← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

محتويات الكتاب: الصفحة الموضوع ٥ فهرس المحتويات الباب الأول: أهمية البحث في أهداف التربية الإسلامية. ١١ الفصل الأول: دور الأهداف في العملية التربوية ١٨ الفصل الثاني: أزمة التربية الحديثة في ميدان الأهداف التربوية ٢٩ الفصل الثالث: حاجة النظم والمؤسسات التربوية في الأقطار العربية والإسلامية إلى أهداف تربوية إسلامية الباب الثاني: تربية الفرد المسلم أو الإنسان الصالح. ٤٤ الفصل الرابع، معنى "العمل الصالح" في التربية الإسلامية ٥٢ الفصل الخامس، عناصر الإنسان الصالح المولدة لـ"العمل الصالح" ٥٧ الفصل السادس، إحكام تربية القدرات العقلية "وظيفة العقل" ٩٥ الفصل السابع، تربية الفرد على تعشق المثل الأعلى ١٠٤ الفصل الثامن، تنمية الخبرات الدينية والاجتماعية والكونية عند الفرد ١٢٢ الفصل التاسع، تربية الإرادة عند الفرد ١٣٧ الفصل العاشر، إحكام تنمية القدرة التسخيرية ١٥٠ الفصل الحادي عشر، إحكام توازن الإرادة العازمة والقدرة التسخيرية في تربية الفرد ١٥٤ الفصل الثاني عشر، مشكلة تربية الفرد في أهداف التربية الحديثة

стр. 2

١٦٧ الفصل الثالث عشر، أزمة تربية الفرد في المؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية والإسلامية الباب الثالث: إخراج الأمة المسلمة. ١٧٩ الفصل الرابع عشر، مفهوم الأمة المسلمة ١٨٧ الفصل الخامس عشر، بدء ظاهرة الأمة المسلمة ٢٠١ الفصل السادس عشر، أهمية إخراج الأمة المسلمة الباب الرابع: مكونات الأمة المسلمة. ٢١٣ الفصل السابع عشر، العنصر الأول: عنصر الأفراد المؤمنون ٢١٣ أولا: أهمية الأفراد المؤمنين كعنصر من عناصر الأمة ٢٢١ ثانيا: "الهوية" و"الجنسية" و"الثقافة" الإيمانية في العالم المعاصر ٢٢٦ ثالثا: دور التربية في إخراج الأفراد المؤمنين وتنمية تطبيقات الإيمان في "الهوية" و"الجنسية" و"الثقافة" ٢٣٤ الفصل الثامن عشر، العنصر الثاني: الهجرة والمهجر ٢٣٤ ١-معنى الهجرة ٢٣٩ ٢- أهمية الهجرة ٢٤٣ ٣- دور التربية في بلورة عنصر الهجرة ٢٤٧ الفصل التاسع عشر، العنصر الثالث: الجهاد والرسالة ٢٤٧ ١- معنى الجهاد ٢٤٩ ٢- مظاهر الجهاد ٢٥٦ ٣- معنى الرسالة ٢٦٠ ٤- أهمية الرسالة في وجود الأمة ٢٦٢ ٥- دور التربية في تعزيز الرسالة ٢٦٦ الفصل العشرون، العنصر الرابع: الإيواء ٢٦٦ ١- معنى الإيواء ٢٦٨ ٢- مظاهر الإيواء ٢٩٩ ٣- أهمية الإيواء ٣٠١ ٤- مسئولية التربية إزاء عنصر الإيواء

стр. 3

٣٠٦ الفصل الحادي والعشرون، العنصر الخامس: النصرة ٣٠٦ ١- معنى النصرة ٣٠٨ ٢- مظاهر النصرة ٣٣٧ ٣- أهيمة النصرة ٣٣٩ ٤- التربية ورباط النصرة ٣٤١ الفصل الثاني والعشرون، العنصر السادس: الولاية والولاء ٣٤١ ١- معنى الولاية ٣٤٥ ٢- درجات الولاية الإيمانية ٣٤٧ ٣- درجات ولاية غير المؤمنين ٣٥١ ٤- التربية ورباط الولاية ٣٥٣ الفصل الثالث والعشرون، عناصر الأمة المسلمة ونظرية الحاجات في علم النفس الحديث ٣٥٣ ١- سلم الحاجات بين الأصول الإسلامية، وعلم النفس الإنساني ٣٦٣ ٢- سلم الحاجات بين التطبيقات الإسلامية والتطبيقات التي يوجه إليها علم النفس الحديث الباب الخامس: صحة الأمة ومرضها وموتها. ٣٧٤ الفصل الرابع والعشرون، المرحلة الأولى: مرحلة صحة الأمة وعافيتها "مرحلة الدوران في فلك الأفكار" ٣٨١ الفصل الخامس والعشرون، المرحلة الثانية: مرحلة مرض الأمة "مرحلة الدروان في فلك الأشخاص" ٣٨٢ الطور الأول: طور الولاء للقوم ٣٩٦ الطور الثاني: طور الولاء للعشيرة أو الطائفة أو الإقليم ٤٠٣ الطور الثالث: طور الولاء للأسرة ٤٠٧ الطور الرابع: طور ولاء الفرد لنفسه ٤١٢ الفصل السادس والعشرون، المرحلة الثالثة: مرحلة وفاة الأمة "مرحلة الدوران في فلك الأشياء" ٤٣٦ الفصل السابع والعشرون، مصير الأمة المتوفاة ٤٤٨ الفصل الثامن والعشرون، ملاحظات حول الأمة ٤٤٨ أ- ملاحظات حول "مفهوم" الأمة المسلمة في القرآن الكريم

стр. 4

٤٥٢ ب- ملاحظات حول التطبيقات الخاطئة لـ"مفهوم" الأمة المسلمة وعناصرها في الماضي ٤٥٩ ج- ملاحظات حول التطبيقات الخاطئة لـ"مفهوم" الأمة المسلمة وعناصرها في الحاضر ٤٦٢ د- ملاحظات حول مراحل صحة الأمة ومرضها ووفاتها ٤٦٧ الفصل التاسع والعشرون، مشكلة التناقض بين "إعداد الفرد" و"إخراج الأمة" في أهداف التربية الحديثة الباب السادس: تنمية الإيمان بوحدة البشرية، والتآلف بين بني الإنسان ٤٨٥ الفصل الثلاثون، ضرورة التآلف الإنساني كهدف من أهداف التربية المعاصرة ٤٨٩ الفصل الحادي والثلاثون، الوحدة الإنسانية ومفاهيم التربية الدولية المعاصرة ٥٠٥ الفصل الثاني والثلاثون، التربية الإسلامية ووحدة الجنس البشري ٥١٨ الفصل الثالث والثلاثون، التناقضات القائمة بين "مفاهيم التربية العالمية الإسلامية" والتطبيقات الإقليمية الجارية في العالم الإسلامي ٥٢٧ الفصل الرابع والثلاثون، توصيات ٥٥١ المصادر والدراسات، أ- المصادر والدراسات العربية ٥٥٣ ب- المصادر الأجنبية

стр. 5

الباب الأول: مقدمة أهمية البحث في أهداف التربية الإسلامية مدخل ... الباب الأول: مقدمة أهمية البحث في أهداف التربية الإسلامية البحث في أهداف التربية الإسلامية أمر هام وضروري لأسباب: الأول، دور الأهداف ومكانتها في العملية التربوية كلها. والثاني، هو الأزمة التي تعاني منها التربية المعاصرة في ميدان الأهداف، واحتدام الخلافات حولها طبقا لاختلاف الفلسفات التربوية والمصالح المادية، والغايات العرقية والطبقية. والثالث، هو عدم وضوح الأهداف في المؤسسات التربوية القائمة في العالم العربي والإسلامي المعاصر. وفيما يلي تفصيل هذه الأسباب:

стр. 6

الفصل الأول: دور الأهداف في العملية التربوية: التربية عملية هادفة مقصودة لا بد من تحديد أهدافها وإلا سارت بغير وعي ولا إرشاد. وتنقسم الأهداف التربوية إلى قسمين رئيسين: "الأهداف الأغراض" أي تشتمل على الأغراض والمقاصد النهائية التي يراد من التربية إنجازها، وتحقيقها على المستويات الفردية والاجتماعية والعالمية. و"الأهداف الوسائل" أي التي تشتمل على الوسائل، والأدوات الفعالة لتحقيق -الأهداف الأغراض. ولا غنى لأي من القسمين عن الآخر. فـ"الأهداف الأغراض" دون وسائل نوع من الأمنيات البعيدة المنال، والتطلعات المعوقة للإنجاز. و"الأهداف الوسائل" دون أغراض تنقصها الدوافع المحركة والغايات الموجهة. فمثلا تعليم درس من التاريخ هو هدف من -الأهداف الوسائل- التي توصل إلى هدف نهائي من -الأهداف الأغراض- وهو الكشف عن قوانين الله في الاجتماع البشري. والاتفاق في التربية الحديثة قائم حول -الأهداف الوسائل- ولكنه غير قائم حول -الأهداف الأغراض. إذ هناك من ينكر -الأهداف الأغراض- ويعتبر الحديث عنها معوقًا لعمليات النمو والتقدم ومعطلا للكشف والابتكار، بينما هناك من يصر على بلورة -الأهداف الأغراض- لأن التقدم ليس هو الخير الوحيد، وإنما هو وسيلة لهدف نهائي يتلوه وهو السعادة أو الرضا. ولكن هؤلاء أيضًا لا يلبثون أن يختلفوا حول محتوى السعادة والرضا وحول مكونات أي منهما والحياة التي تعكسها ثم يبدأون الدوران في حلقة مفرغة من الجدال والاختلافات الفلسفية، حتى إذا تعبوا من الجدال

стр. 7

والدوران اصطلحوا على وصف -الأهداف الأغراض- بأنها أهداف نسبية متغيرة١. وهذه مشكلة لا توجد في التربية الإسلامية. فالأهداف في التربية الإسلامية هي أيضا حلقات في سلسلة متدرجة من الأهداف الوسائل، والأهداف الغايات. ولكنه تدرج متناسق كل هدف يفضي إلى الهدف الذي يليه، ويرتبط به روحا ومنطقا حتى ينتهي التدرج بـ"الأهداف الأغراض". ولتوضيح هذا نأخذ عنية من الأهداف المتولدة من -علاقة التسخير: أي علاقة الإنسان بالكون التي استعرضناها في فلسفة التربية الإسلامية في الكتاب الأول من هذه السلسلة. هناك بعض الآيات التي تضمنت نماذج من هذه الأهداف منها: - ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] . - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] . فنحن هنا أمام سلسلة متدرجة متناسقة من أهداف التسخير، وكل حلقة في هذه السلسلة هي وسيلة إلى ما بعدها، حتى تبلغ الحلقة الأخيرة التي تشكل الغاية والمقصد النهائي. فـ"جريان الفلك" هدف لـ"تسخير البحر". وهذا التسخير هو وسيلة لتحقيق هدف يليه هو "الابتغاء من فضل الله"، وهذا الهدف الثاني وسيلة لتحقيق الهدف النهائي وهو "شكر الناس لله".

стр. 8

ومثله حلقة الأهداف المتضمنة في الآية الثانية. فـ"أكل اللحم الطري" "واستخراج الحلية للبس" هما هدفان لـ "تسخير البحر"، وهما أيضًا وسيلة لتحقيق الهدف النهائي وهو "شكر الله". وهكذا في جميع الأهداف التي تنبثق من مختلف مكونات -فلسفة التربية الإسلامية. فهي مهما تفرغت وتعددت فإنها تنتهي إلى هدف نهائي واحد هو "شكر الله وعبادته أي محبته وطاعته". وبسبب هذه الوحدة في الهدف التربوي النهائي كان وصف محور العقيدة الإسلامية بالتوحيد. إن المشكلة القائمة في التربية المعاصرة أنها تقف في أهدافها -مثلًا- عند "جريان الفلك" و"أكل اللحم الطري" و"استخراج الحلية" ولا تتعداها إلى أمثال "شكر الله" و"الإيقان بالله" و"الحمد لله". فهي في حقيقتها وسائل بلا غايات، ولذلك تتعدد المقاصد وتتصادم، وتختلف الآراء والفلسفات وتتناقض. إن التدرج في الأهداف وانقسامها إلى -الأهداف الأغراض- والأهداف الوسائل- جعل البعض يفرق بينهما في الاسم في ميدان الممارسات التربوية فيطلق على النوع الأول اسم -الأهداف التربوية- بينما يطلق على النوع الثاني اسم -الأهداف التعليمية. فالأهداف التربوية هي تلك التغييرات التي يراد حصولها في سلوك الإنسان الفرد، وفي ممارسات واتجاهات المجتمع المحلي أو المجتمعات الإنسانية، فهي تصف الصفات العقلية والنفسية والشخصية التي يتمتع بها الفرد المثقف تثقيفًا عاليًا، وهي تصف أيضا الاتجاهات والخصائص الاجتماعية التي يتصف بها المجتمع الراقي المتحضر. وهذه الأهداف هي الثمرات النهائية للعملية التربوية كما قلنا. وأهمية هذه الأهداف أنها تحدد مسارات الأنشطة التربوية وتحدد الوسائل والأدوات اللازمة للتنفيذ والتقويم. وهي تشتق مباشرة من -فلسفة التربية- وتنبثق عنها انبثاق الثمرة من البذرة كما ذكر في الكتاب الأول من هذه السلسلة.

стр. 9

وهذه الأهداف سابقة على المنهاج التعليمي، وهي توجهه وتحدد بنيته وطبيعته وطرائق ووسائل تنفيذه. أما -الأهداف التعليمية- فهي نتائج موقف تعليمي معين، أي هي المهارات المحددة التي يراد تنميتها من خلال تعليم خبرة دراسة معينة أو محتوى معين من المنهاج. ولذلك تميز الدراسات الغربية بين النوعين من الأهداف فتطلق على الأهداف التربوية اسم Educational Aims وبعضهم يطلق عليها Educational Goals، بينما يطلق على الأهداف التعليمية اسم Learning Objective أو Teaching Objective. والأهداف التربوية توجه الأهداف التعليمية، وتمنحها الشرعية اللازمة بينما تعمل الأهداف التعليمية على تجسيد الغايات التي تتضمنها الأهداف التربوية في ممارسات عملية١. وفي الشكل التالي -رقم١- تصوير لهذه العلاقة المتبادلة بين النوعين من الأهداف:

стр. 10

ويجب أن نلاحظ أن -شبكة العلاقات التربوية- المشار إليها في "الشكل ٣" تتفاعل مع إطار أوسع، ويؤثر في العملية التربوية بشكل أكبر. ويتألف هذا الإطار من المؤسسة التربوية، والبيئة الصفية "الممارسات الجماعية"، ومدخلات المدرسة "الهيئة العاملة بها"، ومدخلات المجتمع "أي الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للطلاب"، وميزانية التعليم، وبرامجه، وطول السنة الدراسية، والتنظيم المدرسي، وحجم المدرسة، والبناء المدرسي، ومتطلبات الدوام، وطريقة اتخاذ القرارات، وخصائص الأساتذة والطلبة، وطريقة التفاعل بينهما. كل هذه العوامل التي يتألف منها الإطار الأوسع الذي أشرنا إليه يمكن أن تخدم كأمور مساعدة لتحقيق الأهداف التربوية، أو إعاقة تحقيقها١. خصائص الأهداف التربوية: يجب أن تتصف الأهداف التربوية ببعض الخصائص الجوهرية، وهي: ١- أن تكون الأهداف التربوية متفقة مع الطبيعة الإنسانية مراعية لحاجاتها قابلة لإطلاق قدراتها الإبداعية. ٢- أن تحدد أهداف التربية العلاقة بين الفرد والمجتمع ثم بينه وبين التراث الاجتماعي من عقائد، وقيم وعادات وتقاليد ومشكلات. ٣- أن تلبي هذه الأهداف حاجات المجتمع الحاضرة وتعالج مشكلاته. ٤- أن تكون مرنة قابلة للتغير حسب ما يتطلبه التطور الجاري والمعارف المتجددة. ٥- أن ترشد الأهداف العاملين في التربية إلى ما يجب أن يعملوه، وأن

стр. 11

تساعدهم على تحديد الطرق اللازمة في التربية والتعليم، والأدوات اللازمة لقياس نتائج العملية التربوية وتقويمها. ٦- أن توضع هذه الأهداف نوع المعارف والمهارات، والمواقف، والاتجاهات والعادات التي يراد تنميتها في شخصية المتعلم١. ٧- أن تكون هذه الأهداف شاملة متكاملة في ضوء العلاقات، التي تحدد نشأة الإنسان ومصيره وعلاقاتها بالكون، والإنسان والحياة من حوله.

стр. 12

الفصل الثاني: أزمة التربية الحديثة في ميدان الأهداف التربوية تعاني التربية الحديثة من أزمة معينة في ميدان الأهداف التربوية. وهي أزمة نابعة من الأصل التربوي الذي يسبق الأهداف في دورة العملية التربوية -أي أزمة فلسفة التربية- التي استعرضنا مظاهرها في كتاب -فلسفة التربية الإسلامية. وتتمركز مظاهر أزمة الأهداف التربوية في أمور عديدة هي: مشكلة ماهية الأهداف الأساسية للتربية، ومشكلة أهداف تربية الفرد، ومشكلة التناقض بين أهداف تربية الفرد والأهداف الاجتماعية -الاقتصادية، ومشكلة التناقض بين أهداف تربية الفرد والأهداف المتعلقة بالفضائل الأخلاقية. ولكن الحديث في هذا الفصل سوف يقتصر على المشكلة الأولى دون المشكلات الأخرى، التي ستناقش في مواقعها من هذا البحث. فما زال الجدال يدور بشدة حول ماهية أهداف التربية وتصنيفها. ويتخذ هذا الجدل مظاهر ثلاثة: الأول: ما هي الأهداف التربوية التي يجب تحديدها؟ والثاني: هل تتصل هذه الأهداف بغايات الحياة الرئيسية أم يجب الاقتصار على بلورة أهداف سلوكية عملية تنحصر في موضوع دراسي محدد أو موقف تعليمي محدد؟ والثالث: هل هذه الأهداف ضرورية للتربية أم هي غير ضرورية أصلًا؟ أما عن تفاصيل المظهر الأول، فلقد كان الاعتقاد في الماضي بوجوب جعل الأهداف الأساسية للتربية هو الحصول على المعرفة من أجل المعرفة

стр. 13

بعيدا عن منافعها العملية في الميادين المهنية، وما زال عدد كبير من المربين والأساتذة يؤمنون بهذا الرأي ويدعون إليه. والواقع أن "المعرفة من أجل المعرفة" كان هدفًا مقدسًا منذ أيام أرسطو واستمر بمجيء المسيحية التي أضفت على هذا الهداف طابعا دينيا، ثم استمر على يد أمثال الفيلسوف هيجل والمدرسة المثالية. ثم جاء -جون ديوي- الذي نشأ في بيئة دينية وبدأ من أنصار الفلسفة المثالية، ولكن اضطراب عقيدته الدينية -بسبب التناقض والانشقاق بين المسيحية، والعلم خاصة بعد ظهور الدارونية- أي به إلى التخلي على عقائده الدينية، وعن الفلسفة المثالية ثم تبني فلسفة نفعية "براجماتية" تركز اهتمامها في الوجود المحسوس، والتمتع بخيراته المحسوسة. وكان لهذا التطور العقائدي أثره في الفكر التربوي عند ديوي، فأفرغ قوالب الفلسفة المثالية، والعقائد المسيحية من محتوياتها ثم ملأها بمحتويات مشتقة من عقائده الجديدة. فهو -أولًا- أبقى على اقتران الفلسفة بأهداف التربية -كما فعل المثاليون. كذلك أبقى على الهداف التربوي الذي تتبناه الفلسفة المثالية وتتمحور نشاطاتها التربوية حوله وهو تحقيق الذات -realisation Self والذي يعني استمرار رقي الضمير الإنساني. ولكن ديوي غير اسم هذا الهدف وأطلق عليه مصطلح -النمو Growth- وجعل محتواه استمرار نمو عقل الفرد بدون انقطاع، بل إن التربية -عند ديوي- صارت تعني النمو، وإن هذا النمو هو هدف في حد ذاته. ثم فسر هذا النمو تفسيرًا يتفق مع الدارونية التي تأثر بها تأثرا شديدًا واستمد منها مفهوم -التطور- وعزز بها مفاهيم النمو التي لونت كتاباته التربوية المختلفة، كذلك كانت التربية -عند المثالية والمسيحية- تعني الترقي العقلي لمعرفة الإله، فبتر ديوي هذا الترقي العقلي عن معرفة الإله، وجعله وحده هدفا في حد ذاته. كذلك طور -ديوي- مفهوم المثالية عن الذكاء، وجعله مفهوم -حل

стр. 14

المشكلات١. وأخيرًا جعل ديوي الهدف الأخير لكل هذه الأهداف هو التركيز على الإنتاج وتمجيد العمل، وتركيز النشاط في الحياة المحسوسة. وبالرغم من النجاح الذي حققه ديوي خاصة الحماس الذي حققته آراؤه حول العمل ومنهج النشاط إلا أن أشكالا من النقد والمعارضة بدأت تتصاعد بوجه هذه الآراء وتطبيقاتها. ومن ذلك ما قام به -ألسدير ماكنتاير- عام ١٩٦٤ حيث قدم بحثه حول أهداف التربية بعنوان: "ضد الفلسفة البراجماتية" وفي هذا البحث فند -ماكنتاير- آراء ديوي وخطورة حصر الأهداف التربوية في الوسائل دون الغايابت، وأخذ على ديوي اقتصار التربية عنده على الإعداد للوظيفة، وزيادة الإنتاج الصناعي، وزيادة استهلاك المنتجات، والخدمات التي ستضاعف الإنتاج وهكذا. وأضاف أن التربية حين تقتصر على الوسائل دون الغايات العليا للحياة، فإنها تفرز مجتمعا عديم العقل مجردا من الإنسانية. وانطلاقا من هذا النقد لخص -ماكنتاير- أهداف التربية -كما يراها- فلخصها في مساعدة الفرد على اكتشاف قدراته المعرفية والعقلية مع ملاحظة امتداد هذه المعرفة الناقدة لتشمل الفن والعلم والفلسفة، وعدم اقتصارها على الخبرات النظرية الضيقة. ومع إن آراء -ماكنتاير- هذه وجدت صدى واسعا إلا أنه فشل في بلورة آرائه حين خلط بين نظريتين الأولى تدعو إلى عدم اقتصار التربية على تطوير "الأهداف الوسائل"، بل تعمل على تطوير أهداف جديدة يكون من ثمرتها تنشئة الطلبة على مساعدة بعضهم بعضًا لتحقيق أهداف نبيلة سامية. بينما تتناقض النظرية الثانية مع الأولى حين تدعو إلى أن تركز التربية على تدريب الطلبة على الأنشطة العملية المنتجة للوسائل دون مراعاة لانتفاع الآخرين من هذه الأنشطة، أو تضررهم٢.

стр. 15

ثم تصاعد الخلاف وتفرع حول ماهية الأهداف التربوية، وما يجب أن تكون عليه هذه الأهداف. ولقد استعرض -رونالد كوروين- Ronald Corwin- تفاصيل هذا الخلاف فذكر أن بعض علماء التربية والاجتماع وأولياء الأمور والسياسيين، يرون أن أهداف التربية هي مجرد التحصيل الذهني. ويرى آخرون أن التربية يجب أن تركز على الارتباط بين فاعلية التربية والنجاح الوظيفي. ويرى فريق ثالث أن هدف التربية الرئيسي هو التأثير في تصور الطالب عن نفسه، وتقديره لذاته والثقة بها، واكتشاف قدراته العقلية. ويرى فريق رابع أن الوظيفة الرئيسية للتربية هي تطوير اتجاهات سياسية سليمة ومواطنة صالحة، وتدريب الناشئة على حسن استغلال أوقات الفراغ والترويح عن النفس. ويرى فريق خامس أن وظيفة التربية هي تطوير قيم واتجاهات حسنة مثل: استقلال الشخصية، والدقة في العمل، وضبط النفس، والتقيد بالقوانين العامة، والتكيف مع متطلبات التغير التكنولوجي، والبراجماتية النفعية، وكل ما يؤدي إلى النجاح١. ويدور المظهر الثاني للخلاف في ميدان أهداف التربية حول ضرورة اتصال الأهداف التربوية بالغايات الرئيسية للحياة، أم تكون أهدافا سلوكية عملية تنحصر في موضوع دراسي محدد، أو موقف تعليمي خاص؟ والخلاف حول هذا الموضوع ما زال قائمًا حتى الوقت الحاضر. ففريق يعترض على الأهداف العامة Aims مثل: النمو، والسعادة، وصالح المجتمع؛ لأنها -حسب رأي هذا الفريق- صيغ عامة غائمة لا ترشد إلى ما يجب عمله في المواقف العملية. ولذلك من الأفضل أن يحل محلها أهداف تعليمية سلوكية Objective يمكن تحديدها وقياسها. كأن يحدد ما يجب أن يتعلمه الطالب ويعمله في درس اللغة. ولقد كان لهذا الرأي أثره في التطبيقات التربوية الحديثة. وما تصنيف الأهداف الذي أعده -بلوم Bloom- وزملاؤه إلا تطبيق لهذا الاتجاه.

стр. 16

والاعتراض الذي ثار أمام هذا الرأي هو أن الأهداف السلوكية Objectives لا تغني عن -الأهداف التربوية العامة- Aims؛ لأن الأهداف السلوكية مقاييس صغيرة تحتاج إلى تبرير منطقي حتى لا تبدو عشوائية مفروضة دون وعي ولا فهم. وهذا التبرير العقلاني لا يتم إلا من خلال الأهداف التربوية العامة. وأما عن الاتجاه الثالث الذي لا يرى ضرورة للأهداف التربوية، فقد تباينت آراؤه كذلك. فأناس يرون الاقتصار على ترسيخ الآداب العامة وأشكال السلوك العام أكثر من الأهداف التربوية، ويقدمون أمثلة للآداب العامة المقترحة مثل: تنمية احترام العقلانية، وحب الخير، والتسامح. ويضيفون أن هذه ليست مهارات تمارس، وإنما هي قيم يستطيع المعلم أن يغرسها في تلاميذه من خلال طرائقه، وأساليبه المستعملة. وأناس آخرون من أمثال -برسي ت. نون Percy T. Nunn- لا يرون داعيا للأهداف التربوية مطلقا؛ لأنه يساء فهمها ويختلف في تفسيرها طبقا لاختلاف الأفراد إزاء المثل العليا للحياة. فالهدف الذي ينص على وجوب: "إعداد الفرد للحياة الكاملة" قد يكون نافعا من وجهة نظر الشخص "أ" وضارا سخيفا من وجهة نظر الشخص "ب". ولذلك يجب أن تعمل التربية على مساعدة كل فرد على انفراد ليطور أهدافه الخاصة التي تساعده على النمو. وانطلاقًا من هذا الرأي ظهرت الآراء التي تدعو إلى عدم التدخل في نمو الطفل والاكتفاء بتوفير البيئة المناسبة له لينمو نموا مستقلا. ولكن يعترض البعض على هذا الاتجاه بالقول أن المعلم لا يستطيع أن يؤثر في الطلبة ويغرس بهم احترام العقلانية، والخير وما شابه ذلك إلا إذا كان واعيا بالأهداف التربوية العامة، التي يحتاج أن يتمثلها في سلوكه وطرائقه١.

стр. 17

ولو نظرنا في كل من الاتجاهات الثلاثة التي مرت لوجدنا أن جوهر الخلاف حول تحديد الأهداف يتركز في أمور ثلاثة هي: الأول، إن الصعوبة الشديدة في الاتفاق على أهداف عامة للتربية سببها عدم الاتفاق على -فلسفة تربوية- محددة تنبثق منها أهداف محددة كذلك. فإذا لم تحدد فلسفة التربية لا يمكن استنباط الأهداف. وفلسفة التربية تحتاج أن تنبثق من فلفسة كلية للحياة، والإنسان، والكون، والمنشأ، والمصير. وهنا تكمن أزمة التربية الحديثة التي ناقشنا بعض مظاهرها في الكتاب الأول من هذه السلسلة -كتاب فلسفة التربية الإسلامية. والأمر الثاني، إن الذين يرون عدم الاشتغال بتحديد أهداف التربية هم أناس سئموا الخلاف المزمن حول هذا الموضوع وسئموا من عقم البحث فيه. والذين يصرون على استمرار البحث فيه هم أناس ترعبهم نتائج العملية التربوية في ميادين الحياة الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية، وما يرونه من إخراج التربية الحديثة لنماذج إنسانية آلية لا أهداف عليا لها في الحياة إلا الإنتاج والاستهلاك، أو نماذج إنسانية منقسمة على أنفسها، أو مغتربة من الحياة كلها. والأمر الثالث، إن الذين يدعون إلى الاكتفاء بتحديد أهداف سلوكية عملية مشتقة بشكل مباشر عن موضوعات التعليم -كأن تكون هناك أهداف للحساب، وأخرى للجبر، وأخرى للجغرافية وهكذا- هم أناس سئموا عدم التوصل إلى تحقيق الانسجام بين الأهداف التربوية العامة، والأهداف التعليمية الخاصة. والذين يصرون على عدم الاكتفاء بالأهداف التعليمية الخاصة "السلوكية" هم أناس يضيقون بهذا النوع من الأهداف، التي تحصر الإنسان في اتقان مهارات العمل، والإنتاج ولا تتسع للقيم العليا، والتطلعات الإنسانية الرفيعة. فالمشكلة إذن هي كيفية صياغة كل من الأهداف التربوية العامة، والأهداف العليمية السلوكية بطريقة تحقق التوافق المنطقي بينهما لتشكل

стр. 18

جميعها قائمة الأهداف التي تبدأ بالفرد، وتنتهي بالإنسانية وتتسع لتشمل المهارات العملية والأخلاق الفردية، ولا تضيق بالأخلاق الاجماعية والقيم والتطلعات العليا للإنسان. وإبراز مثل هذه الأهداف يحتاج إلى أصول محددة تتمثل في فلسفة تربوية شاملة واضحة، تنبثق عن فلسفة كلية للإنسان والكون، والحياة والمنشأ والمصير. إن عجز التربية الحديثة عن توفير هذه الأصول والمقومات جعل -جون وايت- يقول: إن فلاسفة التربية منذ قرون يعملون للوصول إلى تعريف محدد شامل للتربية وأهدافها. ولكنهم لم يصلوا بعد إلى شيء. والسبب أن البحث في تحديد -معنى التربية- يتضمن كذلك البحث في أهدافها، والبحث في أهداف التربية يتضمن البحث في معناها١. وبسبب هذا الخلاف حول تحديد الأهداف التربوية، وتصنيفها تنوعت هذه الأهداف إلى ما لا نهاية من الآراء. فهناك من يقول: إن أهداف التربية يجب أن تتركز حول نمو الفرد معرفيًّا وعقليًّا. بينما يرى آخرون أن أهداف التربية يجب أن تركز على مساعدة المتعلم على تطوير قدراته إلى أقصى مدى. وفريق ثالث يرى أن الهدف الرئيسي للتربية هو إيجاد التوازن في شخصية المتعلم، وفريق رابع يرى أن التربية يجب أن تهدف إلى تحقيق التوازن بين المعارف النظرية والتطبيقات العملية، بين الفنون والآداب وبين العلوم، ويرى فريق خامس التركيز على التفوق في ميادين التخصص. ويرى آخرون أن الأهداف هي تلبية حاجات المجتمع من خلال إيجاد طبقة عاملة مدربة تتمتع بمستوى مناسب من التعليم، أو من خلال توفير الجو الملائم للديموقراطية أو الفن أو الثقافة والأخلاق وهكذا٢.

стр. 19

وحينما شرعت -لجنة الإشراف وتطوير المناهج- عام ١٩٨٠ في تطوير أهداف تربوية تكون أساسًا للتربية في الولايات المتحدة الأميركية واجهت نفس المشكلة -مشكلة تحديد أهداف التربية العامة. ولقد لخصت اللجنة العقبات التي واجهتها في هذا الشأن في التقرير الذي أنجزته بالقول: "ما هي أنماط السلوك العقلي، والاجتماعي والشخصي المرغوبة في الأفراد الذين يجتازون مراحل العملية التربوية بنجاح منذ مرحلة رياض الأطفال، حتى نهاية العام الدراسي الثاني عشر؟ ما هي ثمرات التعلم ذي القيمة التي لها طابع إنساني؟ هل إن بعض أهداف التربية التي ترغب الأنظمة المدرسية في تحقيقها تتناقض فطريا مع مبادئ التربية الإنسانية؟ كيف نحدد ما هو إنساني، وما هو غير إنساني من أهداف التربية؟ هل تتصف أية قائمة أهداف تربوية بالشمول والطابع الإنساني؟ هذه هي الأسئلة التي شكلت المثيرات التي دفعتنا، ووجهتنا للعمل عندما بدأنا في تحديد التعلم ذي القيمة الذي يعكس الطبيعة الإنسانية النبيلة في أبعادها العقلية، والعاطفية، والجسدية". وتمضي اللجنة لتقول: إنها تصلت بجميع المؤسسات التعليمية والمعاهد التربوية وطلبت الأهداف التربوية المعتمدة من قبلها، ثم اتصلت بالأفراد، والهيئات المختصة والمهتمة بالبحث في الأهداف، وبدوائر القياس والتقويم وتطوير المناهج، وكانت نتيجة هذه الاتصالات أن تجمع لدى اللجنة كمية هائلة من قوائم الأهداف التربوية، ثم قامت بدراستها وتحليلها، وخلصت إلى النتائج التالية: ١- تكرار كثير من الأهداف عند المؤسسات والهيئات. ٢- تركزت الأهداف على الجوانب العقلية وحدها. ٣- إن الإشارات التي وردت عن التربية الإنسانية لم تتعد التعميمات الفضفاضة.

стр. 20

٤- لم تتصف الأهداف المدونة بالتكامل العقلي، والعاطفي، والنفسي. ٥- ركز غالب القوائم على أهداف سياسية يصعب قياسها. وأخيرا -تذكر اللجنة: "إن أكثر هذه القوائم أثرا في عملنا هي قائمة بنسلفانيا -التي اتخذناها أساسا لعملنا الذي اشتققنا منه قائمة أهدافنا"١. لقد ركزت -أهداف التربية- في عشرة أهداف عامة، ثم أدرجت تحت كل هدف العناصر الفرعية التي رأت أن هذا الهدف يتكون منها. ولعل الأمانة العلمية تقتضي إيراد القائمة حرفيا، كما وضعتها اللجنة، ولكن طولها يجعل من المناسب الاكتفاء بتقديم الأهداف العشرة الرئيسية دون إخلال بالصورة الواقعية لهذه الأهداف. تتلخص أهداف التربية التي تضمنتها قائمة لجنة البحث، والتنظير المشار إليها بالأهداف العشرة الرئيسية التالية: الهدف الأول: المهارات الأساسية. الهدف الثاني: تحديد مفهوم ذات الفرد. الهدف الثالث: فهم الآخرين. الهدف الرابع: استعمال المعلومات المتجمعة لتفسير ما يجري في العالم. الهدف الخامس: التعلم المستمر. الهدف السادس: السعادة العقلية والنفسية. الهدف السابع: المشاركة في عالم الاقتصاد. الهدف الثامن: العضوية الاجتماعية المسئولة.

стр. 21

الهدف التاسع: الإبداع. الهدف العاشر: التعايش مع التطور. وقبل المضي في تحليل قائمة الأهداف المذكورة أود أن أشيد بروح المثابرة، والجد التي تتصف بها الهيئات التربوية العاملة في أمريكا، وأوربا وأن أغبط المختصين على الروح الجماعية، والشعف العلمي اللذين يتصف بهما البحث التربوي هناك، وأن أقدر للمجتمعات هناك المكانة التي أعطتها للتربية والمربين. ولكن هذه الجهود المتواصلة والتضحيات الجسيمة لا تمنع من القول أن البحث التربوي لم يصل بعد إلى حل جذري لأزمة الأهداف التربوية، وإن مضاعفات هذه الأمة ما زالت تتفاعل على أماكن التطبيق التربوي، والمجتمعات الفسيحة. والسبب هو الأزمة القائمة في ميدان فلسفة التربية الأم المباشرة المولدة للأهداف التربوية، وهي أزمة نابغة من الفراغ العقائدي عامة. إن النظر في قائمة الأهداف التربوية، التي توصلت إليها -لجنة البحث والتنظير- الأميركية يكشف عن أن القائمة لم تنج من النواقص والعيوب التي نسبتها اللجنة إلى القوائم السابقة التي راجعتها واعتمدت عليها. فهي أيضا ركزت على المهارات الجسدية، والعقلية ولم تورد عن التربية الإنسانية إلا تعميمات فضفاضة. كذلك لم تتصف القائمة بالتكامل العقلي، والعاطفي والنفسي، كما أنها تجاهلت تماما ما يتعلق بنشأة الإنسان ومصيره، وعلاقة الإنسان بالإنسان في قرية الكرة الأرضية. ولو أننا اعتمدنا المقياس الذي طرحه -جون وايت- في الصفحات التي مرت حول اعتبار أهداف التربية كامنة في النفس، وإن الذين يستطيعون كشف هذه الأهداف هم الخبراء بهذه النفس لوضعنا أيدينا على جذور الأزمة، وهي أن المرجع الأول لمعرفة النفس الإنسانية هو -خالق النفس- الذي أودع بها قدراتها وخصائصها، وإلى هذا المنهج يوجه القرآن في أول آية ابتدأ بها الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق] .

стр. 22

صحيح إن لعلم النفس دورا أساسيا في البحث عن أهداف التربية في النفس الإنسانية، ولكن علم النفس نفسه وصل أخيرا إلى القول الراسخ، وهو إدراك الأثر العميق لفعل الله في النفس الإنسانية، وضرورة الاسترشاد بالوحي الصحيح في توجيه النفس وإرشادها. ولقد اعترفت اللجنة المذكورة نفسها التي ضمت مشاهير المربين، واستفادت من خبرات جمهور المربين في القارة الأمريكية كلها أن القائمة السابقة للأهداف التربوية لا تمثل كل الأهداف، التي يجب أن تعمل التربية من أجلها، ولكنها تشكل فقط مرشدا لمن يحاول أن يضع أهدافا تربوية.

стр. 23

الفصل الثالث: حاجة النظم والمؤسسات التربوية في الأقطار العربية، والإسلامية إلى أهداف تربوية إسلامية والسبب الثالث الذي يجعل البحث في أهداف التربية الإسلامية أمرا هامًّا هو أن هناك ضرورة ملحة إلى بلورة أهداف تربوية محددة تتصف بالأصالة والمعاصرة سواء. فما زالت النظم والمؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية، والإسلامية تعاني في هذا المجال من أمرين اثنين: الأمر الأول: إن النظم والمؤسسات التربوية التي أنشئت في هذه الأقطار على النمط الأوربي والأمريكي ما زالت مغتربة ثقافيا وتربويا في هاتين القارتين. وهي في هذا الاغتراب، والتقليد تحتفظ دائما بفجوة تربوية واسعة بينها، وبين النظم التي تقلدها. وهذا أمر كامن في طبيعة التقليد نفسه إذ لا يمكن للمقلد أن يلحق بمن يقلده، أو يتساوى معه ماديًّا ونفسيًّا وعقليًّا. ففي الوقت الحاضر -مثلًا- تراجع الدوائر التربوية في أمريكا وأوربا تراث أمثال ديوي وسكنر وفرويد مراجعة جذرية شجاعة -كما يفعل المراجعون Revisionists، ولكن المؤسسات التربوية في الأقطار العربية والإسلامية ما زالت تعتمد على الترجمات، التي نقلت عن هذا التراث قبل عشرين سنة أو ثلاثين أو أكثر بكثير. ولعل المثال التالي يقدم نموذجا واضحا للفجوة التربوية المشار إليها بين كلا النوعين من المؤسسات. ففي عام ١٩٥٨ وضع فيليب هـ. فينكس كتابه -فلسفة التربية- متأثرًا بالمثالية القديمة، وفي عام ١٩٨٢ نشرت ترجمته دار النهضة العربية بالقاهرة بعد أن قدمت له بأنه عمل تربوي جديد يلبي حاجة الطلبات المتزايدة من الباحثين، والدراسين ويسد ثغرة تربوية هامة.

стр. 24

والإحساس بهذه الفجوة المعرفية دفع بعض الجامعات العربية إلى استعمال اللغات الأجنبية مباشرة في التدريس رغم ما في ذلك من أخطار الانصهار الثقافي، والاضطراب الاجتماعي. ويرتبط الأمر الثاني بالأول ارتباطا وثيقا، وهو أن المؤسسات والإدارات التربوية القائمة في الأقطار العربية، والإسلامية تلقن هذه الأهداف التربوية المستوردة تلقينا يشبه تلقين النصوص المقدسة، ويتجاهل الظروف الاجتماعية والعلمية والمرحلة الحضارية، التي صاحبت هذه الأهداف في مواطن نشأتها. وهي تهمل تحليل الدوافع التي رافقت استيراد هذه الأهداف، والنتائج التي تولدت عن هذا الاستيراد، ولا تدري شيئًا عن المراجعات الجارية لهذه الأهداف عند أهلها وواضعيها. ومن الطريف أن الذين يقومون بمهمة النقد، والتحليل للآثار المترتبة على استيراد الأهداف المذكورة هم من خارج الأقطار العربية والإسلامية، ومن خارج العالم الثالث كله، بل هم من المختصين التربويين في أوربا وأمريكا. ومثال ذلك البحث المدهش الذي قام به -مارتن كارنوي- عام ١٩٧٤ بعنوان: Education as Cultural Imperialism أي: "التربية كأداة للاستعمار الثقافي". ومثله الكتاب الذي أخرجه عام ١٩٨٢ -ربروت ف. آرنوف- بعنوان: Philanthropy and Cultral Imperialism أي: "المساعدات الخيرية والاستعمار الثقافي". وكذلك الكتاب الذي أخرجه -إدوارد هـ. برمان- عام ١٩٨٣ عنوان: The Influence of the Carnegie, Ford and Rockefeller Foundations on the American Policy: the Ideology of Philanthropy.

стр. 25

أي: "تأثير مؤسسة كارينجي، ومؤسسة فورد، ومؤسسة روكفلر على السياسة الأمريكية: أيديولوجية المساعدات". ولعل استعراض محتويات التفاصيل، التي وردت في الكتاب الأول يعطي صورة واضحة عن أثر التربية المستوردة لأقطار العالم الثالث، ومنه الأقطار العربية والإسلامية. إن خلاصة النتائج التي انتهى إليها -مارتن كارنوي- هي إن نظم التربية الغربية الرسمية، جاءت إلى معظم أقطار العالم الثالث -ومنها الأقطار العربية والإسلامية- كجزء من السيطرة الاستعمارية، وأنها كانت منسجمة مع أهداف الاستعمار الاقتصادي، والهيمنة السياسية من خلال الفئة المثقفة والحاكمة في هذه الأقطار. لقد حاولت القوى الاستعمارية من خلال المدارس تدريب المستعمرين -بفتح الميم- على القيام بالأدوار، التي تناسب المستعمر -بكسر الميم١. وحين انحسر الاستعمار، وتحللت ظاهرة الأمبراطوريات بعد الحرب العالمية الثانية ظلت الأنظمة التربوية في الأقطار، التي تخلصت من الاستعمار كما كانت عليه إلى حد كبير، ولم يصبها التغيير بعد الاستقلال. فالمنهاج ولغة التعليم وفي بعض الأحوال جنسية المعلمين أنفسهم، ظلت كما كانت في عهد الاستعمار. كما أن العلاقات الثقافية بين المستعمر -بكسر الميم- والمستعمر -بفتح الميم- هي من جوانب كثيرة أقوى مما كانت عليه خلال الإدارة الاستعمارية٢. ويضيف -كارنوي Carnoy- إنه منذ عام ١٩٤٩ تحدد دور المدارس في الأقطار التي تحررت من الاستعمار العسكري كأدوات لتحديد الأدوار

стр. 26

الاجتماعية لأبناء هذه الأقطار. فمع أن التعليم انتشر على أثر الاستقلال من السيطرة الاستعمارية، إلا أنه سار على نفس النمط السابق، وصارت أهدافه تركز على إيجاد متعلمين ذوي مهارات عالية لخدمة مصالح الأقطار الصناعية المتقدمة من خلال التأكيد على التدريب العلمي، والمهني في العلوم الاجتماعية وإدارة الأعمال، وبناء نظم التعليم؛ ليخدم ذلك كله أهداف الشركات الدولية في الأقطار المتقدمة، التي أرادت الأقطار النامية أسواقا لمصنوعاتها، ومصدرا للمواد الخام اللازمة لهذه الصناعات. ويضيف -كارنوي- إن الجهود التي بذلت لتطوير التعليم في أقطار العالم الثالث لم تمنح هذه الأقطار القدرة على التحول إلى الطور الصناعي، والرأسمالي وإنما أفرزت نتائج وثمرات أهمها: ١- انتشار البطالة بين الخريجين -بما فيهم خريجي الجامعات- وعدم قدرتهم على ممارسة أي عمل إذا لم يتيسر لهم عملا في الأدوار التي حددها لهم التعليم الجديد. ٢- أصبح المحور الأساسي للحياة الاجتماعية في الأقطار النامية، هو الاغتراب الثقافي. ويتمثل هذا الاغتراب في استعارة هذه الأقطار للقيم، وأنماط الحياة السائدة في الدول الصناعية المتقدمة بدل تطوير القيم المحلية وأنماط الحياة الأصلية١. ٣- ازدواج شخصية الفرد الذي يذهب للدراسة في الأكاديميات الأوربية والأمريكية، ازدواجية في اللغات، وازدواجية في الثقافة لا يستطيع التخلص منها طوال حياته، وتنتهي به إلى الدمار الثقافي. ٤- تشويه شخصية الشعوب في الأقطار النامية، وإبقاؤها ضحية الاغتراب الثقافي والتمزق الاجتماعي، وإشاعة قيم المستعمرين ولغاتهم على حساب القيم المحلية واللغة المحلية، وإهمال الثقافة القومية إلا ما يدعم

стр. 27

الأقلية الحاكمة التي تقوم بدور الوسيط بين الشعوب المحلية والأقطار الصناعية١. ٥- أفرزت نظم التعليم التي تأثرت بالدول الاستعمارية نخبة حاكمة تقوم بدور الوكلاء، والوسطاء بين هذه الدول، وبين الشعوب المحكومة من قبل هذه النخبة وتسهل التعامل بين الطرفين، وتبقى شعوبها في حالة اعتماد مستمر من الناحية الاقتصادية، والثقافية على الدول المذكورة٢. والواقع أنه لا يجوز التسليم بتقريرات أمثال -مارتن كارنوي- هذه حول -التربية والاستعمار الثقافي- على علاتها بحيث يفهم منها وجوب الانغلاق التربوي والثقافي. وإنما يجب تناولها بوعي وعلى أساس اعتبارها إحدى المعلومات المساعدة على كيفية التفاعل الثقافي مع الآخرين. إن شهود التيارات الثقافية من خلال الاطلاع على ثقافات العالم، ودراسة اللغات الأجنبية هو أمر لا بد منه للمشاركة في الحضارة العالمية، وحمل الرسالة ومقتضيات التنمية والتقدم. ولكن موضع الحساسية في هذا التفاعل الثقافي يتمثل في أمور ثلاثة، هي فيمن يتم اختيارهم للقيام بهذا الشهود الثقافي، وفي أي مرحلة من العمر يوجهون للقيام بهذه الوظيفة، وفي أي مكان يتم إعدادهم للقيام بهذا الشهود. أما عن الأمر الأول وهو اصطفاء الذين يوجهون لشهود ما يجري في العالم في ميادين الفكر التربية والعلم، فلا بد أن يجري هذا الاختيار طبقًا لمقاييس علمية دقيقة تقيس الذكاء والقدرات العالية، وأن يتم الاختيار من أولئك الذين لهم إحساس عميق بما يجري في العالم، ولهم انتماء قوي، وشغف بالبحث والاطلاع، ولهم قدرة قوية على هضم ما يشهدونه وعلى

стр. 28

تحليله وتقييمه، وكيفية التعامل معه والاستفادة منه. ولا بد -بعد أن يجري إعدادهم- أن يهيأ لهم مؤسسات العمل الجماعي، وفرص التواصل مع من لهم علاقة. ولكن الذي حدث -وما زال يحدث- هو إرسال عناصر لا قدرات عالية لديها، وإنما يجري اختيارهم -أو الأغلبية الساحقة منهم- طبقًا لمقاييس ذاتية من الانتماءات المحلية، والعائلية، والعلاقات الشخصية. وحين يذهبون هناك يعجزون عن القيام بما يتطلبه البحث والدراسة، ويفشلون في هضم الظواهر العلمية، والاجتماعية الجارية حولهم، ولذلك فإما أن ينغمسوا في أماكن اللهو والمتعة، والتسوق ثم يعودون بهالة زائفة من التعالم والغرور الثقافي، والتباهي بالألقاب العلمية وإشاعة الاغتراب الثقافي، والاجتماعي كما أشار إليه -مارتن كارنوي، وإما -إن كانوا من العناصر التي تم إقفالها مسبقا بعوامل التعصب والجمود- أن لا يشهدوا من الغرب إلا العينات التي ترسبت من المؤسسات العلمية، والاجتماعية إلى أماكن نفيات المجتمع من البارات، وأماكن الانحراف بعد أن استنفذت قدراتها، ثم يعودون ليصوروا المجتمعات الغربية كسمتودعات للانهيارات الأخلاقية، والأزمات الاجتماعية، والأمراض النفسية والعقلية، وليمنوا شعوبهم بقرب انهيار الحضارة الغربية القائمة كمقدمة للتخلص من النفوذ الغربي. وأما عن الأمر الثاني وهو العمر الذي يتم خلاله إعداد من يجري اختيارهم لشهود التيارات العالمية في ميادين التربية والعلم والثقافة، فلعل المناسب أن يكون ذلك في مرحلة ما بعد الخامسة والعشرين أو الثلاثين، أي في مرحلة الدراسات العليا، وبعد أن تظهر على الدارس شارات النضج الفكري والاجتماعي والقدرة على التفاعل مع الثقافات الأخرى باستقلال وانفتاح. وأما عن الأمر الثالث وهو المكان الذي يجري فيه عملية الإعداد، فلا بد أن يكون -أساسا- في البلد الأصلي الذي ينتمي إليه الدارس لا

стр. 29

خارجه شريطة أن يصحب ذلك فترات من السير في الأرض لينظر كيف بدأ خلق الظواهر الحضارية التي يقوم بدراستها والتخصص بها. إن الأمة الواعية تستطيع استيراد الخبراء والخبرات من خارج وتدفع لها الثمن مهما غلا، ثم تهضمها داخل إطارها الثقافي والاجتماعي بدل أن تقذف بأبنائها بسن مبكرة جدا ليتم هضمهم في معاهد التربية الأجنبية داخل الإطارات الثقافية والاجتماعية هناك. ولو أننا نظرنا في الخارطة الثقافية والتربوية للكرة الأرضية، لوجدنا أن كل أمة تتولى تربية أبنائها، وإعدادهم علميًّا داخل إطارها الثقافي والاجتماعي، وتستورد لهم كل ما يجري من نشاطات ثقافية وعلمية، حتى إذا نضجوا واشتدت أعوادهم لم تخش عليهم أن يتفاعلوا مع الآخرين في كل مكان على الأرض. ولكن العالم الثالث -ومنه الأقطار العربية والإسلامية- هو وحده الذي يقذف بأبنائه، أو يسمح بنهبهم تحت ستار المساعدات الثقافية، ليجري تشكيل شخصياتهم في بيئات غريبة بعيدة، وليعانوا فيما بعد من الاغتراب الثقافي والاجتماعي!! ويلحق بهذه الملاحظات أن الأمة يجب أن تتولى تخطيط نظم التربية فيها، وتحديد فلسفتها وأهدافها، لا أن تتركها إلى أقلية من البيروقراطية التربوية التي تتلاعب بتشكيل أجيال الأمة طبقًا للأهواء الحزبية، والمصالح الشخصية والولاءات الثقافية المغترفة المضطربة. ولعله من المفيد أن نلاحظ أنه لم يكن في الولايات المتحدة الأميركية وزارة للتربية، والتعليم إلا في السنوات الأخيرة حيث ينحصر عملها تقريبا في رعاية التكنولوجيا والعلم أمام ضغط التنافس الدولي في هذا الميدان. أما الجانب الاجتماعي والإنساني، فإن الإمريكيين أنفسهم يخططون لمستقبل أجيالهم من خلال مجالس التربية، ومؤسساتها المنتخبة في الولايات المختلفة، والتي تتولى الإشراف المباشر على تنفيذ البرامج ومراقبة البيروقراطية التربوية خطوة بخطوة.

стр. 30

وأما عن الأمر الثاني الذي يبرز الحاجة إلى أهداف تربوية محددة للنظم والمؤسسات التربوية في الأقطار العربية والإسلامية، فهو إن النظم والمؤسسات التربوية التي انحدرت عن الطراز الإسلامي القديم ما زالت غائبة كلية عن مفهوم الأهداف التربوية، وعن علاقته بالعمل التربوي، ومناهجه، وتطبيقاته، ونتائجه. وكل ما في الأمر أن لديها -هدفًا واحدًا- غير مكتوب يكمن في منطقة الشعور ولما يصعد إلى منطقة الوعي ليناقش ويحلل. وخلاصة هذا الهدف أن وظيفة التربية هي نقل تراث الآباء إلى الأبناء دونما تطوير، أو تبديل أو مراعاة لحاجات المستقبل الذي سيعيشونه، أو الحاجات المتجددة والظروف المتطورة، يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١. وبسبب هذا المفهوم ظلت موضوعات الدراسة المقدمة للناشئة تقتصر في محتوياتها على "فقه" القدماء دون تمييز بين حاجات هؤلاء القدماء، وبين حاجات الناشئة المعاصرين، ودون مقارنة بين المشكلات التي واجهها القدماء والمجتمعات التي عاشوا فيها، وبين المشكلات التي يواجهها الناشئة المعاصرون والمجتمعات التي يعيشون بها، وهي لا تدرس باعتبارها منجزات تاريخية شكلت الماضي ولها أثرها في الحاضر، وإنما باعتبارها معجزات حضارية لبت حاجات الماضين وما زالت تلبي حاجات المعاصرين، وتوفر لهم عوامل التفوق والغلبة والتمييز على الآخرين من معاصريهم في الأمم الأخرى. ولا شك أن تخلف المفاهيم التربوية في المعاهد، والمؤسسات الإسلامية وغياب مفاهيم الأهداف والمناهج، وغيرها من تنظيماتها وأنشطتها، هما المسئولان عن استمرار الازدواجية في نظم التربية القائمة، وعن استمرار النتائج السلبية التي تحدث عنها -مارتن كارنوي- فيما سبق.

стр. 31

الباب الثاني: تربية الفرد المسلم أو الإنسان الصالح مدخل ... الباب الثاني: تربية الفرد المسلم أو "الإنسان الصالح" تبدأ أهداف التربية الإسلامية بإخراج الفرد المسلم. والفرد المسلم هو الإنسان العامل الذي يقوم بـ"العمل الصالح"؛ لأن العمل الصالح المتقن هو علة الخلق والإيجاد، وهو مادة الابتلاء والاختبار في قاعة الحياة الدنيا، وهو مقياس النجاح في الآخرة. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] . ولذلك قال الحسن، وقتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ : لا يقبل الله قولًا إلا بعمل: من قال وأحسن العمل قبل الله منه١. و"العمل" يتكون من حلقات خمس: الأولى: حلقة الخاطرة التي تولد نتيجة تفاعل الإنسان مع عناصر البيئة المحيطة في لحظة معينة تفاعلا إيجابيا أو سلبيا، ثم يتلتف التفكير هذه الخاطرة ليولد الحلقة الثانية -حلقة الفكرة- التي تولد نتيجة قيام قدرة العقل بتحليل الخاطرة، وتركيبها وتقييمها إلى أن يبلور مخططا كاملا لموضوعها وطرائق تنفيذها، وأدواته وزمنه ومكانه وغير ذلك، ثم يصوغ ذلك كله فإنه نسيخ لغوي يمثل الحلقة الثالثة -حلقة التعبير- ثم تتحرك الحلقة الرابعة -حلقة الإرادة- لتنقل العمل إلى الأعضاء الجسدية لينتهي في -الحلقة الخامسة- حلقة الممارسة

стр. 32

والتنفيذ. ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحلقات الخمس عند قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ، حيث يشير كلمة "سركم" إلى الحلقات الثلاث الأولى -الخاطرة والفكرة والإرادة- التي تحدث داخل سر الإنسان، وتشير كلمة "نجواكم" إلى الحلقة الرابعة -حلقة التعبير اللغوي، وكلمة "ما تكسبون" إلى الحلقة الخامسة -حلقة الممارسة العملية. والإنسان لا يتوقف لحظة من لحظات عمره عن العمل. ولكن يتفاوت نضج حلقات العمل التي يتم إنجازها. فبعض الأعمال يتوقف عند الحلقة الأولى: حلقة الإرادة فيظل العمل أمينة. وبعضها يتوقف عند الحلقة الثانية: حلقة الفكر فيظل العمل فكرة. وبعضها يستمر حتى الحلقة الأخيرة: حلقة "الممارسة" الحسية فيصبح العمل إنجازا، ويستحق أن يوصف بأنه "عمل". والذي يقرر فاعلية كل حلقة من حلقات العمل الخمس هو درجة الكفاءة -أو الحكمة حسب تعبير القرآن- التي تنجز كل حلقة. وهذه الكفارة هي ثمرة التربية التي تتعهد هذه الحلقات بالتنمية والرعاية. والنجاح في حلقتي الخاطرة والإرادة -ثمرته "الإخلاص" في العمل، أما النجاح في حلقة الفكرة فثمرته "الصواب" في العمل، وأما النجاح في حلقة الممارسة ثمرته "إنجاز" العمل. واجتماع الثمرات الثلاث وتكاملها يجعل العمل يتصف بصفة "الفلاح". وإلى هذه الصفة كانت الإشارة في القرآن الكريم عند أمثال قوله تعالى: ﴿الْمُفْلِحِينَ﴾ ، و ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ومشتقاتها. والفلاح -كما عرفه الرازي- معناه: الظفر بالمطلوب، والمفلح هو الظافر بالمطلوب١. وفي الغالب يتقرر مسار العمل نحو الصلاح أو السوء من خلال الحلقة الأولى: حلقة الإرادة فإن كانت إرادة إيجابية صالحة امتدت صفة الصلاح إلى حلقتي الفكر والممارسة، وإن كانت سيئة امتدت صفة السوء

стр. 33

إلى الحلقتين المذكورتين. ولذلك أطلق الرسول ﷺ اسم -النية- على الحلقة الأولى عند قوله: "إنما الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" ١. والذي يقرر صلاح النية، أو فسادها هو خير -الخبرات الاجتماعية- أو شرها. أما الذي يقرر صلاح -الفكرة- أو سوئها فهو صواب -الخبرات الكونية والاجتماعية- أو خطؤها. وأما الذي يقرر صلاح -الممارسة- أو فسادها فهو درجة "إحكام" السنن والقوانين التي توجه الإرادات والأفكار والممارسات إحكاما عقليا وفعليا. وانطلاقا من تكوين العمل ونموه بالشكل الذي مر أعلاه توجهت التربية الإسلامية محاضن حلقات العمل الخمس: أي تربية النفس، والعقل والجسم. و"العمل" الناتج عن الحلقات الخمس يتفرع، ويتسع ليغطي جميع ميادين الحياة ومظاهرها: أي هو يتناول المظهر الديني، والمظهر الاجتماعي، والمظهر الكوني. وحين يتم إحكام غايات العمل ووسائله وأدواته يطلق عليه اسم "العمل الصالح-المصلح". ولكن مفهوم "العمل الصالح" لم يبق على أصالته وشموله. وإنما تعرض -خلال عصور التعصب المذهبي والجمود والاستبداد- للتجزئة، وتضييق المعنى وتشويه المحتوى حتى حصرته الاستعمالات الجارية في الوعظ والتأليف، والتدريس الديني، وآداء الشعائر والصدقات والأخلاق الفردية، ثم كانت محصلة هذه التشويه تشويه صورة -الشخصية المسلمة- أو تشويه صورة -الإنسان الصالح. ذلك لا بد من إعادة تأصيل معنى "العمل الصالح" ليعود فهمه، وممارسته أصيلا كما ورد في مصادر الإسلام الأساسية المتمثلة بالقرآن والسنة.

стр. 34

الفصل الرابع: معنى "العمل الصالح" في التربية الإسلامية ١ ورد لفظ -العمل- في القرآن الكريم في "٣٥٩" موضعًا. أما في الحديث الشريف فيصعب حصر عدد المواضع التي ورد لفظ العمل فيها. وفي جميع المواضع المشار إليها يلحق بـ"العمل" إحدى صفتين اثنتين: إما صفة الصلاح أو صفة السوء. فيوصف العمل بأنه "عمل صالح" أو"عمل سوء". و"العمل الصالح" هو الترجمة العملية والتطبيق الكامل للعلاقات التي حددتها فلسفة التربية الإسلامية بين إنسان التربية الإسلامية من ناحية، وبين كل من الخالق والكون، والإنسان والحياة، والآخرة من ناحية أخرى٢. ويقدم القرآن الكريم نماذج وأمثلة للعمل نذكر منها: - العمل العلمي والثقافي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] . - السياسات الظالمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] .

стр. 35

﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] . ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: ١١] . - العمل الديني: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨-١٣٩] . - العمل السياسي الشامل: فقد تحدثت الآيات الأخيرة من سورة الأنفال عن سياسات الأمة المسلمة الداخلية، وعلاقاتها الخارجية ووصفتها بأنها عمل يبصر الله ظاهره وباطنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] . - والعمل الزراعي: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يونس: ٣٥] . - والعمل المهني: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] . - والعمل الصناعي: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [سبأ: ١١] . - والعمل الوظيفي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] . - والعمل الفكري والتربوي: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] . - والعمل الاقتصادي: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ

стр. 36

كَفَّارٍ أَثِيمٍ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦-٢٧٧] . - العمل القضائي: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . - العمل الاجتماعي: فقد تحدثت الآيات "٢٣٠-٢٣٦" من سورة البقرة -مثلا- عن علاقات الرجل والمرأة وتنظيم الأسرة ومسئولياتها، ثم ختمت الحديث بأمثال قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [٢٣٣] ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [٢٣٤] . - والعمل العسكري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] . - والعمل الديني والأخلاقي والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا. وأخيرا الديني بجميع مظاهره على المستويين الفردي والجماعي مثل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] . ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] . ويمكن تصنيف جميع أشكال العمل المشار إليها في ثلاثة مظاهر هي: عمل ديني، وعمل اجتماعي، وعمل كوني.

стр. 37

وتعريف "العمل" بهذا الشكل يقودنا إلى مبادئ خمسة تتصل بالعمل نفسه وهي: المبدأ الأول، تكامل مظاهر العمل وعدم فاعلية أي منها دون الآخر؛ لأن العمل الديني يتضمن أهداف الحياة ومقاصدها، بيما يتضمن العمل الاجتماعي، والعمل الكوني الوسائل المناسبة لتحقيق هذه الأهداف والمقاصد. ولذلك إذا وجدت الوسائل، ولم توجد الأهداف فإنه لا فائدة من الوسائل، وكذلك إذا وجد العمل الاجتماعي، والعمل الكوني ولم يوجد العمل الديني فإن العمل غير نافع ولا مريح، ولذا فهو غير مقبول ولا معتبر. وكذلك إذا وجد العمل الديني، ولم يوجد العمل الاجتماعي والعمل الكوني، فإن العمل عقيم؛ لأن الأهداف التي لا وسائل لها يستحيل تحقيقها والوصول إليها. لذلك كله لا يتصور هناك مسلم -أو إنسان صالح- بدون عمل. فصورة المؤمن المستسلم العاجز صورة غير إسلامية، وهي بعض رواسب تراث الكهانة التي سبقت الإسلام، ولذلك أيضًا لم يكن الزهد والورع والتقوى انقطاعًا عن العمل، وإنما هي بعض مواصفات -العمل الصالح- تكسبه طابعه وتميزه عن -العمل السوء. والحديث النبوي يقرر أن الزهد ليس بتحريم الحلال وإضاعة المال، وإنما الزهد أن يكون الإنسان أوثق بما في يد الله منه مما في يده، فيهون عليه البذل ولا يتردد في التضحية. والمبدأ الثاني، إن -العمل الصالح- لا يقتصر على جلب الخير النافع، وإنما يتعداه إلى محاربة الشر الضار. فالعمل الصالح إذن من حيث أثره ينقسم إلى قسمين: عمل هدفه جلب النافع للإنسان والمرضي لله، وعمل هدفه دفع الضار بالإنسان والمغضب لله، والإنسان الذي يمارس القسمين من العمل يطلق عليه اسم "الصالح-المصلح"، والذي يقتصر على القسم الأول يطلق عليه اسم " الصالح" فقط. والقيام بأحد القسمين لا يغني عن الآخر؛ لأن القسم الأول يفيد في النماء والتقدم. بينما يفيد القسم الثاني في منع أسباب الفساد والتخلف، والانحطاط.

стр. 38

والإنسان الصالح -المصلح هو النموذج الذي تسعى التربية الإسلامية إلى إخراجه. ولذلك جاء في القرآن الكريم أن الخراب لا يلحق بالأمم التي تتكون من أفراد وجماعات صالحين -مصلحين: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] . ولكن الخراب ينزل بالأمة التي تضم أفرادا وجماعات صالحين غير مصلحين. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ويقدم الحديث النبوي تفصيلات واسعة ودقيقة عن ماضي الأمم، الذين اكتفوا بالصلاح وواكلوا غير الصالحين ورضوا بأفعالهم، فكان ذلك سببا في شمول الجميع بالعذاب، كذلك يقدم الحديث النبوي تحذيرات صارمة للمسلمين ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويقفوا بوجه الظالم، ويتصدوا للمفسدين، وإلا سيذيقهم الله ألوانا من العذاب السياسي والاجتماعي والعسكري، والاقتصادي في الدنيا إضافة ما ينتظرهم في الآخرة. والمبدأ الثالث، إن "العمل الصالح" من حيث صفته ينقسم إلى قسمين: عمل أخلاقي وعمل ناجح. واجتماع الصفتين أمر ضروري في التربية الإسلامية؛ لأن العمل إذا كان أخلاقيا ولكن غير ناجح لا يجلب منفعة ولا يدفع ضررا، وإذا كان ناجحا ولكن غير أخلاقي، فإنه لا يجلب سعادة ولا أمنا. فإذا اجتمعت الصفتان فيه كان نافعا غير ضار، جالبا للسعادة والاستقرار. وإلى صفة النجاح أشار علماء الإسلام باسم -الصواب- وأطلقوا على صفة -الأخلاق- اسم -الإخلاص، واشترطوا أن يكون

стр. 39

العمل صائبا مخلصا، فإذا كان صائبا غير مخلص لم يقبل، وإذا كان مخلصا غير صائب لم يثمر١. لذلك لا يتصور أن يكون هناك "عمل صالح" غير ناجح. والذين يؤولون حديث: "إنما الأعمال بالنيات" تأويلًا يفصل بين العمل ونتيجة هم أناس يتأولون الحديث على غير معناه. والذين يبررون الأخطاء والارتجال والقصور بأمثال القول: ليس ضروريا النجاح وتحقيق الأهداف، وإنما المهم هو العمل هم أنس لا يرسخون في مفهوم العمل ولا يحيطون بقوانينه. المبدأ الرابع، مبدأ النفعية، أي إن العمل مقصود به منفعة العامل. فالتربية الإسلامية لا تتنكر لمبدأ النفعية أبدًا بل هل تشدد عليه، وتكرر هذا التشديد. وتتكرر الإشارة إلى مصطلح "النفعية"، ومشتقاته في القرآن الكريم إيجابا وسلبا في "٥٠" خمسين موضعا. من ذلك قوله تعالى: - ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] . - ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] . - ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٧] . أما في الحديث النبوي فيتكرر مصطلح "النفع"، ومشتقاته في مئات المواضع من ذلك قوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" ٢. والذين فصلوا بين العمل والمنفعة هم إما أناس مغالون في المثاليات، التي يصعب على الإنسان أن يعيشها، أو أناس متأثرون بمفاهيم تعذيب النفس وإيرادها المشقات التي احتوت عليها الأديان، والفلسفات السابقة على

стр. 40

الإسلام، أو أناس قصدوا أن يجردوا العمل الإسلامي من الدوافع التي تدفع إليه وترغب به، أو مترفون قصدوا تخدير الكادحين وجعلهم يسكتون على الاستغلال والاحتكار. ولكن النفعية التي توجه إليها التربية الإسلامية نفعية أكثر اتصالا بطبيعة الإنسان وفطرته، وهي أشمل تلبية لحاجاته المادية، والنفسية والاجتماعية، وهي مرافقة له خلال الأطوار التي يمر بها خلال رحلته عبر محطات النشأة والحياة والمصير. وهي جامعة لصفتي العمل الصالح: أي النجاح والسعادة، ولذلك كله فهي خالية من المضاعفات السلبية التي تفرزها نفعية الفلسفات الأخرى كالبراجماتية الأمريكية التي توفر النفعية في ميادين، وتفرز الضرر في ميادين أخرى من حياة الإنسان، أو تؤدي إلى النجاح، ولكنها لا توفر السعادة. وبالتالي فالنفعية التي توجه إليها التربية الإسلامية لا تقتصر على فرد أو جماعة، ثم تلحق الضرر بفرد آخر أو جماعة أخرى، ولا تقتصر على مرحلة الحياة أو بعض محطاتها، وإنما تشمل مرحلتي الحياة والمصير. ويقدم القرآن الكريم أمثلة عديدة لمنافع "العمل الصالح" فيذكر منها: الأمن، والتمكين في الأرض، والحياة الطيبة، ووفرة الخير والبركة، والدرجات العالية، والجزاء الحسن، والتمتع بنعم الله، والصحة النفسية والجسدية، والاطمئنان الاجتماعي، واليقين، ودخول الجنة، وغير ذلك. وفي المقابل يقدم القرآن أمثلة عديدة لمضار "العمل السوء" فيذكر منها: المعيشة الضنك، والإجلاء من الأرض، وتمزيق المجتمعات والأمم، وسقوط المنزلة، والانهيار الاقتصادي، والدمار الاجتماعي، والسقوط الحضاري، والاضطراب النفسي والفكري، والشقاق والفرقة، والأمراض النفسية والجسدية، ودخول جهنم وغير ذلك. والأمثلة لكل من منافع العمل الصالح ومضار العمل السوء أكثر من أن تحصى، منها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
следующие страницы →