الالتزامات كما أن وجود فعل الأمر في بعض الروايات يؤكد ذلك من قبيل قول الإمام ﵇ في رواية إسحاق بن عمار (من شرط لامرأته شرطًا فليفِ لها به) والأمر ظاهر في الوجوب.
وقد عبر المرحوم المرزا النائيني عن ذلك بأن وجوب الوفاء بالشرط تكليفًا لم ينكره أحد، وإنما الخلاف والبحث في أمر آخر وهو أنه هل الشرط يوجب ويثبت حقًّا للمشروط له على المشروط عليه كي يكون وجوب الوفاء من آثار ذلك الحق أم لا يوجب ذلك، بل أثر الشرط وفائدته هو قلب العقد اللازم جائزًا وذلك لإناطة اللزوم بالوفاء بالشرط وإيجاد الفعل الملتزم به، فإن لم يفِ به فلا لزوم، وهذا ما ذهب إليه الشهيد (قد) .
стр. 7104
وعلى أي حال فالظاهر هو لزوم الوفاء بهذا الشرط وإمكان الإجبار عليه من قِبل الدولة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ينافي هذا إمكان الإسقاط من قبل من له الحق، فإن الإجبار هي الحالة الطبيعية، أما التنازل عن الحق فهو ينفي موضوع الإجبار.
وهناك أحكام أخرى للشرط لا نرى فعلاً ضرورة للتعرض لها.
حكم الوعد الابتدائي:
هناك حالات متصورة للوعد تتلخص بما يلي:
أولاً: الوعد العادي الذي يعد به المسلم المسلم الآخر.
ثانياً: الوعد الذي يعقده على نفسه ويلتزم به بقوة دون أن يترتب على نقضه أثر.
ثالثاً: هذا الوعد مع ترتب أثر من نوع ما على نقضه.
رابعاً: الوعد المعطى كشرط ضمن عقد من العقود.
فهل الوعد في كل هذه الحالات ملزم أو يختص الإلزام ببعضها دون الآخر؟
ما يمكن أن يطرح هنا من أدلة هو:
أولاً: أدلة الوفاء بالوعد وهي كثيرة واضحة ولا داعي لذكرها إلا أنه يقال في قبالها: إن اللزوم فيها أخلاقي محض وليس فيها إلزام تكليفي أو وضعي.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بناء على تفسير العقود بالعهود إلا أن الظاهر فيها أنها تركز على العهود العقدية أو العهود التي فيها التزامات قوية، فلا تشمل النوع الأول قطعًا كما تشمل النوع الرابع الممضى شرعًا وعرفًا قطعًا وفي شمولها للنوعين الوسطيين كلام.
وقد قيل إن العقد عهد موثق- كما حكي عن الكشاف- ورأى آخرون أن التوثيق ليس من جملة معناه فيكفي الربط بأي نحو كان. وفسروا العقد بالمعنى الاستعاري بأنه مطلق المعاملة بلحاظ الربط الاعتباري المتبادل.
وقد يشكل على عموم آية الوفاء بالعقود بأن المراد منها العقود المعهودة آنذاك وليس كل عقد أو عهد إلا أن الإشكال في غير محله لعموم اللفظ وليس هناك ما يصلح للقرينة الصارفة عن العموم ويتوضح العموم بملاحظة طبيعة الخطاب القرآني الشامل للبشرية.
стр. 7105
الظاهر من الآية الشمول للنوعين الوسطيين وإن ادعي الإجماع على خروجهما من دائرة شمول الآية باعتبار عدم الإلزام الشرعي فيهما، ولما كان خروج هذه الأنواع الثلاثة يعني تخصيص الأكثر وهو مستهجن عرفًا، فإن ذلك يوضح أن الآية لم تشمل من الأول إلا النوع الرابع، ولكن قد يقال في قبال ذلك أننا لو سلمنا الإجماع المدعى لا نسلم بأن خروج الكثير من أفراد قاعدة ما مع بقاء كثير من الأفراد أمر مستهجن لغويًّا. ولذلك نبقى مع هذا الظهور. ومثل هذا الإجماع لم يثبت لدينا.
ثالثًا: قاعدة المؤمنون عند شروطهم.
وقد فسرت الشروط هنا بالوعود والعهود، ولما كانت الكلمة هنا مطلقة غير مقيدة أمكننا تعميمها لكل الأنواع ولا أقل من شمولها لما عدا الأول باعتبار أن الشرط أيضًا فيه صفة التوثيق.
وقد ادعي أن لفظ الشرط نفسه يستدعي اقترانه بعقد ومعاملة أو أمر آخر لأن المشارطة هي المقارنة، ولأنه لو شمل كل هذه الأنواع لاستلزم تخصيص الأكثر بعد الإجماع القائم على عدم وجوب الالتزام بالشروط غير الواردة ضمن العقود، وتخصيص الأكثر مستهجن.
ولكننا قلنا إن مثل هذا التخصيص-لو تم- مع بقاء كثير من الأفراد تحت العام ليس مستهجنًا على أننا يجب أن نحقق معقد الإجماع المدعى وهل هو النوع الأول أم يشمل كل وعد وشرط لا يقترن بعقد؟ ولا دليل على هذا الشمول ولا أقل من الشك والاقتصار على القدر المتيقن، هذا بالإضافة لعدم تأكدنا من تحقق هذا الإجماع خصوصًا إذا لاحظنا مخالفة للبعض له وخصوصًا بالنسبة للنوع الثالث.
ويشهد لعموم معنى الشرط ما رأيناه من استعماله في كل عهد حتى في عهد الله حيث سمي حكم الله بالشرط، وسمي الخيار شرطًا كما في قول الإمام (الشرط في الحيوان ثلاثة أيام) (١) ، وقوله في رواية منصور بن يونس: (فليفِ للمرأة بشرطها) (٢) ، وأطلق الشرط على النذر أو العهد.
стр. 7106
إلا أن الإنصاف أن معقد الإجماع يتناول النوع الثاني أيضًا فالعرف يعهده وعدًا ابتدائيًّا لا فرق بينه وبين أي وعد آخر إلا بشيء من التوثيق في حين يرى النوع الثالث عهدًا وشرطًا كاملًا، ومن هنا نقول بلزوم الوفاء به ولو على سبيل الاحتياط- إلا أن يكون شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا.
الإجارة بشرط التمليك:
يمكن تصوير العملية – على ضوء الواقع القائم- بصورتين:
الأولى: أن تقوم شركة أو بنك ببناء مساكن ثم تأجيرها للأفراد بشرط أن يملكوها بعد دفع مبالغ الإجارة في المدة المعينة.
الثانية: أن يقوم الأشخاص المحتاجون لإكمال بناء بيوتهم مثلاً ببيعها للبنك، ثم يقوم البنك بتأجيرها لهم إلى مدة معينة شريطة أن يملكوها بعد انتهاء مدة الإيجار.
والصورة الأولى مؤداها عقد واحد للإيجار متضمن لشرط التمليك في حين تؤدي الصورة الثانية إلى ما يلي:
١- بيع الفرد بيته للبنك.
٢- وعد الفرد للبنك بأنه سيستأجر البيت طبق المبلغ والمدة المعينة بشرط التمليك.
٣- وعد البنك للفرد بأنه سيؤجر البيت طبق المبلغ والمدة المعينة بشرط التمليك.
٤- تأجير البنك للشخص إلى مدة معينة بمبلغ معين شريطة التمليك عند انتهاء المدة.
والصورة الأولى كما هو واضح أقل إشكالًا من الصورة الثانية- وهي المتداولة – وسوف نبحثها أولًا ثم نبحث الأخرى.
وهي لأول وهلة لا يبدو فيها إشكال إلا أن الكلام فيها في مجالين:
الأول: كيف يتم اشتراط التمليك وهل ذلك بنحو شرط لفعل (التمليك) أو هو بنحو شرط النتيجة (التملك) .
الثاني: هذه المعاملة هل تدخل تحت عنوان عقدين في صفقة أم لا؟ وما حكمها لو كانت كذلك؟
أما للبحث الأول فقد ذكرنا من قبل شرائط صحة الشرط ونحن نرى أنها متوفرة هنا جميعًا ولا مانع من اشتراط التمليك سواء كان ذلك بنحو شرط النتيجة أو شرط الفعل. فإذا كان الاشتراط بنحو شرط النتيجة من باب أن التمليك وإن كانت له أسباب خاصة في نظر الشارع إلا أنه من المتعارف بشكل واسع أن يحصل من خلال الاشتراط ضمن عقد، بل أن العرف يرى حصوله بالمعاطاة الخالية من أي صيغة، وهذا عرف ممضى من قبل الشارع وليس التمليك كالطلاق والعتق وأمثالهما مما يحتاج إلى صيغة خاصة.
стр. 7107
أما لو شك أحد في قبول مسألة التمليك لمثل هذا التسبيب وعدمه، فلا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وتصحيح هذا الاشتراط وحينئذٍ فليس هنا إلا الرجوع لاشتراط الفعل، واشتراط الفعل أي قيام المالك بالتمليك مما لا إشكال فيه إلا ما مرَّ من الخلاف في كون هذا الاشتراط موجبًا للزوم الوفاء بالشرط أو أنه يؤدي فقط إلى حصول الخيار للمشروط له عند عدم وفاء الملتزم بالشرط به، وقد اخترنا وجوب الوفاء تبعًا لظاهر النصوص وحينئذٍ يضمن المشروط له قيام البنك بتمليكه عند انتهاء مدة الإيجار، ولو امتنع أجبره الحاكم الشرعي على ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما البحث الثاني، فنقول فيه:
أولًا: لم تثبت لدينا النصوص المانعة عن اجتماع عقدين في صفقة واحدة كما لم نتأكد من أن المراد منها ما هو؟
ثانيًا: أن المورد لا يدخل تحت العنوان الآنف باعتبار أنه عقد واحد لا غير وإلا كانت أغلب العقود المتضمنة لشروط ما من هذا القبيل باطلة.
هذا كله بالنسبة للصورة الأولى.
أما بالنسبة للصورة الثانية فإن فيها البحوث التالية:
أولًا: بحوث الصورة الأولى.
ثانيًا: بحث حول مسألة الإلزام بالوعد.
ثالثًا: بحث حول ما إذا كانت المسألة تدخل ملاكًا تحت عنوان إيجاب البيع قبل استيجابه.
رابعًا: بحث حول ما إذا كانت العملية كلها غطاء لعملية ربوية.
أما بحوث الصورة الأولى فقد ذكرناها والكلام واحد في الصورتين.
وأما مسألة الإلزام بالوعد، فإنه لا ريب في دخول المورد في النوع الثالث من الوعود أي في الوعد الموثق مع ترتب أثر ما على نقضه، كما يمكن دخوله في النوع الرابع وهو الوعد المعطى كشرط ضمن عقد من العقود.
стр. 7108
فحتى لو كان مجرد وعد من قبل البنك مقارن لشراء البيت من الفرد، فإنه كما قررنا من قبل ملزم باعتبار شمول عمومات الوفاء له لأنه يترتب عليه أثر ولا إجماع متيقن يشمله ولو كان مشترطًا في البيع كان ملزمًا بلا ريب أيضًا إلا أنه يرد فيهما الإشكال الثالث الآنف وهو إيجاب البيع قبل استجابة ذلك أن البنك لم يملك البيت بعد وحينئذٍ فلا يمكنه أن يعد مطلقًا أو ضمن عقد وعدًا لازمًا بالإيجار بشرط التمليك، كما لا يمكن للفرد أيضاً أن يعد بالاستيجار بنفس الشرط وعداً ملزماً.
فقد روى محمد بن الحسن بإسناده إلى يحيي بن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله - يعني الصادق ﵇ عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أربحك فيها كذا وكذا: قال لا بأس بذلك: اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها) ، وبمعنى الرواية روايات أخرى تؤكد على ضرورة عدم الإلزام لكي يصح البيع.
وهي تدل على ما ذكرناه شريطة أن نعمم موردها وهو البيع إلى العقود الأخرى وحينئذٍ فيجب حذف عنصر الإلزام في البين والاعتماد على ما هو المتعارف من جريان المعاملة بشكل طبيعي والتزام طرفيها بالاستمرار فيها إلى النهاية، أما البحث الرابع والأخير، فقد يقال فيه:
إن هذه العملية المطولة هي في الواقع غطاء لعملية ربوية لا غير.
أما بلحاظ الصغرى باعتبار أن المراد الجدي للمتعاملين بتحكيم الارتكاز العرفي هو القرض الربوي وليس هذا التطويل إلا تغييرًا للألفاظ رعاية للشرع.
أو بلحاظ الكبرى باعتبار أن العرف يوسع دائرة القرض- بلحاظ الارتكاز العرفي لتشمل هذه المعاملة المطولة.
والحقيقة أن المراد الجدي تارة يراد منه- كما يقول السيد الصدر- الغرض الشخصي للمتعاملين وهذا لا أثر له- وأخرى يراد منه المراد المنشأ بشكل جدي في المعاملة فهو أمر سهل المؤونة والاعتبار خصوصًا في هذه المعاملة.
وأما الكبرى (باعتبار أن العرف يرى القرض عملية تبديل للحال المثلي الخارجي بمثله في الذمة وأن ما جرى هنا لا يخرج عن هذا الإطار) ، فنقول فيها أن الفهم العرفي بعد أن يلحظ:
أولاً: ما قلناه من عدم الإلزام بالوعد في هذه المعاملة لإخراجها من تحت إيجاب البيع قبل استيجابه.
ثانياً: أن أحكام الملكية وتلفها تترتب للبنك وعليه أثناء مدة الإيجار فلو تلف البيت تلف من مال البنك وأمثال ذلك.
نعم بعد أن يلحظ ذلك لا يشك في كون المعاملة غير داخلة تحت عنوان القرض حتى بعد توسيعه المدعى.
وعليه فلا يرد الإشكال الآنف (إشكال التغطية لمعاملة ربوية) والنتيجة التي نخرج بها تتلخص بما يلي:
إن الإيجار بشرط التمليك عملية جائزة شريطة أن لا يكون هناك إلزام بالربط بين المعاملتين وترتب أحكام كل حالة بشكل كامل.
والله أعلم.
الشيخ محمد علي التسخيري.
стр. 7109
التأجير المنتهي بالتمليك
إعداد
الدكتور عبد الله إبراهيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
١- مقدمة:
من وسائل التمويل الخاص لمساعدة ذوي الدخل المحدود من أفراد المجتمع للحصول على حاجة من حاجاتها الأساسية كالمسكن والسيارة وأدوات الزراعة ومكائن الصناعة هو التأجير المنتهي بالتمليك.
وقد مارسته البنوك الربوية طبقًا لنظامها القائم على الفائدة الربوية. فلا تخرج هذه المعاملة عن دائرة القروض الربوية وإن كان التمويل يتم باسم التأجير، وانتهى الأمر بعد انتهاء المدة المتفق عليها، وتم فيها دفع الأقساط الشهرية وهي تمثل القرض المقدم للعميل مع فائدته المقررة، انتهى الأمر بعد ذلك إلى انتقال ملك السلعة أوتوماتيكيًّا إلى العميل وما عليه إلا أن يستحصل من البنك الممول شهادة بإتمامه دفع جميع الأقساط المطلوبة منه ويذهب بها إلى الجهة الخاصة لإبطال حق طلب البنك على السلعة بختم رسمي وتوقيع من المسؤول المختص بالمصلحة المعينة لذلك من قبل الحكومة.
قلنا آنفًا: إن هذه العملية لا تخرج عن دائرة القروض الربوية وذلك لأن البنك الذي يقوم بتمويل شراء حاجة العميل من سيارة ونحوها- كما هو معروف- إنما يقدم له قرضاً بفائدة معينة في السنة مضروبة في عدد السنوات المتفق عليه بين الطرفين يدفع العميل خلال أشهرها جملة القرض بفائدته المذكورة على أقساط معينة.
٢- تطبيق العملية بما يتفق والشريعة الإسلامية:
فقد أخذ البنك الإسلامي للتنمية بجدة هذه المعاملة وجعلها بيعًا تأجيرياً، وتتضمن العملية الإجارة ثم البيع منا تبين من الاستفسارات التي وجهها البنك إلى مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية.
стр. 7110
وقد ناقش المجمع هذه المسألة وانتهت المناقشات إلى قبول هذه العملية على أن تتضمن الإجارة على وعد بالبيع من قبل البنك صاحب السلعة المؤجر ووعد بالشراء من قبل العميل المستأجر.
وقرر المجمع أن هذا الوعد مقبول شرعًا وذلك في دورته الثالثة المنعقدة بعمان، المملكة الأردنية الهاشمية.
٣- جوانب تستحق المناقشة:
على أن الموضوع وإن كان قد سبق اتخاذ قرارات بشأنه إلا أنه لا يزال في حاجة إلى استمرار المناقشة في شأنه في جانب أو جوانب لم يسبق بحثها ولا مناقشتها ولا اتخاذ القرار بشأنها من قبل، من بينها صورة الممارسة بالكيفية التي لا شبهة فيها بالعملية الربوية (القرض الربوي) وكون الوعد المقترن بالعقد على هو من قبيل الشروط المنافية لمقتضى العقد أم لا؟
وهناك نقطة أخرى مهمة يجب ألا يترك الموضوع دون مناقشتها والبت في شأنها ألا وهي مسألة تحديد مقدار الربح، أن العملية ستنتهي بتمليك المستأجر للسلعة المؤجرة له. وهذا التمليك إنما يكون عن طريق الهبة الموعود بها أو البيع الموعود به أيضًا. وعلى أي تقدير فإن المؤجر صاحب السلعة لا يتنازل عن بضاعته دون أن يحصل على الربح المناسب. فحينما يؤجر فلا يؤجرها بالإيجار المجرد مثل أي إجارة عادية بل لا بد أنه يضع ثمن الإيجار بما يتضمن قيمة التكلفة مضافاً إليه الربح ليتسنى له التنازل عن بضاعته بعد انتهاء المدة وإتمام دفع الأقساط بدون أن يخسر. فإنه هنا- وخاصة البنوك وأمثالها- إنما يتاجر وليس يقدم تبرعًا أو مساعدة من أجل الخير والبر، بل تجارة يقبض من ورائها الربح بأعلى مقدار ممكن.
الجانب الأول:
قد ذكرت من قبل أن صورة الممارسة لدى البنوك الربوية لا تخرج في الواقع عن دائرة القروض الربوية فعليه يجب علينا أن نقدم صورة جديدة للممارسة والتطبيق يصح أن تكون بديلة ومنزهة عن أية شبهة بالربا ويقتنع المسلم وهو يدخل في المعاملة ويثق بأنه قد تخلص من الربا وتحر من الظلم الذي طالما يبحث عن منفذ للخروج منه.
وهذه الصورة كما يتراءى لي يجب أن تتكون من العناصر الآتية:
١- أن يتم العقد على عقد الإجارة العادية.
٢- أن تكون مدة الإجارة محددة ومعلومة.
٣- أن يكون ثمن الإيجار مناسبًا للسلعة (سكن أو سيارة أو ماكينة زراعية أو صناعية مثلًا) طبقًا لنظام العرض والطلب في المكان والزمان اللذين تم فيهما العقد ومناسبًا لحجمها ودرجة المنفعة التي يمكن الانتفاع منها.