Полный текст (599 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فَوْقَ عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَيَنْزِلُ عَلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ شَاءَ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي كِتَابِ اعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قَالَ: بِعِلْمِهِ مُحِيطٌ بِالْكُلِّ وَرَبُّنَا عَلَى الْعَرْشِ بِلَا حَدٍّ وَلَا صِفَةٍ، أَرَادَ أَحْمَدُ بِنَفْيِ الصِّفَةِ نَفْيَ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ، وَبِنَفْيِ الْحَدِّ نَفْيَ حَدٍّ يُدْرِكُهُ الْعِبَادُ وَيَحُدُّونَهُ، وَقَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا حَنَفِيَّةَ عَمَّنْ يَقُولُ لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ، قَالَ قَدْ كَفَرَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَلَكِنْ لَا يُدْرَى الْعَرْشُ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ: إِذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَالَ مَالِكٌ: اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، ذَكَرَهُ الطَّلَمَنْكِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُمْ.
الرَّابِعُ عَشَرَ: أَنَّ هَذَا اتِّفَاقٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ عُثْمَانُ ابْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي نَقْضِهِ عَلَى الْمَرِيسِيِّ (قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ) قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّ اللَّهَ بِكَمَالِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، يَعْلَمُ وَيَسْمَعُ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ إِمَامُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ الْجَهْمِيَّةُ فَقَالَ: هُمْ شَرٌّ قَوْلًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَدِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ عَلَى الْعَرْشِ، وَقَالُوا هُمْ: لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ شَيْءٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الزَّاهِدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِ الْإِبَانَةِ لَهُ: بَابُ الْإِيمَانِ: بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِخَلْقِهِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ الْحَافِظُ فِي كِتَابِ الْإِبَانَةِ: وَأَئِمَّتُنَا كَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ فِي الِاعْتِقَادِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ اعْتِقَادُ السَّلَفِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، قَالَ فِيهِ: وَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَرْشِ وَاسْتِوَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ يَقُولُونَ بِهَا وَيُثْبِتُونَهَا مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَأَنَّ اللَّهَ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقُهُ بَائِنُونَ مِنْهُ، لَا يَحِلُّ فِيهِمْ وَلَا يَمْتَزِجُ بِهِمْ، وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ مِنْ دُونِ أَرْضِهِ.
стр. 422
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ: الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى، وَبِجَمِيعِ مَا فِي سَبْعِ أَرَضِينَ.
وَكَذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ.
الْخَامِسُ عَشَرَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِفَوْقِيَّةِ الذَّاتِ مَعَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخَالِطٍ لِلْعَالَمِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِضِدِّهَا، لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنْهُ أَوْ مِنْ ضِدِّهِ، وَضِدُّ الْفَوْقِيَّةِ السُّفُولُ، وَهُوَ مَذْمُومٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَابِلُ الْفَوْقِيَّةِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِهَا ثُبُوتُ ضِدِّهَا، قِيلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلْفَوْقِيَّةِ وَالْعُلُوِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، فَمَتَى أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّهُ ذَاتٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخَالِطٍ لِلْعَالَمِ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ وُجُودُهُ ذِهْنِيًّا فَقَطْ، بَلْ وَجُودُهُ خَارِجَ الْأَذْهَانِ، فَقَدْ عَلِمَ الْعُقَلَاءُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَا كَانَ وُجُودُهُ خَارِجَ الْأَذْهَانِ، فَهُوَ إِمَّا فِي هَذَا الْعَالَمِ وَإِمَّا خَارِجٌ عَنْهُ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ إِنْكَارٌ لِمَا هُوَ مِنْ أَجْلَى الْبَدِيهِيَّاتِ، فَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ إِلَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالْمُبَايَنَةِ أَوْضَحَ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْعُلُوُّ وَالْفَوْقِيَّةُ صِفَةَ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا وَلَا يُوجِبُ مَحْذُورًا، وَلَا يُخَالِفُ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إِجْمَاعًا، فَنَفْيُ حَقِيقَتِهَا عَيْنُ الْبَاطِلِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَالْإِيمَانِ بِكِتَابِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ إِلَّا بِذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ وَالْفِطَرُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَحَكَمَتْ بِهِ الْقَضَايَا الْبَدِيهِيَّاتُ وَالْمُقَدِّمَاتُ الْيَقِينِيَّاتُ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلِ الْعُلُوَّ وَالْفَوْقِيَّةَ لَكَانَ كُلُّ عَالٍ عَلَى غَيْرِهِ أَكْمَلَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَا يَقْبَلُ الْعُلُوَّ أَكْمَلُ مِمَّا لَا يَقْبَلُهُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ عَشَرَ: إِنَّهُ لَوْ كَانَتْ فَوْقِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ مَجَازًا لَا حَقِيقَةَ لَهَا لَمْ يُتَصَرَّفْ فِي أَنْوَاعِهَا وَأَقْسَامِهَا وَلَوَازِمِهَا، وَلَمْ يُتَوَسَّعْ فِيهَا غَايَةَ التَّوَسُّعِ، فَإِنَّ فَوْقِيَّةَ الرُّتْبَةِ وَالْفَضِيلَةِ لَا يُتَصَرَّفُ فِي تَنْوِيعِهَا إِلَّا بِمَا شَاكَلَ مَعْنَاهَا، نَحْوَ قَوْلِنَا: هَذَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا وَأَفْضَلُ وَأَجَلُّ وَأَعْلَى قِيمَةً وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَأَمَّا فَوْقِيَّةَ الذَّاتِ فَإِنَّهَا تَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ مَعْنَاهَا، فَيُقَالُ فِيهَا اسْتَوَى وَعَلَا وَارْتَفَعَ، وَصَعِدَ وَيَعْرُجُ إِلَيْهِ كَذَا وَيَصْعَدُ إِلَيْهِ وَيَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ عَالٍ عَلَى كَذَا وَرَفِيعُ الدَّرَجَاتِ، وَتُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي، وَيَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَأَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ وَأَنَّ عِبَادَهُ يَخَافُونَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ يُبْرِمُ الْقَضَاءَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، وَأَنَّهُ دَنَا مِنْ رَسُولِهِ وَعَبْدِهِ لَمَّا عُرِجَ بِهِ إِلَى فَوْقِ
стр. 423
السَّمَاوَاتِ حَتَّى صَارَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، وَأَنَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا نَظَرُوا إِلَيْهِ فِي الْجَنَّةِ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَهَذِهِ لَوَازِمُ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، أَنْوَاعِ فَوْقِيَّةِ الذَّاتِ وَلَوَازِمِهَا لَا أَنْوَاعِ فَوْقِيَّةِ الْفَضِيلَةِ وَالْمَرْتَبَةِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا الْوَجْهَ حَقَّ التَّأَمُّلِ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ أَفْسَدُوا اللُّغَةَ وَالْفِطْرَةَ وَالْعَقْلَ وَالشَّرْعَ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ عَشَرَ: إِنَّهُ لَوْ كَانَتْ فَوْقِيَّةُ الرَّبِّ ﵎ مَجَازًا لَا حَقِيقَةَ لَهَا لَكَانَ صِدْقُ نَفْيِهَا أَصَحَّ مِنْ صِدْقِ إِطْلَاقِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ صِحَّةَ نَفْيِ اسْمِ الْأَسَدِ عَنِ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَاسْمِ الْبَحْرِ عَنِ الْجَوَادِ، وَاسْمِ الْجَبَلِ عَنِ الرَّجُلِ الثَّابِتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَظْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ إِطْلَاقِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ، فَلَوْ كَانَتْ فَوْقِيَّتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَكَلَامُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَوَجْهُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبُهُ مَجَازًا لَكَانَ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَا اسْتَوَى عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ الْعَلِيُّ وَلَا الرَّفِيعُ، وَلَا هُوَ فِي السَّمَاءِ وَلَا يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ شَيْءٌ وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا تَكَلَّمَ وَلَا أَمَرَ وَلَا نَهَى، وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا لَهُ وَجْهٌ وَلَا رَحْمَةٌ، وَلَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ أَصَحَّ مِنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ، وَأَدْنَى الْأَحْوَالِ أَنْ يَصِحَّ النَّفْيُ كَمَا يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ الْمَجَازِيُّ وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ إِطْلَاقَ هَذَا النَّفْيِ تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ إِنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْيِهَا مَحْذُورٌ، لَا سِيَّمَا وَنَفْيُهَا عَنِ التَّنْزِيهِ وَالتَّعْظِيمِ، وَسَوَّغَ إِطْلَاقَ الْمَجَازِ لِلْوَهْمِ الْبَاطِلِ، بَلِ الْكُفْرِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، فَهَلْ فِي الظَّنِّ السَّعْيُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ فَوْقَ هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نُطْلِقُ هَذَا أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ .
قِيلَ: الْأَدَبُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِطْلَاقِ وَإِنْ تُرِكَ أَدَبًا، كَمَا إِذَا قِيلَ: إِنَّا لَا نُطْلِقُ عَلَى هَذَا الْقَاضِي الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ مَعْزُولٌ أَدَبًا مَعَهُ وَلَا مِنَ السُّلْطَانِ إِذَا مَرِضَ أَنَّهُ مَرِيضٌ أَدَبًا مَعَهُ وَلَا عَلَى الْأَمِيرِ إِنَّهُ قَدْ عَمِيَ أَدَبًا مَعَهُ، فَهَذَا الْأَدَبُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِمْسَاكِ التَّكَلُّمِ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا عَنْ صِحَّةِ إِطْلَاقِهِ فَنَسْأَلُكُمْ هَلْ يَصِحُّ إِطْلَاقُ هَذَا النَّفْيِ عِنْدَكُمْ لُغَةً أَوْ عَقْلًا أَمْ لَا، فَإِنْ قُلْتُمْ إِطْلَاقُهُ يُوهِمُ نَفْيَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَيَكُونُ مُمْتَنَعًا، قِيلَ فَلَا يُمْتَنَعُ حِينَئِذٍ أَنْ تَقُولُوا لَيْسَ بِمُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً، وَلَا هُوَ فَوْقَ الْعَالَمِ حَقِيقَةً، وَلَا الْقُرْآنُ كَلَامُهُ حَقِيقَةً، وَلَا هُوَ آمِرٌ وَلَا نَاهٍ حَقِيقَةً، وَلَا هُوَ عَالِمٌ حَيٌّ حَقِيقَةً، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ هَذَا الرَّجُلُ بِأَسَدٍ حَقِيقَةً، وَلَا رَيْبَ أَنَّكُمْ لَا تَتَحَاشَوْنَ مِنْ هَذَا النَّفْيِ عَنِ اللَّهِ، لَكِنْ تُمْسِكُونَ عَنْهُ خَوْفَ الشَّنَاعَةِ، وَهَيْهَاتَ الْخَلَاصُ لَكُمْ مِنْهَا، وَقَدْ أَنْكَرْتُمْ حَقَائِقَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
стр. 424
[المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ: مِمَّا ادُّعِيَ فِيهِ أَنَّهُ مَجَازٌ وَهُوَ حَقِيقَةُ لَفْظِ (النُّزُولِ) وَالتَّنْزِيلُ وَالْإِنْزَالُ حَقِيقَةُ مَجِيءِ الشَّيْءِ أَوِ الْإِتْيَانُ بِهِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ لُغَةً وَشَرْعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] وَقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] وَقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِالْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّهُ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] وَتَوَاتَرَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنُزُولِ الرَّبِّ ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَادَّعَى الْمُعَطِّلُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّنْزِيلِ مُجَرَّدَ إِيصَالِ الْكِتَابِ وَبِالنُّزُولِ الْإِحْسَانَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَسْنَدَ دَعْوَاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] قَالَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْأَنْعَامَ لَمْ تُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَجَازِ النُّزُولِ، وَأَنَّهُ مُطْلَقُ الْوُصُولِ لَا يُعْرَفُ فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا لُغَةٍ، وَلَا شَرْعٍ، وَلَا عُرْفٍ، وَلَا اسْتِعْمَالٍ، فَلَا يُقَالُ لِمَنْ صَعِدَ إِلَيْكَ فِي سُلَّمٍ إِنَّهُ نَزَلَ إِلَيْكَ وَلَا لِمَنْ جَاءَكَ مِنْ مَكَانٍ مُسْتَوٍ نُزُولٌ، وَلَا يُقَالُ نَزَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ إِذَا جَاءَ، وَذَلِكَ وَضْعٌ جَدِيدٌ وَلُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ عُرِفَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِإِخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ.
الثَّالِثُ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ الْأَمَانَ وَالثِّقَةَ بِاللُّغَاتِ، وَيُبْطِلُ فَائِدَةَ التَّخَاطُبِ، إِذْ لَا يَشَاءُ السَّامِعُ أَنْ يَخْرُجَ اللَّفْظُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَّا وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
الرَّابِعُ: إِنَّ قَوْلَهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ لَمْ يُنَزَّلْ جِرْمُهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْعَامُ، يُقَالُ لَهُ: هَذَا مَعْلُومٌ لَكَ بِالضَّرُورَةِ أَمْ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَلَا ضَرُورَةَ يُعْلَمُ بِهَا ذَلِكَ، وَأَيْنَ الدَّلِيلُ.
الْخَامِسُ: إِنَّهُ قَدْ عَهِدَ نُزُولُ أَصْلِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ آدَمُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يُنْزِلَ أَصْلَ الْأَنْعَامِ مِنْ أَصْلِ
стр. 425
الْأَنَامِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي نُزُولِ الْكَبْشِ الَّذِي فَدَى اللَّهُ بِهِ إِسْمَاعِيلَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ رُوِيَ فِي نُزُولِ الْحَدِيدِ مَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ، كَنُزُولِ السِّنْدَانِ وَالْمِطْرَقَةِ، وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَجْزِمْ بِذَلِكَ فَالْمُدَّعَى أَنَّ الْحَدِيدَ لَمْ يُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ مَعَهُ مَا يُبْطِلُ ذَلِكَ.
السَّادِسُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا قَالَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَوْلُهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْأَنْعَامَ لَمْ يُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ لَا يُخْرِجُ لَفْظَةَ النُّزُولِ عَنْ حَقِيقَتِهَا، إِذْ عَدَمُ النُّزُولِ مِنْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ مُطْلَقًا.
السَّابِعُ: إِنَّ الْحَدِيدَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَادِنِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ وَهِيَ عَالِيَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَعْدِنُهُ أَعْلَى كَانَ حَدِيدُهُ أَجْوَدَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] ، فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تُخْلَقُ بِالتَّوَالُدِ الْمُسْتَلْزِمِ إِنْزَالَ الذُّكُورِ الْمَاءَ مِنْ أَصْلَابِهَا إِلَى أَرْحَامِ الْإِنَاثِ، وَلِهَذَا يُقَالُ أَنْزَلَ وَلَمْ يُنْزِلْ، ثُمَّ إِنَّ الْأَجِنَّةَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْعَامَ تَعْلُو فُحُولُهَا إِنَاثَهَا بِالْوَطْءِ، وَيَنْزِلُ مَاءُ الْفَحْلِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى وَتُلْقِي وَلَدَهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦] وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْجِنْسَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] فَتَكُونُ (مِنْ) لِبَيَانِ الْجِنْسِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ الْمَحَلَّ الَّذِي أُنْزِلَتْ مِنْهُ وَهُوَ أَصْلَابُ الْفُحُولِ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ يُحْتَمَلَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى: ١١] هَلِ الْمُرَادُ جَعَلَ لَكُمْ مَنْ جِنْسِكُمْ أَزْوَاجًا أَوِ الْمُرَادُ جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَذَوَاتِكُمْ، كَمَا جُعِلَتْ حَوَّاءُ مِنْ نَفْسِ آدَمَ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ أَزْوَاجُ الْأَنْعَامِ مَخْلُوقَةً مِنْ ذَوَاتِ الذُّكُورِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الزَّوْجُ مِنْ نَفْسِ الذَّكَرِ إِلَّا مِنْ آدَمَ وَحْدَهُ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّوْعِ فَالزَّوْجُ مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْإِنْزَالَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: أَحَدُهَا: إِنْزَالٌ مُطْلَقٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] فَأَطْلَقَ الْإِنْزَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَبْدَأَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] .
стр. 426
الثَّانِيَةُ: الْإِنْزَالُ مِنَ السَّمَاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] .
الثَّالِثَةُ: إِنْزَالٌ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] وَقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] وَقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْهُ، وَالْمَطَرُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْحَدِيدُ وَالْأَنْعَامُ مُنَزَّلَانِ نُزُولًا مُطْلَقًا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ تَلْبِيسُ الْمُعَطِّلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا إِنَّ كَوْنَ الْقُرْآنِ مُنَزَّلًا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا، كَالْمَاءِ وَالْحَدِيدِ وَالْأَنْعَامِ، حَتَّى عَلَا بَعْضُهُمْ فَاحْتَجَّ عَلَى كَوْنِهِ مَخْلُوقًا بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، وَالْإِنْزَالُ بِمَعْنَى الْخَلْقِ.
اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ النُّزُولِ مِنْهُ وَالنُّزُولِ مِنَ السَّمَاءِ، فَجَعَلَ الْقُرْآنَ مُنَزَّلًا مِنْهُ، وَالْمَطَرَ مُنَزَّلًا مِنَ السَّمَاءِ، وَحُكْمُ الْمَجْرُورِ بِمِنْ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمُ الْمُضَافِ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، كَبَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ وَرُوحِ اللَّهِ وَعَبْدِهِ، فَهَذَا إِضَافَةُ مَخْلُوقٍ إِلَى خَالِقِهِ، وَهِيَ إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ وَتَشْرِيفٍ.
الثَّانِي: إِضَافَةُ صِفَةٍ إِلَى مَوْصُوفِهَا كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامِهِ وَوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ، فَهَذَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ فِيهِ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا، بَلْ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَكَذَا حُكْمُ الْمَجْرُورِ بِمِنْ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] لَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَوْصَافًا لَهُ قَائِمَةً بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، وَأَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَلُبِّسَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى هَذَا الْفُرْقَانِ، وَجَعَلُوا الْجَمِيعَ بَابًا وَاحِدًا، وَقَابَلَهُمْ طَائِفَةُ الِاتِّحَادِيَّةِ وَجَعَلُوا الْجَمِيعَ مِنْهُ بَعْضَ التَّبْعِيضِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَلَمْ يَهْتَدِ الطَّائِفَتَانِ لِلْفَرْقِ.
стр. 427
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] فَالْكِتَابُ كَلَامُهُ وَالْمِيزَانُ عَدْلُهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُمَا مَعَ رُسُلِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وَلَمْ يَقُلْ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْحَدِيدَ، فَلَمَّا ذَكَرَ كَلَامَهُ وَعَدْلَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُمَا مَعَ رُسُلِهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ مَخْلُوقَهُ النَّاصِرَ لِكِتَابِهِ وَعَدْلِهِ أَطْلَقَ إِنْزَالَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ إِنْزَالَ كَلَامِهِ، فَالْمُسَوِّي بَيْنَ الْإِنْزَالَيْنِ مُخْطِئٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: إِنَّ نُزُولَ الرَّبِّ ﵎ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا قَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَوَاهُ عَنْهُ نَحْوَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُهُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَجْمَعٍ، فَكَيْفَ تَكُونُ حَقِيقَتُهُ مُحَالًا وَبَاطِلًا وَهُوَ ﷺ يَتَكَلَّمُ بِهَا دَائِمًا وَيُعِيدُهَا وَيُبْدِيهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَلَا يَقْرِنُ بِاللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَجَازِهِ بِوَجْهٍ مَا، بَلْ يَأْتِي بِمَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ؟ كَقَوْلِهِ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي» " وَقَوْلُهُ: " «مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ» "، وَقَوْلُهُ: " «فَيَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ثُمَّ يَعْلُو عَلَى كُرْسِيِّهِ» " فَهَذَا كُلُّهُ بَيَانُ الْإِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، وَمَانِعُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ، وَقَدْ صَرَّحَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ آخِرُهُمْ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِذَاتِهِ، وَنَظَمَ أَبُو الْفَرَجِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:
أَدْعُوكَ لِلْوَصْلِ تَأْبَى ... أَبْعَثُ رَسُولِي فِي الطَّلَبِ
أَنْزِلُ إِلَيْكَ بِنَفْسِي ... أَلْقَاكَ فِي النُّوَّامِ
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مُجَدِّدًا لِلدِّينِ فِي رَأْسِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ: وَكَانَ مِنَ اعْتِقَادِ الْإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ نُزُولَ اللَّهِ بِالذَّاتِ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِهِ وَقَدْ كَتَبَهُ فِي فَتَاوٍ عَدِيدَةٍ، وَأَمْلَى فِيهِ إِمْلَاءً إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِسْنَادُ حَدِيثِ نُعَيْمِ
стр. 428
ابْنِ حَمَّادٍ إِسْنَادٌ مَدْخُولٌ وَفِيهِ مَقَالٌ، مُرَادُهُ بِحَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ بِشْرٍ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ قَالَ " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ عَرْشِهِ نَزَلَ بِذَاتِهِ» ".
قُلْتُ: وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَحْتَاجُ إِثْبَاتُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَيْهِ، فَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ صَرِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا لَفْظُ الذَّاتِ.
الْحَادِي عَشَرَ: إِنَّ الْخَبَرَ وَقَعَ عَنْ نَفْسِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» " فَهَذَا خَبَرٌ عَنْ مَعْنًى لَا عَنْ لَفْظٍ، وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ هُوَ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ فَإِنَّ الْخَبَرَ يَكُونُ عَنِ اللَّفْظِ تَارَةً وَهُوَ قَلِيلٌ وَيَكُونُ مُسَمَّاهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، فَإِذَا قُلْتَ زَيْدٌ عِنْدَكُمْ وَعَمْرٌو قَائِمٌ، فَإِنَّمَا أَخْبَرْتَ عَنِ الذَّاتِ لَا عَنِ الِاسْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] هُوَ خَبَرٌ عَنْ ذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى فَلَا يَحْتَاجُ الْمُخْبِرُ أَنْ يَقُولَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِذَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٢] قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ نَفْسِ ذَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ ذَاتِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ إِخْبَارٌ وَاحِدٌ الْبَتَّةَ.
فَالسَّامِعُ قَدْ أَحَاطَ عِلْمًا بِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ ذَاتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَيَعْلَمُ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقُولَ أَنَّهُ بِذَاتِهِ فَعَلَ وَخَلَقَ وَاسْتَوَى، فَإِنَّ الْخَبَرَ عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ وَذَاتِهِ هَذَا حَقِيقَةُ الْكَلَامِ، وَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا بِقَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ تُزِيلُ اللَّبْسَ وَتُعَيِّنُ الْمُرَادَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا أَنْ نَقُولَ: اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ، وَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ بِذَاتِهِ، كَمَا لَا يُحْتَاجُ أَنْ نَقُولَ خَلَقَ بِذَاتِهِ وَقَدَرَ بِذَاتِهِ وَسَمِعَ وَتَكَلَّمَ بِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِقَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ.
الثَّانِي عَشَرَ: إِنَّ قَوْلَهُ " «مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ» " إِذَا ضَمَمْتَ هَذَا إِلَى قَوْلِهِ " «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» " وَإِلَى قَوْلِهِ " فَيَقُولُ " وَإِلَى قَوْلِهِ: " «لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي» " عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ، وَأَنَّ هَذَا السِّيَاقَ نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِوَجْهٍ، خُصُوصًا إِذَا أُضِيفَ إِلَى قَوْلِهِ " «ثُمَّ يَعْلُو عَلَى كُرْسِيِّهِ» " وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ: «إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّهِ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ مَعَهُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ.
стр. 429
الْوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ: إِنَّ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِاللَّهِ وَأَنْصَحَهُمْ لِلْأُمَّةِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى الْعِبَارَةِ الَّتِي لَا تُوقِعُ لَبْسًا قَدْ صَرَّحَ بِالنُّزُولِ مُضَافًا إِلَى الرَّبِّ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَا يَنْفِي الْحَقِيقَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا فَلَوْ كَانَتْ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ بَاطِلَةً، وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي عِلْمِهِ أَوْ نُصْحِهِ أَوْ بَيَانِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
الرَّابِعُ عَشَرَ: أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى لَفْظِ النُّزُولِ الْعَارِي عَنْ قَرِينَةِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ مَعَهُ مَا يُؤَكِّدُ إِرَادَةَ الْحَقِيقَةِ حَتَّى نَوَّعَ هَذَا الْمَعْنَى، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ كَالْهُبُوطِ وَالدُّنُوِّ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالطَّوَافِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَفَرَّقَ بَيْنَ إِتْيَانِ أَمْرِهِ وَبَيْنَ إِتْيَانِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَحَقُّ مَا اعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَلَفْظُهُ " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَقِفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا مِقْدَارَ سَبْعِينَ عَامًا لَا يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ وَلَا يُقْضَى بَيْنَكُمْ، فَتَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ تَدْمَعُونَ دَمًا وَتَعْرَقُونَ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْكُمُ الْعَرَقُ الْأَذْقَانَ وَيُلْجِمُكُمْ، فَتَضِجُّونَ وَتَقُولُونَ: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا فَيَقْضِي بَيْنَنَا فَتَقُولُونَ مَنْ أَحَقُّ بِهَذَا مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ، جَبَلَ اللَّهُ تُرْبَتَهُ وَخَلَقَهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ اللَّهُ قُبُلًا، فَيُؤْتَى آدَمُ فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَأْبَى، ثُمَّ يَسْتَقْرِئُونَ الْأَنْبِيَاءَ، كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا يَأْبَى، حَتَّى يَأْتُونِي فَيَسْأَلُونِي، فَآتِي الْفَحْصَ قُدَّامَ الْعَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَلَا أَزَالُ سَاجِدًا حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيَّ مَلَكًا فَيَأْخُذُ بِعَضُدِي فَيَرْفَعُنِي، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: مُحَمَّدٌ، فَأَقُولُ نَعَمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ فَأَقُولُ، يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ قَدْ شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتِيهِمْ فَأَقْضِي بَيْنَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْصَرِفُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ، فَبَيْنَا نَحْنُ وُقُوفٌ سَمِعْنَا حِسًّا مِنَ السَّمَاءِ شَدِيدًا فَهَالَنَا، فَيَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ فَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، فَقَالَ أَهْلُ الْأَرْضِ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ قَالُوا: لَا وَهُوَ آتٍ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتْ لِنُورِهِمْ
стр. 430
وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، قَالَ النَّاسُ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ قَالُوا: لَا، هُوَ آتٍ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ نَزَلَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِعَرْشِهِ فَيُوضَعُ حَيْثُ شَاءَ، وَيَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، وَهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ أَقْدَامُهُمْ عَلَى تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَالسَّمَاوَاتُ إِلَى حُجْزِهِمْ وَالْعَرْشُ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ، وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَ الْعَرْشِ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ، ثُمَّ يُنَادَى نِدَاءٌ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ، فَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِّي أُنْصِتُ لَكُمْ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتُكُمْ فَأَنْصِتُوا إِلَيَّ الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هِيَ صُحُفُكُمْ وَأَعْمَالُكُمْ تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُمْ إِلَّا نَفْسَهُ، فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ، فَإِنَّهُ لَيُقِيدُ يَوْمَئِذٍ لِلْجَمَّاءِ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» ".
وَقَالَ رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ صَاحِبُ تَجْرِيدِ الصِّحَاحِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَهُوَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، اخْتَصَرَ تَفْسِيرَ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَعَلَى كِتَابِهِ " التَّجْرِيدُ " اعْتَمَدَ صَاحِبُ كِتَابِ جَامِعِ الْأُصُولِ وَهَذَّبَهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] عِنْدَ الْمَوْتِ حِينَ تَوَفَّاهُمْ ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَعَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَيْثُ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ إِتْيَانُ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِتْيَانِهِمْ لِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُهُمْ بِعَذَابِ الْكُفَّارِ وَإِهْلَاكِهِمْ.
وَأَمَّا إِتْيَانُ الرَّبِّ فَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢] قَالَ رَزِينٌ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَّبِعِينَ لِأَهْوَائِهِمُ الْمُقَدِّمِينَ بَيْنَ يَدَيْ كِتَابِ اللَّهِ لِآرَائِهِمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ
стр. 431
وَالْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ، فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وَقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالْآثَارِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ يُثْبِتُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَوَهُّمٍ، وَيَرَوْنَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ كَمَا جَاءَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى.
وَالْإِتْيَانُ وَالْمَجِيءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، فَإِذَا كَانَ مَجِيءُ رَحْمَتِهِ أَوْ عَذَابِهِ كَانَ مُقَيَّدًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْخَيْرِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢] وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧١] وَفِي الْأَثَرِ: لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا اللَّهُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ الْمُطْلَقُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢] وَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَجِيئُهُ سُبْحَانَهُ، هَذَا إِذَا كَانَ مُطْلَقًا، فَكَيْفَ إِذَا قُيِّدَ بِمَا يَجْعَلُهُ صَرِيحًا فِي مَجِيئِهِ نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَعَطَفَ مَجِيئَهُ عَلَى مَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ عَطَفَ مَجِيءَ آيَاتِهِ عَلَى مَجِيئِهِ، وَمِنَ الْمَجِيءِ الْمُقَيَّدِ قَوْلُهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] فَلَمَّا قَيَّدَهُ بِالْمَفْعُولِ وَهُوَ الْبُنْيَانُ وَبِالْمَجْرُورِ وَهُوَ الْقَوَاعِدُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَجِيءِ مَا بَيَّنَهُ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا جَاءَ بِنَفْسِهِ لَا يَجِيءُ مِنْ أَسَاسِ الْحِيطَانِ وَأَسْفَلِهَا، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] فَهَذَا مَجِيءٌ مُقَيَّدٌ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ قَدْ أَوْقَعَ بِهِمْ بَأْسَهُ، وَعَلِمَ السَّامِعُونَ أَنَّ جُنُودَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُسْلِمِينَ أَتَوْهُمْ، فَكَانَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ فِي الْآيَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ عَلَى حَقِيقَةٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ دُنُوًّا مِمَّنْ يُرِيدُ إِهْلَاكَهُمْ بِغَضَبِهِ وَانْتِقَامِهِ كَمَا يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ مِنَ الْحُجَّاجِ بِرَحْمَتِهِ
стр. 432
وَمَغْفِرَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الدُّنُوِّ وَالْإِتْيَانِ الْمُلَاصَقَةُ وَالْمُخَالَطَةُ، بَلْ يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَهَؤُلَاءِ بِانْتِقَامِهِ وَعُقُوبَتِهِ، وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ إِذْ لَا يَكُونُ الرَّبُّ إِلَّا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، فَفَوْقِيَّتُهُ وَعُلُوُّهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ نُزُولِهِ وَدُنُوِّهِ، وَهُبُوطِهِ وَمَجِيئِهِ، وَإِتْيَانِهِ وَعُلُوِّهِ، لِإِحَاطَتِهِ وَسَعَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي قَبْضَتِهِ، وَأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ الظَّاهِرَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، فَهُوَ الْبَاطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ، فَظُهُورُهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ أَعْلَمُ الْخَلْقِ لَا يُنَاقِضُ بُطُونَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ أَيْضًا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَدْنُو وَيَقْرُبُ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّنُوَّ وَالْقُرْبَ مِنْهُ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» " فَهَذَا قُرْبُ السَّاجِدِ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» "، فَهَذَا قُرْبُهُ مِنْ دَاعِيهِ وَالْأَوَّلُ قُرْبُهُ مِنْ عَابِدِيهِ، وَلَمْ يُنَاقِضْ ذَلِكَ كَوْنُهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ.
وَإِنْ عَسُرَ عَلَى فَهْمِكَ اجْتِمَاعُ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ يُوَضِّحُ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ إِحَاطَةِ الرَّبِّ وَسَعَتِهِ، وَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ فِي يَدِهِ كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ السَّبْعَ بِيَدِهِ وَالْأَرْضِينَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَمَنْ هَذَا شَأْنُهُ كَيْفَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ الدُّنُوُّ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّنُوَّ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، وَهُوَ يُوجِبُ لَكَ فَهْمَ اسْمِهِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ هُوَ تَفْسِيرُ الْحَقِّ الْمُطَابِقُ لِكَوْنِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، وَكَوْنِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ أَنَّ النُّزُولَ وَالْمَجِيءَ وَالْإِتْيَانَ، وَالِاسْتِوَاءَ، وَالصُّعُودَ وَالِارْتِفَاعَ كُلُّهَا أَنْوَاعُ أَفْعَالٍ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَأَفْعَالُهُ كَصِفَاتِهِ قَائِمَةً بِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَعَّالًا وَلَا مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ كَمَالِهِ، فَنُزُولُهُ وَمَجِيئُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَارْتِفَاعُهُ وَصُعُودُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، كُلُّهَا أَفْعَالٌ مِنْ أَفْعَالِهِ، الَّتِي إِنْ كَانَتْ مَجَازًا فَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَجَازٌ وَلَا فِعْلَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَمَادَاتِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ مَنْ عَطَّلَ أَفْعَالَهُ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا حَقِيقَةً فَأَفْعَالُهُ نَوْعَانِ: لَازِمَةٌ وَمُتَعَدِّيَةٌ، كَمَا دَلَّتِ النُّصُوصُ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ عَلَى النَّوْعَيْنِ.
стр. 433
وَبِإِثْبَاتِ أَفْعَالِهِ وَقِيَامِهَا بِهِ تَزُولُ عَنْكَ جَمِيعُ الْإِشْكَالَاتِ، وَتُصَدِّقُ النُّصُوصُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَعْلَمُ مُطَابَقَتَهَا لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَإِنْ أَنْكَرْتَ حَقِيقَةَ الْأَفْعَالِ وَقِيَامَهَا بِهِ سُبْحَانَهُ اضْطَرَبَ عَلَيْكَ هَذَا الْبَابُ أَعْظَمَ اضْطِرَابٍ، وَبَقِيتَ حَائِرًا فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ أُصُولِ النُّفَاةِ، وَهَيْهَاتَ لَكَ بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، يُوَضِّحُهُ: إِنَّ الْأَوْهَامَ الْبَاطِلَةَ وَالْعُقُولَ الْفَاسِدَةَ لَمَّا فَهِمَتْ مِنْ نُزُولِ الرَّبِّ وَمَجِيئِهِ، وَإِتْيَانِهِ وَهُبُوطِهِ وَدُنُوِّهِ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَجِيءِ الْمَخْلُوقِ وَإِتْيَانِهِ وَهُبُوطِهِ وَدُنُوِّهِ وَهُوَ أَنْ يُفْرِغَ مَكَانًا وَيَشْغَلَ مَكَانًا نَفَتْ حَقِيقَةَ ذَلِكَ فَوَقَعَتْ فِي مَحْذُورَيْنِ: مَحْذُورِ التَّشْبِيهِ وَمَحْذُورِ التَّعْطِيلِ، وَلَوْ عَلِمَتْ هَذِهِ الْعُقُولُ الضَّعِيفَةُ أَنَّ نُزُولَهُ سُبْحَانَهُ وَمَجِيئَهُ وَإِتْيَانَهُ لَا يُشْبِهُ نُزُولَ الْمَخْلُوقِ وَإِتْيَانَهُ وَمَجِيئَهُ، كَمَا أَنَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَعِلْمَهُ وَحَيَاتَهُ كَذَلِكَ، بَلْ يَدُهُ الْكَرِيمَةُ وَوَجْهُهُ الْكَرِيمُ كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ نُزُولًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ نُزُولٌ، فَكَيْفَ تُنْفَى حَقِيقَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَنْفِ الْمُعَطِّلَةُ حَقِيقَةَ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا تَنَاقَضُوا، فَإِنَّهُمْ أَيُّ مَعْنًى أَثْبَتُوهُ لَزِمَهُمْ فِي نَفْيِهِ مَا أَلْزَمُوا بِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَجِدُونَ إِلَى الْفَرْقِ سَبِيلًا.
فَلَوْ كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ مُمَاثِلًا لِخَلْقِهِ لَزِمَ مِنْ نُزُولِهِ خَصَائِصُ نُزُولِهِمْ ضَرُورَةُ ثُبُوتِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ لِلْآخَرِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِتَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الْأَنْصَابِ وَالْأَصْنَامِ إِلَّا تَسَاقَطُوا فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَأَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ أُمَّةٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، فَيَأْتِيهِمُ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، قَالَ فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: " أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا» "، وَفِي لَفْظٍ فَيَقُولُ: " «هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ بِهَا، فَيَقُولُونَ السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدُ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا» ".
стр. 434
وَحَدِيثُ النُّزُولِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَرَابَةَ الْجُهَنِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَلَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَثَوْبَانُ: وَأَبُو حَارِثَةَ، وَخَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ ﵃.
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَهُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " «يَنْزِلُ اللَّهُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِكُلِّ نَفْسٍ إِلَّا إِنْسَانًا فِي قَلْبِهِ شَحْنَاءُ أَوْ مُشْرِكٌ» " رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيَقُولُ: أَلَا سَائِلٌ يُعْطَى، أَلَا دَاعٍ فَيُجَابُ، أَلَا مُذْنِبٌ يُسْتَغْفَرُ لَهُ، أَلَا سَقِيمٌ يُسْتَشْفَى» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي السُّنَّةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، مَنْ يَسْتَغْفِرُ فَأَغْفِرُ لَهُ» " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ أَنَّهُمَا
стр. 435
شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَنَادَى: هَلْ مِنْ مُذْنِبٍ يَتُوبُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ» ".
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ» ".
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ تَنْفِي الْمَجَازَ بِنِسْبَةِ النُّزُولِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَنِسْبَةِ الْقَوْلِ إِلَيْهِ، وَقَوْلِهِ: " «أَنَا الْمَلِكُ» " وَقَوْلِهِ: " «يَسْتَغْفِرُنِي» " وَقَوْلِهِ " «فَأَغْفِرُ لَهُ» " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ، " «إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» . . . " فَذَكَرَهُ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا قَدِ اتَّفَقَتْ عَلَى دَوَامِ النُّزُولِ الْإِلَهِيِّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَاتَّفَقَتْ عَلَى حُصُولِهِ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ، وَاخْتَلَفَتْ فِي أَوَّلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ الثُّلُثِ الثَّانِي، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَوَّلُ الشَّطْرِ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَوَّلُ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ لَمْ تَجِدْ بَيْنَهُمَا تَعَارُضًا.
بَقِيَتْ رِوَايَةُ: «إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ» ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ لَا تَكُونَ مَحْفُوظَةً وَتَكُونُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِ الرَّاوِي، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى الثُّلُثِ الْأَخِيرِ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ الْأَوَّلُ وَالشَّطْرُ وَالثُّلُثُ الْأَخِيرُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ النُّزُولُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ عِنْدَ قَوْمٍ وَوَسَطُهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَثُلُثُهُ الْأَوَّلُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، فَيَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى أَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى هَذَا فَالشُّبْهَةُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي عَارَضَ بِهَا النُّفَاةُ حَدِيثَ النُّزُولِ تَكُونُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ قَدْ تَضَمَّنَتِ الْجَوَابَ عَنْهَا، فَإِنَّ هَذَا النُّزُولَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ كَوْنُهُ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ أَوْ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَطَالِعِ.
وَلَمَّا كَانَتْ رُقْعَةُ الْإِسْلَامِ مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنَ الْمَعْمُورِ فِي الْأَرْضِ كَانَ التَّفَاوُتُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْقَدْرِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذَا.
الثَّالِثُ: إِنَّ لِلنُّزُولِ الْإِلَهِيِّ شَأْنًا عَظِيمًا، لَيْسَ شَأْنُهُ كَشَأْنِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ قُدُومُ مَلِكِ
стр. 436
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ الَّتِي تَلِينَا، وَلَا رَيْبَ أَنْ لِلسَّمَاوَاتِ وَأَمْلَاكِهَا عِنْدَ هُبُوطِ الرَّبِّ تَعَالَى وَنُزُولِهِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا شَأْنًا وَحَالًا.
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: إِنَّ السَّمَاوَاتِ تَأْخُذُهَا رَجْفَةٌ وَيَسْجُدُ أَهْلُهَا جَمِيعًا.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ الْعُلْيَا، أَلَا نَزَلَ الْخَالِقُ الْعَلِيمُ، فَيَسْجُدُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُنَادِي فِيهِمْ مُنَادٍ ذَلِكَ، فَلَا يَمُرُّ بِأَهْلِ سَمَاءٍ إِلَّا وَهُمْ سُجُودٌ» ، وَمِنْ عَوَائِدِ الْمُلُوكِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا الْقُدُومَ إِلَى بَلَدٍ أَوْ مَكَانٍ غَيْرِ مَكَانِهِمُ الْمَعْرُوفِ بِهِمْ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مُوَافَاتِهِمْ إِلَيْهِ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ مَصَالِحِ مُلْكِهِمْ، وَهَكَذَا شَأْنُ الرَّبِّ ﵎ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدِي مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ كِتَابَةَ ذَلِكَ أَوْ إِعْلَامَ مَلَائِكَتِهِ أَوْ إِعْلَامَ رُسُلِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وَقَوْلُهُ لِنُوحٍ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] .
وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَتَقَدَّمُ إِلَى مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ بِإِعْلَامِهِمْ بِمَا يُرِيدُ فِعْلَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى أَهْلِ سَمَاوَاتِهِ بِنُزُولِهِ وَيَحْدُثُ لِلسَّمَاوَاتِ وَلِلْمَلَائِكَةِ مِنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ الْأَمْرِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَهَكَذَا يَفْعَلُ سُبْحَانَهُ إِذَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَتَأَثَّرُ السَّمَاوَاتُ وَالْمَلَائِكَةُ قَبْلَ النُّزُولِ " فَسَمَّى ذَلِكَ نُزُولًا لِأَنَّهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَمُتَّصِلًا بِهِ، كَمَا أَطْلَقَ سُبْحَانَهُ عَلَى وَقْتِ الزَّلْزَلَةِ وَالرَّجْفَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالسَّاعَةِ أَنَّهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالسَّاعَةِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ، فَمُقَدِّمَاتُ الشَّيْءِ وَمَبَادِيهِ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَى الْوُجُوهِ.
стр. 437
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّازِقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، لَهُ فِي كُلِّ سَمَاءٍ كُرْسِيٌّ، فَإِذَا نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ثُمَّ مَدَّ سَاعِدَيْهِ فَيَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ غَيْرَ عَادِمٍ وَلَا ظَلُومٍ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُ فَأَغْفِرُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَتُوبُ فَأَتُوبُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ارْتَفَعَ فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ» " رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَلَهُ أَصْلٌ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَقُولُ ﷻ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ» " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ خُشَيْشِ بْنِ أَصْرَمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لِثُلُثِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: أَلَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، أَوْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ يَدْعُونِي فَأَغْفِرُ لَهُ، أَلَا مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَلَا مَظْلُومٌ يَسْتَنْصِرُنِي فَأَنْصُرُهُ، أَلَا عَانٍ يَدْعُونِي فَأَفُكُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ ذَاكَ مَكَانُهُ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ ثُمَّ يَعْلُو رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الْعُلْيَا عَلَى كُرْسِيِّهِ» ".
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» " وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ يَرْفَعُهُ " «أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ " قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: إِلَّا مَنْ عَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، إِنَّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى
стр. 438
سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ، شُعْثًا غُبْرًا، جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ضَاحِّينَ يَسْأَلُونِي رَحْمَتِي، فَلَا يُرَى يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا وَلَا عَتِيقَةً» .
فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَقَالَ: مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» " وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رِجَالُهُ أَئِمَّةٌ، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِهِ، وَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ ثُمَّ يَهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ أَلَا عَبْدٌ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِرَاكُهُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَرَوَى سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " «يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ الصَّيْحَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، فَيَسْمَعُهُ الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» " وَسُلَيْمٌ هَذَا صَدُوقٌ خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فَرَوَى أَبُو الْيَمَانِ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَهَذَا سِيَاقُ حَدِيثِهِ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ عَامِرٍ «عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، شَيْءٌ تَعْلَمُهُ وَأَجْهَلُهُ، يَنْفَعُنِي وَلَا يَضُرُّكَ، مَا سَاعَةٌ أَقْرَبُ مِنْ سَاعَةٍ، وَمَا سَاعَةٌ تَبْقَى فِيهَا، يَعْنِي الصَّلَاةَ، فَقَالَ: " يَا عَمْرُو بْنَ عَبَسَةَ، لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، إِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يَتَدَلَّى مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَغْفِرُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ، وَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ صَلَاةُ الْكُفَّارِ، فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا اسْتَعْلَتِ الشَّمْسُ فَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى يَعْتَدِلَ النَّهَارُ فَأَخِّرِ الصَّلَاةَ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا فَاءَ الْفَيْءُ
стр. 439
فَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ، فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» ".
وَأَمَّا حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ عَرَابَةَ الْجُهَنِيِّ فَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، فَقَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأُكَفِّرُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ» " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّ الْمَلَكَ لَا يَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، وَلَا يَقُولُ: مَنْ يَسْأَلُنِي أُعْطِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ» "، وَأَنَّ دَاوُدَ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: لَا يَسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَاحِرًا أَوْ عَشَّارًا " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِنَحْوِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَنْزِلُ اللَّهُ فِي آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى مِنْهُنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ وَهِيَ مَسْكَنُهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ لَا يَكُونُ مَعَهُ فِيهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ
стр. 440
وَالصِّدِّيقُونَ، وَفِيهَا مَا لَمْ يَرَ أَحَدٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: أَلَا مُسْتَغْفِرٌ فَأَغْفِرُ لَهُ، أَلَا سَائِلٌ فَأُعْطِيهِ، أَلَا دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ» رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ.
[حديث الجمعة وهو شجي في حلوق المعطلة]
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَهُوَ الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي هُوَ قُرَّةٌ لِعُيُونِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَشَجًى فِي حُلُوقِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَالْبُهْتَانِ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مُجَمِّلًا بِهِ كِتَابَهُ رَاجِيًا بِرِوَايَتِهِ وَتَبْلِيغِهِ عَنِ الرَّسُولِ مِنَ اللَّهِ ثَوَابُهُ، وَرَوَاهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ لَهُ مُقِرِّينَ، وَعَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ مُنْكِرِينَ.
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ وَكَانَ ثِقَةً حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى عُفْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «جَاءَنِي جَبْرَائِيلُ وَفِي كَفِّهِ مِرْآةٌ فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَقُلْتُ مَا هَذِهِ يَا جَبْرَائِيلُ؟ قَالَ هَذِهِ الْجُمُعَةُ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْكَ رَبُّكَ فَتَكُونُ هُدًى لَكَ وَلِأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَقُلْتُ وَمَا لَنَا فِيهَا؟ قَالَ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ كَثِيرٌ أَنْتُمُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا هُوَ لَهُ قُسِمَ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَلَا خَيْرًا لَهُ لَمْ يُقْسَمْ إِلَّا ادَّخَرَ لَهُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَلَا يَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ إِلَّا رُفِعَ عَنْهُ أَكْبَرُ مِنْهُ، قُلْتُ مَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ؟ قَالَ هَذِهِ السَّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ فِيهَا الْقِيَامَةُ وَهُوَ سَيِّدُ الْأَيَّامِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهِ عِنْدَنَا يَوْمَ الْمَزِيدِ، قُلْتُ: وَلِمَ تُسَمُّونَهُ يَوْمَ الْمَزِيدِ يَا جَبْرَائِيلُ؟ قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ هَبَطَ الْجَبَّارُ ﷻ عَنْ عَرْشِهِ إِلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَدْ حُفَّ الْكُرْسِيُّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، ثُمَّ يَجِيءُ أَهْلُ الْغُرَفِ حَتَّى يَحُفُّوا بِالْكَثِيبِ، ثُمَّ يَتَبَدَّى لَهُمْ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَأَحْلَلْتُكُمْ دَارَ كَرَامَتِي فَسَلُونِي، فَيَقُولُونَ بِأَجْمَعِهِمْ: نَسْأَلُكَ الرِّضَى عَنَّا، فَيَشْهَدُ لَهُمْ عَلَى الرِّضَى، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ سَلُونِي، فَيَسْأَلُونَهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ تُهْمَةُ كُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ سَلُونِي، فَيَقُولُونَ حَسْبُنَا رَبَّنَا رَضِينَا،
стр. 441
فَيَرْجِعُ الْجَبَّارُ تَعَالَى إِلَى عَرْشِهِ فَيَفْتَحُ لَهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَيَرْجِعُ أَهْلُ الْغُرَفِ إِلَى غُرَفِهِمْ، وَهِيَ غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَزُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ لَيْسَ فِيهَا فَصْمٌ وَلَا قَصْمٌ، مُطَّرِدَةٌ فِيهَا أَنْهَارُهَا مُتَدَلِّيَةٌ فِيهَا أَثْمَارُهَا، فِيهَا أَزْوَاجُهَا وَخَدَمُهَا وَمَسَاكِنُهَا فَلَيْسُوا إِلَى يَوْمٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا تَفَضُّلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا» .
وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عُثْمَانَ بِهِ، وَرَوَاهُ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرَهُ، وَرَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكِيمِ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ الْحَكَمُ بْنُ أَسْلَمَ عَنِ الصَّعْقِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ بْنُ حَزَنٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ، وَرَوَاهُ أَسْعَدُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَنَسٍ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَزْهَرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي أُخْرَى: وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ رَبُّكُمْ عَلَى الْعَرْشِ، وَفِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَقَدْ جَمَعَ أَبُو دَاوُدَ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ جَهْوَرٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُطَيَّبٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَأَبُو النَّضْرِ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَارِعُوا إِلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ أَبْيَضَ فَيَكُونُونَ مِنْهُ فِي الْقُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ» .
стр. 442
[حديث لقيط بن عامر الجهني وفيه فوائد]
وَأَمَّا حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: كَتَبَ إِلَى الْإِبْرَاهِيمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنِّي، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْحَزْمِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيِّ ح قَالَ دَلْهَمُ وَحَدَّثَنِيهِ أَبِي عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ «أَنَّ لَقِيطًا وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ قَالَ لَقِيطٌ فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنِّي قَدْ خَبَوْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِأَسْمَعَكُمْ، أَلَا فَهَلْ مِنَ امْرِئٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا لَهُ: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلَا ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يُلْهِيَهُ حَدِيثُ نَفْسِهِ أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ، أَوْ يُلْهِيَهِ الضَّلَالُ، أَلَا إِنِّي مَسْئُولٌ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا اسْمَعُوا تَعِيشُوا، أَلَا اجْلِسُوا أَلَا اجْلِسُوا، قَالَ فَجَلَسَ النَّاسُ وَقُمْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَبَصَرُهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَكَ عِلْمُ الْغَيْبِ؟ فَضَحِكَ لَعَمْرُ اللَّهُ وَهَزَّ رَأْسَهُ وَعَلِمَ أَنِّي أَبْتَغِي سَقْطَةً، فَقَالَ: ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَشَارَ بِيَدِهِ قُلْتُ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: عِلْمُ الْمَنِيَّةِ، قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ وَلَا تَعْلَمُونَهُ، وَعَلِمَ مَا فِي الْغَدِ مَا أَنْتَ طَاعِمٌ غَدًا وَلَا تَعْلَمُهُ، وَعَلِمَ يَوْمَ الْغَيْثِ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ مُشْفِقِينَ فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَوْثَكُمْ إِلَى قَرِيبٍ، قَالَ لَقِيطٌ: لَنْ نَعْدِمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا، وَعَلِمَ يَوْمَ السَّاعَةِ، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنَا مِمَّا تَعَلَّمُ النَّاسُ وَمِمَّا تَعْلَمُ، فَأَنَا فِي قَبِيلٍ لَا يُصَدِّقُ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ مِنْ مَذْحِجٍ الَّتِي تَرْبُو عَلَيْنَا وَخَثْعَمَ الَّتِي تُوَالِينَا وَعَشِيرَتُنَا الَّتِي نَحْنُ مِنْهَا: قَالَ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ ﷺ ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْئًا إِلَّا مَاتَ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ ، فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ، وَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلَادُ، فَأَرْسَلَ رَبُّكَ السَّمَاءَ بِهَضْبٍ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مَصْرَعَ قَتِيلٍ وَلَا مَدْفِنَ مَيِّتٍ إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ حَتَّى تَخْلُقَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ فَيَسْتَوِي جَالِسًا، فَيَقُولُ رَبُّكَ مَهْيَمْ لِمَا كَانَ فِيهِ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَمْسِ الْيَوْمَ وَلِعَهْدِهِ بِالْحَيَاةِ يَحْسَبُهُ حَدِيثًا بِأَهْلِهِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَمَا تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعُ؟ قَالَ أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ الْأَرْضِ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ مُدِرَّةٌ بَالِيَةٌ، فَقُلْتَ لَا تَحْيَا أَبَدًا، ثُمَّ أَرْسَلَ رَبُّكَ عَلَيْهَا السَّمَاءَ فَلَمْ تَلْبَثْ عَنْكَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا
стр. 443
وَهِيَ مَشْرَبَةٌ وَاحِدَةٌ وَلِعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ فَتَخْرُجُونَ مِنَ الْأَصْوَاءِ وَمِنْ مَصَارِعِكُمْ فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ " قَلَتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَنَحْنُ مِلْؤُ الْأَرْضِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: " أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِنْهُمَا، عَلَى أَنْ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا يَفْعَلُ بِنَا رَبُّنَا إِذَا لَقِينَاهُ؟ قَالَ: " تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةً لَهُ صَفَحَاتُكُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ فَيَنْضَحُ بِهَا قِبَلَكُمْ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يُخْطِئُ وَجْهَ أَحَدِكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّبْطَةِ الْبَيْضَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَخْطِمُهُ بِمِثْلِ الْحَمِيمِ الْأَسْوَدِ، أَلَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ ﷺ وَيُفَرَّقُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ فَيَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ، فَيَطَأُ أَحَدُكُمُ الْجَمْرَ وَيَقُولُ حِسْ، فَيَقُولُ اللَّهُ : أَوَانُهُ، فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى ظَمَأٍ وَاللَّهُ نَاهِلُهُ قَطُّ رَأَيْتُهَا، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يَبْسُطُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلَّا وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّرَفِ وَالْبَوْلِ وَالْأَذَى، وَتُحْبَسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَلَا تَرَوْنَ وَاحِدًا مِنْهُمَا "، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ نُبْصِرُ؟ قَالَ: " بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ، وَذَلِكَ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ ثُمَّ وَاجَهَتْهُ الْجِبَالُ "، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فِيمَ نُجْزَى مِنْ سَيِّئَاتِنَا؟ قَالَ: " الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ "، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِمَّا الْجَنَّةُ وَإِمَّا النَّارُ قَالَ: " لَعَمْرُ إِلَهِكَ وَإِنَّ لِلنَّارِ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَامًا "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَى مَا نَطَّلِعُ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَأَنْهَارٍ مِنْ كَأْسٍ مَا بِهَا مِنْ صُدَاعٍ وَلَا نَدَامَةٍ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَمَاءٌ غَيْرُ آسِنٍ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مِمَّا تَعْلَمُونَ وَخَيْرٌ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ مُصْلِحَاتٌ؟ قَالَ: " الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ تَلِذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَلِذُّونَكُمْ غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ "، قَالَ لَقِيطٌ: قُلْتُ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ فَبَسَطَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَقَالَ: " عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَزِيَالِ الشِّرْكِ وَأَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِلَى غَيْرِهِ، قَالَ قُلْتُ وَإِنَّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَظَنَّ أَنِّي مُشْتَرِطٌ شَيْئًا لَا يُعْطِينِيهِ، قَالَ قُلْتُ: نَحِلُّ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا وَلَا يَجْنِي عَلَى امْرِئٍ إِلَّا نَفْسُهُ؟ فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: " ذَلِكَ لَكَ تَحِلُّ
стр. 444
حَيْثُ شِئْتَ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ إِلَّا نَفْسُكَ "، فَانْصَرَفْنَا وَقَالَ: " هَا إِنَّ ذَيْنِ هَا إِنَّ ذَيْنِ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ إِنْ حَدَثَتْ، أَلَا إِنَّهُمْ إِنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةَ "، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ الْحَدَادِيَةِ أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَهْلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَانْصَرَفْنَا وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّا مَضَى مِنْ خَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَرْضِ قُرَيْشٍ: وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ، فَلَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِي وَوَجْهِي مِمَّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَإِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ، فَقُلْتُ وَأَهْلَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللَّهِ مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ فَقُلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ يُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ "، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَكَانُوا يَحْسَبُونَهُمْ مُصْلِحِينَ، قَالَ: " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِي آخِرِ سَبْعِ أُمَمٍ نَبِيًّا، فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ، وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ» ".
هَذَا حَدِيثٌ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، جَلَالَةُ النُّبُوَّةِ بَادِيَةٌ عَلَى صَفَحَاتِهِ تُنَادِي عَلَيْهِ بِالصِّدْقِ، صَحَّحَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ، ثُمَّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيِّ الْمَدَنِيِّ عَنْهُ، وَهُمَا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، ثِقَتَانِ مُحْتَجٌّ بِهِمَا فِي الصَّحِيحِ، احْتَجَّ بِهِمَا الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمْ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ الْحَافِظُ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهْ، وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ، رَوَوْهُ فِي السُّنَّةِ وَقَابَلُوهُ بِالْقَبُولِ وَتَلَقَّوْهُ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّسْلِيمِ.
стр. 445
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّنْعَانِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَرَؤُهُ بِالْعِرَاقِ بِجَمْعِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِي إِسْنَادِهِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ عَلَى سَبِيلِ الْقَبُولِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَيْرِ عَبْدُ الرَّحِيمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي الْفَرَجِ الثَّقَفِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ كَبِيرٌ ثَابِتٌ حَسَنٌ مَشْهُورٌ، وَقَدْ رَوَى مِنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فَصْلَ: الضَّحِكِ، وَرَوَى مِنْهُ فَصْلَ: الرُّؤْيَةِ، وَرَوَى مِنْهُ فَصْلَ: فَأَيْنَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِكَ، وَرَوَى مِنْهُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْمَلُ الْمَوْتَى، لَكِنْ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، وَابْنُهُ سَاقَهُ بِكَمَالِهِ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ وَفِي السُّنَّةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْصَارِيٌّ وَالْآخَرُ ثَقَفِيٌّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ هَؤُلَاءِ عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ» " وَرَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: فَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ طَارِقٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِذَا ذَهَبَ الثُّلُثُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّيْلِ هَبَطَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ يُتَابُ عَلَيْهِ» ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّنَةِ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ غَيْرَ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ» ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ: «سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَهْبِطُ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ عَلَى حِرَاءَ» ، وَذَكَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ
стр. 446
عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ النِّدَاءُ مِنَ السَّمَاءِ، وَكَانَ الرَّبُّ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ كَلَّمَ مُوسَى» " ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي السُّنَّةِ.
وَفِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِلْخَلَّالِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ زِيَادٍ الْبَهْزِيِّ: بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ عَطَاءٌ، مَنْ هَذَا الْمُحَدِّثُ؟ قُلْتُ هُوَ زِيَادٌ الْبَهْزِيُّ، قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، لَقَدْ طَوَّلَ هَذَا عَلَى النَّاسِ لَيْلَةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ، أَحْسَبُهُ قَالَ «حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُلُثَ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، وَيَتْرُكُ أَهْلَ الْحِقْدِ لِحِقْدِهِمْ» .
وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَيَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرِ فَيَقُولُ: " أَلَا عَبْدٌ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، أَلَا ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ يَدْعُونِي فَأَقْبَلُهُ، فَيَكُونُ كَذَلِكَ إِلَى مَطْلَعِ الصُّبْحِ وَيَعْلُو عَلَى كُرْسِيِّهِ» "، وَإِسْحَاقُ هَذَا هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ فَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يَهْبِطُ الرَّبُّ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ قَائِمَةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ، فَيُظِلُّ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ، فَيَقُولُ أَمَرْتُ، كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَزِيزٌ كَرِيمٌ، وَمَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ» ".
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْخَطَّابِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا
стр. 447
إِسْرَائِيلُ حَدَّثَنِي ثُوَيْرٌ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَسُئِلَ عَنِ الْوِتْرِ فَقَالَ: «أَحَبُّ الْوِتْرِ نِصْفُ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُذْنِبٍ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، هَلْ مِنْ دَاعٍ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ارْتَفَعَ» .
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَامِرٍ السُّلَمِيِّ فَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَامِرٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ قَالَ نِصْفُ اللَّيْلِ، يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ عَانٍ فَأَفُكُّهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيهِ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ، حَتَّى يُصَلَّى الصُّبْحُ» ".
وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَرَوَاهُ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ» . . . " الْحَدِيثَ، وَضَمَّنَ يَطَّلِعُ مَعْنَى يَدْنُو وَيَنْزِلُ فَعَدَّاهُ بِإِلَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هَبَطَ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا لِكَافِرٍ وَمُشَاحِنٍ» " رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَعْفَرٍ، وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي عَاتِكَةَ، حَدَّثَنَا «سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمَجَازِيُّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي أُمَامَةَ بِحِمْصٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَجْلِسَ مِنْ بَلَاغِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَأَنْتُمْ فَبَلِّغُوا عَنَّا، إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَجْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْقَنْطَرَةِ الْوُسْطَى بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يَعْزِلُ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يُجَاوِرُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ» .
стр. 448
وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو النَّصْرِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُقْبِلُ الْجَبَّارُ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَثْنِي رِجْلَهُ عَلَى الْجِسْرِ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ، فَيُنْصِفُ الْخَلْقَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُنْصِفُ الشَّاةَ الْجَمَّاءَ مِنَ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا نَطْحَةً» " وَقَدْ جَاءَ الْمَعْنَى تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وَقَالَ: مِنْ وَرَاءِ الصِّرَاطِ ثَلَاثَةُ جُسُورٍ: جِسْرٌ عَلَيْهِ الْأَمَانَةُ، وَجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّحِمُ، وَجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّبُّ ﵎.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَأْمُرُ اللَّهُ بِكُرْسِيِّهِ فَيُوضَعُ عَلَى النَّارِ فَيَسْتَوِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: وَعِزَّتِي لَا يُجَاوِرُنِي الْيَوْمَ ذُو مَظْلَمَةٍ» ، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ ثَلَاثَ قَنَاطِرَ: قَنْطَرَةٌ عَلَيْهَا الرَّحِمُ إِذَا مَرُّوا بِهَا تَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا وَاصِلٌ يَا رَبِّ هَذَا قَاطِعٌ، وَقَنْطَرَةٌ عَلَيْهَا الرَّبُّ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وَذَكَرَ عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: عَلَى جَهَنَّمَ ثَلَاثُ قَنَاطِرَ: قَنْطَرَةٌ فِيهَا الْأَمَانَةُ، وَقَنْطَرَةٌ فِيهَا الرَّبُّ تَعَالَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ عَزَبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا مُشْرِكًا أَوْ مُشَاحِنًا» ".
стр. 449
[النزول إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث وجاء به القرآن]
فَصْلُ وَهَذَا النُّزُولُ إِلَى الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانَ الْمَدَنِيُّ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ عَنْ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ الْأَصْبَحِي قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمَّا تَفَرَّقُوا دَنَوْتُ فَقُلْتُ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ لِيُقْضَى بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ» . . . " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَفِيهَا " «ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى» " وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُزُولِهِ إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ: وَنُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ حِينَ يَخْلُو أَهْلُهَا، وَنُزُولِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي سُوَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ قَالَ: زَعَمَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ أَحَدَ ابْنَيْ بِنْتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَجْبُنُونَ وَتَجْهَلُونَ وَتَبْخَلُونَ وَإِنَّكُمْ لِمَنْ رَيَاحِينِ اللَّهِ وَإِنَّ آخِرَ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ بِوَجٍّ» " وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ
стр. 450
قَالَ إِنَّ آخِرَ وَطْأَةِ اللَّهِ لَبِوَجٍّ، قَالَ سُفْيَانُ وَكَانَ سَعْدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَسْأَلُونِي وَفِيكُمْ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ.
وَفِي الْبَابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ.
فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ النُّزُولِ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَنَظَائِرِهَا، تَضَمَّنَهَا كَلَامُ أَعْلَمِ الْخَلْقِ بِاللَّهِ وَأَقْدَرِهِمْ عَلَى اللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لِمَا قَصَدَهُ مِنْ وَصْفِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَنْصَحِهِمْ لِلْأُمَّةِ وَالْمَجَازُ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ أَوْ أَكَثَرَ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يَطَّرِدَ فِي جَمِيعِهَا اطِّرَادًا وَاحِدًا، بِحَيْثُ يَكُونُ الْجَمِيعُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ مَجَازًا.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الدِّيَانَةِ وَالسُّنَّةِ إِلَى زَمَانِنَا أَنَّ جَمِيعَ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نَصٌّ فِي الصِّفَاتِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْإِيمَانُ بِهَا، وَأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ مَعَانِيهَا بِدْعَةٌ، وَالْجَوَابُ كُفْرٌ وَذَنْدَقَةٌ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَنَظَائِرِهَا مِمَّا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، كَالْفَوْقِيَّةِ وَالنَّفْسِ وَالْيَدَيْنِ، وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَصُعُودِ الْكَلَامِ الطَّيِّبِ إِلَيْهِ، وَالضَّحِكِ وَالتَّعَجُّبِ، وَالنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَاعْتِقَادُنَا فِي الْآيِ الْمُتَشَابِهَةِ فِي الْقُرْآنِ نَقْلُهَا وَلَا نَرُدُّهَا، وَلَا نَتَأَوَّلُهَا بِتَأْوِيلِ الْمُخَالِفِينَ، وَلَا نَحْمِلُهَا عَلَى تَشْبِيهِ الْمُشَبِّهِينَ، وَلَا نَتَرَحَّمُ عَنْ صِفَاتِهِ بِلُغَةٍ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَنُسَلِّمُ الْخَبَرَ لِظَاهِرِ تَنْزِيلِهَا.
قَالَ إِمَامُ عَصْرِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِ التَّبْيِينِ فِي مَعَالِمِ الدِّينِ: الْقَوْلُ فِيمَا أَدْرَكَ عِلْمُهُ مِنَ الصِّفَاتِ خَبَرًا، وَذَلِكَ مِثْلَ إِخْبَارِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ، وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا، وَأَنَّ لَهُ قَدَمًا، وَأَنَّهُ يَضْحَكُ، وَأَنَّهُ يَهْبِطُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَذَكَرَ أَوَّلَهَا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ» . . . الْحَدِيثَ، أَلَيْسَ يَقُولُ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: صَحِيحٌ، وَزَادَ إِسْحَاقُ: لَا يَدَعُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ فِي شَعْبَانَ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: نُزُولُهُ بِعِلْمِهِ أَمْ بِمَاذَا؟ فَقَالَ اسْكُتْ عَنْ هَذَا، وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا.
стр. 451
وَقَالَ مَالِكٌ: وَلِهَذَا أَمْضِ الْحَدِيثَ كَمَا وَرَدَ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ إِلَّا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] يَنْزِلُ كَيْفَ شَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَعَظَمَتِهِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ لِحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا يَتَحَوَّلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ؟ فَسَكَتَ حَمَّادٌ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَكَانُهُ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ يَعْنِي تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] هُوَ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ.
وَقَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ الرَّابِطِيَّ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ ذَاتَ يَوْمٍ وَحَضَرَ إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ فَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النُّزُولِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ قُوَّادِ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ، يَا أَبَا يَعْقُوبَ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ كَيْفَ يَنْزِلُ؟ قَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: أَثْبِتْهُ فَوْقَ حَتَّى أَصِفَ لَكَ النُّزُولَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أُثْبِتُهُ فَوْقَ؟ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فَقَالَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، قَالَ إِسْحَاقُ أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ وَمَنْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَمْنَعُهُ الْيَوْمَ؟ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ: أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ، فَقُلْ أَنْتَ: أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؟ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَثْرَمُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنَّ حَنْبَلًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ
стр. 452
عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُرْوَى " «أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» «وَأَنَّ اللَّهَ يَرَى» «وَأَنَّ اللَّهَ يَضَعُ قَدَمَهُ» " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُؤْمِنُ بِهَا وَنُصَدِّقُ بِهَا وَلَا كَيْفَ وَلَا مَعْنَى، وَلَا نَرُدُّ مِنْهَا شَيْئًا، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ إِذَا كَانَتْ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَلَا نَرُدُّ عَلَى اللَّهِ قَوْلَهُ، وَلَا نَصِفُ اللَّهَ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهَذَا الْكَلَامُ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
[فصل اختلاف أهل السنة في نزول الرب ﵎ على ثلاثة أقوال]
فَصْلٌ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي نُزُولِ الرَّبِّ ﵎ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ التَّيْمِيِّ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الشَّافِعِيَّةِ لَهُ التَّصَانِيفُ الْمَشْهُورَةُ كَالْحُجَّةِ فِي بَيَانِ الْمَحَجَّةِ، وَكِتَابِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى إِمَامَتِهِ وَجَلَالَتِهِ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ.
قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: إِسْنَادُهُ مَدْخُولٌ وَفِيهِ يُقَالُ: وَعَلَى بَعْضِهِمْ مَطْعَنٌ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ، وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ قَوْلِهِ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ إِلَّا أَنْ يَرِدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: لَا يَنْزِلُ بِذَاتِهِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: نَقُولُ يَنْزِلُ وَلَا نَقُولُ بِذَاتِهِ وَلَا بِغَيْرِ ذَاتِهِ، بَلْ نُطْلِقُ اللَّفْظَ كَمَا أَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَسْكُتُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَخْلُو الْعَرْشُ مِنْهُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَنْزِلُ وَيَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ الْوَجْهَيْنِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: لَا تَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ثُمَّ قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهِ، فَذَهَبَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنَّهُ نُزُولُ انْتِقَالٍ، قَالَ: لِأَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ النُّزُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الِاسْتِوَاءِ بِمَعْنَى قَعَدَ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
(قُلْتُ) يُرِيدُ قَوْلَهُ ثُمَّ يَعْلُو ﵎ عَلَى كُرْسِيِّهِ، قَالَ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ فِي حَقِّنَا، وَهَذَا لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ فِي حَقِّهِ مُحْدَثًا كَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِنَا فِي صِفَتِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْتِوَاءُ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا
стр. 453
بِهِ فِي الْقِدَمِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ وَإِنْ كَانَ هَذَا يُوجِبُ الْحَدَثَ فِي حَقِّنَا وَلَمْ يُوجِبْهُ فِي حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ النُّزُولُ.
قَالَ: وَحَكَى شَيْخُنَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: يَنْزِلُ، مَعْنَاهُ قُدْرَتُهُ وَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ ذَاهِبٌ إِلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ احْتَجُّوا عَلَى: يَوْمَئِذٍ، تَجِيءُ الْبَقَرَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَجِيءُ ﵎، قُلْتُ لَهُمْ: هَذَا الثَّوَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] إِنَّمَا يَأْتِي قُدْرَتُهُ، وَإِنَّمَا الْقُرْآنُ أَمْثَالٌ وَمَوَاعِظُ وَزَجْرٌ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَيْضًا فِيمَا خَرَّجَهُ فِي الْحَبْسِ: كَلَامُ اللَّهِ لَا يَجِيءُ وَلَا يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ النُّزُولَ هُوَ الزَّوَالُ وَالِانْتِقَالُ: وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الِاسْتِوَاءِ إِنَّهُ لَا بِمَعْنَى الْمُمَاسَّةِ وَالْمُبَايَنَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ وَالِانْتِقَالِ وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ.
قَالَ: وَحَكَى شَيْخُنَا عَنْ طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ قَالُوا نُثْبِتُ نُزُولًا وَلَا نَعْقِلُ مَعْنَاهُ: هَلْ هُوَ بِزَوَالٍ أَوْ بِغَيْرِ زَوَالٍ كَمَا جَاءَ الْخَبَرُ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ فِي صِفَاتِهِ، كَمَا نُثْبِتُ ذَاتًا لَا تُعْقَلُ، قَالَ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، فَقَالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: نُزُولُهُ بِعِلْمِهِ أَمْ مَاذَا؟ فَقَالَ لِيَ: اسْكُتْ عَنْ هَذَا وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ أَمْضِ الْحَدِيثَ عَلَى مَا رُوِيَ.
قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ إِنَّهُ نُزُولُ انْتِقَالٍ فَهُوَ مُوَافِقٌ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، وَالَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا إِثْبَاتُ حَقِيقَةٍ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِالِانْتِقَالِ وَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي النَّقْلِ مَا يُحِيلُ الِانْتِقَالَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالذَّهَابِ وَالْهُبُوطِ، هَذِهِ أَنْوَاعُ الْفِعْلِ اللَّازِمِ الْقَائِمِ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْخَلْقَ وَالرِّزْقَ وَالْإِمَاتَةَ وَالْإِحْيَاءَ وَالْقَبْضَ وَالْبَسْطَ أَنْوَاعٌ لِلْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِالنَّوْعَيْنِ وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَالِانْتِقَالُ جِنْسٌ لِأَنْوَاعِ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ، وَالنُّزُولِ وَالْهُبُوطِ، وَالصُّعُودِ. وَالدُّنُوِّ وَالتَّدَلِّي وَنَحْوِهَا، وَإِثْبَاتُ النَّوْعِ مَعَ نَفْيِ جِنْسِهِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
قَالُوا: وَلَيْسَ فِي الْقَوْلِ بِلَازِمٍ النُّزُولُ وَالْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالصُّعُودُ مَحْذُورٌ
стр. 454
الْبَتَّةَ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ نَقْصًا وَلَا سَلْبَ كَمَالٍ، بَلْ هُوَ الْكَمَالُ نَفْسُهُ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ كَمَالٌ وَمَدْحٌ، فَهِيَ حَقٌّ دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ، وَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ كَمَا أَنَّ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ قَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ مُتَكَلِّمٌ، قَدِيرٌ عَلِيمٌ مُرِيدٌ، وَمَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَازِمُ الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ رُؤْيَتُهُ تَعَالَى بِالْأَبْصَارِ عِيَانًا فِي الْآخِرَةِ هُوَ حَقٌّ، فَلَازِمُهُ حَقٌّ كَائِنًا مَا كَانَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَرْبَابُ الْمَعْقُولَاتِ، وَهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِ لَازِمِهِ، وَيُصَرِّحُونَ بِإِثْبَاتِهِ، وَيُثْبِتُونَ لَوَازِمَهُ بِإِثْبَاتِهِ، وَيُصَرِّحُونَ بِنَفْيِهِ، وَلِهَذَا عُقَلَاؤُهُمْ لَا يَسْمَحُونَ بِإِثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ نُزُولًا وَلَا مَجِيئًا، وَلَا إِتْيَانًا وَلَا دُنُوًّا، وَلَا اسْتِوَاءً وَلَا صُعُودًا الْبَتَّةَ، وَإِثْبَاتُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ عِنْدَهُمْ فِي الِامْتِنَاعِ كَإِثْبَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ثَابِتٌ عَقْلًا وَنَقْلًا وَفِطْرَةً وَقِيَاسًا وَاعْتِبَارًا، فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ.
قَالُوا وَقَوْلُنَا إِنَّهُ نُزُولٌ لِاعْتِبَارٍ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَانْتِقَالِ الْأَجْسَامِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، كَمَا قُلْتُمْ إِنَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَحَيَاتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لَيْسَتْ كَصِفَاتِ الْأَجْسَامِ، فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.
قَالُوا وَنَحْنُ لَمْ نَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ أَثْبَتْنَا لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ ، فَأَلْزَمْتُمْ أَنْتُمْ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْقَوْلَ بِالِانْتِقَالِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ إِنَّمَا هُوَ إِلْزَامٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا لَمْ نَتَعَدَّ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، فَكَأَنَّكُمْ قُلْتُمْ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ نُزُولًا وَمَجِيئًا وَإِتْيَانًا وَدُنُوًّا لَزِمَهُ وَصْفُهُ بِالِانْتِقَالِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ حَقٌّ بِلَا رَيْبٍ، فَكَانَ جَوَابُنَا إِنَّ الِانْتِقَالَ إِنْ لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ وَتَصْدِيقُهُ فِي ذَلِكَ وَالْإِيمَانُ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ ضَرُورَةً، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ، بَطَلَ إِلْزَامُكُمْ وَنَظِيرُ هَذَا مُنَاظَرَةٌ جَرَتْ بَيْنَ جَهْمِيٍّ وَسُنِّيٍّ.
قَالَ الْجَهْمِيُّ: أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ عِيَانًا بِالْأَبْصُرِ؟ قَالَ السُّنِّيُّ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ الْجَهْمِيُّ: هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ الْجِهَةِ وَالْحَدِّ وَكَوْنِ الْمَرْئِيِّ مُقَابِلًا لِلرَّائِي مُوَاجِهًا لَهُ، وَهَذَا تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ، قَالَ لَهُ السُّنِّيُّ: قَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ شَهِدَ بِذَلِكَ الرَّسُولُ وَبَلَّغَهُ الْأُمَّةَ، وَأَعَادَهُ وَأَبْدَاهُ، فَذَلِكَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ، فَإِنْ لَزِمَ مَا ذَكَرْتَ فَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ بَطَلَ سُؤَالُكَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْجَهْمِيَّةِ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَتَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ
стр. 455
وَمَنْ أَنَا حَتَّى أَقُولَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَلَّغَهُ الْأُمَّةَ، فَقَالَ لَهُ الْجَهْمِيُّ: هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْحَرَكَةُ وَالِانْتِقَالُ، فَقَالَ لَهُ السُّنِّيُّ: أَنَا لَمْ أَقُلْ مِنْ عِنْدِي شَيْئًا، وَهَذَا الْإِلْزَامُ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ وَتَصْدِيقُهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ تَصْدِيقُهُ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَ الْإِلْزَامُ بِهِ، فَبُهِتَ الْجَهْمِيُّ.
قَالُوا وَقَدْ دَلَّ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَيٌّ فَعَّالٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ إِلَّا بِالْفِعْلِ، فَالْفِعْلُ الِاخْتِيَارِيُّ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاةِ فَالْإِرَادَةُ وَالْمَشِيئَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْفِعْلِ، وَلِلْفِعْلِ لَوَازِمُ لَا يَجُوزُ نَفْيُهَا، إِذْ نَفْيُهَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَلِهَذَا لَمَّا نَفَاهَا الدَّهْرِيَّةُ وَالْفَلَاسِفَةُ نَفَوُا الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ مِنْ أَصْلِهِ.
قَالُوا: وَمِنْ لَوَازِمِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، الْحُبُّ وَالْبُغْضُ وَانْتِقَالُ الْفَاعِلِ مِنْ شَأْنٍ إِلَى شَأْنٍ، وَالرَّبُّ ﵎ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، وَمَنْ كَانَ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ قَبْلَ الْفِعْلِ وَحَالَ الْفِعْلِ وَبَعْدَ الْفِعْلِ لَمْ يُعْقَلْ كَوْنُهُ فَاعِلًا بِاخْتِيَارِهِ، بَلْ وَلَا فَاعِلًا الْبَتَّةَ، فَلَيْسَ مَعَ نُفَاةِ لَوَازِمِ الْأَفْعَالِ إِلَّا إِثْبَاتُ أَلْفَاظٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: نَحْنُ لَمْ نُصَرِّحْ بِالِانْتِقَالِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَاهُ.
[فصل ثبوت الانتقال والحركة لله تعالى]
فَصْلٌ
أَمَّا الَّذِينَ نَفَوُا الْحَرَكَةَ وَالِانْتِقَالَ، فَإِنْ نَفَوْا مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِ فَقَدْ أَصَابُوا وَلَكِنْ أَخْطَئُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، فَأَصَابُوا فِي نَفْيِ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ وَأَخْطَئُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُ لَازِمُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَفِي نَفْيِهِمْ لِلَازِمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ اتِّصَافَ الْمَخْلُوقِ بِنَظِيرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّفَةَ يَلْزَمُهَا لَوَازِمُ لِنَفْسِهَا وَذَاتِهَا، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُ هَذِهِ اللَّوَازِمِ عَنْهَا لَا فِي حَقِّ الرَّبِّ وَلَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيَلْزَمُهَا لَوَازِمُ مِنْ جِهَةِ اخْتِصَاصِهَا بِالْعَبْدِ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ تِلْكَ اللَّوَازِمِ لِلرَّبِّ، وَيَلْزَمُهَا لَوَازِمُ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصِهَا بِالرَّبِّ فَلَا يَجُوزُ سَلْبُهَا عَنْهُ وَلَا إِثْبَاتُهَا لِلْعَبْدِ، فَعَلَيْكَ بِمُرَاعَاةِ هَذَا الْأَصْلِ وَالِاعْتِصَامِ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى، وَعَلَى الْعَبْدِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ أَمْسَكُوا عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَقَالُوا: لَا نَقُولُ يَتَحَرَّكُ وَيَنْتَقِلُ، وَلَا نَنْفِي ذَلِكَ عَنْهُ، فَهُمْ أَسْعَدُ بِالصَّوَابِ وَالِاتِّبَاعِ، فَإِنَّهُمْ نَطَقُوا بِمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وَسَكَتُوا عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ، وَتَظْهَرُ صِحَّةُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ظُهُورًا تَامًّا فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي سَكَتَ النَّصُّ عَنْهَا مُجْمَلَةً مُحْتَمِلَةً لِمَعْنَيَيْنِ: صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ، كَلَفْظِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَالْجِسْمِ وَالْحَيِّزِ
стр. 456
وَالْجِهَةِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ وَالْعِلَّةِ وَالتَّغَيُّرِ وَالتَّرْكِيبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَحْتَهَا حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَهَذِهِ لَا تُقْبَلٌ مُطْلَقًا وَلَا تُرَدُّ مُطْلَقًا، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُثْبِتْ لِنَفْسِهِ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ وَلَمْ يَنْفِهَا عَنْهُ، فَمَنْ أَثْبَتَهَا مُطْلَقًا فَقَدْ أَخْطَأَ وَمَنْ نَفَاهَا مُطْلَقًا فَقَدَ أَخْطَأَ، فَإِنَّ مَعَانِيهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ، وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لَهُ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ يُرَادُ بِهِ انْتِقَالُ الْجِسْمِ وَالْعَرَضِ مِنْ مَكَانٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يُمْتَنَعُ إِثْبَاتُهُ لِلرَّبِّ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْحَرَكَةُ إِذَا أُرِيدَ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى امْتَنَعَ إِثْبَاتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَيُرَادُ بِالْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ حَرَكَةُ الْفَاعِلِ مِنْ كَوْنِهِ فَاعِلًا، وَانْتِقَالِهِ أَيْضًا مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ فَاعِلٍ إِلَى كَوْنِهِ فَاعِلًا.
فَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ فِي نَفْسِهِ لَا يُعْقَلُ كَوْنُ الْفَاعِلِ إِلَّا بِهِ، فَنَفْيُهُ عَنِ الْفَاعِلِ نَفْيٌ لِحَقِيقَةِ الْفِعْلِ وَتَعْطِيلٌ لَهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ فِعْلٌ يَقُومُ بِذَاتِ الْفَاعِلِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَصَدَ لَهُ، وَأَرَادَ إِيقَاعَ الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ فِيهِ، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَنْزِلُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَيَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَيَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَيَنْزِلُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَنْزِلُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذِهِ أَفْعَالٌ يَفْعَلُهَا بِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا عَنْهُ بِنَفْيِ الْحَرَكَةِ وَالنَّقْلَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ لَوَازِمِ أَفْعَالِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ أَفْعَالِهِ لَمْ يَجُزْ نَفْيُهُ عَنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِ الْخَلْقِ لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُهُ لَهُ، وَحَرَكَةُ الْحَيِّ مَنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ إِلَّا بِالْحَرَكَةِ وَالشُّعُورِ فَكُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ وَلَهُ شُعُورٌ، فَنَفْيُ الْحَرَكَةِ عَنْهُ كَنَفْيِ الشُّعُورِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحَيَاةِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ: لَوْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ لَقَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ، قِيَامُ الْأَعْرَاضِ بِهِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ جِسْمًا، فَقَالَتِ الصِّفَاتِيَّةُ: قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قِيَامِ الصِّفَاتِ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا عَنْهُ بِتَسْمِيَتِهَا أَعْرَاضًا، فَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْأَعْرَاضِ الصِّفَاتِ فَإِثْبَاتُ الصِّفَاتِ حَقٌّ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ إِثْبَاتِهَا لِلرَّبِّ تَعَالَى.
стр. 457
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ يَصْعَدُ إِلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ لَكَانَ جِسْمًا وَجَوَابُهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ وَالْفِطْرَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَالٍ عَلَى خَلْقِهِ، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ بِتَسْمِيَتِهِ تَجْسِيمًا، فَإِنْ كَانَ التَّجْسِيمُ اللَّازِمُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنًا مِنْ خَلْقِهِ، فَهَذَا اللَّازِمُ حَقٌّ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى لُزُومُ تَرْكِيبِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ أَوْ كَوْنُهُ مُمَاثِلًا لِلْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ فَدَعْوَى هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ كَذِبٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى عَنِ اللَّهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَالْفِطْرَةُ بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ تَنْقَسِمُ مَعَانِيهَا إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ يَأْتِي أَمْرُهُ وَيَنْزِلُ رَحْمَتُهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا نَزَلَ وَأَتَى حَلَّتْ رَحْمَتُهُ وَأَمْرُهُ فَهَذَا حَقٌّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ النُّزُولَ وَالْمَجِيءَ وَالْإِتْيَانَ لِلرَّحْمَةِ وَالْأَمْرِ لَيْسَ إِلَّا، فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ وَنَزِيدُهَا وُجُوهًا أُخَرَ مِنْهَا أَنْ يُقَالَ: أَتُرِيدُونَ رَحْمَتَهُ وَأَمْرَهُ صِفَتَهُ الْقَائِمَةَ بِذَاتِهِ؟ أَمْ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا سَمَّيْتُمُوهُ رَحْمَةً وَأَمْرًا؟ فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْأَوَّلَ فَنُزُولُهُ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَ الذَّاتِ وَمَجِيئَهَا قَطْعًا، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الثَّانِي كَانَ الَّذِي يَنْزِلُ وَيَأْتِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا لَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ قَطْعًا وَهُوَ تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ لِلْخَبَرِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَلَا يَأْتِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْزِلُ وَيَأْتِي غَيْرُهُ.
وَمِنْهَا: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، وَيَقُولُ: مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ؟ وَنُزُولُ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِنُزُولِهِ سُبْحَانَهُ وَمَجِيئِهِ، وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَاطِلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مَعَ رَدِّ خَبَرِهِ صَرِيحًا.
وَمِنْهَا: أَنَّ نُزُولَ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ لَا يَخْتَصُّ بِالثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَلَا بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ فَلَا تَنْقَطِعُ رَحْمَتُهُ وَلَا أَمْرُهُ عَنِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَاخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُهُ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهَا غَلَطٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ حَنْبَلًا تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَفَارِيدِ الْمُخَالِفَةِ لِلْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَإِذَا تَفَرَّدَ بِمَا خَالَفَ الْمَشْهُورَ عَنْهُ، فَالْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ لَا يُثْبِتُونَ ذَلِكَ رِوَايَةً وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ يُثْبِتُونَ ذَلِكَ رِوَايَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِجَادَّةِ مَذْهَبِهِ، هَذَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ فَكَيْفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ ضَبَطَ حَنْبَلٌ مَا نَقَلَ وَحَفِظَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ هَذَا
стр. 458
النَّصِّ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّمَا قَالَهُ أَحْمَدُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ لَهُمْ فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ بِمَجِيءِ أَمْرِهِ سُبْحَانَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ الْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ مَخْلُوقٌ فَكَذَلِكَ وَصْفُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَلَامَهُ بِالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ هُوَ مِثْلُ وَصْفِهِ بِذَلِكَ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ يُحْمَلُ مَجِيءُ الْقُرْآنِ عَلَى مَجِيءِ ثَوَابِهِ، كَمَا حَمْلُهُمْ مَجِيئَهُ سُبْحَانَهُ وَإِتْيَانَهُ عَلَى مَجِيءِ أَمْرِهِ وَبَأْسِهِ.
فَأَحْمَدُ ذَكَرَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ وَالْإِلْزَامِ لِخُصُومِهِ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي نَظِيرِ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وَالْمُعَارَضَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ الْمُعَارِضِ صِحَّةَ مَا عَارَضَ بِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ ثَبَتَ عَنْ أَحْمَدَ بِمِثْلِ هَذَا رِوَايَةٌ فِي تَأْوِيلِ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَنَظَائِرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَرَكَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَدَ التَّأْوِيلَ.
عَلَى هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً، وَجَعَلَ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى رِوَايَتَيْنِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ مَذْهَبِهِ تَرْكُ التَّأْوِيلِ فِي الْجَمِيعِ، حَتَّى أَنَّ حَنْبَلًا نَفْسَهُ مِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ تَرْكُ التَّأْوِيلِ صَرِيحًا فَإِنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ تَفْسِيرِ النُّزُولِ هَلْ هُوَ أَمْرُهُ أَمْ مَاذَا؟ نَهَاهُ عَنْهُ.
وَطَرِيقَةُ الْقَاضِي وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ تَخْصِيصُ الرِّوَايَتَيْنِ بِتَأْوِيلِ النُّزُولِ وَنَوْعِهِ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ تَعْمِيمُ الرِّوَايَتَيْنِ لِكُلِّ مَا يَمْنَعُ عِنْدَهُمْ إِرَادَةً ظَاهِرَةً، وَطَرِيقَةُ الْخَلَّالِ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ امْتِنَاعُ التَّأْوِيلِ فِي الْكُلِّ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ إِمَّا شَاذَّةٌ أَوْ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا، كَمَا هُوَ صَرِيحٌ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَإِمَّا أَنَّهَا إِلْزَامٌ مِنْهُ وَمُعَارَضَةٌ لَا مَذْهَبٌ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ وَعَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ إِقْرَارُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ وَالْمَنْعُ مِنْ تَأْوِيلِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا» " بِمَعْنَى نُزُولِ أَمْرِهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَهَا إِسْنَادَانِ (أَحَدُهُمَا) مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ كَاتِبِهِ، وَحَبِيبٌ هَذَا غَيْرُ حَبِيبٍ، بَلْ هُوَ كَذَّابٌ وَضَّاعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَلَمْ يَعْتَمِدْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَقْلِهِ، وَالْإِسْنَادُ (الثَّانِي) فِيهِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهَا ; لِأَنَّ الْمَشَاهِيرَ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَنْقُلُوا عَنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
وَهَاهُنَا قَاعِدَةٌ يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا تَأْوِيلُ شَيْءٍ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمْ نِزَاعٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَوِ الْحَدِيثِ وَهُوَ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ، مِثْلَ تَنَازُعِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ
стр. 459
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَأَى رَبَّهُ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ بَلْ رَأَى جَبْرَائِيلَ، وَكَتَنَازُعِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا مِنَ الْجُوعِ حَتَّى كَانَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ دُخَانٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ، فَالْحُجَّةُ هِيَ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ.
[المثال التاسع معية الله تعالى وقربه من عباده]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ: مِمَّا ادُّعِيَ فِيهِ الْمَجَازُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَتِ الْمَجَازِيَّةُ: هَذَا كُلُّهُ مَجَازٌ يُمْتَنَعُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إِذْ حَقِيقَتُهُ الْمُخَالَطَةُ وَالْمُجَاوَرَةُ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ قَطْعًا، فَإِذًا مَعْنَاهَا مَعِيَّةُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِحَاطَةِ، وَمَعِيَّةُ النَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْمَعُونَةِ، وَكَذَلِكَ الْقُرْبُ.
قَالَ أَصْحَابُ الْحَقِيقَةِ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: لَا تَخْلُو هَذِهِ الْأَلْفَاظُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهَا أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَانٍ، أَوْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ ظَاهِرَهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ظَاهَرَهَا فَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ إِخْوَانِ هَؤُلَاءِ، وَهُمُ الْجَهْمِيَّةُ الْأُولَى، الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا.
وَهَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُسْتَأْخِرُونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَيْسَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ رَبٌّ، وَلَا عَلَى الْعَرْشِ إِلَهٌ، عَاجِزُونَ عَنِ الرَّدِّ عَلَى سَلَفِهِمُ الْأَوَّلِ، وَسَلَفُهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا لَهُ وُجُودًا بِكُلِّ مَكَانِ، وَهَؤُلَاءِ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْعَالَمِ أَوْ خَارِجَهُ، وَالرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ خَارِجَ الْعَالَمِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَنُفَاةُ النَّقِيضَيْنِ لَا يُمْكِنُهُمُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّهُمْ إِنْ قَالُوا إِثْبَاتُ النَّقِيضَيْنِ مُحَالٌ، قَالُوا لَهُمْ وَنَفْيُهُمَا مُحَالٌ، وَإِنْ قَالُوا كَوْنُهُ دَاخِلَ الْعَالَمِ يُنَافِي كَوْنَهُ خَارِجًا عَنْهُ، قَالُوا لَهُمْ: وَكَوْنُهُ
стр. 460
غَيْرُ دَاخِلِ الْعَالَمِ يُنَافِي كَوْنَهُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهُ، فَإِنْ قَالُوا وَصْفُهُ بِدُخُولِهِ فِي الْعَالَمِ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ، قَالُوا: وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجًا عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ التَّعْطِيلَ وَالْحُكْمَ بِعَدَمِهِ، وَالتَّجْسِيمُ خَيْرٌ مِنَ التَّعْطِيلِ، وَنَفْيُ حَقِيقَةِ الرَّبِّ لَوْ كَانَ لَازِمًا، كَيْفَ وَلُزُومُهُ مِنْ جَانِبِكُمْ أَقْوَى، فَإِنَّكُمْ تَصِفُونَهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضٌ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْأَجْسَامِ، وَقَدْ أَلْزَمَكُمُ النُّفَاةُ التَّجْسِيمَ بِإِثْبَاتِهَا فَمَا كَانَ جَوَابُكُمْ لَهُمْ فَهُوَ بِعَيْنِهِ جَوَابُنَا لَكُمْ.
وَإِنْ قَالُوا إِثْبَاتُ دُخُولِهِ فِي الْعَالَمِ يَقْتَضِي مُجَاوَرَتَهُ وَمُخَالَطَتَهُ لِمَا يُنَزَّهُ عَنْهُ، قَالُوا لَهُمْ: وَنَفْيُ دُخُولِهِ فِي الْعَالَمِ وَخُرُوجِهِ عَنْهُ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ وُجُودِهِ وَهُوَ أَنْقَصُ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ لِلْعَالَمِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ أَدْخَلُ فِي النَّقْصِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ النَّفْيُ نَقْصًا وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلنَّقْصِ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِثْبَاتِ نَقْصٌ.
فَإِنْ قُلْتُمْ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ يَقْتَضِي انْحِصَارَهُ فِي الْأَمْكِنَةِ، قَالَ سَلَفُكُمْ بَلْ يَقْتَضِي عَدَمَ انْحِصَارِهِ فَإِنَّا لَمْ نَخُصَّهُ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَلَوِ اقْتَضَى حَصْرَهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى الْمَعْقُولِ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ وَجُودِهِ.
فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ خَلَفُ الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سَلَفِهِمُ الْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَتْرُكُوا تَعْطِيلَهُمْ وَيَتَحَيَّزُوا إِلَى أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، فَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: حَقِيقَةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَقْتَضِي الْمُجَاوَرَةَ وَالْمُخَالَطَةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُمْ إِبْطَالُ قَوْلِهِمْ، وَهَلِ الْإِثْبَاتُ بَرَاءٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ؟ هَذَا إِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى الْمُخَالَطَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِيهِ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَنْ حَقِيقَتِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ غَايَةَ الْبَيَانِ أَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ وَأَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَنَّهُ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ، وَتَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّهُ رَفَعَ الْمَسِيحَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَصْعَدُ إِلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، إِلَى سَائِرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ مِنْ مُبَايَنَتِهِ لِخَلْقِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ، هَذِهِ نُصُوصٌ مُحْكَمَةٌ فَيَجِبُ رَدُّ الْمُتَشَابِهِ إِلَيْهَا، فَتَمَسُّكُهُمْ بِالْمُتَشَابِهِ وَرَدُّ الْمُحْكَمِ مُتَشَابِهًا وَجَعَلْتُمُ الْكُلَّ مَجَازًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ الْأَرْضَ قَبْضَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَأَنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَّهُ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهَذِهِ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَيْسَ هُوَ عَيْنُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ،
следующие страницы →