← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

رفعه نظر والأشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس ﵁. (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم. رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [يوسف: ٩٩ - ١٠١]. هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل أنها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن. وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة. وقال محمد بن إسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة … قال وأهل الكتاب يزعمون (١) أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد إل تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره. ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الأولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين. وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاؤوا كلهم (فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه) اجتمع بهما (٢) خصوصا وحدهما دون إخوته (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى إليه أبويه. وضعفه ابن جرير وهو معذور … قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام. ثم لما اقتربوا من باب مصر (قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قاله السدي. ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا وأنه ضمن قوله أدخلوا معنى اسكنوا مصر أو أقيموا بها (إن شاء الله آمنين) لكان صحيحا مليحا أيضا. وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم … وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو إسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف

стр. 247

وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم. وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا … وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا. وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنسانا. قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل … وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم (١). قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش) قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة. وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت خالته ليا والخالة بمنزلة الام. وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم (٢). ورفعهما على العرش أي أجلسهما معه على سريره (وخروا له سجدا) أي سجد له الأبوان والاخوة الأحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا (٣). (وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك (قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت (وجاء بكم من البدو) أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي فيما كان منهم إلي من الامر الذي تقدم وسبق ذكره … ثم قال (إن ربي لطيف لما يشاء) أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته (إنه هو العليم) أي بجميع الأمور (الحكيم) في خلقه وشرعه وقدره.

стр. 248

وعند أهل الكتاب أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء … ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده (١). وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك … قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لا يشبع بطنه عام الرمادة (٢) حتى ذهب الجدب وأتى الخصب. وقال الشافعي قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة لقد انجلت عند وإنك لابن حرة. ثم لما رأى يوسف ﵇ نعمته قد تمت وشمله قد اجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شئ فيها ومن عليها فان. وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله. وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الاسلام. وأن يلحقه بعباده الصالحين. وهكذا كما يقال في الدعاء " اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا. ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره ﵇ كما سأل النبي ﷺ عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الأعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال: " اللهم في الرفيق الاعلى " ثلاثا ثم قضى (٣). ويحتمل أن يوسف ﵇ سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف. فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين " (٤) وفي الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة " وقالت مريم ﵍ (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) [مريم: ٢٣] وتمنى الموت علي بن أبي طالب لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد

стр. 249

القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال. فأما في حال الرفاهية؟ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (١) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " والمراد بالضر ههنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه … والظاهر أن نبي الله يوسف ﵇ سأل ذلك إما عند إحضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك. وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي ﵇ وكان قد أوصى إلى يوسف ﵇ أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق. قال السدي فصبر وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجده الخليل ﵈. وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة. وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة … هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة ههنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [البقرة: ١٣٣] يوصي بنيه بالاخلاص وهو دين الاسلام الذي بعث الله به الأنبياء ﵈. وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم. وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر. ثم

стр. 250

حضرت يوسف ﵇ الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى ﵇ فدفنه عند آبائه كما سيأتي. قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين … هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة. ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة * وقال غيره أوصى إليه أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه. قصة نبي الله أيوب قال ابن إسحاق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح (١) بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم الخليل. وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ﵇. وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم ﵇ يوم ألقي في النار فلم تحرقه والمشهور الأول لأنه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون) الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح ﵉. وهو من الأنبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب) الآية. فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحاق وامرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم (٢). وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب. وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا. ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. قال الله تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤] وقال تعالى في سورة ص (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب. أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب. وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ص: ٤١ - ٤٤] وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال: أول نبي بعث إدريس. ثم نوح. ثم إبراهيم. ثم إسماعيل. ثم إسحاق. ثم يعقوب. ثم يوسف. ثم لوط. ثم هود. ثم صالح. ثم شعيب. ثم موسى وهارون. ثم إلياس. ثم اليسع. ثم عرفي بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن

стр. 251

يعقوب. ثم يونس بن متى من بني يعقوب. ثم أيوب بن زراح (١) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح. وقبل إبراهيم والله أعلم. قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران (٢). وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه. يذكر الله بها وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله في ليله ونهاره وصباحه ومسائه. وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته. وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر، لتطعمه وتقوم بأوده، ﵂ وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " أشد الناس بلاء الأنبياء. ثم الصالحون. ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " (٣). ولم يزد هذا كله أيوب ﵇ إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره ﵇ ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا … وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته … وعن مجاهد أنه قال كان أيوب ﵇ أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص. وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة (٤) لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه.

стр. 252

وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة. وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب ﵇. ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [الأنبياء: ٨٣]. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن خازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب أخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شئ قط قال (اللهم ان كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني) فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهم بعزتك وخر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه. وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبئنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك قال: منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول؟ غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق ". قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن (أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) [ص: ٤٢] فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو. قال وكان له أندر

стр. 253

للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر (١) الشعير الورق حتى فاض. هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به. هذا غريب رفعه جدا. والأشبه أن يكون موقوفا. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبئنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلي الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي. قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم. وقال وهب بن منبه. أوحى الله إليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك (٢) قربانا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لما عافى الله أيوب ﵇ أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع. قال يا رب ومن يشبع من رحمتك " (٣). وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به. ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك؟ قال: أي رب ومن يستغني عن فضلك؟ (٤). هذا موقوف. وقد روى عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب

стр. 254

فجعل أيوب يحشي في ثوبه، فناداه ربه (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال: بلى يا رب، ولكن لا غني لي عن بركتك " (١). رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به. وقوله (أركض برجلك) أي اضرب الأرض برجلك فامتثل ما أمر به فأنبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها، ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حيث صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا (٢) من ذهب وأخلف الله له أهله كما قال تعالى (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) [الأنبياء: ٨٤]. فقيل أحياهم الله بأعيانهم. وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة. وقوله (رحمة من عندنا) أي رفعنا عنه شدته (وكشفنا ما به من ضر) رحمة منا به ورأفة وإحسانا (وذكرى للعابدين) أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه. ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع (٣). وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا. وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم. وقوله (خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ص: ٤٤] هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب ﵇ فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها. وقيل لأنه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط. فلما عافاه الله أفتاه أن يأخذ ضغثا (٤) وهو كالعثكال (٥) الذي يجمع الشماريخ (٦) فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة ﵂. ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله (إنا وجدناه صابرا

стр. 255

نعم العبد إنه أواب) وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب … وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الأحكام عند الوصول إليه أن شاء الله تعالى. وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب ﵇ لما توفي كان عمره ثلاثا وتسعين سنة. وقيل إنه عاش أكثر من ذلك. وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان ﵇ على الأغنياء وبيوسف ﵇ على الأرقاء وبأيوب ﵇ على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالامر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم. ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين … ولنذكر ههنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب ﵉. قصة ذي الكفل (١) الذي زعم قوم انه ابن أيوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الأنبياء (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والابصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وانهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار) [ص ٤٥ - ٤٨] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور. وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا … وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم. وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيه أمرهم ويقضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل. وروى أن جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس فقال: من يتقبل لي

стр. 256

بثلاث استخلفه. يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب (١). قال: فقام رجل تزدريه العين (٢)، فقال: أنا. فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم، قال فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا. فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم … قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح (٣) وذهبت القائلة، وقال: إذا رحلت فأتني آخذ لك بحقك. فانطلق وراح. فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه. فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق على النوم. فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فأنظر من أين أتيت؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال: نعم أعييتني في كل شئ ففعلت ما ترى لأغضبنك، [فعصمك الله مني] (٤) فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به. وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق. وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحو هذا. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الأخنس قال سمعت الأشعري - يعني أبا موسى ﵁ وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل. ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.

стр. 257

قال: قال أبو موسى الأشعري، فذكره منقطعا. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله. عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال سمعت من رسول الله ﷺ حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك [أ] أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط. ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك. ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل " (٢). ورواه الترمذي من حديث الأعمش به وقال حسن. وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا. وفي إسناده نظر فإن سعدا (٣) هذا قال أبو حاتم لا أعرفه إلا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا فالله أعلم. باب ذكر أمم أهلكوا بعامة وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى الآية) [القصص: ٤٣]. كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوف الأعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة. ألم تر أن الله تعالى يقول: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) ورفعه البزار في رواية له. والأشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى ﵇: فمنهم: أصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا. وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا) [الفرقان: ٣٨ - ٣٩] وقال تعالى في صورة ق (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة

стр. 258

وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ق: ١٢ - ١٤] وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك. وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج (١)، لان أولئك عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعد المسيح ﵇ وفيه نظر أيضا. وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس (٢) ; أهل قرية من قرى ثمود. وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبي القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره: أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الأحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الأرض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون وهي إرم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد بالأحقاف، فكذبوه وأهلكهم الله ، فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم (٣). وروى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن أبي عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان. وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها (٤). وقال بن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين. وقال قتادة فلج من قرى اليمامة قلت: فإن كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [يس: ٢٩] وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وإن كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا … وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير. وقد ذكر أبو بكر محمد ابن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعا وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم (٥) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن

стр. 259

عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له قال السهيلي وكان يوحي إليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الانس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (١) فلا يسمع ببقاعهم لا عزيف الجن وزئير الأسد (٢) وصوت الضباع. فأما ما رواه - أعني - ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله ﷺ : " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود " وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الأسود. ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى ذلك (٣) لبئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها، ويدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون … ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام (٤) فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته، ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع … ثم إنه ذهب إلى الحفرة إلى موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه … قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل فيقولون له ما تدري حتى قبض الله النبي عليه لسلام وأهب (٥) الأسود من نومه بعد ذلك فقال رسول الله ﷺ : " إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة ". فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر. ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم. ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء، على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن قال لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم (٦).

стр. 260

اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم. ثم اختار أنهم أصحاب الأخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الأخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم. قصة قوم يس وهم (١) أصحاب القرية قال الله تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون. قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون. قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين. قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنك وليمسنكم منا عذاب أليم. قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني إليه ترجعون. أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني إذا لفي ضلال مبين. إني آمنت بربكم فاسمعون. قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [يس: ١٣ - ٢٩]. اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية. رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن إسحاق فيما بلغه عن أن ابن عباس وكعب ووهب انهم قالوا: وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيخس وكان يعبد الأصنام. فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق وشلوم فكذبهم. وهذا ظاهر أنهم رسل من الله . وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح. وكذا قال ابن جرير عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين (٢) الأوليين

стр. 261

شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية. وهذا القول ضعيف جدا: لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس وإسكندرية ورومية ثم بعدها إلى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [يس: ٢٩] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك. فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا والله أعلم. فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي من هؤلاء الرسل من عند الله. قال الله تعالى (واضرب لهم مثلا) يعني لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني المدينة (إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي أيدناهما بثالث في الرسالة (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وأنتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي تشائمنا بما جئتمونا به (١) (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الأول قوله (وليمسنكم منا عذاب أليم) فوعدوهم بالقتل والإهانة. (قالوا طائركم معكم) أي مردود عليكم (أأن ذكرتم) أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والإهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه. وقوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يعني لنصرة الرسل وأظهار الايمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة. ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا (٢) ولا في الآخرة (أني إذا لفي ضلال مبين) أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه … ثم قال مخاطبا للرسل (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم. وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني يرسل الله جهرة. فعند ذلك.

стр. 262

قتلوه. قيل رجما. وقيل عضا وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه … وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته [من دبره] (١). وقد روى الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري * ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا. وقيل إسكافا. وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم. وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه. ولهذا قال تعالى: (ادخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي. قال ابن عباس نصح قومه في حياته (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن إلا ناصحا لا يلقي غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) وقوله تعالى (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم. هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه (٢) عن ابن مسعود … قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والأول أولى. قلت: وأقوى، ولهذا قال (وما كنا منزلين) أي وما كنا نحتاج (٣) في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون). قال المفسرون بعث الله إليهم جبريل ﵇ فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف. وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لان هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة

стр. 263

آمنت بالمسيح … فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقري (١) عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " (٢) فإنه حديث لا يثبت لان حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم. قصة يونس قال الله تعالى في سورة يونس (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [يونس: ٩٨] وقال تعالى في سورة الأنبياء (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] وقال تعالى في سورة والصافات (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون. فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨]. وقال تعالى في سورة نون (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم … لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) [القلم: ٤٧ - ٥٠]. قال أهل التفسير بعث الله يونس ﵇ إلى أهل نينوى، من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث (٣). قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا (٤) إلى الله وصرخوا وتضرعوا

стр. 264

إليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات (١) وجأرت الانعام والدواب والمواشي فرغت الإبل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) [سبأ: ٣٤]. وقوله (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [يونس: ٩٨] أي آمنوا بكمالهم. وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين; الأظهر من السياق نعم. والله أعلم. كما قال تعالى (لما آمنوا) وقال تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين). وهذا المتاع إلى حين لا يفني أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي والله أعلم. وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف … وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله ﷺ عن قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) [الصافات: ١٤٧] قال: " يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب … وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين ألفا. وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا. واختلفوا هل كان ارساله إليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير … والمقصود أنه ﵇ لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون … قالوا فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر (٢) ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك. ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الامر العظيم. قال الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين. إذ أبق إلى الفلك المشحون. فساهم فكان من المدحضين. فالتقمه الحوت وهو مليم) [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢]. وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله

стр. 265

حوتا عظيما من البحر الأخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه … قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله. وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه. فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية * وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه (١). والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الأجاجي (٢) فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السماوات السبع والأرضين السبع وما بينها وما تحت الثرى … فعند ذلك وهنالك قال ما قال: بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الأصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين (وذا النون إذ ذهب) إلى أهله (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] (فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق … وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدر كما قال الشاعر. فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى … تباركت ما يقدر يكن فلك الامر (٣) (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وقال سالم بن أبي الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر (٤). وقوله تعالى (فلولا أنه

стр. 266

كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة. ولبعث من جوف ذلك الحوت. هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وقيل معناه (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لي: " يا غلام إني معلمك كلمات إحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " (١) وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن إسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [قالت] سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ [هـ] ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما [فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر] فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر … قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا [ضعيفا] بأرض غريبة، قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر … قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: نعم * قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل " كما قال الله (وهو سقيم) هذا لفظ ابن جرير إسنادا ومتنا (٢) … ثم قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الاسناد كذا قال. وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن، أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ : " أن يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة، قالوا: يا ربنا أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء … ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم … قال: أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة

стр. 267

الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية (١) وحشية تأكل من خشاش (٢) الأرض أو قال هشاش الأرض. قال فتنفشخ (٣) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمة … من الله لولا الله أصبح ضاويا وهذا غريب أيضا من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم. وقد قال الله تعالى (فنبذناه) أي ألقيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شئ من الأشجار بل هو عار منها (وهو سقيم) أي ضعيف البدن * قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش … وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبي حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شئ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد: هو القرع. قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حكم جمة; منها أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا. وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك (٤). وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية. وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال تعالى (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) أي الكرب والضيق الذي كان فيه (وكذلك ننجي المؤمنين) أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا … قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: " هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها. ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به ". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: … قال أبو خالد: أحسبه

стр. 268

عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد. قال: قال رسول الله ﷺ : " من دعا بدعاء يونس أستجيب له " قال أبو سعيد الأشج يريد به (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذان طريقان عن سعد. وثالث أحسن منهما. قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد، وهو ابن أبي وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شئ قال: لا، وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام. قال ما فعلت. قال سعد: قلت: بلى حتى حلف وحلفت. قال ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى واستغفر الله وأتوب إليه أنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة قال سعد: فأنا أنبئك بها إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله ﷺ فأتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض فالتفت إلي رسول الله ﷺ فقال من هذا أبو إسحاق؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة. ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له " (١) ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به. فضل يونس قال الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين) وذكره تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والانعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام … وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (٢) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به … وقال البخاري أيضا حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه " (٣). ورواه

стр. 269

أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها … وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (١) تفرد به أحمد. ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى " إسناده جيد ولم يخرجوه. وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (٢) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين (٣). قال البخاري في آخره: " ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متى " أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس … والقول الآخر لا ينبغي لاحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الأحاديث لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى … وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين. قصة موسى الكليم وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر (٤) بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. قال تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا. ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) [مريم: ٥١ - ٥٣] وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن … وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته ههنا من ابتدائها

стр. 270

إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي (١) ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان … قال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون. إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [القصص: ١ - ٦] يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا) أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الاعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض … وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردأها وأدناها ومع هذا (يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين) [القصص: ٤] وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم، ما يأثرونه (٢) عن إبراهيم ﵇ من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها … وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عن ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر. وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة (٣) عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو (٤) بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل … فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة، والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك

стр. 271

أهل مصر. على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان (١) ولهذا قال الله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) [القصص: ٥] وهم بنو إسرائيل (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم (ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [القصص: ٦] أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل كما قال تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) [الأعراف: ١٣٧] الآية … وقال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل) [الشعراء: ٥٧ - ٥٩] سيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله. والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد امرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته * وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان (٢) لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الامر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى. هذا والقدر يقول يا أيها ذا (٣) الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره إن هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا بعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك وأنت الذي تتبناه وتربية وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين تكذيبك ما أوحى إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو الفعال لما يريد وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها. وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الأبناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هارون ﵇ ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء وأن موسى ﵇ ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا

стр. 272

واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل. فلما وضعت ألهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارهما متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به (١). قال الله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين. وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون) [القصص: ٧ - ٩] هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا الآية) [النحل: ٦٨ - ٦٩] وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة. قال السهيلي واسم أم موسى أيارخا. وقيل أياذخت (٢) … والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك. وإن الله سيجعله نبيا مرسلا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط في طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون) قال الله تعالى (ليكون لهم عدوا وحزنا) قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله فالتقطه … وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم … ويقوى هذا التقدير الثاني قوله (إن فرعون وهامان) [القصص: ٨] وهو الوزير السوء (وجنودهما) المتابعين لهما (كانوا خاطئين) أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة. وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف … وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى … وقيل بل كانت عمته، حكاه السهيلي فالله أعلم. وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج

стр. 273

رسول الله ﷺ في الجنة … فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته، ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا … فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه (وقالت قرة عين لي ولك) فقال لها فرعون أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق. وقولها (عسى أن ينفعنا) [القصص: ٩] وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه (أو تتخذه ولدا) وذلك أنهما تبنياه لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال الله تعالى (وهم لا يشعرون) أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم (١) لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده [وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى " دربتة " ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله ] (٢) (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) [القصص: ١٠ - ١٣] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) أي من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن ربطنا على قلبها) أي صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لأخته وهي ابنتها الكبيرة (٣) قصيه أي اتبعي أثره واطلبي له خبره فبصرت به عن جنب … قال مجاهد عن بعد … وقال قتادة جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده … ولهذا قال (وهم لا يشعرون) وذلك لان موسى ﵇ لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل. كما قال تعالى (وحرمنا عليه المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) … قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها

стр. 274

النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها. قال الله تعالى (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق) أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد أمتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال هل فيما قال له (ولقد متنا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني) [طه: ٣٧ - ٣٩] [وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه] (١) (ولتصنع على عيني) إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [طه: ٤٠] وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان. (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين. ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين … قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم … قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) [القصص: ١٤ - ١٧] لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى هو احتكام الخلق والخلق وهو سن الأربعين في قول الأكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الاجل وانقضى الأمد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي. قال تعالى (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار … وعن ابن عباس بين العشائين (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يتضاربان ويتهاوشان (هذا من شيعته) أي إسرائيلي (وهذا من عدوه) أي قبطي. قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى ﵇ كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى ﵇ على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) … قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه *

стр. 275

وقال قتادة بعصا كانت معه (فقضى عليه) أي فمات منها … وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه مع هذا (قال) موسى (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين … قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم. قال رب بما أنعمت علي) أي من العز والجاه (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين. فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى. أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين. وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) [القصص: ١٨ - ٢١] يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفا يترقب) أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له (إنك لغوي مبين) … ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد الا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين) قل بعضهم إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس وكأنه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي إعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغوي مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الامر الذي كان وقع بالأمس فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه. ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا إليه خافه ورأى من سجيته إنتصارا جيدا للإسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم. والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعيا إليه مشفقا عليه (١) فقال (يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج) أي من هذه البلدة (إني لك من الناصحين) أي فيما أقوله لك قال الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب) أي فخرج من مدينة مصر من فوره

стр. 276

على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلا (رب نجني من القوم الظالمين. ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) [القصص: ٢١ - ٢٤]. يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه ولا إلى أين يذهب وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها (ولما توجه تلقاء مدين) أي اتجه له طريق يذهب فيه (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل). أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود … وكذا وقع أو صلته إلى مقصود وأي مقصود (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئرا يستقون منها … ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب ﵇ … وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى ﵇ في أحد قول العلماء … (ولما ورد الماء) المذكور (وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) أي تكفكفان [عنهما] غنمهما أن تختلط بغنم الناس … وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات. وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن. وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان (قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء (١) لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى (فسقى لهما). قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده. ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان … قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة [رجال] وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما. ثم تولى إلى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر (٢) … روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) قال ابن عباس سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل (٣) جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة … قال عطاء بن السائب لما (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) اسمع المرأة (فجاءته إحداهما

стр. 277

تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين. قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين. قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) [القصص: ٢٥ - ٢٨] لما جلس موسى ﵇ في الظل و (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) سمعته المرأتان (١) فيما قيل فذهبتا إلى أبيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى ﵇ فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أي مشى الحراير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا … صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة. وهذا من تمام حيائها وصيانتها، فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعونها (قال له) ذلك الشيخ (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم. وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب ﵇. وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس. وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بأن شعيبا ﵇ عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى ﵇ وتزوج بابنته. وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى ﵇ هذا اسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس بالنبي صاحب مدين … وقيل إنه ابن أخي شعيب … وقيل ابن عمه … وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب … وقيل رجل اسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها … قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله اسمه يثرون. زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب. زاد ابن عباس صاحب مدين. والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها (يا أبت استأجره) أي لرعي (٢) غنمك ثم مدحته بأنه قوي أمين قال عمرو بن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه

стр. 278

تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فأخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق (١) قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين … وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [القصص: ٢٧] استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة ﵀ على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله إحدى ابنتي هاتين … وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم. واستدل أصحاب أحمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجما [عليه] (٢) في كتابه " باب استئجار الأجير على طعام بطنه " حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الدر (٣) يقول: كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى ﵇ آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه " (٤) وهذا من هذا الوجه لا يصح لان مسلمة بن علي الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمة لا يحتج بتفرده ولكن قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني أبن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، قال سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله قال: " إن موسى ﵇ آجر نفسه لعفة

стр. 279

فرجه وطعمة بطنه " … ثم قال تعالى (ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) [القصص: ٢٨] يقول إن موسى قال لصهره الامر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة. قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس (١)، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير. وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي (٢) عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: " سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما (٣) … وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث. وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ فذكره. وقد رواه سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب فقال: أبرهما وأوفاهما. وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله ﷺ سئل أي الأجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأتمهما ". وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني وهو ضعيف عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سئل أي الأجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأبرهما " قال: " وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما ". وقد رواه البزار وابن أبي

стр. 280

حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح عن عتبة بن الندر أن رسول الله قال: " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " … فلما وفى الاجل قيل يا رسول الله أي الأجلين قال: " أبرهما وأوفاهما " … فلما أراد فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون (١) من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى ﵇ إلى عصا قسمها من طرفها … ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى ﵇ بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال فأتمئت وآنثت (٢) ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف قال النبي ﷺ : " لو اقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ". قال ابن لهيعة الفشوش: واسعة الشخب (٣)، والضبوب; طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة الشخب (٤)، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر … وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الاجل الذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال (٥) فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن [كلهن] (٦) ذلك العام وهذا إسناد [جيد] (٦) رجاله ثقات والله أعلم. وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب ﵇ حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى ﵇ فالله أعلم. [قال الله تعالى] (٦). (فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون. فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين. وأن ألق عصاك

стр. 281

فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين. أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [القصص: ٢٩ - ٣٢]. تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما وقد يؤخذ هذا من قوله (فلما قضى موسى الاجل) وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها. وقوله (وسار بأهله) أي من عند صهره زاعما (١) فيما ذكره غير واحد من المفسرين - وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف وجعل يوري زناده فلا يرى (٢) شيئا واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لأهله: امكثوا إني آنست نارا وكأنه، - والله أعلم - رآها دونهم لأن هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد (لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الأخرى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) [طه: ٩ - ١٠] فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق … وجمع الكل في سورة النمل في قوله (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) [النمل: ٧]. وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأي هدى واقتبس منها نورا وأي نور. قال الله تعالى (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [القصص: ٣٠]. وقال في النمل (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) [النمل: ٨] أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) [النمل: ٩] وقال في سورة طه (فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى. وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) [طه: ١١ - ١٦]. قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (٣) وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة

стр. 282

في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين) [القصص: ٤٤] وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة. وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له (إني أنا الله رب العالمين) [القصص: ٣٠] (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) [طه: ١٤] أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له. ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها (لتجزى كل نفس بما تسعى) [طه: ١٥] أي من خير وشر. وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شئ الذي يقول للشئ كن فيكون. (وما تلك بيمينك يا موسى) [طه: ١٧] أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها (قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) [طه: ١٨] أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها (قال القها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) [طه: ١٩ - ٢٠]. وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه [هو الذي] يقول للشئ كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار. وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا [صادقا] (١) على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها إلى الأرض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) [طه: ٢٠] فهرب موسى من قدامها فأمره الرب أن يبسط يده ويأخذها بذنبها فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده. وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) [النمل: ١٠] أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك (٢) وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات … يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى ﵇ (ولى مدبرا) أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك (ولم يعقب) أي ولم يلتفت (٣) (فناداه ربه) قائلا (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين)

стр. 283

[القصص: ٢١] فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها. (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) [طه: ٢١] فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها * وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين (١) فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه. ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق. ولهذا قال (اسلك (٢) يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب) [القصص: ٣٢] قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. وهذا وإن كان خاصا به إلا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء وقال في سورة النمل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) [النمل: ١٢] أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله (فذلك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [القصص: ٣٢] ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان حيث يقول تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذا جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا. قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) [الاسراء: ١٠١ - ١٠٢] وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون. وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية والعشرة من كلماته الشرعية وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل. والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون. قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [القصص: ٣٣ - ٣٥]. يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى ﵇ في جوابه لربه حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر

стр. 284

فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون). أي اجعله معي معينا وردأ ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا … قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) أي برهانا (فلا يصلون إليكما) أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وقال في سورة طه (اذهب إلى فرعون انه طغى. قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) [طه: ٢٤ - ٢٨] قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية. قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم أنه يعيب به الكليم (ولا يكاد يبين) [الزخرف: ٥٢] أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده … ثم قال موسى ﵇ (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا. قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) [طه: ٣٢ - ٣٦] أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى (وكان عند الله وجيها) [الأحزاب: ٦٩] وقال تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) [مريم: ٥٣] وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لأناس وهم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه قال الله تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) قال تعالى في سورة الشعراء (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون. قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون. قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون. فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا نبي إسرائيل. قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [الشعراء: ١٠ - ١٩] تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا

стр. 285

وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) [الشعراء: ١٨] أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر (١) وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الذي بعث إليه فرعون آخر. وقوله (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [الشعراء; ١٩] أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا (٢) (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) [الشعراء: ٢٠] أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي (ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) [الشعراء: ٢١] ثم قال مجيبا لفرعون عما أمتن به من التربية والاحسان إليه (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) [الشعراء: ٢٢] أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك (قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [الشعراء: ٢٣ - ٢٨]. يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقيلة المعنوية ثم الحسية. وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد الصانع ﵎. وزعم أنه الاله (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى) [النازعات: ٢٣ - ٢٤] (وقال يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري) [القصص: ٣٨]. وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الاله الحق كما قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين) [النمل: ١٤] ولهذا قال لموسى ﵇ على سبيل الانكار لرسالته والاظهار أنه ماثم رب أرسله (وما رب العالمين) [الشعراء: ٢٣] لأنهما قالا له (إنا رسول رب العالمين) [الشعراء: ١٦] فكأنه يقول لهما ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما فأجابه موسى قائلا (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) [الشعراء ٢٤] يعني رب العالمين خالق هذه السماوات والأرض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتعددة (٣) من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولا بد لها من موجد
следующие страницы →