← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 8363

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن الموصلي

Полный текст (599 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وَبِالْعِلْمِ جَهَالَةً، وَبِالْبَيَانِ عِيًّا، وَبِالْعَدْلِ ظُلْمًا، وَبِالصِّدْقِ كَذِبًا، وَيَحْمِلُ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى مَجَازِهِ تَحْرِيفًا لِلتَّكَلُّمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيُسَمِّيهِ تَأْوِيلًا لِتَقْبَلَهُ النُّفُوسُ الْجَاهِلَةُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْرِضَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا يَجْعَلَ لِلْقُرْآنِ مَفْهُومًا، وَقَدْ أَنْزَلَهُ تَعَالَى بَيَانًا وَهُدًى وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ. قَالَ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الطَّرِيقَيْنِ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] ثُمَّ قَالَ فِي أَهْلِ الطَّرِيقِ الثَّانِي: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ثُمَّ قَالَ فِي الْمُصَنِّفِينَ مَا لَا يُعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَهُ وَجَاءَ بِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِخِلَافِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] الْآيَةَ. فَهَذِهِ الطَّرِيقُ الْمَذْمُومَةُ الَّتِي سَلَكَهَا عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، وَقَدْ سَلَكَهَا أَشْبَاهُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ: " «لَتَأْخُذَنَّ أُمَّتِي مَأْخَذَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ " «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» " وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَشْبَاهِ يُحَرِّفُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَيَكْتُمُونَهُ، لِئَلَّا يُحْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي خِلَافِ أَهْوَائِهِمْ، فَتَارَةً يَغُلُّ كُتُبَ الْآثَارِ الَّتِي فِيهَا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَلَامُ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَيَمْنَعُ مِنْ إِظْهَارِهَا، وَرُبَّمَا أَعْدَمَهَا، وَرُبَّمَا عَاقَبَ مَنْ كَتَبَهَا أَوْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ كَمَا شَاهَدْنَاهُ مِنْهُمْ عِيَانًا، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَمْنَعُ مِنْ تَبْلِيغِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ، حَتَّى إِذَا جَاءَتْ تَفَاسِيرُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ بَالَغَ فِي مَدْحِهَا وَقَالَ: إِنَّ التَّحْقِيقَ فِيهَا، مَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ مَنْعُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكِتْمَانُهُ سَطْوًا عَلَيْهِ بِالتَّحْرِيفِ وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، ثُمَّ يَعْتَمِدُونَ عَلَى آثَارٍ مَوْضُوعَةٍ مَكْذُوبَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُوَافِقَةً لِأَهْوَائِهِمْ وَبِدَعِهِمْ، فَيَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَحْتَجُّونَ بِهِ وَيَضَعُونَ قَوَاعِدَ ابْتَدَعُوهَا وَآرَاءً اخْتَرَعُوهَا، وَيُسَمُّونَهَا أَصْلَ الدِّينِ وَهِيَ أَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى الدِّينِ.

стр. 527

[فصل كلام الشافعي في الاحتجاج بالسنة] فَصْلٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلشَّافِعِيِّ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ تَرَانِي فِي كَنِيسَةٍ، تَرَانِي فِي بَيْعَةٍ، تَرَى عَلَى وَسَطِي زُنَّارًا، أَقُولُ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْتَ تَقُولُ لِي مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَحَرْمَلَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: إِذَا وَجَدْتُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبِعُوهَا وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى أَحَدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لِأَحَدٍ قَوْلٌ مَعَ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الرَّبِيعُ: وَسَمِعْتُهُ رَوَى حَدِيثًا فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَأْخُذُ بِهَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَتَى رَوَيْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا صَحِيحًا فَلَمْ آخُذْ بِهِ فَأُشْهِدُكُمْ أَنَّ عَقْلِي قَدْ ذَهَبَ. وَتَذَاكَرَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ بِمَكَّةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَاضِرٌ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ» " فَقَالَ إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنِ الْحَسَنِ (ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَعَبْدَةُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يَرَيَانِهِ يَعْنِي بَيْعَ رِبَاعِ مَكَّةَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِبَعْضِ مَنْ عَرَفَهُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ إِسْحَاقُ: إِبْرَاهِيمُ الْحَنْظَلِيُّ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْتَ الَّذِي يَزْعُمُ أَهْلُ خُرَاسَانَ أَنَّكَ فَقِيهُهُمْ، مَا أَحْوَجَنِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُكُ فِي مَوْضِعِكَ، فَكُنْتُ آمُرُ بِفَرْكِ أُذُنَيْهِ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ أَنْتَ: عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ، وَهَلْ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلٌ. وَرَوَيْنَا عَنِ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَنْسُبُهُ عَامَّةً إِلَى عِلْمٍ أَوْ يَنْسُبُ نَفْسَهُ إِلَى عِلْمٍ يُخَالِفُ فِي أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ اتِّبَاعَ أَثَرِ رَسُولِهِ وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إِلَّا اتِّبَاعَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلٌ بِكُلِّ حَالٍ إِلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَأَنَّ مَا سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا، وَإِنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَى مَنْ قَبْلَنَا وَبَعْدَنَا قَبُولَ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ أَنَّهُ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ قَبُولُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْضٌ بَلْ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ إِلَّا بِكَوْنِهِ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ حُبَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ آثَارِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَ بِهِ وَالْعَمَلِ عَلَى سُنَّتِهِ وَتَرْكِ مَا خَالَفَ قَوْلَهُ لِقَوْلِهِ، وَهَاتَانِ مُقَدِّمَتَانِ بُرْهَانِيَّتَانِ لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى تَقْرِيرٍ.

стр. 528

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ ٣٠ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] قَالَ نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ السُّوءِ الَّذِينَ يُفْتُونَ النَّاسَ بِآرَائِهِمْ وَيَكْفِي فِي هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَفَرْضُ تَحْكِيمِهِ لَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ بَلْ ثَابِتٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا كَانَ ثَابِتًا فِي حَيَاتِهِ وَلَيْسَ تَحْكِيمُهُ مُخْتَصًّا بِالْعَمَلِيَّاتِ دُونَ الْعِلْمِيَّاتِ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ. وَقَدِ افْتَتَحَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْخَبَرَ بِالْقَسَمِ الْمُؤَكَّدِ بِالنَّفْيِ قَبْلَهُ وَأَقْسَمَ عَلَى انْتِفَاءِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ دَقِيقِ الدِّينِ وَجَلِيلِهِ وَفُرُوعِهِ وَأُصُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ مِنْهُمْ بِهَذَا التَّحْكِيمِ حَتَّى يَنْتَفِيَ الْحَرَجُ، وَهُوَ الضِيقُ مِمَّا حَكَمَ بِهِ فَتَنْشَرِحَ صُدُورُهُمْ لِقَبُولِ حُكْمِهِ انْشِرَاحًا لَا يَبْقَى مَعَهُ حَرَجٌ ثُمَّ يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أَيْ يَنْقَادُوا انْقِيَادًا لِحُكْمِهِ. وَاللَّهُ يَشْهَدُ وَرَسُولُهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أَنَّ مَنْ قَالَ أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ وَأَنَّ أَحَادِيثَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذَا التَّحْكِيمِ، وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الرَّدَّ إِلَيْهِ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَالرُّجُوعُ إِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ فَرْضَ هَذَا الرَّدِّ لَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَوَاتِرُ أَخْبَارِهِ وَآحَادِهَا لَا تُفِيدُ عِلْمًا وَلَا يَقِينًا لَمْ يَكُنْ لِلرَّدِّ إِلَيْهِ وَجْهٌ. وَلَمَّا أَصَّلَ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ هَذَا الْأَصْلَ رَدُّوا مَا تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِلَى مَنْطِقِ الْيُونَانِ، وَخَيَالَاتِ الْأَذْهَانِ، وَوَحْيِ الشَّيْطَانِ، وَرَأْيِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَهَؤُلَاءِ يَتَنَاوَلُهُمْ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] وَالطَّاغُوتُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا تَعَدَّى حَدَّهُ وَتَجَاوَزَ طَوْرَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ أَهْلُ الزَّيْغِ حَدُّهُ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ لَا حَاكِمًا. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَاكِمِينَ إِلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ فَقَالَ

стр. 529

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] فَجَعَلَ الْإِعْرَاضَ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَالِالْتِفَاتَ إِلَى غَيْرِهِ هُوَ حَقِيقَةَ النِّفَاقِ كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ هُوَ تَحْكِيمُهُ وَارْتِفَاعُ الْحَرَجِ عَنِ الصُّدُودِ بِحُكْمِهِ وَالتَّسْلِيمُ لِمَا حَكَمَ بِهِ رِضًى وَاخْتِيَارًا وَمَحَبَّةً، فَهَذَا حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ الْإِعْرَاضُ حَقِيقَةُ النِّفَاقِ. ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ عُقُوبَةِ الْمُعْرِضِينَ عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ الرَّاضِينَ بِحُكْمِ الْغَيْرِ مِنْ خَلْقِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْإِعْرَاضَ عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ سَبَبٌ لِأَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وَقَالَ فِي الْمُتَوَلِّينَ عَنْ حُكْمِهِ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] . قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ كَذَا وَكَذَا، فَغَضِبَ سَعِيدٌ وَقَالَ: لَا أَرَاكَ تُعَرِّضُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ. فَإِذَا كَانَ هَذَا إِنْكَارُهُمْ عَلَى مَنْ عَارَضَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْقُرْآنِ فَمَاذَا تَرَاهُمْ قَائِلِينَ لِمَنْ عَارَضَهَا بِآرَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمَنْطِقِ الْمُتَفَلْسِفِينَ وَأَقْيِسَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَخَيَالَاتِ الْمُتَصَوِّفِينَ، وَسِيَاسَاتِ الْمُعْتَدِينَ؟ وَلِلَّهِ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ حَيْثُ يَقُولُ: ثَلَاثٌ لَا يُقْبَلُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ: الشِّرْكُ، وَالْكُفْرُ، وَالرَّأْيُ، قُلْتُ: يَا أَبَا عُمَرَ وَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: يَتْرُكُ سُنَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَقُولُ بِالرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قَالَ:

стр. 530

أَخْلَصُوا لِلَّهِ الدِّينَ وَالْعَمَلَ وَالدَّعْوَةَ أَنْ جَرَّدُوا الدَّعْوَةَ إِلَيْهِ وَإِلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ فَقَطْ لَا إِلَى رَأْيِ فُلَانٍ وَقَوْلِ فُلَانٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] . قَالَ يُطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِنَّمَا هِيَ الْكُفْرُ، وَلَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ إِنَّكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ فَلَا تُفْتِ إِلَّا بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ وَحَدَّثَ بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَا تَأْخُذُ بِهِ؟ فَقَالَ: أَتَرَى عَلَى وَسَطِي زُنَّارًا، لَا تَقُلْ لِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَأْخُذُ بِهِ وَقُلْ أَصَحِيحٌ هُوَ ذَا؟ فَإِذَا صَحَّ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ بِهِ شِئْتَ أَمْ أَبَيْتَ. وَقَالَ أَفْلَحُ مَوْلَى أَمِّ سَلَمَةَ: «إِنَّهَا كَانَتْ تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهِيَ تَمْتَشِطُ " أَيُّهَا النَّاسُ " فَقَالَتْ لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي، قَالَتْ: فَدَيْتُكِ إِنَّمَا يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَتْ: وَيْحَكِ أَوَلَسْنَا مِنَ النَّاسِ؟ فَكَفَّتْ رَأْسَهَا وَقَامَتْ فِي حُجْرَتِهَا فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا عَلَى حَوْضِي إِذْ جِيءَ بِكُمْ زُمَرًا فَتَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَنَادَيْتُكُمْ أَلَا هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ فَيُنَادِي مُنَادٍ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ أَلَا سُحْقًا سُحْقًا» ". وَهَذِهِ الطُّرُقُ الَّتِي تَفَرَّقَتْ بِهِمْ هِيَ الطُّرُقُ وَالْمَذَاهِبُ الَّتِي ذَهَبُوا إِلَيْهَا وَأَعْرَضُوا عَنْ طَرِيقِهِ وَمَذْهَبِهِ ﷺ فَلَا يَجُوزُونَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا لَمْ يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِيَّاكُمْ وَالرَّأْيَ فَإِنَّ اللَّهَ رَدَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الرَّأْيَ وَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وَلَمْ يَقُلْ بِمَا رَأَيْتَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَا أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا بِتَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى النَّصِّ، وَمَا لُعِنَ إِبْلِيسُ وَغُضِبَ عَلَيْهِ إِلَّا بِتَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى النَّصِّ، وَلَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بِتَقْدِيمِ

стр. 531

آرَائِهَا عَلَى الْوَحْيِ، وَلَا تَفَرَّقَتِ الْأُمَّةُ فِرَقًا وَكَانُوا شِيَعًا إِلَّا بِتَقْدِيمِ آرَائِهِمْ عَلَى النُّصُوصِ، وَقَدْ «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَلَى الدِّينِ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَرُدُّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَأْيٍ اجْتِهَادًا وَاللَّهِ مَا آلُو عَنِ الْحَقِّ وَذَلِكَ يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَالْكِتَابُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ: بَلْ تَكْتُبُ كَمَا نَكْتُبُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَرَانِي أَرْضَى وَتَأْبَى» " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَالَ لَا تَقُولُوا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [فصل المقام الرابع إفادتها للعلم واليقين] فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَقَامُ الرَّابِعُ وَهُوَ إِفَادَتُهَا وَالْيَقِينُ فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْأَخْبَارُ الْمَقْبُولَةُ فِي بَابِ الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مُتَوَاتِرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَالثَّانِي: أَخْبَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مَعْنًى إِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، الثَّالِثُ: أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ مُتَلَقَّاةٌ بِالْقَبُولِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، الرَّابِعُ: أَخْبَارُ آحَادٍ مَرْوِيَّةٌ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنْ مِثْلِهِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ فَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَالشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ وَرُؤْيَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَتَكْلِيمِهِ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَحَادِيثُ عُلُوُّهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَحَادِيثُ إِثْبَاتِ الْعَرْشِ، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَادِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهَا كَمَا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ جَاءَ بِالتَّوْحِيدِ وَفَرَائِضِ الْإِسْلَامِ وَأَرْكَانِهِ، وَجَاءَ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلرَّبِّ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَا مِنْ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ إِلَّا وَقَدْ تَوَاتَرَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا لِنَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَمْتَنِعُ فِي مِثْلِهَا فِي الْعَادَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَإِذَا كَانَتِ الْعَادَةُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ الْمَعْهُودَةُ مِنْ حَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا تَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَيَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ وُقُوعُ الْغَلَطِ فِيهَا، أَفَادَتِ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ.

стр. 532

ثُمَّ لِلنَّاسِ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ وَبِهَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَظَرِيٌّ، فَأَصْحَابُ الضَّرُورَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِحُصُولِ الْعِلْمِ لَهُمْ ضَرُورَةً عَلَى حُصُولِ التَّوَاتُرِ الْمُوجِبِ لَهُ، وَأَصْحَابُ النَّظَرِ يَعْكِسُونَ الْأَمْرَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ نَسْتَدِلُّ بِتَوَاتُرِ الْمُخْبِرِينَ عَلَى إِفَادَةِ الْعِلْمِ. وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ أَعْلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَكُلُّ عَالِمٍ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَطُرُقِهَا وَنَقْلِهَا وَتَعَدُّدِهَا يَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًّا لَا شَكَّ فِيهِ بَلْ يَجِدُ نَفْسَهُ مُضْطَرَّةً إِلَى ثُبُوتِهَا أَوَّلًا وَثُبُوتِ مُخْبِرِهَا ثَانِيًا، وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ هَذَيْنِ الْعِلْمَيْنِ عَنْ نَفْسِهِ، الْعِلْمُ الْأَوَّلُ: يَنْشَأُ مِنْ جِهَةِ مَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الْأَحَادِيثِ وَتَعَدُّدِهَا وَتَبَايُنِ طُرُقِهَا وَاخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا، وَامْتِنَاعِ التَّوَاطُؤِ زَمَانًا وَمَكَانًا عَلَى وَضْعِهَا، وَالْعِلْمُ الثَّانِي: يَنْشَأُ مِنْ جِهَةِ إِيمَانِهِ بِالرِّسَالَةِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ. وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَعْظَمُ مِنْ عِلْمِ الْأَطِبَّاءِ بِوُجُودِ بُقْرَاطَ وَجَالِينُوسَ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَفَاضِلِ الْأَطِبَّاءِ، وَأَعْظَمُ مِنْ عِلْمِ النُّحَاةِ بِوُجُودِ سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ وَعِلْمِهِمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ وَأَتْبَاعَهُمْ فِي غَايَةِ قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ وَعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ بَلْ أَفْضَلُهُمْ عِنْدَ أَصْحَابِهِ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ رُوِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الْمَرْوِيَّ فِيهِ حَدِيثٌ أَوْ حَدِيثَانِ كَمَا يَجِدُهُ لِأَكَابِرِ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الرُّؤْيَةِ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ حَدِيثُ جَرِيرٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهَا مَا يُقَارِبُ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ " حَادِي الْأَرْوَاحِ ". فَإِنْكَارُ هَؤُلَاءِ لِمَا عَلِمَهُ أَهْلُ الْوِرَاثَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كَلَامِ نَبِيِّهِمْ أَقْبَحُ مِنْ إِنْكَارِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ عِنْدَ أَتْبَاعِهِمْ وَمَا يَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قَدْ تَطْرُقُ سَمْعَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَلَا تُفِيدُهُ عِلْمًا، لِأَنَّهُ لَمْ تَجْتَمِعْ طُرُقُهَا وَتَعَدُّدُهَا وَاخْتِلَافُ مَخَارِجِهَا مِنْ قِبَلِهِ، فَإِذَا اتَّفَقَ لَهُ إِعْرَاضٌ عَنْهَا أَوْ نَفْرَةٌ عَنْ رِوَايَتِهَا، بِإِحْسَانِ ظَنٍّ بِمَنْ قَالَ بِخِلَافِهَا أَوْ تَعَارُضِ خَيَالٍ شَيْطَانِيٍّ يَقُومُ بِقَلْبِهِ، فَهُنَاكَ يَكُونُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] فَلَوْ كَانَتْ أَضْعَافَ ذَلِكَ لَمْ تُحَصِّلْ لَهُمْ إِيمَانَهُمْ وَلَا عِلْمًا. وَحُصُولُ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ

стр. 533

بِمُوجِبِ التَّوَاتُرِ مِثْلُ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ وَنَحْوِهِمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخْبَارِ يُفِيدُ قَدْرًا مِنَ الْعِلْمِ، فَإِذَا تَعَدَّدَتِ الْأَخْبَارُ وَقَوِيَتْ أَفَادَتِ الْعِلْمَ، إِمَّا لِلْكَثْرَةِ وَإِمَّا لِلْقُوَّةِ وَإِمَّا لِمَجْمُوعِهِمَا، كَمَا يَحْصُلُ الشِّبَعُ إِمَّا بِكَثْرَةٍ أَوْ بِقُوَّةِ الْمَأْكُولِ وَإِمَّا لِمَجْمُوعِهِمَا. وَالْعِلْمُ بِمُخْبِرِ الْخَبَرِ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ حُرُوفِهِ بَلْ يَفْهَمُ مَعْنَاهُ مَعَ سَمَاعِ لَفْظِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْتَمِعِ لِهَذِهِ الْأَخْبَارِ، الْعِلْمُ بِطَرِيقِهَا وَمَعْرِفَةُ حَالِ رُوَاتِهَا وَفَهْمُ مَعْنَاهُ، حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ، وَلِهَذِهِ كَانَ جَمِيعُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَهُمْ لِسَانُ صِدْقٍ فِي الْأُمَّةِ قَاطِعِينَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، شَاهِدِينَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَازِمِينَ بِأَنَّ مَنْ كَذَبَ بِهَا أَوْ أَنْكَرَ مَضْمُونَهَا فَهُوَ كَافِرٌ، مَعَ عِلْمِ مَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى سِيرَتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ صِدْقًا وَأَمَانَةً وَدِيَانَةً وَأَوْفَرِهِمْ عُقُولًا وَأَشَدِّهِمْ تَحَفُّظًا وَتَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ وَمُجَانَبَةً لِلْكَذِبِ، وَأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُجَابِي فِي ذَلِكَ آبَاهُ وَلَا ابْنَهُ، وَلَا شَيْخَهُ وَلَا صَدِيقَهُ، وَأَنَّهُمْ حَرَّرُوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْرِيرًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ سِوَاهُمْ، لَا مِنَ النَّاقِلِينَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُمْ شَاهَدُوا شُيُوخَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَأَعْظَمَ، وَأُولَئِكَ شَاهَدُوا مَنْ فَوْقَهُمْ كَذَلِكَ وَأَبْلَغَ، حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى مَنْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ، وَأَخْبَرَ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ وَاخْتِبَارِهِ لَهُمْ وَاتِّخَاذِهِ إِيَّاهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ أَفَادَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ يَنْقُلُهُ كُلُّ طَائِفَةٍ عَنْ صَاحِبِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ وِجْدَانِيٌّ عِنْدَهُمْ لَا يُمْكِنْكُمْ جَحْدُهُ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا تُحِسُّونَهُ مِنَ الْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ، حَتَّى أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ وَيَحْلِفُونَ عَلَيْهِ وَيُبَاهُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْقَادِحِينَ فِي أَخْبَارِهِ وَسُنَّتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُوَاةُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ كَاذِبِينَ أَوْ غَالِطِينَ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ أَعْدَائِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَاءَ بِهِ شَيْطَانٌ كَاذِبٌ. وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَصْدَقُ الطَّوَائِفِ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: وَجَدْتُ الدِّينَ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْكَلَامَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَالْكَذِبَ لِلرَّافِضَةِ، وَالْخَيْلَ لِأَهْلِ الرَّأْيِ، وَسُوءَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ لِآلِ أَبِي فُلَانٍ. وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَالِمِينَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَحَدَّثَ بِهَا فِي الْأَمَاكِنِ وَالْأَوْقَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَعِلْمُهُمْ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، لَمْ يَكُنْ مَنْ لَا عِنَايَةَ لَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ آحَادٌ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، مَقْبُولًا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَدَعُونَ الضَّرُورِيَّ، وَخُصُومُهُمْ إِمَّا أَنْ يُنْكِرُوا حُصُولَهُ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنْ أَنْكَرُوا

стр. 534

حُصُولَهُ لِأَنْفُسِهِمْ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي حُصُولِهِ لِغَيْرِهِمْ، وَإِنْ أَنْكَرُوا حُصُولَهُ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ كَانُوا مُكَابِرِينَ لَهُمْ عَلَى مَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُكَابِرُ غَيْرَهُ عَلَى مَا يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ فَرَحِهِ وَأَلَمِهِ، وَخَوْفِهِ وَحُبِّهِ، وَالْمُنَاظَرَةُ إِذَا انْتَهَتْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَمْ يَبْقَ فِيهَا فَائِدَةٌ، وَيَنْبَغِي الْعُدُولُ إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الْمُبَاهَلَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] [فصل التفصيل في خبر الواحد وأنه ليس سواء] فَصِلٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، فَتَارَةً يُجْزَمُ بِكَذِبِهِ لِقِيَامِ دَلِيلِ كَذِبِهِ وَتَارَةً يُظَنُّ كَذِبُهُ إِذَا كَانَ دَلِيلُ كَذِبِهِ ظَنِّيًّا، وَتَارَةً يُتَوَقَّفُ فِيهِ فَلَا يَتَرَجَّحُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ أَحَدِهِمَا، وَتَارَةً يَتَرَجَّحُ صِدْقُهُ وَلَا يُجْزَمُ بِهِ، وَتَارَةً يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ جَزْمًا لَا يَبْقَى مَعَهُ شَكٌّ، فَلَيْسَ خَبَرٌ وَاحِدٌ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَا الظَّنَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا أَنَّهُ يَحْصُلُ الْعِلْمُ، فَلَا وَجْهَ لِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ، بَلْ نَقُولُ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: خَبَرُ مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ جَلَّ وَعَلَا وَخَبَرُ رَسُولِهِ ﷺ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ. الثَّانِي: خَبَرُ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ يُصَدِّقُهُ كَخَبَرِ الْمُخْبِرِ الَّذِي أَخْبَرَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «أَنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ " فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ» ، وَكَخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى السَّدَّ مِثْلَ الْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ فَقَالَ: " قَدْ رَأَيْتُهُ " وَمِنْ هَذَا تَرْتِيبُهُ ﷺ عَلَى خَبَرِ الْمُخْبِرِ لَهُ مُقْتَضَاهُ كَغَزْوِ مَنْ أَخْبَرَهُ بِنَقْضِ قَوْمٍ الْعَهْدَ وَخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَتَمَهُ وَنَالَ مِنْ عِرْضِهِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَهَذَا تَصْدِيقٌ لِلْمُخْبِرِ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَقْطَعُ بِصِدْقِ أَصْحَابِهِ كَمَا قَطَعَ بِصِدْقِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ الدَّجَّالِ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلَمْ يَقُلْ أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ، بَلْ قَالَ: (حَدَّثَنِي تَمِيمٌ الدَّارِيُّ) وَمَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالسُّنَّةِ

стр. 535

يَرَى هَذَا كَثِيرًا فِيمَا يَجْزِمُ بِصِدْقِ أَصْحَابِهِ، وَيُرَتِّبُ عَلَى أَخْبَارِهِمْ مُقْتَضَاهَا مِنَ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُسَالَمَةِ وَالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ. وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ شَهَادَةً عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، لَا نَمْتَرِي فِيهَا وَلَا نَشُكُّ عَلَى صِدْقِهِمْ وَنَجْزِمُ بِهِ جَزْمًا ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنَّا دَفْعُهُ عَنْ نُفُوسِنَا، وَمِنْ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَجْزِمُ بِصِدْقِهِمْ فِيمَا يُخْبِرُونَهُ بِهِ مِنْ رُؤْيَا الْمَنَامِ، وَيَجْزِمُ لَهُمْ بِتَأْوِيلِهَا وَيَقُولُ إِنَّهَا رُؤْيَا حَقٍّ، وَأَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِتَصْدِيقِهِ لِمَنْ أَخْبَرَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَمِنْ هَذَا إِخْبَارُ الصَّحَابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْزِمُونَ بِمَا يُحَدِّثُ بِهِ أَحَدُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِمَنْ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَبَرُكَ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ حَتَّى يَتَوَافَرَ، وَتَوَقَّفَ مَنْ تَوَقَّفَ مِنْهُمْ حَتَّى عَضَّدَهُ آخَرُ مِنْهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى رَدِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَثْبِتُ أَحْيَانًا نَادِرَةً جِدًّا إِذَا اسْتَخْبَرَ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا أَهْلِ الْإِسْلَامِ بَعْدَهُمْ يَشُكُّونَ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ وَلَا عَلِيٌّ وَلَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو ذَرِّ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ كَانُوا لَا يَشُكُّونَ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ تَفَرُّدِهِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَوْمًا وَاحِدًا مِنَ الدَّهْرِ: خَبَرُكَ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَكَانَ حَدِيثُ رَسُولِهِ ﷺ أَجَلَّ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ أَنْ يُقَابَلَ بِذَلِكَ، وَكَانَ الْمُخْبِرُ لَهُمْ أَجَلَّ فِي أَعْيُنِهِمْ وَأَصْدَقَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ يَقُولَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا رَوَى لِغَيْرِهِ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصِّفَاتِ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَاعْتَقَدَ تِلْكَ الصِّفَةَ بِهِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ كَمَا اعْتَقَدَ رُؤْيَةَ الرَّبِّ وَتَكْلِيمَهُ وَنِدَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِعِبَادِهِ بِالصَّوْتِ الَّذِي يَسْمَعُهُ الْبَعِيدُ كَمَا يَسْمَعُهُ الْقَرِيبُ، وَنُزُولُهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَضَحِكُهُ وَفَرَحُهُ وَإِمْسَاكُ سَمَاوَاتِهِ عَلَى إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ وَإِثْبَاتُ الْقَدَمِ لَهُ. مَنْ سَمِعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مِمَّنْ حَدَّثَ بِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ صَاحِبٍ اعْتَقَدَ ثُبُوتَ مُقْتَضَاهَا بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهَا مِنَ الْعَدْلِ الصَّادِقِ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ فِيهَا حَقٌّ حَتَّى

стр. 536

أَنَّهُمْ رُبَّمَا تَثَبَّتُوا فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ حَتَّى يَسْتَظْهِرُوا بِآخَرَ كَمَا اسْتَظْهَرَ عُمَرُ ﵁ بِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى خَبَرِ أَبِي مُوسَى، كَمَا اسْتَظْهَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ، وَلَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الِاسْتِظْهَارَ فِي رِوَايَةِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ الْبَتَّةَ بَلْ كَانُوا أَعْظَمَ مُبَادَرَةً إِلَى قَبُولِهَا وَتَصْدِيقِهَا وَالْجَزْمِ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ بِهَا مِنَ الْمُخْبِرِ لَهُمْ بِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ لَهُ أَدْنَى إِلْمَامٍ بِالسُّنَّةِ وَالْتِفَاتٍ إِلَيْهَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَوْلَا وُضُوحُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ لَذَكَرْنَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَوْضِعٍ. فَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ نُفَاةُ الْعِلْمِ عَنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ خَرَقُوا بِهِ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ وَإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَوَافَقُوا بِهِ الْمُعْتَزِلَةَ وَالْجَهْمِيَّةَ وَالرَّافِضَةَ وَالْخَوَارِجَ الَّذِينَ انْتَهَكُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ، وَتَبِعَهُمْ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَإِلَّا فَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ سَلَفٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِذَلِكَ بَلْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ. فَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ. قَالَ ابْنُ خُوَازِ مِنْدَادَ فِي كِتَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ خَبَرَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانُ، وَيَقَعُ بِهَذَا الضَّرْبِ أَيْضًا الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: نَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ، وَنَقْطَعُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا، وَكَذَلِكَ رَوَى الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَاهُنَا اثْنَانِ يَقُولَانِ إِنَّ الْخَبَرَ يُوجِبُ عَمَلًا وَلَا يُوجِبُ عِلْمًا فَعَابَهُ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَقَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا إِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي أَوَّلِ الْمُخْبِرِ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ إِذَا صَحَّ سَنَدُهُ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِيهِ وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَأَصْحَابُنَا يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ فِيهِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَإِنْ لَمْ تَتَلَقَّهُ بِالْقَبُولِ، قَالَ: وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا حَكَيْتُ لَا غَيْرُ. فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ يُحَتَّمُ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِيهِ حُكْمٌ أَوْ فَرْضٌ عَمِلْتُ بِهِ وَدِنْتُ اللَّهَ بِهِ، وَلَا أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 537

وَقَالَ ابْنُ أَبِي يُونُسَ فِي أَوَّلِ الْإِرْشَادِ: وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا، وَنَصَّ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْكِفَايَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كُتُبِهِ الْأُصُولِ كَالتَّبْصِرَةِ وَشَرْحِ اللُّمَعِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا لَفْظُهُ فِي الشَّرْحِ: وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ سَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ الْكُلُّ أَوِ الْبَعْضُ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَصَرَّحَتِ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُسْتَفِيضَ يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» " قَالُوا: مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، قَالُوا: وَنَحْوُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ، قَالُوا: وَنَحْوُهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي إِعْطَاءِ الْجَدَّةِ السُّدُسَ، قَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى اسْتِعْمَالِ حُكْمِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ حِينَ سَمِعُوهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِهَا وَسَلَامَتِهَا، وَإِنْ قَدْ خَالَفَ فِيهَا قَوْمٌ فَإِنَّهَا عِنْدَنَا شُذُوذٌ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّا إِذَا وَجَدْنَا السَّلَفَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ خَبَرٍ هَذَا وَصْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَثْبِيتٍ فِيهِ وَلَا مُعَارَضَةٍ بِالْأُصُولِ أَوْ يُخْبَرُ مِثْلُهُ مَعَ عِلْمِنَا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ وَالنَّظَرِ فِيهَا وَعَرْضِهَا عَلَى الْأُصُولِ، دَلَّنَا ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَصِيرُوا إِلَى حُكْمِهِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ وَاسْتِقَامَتُهُ، فَأَوْجَبَ لَنَا الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ، هَذَا لَفْظُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ فِي كِتَابِهِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ وَعَقْلٍ مُسْتَقِيمٍ اسْتِفَاضَةُ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَالنِّدَاءِ وَالنُّزُولِ وَالتَّكْلِيمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنِ اسْتِفَاضَةِ حَدِيثِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَحَدِيثِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَحَدِيثِ فَرْضِ الْجَدَّةِ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَ اسْتِفَاضَةِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَاسْتِفَاضَةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَهَلْ يَسُوغُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذِهِ تُوجِبُ الْعِلْمَ وَتِلْكَ لَا تُوجِبُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاهِتًا. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا

стр. 538

فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ مَالِكٍ، وَنَصَرَهُ فِي الرِّسَالَةِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الَّذِي يُوجِبُهُ نَصُّ الْكِتَابِ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ لَفْظَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ. قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ سُنَّةٍ مِنْ خَبَرِ الْخَاصَّةِ الَّذِي قَدْ يَخْتَلِفُ الْخَبَرُ فِيهِ فَيَكُونُ الْخَبَرُ مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ، وَجَاءَ الْخَبَرُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الِانْفِرَادِ، فَالْحُجَّةُ فِيهِ عِنْدِي أَنْ يَلْزَمَ الْعَالِمِينَ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ رَدُّ مَا كَانَ مَنْصُوصًا مِنْهُ كَمَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا شَهَادَةَ الْعُدُولِ لَا أَنَّ ذَلِكَ إِحَاطَةٌ كَمَا يَكُونُ نَصُّ الْكِتَابِ وَخَبَرُ الْعَامَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ شَكَّ فِي هَذَا شَاكٌّ لَمْ نَقُلْ لَهُ تُبْ، وَقُلْنَا لَيْسَ لَكَ إِنْ كُنْتَ عَالِمًا أَنْ تَشُكَّ كَمَا لَيْسَ لَكَ إِلَّا أَنْ تَقْضِيَ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ وَإِنْ أَمْكَنَ فِيهِمُ الْغَلَطُ، وَلَكِنْ تَقْضِي بِذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ صِدْقِهِمْ، وَاللَّهُ وَلِيُّ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ ذَلِكَ. اه. فَهَذَا نَصُّهُ فِي خَبَرٍ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَا تَنَازُعَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَكَلَامُنَا فِي أَخْبَارٍ تُلُقِّيَتْ بِالْقَبُولِ وَاشْتَهَرَتْ فِي الْأُمَّةِ وَصَرَّحَ بِهَا الْوَاحِدُ بِحَضْرَةِ الْجَمْعِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ، بَلْ قَبِلَهُ السَّامِعُ وَأَثْبَتَ بِهِ صِفَةَ الرَّبِّ تَعَالَى، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَفَاهَا، كَمَا أَنْكَرَ جَمِيعُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَنْ نَفَى صِفَاتِ الرَّبِّ الْخَبَرِيَّةَ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْبِدْعَةِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْأَخِيرِ فَقَالَ: فَقُلْتُ لَهُ يَعْنِي مَنْ يُنَاظِرُهُ أَرَأَيْتَ إِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: أَتَّهِمُ جَمِيعَ مَا رَوَيْتَ عَمَّنْ رَوَيْتَهُ عَنْهُ، فَإِنِّي أَخَافُ غَلَطَ كُلِّ مُحَدِّثٍ عَنْهُمْ عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ إِذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّهَمَ حَدِيثُ أَهْلِ الثِّقَةِ، قُلْتُ: فَهَلْ رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: وَمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنَّمَا عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ بِصِدْقِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَنَا وَعَلِمْنَا أَنَّ مَنْ سَمَّيْنَا قَوْلَهُ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَعِلْمُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ عِلْمُنَا بِأَنَّ مَنْ سَمَّيْنَاهُ قَالَهُ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ فَإِذَا اسْتَوَى الْعِلْمَانِ مِنْ خَبَرِ الصَّادِقِ فَأَوْلَى بِنَا أَنْ نُصَيِّرَ إِلَيْهِ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَأْخُذَ بِهِ أَوِ الْخَبَرِ عَمَّنْ دُونَهُ، قَالَ: بَلِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ ثَبَتَ، قُلْتُ: ثُبُوتُهُمَا وَاحِدٌ، قَالَ: فَالْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى بِنَا أَنْ نَصِيرَ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَدْخَلْتُمْ عَلَى الْمُخْبِرِينَ عَنْهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِمُ الْغَلَطُ دَخَلَ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ رُوِيَ مُخَالِفَ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَإِنْ قُلْتَ: نُثْبِتُ بِخَبَرِ الصَّادِقِينَ) فَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى عِنْدَنَا أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ.

стр. 539

فَقَدْ نَصَّ كَمَا تَرَى بِأَنَّهُ إِذَا رَوَاهُ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ يُصَدَّقُ الرَّاوِي عِنْدَنَا وَلَا يُنَاقَضُ، هَذَا نَصُّهُ فِي الرِّسَالَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا نَفَى هُنَاكَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ مُسَاوِيًا لِلْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ: نُؤْمِنُ بِهَا وَنَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ، قَالَ: فَقَطَعَ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا، وَذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالُوا: خَبَرُ الْوَاحِدِ إِنْ كَانَ شَرْعِيًّا أَوْجَبَ الْعِلْمَ، قَالَ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ لَا مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ. وَالِاسْتِدْلَالُ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِقَبُولٍ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ، وَإِنَّ قَبُولَ الْأُمَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ عِنْدَهُمْ بِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ لَا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ قَوْمٌ وَيَرُدُّهُ قَوْمٌ، الثَّانِي: خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ وَاحِدٌ فَيَقْطَعُ بِصِدْقِهِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى عِصْمَتِهِ، الثَّالِثُ: أَنْ يُخْبِرَ الْوَاحِدُ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْكَذِبِ. الرَّابِعُ: أَنْ يُخْبِرَ الْوَاحِدُ وَيَدَّعِيَ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، فَلَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صِدْقٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَمْ تَتَّفِقْ دَوَاعِيهِمْ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ تَكْذِيبِهِ، وَالْعِلْمُ الْوَاقِعُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مُكْتَسَبٌ، لِأَنَّهُ وَاقِعٌ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ. . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قُلْتُ حَصْرُهُ لِأَخْبَارِ الْآحَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ لَيْسَ بِجَامِعٍ؛ لِأَنَّ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ مَا تَلَقَّاهُ الرَّسُولُ أَيْضًا بِالْقَبُولِ، كَأَخْبَارِهِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُصَدِّقًا لَهُ فِيهِ، وَمِنْهَا إِخْبَارُ شَخْصَيْنِ عَنْ قِصَّةٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَيْهَا وَيَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا وَالْخَطَأِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَخْبَارُ الْآحَادِ الْمُوجِبَةُ لِلْعِلْمِ وَلَا تَنْحَصِرُ، بَلْ يَجِدُ الْمُخْبَرُ عِلْمًا لَا يَشُكُّ فِيهِ بِكَثِيرٍ مِنْهَا، كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ لَمْ يُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبًا قَطُّ أَنَّهُ شَاهَدَهُ، فَإِذًا يَجْزِمُ بِهِ جَزْمًا ضَرُورِيًّا أَوْ يُقَارِبُ الضَّرُورَةَ، وَكَمَا إِذَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ ضَرَرٌ، فَأَخْبَرَ بِهِ تَدَيُّنًا وَخَشْيَةً لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا إِذَا أَتَى بِنَفْسِهِ اخْتِيَارًا وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِحَدٍّ ارْتَكَبَهُ يَطْلُبُ تَطْهِيرَهُ مِنْهُ بِالْحَدِّ، أَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِحَقٍّ ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ وَلَا يَمِينَ يُطْلَبُ مِنْهُ، وَلَا

стр. 540

مَخَافَةَ تَلْحَقُهُ فِي الْإِنْكَارِ، أَوْ أَخْبَرَ الْمُفْتِيَ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ الْمَخْرَجُ مِنْهُ، أَوْ أَخْبَرَ الطَّبِيبَ بِأَلَمٍ يَجِدُهُ، يَطْلُبُ زَوَالَهُ إِلَى أَضْعَافِ أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَقْطَعُ السَّامِعُ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ بِهَا، فَكَيْفَ يَنْشَرِحُ صَدْرًا وَيَنْطَلِقُ لِسَانًا بِأَنَّ خَبَرَ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃ إِذَا قَالُوا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا أَنَّهَا لَا تُفِيدُ عِلْمًا الْبَتَّةَ، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِخَبَرٍ جُزِمَ بِصِدْقِهِمْ، وَنَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَخْبَرُوا سِوَاهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ جَزَمَ بِصِدْقِهِمْ، بَلْ نَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ سَالِمًا وَنَافِعًا وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَمْثَالَهُمْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، بَلْ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَنَحْوُهُمْ كَذَلِكَ، فَلَا يَقَعُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ مَنْ عَرَفَ الْقَوْمَ الِاحْتِمَالُ فِيمَا يَقُولُ فِيهِ مَالِكٌ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، وَنَحْنُ قَاطِعُونَ بِخَطَأِ مُنَازِعِينَا فِي ذَلِكَ. وَقَدْ ذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِذَا انْعَقَدَ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ صَارَ كَالْمُتَوَاتِرِ، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ بُرْهَانَ وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا ادَّعَى عَلَى جَمَاعَةٍ بِحَضْرَتِهِمْ صِدْقَهُ فَسَكَتُوا صَارَ خَبَرُهُ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ يَجْحَدُ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَالتَّكْفِيرُ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَإِنَّمَا أُتِيَ مُنْكِرُ إِفَادَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِلْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ قَاسَ الْمُخْبِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَرْعٍ عَامٍّ لِلْأُمَّةِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى خَبَرِ الشَّاهِدِ عَلَى قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْمُخْبِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَذَبَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَمْ يَظْهَرْ مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ إِضْلَالُ الْخَلْقِ، إِذِ الْكَلَامُ فِي الْخَبَرِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَعَمِلَتْ بِمُوجَبِهِ وَأَثْبَتَتْ بِهِ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَفْعَالِهِ، فَإِنَّ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ شَرْعًا مِنَ الْأَخْبَارِ لَا يَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَبِلَتْهُ الْأُمَّةُ كُلُّهُمْ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ دَلِيلٍ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ شَرْعًا لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. هَذَا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ شَرْعِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ فَهَذِهِ قَدْ لَا يَكُونُ مُقْتَضَاهَا ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

стр. 541

وَحَرَّفَ مَسْأَلَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الَّذِي تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ الْأُمَّةَ وَتَعَرَّفَ بِهِ إِلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فِي إِثْبَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كِذِبًا وَبَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَحُجَجُ اللَّهِ لَا تَكُونُ كَذِبًا وَبَاطِلًا، بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَكَافَأَ أَدِلَّةُ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ وَشَرْعِهِ وَدِينِهِ مُشْتَبِهًا لِلْوَحْيِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَتَعَبَّدَ بِهِ خَلْقَهُ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ هَذَا مِنْ هَذَا فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَوَحْيِ الشَّيْطَانِ وَوَحْيِ الْمَلَكِ عَنِ اللَّهِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَشْتَبِهَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، أَلَا وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَى الْحَقِّ نُورًا كَنُورِ الشَّمْسِ يَظْهَرُ لِلْبَصَائِرِ الْمُسْتَنِيرَةِ، وَأَلْبَسَ الْبَاطِلَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَشْتَبِهَ الْبَاطِلُ بِالنَّهَارِ عَلَى أَعْمَى الْبَصَرِ، كَمَا يَشْتَبِهُ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ عَلَى أَعْمَى الْبَصِيرَةِ. قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي قَضِيَّتِهِ، تَلَقَّ الْحَقَّ مِمَّنْ قَالَهُ، فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا، وَلَكِنْ لَمَّا أَظْلَمَتِ الْقُلُوبُ وَعَمِيَتِ الْبَصَائِرُ بِالْإِعْرَاضِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَازْدَادَتِ الظُّلْمَةُ بِاكْتِفَائِهَا بِآرَاءِ الرِّجَالِ، الْتَبَسَ عَلَيْهَا الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، فَجَوَّزَتْ عَلَى أَحَادِيثِهِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي رَوَاهَا أَعْدَلُ الْأُمَّةِ وَأَصْدَقُهَا أَنْ تَكُونَ كَذِبًا، وَجَوَّزَتْ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ الْمَكْذُوبَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي تُوَافِقُ أَهْوَاءَهَا أَنْ تَكُونَ صِدْقًا فَاحْتَجَبَ بِهَا. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خَبَرَ الْعُدُولِ الثِّقَاتِ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَمَلَ بِهِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبًا وَخَطَأً وَلَا يَنْصِبُ اللَّهُ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ يَقُولُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَلْ مَتَى وُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ بِهِ وَجَبَ ثُبُوتُ مُخْبِرِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَلَى هَذَا تَنَازَعُوا فِي كُفْرِ تَارِكِهِ لِكَوْنِهِ مِنَ الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي كُفْرِ جَاحِدِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ رَدَّ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ اعْتِقَادًا لِغَلَطِ النَّاقِلِ أَوْ كَذِبِهِ أَوْ لِاعْتِقَادِ الرَّادِّ أَنَّ الْمَعْصُومَ لَا يَقُولُ هَذَا، أَوْ لِاعْتِقَادِ نَسْخِهِ وَنَحْوِهِ، فَرَدَّهُ اجْتِهَادًا وَحِرْصًا عَلَى نَصْرِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ فَقَدْ رَدَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْضَ أَخْبَارِ الْآحَادِ الصَّحِيحَةِ، كَمَا رَدَّ عُمَرُ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي إِسْقَاطِ نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَكَمَا رَدَّتْ عَائِشَةُ ﵂ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَصْلٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَبَرِ وَيَعْمَلُ بِهِ، فَهَذِهِ رِوَايَةٌ انْفَرَدَ بِهَا الْأَثْرَمُ، وَلَيْسَتْ فِي مَسَائِلِهِ، وَلَا فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا حَكَاهَا الْقَاضِي أَنَّهُ وَجَدَهَا فِي كِتَابِ مَعَانِي الْحَدِيثِ، وَالْأَثْرَمُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ بَلْ

стр. 542

لَعَلَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ مِنْ وَاهِمٍ وُهِمَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ، فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ، بَلِ الْمَرْوِيُّ الصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ جَزَمَ عَلَى الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، وَالْخَبَرُ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَلَعَلَّ تَوَقُّفَهُ عَنِ الشَّهَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ، فَكَانَ يَجْزِمُ بِتَحْرِيمِ أَشْيَاءَ، وَيَتَوَقَّفُ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ تَحْرِيمٍ عَلَيْهَا، وَيَجْزِمُ بِتَحْرِيمِ أَشْيَاءَ وَيَتَوَقَّفُ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا تَوَرُّعًا، بَلْ يَقُولُ: أَكْرَهُ كَذَا وَأَسْتَحِبُّ كَذَا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَجْوِبَتِهِ. وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ: وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ فِي النَّارِ لِذَنْبٍ عَمِلَهُ وَلَا لِكَبِيرَةٍ أَتَاهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ فَنُصَدِّقَهُ وَنَعْلَمَ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ وَلَا نَنُصَّ الشَّهَادَةَ، وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ لِصَالِحٍ عَمِلَهُ وَلِخَيْرٍ أَتَاهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فَنَقْبَلَهُ كَمَا جَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ وَلَا نَنُصَّ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَا نَنُصُّ الشَّهَادَةَ، مَعْنَاهُ عِنْدِي وَلَا نَقْطَعَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَفْظُ " نَنُصَّ " هُوَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ لَا نَشْهَدُ عَلَى الْمُعَيَّنِ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ: نَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَشْهَدُ وَأَعْلَمُ وَاحِدٌ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمُوجَبِ خَبَرِ وَاحِدٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ يَقُولُونَ: أَخْبَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُفِيدُ الْعِلْمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] . وَقَالَ تَعَالَى آمِرًا لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] قَالُوا: فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] فَالْكِتَابُ الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةُ السُّنَّةُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» " فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ

стр. 543

إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَقَالُوا: فَلَوْ جَازَ عَلَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنْ تَكُونَ كَذِبًا لَمْ تَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَا كَانَتْ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآتَاهُ إِيَّاهُ تَفْسِيرًا لِكِتَابِهِ وَتَبْيِينًا لَهُ، وَكَيْفَ تَقُومُ حُجَّتُهُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ تُجْرَى مَجْرَى تَفْسِيرِ الْكِتَابِ وَبَيَانِ الْمُرَادِ، فَهِيَ الَّتِي تُعَرِّفُنَا مُرَادَ اللَّهِ مِنْ كِتَابِهِ، فَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ كَذِبًا وَغَلَطًا لَبَطَلَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَلَقَالَ كُلُّ مَنِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِسُنَّةٍ تُبَيِّنُ الْقُرْآنَ وَتُفَسِّرُهُ: هَذَا فِي خَبَرِ وَاحِدٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَلَا تَقُومُ عَلَيَّ حُجَّةٌ بِمَا لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَهَذَا طَرْدُ هَذَا الْمَذْهَبِ الْفَاسِدِ، وَأَطْرَدُ النَّاسِ لَهُ أَبْعَدُهُمْ عَنِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَالَّذِي جَاءَ يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى الْخَيَالَاتِ الذِّهْنِيَّةِ وَالشُّبُهَاتِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَلَقَّوْهَا عَنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالتَّجَهُّمِ وَالِاعْتِزَالِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا بَرَاهِينُ عَقْلِيَّةٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ وَقَدْ قَسَّمَ الْأَخْبَارَ إِلَى تَوَاتُرٍ وَآحَادٍ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ التَّوَاتُرِ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْأَخْبَارِ فَهُوَ مَا لَا يَرْوِيهِ إِلَّا الْوَاحِدُ الْعَدْلُ وَنَحْوُهُ، وَلَمْ يَتَوَافَرْ لَفْظُهُ وَلَا مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ عَمَلًا بِهِ أَوْ تَصْدِيقًا لَهُ كَخَبَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» " وَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ " «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ» " وَخَبَرِ أَنَسٍ «دَخَلَ مَكَّةَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» ، وَكَخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ " «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا» " وَكَقَوْلِهِ " «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» " وَقَوْلِهِ:

стр. 544

" «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ» " وَقَوْلِهِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا " «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» " وَقَوْلِهِ " «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» " وَقَوْلِهِ " «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» " وَقَوْلِهِ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ " «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى» " وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَهَذَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. أَمَّا السَّلَفُ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَهَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ مِثْلِ السَّرَخْسِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَابْنِ خُوَازِ مِنْدَادَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِثْلِ الْقَاضِي وَأَبِي يَعْلَى وَابْنِ مُوسَى وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحَنْبَلِيَّةِ، وَمِثْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الِاسْفَرَايِينِيِّ وَابْنِ فُورَكَ وَأَبِي إِسْحَاقَ النَّظَّامِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ كَابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِثْلُ أَبِي الْمَعَالِي وَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَصَحَّحَهُ وَاخْتَارَهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ كَثْرَةَ الْقَائِلِينَ بِهِ لِيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بِمُوجَبِ الْحُجَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَظَنَّ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ لَهُمْ عِلْمٌ وَدِينٌ وَلَيْسَ لَهُمْ بِهَذَا الْبَابِ خِبْرَةٌ تَامَّةٌ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو انْفَرَدَ بِهِ عَنِ الْجُمْهُورِ، وَعُذْرُهُمْ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِلَى مَا يَجِدُونَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِنِ ارْتَفَعُوا دَرَجَةً صَعَدُوا إِلَى سَيْفِ الْآمِدِيِّ وَإِلَى الْخَطِيبِ، فَإِنْ عَلَا سَنَدُهُمْ صَعِدُوا إِلَى الْغَزَالِيِّ وَالْجُوَيْنِيِّ وَالْبَاقِلَانِيِّ.

стр. 545

قَالَ: وَجَمِيعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو، وَالْحُجَّةُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، أَنَّ تَلَقِّيَ الْأُمَّةِ لِلْخَبَرِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ كَمَا لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى مُوجِبِ عُمُومٍ أَوْ مُطْلَقٍ أَوِ اسْمٍ حَقِيقَةً أَوْ عَلَى مُوجِبِ قِيَاسٍ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَوْ جُرِّدَ النَّظَرُ إِلَيْهِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَإِنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ الْإِجْمَاعِيَّةِ، كَمَا أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ يَجُوزُ الْخَطَأُ وَالْكَذِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُخْبِرِينَ بِمُفْرَدِهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالْأُمَّةُ مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي رِوَايَتِهَا وَرَأْيِهَا وَرُؤْيَاهَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» " فَجُعِلَ تَوَاطُؤُ الرُّؤْيَا دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهَا. وَالْآحَادُ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ تَكُونُ ظُنُونًا بِشُرُوطِهَا، فَإِذَا قُوِّيَتْ صَارَتْ عُلُومًا، وَإِذَا ضَعُفَتْ صَارَتْ أَوْهَامًا وَخَيَالَاتٍ فَاسِدَةً. قَالَ أَيْضًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يُنْكِرُهُ إِذْ هُوَ خِلَافُ مَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْجَزْمُ بِصِدْقِهِ فَلَا يُمْكِنُ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْعَمَلُ بِهِ وَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِي الْبَاطِنِ، وَهَذَا سُؤَالُ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ. قُلْنَا: أَمَّا الْجَزْمُ بِصِدْقِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْتَفِ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، إِذِ الْقَرَائِنُ الْمُجَرَّدَةُ قَدْ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِهَا، فَكَيْفَ إِذَا احْتَفَتْ بِالْخَبَرِ، وَالْمُنَازِعُ بَنَى عَلَى هَذَا أَصْلَهُ الْوَاهِيَ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُجَرَّدِ الْأَخْبَارِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، فَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ مَا دُونَ الْعَدَدِ لَا يُفِيدُ أَصْلًا، وَهَذَا غَلَطٌ خَالَفَهُ فِيهِ حُذَّاقُ أَتْبَاعِهِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ بِهِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ كَذِبًا وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِهِ لَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا هُوَ كَذِبٌ وَخَطَأٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِذَا كَانَ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ صِدْقٌ مَقْبُولٌ فَإِجْمَاعُ السَّلَفِ وَالصَّحَابَةِ أَوْلَى أَنْ يَدُلَّ عَلَى صِدْقِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَدَّعِيَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ إِلَّا فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِ انْتَشَرَتِ انْتِشَارًا لَا تُضْبَطُ أَقْوَالُ جَمِيعِهَا. قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالْحَافِظِ أَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ مَا تَلَقَّاهُ أَهْلُ

стр. 546

الْحَدِيثِ وَعُلَمَاؤُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ فَهُوَ مُحَصِّلٌ لِلْعِلْمِ مُفِيدٌ لِلْيَقِينِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا الْعُلَمَاءُ بِهَا دُونَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالنُّحَاةِ وَالْأَطِبَّاءِ، كَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى صِدْقِ الْحَدِيثِ وَعَدَمِ صِدْقِهِ إِلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَطُرُقِهِ وَعِلَلِهِ، وَهُمْ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْعَالِمُونَ بِأَحْوَالِ نَبِيِّهِمْ، الضَّابِطُونَ لِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الْمُعْتَنُونَ بِهَا أَشَدَّ مِنْ عِنَايَةِ الْمُقَلِّدِينَ بِأَقْوَالِهِمْ مَتْبُوعِيهِمْ. فَكَمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّوَاتُرِ يَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ وَخَاصٍّ، فَيَتَوَاتَرُ عِنْدَ الْخَاصَّةِ مَا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لِغَيْرِهِمْ فَضْلًا أَنْ يَتَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ، فَأَهْلُ الْحَدِيثِ لِشِدَّةِ عِنَايَتِهِمْ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ يَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا لَا يَشُكُّونَ فِيهِ مِمَّا لَا شُعُورَ لِغَيْرِهِمْ بِهِ أَلْبَتَّةَ، فَخَبَرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَنَحْوِهِمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْجَازِمَ الَّذِي يَلْتَحِقُ عِنْدَهُمْ بِقِسْمِ الضَّرُورِيَّاتِ، وَعِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ لَا يُفِيدُ عِلْمًا، وَكَذَلِكَ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ نَبِيَّهُمْ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ خُرُوجِ قَوْمٍ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُمْ جَازِمُونَ بِأَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَاطِعُونَ بِصِحَّتِهَا عَنْهُ، وَغَيْرُهُمْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مِنَ الْأَخْبَارِ يُوجِبُ الْعِلْمَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ. وَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ الَّذِي أَوْجَبَتِ الشَّرِيعَةُ تَصْدِيقَ مِثْلِهِ وَالْعَمَلَ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرَ عَدْلٍ مَعْرُوفٍ بِالصِّدْقِ وَالضَّبْطِ وَالْحِفْظِ، فَهَذَا فِي إِفَادَتِهِ لِلْعِلْمِ قَوْلَانِ، هُمَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَيْضًا وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَازِ مِنْدَادَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْلِفُ عَلَى مَضْمُونِهِ وَيَشْهَدُ بِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْلِفُ عَلَى مَضْمُونِهِ وَلَا يَشْهَدُ

стр. 547

بِهِ، وَقَدْ حَلَفَ الْإِمَامُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَضْمُونِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْآحَادِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يَجْعَلُونَ حُصُولَ الْعِلْمِ بِمُخْبِرِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ فِي حَقِّ سَائِرِ الْمُخْبِرِينَ، بَلْ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِ وَأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبَرِ بِهِ، وَأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِ الْمُبَلِّغِ. فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ بَلَّغُوا الْأُمَّةَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ كَانُوا أَصْدَقَ الْخَلْقِ لَهْجَةً، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً وَأَحْفَظَهُمْ لِمَا يَسْمَعُونَهُ، وَخَصَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ غَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ طَبِيعَتُهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ، ثُمَّ ازْدَادُوا بِالْإِسْلَامِ قُوَّةً فِي الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، وَكَانَ صِدْقُهُمْ عِنْدَ الْأُمَّةِ وَعَدَالَتُهُمْ وَضَبْطُهُمْ وَحِفْظُهُمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَمْرًا مَعْلُومًا لَهُمْ بِالِاضْطِرَارِ، كَمَا يَعْلَمُونَ إِسْلَامَهُمْ وَإِيمَانَهُمْ وَجِهَادَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ بِحَالِ الْقَوْمِ يَعْلَمُ أَنَّ خَبَرَ الصِّدِّيقِ وَأَصْحَابِهِ لَا يُقَاسُ بِخَبَرِ مَنْ عَدَاهُمْ، وَحُصُولُ الثِّقَةِ بِخَبَرِهِمْ فَوْقَ الثِّقَةِ وَالْيَقِينِ بِخَبَرِ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ. فَقِيَاسُ خَبَرِ الصِّدِّيقِ عَلَى خَبَرِ آحَادِ الْمُخْبِرِينَ مِنْ أَفْسَدِ قِيَاسٍ فِي الْعَالَمِ، وَكَذَلِكَ الثِّقَاتُ الْعُدُولُ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُمْ هُمْ أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَشَدُّهُمْ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ وَالضَّبْطِ حَتَّى لَا تُعْرَفَ فِي جَمِيعِ طَوَائِفِ بَنِي آدَمَ أَصْدَقُ لَهْجَةً وَلَا أَعْظَمُ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا الْمُتَكَلِّمُونَ أَهْلُ ظُلْمٍ وَجَهْلٍ يَقِيسُونَ خَبَرَ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِأَخْبَارِ آحَادِ النَّاسِ، مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ الْمُبِينِ بَيْنَ الْمُخْبِرِينَ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ سَوَّى بَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ فِي عَدَمِ إِفَادَةِ الْعِلْمِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ. وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَكَفَّلَ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَأَنْ يَحْفَظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْأَوَّلُ لِمَنْ بَعْدَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْفَظَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ عَلَى خَلْقِهِ، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُهُ وَبَيِّنَاتُهُ، وَلِهَذَا فَضَحَ اللَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ وَبَيَّنَ حَالَهُ لِلنَّاسِ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَا سَتَرَ اللَّهُ أَحَدًا يَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: لَوْ هَمَّ رَجُلٌ أَنْ يَكْذِبَ فِي الْحَدِيثِ لَأَصْبَحَ وَالنَّاسُ يَقُولُونَ فُلَانٌ كَذَّابٌ. وَقَدْ عَاقَبَ اللَّهُ الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِمْ بِمَا جَعَلَهُمْ بِهِ نَكَالًا وَعِبْرَةً حِفْظًا لِوَحْيِهِ وَدِينِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ حَدَّثَنَا بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ

стр. 548

مُسْهِرٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِيكُمْ بِرَأْيِي فِي أَمْوَالِكُمْ وَفِي كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَبَعَثَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلًا فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاقْتُلْهُ فَإِنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ، فَانْطَلَقَ فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» " وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْوَزْعَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُسَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» " وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلًا فَكَذَبَ عَلَيْهِ فَوُجِدَ مَيِّتًا قَدِ انْشَقَّ بَطْنُهُ وَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُقِرَّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَفَضَحَهَ، وَكَشَفَ سِتْرَهُ لِلنَّاسِ بَعْدَ مَمَاتِهِ. وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبَرِ بِهِ فَإِنَّهُ الْحَقُّ الْمَحْضُ وَهُوَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَلَامُهُ وَحْيٌ فَهُوَ أَصْدَقُ، وَأَحَقُّ الْحَقِّ بَعْدَ كَلَامِ اللَّهِ، فَلَا يُشْتَبَهُ بِالْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ عَلَى ذِي عَقْلٍ صَحِيحٍ، بَلْ عَلَيْهِ مِنَ النُّورِ وَالْجَلَالَةِ وَالْبُرْهَانِ مَا يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ، وَالْحَقُّ عَلَيْهِ نُورٌ سَاطِعٌ يُبْصِرُهُ ذُو الْبَصِيرَةِ السَّلِيمَةِ، فَبَيْنَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْخَبَرِ الْكَاذِبِ عَنْهُ مِنَ الْفَرْقِ كَمَا بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالضَّوْءِ وَالظَّلَامِ، وَكَلَامُ النُّبُوَّةِ مُتَمَيِّزٌ بِنَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ الصِّدْقِ، فَكَيْفَ نِسْبَتُهُ بِالْكَذِبِ، وَلَكِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ عِنَايَةٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَارِهِ وَسُنَّتِهِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ فِي عَمًى عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا قَالُوا: أَخْبَارُهُ وَأَحَادِيثُهُ الصَّحِيحَةُ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ فَهُمْ مُخْبِرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْهَا الْعِلْمَ، فَهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، كَاذِبُونَ فِي إِخْبَارِهِمْ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِ فَالْمُخْبِرُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَهُ عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَعَدَالَتِهِمْ وَتَحَرِّيهِمْ لِلصِّدْقِ وَالضَّبْطِ، وَكَوْنِهِمْ أَبْعَدَ خَلْقِ اللَّهِ عَنِ الْكَذِبِ وَعَنِ الْغَلَطِ

стр. 549

وَالْخَطَأِ فِيمَا نَقَلُوهُ إِلَى الْأُمَّةِ وَتَلَقَّاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْقَبُولِ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ، عَنْهُمْ كَذَلِكَ، وَقَامَتْ شَوَاهِدُ صِدْقِهِمْ فِيهِ، فَهَذَا الْمُخْبِرُ يَقْطَعُ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ وَيُفِيدُهُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَالِهِ وَسِيرَتِهِ، وَنَوْعٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِحَالِ الْمُخْبِرِينَ مَا عِنْدَ أُولَئِكَ، فَهَؤُلَاءِ قَدْ لَا يُفِيدُهُمْ خَبَرُهُمُ الْيَقِينَ، فَإِذَا انْضَمَّ عَمَلُ الْمُخْبِرِ وَعِلْمُهُ بِحَالِ الْمُخْبِرِ وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَنِسْبَةُ ذَلِكَ الْخَبَرِ إِلَيْهِ، أَفَادَ ذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِصِحَّةِ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وَهَذَا فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ رَجُلٍ مُبْرَزٍ فِي الصِّدْقِ وَالتَّحَفُّظِ، عَنْ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ بِغَايَةِ الْإِحْسَانِ وَالْجُودِ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ مُعْدِمٌ فَقِيرٌ مَا يُغْنِيهِ؟ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، وَظَهَرَتْ شَوَاهِدُ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ عَلَى الْفَقِيرِ، فَكَيْفَ إِذَا تَعَدَّدَ الْمُخْبِرُونَ عَنْهُ وَكَثُرَتْ رِوَايَاتُهُمْ وَأَحَادِيثُهُمْ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَعَطَايَا مُتَنَوِّعَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. [كلام الإمام ابن حزم في أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا] قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ أَخْبَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُفِيدُ الْعِلْمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ بِبَيَانِ الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ، وَفِي الْقُرْآنِ مُجْمَلٌ كَثِيرٌ، كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ مَا أَلْزَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِلَفْظِهِ، لَكِنْ بِتِبْيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا كَانَ بَيَانُهُ لِذَلِكَ الْمُجْمَلِ مَحْفُوظًا وَلَا مَضْمُونًا سَلَامَتُهُ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ فَقَدْ بَطَلَ الِانْتِفَاعُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَبَطَلَتْ أَكْثَرُ الشَّرَائِعِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَيْنَا فِيهِ إِذَا لَمْ نَدْرِ صَحِيحَ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا مِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ الْمُخْطِئُ أَوْ تَعَمَّدَ فِيهِ الْكَذِبَ الْكَاذِبُ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا. قَالَ: وَأَيْضًا فَنَقُولُ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَلِّغًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ وَالْوَهْمُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونِ الْحِفْظِ: أَخْبِرُونَا هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكُمْ شَرِيعَةُ فَرْضٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَتَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَاتَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَازِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، فَجُهِلَتْ حَتَّى لَا يَعْلَمَهَا عِلْمَ الْيَقِينِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْعَالَمِ أَبَدًا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ عِنْدَكُمْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَوْضُوعٍ بِالْكَذِبِ أَوْ بِخَطَأٍ بِالْوَهْمِ قَدْ جَاوَزَ وَمَضَى وَاخْتَلَطَ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ اخْتِلَاطًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَيِّزَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْعَالَمِ أَبَدًا، أَمْ لَا يُمْكِنُ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يُمْكِنَانِ أَبَدًا بَلْ قَدْ أَمِنَّا ذَلِكَ، صَارُوا إِلَى قَوْلِنَا وَقَطَعُوا أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ رَوَاهُ الثِّقَةُ عَنِ الثِّقَةِ مُسْنَدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدِّيَانَةِ فَإِنَّهُ حَقٌّ، قَدْ قَالَهُ

стр. 550

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا هُوَ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَيَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِطَ بِهِ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ أَوْ مَوْهُومٌ فِيهِ لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتِلَاطًا لَا يَتَمَيَّزُ الْبَاطِلُ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ أَبَدًا، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ كَانُوا قَدْ حَكَمُوا بِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ قَدْ فَسَدَ وَبَطَلَ أَكْثَرُهُ وَاخْتَلَطَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَعَ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اخْتِلَاطًا لَا يُمَيِّزُهُ أَحَدٌ أَبَدًا، وَأَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ أَبَدًا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ، وَلَا مَا وَضَعَ الْكَاذِبُونَ وَالْمُسْتَخِفُّونَ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَالَّذِي لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَهَذَا انْسِلَاخٌ مِنَ الْإِسْلَامِ وَهَدْمٌ لِلدِّينِ وَتَشْكِيكٌ فِي الشَّرَائِعِ. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُمْكِنًا عِنْدَكُمْ، فَهَلْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ بِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ مُسْنَدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَأْمُرْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ لَحِقُوا بِالْمُعْتَزِلَةِ، وَسَيَأْتِي جَوَابُهُمْ عَنِ الْقَوْلِ، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَمَلِ بِذَلِكَ، قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ قُلْتُمْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَكُمْ بِالْعَمَلِ فِي دِينِهِ بِمَا لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِهِ مِمَّا وَضَعَهُ الْكَاذِبُونَ وَأَخْطَأَ فِيهِ الْوَاهِمُونَ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَنْسُبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مَا لَمْ يَأْتِكُمْ بِهِ قَطُّ، وَمَا لَمْ يَقُلْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ، وَهَذَا قَطْعٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَافْتَرَضَ الْعَمَلَ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا شَرَعَهُ الْكَاذِبُونَ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَبِمَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا لَا يَسْتَجِيزُ الْقَوْلَ بِهِ مُسْلِمٌ. ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّا قَالُوا: إِنَّهُ مُمْكِنٌ مِنْ سُقُوطِ بَعْضِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحُكْمِ فِي الدِّينِ بِإِيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ حَتَّى لَا يُؤْخَذَ عَنْ أَحَدٍ هَلْ بَقِيَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِهِ أَمْ سَقَطَ عَنَّا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَيْنَا، قُلْنَا لَهُمْ كَيْفَ يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِمَا لَا نَدْرِي وَبِمَا لَمْ يَبْلُغْنَا أَبَدًا، وَهَذَا مِنْ تَحْمِيلِ الْإِصْرِ وَالْحَرَجِ وَالْعُسْرِ الَّذِي قَدْ آمَنَنَا اللَّهُ مِنْهُ. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَدْ سَقَطَ عَنَّا الْعَمَلُ بِهِ قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ أَجَزْتُمْ نَسْخَ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ دِينِ الْإِسْلَامِ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ مُحْكَمَةٌ بَاقِيَةٌ لَازِمَةٌ، فَأَخْبِرُونَا مَنِ الَّذِي نَسَخَهَا وَأَبْطَلَهَا، وَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ لَازِمَةٌ لَنَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَهَذَا خِلَافُ الْإِسْلَامِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ جُمْلَةً. فَإِنْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُ شَرِيعَةٍ. مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ لَازِمٌ لَنَا وَلَمْ

стр. 551

يُنْسَخْ، قُلْنَا لَهُمْ: فَمِنْ أَيْنَ أَجَزْتُمْ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحِفْظِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ تُجِيزُوا تَمَامَ الْحِفْظِ لِلشَّرِيعَةِ مِنْ أَنْ لَا يَخْتَلِطَ بِهَا بَاطِلٌ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ قَطُّ اخْتِلَاطًا لَا يَتَمَيَّزُ مَعَهُ الْحَقُّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يَأْمُرْ بِهِ قَطُّ، وَهَذَا لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ مَنَعَ مِنْ سُقُوطِ شَرِيعَةِ حَقٍّ أَوْ أَجَازَ اخْتِلَاطَهَا بِالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ مَنْ مَنَعَ مِنِ اخْتِلَاطِ الْحَقِّ فِي شَرِيعَةٍ بِالْبَاطِلِ، وَأَجَازَ سُقُوطَ شَرِيعَةِ حَقٍّ، وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ الْبَتَّةَ وَمُمْتَنِعٌ، قَدْ أَمِنَّا كَوْنَهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَحَّ هَذَا فَقَدَ ثَبَتَ يَقِينًا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَلِّغًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى حَقٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا، قَالَ: وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَنَسْأَلُهُمْ هَلْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَمْ لَمْ يُبَيِّنْ، وَهَلْ بَلَّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ أَمْ لَمْ يُبَلِّغْ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: فَمِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ بَلَّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ، وَأَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ بَلَّغَهُ، فَنَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ التَّبْلِيغِ وَذَلِكَ الْبَيَانِ، أَهُمَا بَاقِيَانِ عِنْدَنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَمْ هُمْ غَيْرُ بَاقِيَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُمَا بَاقِيَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، رَجَعُوا إِلَى قَوْلِنَا وَأَقَرُّوا أَنَّ الْحَقَّ مِنْ كُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الدِّينِ مُبَيَّنٌ مِمَّا لَمْ يُنْزِلْهُ، مُبَلَّغٌ إِلَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا هُوَ نَصُّ قَوْلِنَا فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مِثْلُهُ مُسْنَدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِغَيْبِهِ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُمَا غَيْرُ بَاقِيَيْنِ، دَخَلُوا فِي عَظِيمَةٍ وَقَطَعُوا بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الدِّينِ قَدْ بَطَلَ، وَأَنَّ التَّبْلِيغَ قَدْ سَقَطَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَأَنَّ بَيَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكَثِيرَ مِنَ الدِّينِ قَدْ ذَهَبَ ذَهَابًا لَا يُوجَدُ مَعَهُ أَبَدًا، وَهَذَا قَوْلُ الرَّافِضَةِ، بَلْ شَرٌّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّافِضَةَ ادَّعَتْ أَنَّ حَقِيقَةَ الدِّينِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ إِنْسَانٍ مَضْمُونٍ كَوْنُهُ فِي الْعِلْمِ، وَهَؤُلَاءِ أَبْطَلُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ كِلَا الْقَوْلَيْنِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى ذَامًّا

стр. 552

لِقَوْمٍ فِي قَوْلِهِمْ ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا - وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢ - ١٤٨] وَقَدْ صَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَلِّغًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنْ نَقُولَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا وَفَعَلَ كَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ الْقَوْلَ فِي دِينِهِ بِالظَّنِّ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا بِعِلْمٍ، فَلَوْ كَانَ لِخَبَرِ الْمَذْكُورِ يَجُوزُ فِيهِ الْكَذِبُ أَوِ الْوَهْمُ لَكَانَ قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَا نَعْلَمُ، وَلَكَانَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْنَا الْحُكْمَ فِي الدِّينِ بِالظَّنِّ الَّذِي لَا نَتَيَقَّنُهُ، وَالَّذِي هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يُغْنِي عَنِ الْحَقِّ شَيْئًا، وَالَّذِي هُوَ غَيْرُ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِفْكُ وَالْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ الَّذِي لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ وَالَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ بِهِ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ حَقٌّ مَقْطُوعٌ عَلَى غَيْبِهِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ مَعًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، فَصَارَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ بِإِيجَابِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ظَنٌّ لَا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ غَيْبِهِ وَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ قَائِلًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَنَا بِأَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ، وَأَنْ نَحْكُمَ فِي دِينِنَا بِالظَّنِّ الَّذِي قَدْ حُرِّمَ عَلَيْنَا أَنْ نَحْكُمَ بِهِ فِي الدِّينِ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فَنَقُولُ لِمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنْ بَيَانِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَحْفُوظٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّبْدِيلُ، وَأَنْ يَخْتَلِطَ بِالْكَذِبِ الْمَوْضُوعِ اخْتِلَاطًا لَا يَتَمَيَّزُ أَبَدًا، أَخْبِرُونَا عَنْ إِكْمَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا دِينَنَا وَرِضَاهُ الْإِسْلَامَ لَنَا دِينًا وَمَنْعِهِ مِنْ قَبُولِ كُلِّ دِينٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، أَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ عَلَيْنَا وَلَنَا وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَمْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ ﵃ فَقَطْ، أَوْ لَا لِلصَّحَابَةِ وَلَا لَنَا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ. فَإِنْ قَالُوا: لَا لِلصَّحَابَةِ وَلَا لَنَا، كَانَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ كَافِرًا لِتَكْذِيبِهِ اللَّهَ جِهَارًا وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ لَنَا وَعَلَيْنَا وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، صَارُوا إِلَى قَوْلِنَا ضَرُورَةً، وَصَحَّ أَنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا كَامِلَةٌ وَالنِّعْمَةَ بِذَلِكَ عَلَيْنَا تَامَّةٌ، وَإِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَلْزَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى اتِّبَاعَهُ، لِأَنَّهُ هُوَ الدِّينُ عِنْدَهُ مُتَمَيِّزٌ مِنْ غَيْرِهِ، قَدْ هَدَانَا

стр. 553

بِفَضْلِهِ لَهُ، وَإِنَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَمَا عَدَاهُ هُوَ الْبَاطِلُ، وَهَذَا بُرْهَانٌ ضَرُورِيٌّ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الدِّينِ وَفِي بَيَانِ مَا يَلْزَمُنَا مَحْفُوظٌ لَا يَخْتَلِطُ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَبَدًا. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كَانَ ذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ فَقَطْ، قَالُوا الْبَاطِلَ، وَخَصَّصُوا خِطَابَ اللَّهِ بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ، إِذْ خِطَابُهُ تَعَالَى بِالْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا عُمُومٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي الْأَبَدِ، وَلَزِمَهُمْ مَعَ هَذِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ غَيْرُ كَامِلٍ عِنْدَنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى رَضِيَ لَنَا مِنْهُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَيْنَا وَأَلْزَمَنَا مِنْهُ مَا لَا نَدْرِي أَيْنَ نَجِدُهُ، وَافْتَرَضَ عَلَيْنَا اتِّبَاعَ مَا كَذَّبَهُ الزَّنَادِقَةُ وَالْمُسْتَحِقُّونَ وَوَضَعُوهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَوْ وَهِمَ فِيهِ الْوَاهِمُونَ مِمَّا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيُّهُمْ ﷺ وَهَذَا بِيَقِينٍ لَيْسَ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ إِبْطَالٌ لِدِينِ الْإِسْلَامِ جِهَارًا، وَلَوْ كَانَ هَذَا (وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ) لَكَانَ دِينُنَا كَدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَتَبُوا الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ وَقَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَنَحْنُ قَدْ وَثِقْنَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الصَّادِقُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وَأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ هَدَانَا لِلْحَقِّ فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ هَدَانَا تَعَالَى لَهُ وَأَنَّهُ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمَّا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَسْبَابُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ عِلْمًا ظَاهِرًا. قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ لَا يُعْقَلُ، وَمَا عَلِمْنَا عِلْمًا ظَاهِرًا غَيْرَ بَاطِنٍ وَلَا عِلْمًا بَاطِنًا غَيْرَ ظَاهِرٍ، بَلْ كُلُّ عِلْمٍ يُتَيَقَّنُ فَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ عَلِمَهُ وَبَاطِنٌ فِي قَلْبِهِ، وَكُلُّ ظَنٍّ لَمْ يُتَيَقَّنْ فَلَيْسَ عِلْمًا أَصْلًا لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، بَلْ هُوَ ضَلَالٌ وَشَكٌّ وَظَنٌّ مُحَرَّمٌ الْقَوْلُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ. وَنَقُولُ لَهُمْ إِذَا كَانَ عِنْدَكُمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ قَدِ اخْتَلَطَ بِالْبَاطِلِ فَمَا يُؤَمِّنُكُمْ إِذْ لَيْسَ مَحْفُوظًا أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّرَائِعِ قَدْ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهَا أَحَدٌ أَصْلًا فَإِذَا مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُمُ الْمَنْعُ مِنِ اخْتِلَاطِهِمْ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَ حِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى يَقْتَضِي الْأَمَانَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ كُلَّ مَا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ أُمَّتَهُ

стр. 554

مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ وَاجِبِهَا وَحَرَامِهَا وَحَلَالِهَا، فَإِنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ - لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ٣٤ - ١١٥] فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الَّذِينَ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا قَبُولَ نَقْلِهِمْ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْقَوْلَ بِأَنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ وَبَيَانُ نَبِيِّهِ يُمْكِنُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ التَّحْوِيلُ أَوِ التَّبْدِيلُ لَكَانَ إِخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهَا تَبْدِيلٌ وَلَا تَحْوِيلٌ كَذِبًا، وَهَذَا لَا يُجِيزُهُ مُسْلِمٌ أَصْلًا، فَصَحَّ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ كُلَّ سُنَّةٍ سَنَّهَا اللَّهُ لِرَسُولِهِ وَسَنَّهَا رَسُولُهُ لِأُمَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَبْدِيلٌ وَلَا تَحْوِيلٌ أَبَدًا، وَهَذَا يُوجِبُ أَنَّ نَقْلَ الثِّقَاتِ فِي الدِّينِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ حَقٌّ كَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ اللَّهِ فِي الْبَلَاغِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَعَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ: لَيْسَ مَعْصُومًا فِي تَبْلِيغِهِ إِلَيْنَا وَنَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنِ الْفَضِيلَةِ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي تَبْلِيغِهِ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بُعِثَ بِهَا أَهِيَ لَهُ فِي إِخْبَارِهِ الصَّحَابَةَ بِذَلِكَ فَقَطْ أَمْ هِيَ بَاقِيَةٌ لِمَا أَتَى بِهِ ﷺ فِي بُلُوغِهِ إِلَيْنَا وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بَلْ هِيَ لَهُ مَعَ مَنْ شَاهَدَهُ خَاصَّةً لَا فِي بُلُوغِ الدِّينِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، قُلْنَا لَهُمْ: إِذًا قَدْ جَوَّزْتُمْ بُطْلَانَ الْعِصْمَةِ فِي تَبْلِيغِ الدِّينِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَجَوَّزْتُمْ وُجُودَ الدَّاخِلَةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الدِّينِ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا جَوَّزْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَهُ وَبَيْنَ مَا مَنَعْتُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ؟ ، فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ يَكُونُ غَيْرَ مُبَلِّغٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَلَا مَعْصُومٍ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الْآيَةَ (قِيلَ) : نَعَمْ وَهَذَا التَّبْلِيغُ الْمُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مَعْصُومٌ فِيهِ بِإِجْمَاعِكُمْ مَعَنَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْوَهْمِ هُوَ إِلَيْنَا كَمَا هُوَ إِلَى الصَّحَابَةِ وَلَا فَرْقَ، وَالدِّينُ لَازِمٌ لَنَا كَمَا هُوَ لَازِمٌ لَهُمْ سَوَاءً، فَالْعِصْمَةُ وَاجِبَةٌ فِي التَّبْلِيغِ لِلدِّيَانَةِ بَاقِيَةٌ مَضْمُونَةٌ وَلَا بُدَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِالدِّينِ عَلَيْنَا وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى الصَّحَابَةِ سَوَاءً، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدَ قَطَعَ بِأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ غَيْرُ قَائِمَةٍ، وَالْحُجَّةُ لَا تَقُومُ بِمَا لَا يُدْرَى أَحَقٌّ هُوَ أَمْ كَذِبٌ. ثُمَّ نَقُولُ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]

стр. 555

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَإِنِ ادَّعَوْا إِجْمَاعًا، قِيلَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ ﷺ غَيْرُ مَعْصُومٍ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يُعَدُّ فِي الْإِجْمَاعِ (قُلْنَا لَهُمْ) : صَدَقْتُمْ وَلَا يُعَدُّ فِي الْإِجْمَاعِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الدِّينَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ بَطَلَتْ وَاخْتَلَطَتْ بِالْبَاطِلِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَوْهُومِ فِيهِ اخْتِلَاطًا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ وَلَا دِينُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ دِينِ إِبْلِيسَ. (وَإِنْ قَالُوا) : إِنَّ الْفَضِيلَةَ بِعِصْمَةِ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدِّينِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، صَارُوا إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ قَوْلُنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (فَإِنْ قَالُوا) : إِنَّ صِفَةَ كُلِّ مُخْبِرٍ وَطَبِيعَتَهُ أَنَّ خَبَرَهُ يَجُوزُ فِيهِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وَالْخَطَأُ، وَقَوْلُكُمْ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي الشَّرِيعَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ إِحَالَةُ الطَّبِيعَةِ وَخَرْقُ الْعَادَةِ فِيهِ. قُلْنَا: لَا يُنْكَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِحَالَةُ مَا شَاءَ مِنَ الطَّبَائِعِ إِذَا صَحَّ الْبُرْهَانُ بِهِ، فَالْعَجَبُ مِنْ إِنْكَارِكُمْ هَذَا مَعَ قَوْلِكُمْ بِهِ بِعَيْنِهِ فِي إِيَجَابِكُمْ عِصْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْكَذِبِ وَالْوَهْمِ فِي تَبْلِيغِهِ الشَّرِيعَةَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ بِعَيْنِهِ، بَلْ لَمْ تَقْنَعُوا بِالتَّنَاقُضِ إِذَا أَصَبْتُمْ فِي ذَلِكَ وَأَخْطَأْتُمْ فِي مَنْعِكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ حَتَّى أَتَيْتُمْ بِالْبَاطِلِ الْمَحْضِ، إِذْ جَوَّزْتُمْ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ مُوَافَقَةَ الْخَطَأِ فِي إِجْمَاعِهَا فِي رَأْيِهَا، وَذَلِكَ طَبِيعَةٌ فِي الْكُلِّ وَصِفَةٌ لَهُمْ، وَمَنَعْتُمْ مِنْ جَوَازِ الْخَطَأِ وَالْوَهْمِ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً فِي اجْتِهَادِهَا فِي الْقِيَاسِ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْقِيَاسُ عَيْنُ الْبَاطِلِ، فَخَرَقْتُمْ بِذَلِكَ الْعَادَةَ وَأَحَلْتُمُ الطَّبَائِعَ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُخَالِفُ لَنَا مِنَ الْمُرْجِئَةِ الْقَاطِعِينَ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ يَعْرِفُ بِقَلْبِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَقٌّ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَحَالُوا الطَّبَائِعَ بِلَا بُرْهَانٍ وَمَنَعُوا مِنْ إِحَالَتِهَا إِذَا قَامَ الْبُرْهَانُ بِإِحَالَتِهَا. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ يَلْزَمُكُمْ أَنْ تَقُولُوا إِنَّ نَقَلَةَ الْأَخْبَارِ الَّتِي قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْصُومُونَ فِي نَقْلِهَا وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَعْصُومٌ فِي نَقْلِهِ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَوُقُوعِ الْوَهْمِ مِنْهُ. قُلْنَا لَهُمْ: نَعَمْ هَكَذَا نَقُولُ وَبِهِ نَقْطَعُ، وَكُلُّ عَدْلٍ رَوَى خَبَرًا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 556

فِي الدِّينِ فَذَلِكَ الرَّاوِي مَعْصُومٌ فِيهِ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ، مَقْطُوعٌ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، وَمِنْ جَوَازِ الْوَهْمِ فِيهِ إِلَّا بِبَيَانٍ وَارِدٍ وَلَا بُدَّ مِنَ اللَّهِ بِبَيَانِ مَا وَهِمَ فِيهِ كَمَا فَعَلَ سُبْحَانَهُ بِنَبِيِّهِ ﷺ إِذْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَمِنْ ثَلَاثٍ وَاهِمًا لِقِيَامِ الْبَرَاهِينِ الَّتِي قَدَّمْنَا مِنْ حِفْظِ جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهَا. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ حَقٌّ فِي الْخَبَرِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا دُونَ الْغَرِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ. (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) : فَإِنْ قَالُوا: قَدْ تَعَبَّدَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: " «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرًا» ". قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مِنَ الْحُكْمِ فِي الدِّينِ بِالظَّنِّ فِي شَيْءٍ بَلْ كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ فِي الدِّينِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِيجَابِ مَا لَا نَعْلَمُ، وَبَيَّنَ لَنَا كُلَّ مَا أَلْزَمَنَا مِنْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِكُلِّ ذَلِكَ كَمَا وَجَبَ الْقَطْعُ بِتَخْلِيدِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، وَتَخْلِيدِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَمْ يَجُزِ الْقَوْلُ بِالظَّنِّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنْ قَالُوا: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِمَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ وَبِمَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلَانِ فَصَاعِدًا، وَبِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَقُمْ بِالْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فِي إِبَاحَةِ الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْأَبْشَارِ وَالْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمْ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ بِالظَّنِّ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ عَلَيْنَا قَوْلَهُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ. قُلْنَا لَهُمْ: وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فُرُوقٌ وَاضِحَةٌ كَالشَّمْسِ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ الدِّينِ وَإِكْمَالِهِ وَتَبْيِينِهِ مِنَ الْغَيِّ وَمِمَّا لَيْسَ مِنْهُ وَلَمْ يَتَكَفَّلْ تَعَالَى بِحِفْظِ دِمَائِنَا وَلَا بِحِفْظِ فُرُوجِنَا وَلَا بِحِفْظِ أَبْشَارِنَا وَأَمْوَالِنَا فِي الدُّنْيَا، بَلْ قَدَّرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْ يَقُولُ: " «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ

стр. 557

بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» " وَبِقَوْلِهِ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: " «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» ". وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَنَا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْحَالِفِ لَيْسَ حُكْمًا بِالظَّنِّ كَمَا زَعَمُوا بَلْ نَحْنُ نَقْطَعُ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْنَا الْحُكْمَ بِيَمِينِ الطَّالِبِ مَعَ الشَّهَادَةِ الْعَدْلِ وَبِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ وَالْعَدْلَيْنِ وَالْعُدُولِ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانُوا فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ كَاذِبِينَ أَوْ وَاهِمِينَ، فَالْحُكْمُ بِكُلِّ ذَلِكَ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَنَا مَقْطُوعٌ عَلَى غَيْبِهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ حَاكِمًا لَوْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِ اثْنَانِ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي فَلَمْ يَحْكُمْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ، أَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ الْحَاكِمَ فَاسِقٌ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى ظَالِمٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُبْطِلًا فِي إِنْكَارِهِ أَوْ مُحِقًّا أَوْ كَانَ الشُّهُودُ كَذَبَةً أَوْ وَاهِمِينَ أَوْ صَادِقِينَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بَاطِنَ أَمْرِهِمْ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ يَقِينًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا أَنْ نَقْتُلَ هَذَا الْبَرِيءَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِالْبَاطِلِ، وَأَنْ نُبِيحَ هَذَا الْفَرْجَ الْحَرَامَ الْمَشْهُودَ فِيهِ بِالْكَذِبِ، وَأَنْ نُبِيحَ هَذِهِ الْبَشَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ وَهَذَا الْمَالَ الْحَرَامَ الْمَشْهُودَ فِيهِ الْبَاطِلُ، وَحَرُمَ عَلَى الْمُبْطِلِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَقَضَى تَعَالَى بِأَنَّنَا إِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِذَلِكَ فُسَّاقٌ عُصَاةٌ لَهُ، ظَلَمَةٌ مُتَوَعَّدُونَ بِالنَّارِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَحْكُمَ فِي الدِّينِ بِخَبَرٍ وَضَعَهَ فَاسِقٌ أَوْ وَهَمَ وَفِيهِ وَاهِمٌ فَهَذَا فَرْقٌ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. وَفَرْقٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَأَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِكَذَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَفَرَضَ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ نَهَانَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَرَنَا بِكَذَا، وَلَمْ يَأْمُرْنَا قَطُّ أَنْ نَقُولَ: شَهِدَ هَذَا الشَّاهِدُ بِحَقٍّ وَلَا حَلَفَ هَذَا الْحَالِفُ عَلَى حَقٍّ، وَلَا أَنَّ هَذَا الَّذِي قَضَيْنَا بِهِ لِهَذَا حَقٌّ

стр. 558

يَقِينًا، لَكِنَّ اللَّهَ قَالَ: احْكُمُوا بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ، وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَهَذَا فَرْقٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، فَلَمْ نَحْكُمْ بِالظَّنِّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ بَلْ بِعِلْمٍ قَاطِعٍ فَإِذَا قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وَلَمْ يَقُلْ كُلُّ الظَّنِّ إِثْمٌ (قُلْنَا) : قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا الْإِثْمَ مِنَ الْبِرِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يُعْلَمُ حَرَامٌ، فَهَذَا مِنَ الظَّنِّ الَّذِي هُوَ إِثْمٌ بِلَا شَكٍّ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَلَجَأَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْحُكْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِلدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَتَخَلَّصُوا، بَلْ كُلُّ مَا لَزِمَ غَيْرَهُمْ مِمَّا ذَكَرْنَا فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ: أَخْبِرُونَا عَنِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَاهَا، الْآحَادُ، أَهِيَ كُلُّهَا حَقٌّ إِذَا جَاءَتْ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ خَاصَّةً أَمْ كُلُّهَا بَاطِلٌ، أَمْ فِيهَا حَقٌّ وَبَاطِلٌ؟ . فَإِنْ قَالُوا: فِيهَا حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ، قُلْنَا لَهُمْ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَبْطُلَ شَرِيعَةٌ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا إِلَى نَبِيِّهِ حَتَّى تَخْتَلِطَ بِكَذِبٍ وَضَعَهُ فَاسِقٌ فَنَسَبَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ وَهِمَ فِيهِ وَاهِمٌ فَيَخْتَلِطَ الْحَقُّ الْمَأْمُورُ بِهِ مَعَ الْبَاطِلِ الْمُخْتَلَقِ اخْتِلَاطًا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ أَبَدًا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَهَلِ الشَّرَائِعُ الْإِسْلَامِيَّةُ كُلُّهَا مَحْفُوظَةٌ لَازِمَةٌ لَنَا، أَمْ هِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ وَلَا كُلُّهَا لَازِمٌ لَنَا، بَلْ قَدْ سَقَطَ مِنْهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ كَثِيرٌ، وَهَلْ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْنَا لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْنَا مِنَ الشَّرَائِعِ بِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لَنَا مُتَمَيِّزَةٌ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْنَا بِهِ، أَمْ لَمْ تَقُمْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا حُجَّةٌ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُ مُخْتَلِطٌ بِالْكَذِبِ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ مِنْهُ أَبَدًا. فَإِنْ أَجَازُوا اخْتِلَاطَ شَرَائِعِ الدِّينِ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى بِهَا إِلَى نَبِيِّهِ بِمَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، وَقَالُوا: لَمْ يَقُمْ لِلَّهِ عَلَيْنَا حُجَّةٌ فِيمَا أَمَرَنَا بِهِ، دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَوْلِ بِفَسَادِ الشَّرِيعَةِ وَذَهَابِ الْإِسْلَامِ وَبُطْلَانِ ضَمَانِ اللَّهِ لِحِفْظِ الذِّكْرِ، كَالَّذِي دَخَلَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلَزِمَهُمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنَ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَمَا لَزِمَ غَيْرَهُمْ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِمَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَطَلَ بَيَانُهُ وَأَنَّ حُجَّةَ اللَّهِ بِذَلِكَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْنَا، وَإِنْ لَجَئُوا إِلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى خَبَرِ التَّوَاتُرِ لَمْ يَنْفَكُّوا بِذَلِكَ مِنْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الدِّينِ قَدْ بَطَلَ لِاخْتِلَاطِهِ بِالْكَذِبِ الْمَوْضُوعِ وَبِالْمَوْهُومِ فِيهِ، وَمِنْ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا، إِذْ قَدْ بَطَلَ ضَمَانُ حَفْظِ اللَّهِ فِيهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَعْجِزُ أَحَدٌ أَنْ يَدَّعِيَ فِي أَيِّ خَبَرٍ شَاءَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ نَقْلَ التَّوَاتُرِ بَلْ

стр. 559

أَصْحَابُ الْإِسْنَادِ أَصَحُّ دَعْوَى فِي ذَلِكَ لِشَهَادَةِ كَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَتَغَايُرِ الْأَسَانِيدِ لَهُمْ بِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ فِي نَقْلِ التَّوَاتُرِ، فَإِنْ لَجَأَ لَاجِئٌ إِلَى أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ كُلَّ خَبَرٍ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ الثِّقَاتِ إِنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهَذِهِ مُجَاهَرَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَمُدَافَعَةٌ لِمَا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ خِلَافُهُ، وَتَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَلِجَمِيعِ فُضَلَاءِ التَّابِعِينَ، وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا رَوَوُا الْأَخْبَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَا شَكٍّ وَاحْتَجَّ بِهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَعَمِلُوا بِهَا، وَأَفْتَوْا بِهَا فِي دِينِ اللَّهِ، وَهَذَا إِطِّرَاحٌ لِلْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ وَبَاطِلٌ لَا تَخْتَلِفُ النُّفُوسُ فِيهِ؛ لِأَنَّ بِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا لَمْ يَصْدُقْ فِي كَلِمَةٍ بَلْ كُلُّهُمْ كَذَبُوا وَوَضَعُوا كُلَّ مَا رَوَوْا. وَأَيْضًا فَفِيهِ إِبْطَالُ لِأَكْثَرِ الشَّرَائِعِ الَّتِي لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ وَلَا غَيْرُ مُسْلِمٍ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ مُبَيَّنَةً كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّا إِنَّمَا تَلَقَّيْنَاهَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ كَمَا تَرَى لَا رَابِعَ لَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ خَبَرٍ نَقَلَهُ الْعَدْلُ عَنِ الْعَدْلِ مُبْلِغًا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ كَذِبًا كُلُّهَا أَوَّلُهَا عَنْ آخِرِهَا، أَوْ يَكُونَ فِيهَا حَقٌّ بَاطِلٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى تَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ أَبَدًا، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلَّهِ فِي إِخْبَارِهِ بِحِفْظِ الذِّكْرِ الْمُنَزَّلِ وَبِإِكْمَالِهِ لَنَا الدِّينَ، وَبِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنَّا إِلَّا دِينَ الْإِسْلَامِ لَا شَيْءَ سِوَاهُ، وَفِيهِ أَيْضًا إِفْسَادُ الدِّينِ وَاخْتِلَاطُهُ بِمَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ فِي الْعَالَمِ أَنْ يَعْرِفَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي دِينِهِ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَبَدًا، وَإِنَّ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ قَدْ بَطَلَتْ بِيَقِينٍ، وَهَذَا انْسِلَاخٌ، مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَنَّهَا كُلَّهَا حَقٌّ مَقْطُوعٌ عَلَى غَيْبِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُوجِبَةٌ كُلُّهَا الْعِلْمَ بِإِخْبَارِ اللَّهِ بِأَنَّهُ حَافِظٌ لِمَا أَنْزَلَ مِنَ الذِّكْرِ وَلِتَحْرِيمِهِ تَعَالَى الْحُكْمَ فِي الدِّينِ بِالظَّنِّ وَالْقَوْلِ عَلَيْهِ بِمَا لَا عِلْمَ لَنَا، وَلِإِخْبَارِهِ تَعَالَى أَنَّهُ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وَلَيْسَ الرُّشْدُ إِلَّا مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ وَفِي فِعْلِهِ، وَلَيْسَ الْغَيُّ إِلَّا مَا لَمْ يُنْزِلْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، وَهَذَا قَوْلُنَا: انْتَهَى كَلَامُهُ. [فصل استدلال ابن القيم على أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا] فَصْلٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَخْبَرَهُمُ الْوَاحِدُ وَهُمْ بِقِبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ قَبِلُوا خَبَرَهُ وَتَرَكُوا الْحُجَّةَ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَاسْتَدَارُوا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَمْ

стр. 560

يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ شُكِرُوا عَلَى ذَلِكَ وَكَانُوا عَلَى أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنَ الْقِبْلَةِ الْأُولَى، فَلَوْلَا حُصُولُ الْعِلْمِ لَهُمْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَمْ يَتْرُكُوا الْمَقْطُوعَ بِهِ الْمَعْلُومَ لِخَبَرٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَغَايَةُ مَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ خَبَرٌ اقْتَرَنَتْهُ قَرِينَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِقَرِينَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْمُكَابَرَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَرِينَةَ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ وَرِوَايَتِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَقْوَى الْقَرَائِنِ وَأَظْهَرِهَا فَأَيُّ قَرِينَةٍ فَرَضْتَهَا كَانَتْ تِلْكَ أَقْوَى مِنْهَا. الدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (فَتَثَبَّتُوا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّثْبِيتِ، وَلَوْ كَانَ خَبَرُهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ لِأَمْرٍ بِالتَّثَبُّتِ حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ وَأَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَزَالُوا يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَفَعَلَ كَذَا، وَأَمَرَ بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي كَلَامِهِمْ بِالضَّرُورَةِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَحَادِيثِ الصَّحَابَةِ يَقُولُ فِيهَا أَحَدُهُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ صَحَابِيٍّ غَيْرِهِ، وَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنَ الْعَاقِلِ وَجَزْمٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَلَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ لَكَانَ شَاهِدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ عِلْمٍ. الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَمْ يَزَالُوا يَقُولُونَ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ جَزْمٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ قَالَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُمْ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالصِّحَّةِ صِحَّةُ السَّنَدِ لَا صِحَّةُ الْمَتْنِ، بَلْ هَذَا مُرَادُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَإِنَّ مَا كَانَ مُرَادُهُمْ صِحَّةَ الْإِضَافَةِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَالَ كَمَا كَانُوا يَجْزِمُونَ بِقَوْلِهِمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ وَنَهَى وَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَيْثُ كَانَ يَقَعُ لَهُمُ الْوَهْمُ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ يُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُرْوَى عَنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْحَدِيثِ يُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِ أَحَدِهِمْ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، فَالْأَوَّلُ جَزْمٌ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالثَّانِي شَهَادَةٌ بِصِحَّةِ سَنَدِهِ،

стр. 561

وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ عِلَّةٌ أَوْ شُذُوذٌ فَيَكُونُ سَنَدُهُ صَحِيحًا وَلَا يَحْكُمُونَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ. الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَالطَّائِفَةُ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الطَّائِفَةَ تُنْذِرُ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ وَالْإِنْذَارُ: الْإِعْلَامُ بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَقَوْلُهُ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ فِي آيَاتِهِ الْمَتْلُوَّةِ وَالْمَشْهُودَةِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] وَهُوَ سُبْحَانُهُ إِنَّمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ لَا فِيمَا لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. الدَّلِيلُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] أَيْ لَا تَتَّبِعْهُ وَلَا تَعْمَلْ بِهِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ يَقْفُونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا وَيُثْبِتُونَ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَا الصِّفَاتِ، فَلَوْ كَانَتْ لَا تُفِيدُ عِلْمًا لَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ قَدْ قَفَوْا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ. الدَّلِيلُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الذِّكْرِ وَهُمْ أُولُو الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ، وَلَوْلَا أَنَّ أَخْبَارَهُمْ تُفِيدُ الْعِلْمَ لَمْ يَأْمُرْ بِسُؤَالِ مَنْ لَا يُفِيدُ خَبَرُهُ عِلْمًا، وَهُوَ سُبْحَانُهُ لَمْ يَقُلْ سَلُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ بَلْ أَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ مُطْلَقًا، فَلَوْ كَانَ وَاحِدٌ لَكَانَ سُؤَالُهُ وَجَوَابُهُ كَافِيًا. الدَّلِيلُ السَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وَقَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] وَقَالَ النَّبِيُّ

стр. 562

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «بَلِّغُوا عَنِّي» " وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي الْجَمْعِ الْأَعْظَمِ يَوْمَ عَرَفَةَ: " «أَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ " قَالُوا: " نَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ» "، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَلَاغَ هُوَ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُبَلَّغِ وَيَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ، فَلَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ لَمْ يَقَعْ بِهِ التَّبْلِيغُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا تَقُومُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُ الْوَاحِدَ مِنْ أَصْحَابِهِ يُبَلِّغُ عَنْهُ فَتَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ بَلَّغَهُ، وَكَذَلِكَ قَامَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْنَا بِمَا بَلَّغَنَا الْعُدُولُ الثِّقَاتُ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَسُنَّتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُفِدِ الْعِلْمَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْنَا بِذَلِكَ حُجَّةٌ، وَلَا عَلَى مَنْ بَلَّغَهُ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ أَوْ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ. فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَخْبَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبَلِّغْ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَمَا رَوَاهُ عَنْهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ تَقُمْ بِهِ حَجَّةٌ وَلَا تَبْلِيغٌ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْحُجَّةَ وَالْبَلَاغَ حَاصِلَانِ بِمَا لَا يُوجِبُ عِلْمًا وَلَا يَقْتَضِي عَمَلًا، وَإِذَا بَطَلَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ بَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّ أَخْبَارَهُ ﷺ الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَاتُ الْعُدُولُ الْحُفَّاظُ وَتَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ لَا تُفِيدُ عِلْمًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. الدَّلِيلُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ عُدُولًا خِيَارًا يَشْهَدُوا عَلَى النَّاسِ بِأَنَّ رُسُلَهُمْ قَدْ بَلَّغُوهُمْ عَنِ اللَّهِ رِسَالَتَهُ وَأَدَّوْا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ شَهَادَتَهُمْ عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَشَهَادَتَهُمْ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِكَذَا وَنَهَاهُمْ عَنْ كَذَا، فَهُمْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ مِنَ اللَّهِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتَشْهَدُ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ عَلَيْهِ بِأَنَّ حُجَّةَ اللَّهِ بِالرُّسُلِ قَامَتْ عَلَيْهِ، وَيَشْهَدُ كُلُّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ بِمَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَلَوْ كَانَتْ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُفِيدُ الْعِلْمَ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ الشَّاهِدُ وَلَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. الدَّلِيلُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]

стр. 563

وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَاتُ الْحُفَّاظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا، لَا يُدْرَى هَلْ هِيَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ، فَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا وَجَبَ اطِّرَاحُهَا وَأَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَيْهَا وَهَذَا انْسِلَاخٌ مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا فَيَجِبُ الشَّهَادَةُ بِهَا عَلَى الْبَتِّ أَنَّهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الشَّاهِدُ بِذَلِكَ شَاهِدًا بِالْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ صِحَّةَ الْمَشْهُودِ بِهِ. الدَّلِيلُ الْعَاشِرُ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مِثْلِهَا " فَاشْهَدُوا " أَشَارَ إِلَى الشَّمْسِ وَلَمْ يَزَلِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ﷺ عَلَى الْقَطْعِ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَأَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ وَفَعَلَهُ لَمَّا بَلَّغَهُمْ إِيَّاهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَيَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، وَحَرَّمَ كَذَا وَأَبَاحَ كَذَا، وَهَذِهِ شَهَادَةٌ جَازِمَةٌ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ كَالشَّمْسِ فِي الْوُضُوحِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ الْتِفَاتٌ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتِنَاءٌ بِهَا يَشْهَدُ شَهَادَةً جَازِمَةً أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ عِيَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ يَدْخُلُونَ النَّارَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، وَتَكْلِيمَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ، وَأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، إِلَى أَضْعَافِ أَضْعَافِ ذَلِكَ، بَلْ يَشْهَدُ بِكُلِّ خَبَرٍ صَحِيحٍ مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ لَمْ يُنْكِرْهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ شَهَادَةً لَا يَشُكُّ فِيهَا. الدَّلِيلُ الْحَادِيَ عَشَرَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ لِإِفَادَةِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ الْعِلْمَ يَشْهَدُونَ شَهَادَةً جَازِمَةً قَاطِعَةً عَلَى أَئِمَّتِهِمْ بِمَذَاهِبِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا، وَلَوْ قِيلَ إِنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَنْهُمْ لَأَنْكَرُوا ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَهْلِ قَائِلِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْمَذَاهِبَ لَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَنَحْوُهُمْ، وَلَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ يَقِينًا. فَكَيْفَ يَحْصُلُ لَهُمُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَالْمُقَارِبُ لِلضَّرُورِيِّ بِأَنَّ أَئِمَّتَهُمْ وَمَنْ قَلَّدُوهُمْ دِينَهُمْ أَفْتَوْا بِكَذَا وَذَهَبُوا إِلَى كَذَا، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِمَا رَوَاهُ عَنْهُمُ التَّابِعُونَ وَشَاعَ فِي الْأُمَّةِ وَذَاعَ، وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَتَنَوَّعَتْ، وَكَانَ حِرْصُهُ عَلَيْهِ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِنْ حِرْصِ أُولَئِكَ عَلَى أَقْوَالِ مَتْبُوعِيهِمْ؟ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ الْعُجَابُ. وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسُهُ دَلِيلًا يَلْزَمُهُمْ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقُولُوا أَخْبَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَاوَاهُ وَأَقْضِيَتُهُ تُفِيدُ الْعِلْمَ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِمَّا

стр. 564

نُقِلَ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ وَأَنَّ النُّقُولَ عَنْهُمْ لَا تُفِيدُ عِلْمًا، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ دُونَ الْمَنْقُولِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِنْ أَبْيَنِ الْبَاطِلِ. الدَّلِيلُ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَدَعْوَتُهُ نَوْعَانِ: مُوَاجَهَةٌ وَنَوْعٌ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَتَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ حَيَاتَهُ فِي تِلْكَ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا مَا أَوْ يُجِيبَهُ بِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا أَوْ يَتَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَاقَبَهُ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ. الدَّلِيلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ مُخَالِفٍ بَلَغَهُ أَمْرُهُ ﷺ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا بَلَغَهُ لَمْ يُفِدْهُ عِلْمًا لَمَا كَانَ مُتَعَرِّضًا بِمُخَالَفَةِ مَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا لِلْفِتْنَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا لِمُخَالِفِ أَمْرِهِ عُذْرٌ. الدَّلِيلُ الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَرُدَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ هُوَ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى رَسُولِهِ هُوَ الرَّدُّ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَوْلَا أَنَّ الْمَرْدُودَ إِلَيْهِ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَفَصْلَ النِّزَاعِ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّدِّ إِلَيْهِ فَائِدَةٌ، إِذْ كَيْفَ يَرُدُّ حُكْمَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إِلَى مَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا الْبَتَّةَ وَلَا يَدْرَى حَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ؟ وَهَذَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَلِهَذَا قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَخْبَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُفِيدُ عِلْمًا، إِنَّا نَرُدُّ مَا تَنَازَعْنَا فِيهِ إِلَى الْعُقُولِ وَالْآرَاءِ وَالْأَقْيِسَةِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعِلْمَ. الدَّلِيلُ الْخَامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ كُلَّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ

стр. 565

اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهُوَ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَقَدْ تَكَفَّلَ سُبْحَانَهُ بِحِفْظِهِ، فَلَوْ جَازَ عَلَى حُكْمِهِ الْكَذِبُ وَالْغَلَطُ وَالسَّهْوُ مِنَ الرُّوَاةِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى غَلَطِهِ وَسَهْوِ نَاقِلِهِ لَسَقَطَ حُكْمُ ضَمَانِ اللَّهِ وَكَفَالَتِهِ لِحِفْظِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَاطِلِ، وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي عِصْمَةَ الرُّوَاةِ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّ الرَّاوِيَ إِذَا كَذَبَ أَوْ غَلِطَ أَوْ سَهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يَعْرِفُ كَذِبَهُ وَغَلَطَهُ لِيَتِمَّ حِفْظُهُ لِحُجَجِهِ وَأَدِلَّتِهِ، وَلَا تَلْتَبِسَ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، فَإِنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ الْمَنْقُولَةِ إِلَيْنَا آحَادًا كَذِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَهُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا، وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ. الدَّلِيلُ السَّادِسَ عَشَرَ: مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ نَفْسُهُ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «نَضَرَّ الَلَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ، إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» ". قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اسْتِمَاعِ مَقَالَتِهِ وَحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا أَمَرَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا وَلَوْ وَاحِدٌ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ مَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ إِلَّا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ أَدَّى إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَدَّى عَنْهُ حَلَالٌ يُؤْتَى، وَحَرَامٌ يُجْتَنَبُ وَحَدٌّ يُقَامُ، وَمَالٌ يُؤْخَذُ وَيُعْطَى، وَنَصِيحَةٌ فِي دِينٍ وَدُنْيَا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُ الْفِقْهَ غَيْرُ الْفَقِيهِ يَكُونُ لَهُ حَافِظًا وَلَا يَكُونُ فِيهِ فَقِيهًا، وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فِي إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لَازِمٌ. انْتَهَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لَوْ لَمْ يُفِدْ عِلْمًا لَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِمَّنْ أَدَّى إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إِلَّا بِخَبَرِهِمْ، وَلَمْ يَدْعُ لِلْحَامِلِ الْمُؤَدِّي وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ مَا حَمَلَهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَلَمْ يَفْعَلْ مَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ وَحْدَهُ إِلَّا بِانْضِمَامِهِ إِلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ
следующие страницы →