← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادا وعيونا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاؤوا للحج لا لغيره، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول، فكل الناس أبى دخولهم ونهى عنه، فتجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف، معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلدا السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ﷺ فارجعوا لا صبحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة. فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياما راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياما. هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس، فيصلي وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون. وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال علي لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا. وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا - وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم (١)، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان (٢) وعلى جمله، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس

стр. 2627

أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة علي بذلك وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشئ من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون. ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنه ابن أبي سرح، ويولي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه، فرجعوا، وقد حنقوا عليه حنقا شديدا، وطافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس (١). وروى ابن جرير من طريق محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي، على جمل لعثمان، وذكر ابن جرير من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضا. واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ﷺ في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي: حدثني أسامة ابن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: بينا أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي ﷺ التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر، فقال له جهجاه: قم يا نعثل فأنزل عن هذا المنبر وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الاكلة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر فقتل. قال ابن جرير: وحدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن الجهجاه الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمي في ذلك المكان بأكلة. وقال الواقدي: وحدثني ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن ابن أبي (٢) حبيبة قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: إنك ركبت بهاتير (٣) وركبناها معك، فتب نتب معك. فاستقبل عثمان القبلة وشمر (٤) يديه، قال ابن أبي حبيبة:

стр. 2628

فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح إليه: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة، فأنزل فلندرجك في العباة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به، ثم نزل عثمان. قال ابن أبي حبيبة: وكان آخر يوم رأيته فيه. وقال الواقدي: حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد. قال: كنا أول من اجترأ على عثمان بالنطق السئ جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو في نادي قومه، وفي يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون عليه؟ رجل قال (١) كذا وكذا، ثم أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه، فقال عثمان: أي بطانة؟ فوالله لأتخير (٢) الناس، فقال مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمه، وأباح رسول الله ﷺ دمه، قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم. قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد. قال: مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال: يا نعثل! والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء، ولأخرجنك إلى حرة النار. ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه. وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء (٣)! الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السئ إلا بالحسن، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي مريرة فأقعده وقال يا نطع (٤)، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه، فاحتمل وأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر (٥)، وعمار بن ياسر. وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس، ثم رجعوا إلى منازلهم، واستقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن عمر، وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء.

стр. 2629

ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيا عليه، واحتمل إلى داره وتفاقم الامر، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجأوه إلى داره وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر آبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير - وكان أمير الدار - وعبد الله بن عمرو، وصاروا، يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين. وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلا في أوائل الامر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلي بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب. وقد استمر الحصر أكثر من شهر، وقيل أربعين يوما، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدا ﵁، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والذي ذكره ابن جرير أن الذي كان يصلي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور، طلحة بن عبيد الله. وفي صحيح البخاري عن (١). وروى الواقدي أن عليا صلى أيضا، وصلى أبو أيوب، وصل بهم سهل بن حنيف، وكان يجمع بهم علي، وهو الذي صلى بهم بعد، وقد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر وبالله المستعان. قال الإمام أحمد: حدثنا بهز ثنا أبو عوانة ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال: الناس في المسجد، فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد، قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي، فقال: ههنا علي؟ قالوا: نعم! قال: ههنا الزبير؟ قالوا: نعم! قال: ههنا طلحة؟ قالوا: نعم! قال: ههنا سعد بن أبي وقاص؟ قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني قد ابتعته، فقال: " اجعله في مسجدنا وأجره لك " قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " من يبتاع بئر رومة " فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت إني قد ابتعتها - يعني بئر رومة - قال: " اجعلها سقاية للمسلمين ولك أجرها " قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: " من يجهز هؤلاء غفر الله

стр. 2630

له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا: اللهم نعم! فقال: اللهم أشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف (١). ورواه النسائي من حديث حصين وعنده إذ جاء رجل وعليه ملاءة صفراء. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد: حدثني عبد الله (٢) بن عمر القواريري، حدثني القاسم بن الحكم ابن أوس الأنصاري حدثني أبو عبادة الدرقي الأنصاري، من أهل الحديبية (٣)، عن زيد بن أسلم عن أبيه. قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، ولو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال: أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس: أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله، فقال له عثمان: ألا أراك ههنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداي إلى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني؟ أنشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله ﷺ في موضع كذا وكذا، ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك؟ فقال: نعم! قال: فقال لك رسول الله ﷺ : " يا طلحة إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا - يعني - رفيقي في الجنة (٤) " فقال طلحة: اللهم نعم! ثم انصرف، لم يخرجوه. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا هلال بن إسحاق، عن الجريري، عن ثمامة بن جزء القشيري. قال: شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليه اطلاعة، فقال ادعو لي صاحبيكم اللذين ألباكم علي، فدعيا له، فقال: أنشدكما الله تعلمان أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله، فقال: من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين، وله خير منها في الجنة "؟ فاشتريتها من خالص مالي

стр. 2631

فجعلتها بين المسلمين وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين. ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول الله ﷺ : " من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله خير منها في الجنة "؟ فاشتريتها من خالص مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللهم نعم! وقد رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وعباس الدوري وغير واحد، أخرجه النسائي عن زياد بن أيوب كلهم عن سعيد بن عامر عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري عن أبي مسعود الجريري به، وقال الترمذي: حسن صحيح. طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد ثنا القاسم - يعني ابن المفضل - ثنا عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد. قال: دعا عثمان رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم عمار بن ياسر، إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان يؤثر قريشا على الناس، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم. فقال: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم. فبعث إلى طلحة والزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه - يعني عمارا - أقبلت مع رسول الله ﷺ . أخذ بيدي يمشي في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وهم يعذبون " فقال أبو عمار: يا رسول الله، الدهر هكذا؟ فقال له النبي ﷺ اصبر، ثم قال: اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت " (١) تفرد به أحمد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب. طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان سمعت معاوية (٢) بن سلم أن سلمة يذكر عن مطرف عن نافع عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه وهو محصور، فقال: على م تقتلونني؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل "، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه، ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ورواه النسائي عن أحمد بن الأزهر عن إسحاق بن سليمان به.

стр. 2632

طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنت مع عثمان في الدار وهو محصور، قال: وكنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط، قال: فدخل عثمان يوما لحاجته فخرج إلينا منتقعا لونه، فقال: إنهم ليتواعدوني بالقتل آنفا. قال: قلنا يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: ولم يقتلونني؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلا بديني منذ هداني الله له، ولا قتلت نفسا، فبم يقتلونني (١)؟. وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد حدثني أبو أسامة. زاد النسائي وعبد الله بن عامر بن ربيعة قالا: كنا مع عثمان، فذكره. وقال الترمذي: حسن. وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه. طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدثنا قطن ثنا يونس - يعني ابن أبي إسحاق - عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. قال: أشرف عثمان من القصر وهو محصور فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: " أسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد " وأنا معه، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال: " هذه يدي وهذه يد عثمان ". ووضع يديه إحداهما على الأخرى فبايع لي فانتشد له رجال. ثم قال: قال: أنشد بالله من شهد رسول الله قال: " من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد بنيت له بيتا في الجنة " فابتعته من مالي فوسعت به المسجد. فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم جيش العسرة قال: " من ينفق اليوم نفقة متقبلة "؟ فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل قال: فانتشد له رجال (٢). ورواه النسائي عن عمران بن بكار عن حطاب بن عثمان بن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن جده أبي إسحاق السبيعي به.

стр. 2633

وقد ذكر ابن جرير أن عثمان ﵁ لما رأي ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار، من محاصرته في داره، ومنعه الخروج إلى المسجد، كتب إلى معاوية بالشام، وإلى ابن عامر بالبصرة وإلى أهل الكوفة، يستنجدهم في بعض جيش يطردون هؤلاء من المدينة، فبعث معاوية مسلمة بن حبيب، وانتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش، وبعث أهل الكوفة جيشا، وأهل البصرة جيشا، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان ﵁ كما سنذكره. وذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي ووضعت لعثمان وسادة في كوة من داره. فأشرف على الناس، فقال له عثمان: يا أشتر ماذا يريدون؟ فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الامرة، وإما أن تفتدي من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، وإما أن يقتلوك. وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولي عليها من يريدون هم، وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم وما فعل من الامر ما يستحق بسببه القتل، واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن. وأما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل ولا ينزع قميصا قمصه الله إياه، ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض ويولي السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج ويفسد الامر بسبب ذلك الامر كما ظنه فسدت الأمة ووقع الهرج، وقال لهم فيما قال، وأي شئ إلي من الامر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته، وكلما رضيتم عنه وليته؟ وقال لهم فيما قال: والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي، ولا تصلوا جميعا أبدا، ولا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا، وقد صدق ﵁ فيما قال. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن أبي قيس، حدثني النعمان بن بشير قال: كتب معي عثمان إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه فحدثني أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول لعثمان: " إن الله لعله يقمصك قميصا. فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات " قال النعمان: فقلت يا أم المؤمنين! فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بني والله أنسيته (١). وقد رواه الترمذي من حديث الليث عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر عن النعمان عن عائشة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجة من حديث الفرج بن فضالة عن ربيعة بن يزيد عن النعمان، فأسقط عبد الله بن عامر. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس، عن أبي سهلة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " ادعو لي بعض أصحابي، قلت أبو بكر؟ قال: لا، قلت عمر؟

стр. 2634

قال: لا؟ قلت ابن عمك علي؟ قال: لا! قالت قلت عثمان؟ قال: نعم! فلما جاء قال: تنحى فجعل يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا! إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه (١) " تفرد به أحمد. وقال محمد بن عائد الدمشقي: حدثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفقيمي يقول: قدمت على عثمان فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت على عثمان فأعلمته، قال: فكيف رأيتهم؟ فقلت: رأيت في وجوههم الشر، وعليهم ابن عديس البلوي، فصعد ابن عديس منبر رسول الله ﷺ فصلى بهم الجمعة، وتنقص عثمان في خطبته، فدخلت على عثمان فأخبرته بما قال فيهم، فقال: كذب والله ابن عديس، ولولا ما ذكر ما ذكرت، إني رابع أربعة في الاسلام، ولقد أنكحني رسول الله ﷺ ابنته ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى، ولا زنيت ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ ولا أتت علي جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت، إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية. ورواه يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن لهيعة، قال: لقد اختبأت عند ربي عشرا، فذكرهن. فصل كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر. فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج، واشتد الامر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشقا إلى رسول الله ﷺ ، وليكون خيرا بني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله: … (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين) … [المائدة: ٢٩] وروى أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن بن علي وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير ﵃. وروى موسى بن عقبة عن سالم أو نافع أن ابن

стр. 2635

ولم يلبس سلاحه بعد رسول الله ﷺ إلا يوم الدار ويوم نجرة الحروري. قال أبو جعفر الداري أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر: أن عثمان ﵁ أصبح يحدث الناس، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال: يا عثمان أفطر عندنا " فأصبح صائما وقتل من يومه، وقال سيف بن عمر عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن رجل قال دخل عليه كثير بن الصلت فقال: يا أمير المؤمنين اخرج فاجلس بالفناء فيرى الناس وجهك فإنك إن فعلت ارتدعوا. فضحك وقال: يا كثير رأيت البارحة وكأني دخلت على نبي الله وعنده أبو بكر وعمر، فقال: " ارجع فإنك مفطر عندي غدا " ثم قال عثمان: ولن تغيب الشمس والله غدا أو كذا وكذا إلا وأنا من أهل الآخرة، قال: فوضع سعد وأبو هريرة السلاح وأقبلا حتى دخلا على عثمان. وقال موسى بن عقبة: حدثني أبو علقمة - مولى لعبد الرحمن بن عوف - حدثني ابن الصلت قال: أغفى عثمان بن عفان في اليوم الذي قتل فيه فاستيقظ فقال: لولا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا أصلحك الله، حدثنا فلسنا نقول ما يقول الناس، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في منامي، " فقال: إنك شاهد معنا الجمعة ". وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي، ثنا خلف بن تميم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي، ثنا عبد الله بن عمير حدثني كثير الصلت قال: دخلت على عثمان وهو محصور، فقال لي: يا كثير ما أراني إلا مقتولا يومي هذا قال: قلت ينصرك الله على عدوك يا أمير المؤمنين، قال: ثم أعاد علي فقلت وقت لك في هذا اليوم شئ أو قيل لك شئ؟ قال: لا! ولكني سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كانت وقت السحر أغفيت إغفاءة فرأيت فيما يرى النائم رسول الله ﷺ ، وأبا بكر وعمر، ورسول الله ﷺ يقول لي: يا عثمان الحقنا لا تحبسنا، فإنا ننتظرك " قال: فقتل من يومه ذلك. وقال ابن أبي الدنيا ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا يزيد بن هارون، عن فرج بن فضالة، عن مروان بن أبي أمية عن عبد الله بن سلام. قال: أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحبا بأخي، رأيت رسول الله ﷺ الليلة في هذه الخوخة - قال: وخوخة في البيت - فقال: " يا عثمان حصروك قلت: نعم! قال: عطشوك؟ قلت: نعم! فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى إني لأجد برده بين ثديي وبين كتفي، وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده " فقتل ذلك اليوم. وقال محمد بن سعد: أنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب، ثنا داود، عن زياد بن عبد الله، أم هلال بنت وكيع عن امرأة عثمان - قال: وأحسبها بنت الفرافصة - قالت: أعفى عثمان مستيقظ قال: إن القوم يقتلوني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، فقالوا: أفطر عندنا الليلة، أو إنك مفطر عندنا الليلة (١). وقال الهيثم بن

стр. 2636

كليب: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ثنا شبابة ثنا يحيى بن أبي راشد مولى عمر بن حريث عن محمد بن عبد الرحمن الجرشي. وعقبة بن أسد عن النعمان بن بشير عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية - امرأة عثمان - قالت: لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان فيه قتله صائما، فلما كان إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه، وقالوا: دونك ذلك الركي (١). وركي في الدار الذي؟ فيه النتن - قالت: فلم يفطر فرأيت جارا على أحاجير متواصلة - وذلك في السحر - فسألتهم العذب، فأعطوني كوزا من ماء، فأتيته فقلت: هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر في الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائما، قالت: فقلت ومن أين أكلت؟ ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان، فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد فشربت حتى نهلت، ثم قال: إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا، قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه. وقال أبو يعلي الموصلي وعبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عثمان بن أبي شيبة ثنا يونس بن يعفور العبدي عن أبيه عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان أعتق عشرين مملوكا ودعا بسراويل فشدها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأبا بكر وعمر، وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويل ﵁ في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل فإنه كان شديد الحياء، كانت تستحي منه ملائكة السماء، كما نطق بذلك النبي ﷺ ، ووضع بين يديه المصحف يتلو فيه، واستسلم لقضاء الله ، وكف يده عن القتال، وأمر الناس وعزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه، ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا. وقال هشام بن عروة عن أبيه: إن عثمان ﵁ أوصى إلى الزبير. وقال الأصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه. قال: لما قتل عثمان فتشوا خزانته فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: " هذه وصية عثمان. بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيى وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء الله تعالى ". وروى ابن عساكر أن عثمان ﵁ قال يوم دخلوا عليه فقتلوه: أرى الموت لا يبقى عزيزا ولم يدع … لعاذ ملاذا في البلاد ومرتعا

стр. 2637

وقال أيضا: يبيت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال الموت في شماريخها العلا صفة قتله ﵁ وقال خليفة بن خياط: حدثنا ابن علية ثنا ابن عون (١) عن الحسن قال أنبأني رباب. قال: بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فقال: ما يريد الناس؟ قال: ثلاث ليس من إحداهن بد، قال: ما هن؟ قال: يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فاختاروا من شئتم، وبين أن تقتص من نفسك، فإن أبيت فإن القوم قاتلوك. فقال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله، وأما أن أقتص لهم من نفسي، فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي، ولا تصلون بعدي جميعا، ولا تقاتلون بعدي جميعا عدوا أبدا. قال: وجاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ورجع، وجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا، فأخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع أضراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر، وما أغنت عنك كتبك، قال: أرسل لحيتي يا بن أخي، قال: فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه - يعني أشار إليه - فقام إليه بمشقص فوجى به رأسه. قلت: ثم مه؟ قال: ثم تعاوروا (٢) عليه حتى قتلوه. قال سيف بن عمر التميمي ﵀ عن العيص بن القاسم، عن رجل، عن خنساء مولاة أسامة بن زيد - وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان - أنها كانت في الدار ودخل محمد ابن أبي بكر يأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه فيجأ بها في حلقه، فقال مهلا يا بن أخي، فوالله لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه وانصرف مستحييا نادما، فاستقبله القوم على باب الصفة فردهم طويلا حتى غلبوه، فدخلوا وخرج محمد راجعا. فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه، ثم تعاوروا عليه فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه، وقالت: يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين؟ وأخذت السيف، فقطع الرجل يدها (٣)، وانتهبوا متاع الدار ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم. قال: والله ما تركوا في داره شيئا حتى الاقداح إلا ذهبوا به.

стр. 2638

وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم، إلا محمد بن أبي بكر، وسبقه بعضهم، فضربوه حتى غشي عليه وصاح النسوة فانزعروا وخرجوا ودخل محمد بن أبي بكر وهو يظن أنه قد قتل، فلما رآه قد أفاق قال: على أي دين أنت يا نعثل؟ قال: على دين الاسلام، ولست بنعثل ولكني أمير المؤمنين، فقال: غيرت كتاب الله، فقال: كتاب الله بيني وبينكم، فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: • (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) … وشطحه بيده من البيت إلى باب الدار، وهو يقول: يا بن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي. وجاء رجل من كندة من أهل مصر، يلقب حمارا، ويكنى بأبي رومان. وقال قتادة: اسمه رومان، وقال غيره: كان أزرق أشقر، وقيل كان اسمه سودان بن رومان المرادي. وعن ابن عمر قال: كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا قال ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه، ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكى عليه وتحامل حتى قتله، وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها ﵂، ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه. والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها. فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد وكان أمر الله قدرا مقدورا، وكان ذلك في الكتاب مسطورا. وروى ابن عساكر عن ابن عون أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبيه (١)، وضربه سودان بن حمران المرادي بعدما خر لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره، وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فلله، وست لما كان في صدري عليه. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، وإسحاق بن داود الصواف التستري قالا: ثنا محمد بن خالد بن خداش، ثنا مسلم بن قتيبة، ثنا مبارك عن الحسن. قال: " حدثني سياف عثمان أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا بن أخي فلست بقاتلي، قال: وكيف علمت ذلك؟ قال: لأنه أتى بك النبي ﷺ يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة. ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء. ثم دخل محمد بن أبي بكر فقال: أنت قاتلي. قال: وما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتى بك رسول الله ﷺ يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة، فخريت على رسول الله ﷺ ، قال: فوثب على صدره وقبض على لحيته، ووجأه بمشاقص كانت في يده ". هذا حديث غريب جدا وفيه نكارة. وثبت من غير وجه

стр. 2639

أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى … (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) … [البقرة: ١٣٧] ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه، وليس ببعيد فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن. وروى ابن عساكر أنه لما طعن قال: بسم الله توكلت على الله، فلما قطر الدم قال: سبحان الله العظيم. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الامر بقتل بعضهم، وصلب بعضهم، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولا قوله تعالى … (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم) … [المائدة: ٣٣] وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ﵁ من جملة المفسدين في الأرض، ولا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه، ويزور على خطه وخاتمه، ويبعث غلامه على بعيره، بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين (١)، على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر، بخلاف ذلك كله، ولهذا لما وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه، وظنوا أنه من عثمان، أعظموا ذلك، مع ما هم مشتملون عليه من الشر فرجعوا إلى المدينة فطافوا به على رؤوس الصحابة، وأعانهم على ذلك قوم آخرون، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان ﵁، فلما قيل لعثمان ﵁ في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين، حلف بالله العظيم، وهو الصادق البار الراشد، أنه لم يكتب هذا الكتاب ولا أملاه على من كتبه، ولا علم به، فقالوا له: فإن عليه خاتمك. فقال: إن الرجل قد يزور على خطه وخاتمه قالوا: فإنه مع غلامك وعلى جملك. فقال: والله لم أشعر بشئ من ذلك. فقالوا له - بعد كل مقالة - إن كنت قد كتبته فقد خنت، وإن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت، ومثلك لا يصلح للخلافة، إما لخيانتك، وإما لعجزك، وهذا الذي قالوا باطل على كل تقدير فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب، وهو لم يكتبه في نفس الامر، لا يضره ذلك لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الامام، وأما إذا لم يكن قد علم به فأي عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه وزور على لسانه؟ وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه ﵁، وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة، ظلمة مفترون، ولهذا صمموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه، حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا خاطبهم بما

стр. 2640

خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها، ومن أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وذكر أنه لم يقتل نفسا، ولا ارتد بعد إيمانه، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام، بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله ﷺ ، وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل. ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولي الامر منهم، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان، ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، وضاق المجال، ونفذ ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب علي بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه (١) بعد ما ناله من جهلة أولئك كلام غليظ، وتنفير لدابته، وإخراق عظيم بليغ، وكان قد زجرهم أتم الزجر، حتى قال لهم فيما قال: والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل، والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون، فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار. وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها، فقالوا ما جاء بك؟ فقالت: إن عنده وصايا بني أمية، لأيتام وأرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة وندت بها، وكادت أو سقطت عنها، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير جدا، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا، ولزم أكثر الناس بيوتهم، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها: إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك، فقالت: إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة، فعزمت على الخروج. واستخلف عثمان ﵁ في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس، فقال له عبد الله بن عباس: إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج. فعزم عليه، فخرج بالناس إلى الحج واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع اليسير من الحج، فأخبر بسلامة الناس، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين. وبلغتهم أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة، وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج، وأن أهل الكوفة قد بعثوا

стр. 2641

القعقاع بن عمرو في جيش، وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش، فعند ذلك صمموا على أمرهم وبالغوا فيه، وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج، وأحاطوا بالدار، وجدوا في الحصار، وأحرقوا الباب، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار، كدار عمرو بن حزم وغيرها، وحاجف الناس عن عثمان أشد المحاجفة، واقتتلوا على الباب قتالا شديدا، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم، وجعل أبو هريرة يقول: هذا يوم طاب في الضراب فيه. وقتل طائفة من أهل الدار وآخرون من أولئك الفجار، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة، وكذلك جرح الحسن بن علي ومروان بن الحكم فقطع إحدى علباويه فعاش أوقص حتى مات. ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان، زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس بن شريق، ونيار بن عبد الله الأسلمي، في أناس وقت المعركة، ويقال إنه انهزم أصحاب عثمان ثم رجعوا. ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه، وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده، وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية … (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) … [آل عمران: ١٧٣] فكان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن أنه قد قتله، ودخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ند وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها: وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال: والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية … (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) … [البقرة: ١٣٧] ثم جاء آخر شاهرا سيفه فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها. ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضي الله عن عثمان وفي رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في فيه، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان ﵁. وسالت عليه الدماء، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فمانعته نائلة فقطع أصابعها فولت فضرب عجيزتها بيده وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له قترة (١) فقتله. وذكر ابن جرير أنهم أرادوا حز رأسه بعد قتله، فصاح النساء وضربن وجوههن، فيهن امرأتاه نائلة وأم البنين، وبناته، فقال ابن عديس: اتركوه، فتركوه. ثم مال هؤلاء الفجرة على

стр. 2642

ما في البيت فنهبوه، وذلك أنه نادى مناد منهم: أيحل لنا دمه ولا يحل لنا ماله، فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله، وجعلوا لا يمرون على شئ إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي، ملاءة نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، وقتل الغلام أيضا، ثم تنادى القوم: أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه، فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا: يا قوم النجا النجا، فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله وكذبوا إنما قصدهم الدنيا، فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شئ كثير جدا. فصل ولما وقع هذا الامر العظيم، الفظيع الشنيع، أسقط في أيدي الناس، فأعظموه جدا، وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا، وأشبهوا من تقدمهم ممن قص الله علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى … (ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) … [الأعراف: ١٤٩]. ولما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبا لهم، ثم تلا قوله تعالى … (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون) … [يس: ٤٩] وبلغ عليا قتله فترحم عليه. وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى … (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين) … [الحشر: ١٦] ولما بلغ سعد ابن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه … (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * [الكهف: ١٠٣] ثم قال سعد: اللهم اندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير. وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه (منها) دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: الذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي. وكانت امرأة منظور ابن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمرج (١) سمعنا رجلا يغني تحت الليل:

стр. 2643

ألا إن خير الناس بعد ثلاثة … قتيل التجيبي الذي جاء من مصر ولما رجع الحج وجدوا عثمان ﵁ قد قتل، وبايع الناس علي بن أبي طالب ﵁. ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي. فصل كانت مدة حصار عثمان ﵁ في داره أربعين يوما على المشهور، وقيل كانت بضعا وأربعين يوما. وقال الشعبي: كانت ثنتين وعشرين ليلة. ثم كان قتله ﵁ في يوم الجمعة بلا خلاف. قال سيف بن عمر عن مشايخه: في آخر ساعة منها، ونص عليه مصعب بن الزبير وآخرون. وقال آخرون ضحوة نهارها، وهذا أشبه، وكان ذلك لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور، وقيل في أيام التشريق، رواه ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير ثنا أبو خيثمة ثنا وهب بن جرير (١) سمعت يونس عن يزيد عن الزهري. قال: قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق، وقال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث (٢) خلت من ذي الحجة. وقيل قتل يوم النحر، حكاه ابن عساكر ويستشهد له بقول الشاعر: ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحا وقرآنا قال: والأول هو الأشهر، وقيل إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وقيل سنة ست وثلاثين، قال مصعب بن الزبير وطائفة: وهو غريب. فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما (٣)، لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين. فأما عمره ﵁ فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة، وقال صالح بن كيسان: توفي عن ثنتين وثمانين سنة وأشهر، وقيل: أربع وثمانون سنة، وقال قتادة: توفي عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة. وفي رواية عنه توفي عن ست وثمانين سنة. وعن هشام بن الكلبي: توفي عن خمس وسبعين سنة، وهذا غريب جدا، وأغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه، وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا: قتل عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة.

стр. 2644

وأما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب - شرقي البقيع - وقد بني عليه زمان بني أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم. قال الامام مالك ﵁: بلغني أن عثمان ﵁ كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول: إنه سيدفن ههنا رجل صالح. وقد ذكر ابن جرير أن عثمان ﵁ بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن. قلت: وكأنه اشتغل الناس عنه بمبايعة علي ﵁ حتى تمت، وقيل إنه مكث ليلتين، وقيل بل دفن من ليلته، ثم كان دفنه ما بين المغرب والعشاء خيفة من الخوارج، وقيل بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم. فخرجوا به في نفر (١) قليل من الصحابة، فيهم حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجبير بن مطعم، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وطلحة والزبير، وعلي بن أبي طالب وجماعة من أصحابه ونسائه، منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين، وصبيان. وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي - وجماعة من خدمه حملوه على باب بعد ما غسلوه وكفنوه. وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن، والصحيح الأول. وصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل الزبير بن العوام، وقيل حكيم بن حزام، وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه، وإلقاءه عن سريره، وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بعث علي ﵁ إليهم من نهاهم عن ذلك وحمل جنازته حكيم بن حزام، وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة، وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم، وجبير بن مطعم، وذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلى عليه - عند مصلى الجنائز - أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته ثم قالوا: لا يدفن في البقيع ولكن ادفنوه وراء الحائط، فدفنوه شرقي البقيع تحت نخلات هناك. وذكر الواقدي أن عمير بن ضابي نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: أحبست ضابيا حتى مات في السجن. وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابي هذا وقال البخاري في التاريخ: حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال ثنا غالب عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي، فقلت: يا عبد الله ما سمعت أحدا يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت لله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون يصلون عليه، فدخلت كأني أصلي عليه، فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود. ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار، وهما صبيح

стр. 2645

ونجيح، ﵄، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب، وقيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين. ذكر صفته ﵁ كان ﵁ حسن الوجه دقيق (١) البشرة، كبير اللحية، معتدل القامة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، حسن الثغر، فيه سمرة، وقيل كان في وجهه شئ من آثار الجدري، ﵁. وعن الزهري: كان حسن الوجه والثغر، مربوعا، أصلع، أروح الرجلين. يخضب بالصفرة وكان قد شد أسنانه بالذهب وقد كسى ذراعيه الشعر. وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة عن سعيد بن أبي زيد، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عتبة. قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل، ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، ومائة ألف دينار (٢)، فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها، بئر أريس، وخيبر، ووادي القرى، فيه مائتا ألف دينار. [وبئر رومة كان اشتراها في حياة النبي ﷺ وسبلها] (٣). فصل قال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق شبابة عن حفص بن مورق الباهلي، عن حجاج بن أبي عمار الصواف عن زيد بن وهب عن حذيفة. قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه، آن به في قبره. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره: أنا محمد ابن سعد أنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا أبو الأشهب حدثني عوف عن محمد بن سيرين أن حذيفة

стр. 2646

ابن اليمان قال: اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا. فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه برئ، والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، وإن كان قتله شرا ليمتص به دما (١). وقد ذكره البخاري في صحيحه. طريق أخرى عنه قال محمد بن عائذ: ذكر محمد بن حمزة حدثني أبو عبد الله الحراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته ففتح عينيه فسألهما فقالا خيرا، فقال: شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل - يعني عثمان - قال: فاسترجع ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الامر بمعزل، فإن كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه برئ، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه برئ، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان، الحمد لله الذي سبق بي الفتن، قادتها وعلوجها الخطى، من تردى بغيره فشبع شحما وقبل عمله. وقال الحسن بن عرفة: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي موسى الأشعري: قال لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما، وهذا منقطع. وقال محمد بن سعد: أنا عارم (٢) بن الفضل أنا الصعق بن حزن ثنا قتادة عن زهدم الجرمي. قال: خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. وقد روي من غير هذا الوجه عنه. وقال الأعمش وغيره عن ثابت بن عبيد عن أبي جعفر الأنصاري. قال: لما قتل عثمان جئت عليا وهو جالس في المسجد وعليه عمامة سوداء فقلت له: قتل عثمان، فقال: تبا لهم آخر الدهر. وفي رواية: خيبة لهم. وقال أبو القاسم البغوي: أنبأنا علي بن الجعد أنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن ابن أبي ليلى. قال: سمعت عليا وهو بباب المسجد أو عند أحجار الزيت (٣) رافعا صوته يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. وقال أبو هلال عن قتادة عن الحسن. قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له (٤)، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ. وروى الربيع بن بدر عن سيار بن سلامة عن أبي العالية: أن عليا دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنوا أنه سيلحق به. وقال الثوري وغيره عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال: قال علي يوم قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولكني غلبت.

стр. 2647

ورواه غير ليث عن طاوس عن ابن عباس عن علي نحوه. وقال حبيب بن أبي العالية عن مجاهد عن ابن عباس. قال: قال علي إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم بالله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني، وقد روي من غير وجه عن علي بنحوه (١). وقال محمد ابن يونس الكديمي: ثنا هارون بن إسماعيل ثنا قرة بن خالد عن الحسن عن قيس بن عباد. قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحيي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال فيه رسول الله ﷺ : " إني لأستحيي ممن تستحي منه الملائكة " (٢) وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: اللهم إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت. فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي وأسكت نفرة من ذلك وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر يجمع الطرق الواردة عن علي أنه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالا ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث ولله الحمد والمنة. وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم … (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) … [الحجر: ٤٧] وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: … (كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) … [المائدة: ٩٣] وفي رواية أنه قال: كان عثمان ﵁ خيرنا وأوصلنا للرحم، وأشدنا حياء، وأحسننا طهورا، وأتقانا للرب . وروى يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن مجالد عن عمير بن رودى (كذا) أبي كثير. قال: خطب علي فقطع الخوارج عليه خطبته فنزل فقال: إن مثلي ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة، أحمر وأبيض وأسود، ومعهم في أجمة أسد، فكان كلما أراد قتل أحدهم منعه الآخران، فقال للأسود والأحمر: إن هذا الأبيض قد فضحنا في هذه الأجمة فخليا عنه حتى آكله، فخليا عنه فأكله، ثم كان كلما أراد أحدهما منعه الآخر فقال للأحمر: إن هذا الأسود قد فضحنا في هذه الأجمة، وإن لوني على لونك فلو خليت عنه أكلته فخلى عنه الأحمر فأكله، ثم قال للأحمر: إني آكلك، فقال: دعني حتى أصيح ثلاث صيحات، فقال دونك، فقال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل البيض ثلاثا فلو أني نصرته لما أكلت ثم قال علي: وإنما أنا وهنت يوم قتل عثمان، ولو أني نصرته لما وهنت قالها ثلاثا. وروى ابن عساكر من طريق محمد بن هارون الحضرمي عن سويد بن عبد الله القشيري القاضي عن ابن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب. قال: كانت المرأة تجئ في زمان عثمان إلى بيت المال فتحمل وقرها وتقول: اللهم

стр. 2648

بدل، اللهم غير. فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان ﵁: قلتم بدل فقد بدلكم … سنة حرى وحربا كاللهب ما نقمتم من ثياب خلفة … وعبيد وإماء وذهب قال: وقال أبو حميد أخو بني ساعدة - وكان ممن شهد بدرا، وكان ممن جانب عثمان - فلما قال: والله ما أردنا قتله، ولا كنا نرى أن يبلغ منه القتل، اللهم إن لك علي أن لا أفعل كذا وكذا أضحك حتى ألقاك (١)، وقال محمد بن سعد أنا عبد الله بن إدريس أنا إسماعيل بن أبي خالد أنا قيس بن أبي حازم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. قال: لقد رأيتني وأن عمر موثقي وأخته الاسلام، ولو أرفض أحد فيما صنعتم بابن عفان لكان حقيقا. وهكذا رواه البخاري في صحيحه وروى محمد بن عائذ عن إسماعيل بن عباس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير. قال سمع عبد الله بن سلام رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان فلم ينتطح فيه عنزان. فقال: سلام أجل! إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، ولنقتلن به أقوام إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد. وقال ليث عن طاوس. قال: قال سلام: يحكم عثمان يوم القيامة في القاتل والخاذل. وقال أبو عبد الله المحاملي: ثنا أبو الأشعث حزم بن أبي حزم سمعت أبا الأسود يقول سمعت أبا بكرة يقول: لان أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أشرك في قتل عثمان. وقال أبو يعلى: ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا محمد بن عباد الهباني ثنا البراء بن أبي فضال ثنا الحضرمي عن أبي مريم رضيع الجارود. قال: كنت بالمدينة فقام الحسن بن علي خطيبا فقال: أيها الناس! رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت الرب ﵎ فوق عرشه فجاء رسول الله ﷺ حتى قام عند قائمة من قوائم العرش، فجاء أبو بكر فوضع يده على منكب النبي ﷺ ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبي بكر، ثم جاء عثمان فكان بيده - دم رأسه - فقال: رب سل عبادك فيم قتلوني؟ فانبعث من السماء ميزابان من دم في الأرض، قال لعلي ألا ترى ما يحدث به الحسن؟! فقال: حدث بما رأى. ورواه أبو يعلى أيضا عن سفيان بن عن جميع بن عمير عن عبد الرحمن بن مجالد عن حرب العجلي: سمعت الحسن بن علي يقول كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها، رأيت العرش ورأيت رسول الله ﷺ متعلق بالعرش، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله، وكان عمر واضعا يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعا يده على منكب عمر، ورأيت دما دونهم، فقلت: ما هذا؟ فقيل: دم عثمان يطلب الله به. ثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا سلام بن مسكين عن وهب بن شبيب عن زيد بن صوحان أنه قال: يوم قتل عثمان نفرت القلوب منافرها، والذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة، وقال محمد بن سيرين قالت عائشة: مصصتموه مص الاناء ثم قتلتموه؟ وقال خليفة بن خياط: ثنا أبو قتيبة ثنا يونس

стр. 2649

أبي إسحاق، عن عون بن عبد الله بن عتبة. قال: قالت عائشة: غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف، استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالعقب المصفى قتلتموه. وقال أبو معاوية عن الأعمش، عن خيثمة عن مسروق. قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قتلتموه. وفي رواية: ثم قربتموه ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش؟ فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. وهذا إسناد صحيح إليها. وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم الله، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على قتال عثمان، كما قدمنا بيانه ولله الحمد والمنة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حزم القطعي، ثنا أبو الأسود بن سوادة أخبرني طلق بن حسان قال: قال قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد ﷺ نسألهم عن قتله فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوما لعن الله قتلته. وروى محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس. قال: قالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان: ﵀، أما إنه لم يحلبوا بعده إلا دما. وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدا يطول ذكرنا له، فمن ذلك قول أبي مسلم الخولاني حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله أنكم مثلهم أو أعظم جرما أما مررتم ببلاد ثمود؟ قالوا: نعم! قال: فأشهد أنكم مثلهم، لخليفة الله أكرم عليه من ناقته. وقال ابن علية عن يونس ابن عبيد عن الحسن. قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما. وقال أبو جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق (١). وهذا ذكر بعض ما رثي به ﵁ قال مجالد عن الشعبي: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك: فكف يديه ثم أغلق بابه … وأيقن أن الله ليس بغافل وقال لأهل الدار لا تقتلوهم … عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل فكيف رأيت الله صب عليهم … العداوة والبغضاء بعد التواصل وكيف رأيت الخير أدبر بعده … عن الناس إدبار النعام الجوافل (٢)

стр. 2650

وقد نسب هذه الأبيات سيف بن عمر إلى أبي المغيرة الأخنس بن شريق (١). وقال سيف بن عمر: وقال حسان بن ثابت: ماذا أردتم من أخي الدين باركت … يد الله في ذاك الأديم المقدد قتلتم ولي الله في جوف داره … وجئتم بأمر جائر غير مهتد فهلا رعيتم ذمة الله بينكم … وأوفيتم بالعهد عهد محمد ألم يك فيكم ذا بلاء ومصدق … وأوفاكم عهدا لدى كل مشهد فلا ظفرت أيمان قوم تبايعوا (٢) … على قتل عثمان الرشيد المسدد وقال ابن جرير: وقال حسان بن ثابت ﵁: من سره الموت صرفا لا مزاج له … فليأت مأسدة في دار عثمانا مستحقبي حلق الماذي قد سفعت (٣) … فوق المخاطم بيض زان أبدانا ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحا وقرآنا (٤) صبرا فدى لكم أمي وما ولدت … وقد ينفع الصبر في المكروه أحيانا فقد رضينا (٥) بأرض الشام نافرة … وبالأمير وبالاخوان إخوانا إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا … ما دمت حيا وما سميت حسانا لتسمعن وشيكا في ديارهم … الله أكبر يا ثارات عثمانا (٦) يا ليت شعري وليت الطير تخبرني … ما كان شأن علي وابن عفانا [وهو القائل أيضا: إن تمس دار ابن أروى منه خاوية … باب صريع وباب محرق خرب فقد يصادف باغي العرف حاجته … فيها ويأوي إليها المجد والحسب (٧)

стр. 2651

يا معشر الناس أبدوا ذات أنفسكم … لا يستوي الصدق عند الله والكذب وقال الفرزدق: إن الخلافة لما أظعنت ظعنت … عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا صارت إلى أهلها منهم ووارثها … لما رأى الله في عثمان ما انتهكوا السافكي دمه ظلما ومعصية … أي دم لا هدوا من غيتهم سفكوا] (١) وقال راعي الإبل النميري في ذلك: عشية يدخلون بغير إذن … على متوكل أوفى وطابا خليل محمد ووزير صدق … ورابع خير من وطئ الترابا فصل إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيرا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الامر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة، إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة. وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم. - الثاني - أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية - الثالث - أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لما اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الامر العظيم - الرابع - أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفي مقاتل من الابطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لان الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجئ إلا ومعه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارج محدقون بدار عثمان ﵁، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار

стр. 2652

الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان ﵁، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الامر، كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سهم بن خنش أو خنيش أو خنش الأزدي - وكان قد شهد الدار - ورواه محمد بن عائذ عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن يزيد الرجي عنه وكان قد استعاده عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان فسأله عن مقتل عثمان فذكر ما ملخصه: أن وفد السبائية وفد مصر كانوا قد قدموا على عثمان فأجازهم وأرضاهم فانصرفوا راجعين ثم كروا إلى المدينة فوافقوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر فحصبوه بالحصا والنعال والخفاف فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الأخنس في ناس، وأطاف وفد مصر بداره، فاستشار الناس فقال عبد الله بن الزبير: يا أمير المؤمنين إني أشير بإحدى ثلاث خصال إما أن تحرم بعمرة فيحرم عليهم دماؤنا وإما أن نركب معك إلى معاوية بالشام، وإما أن نخرج فنضرب بالسيف إلى أن يحكم الله بيننا وبينهم فأنا على الحق وهم على الباطل. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الاحياء بعمرة فتحرم دماؤنا فإنهم يرونا ضلالا الآن وحال الاحرام وبعد الاحرام، وأما الذهاب إلى الشام فإني أستحيي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام وتسمع الأعداء من الكفار ذلك، وأما القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة دم. قال: ثم صلينا معه صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي: صم يا عثمان فإنك تفطر عندنا، وإني أشهدكم أني قد أصبحت صائما وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالما مسلوما منه. فقلنا: يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم نأمن منهم علينا فأذن لنا أن نكون معه في بيت من الدار تكون لنا فيه جماعة ومنعة، ثم أمر بباب الدار ففتح ودعا بالمصحف فأكب عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة وابنة شيبة فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال: دعها يا بن أخي فوالله لقد كان أبوك يتلهف لها بأدنى من هذا، فاستحيى فخرج فقال للقوم: قد أشعرته لكم وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه ثم دخل رومان بن سودان رجل أزرق قصير محدد عداده من مراد معه حرف من حديد فاستقبله فقال: على أي ملة أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين فقال: كذبت، وضربه بالحرف على صدغه الأيسر فقتله فخر فأدخلته نائلة بينها وبين ثيابها - وكانت جسيمة ضليعة - فألقت نفسها عليه وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقي من جسده ودخل رجل من

стр. 2653

أهل مصر بالسيف مصلتا فقال: والله لأقطعن أنفه فعالج المرأة عنه فغلبته فكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى متنها فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها فقبضت على السيف فقطع أناملها، فقالت: يا رباح، لغلام عثمان أسود يا غلام ادفع عني هذا الرجل، فمشى إليه الغلام فضربه فقتله وخرج أهل البيت يقاتلون عن أنفسهم فقتل المغيرة بن الأخنس وجرح مروان قال: فلما أمسينا قلنا: إن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به فاحتملناه إلى بقيع الغرقد في جوف الليل وغشينا سواد من خلفنا فهبناهم وكدنا أن نتفرق عنه فنادى مناديهم: أن لا روع عليكم البثوا إنما جئنا لنشهده معكم - وكان أبو حبيش يقول: هم ملائكة الله - فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا فلقينا الجيش بوادي القرى عليه حبيب بن مسلمة قد أتوا في نصرة عثمان فأخبرناهم بقتله ودفنه. وقال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان ﵁ بحش كوكب (١) - وكان قد اشتراه وزاده في البقيع - ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره. وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله - بعد حكايته هذا الكلام: للذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وبنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير. هذا لفظه بحروفه. بعض الأحاديث الواردة في فضائل عثمان بن عفان هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أبو عمرو وأبو عبد الله، القرشي، الأموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس. وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور باتباعهم والاقتداء بهم. أسلم عثمان ﵁ قديما على يدي أبي بكر الصديق، وكان سبب إسلامه عجيبا فيما

стр. 2654

ذكره الحافظ ابن عساكر، وملخص ذلك أنه لما بلغه أن رسول الله ﷺ زوج ابنته رقية - وكانت ذات جمال - من ابن عمها عتبة بن أبي لهب، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهموما فوجد عندهم خالته سعدى بنت كريز - وكانت كاهنة - فقالت له: أبشر وحييت ثلاثا تترا، ثم ثلاثا وثلاثا أخرى، ثم بأخرى كي تتم عشرا، أتاك خير ووقيت شرا، أنكحت والله حصانا زهرا، وأنت بكر ولقيت بكرا، وافيتها بنت عظيم قدرا، بنيت أمرا قد أشاد ذكرا … قال عثمان: فعجبت من أمرها حيث تبشرني بالمرأة قد تزوجت بغيري: فقلت: يا خالة! ما تقولين؟ فقالت: عثمان لك الجمال، ولك اللسان، هذا النبي معه البرهان. أرسله بحقه الديان. وجاءه التنزيل والفرقان، فاتبعه لا تغتالك الأوثان. قال: فقلت إنك لتذكرين أمرا ما وقع ببلدنا. فقالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو به إلى الله، ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلت الصفاح ومدت الرماح. قال عثمان: فانطلقت مفكرا فلقيني أبو بكر فأخبرته، فقال: ويحك يا عثمان إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟ قال قلت بلى! والله إنها لكذلك، فقال: والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته، هل لك أن تأتيه؟ فاجتمعنا برسول الله فقال: يا عثمان أجب الله إلى حقه، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه قال: فوالله ما تمالكت نفسي منذ سمعت رسول الله ﷺ أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله ﷺ فكان يقال: أحسن زوج رآه إنسان … رقية وزوجها عثمان فقالت في ذلك سعدى بنت كريز: هدى الله عثمانا بقولي إلى الهدى … وأرشده والله يهدي إلى الحق فتابع بالرأي السديد محمدا … وكان برأي لا يصد عن الصدق وأنكحه المبعوث بالحق بنته … فكانا كبدر مازج الشمس في الأفق فداؤك يا بن الهاشميين مهجتي … وأنت أمين الله أرسلت للخلق قال: ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مظعون، وبأبي عبيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله ثمانية وثلاثون رجلا. وهاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله ﷺ ، وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها.

стр. 2655

فلما توفيت زوجه رسول الله ﷺ بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضا في صحبته، وقال رسول الله ﷺ : لو كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان " وشهد أحدا وفر يومئذ فيمن تولى، وقد نص الله على العفو عنهم، وشهد الخندق والحديبية، وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش العسرة. وتقدم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتاببها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبها في حجر رسول الله ﷺ فقال ﷺ : ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين. وحج مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، وتوفي وهو عنه راض، وصحب أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راض، وصحب عمر أحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض وصحب عمر فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض. ونص عليه في أهل الشورى الستة، فكان خيرهم كما سيأتي. فولي الخلافة بعده ففتح الله على يديه كثيرا من الأقاليم والأمصار، وتوسعت المملكة الاسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق قوله تعالى: … (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) … [النور: ٥٥] وقوله تعالى: … (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) … [التوبة: ٣٣] وقوله ﷺ : " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " وهذا كله تحقق وقوعه وتأكد وتوطد في زمان عثمان ﵁. وقد كان ﵁ حسن الشكل، مليح الوجه، كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، وكرم غزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله، تأليفا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم لإيثار ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي ﷺ يعطي أقواما ويدع آخرين، يعطي أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم في النار، ويكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الهدى والايمان، قد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله ﷺ في وقد قدمنا ذلك في غزوة حنين حيث قسم غنائمها … وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان ﵁ نذكر ما تيسر منها إن شاء الله وبه الثقة، وهي قسمان - الأول - فيما ورد في فضائله مع غيره. فمن ذلك الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد عن قتادة أن أنسا حدثهم قال: " صعد النبي ﷺ أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف أسكن أحد - أظنه ضربه برجله - فليس عليك ألا نبي وصديق وشهيدان (١) " تفرد به دون

стр. 2656

مسلم. وقال الترمذي: ثنا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد بن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله " كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي ﷺ : اهدئي فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد (١) ". ثم قال في الباب: عن عثمان (٢) وسعيد بن زيد وابن عباس، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي، وهذا حديث صحيح. قلت: ورواه أبو الدرداء، ورواه الترمذي عن عثمان في خطبته يوم الدار، وقال: على ثبير. حديث آخر وهو عن أبي النهدي عن أبي موسى الأشعري قال: كنت مع رسول الله ﷺ في حائط، فأمرني بحفظ الباب، فجاء رجل يستأذن فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، فقال رسول الله ﷺ : ائذن له وبشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل وهو يقول: اللهم صبرا وفي رواية - الله المستعان (٣) " رواه عنه قتادة وأيوب السختياني. وقال البخاري: وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم الأحول وعلي بن الحكم سمعا أبا عثمان يحدث عن أبي موسى الأشعري بنحوه، وزاد عاصم أن رسول الله ﷺ كان قاعدا في مكان قد انكشف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها. وهو في الصحيحين أيضا من حديث سعيد بن المسيب عن أبي موسى، وفيه " أن أبا بكر وعمر دليا أرجلهما مع رسول الله في باب القف وهو في البئر، وجاء عثمان فلم يجد له موضعا " قال سعيد: فأولت ذلك قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن مروان، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة. قال: قال نافع بن الحارث: " خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل حائطا فقال: أمسك علي الباب، فجاء حتى جلس على القف ودلى رجليه، فضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ على

стр. 2657

القف ودلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب: فقلت: من هذا؟ قال. عمر، قلت: يا رسول الله هذا عمر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، ففعلت، فجاء فجلس مع رسول الله على القف ودلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب فقلت: من هذا؟ قال: عثمان، قلت: يا رسول الله هذا عثمان، قال: ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء، فأذنت له وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف ودلى رجليه في البئر " هكذا وقع في هذه الرواية، وقد أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي سلمة، فيحتمل أن أبا موسى ونافع بن عبد الحارث كانا موكلين بالباب، أو أنها قصة أخرى. وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة سمعت أبا سلمة ولا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث " أن رسول الله ﷺ دخل حائطا فجلس على قف البئر، فجاء أبو بكر فاستأذن فقال لأبي موسى: ائذن له وبشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة وسيلقى بلاء (١) " وهذا السياق أشبه من الأول، على أنه قد رواه النسائي من حديث صالح بن كيسان عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن نافع ابن عبد الحارث عن أبي موسى الأشعري. فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أنا همام عن قتادة، عن ابن سيرين، ومحمد بن عبيد عن عبد الله بن عمرو قال: " كنت مع رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر فاستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فاستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة. قال: قلت فأين أنا؟ قال: أنت مع أبيك (٢) " تفرد به أحمد. وقد رواه البزاز وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك بنحو ما تقدم. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن على النبي ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: اجمعي عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله! ما لي لا أراك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت

стр. 2658

لعثمان؟ فقال رسول الله ﷺ : إن عثمان رجل حيي، وأني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلى حاجته " قال الليث: وقال جماعة الناس: إن رسول الله ﷺ قال لعائشة: " ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟ " (١) ورواه مسلم من حديث محمد بن أبي حرملة عن عطاء وسليمان بن يسار عن أبي سلمة عن عائشة. ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث سهيل عن أبيه عن عائشة. ورواه جبير بن نفير وعائشة بنت طلحة عنها. وقال الإمام أحمد: حدثنا مروان، ثنا عبد الله بن يسار، سمعت عائشة بنت طلحة تذكر عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ " كان جالسا كاشفا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن عليك أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك: فقال: يا عائشة ألا نستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه؟ (٢) ". تفرد به أحمد من هذا الوجه. طريق أخرى عن حفصة رواه الحسن بن عرفة وأحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن ابن جريج، أخبرني أبو خالد عثمان بن خالد عن عبد الله بن أبي سعيد المدني حدثتني حفصة، فذكر مثل حديث عائشة، وفيه: فقال " ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة؟ (٣) ". طريق أخرى عن ابن عباس قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو كريب، ثنا يونس بن بكير ثنا النضر - هو ابن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز الكوفي - عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول الله ﷺ " ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة عثمان بن عفان؟ " (١) ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الاسناد قلت هو على شرط الترمذي ولم يخرجوه. طريق أخرى عن ابن عمر قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا أبو

стр. 2659

معشر حدثني إبراهيم بن عمر بن أبان، حدثني أبي عمر بن أبان عن أبيه. قال سمعت عبد الله ابن عمر يقول: " بينما رسول الله ﷺ جالس وعائشة وراءه إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل ورسول الله ﷺ يتحدث كاشفا عن ركبته، فرد ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان، وقال لامرأته: استأخري، فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقالت عائشة: يا نبي الله! دخل أبي وأصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتك ولم تؤخرني عنك، فقال النبي ﷺ : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ والذي نفسي بيده إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل وأنت قريب مني لم يتحدث ولم يرفع رأسه حتى يخرج (١) " هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه زيادة على ما قبله، وفي سنده ضعف. قلت: وفي الباب عن علي وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد ابن ثابت: وروى أبو مروان القرشي عن أبيه عن مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " عثمان حيي تستحي منه الملائكة ". حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأشدها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي. وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح (٢) " وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث خالد الحذاء، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي صحيح البخاري ومسلم آخره " ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " وقد روى هشيم عن كريز بن حكيم عن نافع عن ابن عمر مثل حديث أبي قلابة عن أنس أو نحوه. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب، حدثني الزبيدي، عن ابن شهاب عن عمرو بن أبان بن عثمان، عن جابر بن عبد الله. أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: " أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأما ما ذكره

стр. 2660

رسول الله ﷺ من نوط بعضهم ببعض، فهؤلاء ولاة هذا الامر الذي بعث الله به نبيه ﷺ (١) " ورواه أبو داود عن عمرو بن عثمان عن محمد بن حرب، ثم قال: ورواه يونس وشعيب عن الزهري فلم يذكرا عمرا. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا أبو داود - عمر بن سعد - ثنا بدر بن عثمان عن عبيد الله بن مروان عن أبي عائشة عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: " رأيت قبل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين فهي التي يوزن بها، فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فوزنت بهم فرجحت، ثم جئ بأبي بكر فوزن فوزن بهم، ثم جئ بعمر فوزن فوزن بهم، ثم جئ بعثمان فوزن فوزن بهم، ثم رفعت (٢) " تفرد به أحمد … وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا هشام بن عمار ثنا عمرو بن واقد ثنا يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن معاذ بن جبل. قال قال رسول الله ﷺ : " إني رأيت أني وضعت في كفة وأمتي في كفة فعدلتها، ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عمر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عثمان في كفة وأمتي في كفة فعدلها ". حديث آخر قال أبو يعلى: حدثنا عبد الله بن مطيع ثنا هشيم عن العوام، عمن حدثه عن عائشة. قالت: لما أسس رسول الله ﷺ مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه وجاء عمر بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: " هم أمراء الخلافة من بعدي ". وقد تقدم هذا الحديث في بناء مسجده أول مقدمه المدينة ﵊، وكذلك تقدم في دلائل النبوة من حديث الزهري عن رجل عن أبي ذر في تسبيح الحصا في يده ﵇ ثم في كف أبي بكر، ثم في كف عمر، ثم في كف عثمان، ﵃، وفي بعض الروايات: فقال رسول الله ﷺ : " هذه خلافة النبوة " وسيأتي حديث سفينة أن رسول الله ﷺ قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " فكانت ولاية عثمان ومدتها ثنتي عشرة سنة، من جملة هذه الثلاثين بلا خلاف بين العلماء العاملين، كما أخبر به سيد المرسلين صلى الله عليه آله وصحبه أجمعين.

стр. 2661

حديث آخر وهو ما روي من طرق متعددة عن رسول الله ﷺ أنه شهد للعشرة بالجنة، وهو أحدهم بنص النبي ﷺ . حديث آخر قال البخاري: حدثنا محمد بن حاتم (١) بن بزيغ، ثنا شاذان ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: " كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نذر أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم " تابعه عبد الله بن صالح بن عبد العزيز، تفرد به البخاري، ورواه إسماعيل بن عياش، والفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر. ورواه أبو يعلى عن أبي معشر عن يزيد بن هارون عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن عمر به. طريق أخرى عن ابن عمر قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر. قال: " كنا نعد رسول الله ﷺ وأصحابه متوافرون أبو بكر وعمر وعثمان ثم نسكت ". طريق أخرى عن ابن عمر بلفظ آخر قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، وعقبة بن مكرم قالا: ثنا أبو عاصم عن عمر بن محمد عن سالم عن أبيه. قال: كنا نقول في عهد النبي ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان - يعني في الخلافة - وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجوه، لكن قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن ابن عمر من وجوه " كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان، ثم لا نفاضل بعد " وعمر بن محمد لم يكن بالحافظ، وذلك: يتبين في حديثه إذا روي عن غير سالم فلم يقل شيئا وقد رواه غير واحد من الضعفاء عن الزهري عن سالم عن أبيه به. وقد اعتنى الحافظ ابن عساكر بجمع طرقه عن ابن عمر فأفاد وأجاد. فأما الحديث الذي قال الطبراني: حدثنا سعيد بن عبد ربه الصفار البغدادي حدثنا علي بن جميل الرقي أنا جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ : " في الجنة شجرة - أو ما في الجنة شجرة - شك علي بن حنبل، ما عليها ورقة إلا مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو

стр. 2662

النورين " فإنه حديث ضعيف في إسناده من تكلم فيه ولا يخلو من نكارة، والله أعلم. القسم الثاني فيما ورد من فضائله وحده قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عثمان بن موهب. قال: " جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا بن عمر! إني سائلك عن شئ فحدثني [عنه]، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيب يوم بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم! قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله وكانت مريضة، فقال له رسول الله: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ : بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (١) " تفرد به دون مسلم. طريق أخرى وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن عاصم، عن سفيان. قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول يوم أحد - ولم أتخلف عن يوم بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم حنين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عني فقال: … (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم) … [آل عمران: ١٥٥] وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ وقد ضرب لي رسول الله ﷺ ، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله: ولم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فإنه يحدثه بذلك.

стр. 2663

حديث آخر قال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد (١)، ثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب: أخبرني عروة أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه (٢) الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة. فقلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، فقال: يا أيها المرء منك قال أبو عبد الله قال معمر: أعوذ بالله منك - فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان فأتيته فقال ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. فقال: أدركت رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لا! ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها، قال: أما بعد! فإن الله بعث محمدا بالحق وكنت ممن استجاب لله ولرسوله فآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى! قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسآخذ فيه بالحق إن شاء الله. ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين (٣). حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان بن بشير عن عائشة ﵂ قالت: " أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان فجاء فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأينا إقبال رسول الله ﷺ على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى فكان من آخر كلمة أن ضرب منكبه وقال: يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثا. فقلت لها يا أم المؤمنين؟ فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيته والله ما ذكرته، قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين: أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتابا (٤) " وقد رواه أبو

стр. 2664

عبد الله الجيري عن عائشة وحفصة بنحو ما تقدم. ورواه قيس بن أبي حازم وأبو سلمة عنها. ورواه أبو سهلة عن عثمان: " إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صابر نفسي عليه " ورواه فرج ابن فضالة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره، قال الدارقطني: تفرد به الفرج بن فضالة ورواه أبو مروان محمد عن عثمان بن خالد العماني، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه [عن هشام بن عروة عن أبيه] عن عائشة. ورواه ابن عساكر من طريق المنهال بن عمر عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. ورواه ابن أسامة عن الجريري: حدثني أبو بكر العدوي. قال: سألت عائشة، وذكر عنها نحو ما تقدم [تفرد به الفرج بن فضالة] (١) ورواه حصين عن مجاهد عن عائشة بنحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كنانة الأسدي، أبو يحيى، ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه. قال: بلغني أن عائشة قالت: " ما استمعت رسول الله ﷺ إلا مرة، فإن عثمان جاءه في حر الظهيرة فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول: إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتي على خلعه فلا تخلعه. فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلا خلعه علمت أنه عهد من رسول الله ﷺ الذي عهد إليه (٢). طريق أخرى قال الطبراني: حدثنا مطلب بن سعيد الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، قال: كنا عند شفى الأصبحي فقال: حدثنا عبد الله بن عمر قال: " التفت رسول الله ﷺ فقال: يا عثمان إن الله كساك قميصا فأرادك الناس على خلعه قلا تخلعه، فوالله لئن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " وقد رواه أبو يعلى من طريق عبد الله بن عمر عن أخته حفصة أم المؤمنين. وفي سياق متنه غرابة والله أعلم. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثتني فاطمة بنت عبد الرحمن قالت: حدثتني أمي أنها سألت عائشة وأرسلها عمها فقال: قولي إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن

стр. 2665

عفان فإن الناس قد شتموه، فقالت: " لعن الله من لعنه، فوالله لقد كان قاعدا عند رسول الله ﷺ ، وإن رسول الله لمسند ظهره إلي، وإن جبريل ليوحي إليه القرآن، وإنه ليقول له: اكتب يا عثيم، قالت عائشة: فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا كريما على الله ورسوله (١) " ثم رواه الإمام أحمد عن يونس عن عمر بن إبراهيم اليشكري عن أمه عن أمها أنها سألت عائشة عند الكعبة عن عثمان فذكرت مثله. حديث آخر قال البزار: حدثنا عمر بن الخطاب قال: ذكر أبو المغيرة عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التميمي، عن جابر " أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة فقال أبو بكر: أنا أدركها؟ فقال: لا! فقال عمر: أنا يا رسول الله أدركها؟ قال: لا! فقال عثمان: يا رسول الله فأنا أدركها؟ قال: بك يبتلون " قال البزار: وهذا لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عمر، ثنا سنان بن هارون، ثنا كليب بن واصل (٢)، عن ابن عمر. قال: " ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما، فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان ". ورواه الترمذي عن إبراهيم بن سعيد عن شاذان به وقال: حسن غريب. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة حدثني أبو أمي أبو حنيفة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافا - أو قال: اختلافا وفتنة - فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: عليكم
следующие страницы →