← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

زياد ومسلم من حديث علي بن مسهر والعوام بن حوشب والنسائي من حديث محمد بن فضيل كلهم عن أبي إسحاق الشيباني به. وقد رواه مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا علي بن مسهر عن الشيباني عن بسر (١) بن عمرو قال: سألت سهل بن حنيف سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته - وأشار بيده نحو المشرق - قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية حدثناه أبو كامل ثنا عبد الواحد ثنا سليمان الشيباني بهذا الاسناد وقال: " يخرج منه أقوام " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق جميعا عن يزيد قال أبو بكر: حدثنا يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب ثنا أبو إسحاق الشيباني عن بسر (١) بن عمرو عن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ قال: فتنة قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم (٢). الحديث العاشر عن ابن عباس قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا يوسف بن موسى، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : " يقرأ القرآن أقوام من أمتي يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " (٣). ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة وسويد بن سعيد كلاهما عن أبي الأحوص باسناده مثله. الحديث الحادي عشر عن ابن عمر قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا أبو حساب يحيى بن أبي حبة، عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم " قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: " يحقر أحدكم عمله مع عملهم يقتلون أهل الاسلام فإذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعة الله كلما طلع منهم قرن قطعه الله، كلما طلع منهم قرن قطعه الله " فردد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع. تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد ثبت من حديث سالم ونافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " الفتنة من ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق - ". الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن عمرو قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال:

стр. 2767

لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته فجاء رجل فانتبذ الناس عليه خميصة فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص فلما رآه نوف أمسك عن الحديث فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف - " قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: " سيخرج ناس من أمتي قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج منهم قرن قطع حتى عدها زيادة على عشر مرات، كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم (١) " وقد روى أبو داود أوله في كتاب الجهاد من سننه عن القواريري عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة. وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود وحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄. الحديث الثالث عشر عن أبي ذر قال مسلم بن الحجاج: حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا حبيب بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر. قال قال رسول الله ﷺ : " إن بعدي من أمتي - أو سيكون بعدي من أمتي - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية لا يعودون فيه شر الخلق والخليقة قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحاكم الغفاري (٢) قال: ما حديث سمعت من أبي ذر: كذا كذا؟ فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . لم يروه البخاري. الحديث الرابع عشر عن أم المؤمنين عائشة قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا السري بن يحيى، ثنا أحمد بن يونس، ثنا علي بن عياش عن حبيب بن مسلمة. قال قال علي: " لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد ﷺ " قال ابن عياش: جيش المشرق (٣) قتلة عثمان ﵁. وقال الهيثم بن عدي: حدثني إسرائيل، عن يونس عن جده أبي إسحاق السبيعي عن رجل عن عائشة قال: بلغها قتل علي الخوارج فقالت: قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة - تعني المخدج - وقال الحافظ أبو بكر

стр. 2768

البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح ثنا سهل بن عامر البجلي ثنا أبو خالد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله ﷺ الخوارج فقال: " شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي " قال: وحدثناه إبراهيم بن سعيد ثنا حسين بن محمد ثنا سليمان بن قرم ثنا عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة عن النبي ﷺ فذكر نحوه قال: فرأيت عليا قتلهم وهم أصحاب النهروان. ثم قال البزار: لا نعلم روي عن عطاء عن أبي الضحى عن مسروق إلا هذا الحديث، ولا نعلم رواه عن عطاء إلا سليمان بن قرم وسليمان بن قرم قد تكلموا فيه لكن الاسناد الأول يشهد لهذا كما أن هذا يشهد للأول فهما متعاضدان، وهو غريب من حديث أم المؤمنين، وقد تقدم في حديث عبد الله بن شهاب عن علي ما يدل على أن عائشة استغربت حديث الخوارج ولا سيما خبر ذي الثدية كما تقدم، وإنما أوردنا هذه الطرق كلها ليعلم الواقف عليها أن ذلك حق وصدق وهو من أكبر دلالات النبوة، كما ذكره غير واحد من الأئمة فيها والله تعالى أعلم. وقال: سألت عائشة ﵂ بعد ذلك عن خبر ذي الثدية فتيقنته من طرق متعددة. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أنا أبو عبد الله، أنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه ثنا (١) محمد بن صدقة الكاتب، حدثني أحمد بن أبان فقرأت فيه حدثني الحسن بن عيينة، وعبد الله بن أبي السفر عن عامر الشعبي عن مسروق قالت عائشة: عندك علم عن ذي الثدية الذي أصابه علي في الحرورية: قلت! لا قالت: فاكتب لي بشهادة من شهدهم، فرجعت إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع فكتبت شهادة عشرة من كل سبع ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها، قالت: أكل هؤلاء عاينوه؟ قلت. لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينوه، فقالت: لعن الله فلانا فإنه كتب إلي أنه أصابهم بنيل مصر ثم أرخت عينيها فبكت فلما سكنت عبرتها قالت: رحم الله عليا لقد كان على الحق، وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة وأحمائها (٢). حديث آخر عن رجلين من الصحابة قال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: حدثني سليمان بن المغيرة عن حبيب بن هلال قال: أقبل رجلان من أهل الحجاز حتى قدما العراق فقيل لهما: ما أقدمكما العراق؟ قالا: رجونا أن ندرك هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله ﷺ ، فوجدنا علي بن أبي طالب قد سبقنا إليهم - يعنيان أهل النهروان.

стр. 2769

حديث في مدح علي ﵁ على قتال الخوارج قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، ثنا فطر، عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي، عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد يقول: " كنا جلوسا ننتظر رسول الله ﷺ فخرج علينا من بيوت بعض نسائه قال فقمنا معه، فانقطعت نعله فتخلف عليها علي يخصفها فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها وفيهم أبو بكر، وعمر فقال: لا ولكنه خاصف النعل، قال: فجئنا نبشره قال: فكأنه قد سمعه " (١) ورواه أحمد عن وكيع وأبي أسامة عن فطر بن خليفة فأما الحديث الذي قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسماعيل بن موسى، ثنا الربيع بن سهل، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة قال: سمعت عليا على منبركم هذا يقول: " عهد إلي النبي ﷺ أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين " وقد رواه أبو بكر بن المقرئ عن الجد بن عبادة البصري عن يعقوب بن عباد، عن الربيع بن سهل الفزاري به، فإنه حديث غريب ومنكر، على أنه قد روي من طرق عن علي وعن غيره ولا تخلو واحدة منها عن ضعف والمراد بالناكثين يعني أهل الجمل وبالقاسطين أهل الشام وأما المارقون فالخوارج لأنهم مرقوا من الدين وقد رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي في كامله عن أحمد بن حفص البغدادي عن سليمان بن يوسف، عن عبيد الله بن موسى، عن فطر، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن علقمة عن علي قال: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أخبرني الأزهري ثنا محمد بن المظفر، ثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال: وجدت في كتاب جدي محمد بن ثابت، ثنا شعيب بن الحسن السلمي، عن جعفر الأحمر، عن يونس بن الأرقم، عن أبان عن خليد المصري قال: سمعت عليا أمير المؤمنين يقول يوم النهروان: " أمرني رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين " وقد رواه الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث محمد بن فرج الجنديسابوري: أنا هارون بن إسحاق، ثنا أبو غسان عن جعفر - أحسبه الأحمر - عن عبد الجبار الهمداني، عن أنس بن عمرو، عن أبيه عن علي. قال: " أمرت بقتال ثلاثة المارقين والقاسطين والناكثين " وقال الحاكم أبو عبد الله أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن غنم الحنظلي بقنطرة بردان، ثنا محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثني عمي، عن عمرو بن عطية بن سعد، عن أخيه الحسن بن عطية حدثني، جدي سعد بن جنادة عن علي ﵁ قال: أمرت بقتال ثلاثة، القاسطين، والناكثين، والمارقين. فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النهروان - يعني الحرورية -

стр. 2770

وقال الحافظ ابن عساكر: أنا أبو القسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعيد الأديب، أنا السيد أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين ثنا محمد بن أحمد الصوفي ثنا محمد بن عمرو الباهلي، ثنا كثير بن يحيى، ثنا أبو عوانة عن أبي الجارود عن زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: أمرني رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين. حديث ابن مسعود في ذلك قال الحافظ: حدثنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسن الفقيه، أنا الحسن بن علي، ثنا زكريا بن يحيى الخراز المقرئ ثنا إسماعيل بن عباد المقرئ ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ فأتى منزل أم سلمة فجاء علي فقال رسول الله ﷺ : " يا أم سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي ". حديث أبي سعيد في ذلك قال الحاكم: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، ثنا الحسين بن الحكم الحيري، ثنا إسماعيل بن أبان، ثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فقلت: يا رسول الله! أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ فقال: مع علي بن أبي طالب معه يقتل عمار بن ياسر ". حديث أبي أيوب في ذلك قال الحاكم: أنا أبو الحسن علي بن حماد المعدل، ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، ثنا محمد بن كثير، عن الحرث بن خضيرة، عن أبي صادق، عن مخنف بن سليمان. قال: أتينا أبا أيوب فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله ﷺ ثم جئت تقاتل المسلمين؟ فقال: " أمرني رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين " قال الحاكم: وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا الحسن بن علي بن شبيب العمري، ثنا محمد بن حميد، ثنا سلمة بن الفضل، حدثني أبو زيد الأموي، عن عتاب بن ثعلبة في خلافة عمر بن الخطاب قال: " أمرني رسول الله ﷺ بقتال الناكثين القاسطين والمارقين مع علي بن أبي طالب وقال الخطيب البغدادي: حدثنا الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ ثنا أحمد بن محمد بن يوسف، ثنا محمد بن جعفر المطيري، ثنا أحمد بن عبد الله المؤدب بسر من رأى، ثنا المعلى بن عبد الرحمن ببغداد ثنا شريك عن سليمان بن مهران عن الأعمش، عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقلنا له: يا أبا أيوب! إن الله أكرمك بنزول محمد ﷺ وبمجئ ناقته تفضلا من الله وإكراما لك حين أناخت ببابك دون الناس ثم جئت بسيفك

стр. 2771

على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا الله؟ فقال: يا هذا إن الرائد لا يكذب أهله، وإن رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة مع علي، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فأما الناكثون فقد قاتلناهم وهم أهل الجمل، طلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم - يعني معاوية وعمرا - وأما المارقون فهم أهل الطرفات وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروان، والله ما أدري أين هم ولكن لابد من قتالهم إن شاء الله. قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: " يا عمار تقتلك الفئة الباغية وأنت مذ ذاك مع الحق والحق معك، يا عمار بن ياسر إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس غيره فاسلك مع علي فإنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى، يا عمار من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در، ومن تقلد سيفا أعان به عدو علي عليه قلده الله يوم القيامة وشاحين من نار فقلنا: يا هذا! حسبك رحمك الله حسبك رحمك الله "، هذا السياق الظاهر أنه موضوع وآفته من جهة المعلى بن عبد الرحمن فإنه متروك الحديث. فصل قال الهيثم بن عدي في كتابه الذي جمعه في الخوارج وهو من أحسن ما صنف في ذلك قال: وذكر عيسى بن دآب قال: لما انصرف علي ﵁ من النهروان قام في الناس خطيبا فقال: بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ . أما بعد فإن الله قد أعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام فقاموا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنتنا (١)، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا وهلك منا فإنه أقوى لنا على عدونا - وكان الذي تكلم بهذا الأشعث بن قيس الكندي فبايعهم وأقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ويوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم ويقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم، فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه وقوله، ثم تسللوا حتى لم يبق منهم أحد إلا رؤوس أصحابه (٢)، فقام علي فيهم خطيبا فقال: الحمد لله فاطر الخلق وفالق الاصباح وناشر الموتى وباعث من في القبور، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأوصيكم بتقوى الله فإن أفضل ما توسل به العبد الايمان والجهاد في سبيله وكلمة الاخلاص فإنها الفطرة، وإقام الصلاة، فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها من فريضته، وصوم شهر رمضان فإنه جنة من عذابه، وحج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب، وصلة الرحم فإنها مثراة في المال، منسأة في الاجل، محبة في الأهل، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة وتطفئ غضب الرب، وصنع المعروف فإنه يدفع ميتة السوء ويقي مصارع الهول،

стр. 2772

أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر، وارغبوا فيما وعد المتقون فإن وعد الله أصدق الوعد، واقتدوا بهدي نبيكم ﷺ فإنه أفضل الهدى، واستسنوا بسنته فإنها أفضل السنن، وتعلموا كتاب الله فإنه أفضل الحديث، وتفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص، وإذا قرئ عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الذي لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما مضلل مثبور، لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا، ألا وان من الحزم أن تثقوا، ومن الثقة أن لا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخف ويندم، ثم سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية، وخير ما دام في القلب اليقين، إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها وكل محدث بدعة وكل محدث مبتدع، ومن ابتدع فقد صيع، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة، المغبون من غبن دينه، والمغبون من خسر نفسه، وإن الربا من الشرك، وإن الاخلاص من العمل والايمان، ومجالس اللهو تنسي القرآن ويحضرها الشيطان، وتدعو إلى كل غي، ومجالسة النساء تزيغ القلوب وتطمح إليه الابصار، وهي مصائد الشيطان، فأصدقوا الله فإن الله مع من صدق وجانبوا الكذب فإن الكذب مجانب للايمان ألا إن الصدق على شرف منجاة وكرامة، وإن الكذب على شرف ردئ وهلكة، ألا وقولوا الحق تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذ عاهدتم فأوفوا، وإذا حكمتم فاعدلوا، ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا تمازحوا، ولا يغضب بعضكم بعضا، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وارحموا الأرملة واليتيم، وأفشوا السلام وردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها … (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) … [المائدة: ٢] وأكرموا الضيف، وأحسنوا إلى الجار، وعودوا المرضى، وشيعوا الجنائز، وكونوا عباد الله إخوانا، أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع (١)، وإن الآخرة قد أظلت وأشرفت باطلاع، وان المضمار (٢) اليوم وغدا السباق وإن السبقة (٣) الجنة والغاية النار، ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثه عجل، فمن أخلص لله

стр. 2773

عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد أحسن عمله ونال أمله، ومن قصر عن ذلك فقد خسر عمله وخاب أمله، وضره أمله، فاعملوا في الرغبة والرهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله واجمعوا معها رهبة، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة، فإن الله قد تأذن المسلمين بالحسنى، ولمن شكر بالزيادة، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها ولا أكثر مكتسبا من شئ كسبه ليوم تدخر فيه الدخائر، وتبلى فيه السرائر، وتجتمع فيه لكبائر، وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك، ومن لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أعور، وغائبه عنه أعجز: وإنكم قد أمرت بالظعن (١) ودللتم على الزاد، ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الامل واتباع الهوى، فأما طول الامل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، ولا تكونوا من بني الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، وهذه خطبة بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر. وقد روي لها شواهد من وجوه أخر متصلة ولله الحمد والمنة. وقد ذكر ابن جرير: أن عليا ﵁ لما نكل أهل العراق عن الذهاب إلى الشام خطبهم فوبخهم وأنبهم وتوعدهم وهددهم وتلا عليهم آيات في الجهاد من سور متفرقة، وحث على المسير إلى عدوهم فأبوا من ذلك وخالفوا ولم يوافقوه، واستمروا في بلادهم، وتفرقوا عنه هاهنا وهاهنا، فدخل على الكوفة. فصل وقد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على علي بعد النهروان رجل يقال له: الحارث (٢) بن راشد الناجي، قدم مع أهل البصرة، فقال لعلي: إنك قد قاتلت أهل النهروان في كونهم أنكروا عليك قصة التحكيم وتزعم أنك قد أعطيت أهل الشام عهودك ومواثيقك، وأنك لست بناقضها، وهذان الحكمان قد اتفقا على خلعك ثم اختلفا في ولاية معاوية فولاه عمرو وامتنع أبو موسى من ذلك، فأنت مخلوع باتفاقهما، وأنا قد خلعتك وخلعت معاوية معك، وتبع الحارث هذا بشر كثير من قومه - بني ناجية وغيرهم - وتحيزوا ناحية، فبعث إليهم علي معقل بن قيس الرماحي في جيش كثيف فقتلهم معقل ذريعا وسبى من بني ناجية خمسمائة أهل بيت فقدم بهم ليقدم بهم على علي فتلقاه رجل يقال له: مصقلة بن هبيرة أبو المغلس - وكان عاملا لعلي على بعض الأقاليم - فتضرروا

стр. 2774

إليه وشكوا ما هم فيه من السبي، فاشتراهم مصقلة من معقل بخمسمائة ألف درهم وأعتقهم، فطالبه بالثمن فهرب منه إلى ابن عباس بالبصرة، فكتب معقل إلى ابن عباس فقال له مصقلة: إني انما جئت لأدفع ثمنهم إليك ثم هرب منه إلى علي فكتب ابن عباس ومعقل إلى علي فطالبه علي فدفع من الثمن مائتي ألف (١) ثم انشمر هاربا فلحق بمعاوية بن أبي سفيان بالشام، فأمضى علي عتقهم وقال: ما بقي من المال في ذمة مصقلة؟ وأمر بداره في الكوفة فهدمت. وقد روى الهيثم عن سفيان الثوري وإسرائيل عن عمار الدهني عن أبي الطفيل أن بني ناجية ارتدوا فبعث إليهم: معقل بن قيس فسباهم فاشتراهم مصقلة من علي بثلاثمائة ألف فأعتقهم ثم هرب إلى معاوية. قال الهيثم وهذا قول الشيعة ولم يسمع بحي من العرب ارتدوا بعد الردة التي كانت في أيام الصديق. وقال الهيثم: حدثني عبد الله (٢) بن تميم بن طرفة الطائي حدثني أبي أن عدي بن حاتم قال مرة لعلي بن أبي طالب وهو يخطب: قتلت أهل النهروان على انكار الحكومة، وقتلت الحريث (٣) بن راشد على مسألتهم إياك أيضا الحكومة، والله ما بينهما موضع قدم. فقال له علي: أسكت إنما كنت أعرابيا تأكل الضبع بجبل طئ بالأمس. فقال له عدي: وأنت والله قد رأيناك بالأمس تأكل البلح بالمدينة. قال الهيثم: ثم خرج على علي رجل من أهل البصرة فقتل فأمر أصحابه عليهم الأشرس بن عوف الشيباني، فقتل هو وأصحابه، قال: ثم خرج على علي الأشهب بن بشر البجلي ثم أحد عرينة من أهل الكوفة فقتل هو وأصحابه. قال: ثم خرج على علي سعيد بن نغد التميمي ثم من بني ثعلبة من أهل الكوفة فقتل بقنطرة درربجان فوق المدائن. قال الهيثم: أخبرني بذلك عبد الله بن عياش عن مشيخته. فصل ذكر ابن جرير عن أبي مخنف لوط بن يحيى - وهو أحد أئمة هذا الشأن - أن قتال علي للخوارج يوم النهروان، كان في هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين - قال ابن جرير: وأكثر أهل السير على أن ذلك كان في سنة ثمان وثلاثين وصححه ابن جرير، قلت: وهو الأشبه كما في سننبه عليه في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة - يعني سنة سبع وثلاثين - عبيد الله بن عباس نائب علي على اليمن ومخاليفها. وكان نائب مكة قثم بن العباس، وعلى المدينة تمام بن عباس، وقيل سهل بن حنيف، وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، وعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين

стр. 2775

مقيم بالكوفة، ومعاوية بن أبي سفيان مستحوذ على الشام. قلت: ومن نيته أن يأخذ مصر من محمد بن أبي بكر. ذكر من توفي فيها من الأعيان خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة كان قد أصابه سبي في الجاهلية فاشترته أنمار (١) الخزاعية التي كانت تختن النساء، وهي أم سباع بن عبد العزى الذي قتله حمزة يوم أحد وحالف بني زهرة، أسلم خباب قديما قبل دار الأرقم، وكان ممن يؤدي في الله فيصبر ويحتسب، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد. قال الشعبي: دخل يوما على عمر فأكرم مجلسه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا بلال. فقال: يا أمير المؤمنين إن بلالا كان يؤذى وكان له من يمنعه، وإني كنت لا ناصر لي والله لقد سلقوني يوما في نار أججوها ووضع رجل على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو برص ﵁، ولما مرض دخل عليه أناس من الصحابة يعودونه فقالوا: أبشر غدا تلقى الأحبة محمدا وحزبه فقال: والله إن إخواني مضوا ولم يأكلوا من دنياهم شيئا، وإنا قد أينعت لنا ثمرتها فنحن نهدبها، فهذا الذي يهمني. قال: وتوفي بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة وهو أول من دفن بظاهر الكوفة. خزيمة بن ثابت ابن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري ذو الشهادتين وكانت راية بني حطمة معه يوم الفتح، وشهد صفين مع علي، وقتل يومئذ ﵁. سفينة مولى رسول الله ﷺ قد قدمنا ترجمته في الموالي المنسوبين إليه صلوات الله وسلامه عليه. عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم أسلم عام الفتح وكتب بين يدي رسول الله ﷺ . وقد تقدم مع كتاب الوحي … عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، قتل يوم صفين وكان أمير الميمنة لعلي فصارت امرتها للأشتر النخعي * عبد الله بن خباب بن الأرت. ولد في حياة النبي ﷺ وكان موصوفا بالخير، قتله الخوارج كما قدمنا بالنهروان في هذه السنة، فلما جاء علي قال لهم: أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون فقالوا: كلنا قتله فقاتلهم … عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أحد كتاب الوحي أيضا، أسلم قديما وكتب الوحي ثم ارتد ثم عاد إلى الاسلام عام الفتح واستأمن له عثمان - وكان أخاه لأمه - وحسن إسلامه وقد ولاه عثمان نيابة مصر بعد موت عمرو بن العاص، فغزا إفريقية وبلاد النوبة، وفتح الأندلس وغزا

стр. 2776

ذات الصواري مع الروم في البحر فقتل منهم ما صبغ وجه الماء من الدماء، ثم لما حصر عثمان تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة وأخرجه من مصر فمات في هذه السنة وهو معتزل عليا ومعاوية، في صلاة الفجر بين التسليمتين ﵁. عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسي من عبس اليمن، وهو حليف بني مخزوم، أسلم قديما وكان ممن يعذب في الله هو وأبوه وأمه سمية، ويقال إنه أول من اتخذ مسجدا في بيته يتعبد فيه، وقد شهد بدرا وما بعدها وقد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين وأن رسول الله ﷺ قال: " تقتلك الفئة الباغية " (١) وروى الترمذي من حديث الحسن عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة، علي وعمار وسلمان " (٢) وفي الحديث الآخر الذي رواه الثوري وقيس بن الربيع وشريك القاضي وغيرهم عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي أن عمارا استأذن على رسول الله ﷺ فقال: " مرحبا بالطيب المطيب " (٣) وقال إبراهيم بن الحسين: حدثنا يحيى حدثني نصر ثنا سفيان الثوري عن أبي الأعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب رسول الله أن رسول الله ﷺ قال: " لقد ملئ عمار إيمانا من قدمه إلى مشاشه " وحدثنا يحيى بن معلى، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: " ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أشاء أن أقول فيه إلا عمار بن ياسر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن عمار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا " وحدثنا يحيى ثنا عمرو بن عون أنا هشيم عن العوام بن حوشب عن سلمة بن كهيل عن علقمة قال: أتيت أهل الشام فلقيت خالد بن الوليد فحدثني قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام في شئ فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: " يا خالد! لا تؤذ عمارا فإنه من يبغض عمارا يبغضه الله، ومن يعاد عمارا يعاده الله " قال: فعرضت له بعد ذلك فسللت ما في نفسه. وله أحاديث كثيرة في فضائله ﵁ قتل بصفين عن إحدى وقيل ثلاث وقيل أربع وتسعين سنة طعنة أبو الغادية فسقط ثم أكب عليه رجل فاحتز رأسه، ثم اختصما إلى معاوية أيهما قتله فقال لهما عمرو بن العاص: اندرا فوالله إنكما لتختصمان في النار، فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك، فقال له عمرو: والله إنك لتعلم ذلك، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. قال الواقدي، حدثني الحسن بن الحسين بن عمارة عن أبي إسحاق عن عاصم أن عليا صلى عليه ولم يغسله وصلى مع علي هاشم بن عتبة، فكان عمار مما يلي عليا،

стр. 2777

وهاشم إلى نحو القبلة. قالوا، وقبر هنالك، وكان آدم اللوم، طويلا بعيدا ما بين المنكبين: أشهل العينين، رجلا لا يغير شيبه ﵁. الربيع بنت معوذ بن عفراء أسلمت قديما وكانت تخرج مع رسول الله ﷺ إلى الغزوات فتداوي الجرحى، وتسقي الماء للكلمى، وروت أحاديث كثيرة … وقد قتل في هذه السنة في أيام صفين خلق كثير وجم غفير، فقيل قتل من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفا. وقيل قتل من أهل العراق أربعون ألفا - من مائة وعشرين ألفا - وقيل من أهل الشام عشرون ألفا من ستين ألفا وبالجملة فقد كان فيهم أعيان ومشاهير يطول استقصاؤهم وفيما ذكرنا كفاية والله تعالى أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر فأخذها من محمد بن أبي بكر واستناب معاوية عمرا عليها، وذلك كما سنبينه، وقد كان علي ﵁ استناب عليها قيس بن سعد بن عبادة وانتزعها من يد محمد بن أبي حذيفة حين كان استحوذ عليها ومنع عبد الله بن سعد بن أبي سرح من التصرف فيها، حين حصر عثمان - وقد كان عثمان استخلفه عليها وعزل عنها عمرو بن العاص - وعمرو كان هو الذي افتتحها كما قدمنا ذكر ذلك. ثم إن عليا عزل قيس بن سعد عنها وولى عليها محمد بن أبي بكر وقد ندم علي على عزل قيس بن سعد عنها، وذلك أنه كان كفوا لمعاوية وعمرو، ولما ولى محمد بن أبي بكر لم يكن فيه قوة تعادل معاوية وعمرا، وحين عزل قيس بن سعد عنها رجع إلى المدينة ثم سار إلى علي بالعراق فكان معه، وكان معاوية يقول: والله لقيس بن سعد عند علي أبغض إلي من مائة ألف مقاتل بدله عنده، فشهد معه صفين فلما فرغ علي من صفين وبلغه أن أهل مصر قد استخفوا بمحمد بن أبي بكر لكونه شاب ابن ست وعشرين سنة أو نحو ذلك عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد وكان قد جعله على شرطته أو إلى الأشتر النخعي وقد كان نائبه على الموصل ونصيبين، فكتب إليه بعد صفين فاستقدمه عليه ثم ولاه مصر، فلما بلغ معاوية تولية علي للأشتر النخعي ديار مصر بدل محمد بن أبي بكر عظم ذلك عليه، وذلك أنه كان قد طمع في مصر واستنزاعها من يد محمد بن أبي بكر، وعلم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه وشجاعته، فلما سار الأشتر إليها وانتهى إلى القلزم استقبله الخانسار (١) وهو مقدم على الخراج فقدم إليه طعاما وسقاه شرابا من عسل فمات منه، فلما بلغ ذلك معاوية وعمرا وأهل الشام قالوا: إن لله جنودا من عسل. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله ووعده على ذلك بأمور ففعل ذلك (٢)، وفي هذا نظر،

стр. 2778

وبتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمان ري الله عنه. والمقصود أن معاوية وأهل الشام فرحوا فرحا شديدا بموت الأشتر النخعي، ولما بلغ ذلك عليا تأسف على شجاعته وغنائه، وكتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره واستمراره بديار مصر (١)، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربتا وقد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف علي من صفين، وحين كان من أمر التحكيم ما كان، وحين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، وقد كان أهل الشام حين انقضت الحكومة بدومة الجندل سلموا على معاوية بالخلافة وقوي أمرهم جدا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه عمرو بن العاص، وشرحبيل بن السمط وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والضحاك بن قيس، وبسر بن أبي أرطاة، وأبا الأعور السلمي، وحمزة بن سنان الهمداني وغيرهم، فاستشارهم في المسير إلى ديار مصر فاستجابوا له وقالوا: سر حيث شئت فنحن معك، وعين معاوية نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها ففرح بذلك عمرو بن العاص، ثم قال عمرو لمعاوية: أرى أن تبعث إليهم رجالا مع رجل مأمون عارف بالحرب، فإن بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم، فقال معاوية: لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتابا يعلمهم بقدومهم عليهم، ونبعث إلى مخالفينا كتابا ندعوهم فيه إلى الصلح. وقال معاوية: إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة وإني امرؤ بورك لي في التؤدة، فقال عمرو: افعل ما أراك الله، فوالله ما أمرك وأمرهم إلا سيصير إلى الحرب العوان، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، وإلى معاوية بن خديج السكوني - وهما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع عليا ولم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف - يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا، وبعث به مع مولى له يقال له سبيع (٢)، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة ومعاوية بن خديج فرحا به وردا جوابه بالاستبشار والمعاونة والمناصرة له ولمن يبعثه من الجيوش والجند والمدد إن شاء الله تعالى، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف (٣)، وخرج معاوية مودعا وأوصاه بتقوى الله والرفق والمهل والتؤدة، وأن يقتل من قاتل ويعفو عمن أدبر، وأن يدعو الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، فسار عمرو بن العاص إلى مصر، فلما قدمها اجتمعت عليه العثمانية فقادهم، وكتب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد فتنح فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر،

стр. 2779

فإن الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان (١)، فأخرج منها فإني لك لمن الناصحين والسلام. وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه: أما بعد فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة وإنا لا نعلم أحدا كان أشد خلافا على عثمان منك (٢) حين تطعن بمشاقصك بين خششائه (٣) وأوداجه، ثم إنك تظن أني عنك نائم أو ناس ذلك لك، حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت بها جاري وجل أهلها أنصاري وقد بعثت إليك بجيوش يتقربون إلى الله بجهادك ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام (٤). قال: فطوى محمد بن أبي بكر الكتابين وبعث بهما إلى علي وأعلمه بقدوم عمرو إلى مصر في جيش من قبل معاوية، فان كانت لك بأرض مصر حاجة فابعث إلي بأموال ورجال والسلام. فكتب إليه يأمره بالصبر وبمجاهدة العدو، وأنه سيبعث إليه الرجال والأموال، ويمده بما أمكنه من الجيوش. وكتب محمد بن أبي بكر كتابا إلى معاوية في جواب ما قال وفيه غلظة، وكذلك كتب إلى عمرو بن العاص وفيه كلام غليظ (٥) وقام محمد بن أبي بكر في الناس فخطبهم وحثهم على الجهاد ومناجزة من قصدهم من أهل الشام، وتقدم عمرو بن العاص إلى مصر في جيوشه، ومن لحق به من العثمانية المصريين، والجميع في قريب من ستة عشر ألفا، وركب محمد بن أبي بكر في ألفي فارس الذين انتدبوا معه من المصريين وقدم على جيشه بين يديه كنانة بن بشر فجعل لا يلقاه أحد من الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو بن العاص، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن خديج فجاءه من ورائه وأقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب، فترجل عند ذلك كنانة وهو يتلو … (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) … الآية [آل عمران: ١٤٥]، ثم قاتل حتى قتل وتفرق أصحاب محمد بن أبي بكر عنه ورجع يمشي فرأى خربة فآوى إليها ودخل عمرو بن العاص فسطاط مصر وذهب معاوية بن خديج في طلب محمد بن أبي بكر فمر بعلوج في الطريق فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا! فقال رجل منهم: إني رأيت رجلا جالسا في هذه الخربة، فقال: هو هو ورب الكعبة: فدخلوا عليه فاستخرجوه منها - وقد كاد يموت عطشا - فانطلق أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص - وكان قد قدم معه إلى مصر - فقال: أيقتل أخي صبرا؟ فبعث عمرو بن

стр. 2780

العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ولا يقتله فقال معاوية: كلا والله، أيقتلون كنانة بن بشر واترك محمد بن أبي بكر، وقد كان ممن قتل عثمان وقد سألهم عثمان الماء، وقد سألهم محمد بن أبي بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة من الماء أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن محمد بن أبي بكر نال من معاوية بن خديج هذا ومن عمرو بن العاص ومن معاوية ومن عثمان بن عفان أيضا، فعند ذلك غضب معاوية بن خديج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وضمت عياله إليها، وكان فيهم ابنه القاسم وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات. وذكر الواقدي أن عمرو بن العاص قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع المصريين بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، فهرب عند ذلك محمد بن أبي بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق، فدل عليه فجاء معاوية بن خديج وأصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل. قال الواقدي: وكان ذلك في صفر من هذه السنة، قال الواقدي: ولما قتل محمد بن أبي بكر بعث علي الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق فالله أعلم. قال: وكانت أذرح في شعبان في هذه السنة أيضا، وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الامر وأن الله قد فتح عليه بلاد مصر ورجعوا إلى السمع والطاعة واجتماع الجماعة، وبما عهد لهم من الامر. وقد زعم هشام بن محمد الكلبي أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة مسك بعد مقتل محمد بن أبي بكر - وكان من جملة المحرضين على قتل عثمان - فبعثه عمرو بن العاص إلى معاوية ولم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية، فحبسه معاوية بفلسطين فهرب من السجن، فلحقه رجل يقال له عبد الله بن عمر بن ظلام بأرض البلقاء، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوي إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرها جماعة من الحصادين هنالك، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه، فجاء أولئك إليه فخشي عبد الله بن عمرو بن ظلام أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه، فضرب عنقه، هكذا ذكر ذلك ابن الكلبي. وقد ذكر الواقدي وغيره أن محمد بن أبي حذيفة قتل في سنة ست وثلاثين كما قدمنا. فالله أعلم. وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه: ثنا عبد الله بن صالح، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطي من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم على عورات المسلمين - يكتب إليهم بذلك - فاستخرج منه بضعا وخمسين أردبا دنانير، قال أبو صالح: والأردب ست ويبات الويبة مثل القفيز واعتبرنا الويبة فوجدناها تسعا وثلاثين ألف دينار، قلت: فعلى هذا يكون يبلغ ما كان أخذ من القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار. قال أبو مخنف باسناده: ولما بلغ علي بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما كان بمصر من الامر، وتملك عمرو لها، واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيبا

стр. 2781

فحثهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم من الشامين والمصريين، وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة، فلما كان الغد خرج يمشي إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه وهو حزين كئيب فقام فيهم خطيبا فقال: الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني بكم وبمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، أوليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه بغير عطاء ولا معونة، ويجيبونه في السنة مرتين والثلاث إلى أي وجه شاء؟ وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهي وبقية الناس على المعونة وطائفة من العطاء فتفرقون عني وتعصونني وتختلفون علي؟ فقام إليه مالك بن كعب الأوسي (١) فندب الناس إلى امتثال أمر علي والسمع والطاعة فانتدب ألفا فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمسا، ثم قدم على علي جماعة (٢) ممن كان مع محمد بن أبي بكر بمصر فأخبروه كيف وقع الامر وكيف قتل محمد بن أبي بكر وكيف استقر أمر عمرو بها، فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق - وذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر واستقر أمر العراقيين على مخالفة علي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، والخروج عليه والبعد عن أحكامه وأقواله وأفعاله، لجهلهم وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم، فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس - وهو نائبه على البصرة - يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة والمعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك، ويعزيه في محمد بن أبي بكر ويحثه على تلافي الناس والصبر على مسيئهم، فإن ثواب الله خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى علي وهو بالكوفة واستخلف ابن عباس على البصرة زيادا، وفي هذا الحين بعث معاوية بن أبي سفيان كتابا مع عبد الله بن عمرو الحضرمي إلى أهل البصرة يدعوهم إلى الاقرار بما حكم له عمرو بن العاص، فلما قدمها نزل على بني تميم فأجاروه فنهض إليه زياد وبعث إليه أعين بن ضبيعة في جماعة من الناس فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى علي يعلمه بما وقع بالبصرة بعد خروج ابن عباس منها، فبعث عند ذلك علي جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلا إلى قومه بني تميم، وكتب معه كتابا إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرمي وقصده جارية فحصره في دار هو وجماعة معه، قيل: كان عددهم أربعين، وقيل سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم وأنذرهم فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما جاؤوا له. فصل وقد صحح ابن جرير أن قتال علي لأهل النهروان كان في هذه السنة، وكذلك خروج

стр. 2782

الحريث (١) بن راشد الناجي كان في هذه السنة أيضا، وكان مع الحريث ثلاثمائة رجل من قومه بني ناجية - وكان مع علي بالكوفة - فجاء إلى علي فقام بين يديه وقال: والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، إني لك غدا لمفارق. فقال له علي: ثكلتك أمك إذا تعصى ربك وتنقض عهدك ولا تضر إلا نفسك، ولم تفعل ذلك؟ قال: لأنك حكمت في الكتاب وضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الظالمين، فأنا عليك زاري وعليك (٢) ناقم، وإنا لكم جميعا مباينون. ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي - وكان من أهل الصلاح والدين والبأس والنجدة - وأمره أن يسمع له ويطيع، فلما اجتمعوا صاروا جيشا واحدا، ثم خرجوا في آثار الحريث (٣) وأصحابه فلحقوهم - وقد أخذوا في جبال رامهرمز. قال فصففنا لهم ثم أقبلنا إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل (٤)، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي، ووقف الحريث (٣) فيمن معه من العرب فكانوا ميمنة، وجعل من اتبعه من الأكراد والعلوج ميسرة، قال: وسار فينا معقل بن قيس فقال: عباد الله! لا تبدأوا القوم وغضوا أبصاركم، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالكم بالأجرة إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، وعلوجا كسروا الخراج، ولصوصا وأكرادا، فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد. ثم تقدم فحرك دابته (٥) تحريكتين ثم حمل عليهم في الثالثة وحملنا معه جميعنا فوالله ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا منهزمين، وقتلنا من العلوج والأكراد نحوا من ثلاثمائة، وفر الحريث (٣) منهزما حتى لحق باساف (٦) - وبها جماعة من قومه كثيرة - فاتبعوه فقتلوه مع جماعة من أصحابه بسيف البحر، قتله النعمان بن صهبان (٧)، وقتل معه في المعركة مائة وسبعون رجلا. ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بين أصحاب علي والخوارج فيها أيضا ثم قال: حدثني عمر بن شبة ثنا أبو الحسن - يعني المدائني - علي بن محمد بن علي بن مجاهد قال قال الشعبي: لما قتل علي أهل النهروان خالفه قوم كثير، وانتقضت أطرافه وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي إلى البصرة، وانتقض أهل الجبال (٨)، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس - وكان عاملا

стр. 2783

عليها - فأشار عليه ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها فولاه إياها فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج. قال ابن جرير وغيره: وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب علي على مكة، وأخوه عبيد الله بن عباس نائب اليمن، وأخوهما عبد الله نائب البصرة، وأخوهم تمام بن عباس نائب المدينة، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي وقيل ابن أبزي، وأما مصر فقد استقرت بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان سهل بن حنيف ابن واهب بن العليم (١) بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، شهد بدرا، وثبت يوم أحد، وحضر بقية المشاهد، وكان صاحبا لعلي بن أبي طالب، وقد شهد معه مشاهده كلها أيضا غير الجمل فإنه كان قد استخلفه على المدينة، ومات سهل بن حنيف في سنة ثمان وثلاثين بالكوفة، وصلى عليه علي فكبر خمسا وقيل ستا وقال إنه من أهل بدر ﵁. صنوان بن بيضاء أخو سهيل بن بيضاء شهد المشاهد كلها وتوفي في هذه السنة في رمضانها وليس له عقب (٢). صهيب بن سنان بن مالك الرومي وأصله من اليمن أبو يحيى بن قاسط وكان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الأيلة، وكانت منازلهم على دجلة عند الموصل، وقيل على الفرات، فأغارت على بلادهم الروم فأسرته وهو صغير، فأقام عندهم حينا ثم اشترته بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد الله بن جدعان فأعتقه وأقام بمكة حينا، فلما بعث رسول الله ﷺ آمن به، وكان ممن أسلم قديما وهو وعمار في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلا، وكان من المستضعفين الذين يعذبون في الله ، ولما هاجر رسول الله ﷺ هاجر صهيب بعده بأيام فلحقه قوم من المشركين يريدون أن يصدوه عن الهجرة، فلما أحسن بهم نثل كنانته فوضعها بين يديه وقال: والله لقد علمتم أني من أرماكم، ووالله لا تصلون إلي حتى أقتل بكل سهم من هذه رجلا منكم، ثم أقاتلكم بسيفي حتى أقتل. وإن كنتم تريدون المال فأنا أدلكم على مالي هو مدفون في مكان كذا وكذا، فانصرفوا عنه فأخذوا ماله، فلما قدم قال له رسول الله ﷺ : " ربح البيع أبا يحيى " وأنزل الله … (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) … ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،

стр. 2784

وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما، ولما جعل عمر الامر شورى كان هو الذي يصلي بالناس حتى تعين عثمان، وهو الذي ولي الصلاة على عمر - وكان له صاحبا - وكان أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير أقرن الحاجبين كثير الشعر وكان لسانه فيه عجمة شديدة، وكان مع فضله ودينه فيه دعابة وفكاهة وانشراح، روي أن رسول الله ﷺ رآه يأكل بقثاء رطبا وهو أرمد إحدى العينين، فقال: " أتأكل رطبا وأنت أرمد "؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة، فضحك رسول الله ﷺ . وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل سنة تسع وثلاثين، وقد نيف على السبعين. محمد بن أبي بكر الصديق ولد في حياة النبي ﷺ في حجة الوداع تحت الشجرة عند الحرم وأمه أسماء بنت عميس، ولما احتضر الصديق أوصى أن تغسله فغسلته، ثم لما انقضت عدتها تزوجها علي فنشأ في حجره، فلما صارت إليه الخلافة استنابه على بلاد مصر بعد قيس بن سعد بن عبادة كما قدمنا، فلما كانت هذه السنة بعث معاوية عمرو بن العاص فاستلب منه بلاد مصر وقتل محمد بن أبي بكر كما تقدم، وله من العمر دون الثلاثين، ﵀ ورضي عنه. أسماء بنت عميس ابن معبد (١) بن الحارث الخثعمية، أسلمت بمكة وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة وقدمت معه إلى خيبر، ولها منه عبد الله، ومحمد، وعون. ولما قتل جعفر بمؤتة تزوجها بعده أبو بكر الصديق فولدت منه محمد بن أبي بكر أمير مصر ثم لما مات الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب فولدت له يحيى وعونا، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها. وكذلك هي أخت أم الفضل امرأة العباس لأمها، وكان لها من الأخوات لأمها تسع أخوات، وهي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس (٢) التي له منها بنت اسمها عمارة. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين فيها جهز معاوية بن أبي سفيان جيوشا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات علي بن أبي طالب، وذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبي موسى على عزل علي، أن ولايته وقعت الموقع، فهو الذي يجب طاعته فيما يعتقده، ولأن جيوش علي من أهل العراق لا

стр. 2785

تطيعه في كثير من الامر ولا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود من الامارة والحالة هذه، فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الامر كذلك. وكان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفي فارس إلى عين التمر (١)، وعليها مالك بن كعب الأرحبي في ألف فارس مسلحة (٢) لعلي، فلما سمعوا بقدوم الشاميين أرفضوا عنه فلم يبق مع مالك بن كعب إلا مائة رجل فكتب عند ذلك إلى علي يعلمه بما كان من الامر، فندب علي الناس إلى مالك بن كعب فتثاقلوا ونكلوا عنه ولم يجيبوا إلى الخروج، فخطبهم علي عند ذلك فقال في خطبته: " يا أهل الكوفة! كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام انجحر كل منكم في بيته، وغلق عليه بابه. انجحار الضب في جحره، والضبع في وجاره، المغرور والله من غررتموه، ولمن (٣) فارقكم فاز بالسهم الأصيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا منيت به منكم، عمي لا تبصرون، وبكم لا تنطقون، وصم لا تسمعون، إنا لله وإنا إليه راجعون " ودهمهم النعمان بن بشير فاقتتلوا قتالا شديدا وليس مع ملك بن كعب إلا مائة رجل قد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، فبينا هم كذلك إذ جاءهم نجدة من جهة مخنف بن سليم مع ابنه عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا، فلما رآهم الشاميون ظنوا أنهم مدد عظيم ففروا هربا، فاتبعهم مالك بن كعب فقتل منهم ثلاثة أنفس وذهب الباقون على وجوههم ولم يتم لهم أمر من هذا الوجه. وفيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره بأن يأتي هيت فيغير عليها، ثم يأتي الأنبار والمدائن، فسار حتى انتهى إلى هيت فلم يجد بها أحدا، ثم إلى الأنبار وفيها مسلحة لعلي نحو من خمسمائة، فتفرقوا ولم يبق منهم إلا مائة رجل، فقاتلوا مع قلتهم وصبروا حتى قتل أميرهم - وهو أشرس بن حسان البلوي (٤) - في ثلاثين رجلا من أصحابه، واحتملوا ما كان بالأنبار من الأموال وكروا راجعين إلى الشام، فلما بلغ عليا ﵁ ركب بنفسه فنزل بالنخيلة فقال له الناس: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين. فقال: والله ما تكفونني ولا أنفسكم، وسرح سعد بن قيس في أثر القوم فساروا وراءهم حتى بلغ هيت فلم يلحقهم فرجع. وفيها بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة إلى تيماء وأمره أن يصدق أهل البوادي ومن امتنع من إعطائه فليقتله ثم يأتي المدينة ومكة والحجاز. فسار إلى تيماء واجتمع عليه بشر كثير، فلما بلغ عليا بعث المسيب بن نجية الفزاري في ألفي رجل فالتقوا بتيماء قتالا شديدا عند

стр. 2786

زوال الشمس، وحمل المسيب بن نجية على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات وهو لا يريد قتله بل يقول له: النجا النجا، فانحاز ابن مسعدة في طائفة من قومه إلى حصن هناك فتحصنوا به وهرب بقيتهم إلى الشام، وانتهبت الاعراب ما كان جمعه ابن نجية من إبل الصدقة، وحاصرهم المسيب بن نجية ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب وألهب فيه النار، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا من الحصن، ومتوا إليه بأنهم من قومه فرق لهم وأطفأ النار، فلما كان الليل فتح باب الحصن وخرجوا هرابا إلى الشام، فقال عبد الرحمن بن شبيب للمسيب بن نجية: سر حتى ألحقهم! فقال: لا! فقال: غششت أمير المؤمنين داهنت في أمرهم. وفيها وجه معاوية الضحاك بن قيس في ثلاث آلاف وأمره أن يغير على أطراف جيش علي، فجهز علي حجر بن عدي في أربعة آلاف وأنفق فيهم خمسين درهما خمسين درهما، فالتقوا بتدمر فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا، ومن أصحاب حجر بن عدي رجلان، وغشيهم الليل فتفرقوا، واستمر الضحاك بأصحابه فارا إلى الشام. وفيها سار معاوية بنفسه في جيش كثيف حتى بلغ دجلة ثم كر راجعا. ذكره محمد بن سعد عن الواقدي باسناده وأبو معشر أيضا. وفي هذه السنة ولى علي بن أبي طالب زياد بن أبيه على أرض فارس، وكانوا قد منعوا الخراج والطاعة، وسبب ذلك حين قتل ابن الحضرمي وأصحابه بالنار حين حرقهم جارية بن قدامة في تلك الدار كما قدمنا، فلما اشتهر هذا الصنيع في البلاد تشوش قلوب كثير من الناس على علي، واختلفوا على علي، ومنع أكثر أهل تلك النواحي خراجهم، ولا سيما أهل فارس فإنهم تمردوا وأخرجوا عاملهم سله بن حنيف - كما تقدم في العام الماضي - من بين أظهرهم، فاستشار علي الناس فيمن يوليه عليهم، فأشار ابن عباس وجارية بن قدامة أن يولي عليهم زياد بن أبيه، فإنه صليب الرأي، عالم بالسياسة. فقال علي: هو لها، فولاه فارس وكرمان وجهزه إليهما في أربعة آلاف فارس، فسار إليها في هذه السنة فدوخ أهلها وقهرهم حتى استقاموا وأدوا الخراج وما كان عليهم من الحقوق، ورجعوا إلى السمع والطاعة، وسار فيهم بالمعدلة والأمانة، حتى كان أهل تلك البلاد يقولون: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنو شروان من سيرة هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي، وصفت له تلك البلاد بعدله وعلمه وصرامته، واتخذ للمال قلعة حصينة (١)، فكانت تعرف بقلعة زياد، ثم لما تحصن فيها منصور اليشكري فيما بعد ذلك عرفت به فكان يقال لها قلعة منصور. قال الواقدي: وفي هذه السنة بعث علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس على الموسم وبعث معاوية يزيد بن سخبرة الرهاوي ليقيم للناس الحج فلما اجتمعا بمكة تنازعا وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي فحج بالناس وصلى بهم في أيام الموسم قال أبو الحسن المدائني: لم يشهد عبد الله بن عباس الموسم في أيام علي حتى قتل، والذي

стр. 2787

نازعه يزيد بن سخبرة إنما هو قثم بن العباس حتى اصطلحا على شيبة بن عثمان. قال ابن جرير: وكما قال أبو الحسن المدائني قال أبو مصعب. قال ابن جرير: وأما عمال علي على الأمصار فهم الذين ذكرنا في السنة الماضية غير أن ابن عباس كان قد سار من البصرة إلى الكوفة واستخلف على البصرة زياد بن أبيه ثم سار زياد في هذه السنة إلى فارس وكرمان كما ذكرنا. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان سعد القرظي مؤذن مسجد قبا في زمان رسول الله ﷺ ، فلما ولي عمر الخلافة ولاه أذان المسجد النبوي وكان أصله مولى لعمار بن ياسر، وهو الذي كان يحمل العنزة بين يدي أبي بكر وعمر وعلي إلى المصلى يوم العيد وبقي الاذان في ذريته مدة طويلة. عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبو مسعود البدري سكن ماء بدر ولم يشهد الوقعة بها على الصحيح، وقد شهد العقبة، وهو من سادات الصحابة وكان ينوب لعلي بالكوفة إذا خرج لصفين وغيرها (١). سنة أربعين من الهجرة قال ابن جرير فمما كان في هذه السنة من الأمور الجلية توجيه معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز، فذكر عن زياد بن عبد الله البكائي عن عوانة قال: أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطاة - وهو رجل من بني عامر بن لؤي - في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة - وعامل علي عليها يومئذ أبو أيوب - ففر منهم أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد منبرها فنادى على المنبر: يا دينار ويا نجار ويا زريق شيخي شيخي عهدي به ها هنا بالأمس فأين هو؟ - يعني عثمان بن عفان - ثم قال: يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته، ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله - يعني حتى يبايعه - فانطلق جابر إلى أم سلمة فقال لها: ماذا ترين إني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة؟ فقالت: أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر وختني عبد الله بن زمعة - وهو زوج ابنتها زينب - أن يبايعا فأتاه جابر فبايعه. قال: وهدم بسر دورا بالمدينة ثم مضى حتى فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله فقال له بسر: ما كنت لافعل بصاحب رسول الله ﷺ ذلك، فخلى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى أهل اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من أبى أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس ففر إلى الكوفة حتى لحق بعلي، واستخلف على اليمن

стр. 2788

عبد الله بن عبد الله بن المدان الحاوي (١)، فلما دخل بسر اليمن قتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله ابن عباس وفيه ابنان صغيران له فقتلهما وهما عبد الرحمن وقثم، ويقال إن بسرا قتل خلقا من شيعة علي في مسيره هذا وهذا الخبر مشهور عند أصحاب المغازي والسير، وفي صحته عندي نظر والله تعالى أعلم. ولما بلغ عليا خبر بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى بلغ نجران فخرق بها وقتل ناسا من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعوا فقالوا: لمن نبايع وقد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع؟ فقال: بايعوا لمن بايع له أصحاب علي، فتثاقلوا ثم بايعوا من خوف، ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم فهرب منه فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا للحسن بن علي، فبايعوا وأقام عندهم ثم خرج منصرفا إلى الكوفة وعاد أبو هريرة يصلي بهم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، وأن يكون ملك العراق لعلي ولمعاوية الشام، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزوة. ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى علي: أما بعد فإن الأمة قد قتل بعضها بعضا يعني فلك العراق ولي الشام. فأقر بذلك علي ﵁. وأمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، وبعث الجيوش إلى بلاده، واستقر الامر على ذلك. قال ابن جرير: وفي هذه السنة خرج ابن عباس من البصرة إلى مكة وترك العمل في قول عامة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنه لم يزل عاملا على البصرة حتى صالح علي معاوية، وأنه كان شاهدا للصلح، ممن نص على ذلك أبو عبيدة كما سيأتي. ثم ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عباس عن البصرة وذلك أنه كلم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غض من أبي الأسود فكتب أبو الأسود إلى علي يشكو إليه ابن عباس وينال من عرضه فإنه تناول شيئا من أموال بيت المال فبعث علي إلى ابن عباس فعاتبه في ذلك وحرر عليه التبعة فغضب ابن عباس من ذلك وكتب إلى علي: ابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام. ثم سار ابن عباس إلى مكة مع أخواله بني هلال وتبعهم قيس كلها، وقد أخذ شيئا من بيت المال مما كان اجتمع له من العمالة والفئ، ولما سار تبعته أقوام أخر فلحقهم بنو غنم وأرادوا منعهم من المسير فكان بينهم قتال، ثم تحاجزوا ودخل ابن عباس مكة. ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما ورد من الأحاديث النبوية من الاخبار بمقتله وكيفيته كان أمير المؤمنين ﵁ قد تنغصت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه

стр. 2789

أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام، وصالوا وجالوا يمينا وشمالا، زاعمين أن الامرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الامرة عن أحد، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله ، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: ما يحبس أشقاها، أي ما ينتظر؟ ما له لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته، كما قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني (١) ثنا أبو الجواب الأحوص بن جواب، ثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد قال قال علي: " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها "؟ فقال عبد الله بن سبع: والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأبدنا عترته: فقال أنشدكم بالله أن يقتل [بي] غير قاتلي. فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا تستخلف؟ فقال: لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله. قالوا: فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملا؟ أقول اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم (٢). طريق أخرى قال أبو داود الطيالسي في مسنده: ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب. قال جاءت الخوارج إلى علي فقالوا له: اتق الله فإنك ميت. قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود وقضى مقضي، وقد خاب من افترى (٣). طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو يعلى: ثنا سويد بن سعيد ثنا رشدين بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن عثمان بن صهيب عن أبيه. قال قال علي: قال لي رسول الله ﷺ : " من أشقى الأولين؟ قلت: عاقر الناقة، قال: صدقت فمن أشقى الآخرين؟ قلت: لا علم لي يا رسول الله، قال: الذي يضربك على هذه - وأشار بيده - على يافوخه فيخضب هذه من هذه

стр. 2790

يعني لحيته من دم رأسه قال: " فكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم ". طريق أخرى عن علي قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع. قال: سمعت عليا يقول لتخضبن هذه من هذه فما ينتظر بي إلا شقي، فقالوا: يا أمير المؤمنين أخبرنا به نبد عترته، قال: إذا تالله تقتلون بي غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا! ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ ، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن بسع قال: خطبنا علي فقال: " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، قال فقال الناس: فأعلمنا من هو والله لنبيدنه أو لنبيدن عترته. قال: أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلي، قالوا: إن كنت علمت ذلك فاستخلف قال لا ولكن أكلكم إلى ما وكلكم إليه رسول الله ﷺ " تفرد به أحمد. طريق أخرى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم ثنا محمد - يعني ابن راشد - عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري - وكان أبو (١) فضالة من أهل بدر -: وقال " خرجت مع أبي عائدا لعلي بن أبي طالب من مرض أصابه ثقل منه، قال فقال له أبي: ما يقيمك بمنزلك هذا لو أصابك أجلك [لم يلك] (٢) إلا أعراب جهينة؟ تحمل إلى المدينة فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك، فقال علي: إن رسول الله ﷺ عهد إلي أن لا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه - يعني هامته - قال فقتل وقتل أبو (١) فضالة يوم صفين " تفرد به أحمد أيضا. وقد رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن أبي النضر هاشم بن القاسم به (٣). طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن أبان القرشي ثنا سفيان بن عيينة ثنا

стр. 2791

كوفي يقال له عبد الملك بن أعين عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: " قال لي عبد الله بن سلام وقد وضعت رجلي في غرز الركاب لا تأتي العراق فإنك إن أتيتها أصابك بها ذباب السيف قال: وأيم الله لقد قالها ولقد قالها النبي ﷺ لي قبله. قال أبو الأسود فقلت: تالله ما رأيت رجلا محاربا يحدث بهذا قبلك غيرك ". ثم قال البزار: ولا نعلم رواه إلا علي بن أبي طالب بهذا الاسناد، ولا نعلم رواه إلا عبد الملك بن أعين عن أبي حرب، ولا رواه عنه إلا ابن عيينة. هكذا قال: وقد رأيت من الطرق المتعددة خلاف ذلك. وقال البيهقي بعد ذكره طرفا من هذه الطرق: وقد روينا في كتاب السنن باسناد صحيح عن زيد بن أسلم عن أبي سنان الدؤلي عن علي في إخبار النبي ﷺ بقتله (١). حديث آخر في ذلك قال الخطيب البغدادي: أخبرني علي بن القاسم البصري، ثنا علي بن إسحاق المارداني، أنا محمد بن إسحاق الصنعاني (٢) ثنا إسماعيل بن أبان الوراق، ثنا ناصح بن عبد الله المحلمي، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ لعلي: " من أشقى الأولين، قال: عاقر الناقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك ". حديث آخر في معنى ذلك وروى البيهقي من طريق فطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة الحماني قال: سمعت عليا على المنبر وهو يقول: " والله إنه لعهد النبي الأمي إلي إن الأمة ستغدر بك بعدي " قال البخاري: ثعلبة بن زيد (٣) الحماني في حديثه هذا نظر. قال البيهقي: وقد رويناه باسناد آخر عن علي إن كان محفوظا. أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو محمد بن شوذب الواسطي بها، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا عمرو بن عون، عن هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأزدي عن علي. قال: " إن مما عهد إلي رسول الله ﷺ أن الأمة ستغدر بك بعدي " قال البيهقي: فإن صح فيحتمل أن يكون المراد به والله أعلم في خروج من خرج عليه ثم في قتله (٤). وقال الأعمش عن عمرو بن مرة بن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأرقم. قال: خطبنا علي يوم جمعة فقال نبئت أن بسرا قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وخيانتكم وأمانتهم، وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم، قد بعثت فلانا فخان وغدر،

стр. 2792

وبعثت فلانا فخان وغدر، وبعث المال إلى معاوية لو ائتمنت أحدكم على قدح لاخذ علاقته، اللهم سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني، اللهم فأرحهم مني وأرحني منهم " قال: فما صلى الجمعة الأخرى حتى قتل ﵁ وأرضاه. صفة مقتله ﵁ ذكر ابن جرير وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس: أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة من كندة المصري وكان أسمر حسن الوجه أبلج شعره مع شحمة أذنيه وفي وجهه أثر السجود. والبرك بن عبد الله التميمي (١) وعمرو بن بكر التميمي (٢) أيضا - اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا؟ فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم علي ابن أبي طالب. وقال البرك وأنا أكفيكم معاوية: وقال عمرو بن بكر وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه فأما ابن ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذا أقبلت امرأة منهم يقال لها قطام بنت الشجنة (٣)، قد قتل علي يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سلبت عقله ونسي حاجته التي جاء لها، وخطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم وخادما وقينة. وأن يقتل لها علي بن أبي طالب. قال: فهو لك ووالله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي، فتزوجها ودخل بها ثم شرعت تحرضه على ذلك وندبت له رجلا من قومها، من تيم الرباب يقال له وردان، ليكون معه ردءا، واستمال عبد الرحمن بن ملجم رجلا آخر يقال له شبيب بن نجدة (٤) الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك: قال؟ قتل علي، فقال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر عليه؟ قال أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا

стр. 2793

وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا. فقال: ويحك لو غير علي كان أهون علي؟ قد عرفت سابقته في الاسلام وقرابته من رسول الله ﷺ فما أجدني أنشرح صدرا لقتله. فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك بعد لأي ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت (١)، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة - وهم ابن ملجم، ووردان، وشبيب - وهم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة، ويقول: الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته ﵁، ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى … (ومن الناس من يشرط نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) * [البقرة: ٢٠٧] ونادى علي: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومسك ابن ملجم وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه وهو مكتوف - قبحه الله - فقال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى: قال. فما حملك على هذا: قال؟ شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال له علي لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله، ثم قال: إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب بن عبد الله: يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ولما احتضر علي جعل يكثر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ بغيرها. وقد قيل إن آخر ما تكلم به … (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * [الزلزلة: ٧]. وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبيت في الامر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرا دونهما وكتب ذلك كله في كتاب وصيته ﵁ وأرضاه. وصورة الوصية: " بسم الله الرحمن الرحيم! هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم

стр. 2794

ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: " إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام " أنظروا إلى ذوي أرحاكم فصلوا ليهون الله عليكم الحساب الله الله في الأيتام فلا تعفو أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم، والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله ﷺ أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: " أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم " الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي الامر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمه الله (١). ثم لم ينقط إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان سنة أربعين. وقد غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري ثنا شريك عن عمران بن ظبيان عن أبي يحيى قال: لما ضرب ابن ملجم عليا قال لهم " افعلوا به كما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل برجل أراد قتله فقال: اقتلوه ثم حرقوه ". وقد روي أن أم كلثوم قالت لابن ملجم وهو واقف: ويحك! لم ضربت أمير المؤمنين؟ قال: إنما ضربت أباك فقالت: إنه لا بأس عليه، فقال: لم تبكين؟ والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين، والله لقد سمعت هذا السيف شهرا ولقد اشتريته بألف وسممته بألف. قال الهيثم بن عدي: حدثني رجل من بجيلة عن مشيخة قومه أن عبد الرحمن بن ملجم رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام كانت من أجمل النساء ترى رأي الخوارج، قد قتل علي قومها على هذا الرأي فلما أبصرها عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف وعبد

стр. 2795

وقينة، فتزوجها على ذلك فلما بنى بها قالت له: يا هذا قد فرعت فافرع فخرج ملبسا سلاحه وخرجت معه فضربت له قبة في المسجد وخرج علي يقول: الصلاة الصلاة، فاتبعه عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرن رأسه فقال الشاعر: - قال ابن جرير: هو ابن أبي مياس المرادي. فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة … كمهر قطام بينا (١) غير معجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وقتل (٢) علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلا من علي وإن غلا … ولا فتك إلا دون فتك (٣) ابن ملجم وقد عزى ابن جرير هذه الأبيات إلى ابن شاس (٤) المرادي وأنشد له ابن جرير في قتلهم عليا: ونحن ضربنا مالك الخير حيدرا … أبا حسن مأمومة فتقطرا ونحن خلعنا ملكه من نظامه … بضربة سيف إذ علا وتجبرا ونحن كرام في الهياج أعزة … إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطان وكان أحد العباد ممن يروي عن عائشة في صحيح البخاري فقال فيه: يا ضربة من تقي ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه … أوفى البرية عند الله ميزانا وأما صاحب معاوية - وهو البرك - فإنه حمل عليه وهو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف، وقيل بخنجر مسموم فجاءت الضربة في وركه فجرحت أليته ومسك الخارجي فقتل، وقد قال لمعاوية: اتركني فإني أبشرك ببشارة، فقال: وما هي؟ فقال: إن أخي قد قتل في هذا اليوم علي بن أبي طالب، قال: فلعله لم يقدر عليه، قال: بلى إنه لا حرس معه، فأمر به فقتل (٥)، وجاء الطبيب فقال لمعاوية: إن جرحك مسموم فأما أن أكويك وأما أن أسقيك شربة فيذهب السم ولكن ينقطع نسلك فقال معاوية: أما النار فلا طاقة لي بها، وأما النسل ففي

стр. 2796

يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه شربة (١) فبرأ من ألمه وجراحه واستقل وسلم ﵁. ومن حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع وجعل الحرس حولها في حال السجود، فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة. وأما صاحب عمرو بن العاص - وهو عمرو بن بكر - فإنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبه إلى الصلاة - وهو خارجة بن أبي حبيبة (٢) من بني عامر بن لؤي وكان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص، فلما أخذ الخارجي قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، فأرسلها مثلا، وقتل قبحه الله، وقد قيل إن الذي قالها عمرو بن العاص، وذلك حين جئ بالخارجي فقال: ما هذا؟ قالوا قتل نائبك خارجة، ثم أمر به فضربت عنقه. والمقصود أن عليا ﵁ لما مات صلى عليه ابنه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات ودفن بدار الامارة بالكوفة خوفا عليه من الخوارج أن ينبشوا عن جثته، هذا هو المشهور ومن قال إنه حمل على راحلته فذهبت به فلا يدري أين ذهب فقد أخطأ وتكلف مالا علم له به ولا يسيغه عقل ولا شرع، وما يعتقده كثير من جهلة الروافض من أن قبره بمشهد النجف فلا دليل على ذلك ولا أصل له، ويقال إنما ذاك قبر المغيرة بن شعبة، حكاه الخطيب البغدادي عن أبي نعيم الحافظ عن أبي بكر الطلحي، عن محمد بن عبد الله الحضرمي الحافظ، عن مطر أنه قال: لو علمت الشيعة قبر هذا الذي يعظمونه بالنجف لرجموه بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة. قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر كم كان سن علي يوم قتل؟ قال: ثلاثا وستين سنة. قلت: أين دفن؟ قال: دفن بالكوفة ليلا وقد غبي عن دفنه، وفي رواية عن جعفر الصادق أنه كان عمره ثمان وخمسين سنة، وقد قيل إن عليا دفن قبلي المسجد الجامع من الكوفة. قاله الواقدي، والمشهور بدار الامارة. وقد حكى الخطيب البغدادي عن أبي نعيم الفضل بن دكين، أن الحسن والحسين حولاه فنقلاه إلى المدينة فدفناه بالبقيع عند قبر فاطمة، وقيل إنهم لما حملوه على البعير ضل منهم فأخذته طئ يظنونه مالا فلما رأوا أن الذي في الصندوق ميت ولم يعرفوه دفنوا الصندوق بما فيه فلا يعلم أحد أين قبره، حكاه الخطيب أيضا. وروى الحافظ ابن عساكر عن الحسن قال: دفنت عليا في حجرة من دور آل جعدة. وعن عبد الملك بن عمير قال: لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار ابنه يزيد

стр. 2797

استخرجوا شيخا مدفونا أبيض الرأس واللحية كأنما دفن بالأمس فهم باحراقه ثم صرفه الله عن ذلك فاستدعى بقباطي فلفه فيها وطيبه وتركه مكانه. قالوا وذلك المكان بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد في بيت اسكاف وما يكاد يقر في ذلك الموضع أحد إلا انتقل منه. وعن جعفر بن محمد الصادق: قال: صلي على علي ليلا ودفن بالكوفة وعمي موضع قبره ولكنه عند قصر الامارة. وقال ابن الكلبي: شهد دفنه في الليل الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وغيرهم من أهل بيتهم فدفنوه في ظاهر الكوفة وعموا قبره خيفة عليه من الخوارج وغيرهم، وحاصل الامر أن عليا قتل يوم الجمعة سحرا وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان من سنة أربعين وقيل إنه قتل في ربيع الأول والأول هو الأصح الأشهر والله أعلم. ودفن بالكوفة عن ثلاث وستين سنة وصححه الواقدي وابن جرير وغير واحد، وقيل عن خمس وستين وقيل عن ثمان وستين سنة ﵁. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. فلما مات علي ﵁ استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم: إني أعرض عليك خصلة قال: وما هي؟ قال: إني كنت عاهدت الله عند الحطيم (١) أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن خليتني ذهبت إلى معاوية على أني إن لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله علي أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: كلا والله حتى تعاين النار، ثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري (٢) ثم أحرقوه بالنار، وقد قيل إن عبد الله بن جعفر قطع يديه ورجليه وكحلت عيناه وهو مع ذلك يقرأ سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى آخرها ثم جاؤوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال: إني أخشى أن تمر علي ساعة لا أذكر الله فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه ثم حرقوه في قوصرة والله أعلم. وروى ابن جرير قال: حدثني الحارث ثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال: ضرب علي يوم الجمعة فمكث يوم الجمعة، وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة. قال الواقدي: وهو المثبت عندنا والله أعلم بالصواب. ذكر زوجاته وبنيه وبناته قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي قال: " لما ولد الحسن جاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ فقلت: سميته حربا، فقال: بل هو حسن، فلما ولد الحسين قال: أروني ابني، ما سميتموه؟ فقلت: سميته حربا قال: بل هو حسين، فلما ولد الثالث جاء النبي ﷺ فقال أروني ابني ما سميتموه؟ فقلت:

стр. 2798

حربا فقال: بل هو محسن، ثم قال: إني سميتهم باسم ولد هارون شبر وشبير ومشبر " (١) وقد رواه محمد بن سعد عن يحيى بن عيسى التيمي عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال قال علي: كنت رجلا أحب الحرب فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حربا، فذكر الحديث بنحو ما تقدم لكن لم يذكر الثالث. وقد ورد في بعض الأحاديث أن عليا سمى الحسن أولا بحمزة وحسينا بجعفر فغير أسميهما رسول الله ﷺ . فأول زوجة تزوجها علي ﵁ فاطمة بنت رسول الله ﷺ بنى بها بعد وقعة بدر فولدت له الحسن وحسينا ويقال ومحسنا ومات وهو صغير، وولدت له زينب الكبرى وأم كلثوم وهذه تزوج بها عمر بن الخطاب كما تقدم. ولم يتزوج علي على فاطمة حتى توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، فلما ماتت تزوج بعدها بزوجات كثيرة، منهن من توفيت في حياته ومنهن من طلقها، وتوفي عن أربع كما سيأتي، فمن زوجاته أم البنين بنت حرام وهو المحل بن خالد (٢) بن ربيعة بن كعب بن عامر بن كلاب فولدت له العباس وجعفرا وعبد الله وعثمان. وقد قتل هؤلاء مع أخيهم الحسين بكربلاء ولا عقب لهم سوى العباس. ومنهن ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك من بني تميم فولدت له عبيد الله وأبا بكر، قال هشام بن الكلبي: وقد قتلا بكربلاء أيضا. وزعم الواقدي أن عبيد الله قتله المختار بن أبي عبيد يوم الدار (٣). ومنهن أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له يحيى ومحمدا الأصغر قاله الكلبي. وقال الواقدي: ولدت له يحيى وعونا قال الواقدي: فأما محمد الأصغر فمن أم ولد. ومنهن أم حبيبة بنت زمعة (٤) بن بحر بن العبد بن علقمة وهي أم ولد من السبي الذين سباهم خالد من بني تغلب حين أغار على عين التمر فولدت له عمر - وقد عمر خمسا وثلاثين (٥) سنة - ورقية. ومنهن أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى. ومنهن ابنة امرئ القيس (٦) بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن كلب الكلبية فولدت له جارية فكانت تخرج مع علي إلى المسجد وهي صغيرة فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول: وه وه تعني بني كلب: ومنهن أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وأمها زينب بنت رسول الله

стр. 2799

ﷺ ، وهي التي كان رسول الله ﷺ ، يحملها وهو في الصلاة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، فولدت له محمدا الأوسط، وأما ابنه محمد الأكبر فهو ابن الحنفية وهي خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل سباها خالد أيام الصديق أيام الردة من بني حنيفة فصارت لعلي بن أبي طالب فولدت له محمدا هذا، ومن الشيعة من يدعي فيه الإمامة والعصمة، وقد كان من سادات المسلمين ولكن ليس بمعصوم ولا أبوه معصوم بل ولا من هو أفضل من أبيه من الخلفاء الراشدين قبله ليسوا بواجبي العصمة كما هو مقرر في موضعه والله أعلم. وقد كان لعلي أولاد كثيرة من أمهات أولاد شتى فإنه مات عن أربع نسوة وتسع عشرة سرية ﵁ فمن أولاده ﵃ ممن لا يعرف أسماء أمهاتهم أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الكبرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم جعفر وأم سلمة وجمانة، قال ابن جرير: فجميع ولد علي أربعة عشر ذكرا وسبع عشرة أنثى (١). قال الواقدي: وإنما كان النسل من خمسة وهم الحسن والحسين ومحمد [ابن الحنفية والعباس بن] (٢) الكلابية وعمر بن التغلبية ﵃ أجمعين. وقد قال ابن جرير: حدثني ابن سنان القزاز ثنا أبو عاصم ثنا مسكين بن عبد العزيز أنا حفص بن خالد حدثني أبي خالد بن جابر قال: " سمعت الحسن لما قتل علي قام خطيبا فقال: لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة نزل فيها القرآن، ورفع فيها عيسى بن مريم، وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى والله ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد يكوه بعده، والله أن كان رسول الله ﷺ ليبعثه في السرية جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثمانمائة أو تسعمائة أرصدها لحادثة " وهذا غريب جدا وفيه نكارة والله أعلم. وهكذا رواه أبو يعلى عن إبراهيم بن الحجاج عن مسكين به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن شريك عن أبي إسحاق عن هبيرة قال: خطبنا الحسن بن علي قال: " لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم ولا يدركه الآخرون، كان رسول الله ﷺ يبعثه بالراية جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يفتح له. ورواه زيد العمي وشعيب بن خالد عن أبي إسحاق به وقال " ما ترك إلا سبعمائة كان أرصدها يشتري بها خادما " (٣): وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا شريك، عن عاصم بن كريب، عن محمد بن كعب القرظي أن عليا قال: " لقد رأيتني مع رسول الله وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفا " ورواه عن أسود عن شريك به وقال " إن صدقتي لتبلغ أربعين ألف دينار ".

стр. 2800

شئ من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من ذلك أنه أقرب العشرة المشهود لهم بالجنة نسبا من رسول الله ﷺ فإنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصي واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو الحسن القرشي الهاشمي فهو ابن عم رسول الله ﷺ وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. قال الزبير بن بكار: وهي أول هاشمية ولدت هاشميا. وقد أسلمت وهاجرت، وأبوه هو العم الشقيق الرفيق أبو طالب واسمه عبد مناف كذا نص على ذلك الإمام أحمد بن حنبل هو وغير واحد من علماء النسب وأيام الناس. وزعمت الروافض أن اسم أبي طالب عمران وانه المراد من قوله تعالى … (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) … [آل عمران: ٣٣] وقد أخطأوا في ذلك خطأ كثيرا ولم يتأملوا القرآن قبل أن يقولوا هذا البهتان من القول في تفسيرهم له على غير مراد الله تعالى، فإنه قد ذكر بعد هذه قوله تعالى … (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) … [آل عمران: ٣٥] فذكر ميلاد مريم بنت عمران ﵍ وهذا ظاهر ولله الحمد. وقد كان أبو طالب كثير المحبة الطبيعية لرسول الله ﷺ ولم يؤمن به إلى أن مات على دينه كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه في عرضه ﵇ على عمه أبي طالب وهو في السياق أن يقول لا إله إلا الله فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال كان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فخرج رسول الله وهو يقول " أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فنزل في ذلك قوله تعالى • (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) … [القصص: ٥٦] ثم نزل بالمدينة قوله تعالى … (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) … [التوبة: ١١٣] وقد قررنا ذلك في أوائل المبعث ونبهنا على خطأ الرافضة في دعواهم أنه أسلم وافترائهم ذلك بلا دليل على مخالفة النصوص الصريحة. وأما علي ﵁ فإنه أسلم قديما وهو دون البلوغ على المشهور، ويقال إنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلم من النساء، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي. وقد روى الترمذي وأبو يعلى عن إسماعيل بن السدي عن علي بن عياش عن مسلم الملائي عن حبة بن جوين عن علي - وحبة لا يساوي حبة - عن أنس بن مالك قال: " بعث رسول الله يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء " ورواه بعضهم عن مسلم الملائي عن حبة بن جوين عن علي - وحبة لا يساوي حبة - وقد روى سلمة بن كهيل عن حبة عن علي قال: عبدت الله مع رسول الله سبع سنين قبل أن يعبده أحد "

стр. 2801

وهذا لا يصح أبدا وهو كذب وروى سفيان الثوري وشعبة عن سلمة عن حبة عن علي قال: " أنا أول من أسلم " وهذا لا يصح أيضا وحبة ضعيف وقال سويد بن سعيد ثنا نوح بن قيس بن سليمان بن عبد الله عن معاذة العدوية قالت: سمعت علي بن أبي طالب على منبر البصرة يقول: " أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم " وهذا لا يصح قاله البخاري، وقد ثبت عنه بالتواتر أنه قال على منبر الكوفة: " أيها الناس! إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت ". وقد تقدم ذلك في فضائل الشيخين ﵄ وأرضاهما. قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، ثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال: " أول من صلى - وفي رواية أسلم - مع رسول الله بعد خديجة علي بن أبي طالب " ورواه الترمذي من حديث شعبة عن أبي بلج به وقد روي عن زيد بن أرقم وأبي أيوب الأنصاري أنه صلى قبل الناس بسبع سنين وهذا لا يصح من أي وجه كان روي عنه. وقد ورد في أنه أول من أسلم من هذه الأمة أحاديث كثيرة لا يصح منها شئ، وأجود ما في ذلك ما ذكرنا. على أنه قد خولف فيه وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في تاريخه بتطريق هذه الروايات، فمن أراد كشف ذلك فعليه بكتابه التاريخ والله الموفق للصواب. وقد روى الترمذي والنسائي عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن زيد، عن زيد بن أرقم قال: " أول من أسلم علي " قال الترمذي: حسن صحيح. وصحب علي رسول الله ﷺ مدة مقامه بمكة، وكان عنده في المنزل وفي كفالته في حياة أبيه لفقر حصل لأبيه في بعض السنين مع كثرة العيال، ثم استمر في نفقة رسول الله ﷺ بعد ذلك إلى زمن الهجرة وقد خلفه رسول الله ﷺ ليؤدي ما كان عنده ﵇ من ودائع الناس، فإنه كان يعرف في قومه بالأمين، فكانوا يودعونه الأموال والأشياء النفسية ثم هاجر علي بعد رسول الله ﷺ وصحب رسول الله ﷺ إلى أن توفي وهو راض عنه وحضر معه مشاهده كلها وجرت له مواقف شريفة بين يديه في مواطن الحرب كما بينا ذلك في السيرة بما أغنى عن إعادته ها هنا، كيوم بدر وأحد والأحزاب وخيبر وغيرها، ولما استخلفه عام تبوك على أهله بالمدينة قال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " وقد ذكرنا تزويجه فاطمة بنت رسول الله ودخوله بها بعد وقعة بدر بما أغنى عن إعادته. ولما رجع ﵇ من حجة الوداع فكان بين مكة والمدينة بمكان يقال له غدير خم خطب الناس هنالك في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة في خطبته: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وفي بعض الروايات: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " والمحفوظ الأول، وإنما كان سبب هذه الخطبة والتنبيه على قضله ما ذكره ابن إسحاق من أن عليا لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن أميرا هو وخالد بن الوليد ورجع علي فوافى رسول الله ﷺ بمكة في حجة الوداع وقد كثرت فيه المقالة وتكلم فيه بعض من كان معه بسبب استرجاعه منهم خلعا كان خلعها نائبه عليهم لما تعجل السير إلى رسول الله ﷺ ، فلما تفرغ رسول الله من حجة الوداع أحب أن

стр. 2802

يبرئ ساحة علي مما نسب إليه من القول الذي لا أصل له، وقد اتخذت الروافض هذا اليوم عيدا، فكانت تضرب فيه الطبول ببغداد في أيام بني بويه في حدود الأربعمائة كما سننبه عليه إذا انتهينا إليه إن شاء الله. ثم بعد ذلك بنحو من عشرين يوما تعلق المسوح على أبواب الدكاكين ويذر التبن والرماد، وتدور الذراري والنساء في سكك البلد تنوح على الحسين بن علي يوم عاشوراء صبيحة قراءتهم المصرع المكذوب في قتله، وسنبين الحق في صفة قتله كيف وقع الامر على الجلية إن شاء الله تعالى. وقد كان بعض بني أمية يعيب عليا بتسميته أبا تراب وهذا الاسم إنما سماه به رسول الله ﷺ كما ثبت في الصحيحين عن سهل بن سعد أن عليا غاضب فاطمة فراح إلى المسجد فجاءه رسول الله فوجده نائما وقد لصق التراب بجلده فجعل ينفض عنه التراب ويقول: " إجلس أبا تراب ". حديث المؤاخاة قال الحاكم حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد، ثنا الحسين بن جعفر القرشي، ثنا العلاء بن عمرو الحنفي، ثنا أيوب بن مدرك، عن مكحول عن أبي أمامة قال: " لما آخى رسول الله ﷺ بين الناس آخى بينه وبين علي " ثم قال الحاكم لم نكتبه من حديث مكحول إلا من هذا الوجه وكان المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام. قلت: وفي صحة هذا الحديث نظر، وورد من طريق أنس وعمر أن رسول الله ﷺ قال: " أنت أخي في الدنيا والآخرة " وكذلك من طريق زيد بن أبي أوفى وابن عباس ومحدوج بن زيد الذهلي وجابر بن عبد الله وعامر بن ربيعة وأبي ذر وعلي نفسه نحو ذلك وأسانيدها كلها ضعيفة لا يقو بشئ منها حجة والله أعلم. وقد جاء من غير وجه أنه قال: " أنا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها بعدي إلا كذاب " وقال الترمذي: ثنا يوسف بن موسى القطان البغدادي، ثنا علي بن قادم، ثنا علي بن صالح بن حيي. عن حكيم بن جبير، عن جميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر قال: " آخى رسول الله بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخي بيني وبين أحد، فقال رسول الله ﷺ أنت أخي في الدنيا والآخرة " ثم قال: هذا حديث حسن غريب وفيه عن زيد بن أبي أوفى، وقد شهد بدرا. وقد قال رسول الله لعمر: " وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "؟ وبارز يومئذ كما تقدم وكانت له اليد البيضاء ودفع إليه رسول الله ﷺ الراية يومئذ وهو ابن عشرين سنة قاله الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال وكانت تكون معه راية المهاجرين في المواقف كلها، وكذلك قال سعيد بن المسيب وقتادة. وقال خيثمة بن سليمان الأطرابلسي الحافظ: حدثنا أحمد بن حازم عن ابن أبي غرزة، ثنا إسماعيل بن أبان، ثنا ناصح بن عبد الله المحلمي، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال قالوا يا رسول الله من يحمل رأيتك يوم القيامة؟ قال: " ومن عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من

стр. 2803

كان يحملها في الدنيا علي بن أبي طالب "؟ وهذا إسناد ضعيف. ورواه ابن عساكر عن أنس بن مالك ولا يصح أيضا. وقال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد عن سعيد بن محمد الحنظلي، عن أبي جعفر بن علي قال: نادى مناد في السماء يوم بدر: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على " قال الحافظ ابن عساكر وهذا مرسل وإنما تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر ثم وهبه لعلي بعد ذلك (١). وقال الزبير بن بكار: حدثني علي بن المغيرة عن معمر بن المثنى قال: كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة فقتله علي بن أبي طالب ففي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمي: لله أي مذنب عن حربه … أعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك له بعاجل طعنة … تركت طليحة للجبين مجندلا وشددت شدة باسل فكشفتهم … بالحق إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن … لترده حران حتى ينهلا وشهد بيعة الرضوان وقد قال الله تعالى … (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) … [الفتح: ١٨] وقال رسول الله ﷺ " لن يدخل أحد بايع تحت الشجرة النار ". وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار يفتح الله على يديه " فبات الناس يدوكون (٢) أيهم يعطاها حتى قال عمر: ما أحببت الامارة إلا يومئذ، فلما أصبح أعطاها عليا ففتح الله على يديه (٣)، ورواه جماعة منهم مالك والحسن ويعقوب بن عبد الرحمن وجرير بن عبد الحميد، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز بن المختار، وخالد بن عبد الله بن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة أخرج مسلم. ورواه ابن أبي حازم عن سهل بن سعد أخرجاه في الصحيحين وقال في حديثه: " فدعا به رسول الله وهو أرمد فبصق في عينيه فبرأ " ورواه إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه ويزيد بن أبي عبيد عن مولاه سلمة أيضا، وحديثه عنه في الصحيحين (٤). وقال محمد بن إسحاق: حدثني بريدة عن سفيان عن أبي فروة الأسلمي عن أبيه عن سلمة بن عمرو بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، ثم بعث عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد فقال رسول الله ﷺ

стр. 2804

لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار، قال سلمة: فدعا رسول الله عليا وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك، قال سلمة فخرج والله بها يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رجم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال اليهودي: غلبتم ومن أنزل التوراة على موسى قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه " (١) وقد رواه عكرمة بن عمار، عن عطاء مولى السائب عن سلمة بن الأكوع وفيه أنه هو الذي جاء به يقوده وهو أرمد حتى بصق رسول الله في عينيه فبرأ. رواية بريدة بن الحصيب. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب ثنا الحسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، حدثني بريدة بن الحصيب قال: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه من الغد عمر فخرج فرجع ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد فقال رسول الله: إني دافع اللواء غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له - وبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا - قال: فلما أصبح رسول الله ﷺ صلى الغداة، ثم قام قائما فدعا باللواء والناس على مصافهم فدعا عليا وهو أرمد فتفل في عينيه ودفع إليه اللواء ففتح له، قال بريدة: وأنا فيمن تطاول لها (٢)، ورواه النسائي من حديث الحسين بن واقد به أطول منه ثم رواه أحمد عن محمد بن جعفر وروح كلاهما عن عوف عن ميمون أبي عبد الله الكردي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه به نحوه، وأخرجه النسائي عن بندار وغندر به وفيه الشعر. رواية عبد الله بن عمر ورواه هشيم عن العوام بن حوشب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر فذكر سياق حديث بريدة ورواه كثير من النواء عن جميع بن عمير عن ابن عمر نحوه وفيه " قال علي: فما رمدت بعد يومئذ " ورواه أحمد عن وكيع عن هشام بن سعيد عن عمر بن أسيد عن ابن عمر كما سيأتي. رواية ابن عباس وقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو عوانة، عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فقال أين علي؟ قالوا: يطحن، قال وما أحد منهم يرضى أن يطحن، فأتي به فدفع إليه الراية فجاء بصفية بنت حيي بن أخطب " وهذا غريب من هذا الوجه وهو مختصر من حديث طويل، ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس فذكره بتمامه فقال الإمام أحمد عن يحيى بن حماد: ثنا

стр. 2805

أبو عوانة ثنا أبو بلج ثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس، إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا بن عباس أما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا هؤلاء؟ فقال: بل أقوم معكم - وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى - قال: وابتدأوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا قال فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف، وقعوا في رجل له عشر وقعوا في رجل قال له النبي ﷺ : " لأبعثن رجلا لا يخزيه الله أبدا يحب الله ورسوله قال: فاستشرف لها من استشرف قال: أي علي؟ قالوا: هو في الرحا يطحن، قال: وما كان أحدكم ليطحن، قال فجاء وهو أرمد لا يكاد أن يبصر فنفث في عينيه ثم هز الراية ثلاثا فأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حيي بن أخطب قال: ثم بعث فلانا بسورة التوبة فبعث عليا خلفه فأخذها ثم قال: لا يذهب بها إلا رجل مني وأنا منه. قال وقال لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فأبوا قال: وعلي معه جالس فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة قال فتركه ثم أقبل على رجال منهم فقال: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة فأبوا فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة فقال: أنت وليي في الدنيا والآخرة " قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة، قال: وأخذ رسول الله ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال وشرى على نفسه لبس ثوب النبي ﷺ ثم نام مكانه، قال وكان المشركون يرومون رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر وعلي نائم وأبو بكر يحسب أنه نبي الله فقال: يا نبي الله! فقال له علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمونة فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار قال: وجعل علي يرمي بالحجارة كما كان يرمى رسول الله ﷺ وهو يتضرر وقد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك لئيم كان صاحبك نرميه فلا يتضرر وأنت تتضرر وقد استنكرنا ذلك، قال: وخرج - يعني رسول الله ﷺ في غزوة تبوك - فقال له علي: أخرج معك؟ فقال له النبي ﷺ : لا! فبكى علي فقال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي؟ إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " قال وقال له رسول الله ﷺ : " أنت ولي كل مؤمن " بعدي قال وسد أبواب المسجد غير باب علي قال فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره، قال وقال " من كنت مولاه فإن عليا مولاه " قال: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم فهل حدثنا أنه سخط عليهم بعد. قال وقال نبي الله ﷺ لعمر حين قال ائذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق - يعني حاطب بن أبي بلتعة - قال: " وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وقد روى الترمذي بعضه من طريق شعبة عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم واستغربه، وأخرج النسائي بعضه أيضا عن محمد بن المثنى عن يحيى بن حماد به. وقال البخاري في التاريخ: ثنا عمر بن عبد الوهاب الرماحي ثنا معمر بن سليمان، عن أبيه عن منصور، عن ربعي، عن عمران بن حصين. قال قال رسول الله ﷺ : " لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبعث إلى علي وهو أرمد فتفل في عينيه
следующие страницы →