الحضرمي، ثنا علي بن المنذر الطريفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء - من أهل تستر - ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث الأعور أن عليا سأل ابنه - يعني الحسن - عن أشياء من المروءة فقال: يا بني ما السداد؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة. قال: فما المروءة؟ قال: العفاف واصلاح المرء ماله. قال: فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير. قال: فما اللوم؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه. قال: فما السماحة؟ قال: البذل في العسر واليسر. قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا. قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشدة والرخاء. قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو. قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا. قال: فما الحلم؟ قال كظم الغيظ وملك النفس. قال: فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قل، فإنما الغنى غنى النفس. قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شئ. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومقارعة أشد الناس. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقية؟ قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الاقران. قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم وأن تعفو عن الجرم. قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته. قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك. قال: فما الثناء؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح. قال: فما الحزم؟ قال: طول الأناة، والرفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم قال: فما الشرف؟ قال: موافقة الاخوان، وحفظ الجيران. قال فما السفه؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة. قال: فما الغفلة؟ قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد. قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك. قال: فمن السيد؟ قال: الأحمق في المال المتهاون بعرضه، يشتم فلا يجيب المتحرن بأمر العشيرة هو السيد. قال ثم قال علي: يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أفضل من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء، ورأس الايمان الصبر، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الطرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر " ثم قال علي: يا بني لا تستخفن برجل تراه أبدا، فإن كان أكبر منك فعده أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. فهذا ما سأل علي ابنه عن أشياء من المروءة. قال القاضي أبو الفرج: ففي هذا الخبر من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه، وحفظه ووعاه، وعمل به وأدب نفسه بالعمل عليه، وهذبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده. وفيما رواه أمير المؤمنين وأضعافه عن النبي ﷺ
стр. 2872
مالا غنى لكل لبيب عليم، وقدرة حكيم، عن حفظه وتأمله، والمسعود من هدي لتلقيه، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله. قلت: ولكن إسناد هذا الأثر وما فيه من الحديث المرفوع ضعيف، ومثل هذه الألفاظ في عبارتها ما يدل ما في بعضها من النكارة على أنه ليس بمحفوظ والله أعلم. وقد ذكر الأصمعي والعتبي والمدائني وغيرهم: أن معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا فأجابه بنحو ما تقدم، لكن هذا السياق أطول بكثير مما تقدم فالله أعلم. وقال علي بن العباس الطبراني: كان على خاتم الحسن بن علي مكتوبا:
قدم لنفسك ما استطعت من التقى … إن المنية نازلة بك يا فتى
أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى … أحباب قلبك في المقابر والبلى
قال الإمام أحمد: حدثنا مطلب بن زياد بن محمد، ثنا محمد بن أبان، قال: قال الحسن بن علي لبنيه وبني أخيه: " تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم وتكونوا كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب ". رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. وقال محمد بن سعد: ثنا الحسن بن موسى وأحمد بن يونس قالا: ثنا زهير بن معاوية، ثنا أبو إسحاق، عن عمرو الأصم، قال قلت للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله! ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ماله. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبو علي سويد الطحان، ثنا علي بن عاصم، ثنا أبو ريحانة، عن سفينة عن النبي ﷺ قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " فقال رجل كان حاضرا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية. فقال: من ها هنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن علي، بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا. وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسل في أيامه محجمة من دم. وقال ابن أبي خيثمة: وحدثنا أبي، ثنا وهب بن جرير قال: قال أبي: فلما قتل علي بايع أهل الكوفة الحسن بن علي وأطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة عن ابن شوذب. قال: لما قتل علي سار الحسن في أهل العراق وسار معاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، قال: فيقول لهم: العار خير من النار. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا العباس بن هشام، عن أبيه قال: لما قتل علي بايع الناس الحسن بن علي فوليها سبعة وأحد عشر يوما. وقال غير عباس: بايع الحسن أهل الكوفة، وبايع أهل الشام معاوية بايلياء بعد قتل علي، وبويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة أربعين، ثم لقي الحسن معاوية بمسكن - من سواد الكوفة - في سنة إحدى وأربعين فاصطلحا، وبايع الحسن معاوية. وقال غيره: كان صلحهما ودخول معاوية الكوفة في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين. وقد تكلمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم بما أغنى عن إعادته ها هنا.
стр. 2873
وحاصل ذلك أنه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ ما في بيت المال الذي بالكوفة، فوفى له معاوية بذلك فإذا فيه خمسة آلاف ألف، وقيل سبعة آلاف ألف، وعلى أن يكون خراج، وقيل دار ابجرد له في كل عام، فامتنع أهل تلك الناحية عن أداء الخراج إليه، فعوضه معاوية عن كل ستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ماله في كل زيارة من الجوائز والتحف والهدايا، إلى أن توفي في هذا العام. وقال محمد بن سعد عن هودة بن خليفة، عن عوف، عن محمد بن سيرين قال: لما دخل معاوية الكوفة وبايعه الحسن بن علي قال أصحاب معاوية لمعاوية: مر الحسن بن علي أن يخطب، فإنه حديث السن عيي، فلعله يتلعثم فيتضع في قلوب الناس. فأمره فقام فاختطب فقال في خطبته: " أيها الناس لو اتبعتم بين جابلق وجابرس رجلا جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا بيعتنا معاوية ورأينا أن حقن دماء المسلمين خير من إهراقها، والله ما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " - وأشار إلى معاوية - فغضب من ذلك وقال: ما أردت من هذه؟ قال: أردت منها ما أراد الله منها. فصعد معاوية وخطب بعده. وقد رواه غير واحد وقدمنا أن معاوية عتب على أصحابه. وقال محمد بن سعد: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن يزيد قال: سمعت جبير بن نفير الحضرمي يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة؟ فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أثيرها ثانيا من أهل الحجاز. وقال محمد بن سعد: أنا علي بن محمد عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال: دخل رجل على الحسن بن علي وهو بالمدينة وفي يده صحيفة فقال: ما هذه؟ فقال: ابن معاوية يعدنيها ويتوعد، قال: قد كنت على النصف منه، قال: أجل ولكن خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر أو أقل، تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمه. وقال الأصمعي عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله. قال: رأى الحسن بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه، … (قل هو الله أحد) … ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقل ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلا أياما حتى مات. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا عبد الرحمن بن صالح العتكي ومحمد؟؟ عثمان العجلي قالا: ثنا أبو أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق. قال: دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مرارا وما سقيت مرة هي أشد من هذه. قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني، فقال ما أسألك شيئا يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد. وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه، فقال: أي أخي! من صاحبك؟ قال: تريد قتله، قال: نعم! قال لئن كان صاحبي الذي أظن لله أشد نقمة. وفي رواية: فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكنه ما أحب أن تقتل بي بريئا. ورواه
стр. 2874
محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون. وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور. قالت: الحسن سقي مرارا كل ذلك يفلت منه، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا. وقال الواقدي: وحدثنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت: حد نساء بني هاشم على الحسن بن علي سنة. قال الواقدي: وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن حسن قال: كان الحسن بن علي كثير نكاح النساء، وكان قل ما يحظين عنده، وكان قل امرأة تزوجها إلا أحبته وضنت به، فيقال إنه كان سقي سما، ثم أفلت، ثم سقي فأفلت ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجل قطع السم إمعاءه، فقال الحسين: يا أبا محمد أخبرني من سقاك؟ قال: ولم يا أخي؟ قال: أقتله والله قبل أن أدفنك ولا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه. فقال: يا أخي إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى التقي أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميه. وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما. قال محمد بن سعد: وأنا يحيى بن حمال أنا أبو عوانة عن المغيرة عن أم موسى أن جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السم فاشتكى منه شكاة، قال فكان يوضع تحت طشت ويرفع آخر نحوا من أربعين يوما. وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سمي الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟ وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى، وقد قال كثير نمرة في ذلك:
يا جعد بكيه ولا تسأمي … بكاء حق ليس بالباطل
لن تستري البيت على مثله … في الناس من حاف ولا ناعل
أعني الذي أسلمه أهله … للزمن المستخرج الماحل
كان إذا شبت له ناره … يرفعها بالنسب الماثل
كيما يراها بائس مرمل … أو فرد قوم ليس بالآهل
تغلي بني اللحم حتى إذا … أنضج لم تغل على آكل
قال سفيان بن عيينة عن رقبة بن مصقلة قال: لما احتضر الحسن بن علي قال: أخرجوني إلى الصحن أنظر في ملكوت السماوات. فأخرجوا فراشه فرفع رأسه فنظر فقال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس علي، قال: فكان مما صنع الله له أنه احتسب نفسه عنده. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لما اشتد بسفيان الثوري المرض جزع جزعا شديدا فدخل عليه مرحوم بن عبد العزيز فقال: ما هذا الجزع يا أبا عبد الله؟ تقدم على رب عبدته ستين سنة، صمت له، صليت له، حججت له، قال فسري عن الثوري. وقال أبو نعيم: لما اشتد
стр. 2875
بالحسن بن علي الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك علي وفاطمة، وعلى جديك النبي ﷺ وخديجة، وعلى أعمامك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم الطيب ومطهر وإبراهيم، وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب، قال: فسرى عنه. وفي رواية أن القائل له ذلك الحسين، وأن الحسن قال له: يا أخي إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط قال: فبكى الحسين ﵄. رواه عباس الدوري عن ابن معين، ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما. وقال الواقدي: ثنا إبراهيم بن الفضل، عن أبي عتيق قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهدنا حسن بن علي يوم مات وكادت الفتنة تقع بين الحسين بن علي ومروان بن الحكم، وكان الحسن قد عهد إلى أخيه أن يدفن مع رسول الله، فإن خاف أن يكون في ذلك قتال أو شر فليدفن بالبقيع، فأبى مروان أن يدعه - ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية - ولم يزل مروان عدوا لبني هاشم حتى مات، قال جابر: فكلمت يومئذ حسين بن علي فقلت: يا أبا عبد الله اتق الله ولا تثر فتنة فإن أخاك كان لا يحب ما ترى، فادفنه بالبقيع مع أمه ففعل. ثم روى الواقدي: حدثني عبد الله بن نانع، عن أبيه، عن عمر قال حضرت موت الحسن بن علي فقلت للحسين بن علي اتق الله ولا تثر فتنة ولا تسفك الدماء: وادفن أخاك إلى جانب أمه، فإن أخاك قد عهد بذلك إليك، قال ففعل الحسين. وقد روى الواقدي عن أبي هريرة نحوا من هذا، وفي رواية أن الحسن بعث يستأذن عائشة في ذلك فأذنت له، فلما مات لبس الحسين السلاح وتسلح بنو أمية وقالوا: لا ندعه يدفن مع رسول الله ﷺ ، أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن الحسن بن علي في الحجرة؟ فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وجابر وابن عمر على الحسين أن لا يقاتل فامتثل ودفن أخاه قريبا من قبر أمه بالبقيع، ﵁. وقال سفيان الثوري عن سالم بن أبي حفصة عن أبي حازم قال: رأيت الحسين بن علي قدم يومئذ سعيد بن العاص فصلى على الحسن وقال: لولا أنها سنة ما قدمته. وقال محمد بن إسحاق: حدثني مساور مولى بني سعد بن بكر قال: رأيت أبا هريرة قائما على مسجد رسول الله يوم مات الحسن بن علي وهو ينادي بأعلا صوته: يا أيها الناس مات اليوم حب رسول الله فابكوا. وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحدا من الزحام. وقد بكاه الرجال والنساء سبعا، واستمر نساء بني هاشم ينحن عليه شهرا، وحدت نساء بني هاشم عليه سنة. قال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن يحيى ثنا سفيان عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قتل علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات لها حسن، وقتل لها الحسين ﵃. وقال شعبة عن أبي بكر بن حفص قال: توفي سعد والحسن بن علي في أيام بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين. وقال علية، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: توفي الحسن وهو ابن سبع وأربعين، وكذا قال غير واحد وهو أصح. والمشهور أنه مات سنة تسع وأربعين كما ذكرنا، وقال آخرون:
стр. 2876
مات سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين أو ثمان وخمسين.
سنة خمسين من الهجرة
ففي هذه السنة توفي أبو موسى الأشعري في قول، والصحيح سنة ثنتين وخمسين كما سيأتي. فيها حج بالناس معاوية، وقيل ابنه يزيد، وكان نائب المدينة في هذه السنة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق وسجستان وفارس والسند والهند زياد. وفي هذه السنة اشتكى بنو نهشل على الفرزدق إلى زياد فهرب منه إلى المدينة، وكان سبب ذلك أنه عرض بمعاوية في قصيدة له فتطلبه زياد أشد الطلب ففر منه إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، وقال في ذلك أشعارا، ولم يزل فيما بين مكة والمدينة حتى توفي زياد فرجع إلى بلاده، وقد طول ابن جرير هذه القصة. وقد ذكر ابن جرير في هذه السنة من الحوادث ما رواه من طريق الواقدي: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه أن معاوية كان قد عزم على تحويل المنبر النبوي من المدينة إلى دمشق وأن يأخذ العصاة التي كان النبي ﷺ يمسكها في يده إذا خطب فيقف على المنبر وهو ممسكها، حتى قال أبو هريرة وجابر بن عبد الله: يا أمير المؤمنين نذكرك الله أن تفعل هذا فإن هذا، لا يصلح أن يخرج المنبر من موضع وضعه فيه رسول الله ﷺ ، وأن يخرج عصاه من المدينة. فترك ذلك معاوية ولكن زاد في المنبر ست درجات واعتذر إلى الناس. ثم روى الواقدي أن عبد الملك بن مروان في أيامه عزم على ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية كان قد عزم على هذا ثم ترك، وأنه لما حرك المنبر خسفت الشمس فترك. ثم لما حج الوليد بن عبد الملك أراد ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية وأباك أرادا ذلك ثم تركاه، وكان السبب في تركه أن سعيد بن المسيب كلم عمر بن عبد العزيز أن يكلمه في ذلك ويعظه فترك. ثم لما حج سليمان أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان عزم عليه الوليد، وأن سعيد بن المسيب نهاه عن ذلك، فقال: ما أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد، وما يكون لنا أن نفعل هذا، مالنا وله، وقد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا فنريد أن نعمد إلى علم من أعلام الاسلام يفد إليه الناس فنحمله إلى ما قبلنا. هذا ما لا يصلح ﵀.
وفي هذه السنة عزل معاوية عن مصر معاوية بن خديج وولى عليها من إفريقية مسلمة بن مخلد، وفيها افتتح عقبة بن نافع الفهري عن أمر معاوية بلاد إفريقية، واختط القيروان - وكان غيضة تأوي إليها السباع والوحوش والحيات العظام، فدعا الله تعالى فلم يبق فيها شئ من ذلك حتى أن السباع صارت تخرج منها تحمل أولادها، والحيات يخرجن من أجحارهن هوارب - فأسلم خلق كثير من البربر فبنى في مكانها القيروان. وفيها غزا بسر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف أرض الروم، وفيها غزا فضالة بن عبيد البحر، وفيها توفي مدلاج بن عمرو السلمي صحابي جليل شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ولم أر له ذكرا في الصحابة.
стр. 2877
صفية بنت حيي بن أخطب
ابن شعبة (١) بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج (٢) بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن نحوم، أم المؤمنين النضرية من سلالة هارون ﵇، وكانت مع أبيها وابن عمها أخطب بالمدينة، فلما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير ساروا إلى خيبر، وقتل أبوها مع بني قريظة صبرا كما قدمنا فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر كانت في جملة السبي فوقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي، فذكر لها جمالها وأنها بنت ملكهم، فاصطفاها لنفسه وعوضه منها وأسلمت وأعتقها وتزوجها، فلما حلت بالصهباء (٣) بنى بها، وكانت ماشطتها أم سليم، وقد كانت تحت ابن عمها كنانة بن أبي الحقيق فقتل في المعركة، ووجد رسول الله بخدها لطمة فقال: ما هذه؟ فقالت: إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب فسقط في حجري فقصيت المنام على ابن عمي فلطمني وقال: تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب؟ فهذه من لطمته. وكانت من سيدات النساء عبادة وورعا وزهادة وبرا وصدقة، ﵂ وأرضاها. قال الواقدي: توفيت سنة خمسين وقال غيره سنة ست وثلاثين، والأول أصح.
وأما أم شريك الأنصارية
ويقال العامرية فهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ فقيل قبلها وقيل لم يقبلها، ولم تتزوج حتى مات (٤) ﵂ وهي التي سقيت بدلو من السماء لما منعها المشركون الماء فأسلموا عند ذلك، واسمها غزية، وقيل عزيلة بني عامر على الصحيح، قال ابن الجوزي: ماتت سنة خمسين ولم أره لغيره.
وأما عمرو بن أمية الضمري
فصحابي جليل أسلم بعد أحد، وأول مشاهده بئر معونة، وكان ساعي رسول الله ﷺ بعثه إلى النجاشي في تزويج أم حبيبة وأن يأتي بمن بقي من المسلمين، وله أفعال حسنة، وآثار محمودة، ﵁ توفي في خلافة معاوية.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي - في كتابه المنتظم - أن في هذه السنة توفي جبير بن مطعم وحسان بن ثابت، والحكم بن عمرو الغفاري، ودحية بن خليفة الكلبي، وعقيل بن أبي
стр. 2878
طالب، وعمرو بن أمية الضمري بدري، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي، وأم شريك الأنصارية. ﵃ أجمعين.
أما جبير بن مطعم
ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبو محمد وقيل أبو عدي المدني، فإنه قدم وهو مشرك في فداء أسارى بدر، فلما سمع قراءة رسول الله ﷺ في سورة الطور … (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون) … [الطور: ٣٥] دخل في قلبه الاسلام، ثم أسلم عام خيبر، وقيل زمن الفتح، والأول أصح، وكان من سادات قريش وأعلمها بالأنساب، أخذ ذلك عن الصديق والمشهور أنه توفي سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة تسع وخمسين.
وأما حسان بن ثابت
شاعر الاسلام فالصحيح أنه توفي سنة أربع وخمسين كما سيأتي.
وأما الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاري
أخو رافع بن عمرو، ويقال له الحكم بن الأقرع، فصحابي جليل له عند البخاري حديث واحد في النهي عن لحوم الحمر الانسية، استنابه زياد بن أبيه على غزو جبل الأشل (١) فغنم شيئا كثيرا، فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يصطفي من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب والفضة لبيت ماله فرد عليه: إن كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، أو لم يسمع لقوله ﵇: " لا طاعة لمخلوق في معصية الله "؟ وقسم في الناس غنائمهم، فيقال إنه حبس إلى أن مات بمرو في هذه السنة وقيل في سنة إحدى وخمسين ﵀.
وأما دحية بن خليفة الكلبي
فصحابي جليل، كان جميل الصورة، فلهذا كان جبريل يأتي كثيرا في صورته، وكان رسول الله ﷺ أرسله إلى قيصر، أسلم قديما ولكن لم يشهد بدرا، وشهد ما بعدها، ثم شهد اليرموك وأقام بالمزة - غربي دمشق - إلى أن مات في خلافة معاوية.
وفيها توفي عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي أبو سعيد العبشمي، أسلم يوم الفتح، وقيل شهد مؤتة، وغزا خراسان، وافتتح سجستان وكابل وغيرها، وكانت له
стр. 2879
دار بدمشق وأقام بالبصرة، وقيل بمرو، قال محمد بن سعد وغير واحد: مات بالبصرة سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وخمسين، وصلى عليه زياد، وترك عدة من الذكور، وكان اسمه في الجاهلية عبد كلال، وقيل عبد كلوب (١)، وقيل عبد الكعبة، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. وهو كان أحد السفيرين بين معاوية والحسن ﵄، وفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي، أبو عبد الله الطائفي، له ولأخيه الحكم صحبة، قدم على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف فاستعمله رسول الله على الطائف، وأمره عليها أبو بكر وعمر، فكان أميرهم وإمامهم مدة طويلة حتى مات سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين ﵁.
وأما عقيل بن أبي طالب
أخو علي فكان أكبر من جعفر بعشر سنين وجعفر أكبر من علي بعشر سنين كما أن طالب أكبر من عقيل بعشر، وكلهم أسلم إلا طالبا، أسلم عقيل قبل (٢) الحديبية وشهد مؤتة، وكان من أنسب قريش، وكان قد ورث أقرباءه الذين هاجروا وتركوا أموالهم بمكة، ومات في خلافة معاوية.
وفيها كانت وفاة عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي، أسلم قبل الفتح، وهاجر، وقيل: إنه إنما أسلم عام حجة الوداع، وورد في حديث أن رسول الله دعا له أن يمتعه الله بشبابه، فبقي ثمانين سنة لا يرى في لحيته شعرة بيضاء، ومع هذا كان أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان، ثم صار بعد ذلك من شيعة علي، فشهد معه الجمل وصفين، وكان من جملة من أعان حجر بن عدي فتطلبه زياد فهرب إلى الموصل، فبعث معاوية إلى نائبها فوجدوه قد اختفى في غار فنهشته حية فمات فقطع رأسه فبعث به إلى معاوية، فطيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به. ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فألقي في حجرها، فوضعت كفها على جبينه ولثمت فمه وقالت: غيبتموه عني طويلا، ثم أهديتموه إلي قتيلا فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقيلة.
وأما كعب بن مالك الأنصاري السلمي
شاعر الاسلام فأسلم قديما وشهد العقبة ولم يشهد بدرا كما ثبت في الصحيحين في سياق توبة الله عليه فإنه كان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم من تخلفهم عن غزوة تبوك كما ذكرنا ذلك مفصلا في التفسير، وكما تقدم في غزوة تبوك. وغلط ابن الكلبي في قوله إنه شهد بدرا، وفي قوله إنه توفي
стр. 2880
قبل إحدى وأربعين، فإن الواقدي - وهو أعلم منه - قال توفي سنة خمسين، وقال القاسم بن عدي سنة إحدى وخمسين ﵁.
المغيرة بن شعبة
ابن أبي عامر بن مسعود أبو عيسى ويقال أبو عبد الله الثقفي، وعروة بن مسعود الثقفي عم أبيه، كان المغيرة من دهاة العرب، وذوي آرائها، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر من ثقيف، مرجعهم من عند المقوقس وأخذ أموالهم فغرم دياتهم عروة بن مسعود، وشهد الحديبية، وكان واقفا يوم الصلح على رأس رسول الله ﷺ بالسيف صلتا، وبعثه رسول الله ﷺ بعد إسلام أهل الطائف هو وأبو سفيان بن حرب فهدما اللات، وقدمنا كيفية هدمهما إياها، وبعثه الصديق إلى البحرين، وشهد اليمامة واليرموك فأصيبت عينه يومئذ، وقيل بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة فذهب ضوء عينه، وشهد القادسية، وولاه عمر فتوحا كثيرة، منها همدان وميسان، وهو الذي كان رسول سعد إلى رستم فكلمه بذلك الكلام البليغ فاستنابه عمر على البصرة، فلما شهد عليه بالزنا ولم يثبت عزله عنها وولاه الكوفة، واستمر به عثمان حينا ثم عزله، فبقي معتزلا حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية، فلما قتل علي وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات في هذه السنة على المشهور. قاله محمد بن سعد وغيره. وقال الخطيب: أجمع الناس على ذلك، وذلك في رمضان منها عن سبعين سنة، وقال أبو عبيد: مات سنة تسع وأربعين، وقال: ابن عبد البر: سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ست وثلاثين وهو غلط. قال محمد بن سعد: وكان أصهب الشعر جدا، أكشف، مقلص الشفتين، أهتم ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان يفرق رأسه أربعة قرون. وقال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى. والدهاة أربعة، معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، وقال الزهري: الدهاة في الفتنة خمسة، معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وكان معتزلا، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء، وكانا مع علي. قلت: والشيعة يقولون: الأشباح خمسة. رسول الله، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والأضداد خمسة أبو بكر، وعمر، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. وقال الشعبي: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد إلا فتى مرة أردت أن أتزوج امرأة فاستشرته فيها فقال: أيها الأمير! لا أرى لك أن تتزوجها، فقلت له: لم؟ فقال: إني رأيت رجلا يقبلها. ثم بلغني عنه أنه تزوجها، فقلت له: ألم تزعم أنك رأيت رجلا يقبلها؟ فقال: نعم! ورأيت أباها يقبلها وهي صغيرة. وقال أيضا: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: كان المغيرة بن شعبة يقول: صاحب
стр. 2881
المرأة الواحدة يحيض معها ويمرض معها، وصاحب المرأتين بين نارين يشتعلان، وصاحب الأربعة قرير العين، وكان يتزوج أربعة معا ويطلقهن معا، وقال عبد الله بن نافع الصائغ أحصن المغيرة ثلاثمائة امرأة. وقال غيره: ألف امرأة وقيل مائة امرأة. وقيل ثمانين امرأة.
جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية
وكان سباها رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع، وهي غزوة المصطلق، وكان أبوها ملكهم فأسلمت فأعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها، وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وكاتبها فأتت رسول الله تستعينه في كتابتها فقال: " أو خير من ذلك "؟ قالت: وما هو يا رسول الله ﷺ ؟ قال: " أشتريك وأعتقك وأتزوجك " فأعتقها فقال الناس أصهار رسول الله ﷺ فأعتقوا ما بأيديهم من سبي بني المصطلق نحوا من مائة أهل بيت، فقالت عائشة: لا أعلم امرأة أعظم بركة على أهلها منها. وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية. وكانت امرأة ملاحة - أي حلوة الكلام - توفيت في هذا العام سنة خمسين كما ذكره ابن الجوزي وغيره عن خمس وستين سنة، وقال الواقدي: سنة ست وخمسين ﵂ وأرضاها، والله أعلم.
سنة إحدى وخمسين
فيها كان مقتل حجر بن عدي بن جبل بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبر (١) بن الحارث بن معاوية (٢) بن ثور بن بزيغ بن كندي الكوفي، ويقال له حجر الخير، ويقال له حجر بن الأدبر، لان أباه عديا طعن موليا فسمي الأدبر، وهو من كندة من رؤساء أهل الكوفة، قال ابن عساكر: وفد إلى النبي ﷺ وسمع عليا وعمارا وشراحيل بن مرة، ويقال شرحبيل بن مرة. وروى عنه أبو ليلى مولاه، وعبد الرحمن بن عباس، وأبو البختري الطائي. وغزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عذراء (٣)، وشهد صفين مع علي أميرا، وقيل بعذراء من قرا دمشق، ومسجد قبره بها معروف. ثم ساق ابن عساكر بأسانيده إلى حجر يذكر طرفا صالحا من روايته عن علي وغيره، وقد ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وذكر له وفادة، ثم ذكره في الأول من تابعي أهل الكوفة. قال: وكان ثقة معروفا، ولم يرو عن غير علي شيئا. قال ابن عساكر: بل قد روى عن عمار وشراحيل بن مرة، وقال أبو أحمد العسكري: أكثر المحدثين لا يصححون له صحبة، شهد القادسية وافتتح برج عذراء، وشهد الجمل وصفين، وكان مع علي حجر الخير وهو حجر بن عدي هذا - وحجر الشرف - وهو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة - وقال المرزباني:
стр. 2882
قد روي أن حجر بن عدي وفد إلى رسول الله ﷺ مع أخيه هانئ بن عدي، وكان هذا الرجل من عباد الناس وزهادهم، وكان بارا بأمه، وكان كثير الصلاة والصيام، قال أبو معشر: ما أحدث قط إلا توضأ، ولا توضأ إلا صلى ركعتين. هكذا قال غير واحد من الناس. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثني الأعمش عن أبي إسحاق. قال: قال سلمان لحجر: يا بن أم حجر لو تقطعت أعضاؤك ما بلغت الايمان، وكان إذ كان المغيرة بن شعبة على الكوفة إذا ذكر عليا في خطبته يتنقصه بعد مدح عثمان وشيعته فيغضب حجر هذا ويظهر الانكار عليه، ولكن كان المغيرة فيه حلم وإناة فكان يصفح عنه ويعظه فيما بينه وبينه، ويحذره غب هذا الصنيع، فإن معارضة السلطان شديد وبالها، فلم يرجع حجر عن ذلك. فلما كان في آخر أيام المغيرة قام حجر يوما، فأنكر عليه في الخطبة وصاح به وذمه بتأخيره العطاء عن الناس، وقام معه فئام الناس لقيامه، يصدقونه ويشنعون على المغيرة، ودخل المغيرة بعد الصلاة قصر الامارة ودخل معه جمهور الامراء، فأشاروا عليه بردع حجر هذا عما تعاطاه من شق العصى والقيام على الأمير، وذمروه وحثوه على التنكيل فصفح عنه وحلم به. وذكر يونس بن عبيد أن معاوية كتب إلى المغيرة يستمده بمال يبعثه من بيت المال، فبعث عيرا تحمل مالا فاعترض لها حجر، فأمسك بزمام أولها وقال: لا والله حتى يوفى كل ذي حق حقه. فقال شباب ثقيف للمغيرة: ألا نأتيك برأسه؟ فقال: ما كنت لأفعلن ذلك بحجر، فتركه، فلما بلغ معاوية ذلك عزل المغيرة وولى زيادا، والصحيح أنه لم يعزل المغيرة حتى مات، فلما توفي المغيرة بن شعبة ﵁ وجمعت الكوفة مع البصرة لزياد دخلها وقد التف على حجر جماعات من شيعة علي يقولون أمره ويشدون على يده، ويسبون معاوية ويتبرأون منه، فلما كان أول خطبة خطبها زياد بالكوفة، ذكر في آخرها فضل عثمان وذم من قتله أو أعان على قتله. فقام حجر كما كان يقوم في أيام المغيرة، وتكلم بنحو مما قال المغيرة، فلم يعرض له زياد، ثم ركب زياد إلى البصرة، وأراد أن يأخذ حجرا معه إلى البصرة لئلا يحدث حدثا، فقال: إني مريض، فقال: والله إنك لمريض الدين والقلب والعقل، والله لئن أحدثت شيئا لأسعين في قتلك، ثم سار زياد إلى البصرة فبلغه أن حجرا وأصحابه أنكروا على نائبه بالكوفة - وهو عمرو بن حريث - وحصبوه وهو على المنبر يوم الجمعة، فركب زياد إلى الكوفة فنزل في القصر ثم خرج إلى المنبر وعليه قباء سندس، ومطرف خز أحمر، قد فرق شعره، وحجر جالس وحوله أصحابه أكثر ما كانوا يومئذ، وكان من لبس من أصحابه يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، وجلسوا حوله في المسجد في الحديد والسلاح، فخطب زياد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم، وإن هؤلاء أمنوني فاجترأوا علي، وأيم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ثم قال: ما أنا بشئ إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأصحابه وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط بك العشاء على سرحان. ثم قال:
أبلغ نصيحة أن راعي إبلها … سقط العشاء به على سرحان
стр. 2883
وجعل زياد يقول في خطبته: إن من حق أمير المؤمنين - يعني كذا وكذا - فأخذ حجر كفا حصباء فحصبه وقال: كذبت! عليك لعنة الله. فانحدر زياد فصلى، ثم دخل القصر واستحضر حجرا، ويقال إن زيادا لما خطب طول الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي فوت الصلاة عمد إلى كف من حصباء ونادى الصلاة، وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه، فكتب إليه معاوية: أن شده في الحديد واحمله إلي، فبعث إليه زياد وإلى الشرطة - وهو شداد بن الهيثم - ومعه أعوانه فقال له: أن الأمير يطلبك، فامتنع من الحضور إلى زياد، وقام دونه أصحابه، فرجع الوالي إلى زياد فأعلمه، فاستنهض زياد جماعات من القبائل فركبوا مع الوالي إلى حجر وأصحابه فكان بينهم قتال بالحجارة والعصي، فعجزوا عنه، فندب محمد بن الأشعث وأمهله ثلاثا وجهز معه جيشا، فركبوا في طلبه ولم يزالوا حتى أحضروه إلى زياد (١)، وما أغنى عنه قومه ولا من كان يظن أن ينصره فعند ذلك قيده زياد وسجنه عشرة أيام وبعث به إلى معاوية، وبعث معه جماعة يشهدون عليه أنه سب الخليفة، وأنه حارب الأمير، وأنه يقول: إن هذا الامر لا يصلح إلا في آل علي بن أبي طالب. وكان من جملة الشهود عليه (٢) أبو بردة بن أبي موسى، ووائل بن حجر، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وإسحاق، وإسماعيل، وموسى بنو طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وكثير بن شهاب، وثابت بن ربعي، في سبعين ويقال: إنه كتبت شهادة شريح القاضي فيهم، وإنه أنكر ذلك وقال: إنما قلت لزياد: إنه كان صواما قواما (٣)، ثم بعث زياد حجرا وأصحابه مع وائل بن حجر، وكثير بن شهاب إلى الشام. وكان مع حجر بن عدي بن جبلة الكندي، من أصحابه جماعة، قيل عشرون وقيل أربعة عشر رجلا (٤)، منهم الأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العريان (٥) - من بني تميم - ومحرز بن شهاب التميمي، وعبيد الله بن حوية السعدي التميمي أيضا. فهؤلاء أصحابه الذين وصلوا معه، فساروا بهم إلى
стр. 2884
الشام. ثم إن زيادا أتبعهم برجلين آخرين، عتبة بن الأخنس من بني سعد، وسعد بن عمران (١) الهمداني، فكملوا أربعة عشر رجلا، فيقال: إن حجرا لما دخل على معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فغضب معاوية غضبا شديدا وأمر بضرب عنقه هو ومن معه، ويقال إن معاوية ركب فتلقاهم في مرج عذراء، ويقال: بل بعث إليهم من تلقاهم إلى عذراء تحت الثنية - ثنية العقاب - فقتلوا هناك. وكان الذين بعث إليهم ثلاثة وهم هدبة بن فياض القضاعي، وحضير بن عبد الله الكلابي، وأبو شريف البدوي فجاؤوا إليهم فبات حجر وأصحابه يصلون طول الليل، فلما صلوا الصبح قتلوهم، وهذا هو الأشهر. والله أعلم. وذكر محمد بن سعد أنهم دخلوا عليه ثم ردهم فقتلوا بعذراء، وكان معاوية قد استشار الناس فيهم حتى وصل بهم إلى برج عذراء فمن مشير بقتلهم، ومن مشير بتفريقهم في البلاد، فكتب معاوية إلى زياد كتابا آخر في أمرهم، فأشار عليه بقتلهم إن كان له حاجة في ملك العراق، فعند ذلك أمر بقتلهم، فاستوهب منه الامراء واحدا بعد واحد حتى استوهبوا منه ستة، وقتل منهم ستة أولهم حجر بن عدي، ورجع آخر فعفى عنه معاوية، وبعث بآخر نال من عثمان وزعم أنه أول من جار في الكلم ومدح عليا، فبعث به معاوية إلى زياد وقال له: لم تبعث إلي فيهم أردى من هذا. فلما وصل إلى زياد ألقاه في الناطف حيا - وهو عبد الرحمن بن حسان الفري. وهذه تسمية الذين قتلوا بعذراء: حجر بن عدي، وشريك بن شداد، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة، ومحرز بن شهاب المنقري، وكدام بن حيان. ومن الناس من يزعم أنهم مدفونون بمسجد القصب في عرفة، والصحيح بعذراء، ويذكر أن حجرا لما أرادوا قتله قال: دعوني حتى أتوضأ، فقالوا: توضأ، فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين فصلاهما وخفف فيهما، ثم قال: لولا أن يقولوا ما بي جزع من الموت لطولتهما. ثم قال: قد تقدم لهما صلوات كثيرة. ثم قدموه للقتل وقد حفرت قبورهم ونشرت أكفانهم، فلما تقدم إليه السياف ارتعدت فرائصه فقيل له: إنك قلت لست بجازع، فقال: ومالي لا أجزع وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا. فأرسلها مثلا. ثم تقدم إليه السياف. وهو أبو شريف البدوي، وقيل تقدم إليه رجل أعور فقال له: امدد عنقك، فقال: لا أعين على قتل نفسي، فضربه فقتله. وكان قد أوصى أن يدفن في قيوده، ففعل به ذلك، وقيل: بل صلوا عليه وغسلوه. وروي أن الحسن بن علي. قال: أصلوا عليه ودفنوه في قيوده، قالوا: نعم! قال: حجهم والله. والظاهر أن الحسين قائل هذا، فإن حجرا قتل في سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وخمسين، وعلى كل تقدير فالحسن قد مات قبله والله أعلم. فقتلوه ﵀ وسامحه. وروينا أن معاوية لما دخل على أم المؤمنين عائشة فسلم عليها من وراء الحجاب - وذلك بعد مقتله حجرا وأصحابه - قالت له: أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرا وأصحابه؟ فقال لها: فقدته حين غاب عني من قومي مثلك يا أماه. ثم قال لها: فكيف بري بك يا أمه؟
стр. 2885
فقالت: إنك بي لبار، فقال: يكفيني هذا عند الله، وغدا لي ولحجر موقف بين يدي الله . وفي رواية أنه قال: إنما قتله الذين شهدوا عليه. وروى ابن جرير: أن معاوية جعل يغرغر بالموت وهو يقول: إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل، قالها ثلاثا. فالله أعلم. وقال محمد بن سعد في الطبقات: ذكر بعض أهل العلم أن حجرا وفد إلى رسول الله ﷺ مع أخيه هانئ بن عدي، - وكان من أصحاب علي - فلما قدم زياد بن أبي سفيان واليا على الكوفة دعا بحجر بن عدي فقال: تعلم أني أعرفك وقد كنت أنا وأباك (١) على أمر قد علمت - يعني من حب علي - وأنه قد جاء غير ذلك، وإني أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كله، أملك عليك لسانك، وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك، وحوائجك مقضية لدي، فاكفني نفسك فإني أعرف عجلتك، فأنشدك الله في نفسك، وإياك (٢) وهذه السقطة وهؤلاء السفهاء أن يستنزلوك عن رأيك. فقال حجر: قد فهمت، ثم انصرف إلى منزله، فأتاه الشيعة فقالوا: ما قال لك؟ قال: قال لي كذا وكذا. وسار زياد إلى البصرة ثم جعلوا يترددون إليه يقولون له: أنت شيخنا، وإذا جاء المسجد مشوا معه، فأرسل إليه عمرو بن حريث - نائب زياد على الكوفة - يقول: ما هذه الجماعة وقد أعطيت الأمير ما قد علمت؟ فقال للرسول: إنهم ينكرون ما أنتم عليه، إليك وراءك أوسع لك. فكتب عمرو بن حريث إلى زياد: إن كان لك حاجة بالكوفة فالعجل العجل، فأعجل زياد السير إلى الكوفة، فلما وصل بعث إليه عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن عرفطة في جماعة من أشراف الكوفة لينهوه عن هذه الجماعة، فأتوه فجعلوا يحدثونه ولا يرد عليهم شيئا، بل جعل يقول: يا غلام أعلفت البكر؟ لبكر مربوط في الدار - فقال له عدي بن حاتم: أمجنون أنت؟ نكلمك وأنت تقول: أعلفت البكر، ثم قال عدي لأصحابه: ما كنت أظن هذا البائس بلغ به الضعف كل ما أرى. ثم نهضوا فأخبروا زيادا ببعض الخبر وكتموه بعضا، وحسنوا أمره وسألوه الرفق به فلم يقبل، بل بعث إليه الشرط والمحاربة فأتي به وبأصحابه، فقال له: مالك ويلك؟ قال: إني على بيعتي لمعاوية، فجمع زياد سبعين من أهل الكوفة فقال: اكتبوا شهادتكم على حجر وأصحابه، ففعلوا، ثم أوفدهم إلى معاوية، وبلغ الخبر عائشة فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله أن يخلي سبيلهم، فلما دخلوا على معاوية قرأ كتاب زياد فقال معاوية: اخرجوا بهم إلى عذراء فاقتلوهم هناك، فذهبوا بهم ثم قتلوا منهم سبعة، ثم جاء رسول معاوية بالتخلية عنهم، وأن يطلقوهم كلهم، فوجدوا قد قتلوا منهم سبعة وأطلقوا السبعة الباقين، ولكن كان حجر فيمن قتل في السبعة
стр. 2886
الأول، وكان قد سألهم أن يصلي ركعتين قبل أن يقتلوه، فصلى ركعتين فطول فيهما، وقال إنهما لأخف صلاة صليتها. وجاء رسول عائشة بعد ما فرغ من شأنهم. فلما حج معاوية قالت له عائشة: أين عزب عنك حلمك حين قتلت حجرا؟ فقال: حين غاب عني مثلك من قومي. ويروى أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية: أقتلت حجر بن الأدبر؟ فقال معاوية: قتله أحب إلي من أن أقتل معه مائة ألف. وقد ذكر ابن جرير وغيره عن حجر بن عدي وأصحابه أنهم كانوا ينالون من عثمان ويطلقون فيه مقالة الجور، وينتقدون على الامراء، ويسارعون في الانكار عليهم، ويبالغون في ذلك، ويتولون شيعة علي، ويتشددون في الدين. ويروى أنه لما أخذ في قيوده سائرا من الكوفة إلى الشام تلقته بناته في الطريق وهن يبكين، فمال نحوهن: فقال إن الذي يطعمكم ويكسوكم هو الله وهو باق لكن بعدي، فعليكن بتقوى الله وعبادته، وإني أما أن أقتل في وجهي وهي شهادة، أو أن أرجع إليكن مكرما، والله خليفتي عليكم. ثم انصرف مع أصحابه في قيوده، ويقال إنه أوصى أن يدفن في قيوده ففعل ذلك به، ولكن صلوا عليهم ودفنوهم مستقبل القبلة ﵏ وسامحهم. وقد قالت امرأة من المتشيعات ترثي حجرا - وهي هند بنت زيد بن مخرمة الأنصارية - ويقال إنها لهند أخت حجر (١). فالله أعلم.
ترفع أيها القمر المنير … تبصر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب … ليقتله كما زعم الأمير (٢)
يرى قتل الخيار عليه حقا … له من شر أمته وزير
ألا يا ليت حجرا مات يوما … ولم ينحر كما نحر البعير (٣)
تجبرت الجبابر بعد حجر … وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد له محولا … كأن لم يحيها مزن مطير (٤)
ألا يا حجر حجر بن (٥) عدي … تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عديا … وشيخا في دمشق له زبير (٦)
فإن تهلك فكل زعيم (٧) قوم … من الدنيا إلى هلك يصير
فرضوا أن الآله عليك ميتا … وجنات بها نعم وحور
стр. 2887
وذكر ابن عساكر له مراث كثيرة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثني حرملة أنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء، حجرا وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين إني رأيت في قتلهم صلاحا للأمة، وفي مقامهم فسادا للأمة، فقالت: سمعت رسول الله يقول: " سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء " (١). وهذا إسناد ضعيف منقطع. وقد رواه عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة عن أبي الأسود أن عائشة قالت: بلغني أنه سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء. وقال يعقوب: حدثني ابن لهيعة حدثني الحارث بن يزيد عن عبد الله بن رزين (٢) الغافقي. قال: سمعت عليا يقول: يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، قال: يقتل حجر وأصحابه (٣) - ابن لهيعة ضعيف -. وروى الإمام أحمد: عن ابن علية عن ابن عون عن نافع قال: كان ابن عمر في السوق فنعي له حجر فأطلق حبوته وقام وغلب عليه النحيب. وروى أحمد: عن عفان، عن ابن علية عن أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة - أو غيره - قال لما قدم معاوية المدينة دخل على عائشة فقالت: أقتلت حجرا؟ فقال: يا أم المؤمنين إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خير من استحيائه في فسادهم. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب عن مروان. قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة فقالت: يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الذي فعلت، أما خشيت أن أخبأ لك رجلا يقتلك؟ فقال: لا، إني في بيت الأمان، سمعت رسول الله يقول: " الايمان ضد الفتك لا يفتك مؤمن " (٤). يا أم المؤمنين كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا (٤). وفي رواية أنها حجبته وقالت: لا يدخل علي أبدا، فلم يزل يتلطف حتى دخل فلامته في قتله حجرا، فلم يزل يعتذر حتى عذرته. وفي رواية: أنها كانت تتوعده وتقول: لولا يغلبنا سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتله حجرا شأن، فلما اعتذر إليها عذرته. وذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه توفي في هذه السنة من الأكابر جرير بن عبد الله البجلي، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث، وحارثة بن النعمان، وحجر بن عدي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن أنيس، وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، ﵃.
стр. 2888
فأما جرير بن عبد الله البجلي
فأسلم بعد نزول المائدة، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله يخطب، وكان قد قال في خطبته: " إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك " (١)، فلما دخل نظر الناس إليه فكان كما وصف رسول الله ﷺ ، وأخبروه بذلك فحمد الله تعالى. ويروى أن رسول الله ﷺ لما جالسه بسط له رداءه وقال: " إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه " (٢) وبعثه رسول الله إلى ذي الخلصة - وكان بيتا تعظمه دوس في الجاهلية - فذكر أنه لا يثبت على الخيل، فضرب في صدره وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " (٣) فذهب فهدمه. وفي الصحيحين أنه قال: ما حجبني رسول الله منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم. وكان عمر بن الخطاب يقول: جرير يوسف هذه الأمة. وقال عبد الملك بن عمير: رأيت جريرا كأن وجهه شقة قمر. وقال الشعبي: كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت. فاشتم عمر من بعضهم ريحا، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ، فقال جرير: أو نقوم كلنا فنتوضأ يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الاسلام. وقد كان عاملا لعثمان على همدان، يقال إنه أصيبت عينه هناك، فلما قتل عثمان اعتزل عليا ومعاوية، ولم يزل مقيما بالجزيرة حتى توفي بالسراة، سنة إحدى وخمسين، قاله الواقدي، وقيل سنة أربع، وقيل سنة ست وخمسين.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة ولي زياد على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الربيع بن زياد الحارثي ففتح بلخ صلحا، وكانوا قد غلقوها بعدما صالحهم الأحنف، وفتح قوهستان عنوة، وكان عندها أتراك فقتلهم ولم يبق منهم إلا ترك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم بعد ذلك كما سيأتي. وفي هذه السنة غزا الربيع ما وراء النهر فغنم وسلم، وكان قد قطع ما وراء النهر قبله الحكم بن عمرو، وكان أول من شرب من النهر غلام للحكم، فسقى سيده وتوضأ الحكم وصلى وراء النهر ركعتين ثم رجع، فلما كان الربيع هذا غزا ما وراء النهر فغنم وسلم. وفي هذه السنة حج بالناس يزيد بن معاوية فيما قاله أبو معشر والواقدي.
وأما جعفر بن أبي سفيان بن عبد المطلب
فأسلم مع أبيه حين تلقياه بين مكة والمدينة عام الفتح، فلما ردهما قال أبو سفيان: والله لئن لم يأذن لي عليه لآخذن بيد هذا فأذهبن في الأرض فلا يدري أين أذهب، فلما بلغ ذلك رسول الله
стр. 2889
رق له وأذن له وقبل إسلامهما فأسلما إسلاما حسنا، بعد ما كان أبو سفيان يؤذي رسول الله أذى كثيرا، وشهد حنينا، وكان ممن ثبت يومئذ ﵄.
وأما حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري
فشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، وكان من فضلاء الصحابة، وروى أنه رأى جبريل مع رسول الله بالمقاعد يتحدثان بعد خيبر، وأنه رآه يوم بني قريظة في صورة دحية. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع قراءته في الجنة. قال محمد بن سعد: حدثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ثنا محمد بن عثمان عن أبيه أن حارثة بن النعمان كان قد كف بصره فجعل خيطا من مصلاه إلى باب حجرته، فإذا جاءه المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ يمسك بذلك الخيط حتى يضع ذلك في يد المسكين، وكان أهله يقولون له: نحن نكفيك ذلك، فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مناولة المسكين تقي ميتة السوء ". وأما حجر بن عدي فقد تقدمت قصته مبسوطة.
وأما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي
فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، وأخته عاتكة زوجة عمر، وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد، أسلم قبل عمر وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرا لأنه قد كان بعثه رسول الله هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش فلم يرجعا حتى فرغ من بدر، فضرب لهما رسول الله بسهمهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابى بسبب قرابته من عمر فيولى فتركه لذلك، وإلا فهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة في جملة العشرة، كما صحت بذلك الأحاديث المتعددة الصحيحة، ولم يتول بعده ولاية، وما زال كذلك حتى مات بالكوفة، وقيل بالمدينة وهو الأصح، قال الفلاس وغيره، سنة إحدى وخمسين وقيل سنة ثنتين وخمسين والله أعلم. وكان رجلا طوالا أشعر، وقد غسله سعد، وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة، وكان عمره يومئذ بضعا وسبعين سنة.
وأما عبد الله أنيس بن الجهني أبو يحيى المدني
فصحابي جليل شهد العقبة ولم يشهد بدرا. وشهد ما بعدها، وكان هو ومعاذ يكسران أصنام الأنصار، له في الصحيح حديث أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، وهو الذي بعثه رسول الله إلى خالد بن سفيان الهذلي فقتله بعرنة (١) وأعطاه رسول الله مخصره وقال: " هذه آية ما
стр. 2890
بيني وبينك يوم القيامة " فأمر بها فدفنت معه في أكفانه. وقد ذكر ابن الجوزي أنه توفي سنة إحدى وخمسين، وقال غيره سنة أربع وخمسين وقيل سنة ثمانين.
وأما أبو بكرة نفيع بن الحارث
ابن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة الثقفي فصحابي جليل كبير القدر، ويقال كان اسمه مسروح وإنما قيل له أبو بكرة لأنه تدلى في بكرة يوم الطائف فأعتقه رسول الله وكل مولى فر إليهم يومئذ. وأمه سمية هي أم زياد، وكانا ممن شهد على المغيرة بالزنا هو وأخوه زياد ومعهما سهل بن معبد، ونافع بن الحارث فلما تلكأ زياد في الشهادة جلد عمر الثلاثة الباقين ثم استتابهم فتابوا إلا أبا بكرة فإنه صمم على الشهادة، وقال المغيرة: يا أمير المؤمنين اشفني من هذا العبد، فنهره عمر وقال له: اسكت! لو كملت الشهادة لرجمتك بأحجارك، وكان أبو بكرة خير هؤلاء الشهود وكان ممن اعتزل الفتن فلم يكن في خيرهما، ومات في هذه السنة، وقيل قبلها بسنة، وقيل بعدها بسنة وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، وكان قد آخى بينهما رسول الله ﷺ . وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها رسول الله ﷺ في عمرة القضاء سنة سبع، قال ابن عباس - وكان ابن أختها أم الفضل لبابة بنت الحارث -: تزوجها رسول الله ﷺ وهو محرم، وثبت في صحيح مسلم عنها أنهما كانا حلالين، وقولهما مقدم عند الأكثرين على قوله. وروى الترمذي عن أبي رافع - وكان السفير بينهما - أنهما كانا حلالين. ويقال كان اسمها برة فسماها رسول الله ميمونة، وتوفيت بسرف بين مكة والمدينة حيث بنى بها رسول الله ﷺ في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين، والمشهور الأول، وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس ﵄.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين
ففيها غزا بلاد الروم وشتى بها سفيان بن عوف الأزدي فمات هنالك، واستخلف على الجند بعده عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل إن الذي كان أمير الغزو ببلاد الروم هذه السنة بسر بن أبي أرطاة ومعه سفيان بن عوف. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص نائب المدينة، قاله أبو معشر والواقدي وغيرهما. وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي. وعمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة الماضية.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
خالد بن زيد بن كليب
أبو أيوب الأنصاري الخزرجي شهد بدرا والعقبة والمشاهد كلها، وشهد مع علي قتال
стр. 2891
الحرورية، وفي داره كان نزول رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فأقام عنده شهرا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم تحول إليها، وقد كان أبو أيوب أنزل رسول الله في أسفل داره ثم تحرج من أن يعلو فوقه، فسأل من رسول الله ﷺ أن يصعد إلى العلو ويكون هو وأم أيوب في السفل فأجابه. وقد روينا عن ابن عباس أنه قدم عليه أبو أيوب البصرة وهو نائبها فخرج له عن داره وأنزله بها، فلما أراد الانصراف خرج له عن كل شئ بها، وزاده تحفا وخدما كثيرا أربعين ألفا، وأربعين عبدا إكراما له لما كان أنزل رسول الله ﷺ في داره، وقد كان من أكبر الشرف له. وهو القائل لزوجته أم أيوب - حين قالت له: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة -؟ فقال: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ فقالت: لا والله فقال: والله لهي خير منك، فأنزل الله: … (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) … الآية [النور: ١٢]. وكانت وفاته ببلاد الروم قريبا من سور قسطنطينية من هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وكان في جيش يزيد بن معاوية، وإليه أوصى، وهو الذي صلى عليه. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان، ثنا همام، ثنا أبو عاصم، عن رجل من أهل مكة أن يزيد بن معاوية كان أميرا على الجيش الذي غزا فيه أبو أيوب، فدخل عليه عند الموت فقال له: إذا أنا مت فاقرأوا على الناس مني السلام وأخبروهم أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من مات لا يشرك بالله شيئا جعله الله في الجنة " (١). ولينطلقوا فيبعدوا بي في أرض الروم ما استطاعوا. قال: فحدث الناس لما مات أبو أيوب فأسلم الناس وانطلقوا بجنازته. وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية قال: فقال إذا مت فأدخلوني في أرض العدو فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو. قال: ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". ورواه أحمد عن ابن نمير ويعلى بن عبيد عن الأعمش سمعت أبا ظبيان فذكره، وقال فيه: سأحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لولا حالي هذا ما حدثتكموه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ": وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني محمد بن قيس - قاضي عمر بن عبد العزيز - عن أبي صرمة عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ سمعته يقول: " لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم " (٢). وعندي أن هذا الحديث والذي قبله هو الذي حمل يزيد بن معاوية على طرف من الارجاء، وركب بسببه أفعالا كثيرة أنكرت عليه كما سنذكره في ترجمته والله تعالى أعلم.
стр. 2892
قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين ودفن عند القسطنطينية وقبره هنالك يستسقي به الروم إذا قحطوا، وقيل: إنه مدفون في حائط القسطنطينية وعلى قبره مزار ومسجد وهم يعظمونه، وقال أبو زرعة الدمشقي: توفي سنة خمس وخمسين، والأول أثبت والله أعلم. وقال أبو بكر بن خلاد: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا داود بن المحبر، ثنا ميسرة بن عبد ربه، عن موسى بن عبيدة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ . قال: " إن الرجلين ليتوجهان إلى المسجد فيصليان فينصرف أحدهما وصلاته أوزن من صلاة الآخر، وينصرف الآخر وما تعدل صلاته مثقال ذرة، إذا كان أورعهما عن محارم الله وأحرصهما على المسارعة إلى الخير ". وعن أبي أيوب قال قال رسول الله ﷺ لرجل سأله أن يعلمه ويوجز فقال له: " إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع، ولا تكلمن بكلام تعتذر منه، واجمع اليأس مما في أيدي الناس ".
وفيها كانت وفاة أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن غز (١) بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الأشعر الأشعري، أسلم ببلاده وقدم مع جعفر وأصحابه عام خيبر، وذكر محمد بن إسحاق أنه هاجر أولا إلى مكة ثم هاجر إلى اليمن، وليس هذا بالمشهور، وقد استعمله رسول الله ﷺ مع معاذ على اليمن، واستنابه عمر على البصرة، وفتح تستر، وشهد خطبة عمر بالجابية، وولاه عثمان الكوفة، وكان أحد الحكمين بين علي ومعاوية، فلما اجتمعا خدع عمر وأبا موسى، وكان من قراء الصحابة وفقهائهم، وكان أحسن الصحابة صوتا في زمانه، قال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أطيب من صوت أبي موسى وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " (٢). وكان عمر يقول له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ وهم يسمعون. وقال الشعبي: كتب عمر في وصيته أن لا يقر لي عامل أكثر من سنة إلا أبا موسى فليقر أربع سنين. وذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه توفي في هذه السنة، وهو قول بعضهم، وقيل إنه توفي قبلها بسنة، وقيل في سنة ثنتين وأربعين، وقيل غير ذلك والله أعلم. وكانت وفاته بمكة لما اعتزل الناس بعد التحكيم، وقيل بمكان يقال له: الثوية على ميلين من الكوفة. وكان قصيرا نحيف الجسم أسبط، أي لا لحية له، ﵁. وذكر ابن الجوزي أنه توفي في هذه السنة أيضا من الصحابة.
عبد الله بن المغفل المزني
وكان أحد البكائين، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة ليفقهوا الناس، وهو أول
стр. 2893
من دخل تستر من المسلمين حين فتحها. لكن الصحيح ما حكاه البخاري عن مسدد أنه توفي سنة سبع وخمسين. وقال ابن عبد البر: توفي سنة ستين، وقال غيره: سنة إحدى وستين فالله أعلم. ويروى عنه أنه رأى في منامه كأن القيامة قد قامت وكان هناك مكان من وصل إليه نجا، فجعل يحاول الوصول إليه فقيل له: أتريد أن تصل إليه وعندك ما عندك من الدنيا؟ فاستيقظ فعمد إلى عيبة عنده فيها ذهب كثير فلم يصبح عليه الصباح إلا وقد فرقها في المساكين والمحاويج والأقارب ﵁.
وفيها توفي عمران بن حصين بن عبيد
ابن خلف أبو نجيد الخزاعي، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر وشهد غزوات، وكان من سادات الصحابة، استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة فحكم له بها، ثم استعفاه فأعفاه، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة، قال الحسن: وابن سيرين البصري: ما قدم البصرة راكب خير منه، وقد كانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوى انقطع عنه سلامهم ثم عادوا قبل موته بقليل فكانوا يسلمون عليه ﵁ وعن أبيه.
كعب بن عجزة الأنصاري أبو محمد المدني
صحابي جليل وهو الذي نزلت فيه آية الفدية في الحج. مات في هذه السنة، وقيل قبلها بسنة عن خمس أو سبع وسبعين سنة.
معاوية بن خديج
ابن جفنة بن قتيرة الكندي الخولاني المصري، صحابي على قول الأكثرين، وذكره ابن حبان في التابعين من الثقاة، والصحيح الأول، شهد فتح مصر، وهو الذي وفد إلى عمر بفتح الإسكندرية، وشهد مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح قتال البربر، وذهبت عينه يومئذ، وولي حروبا كثيرة في بلاد المغرب، وكان عثمانيا في أيام علي ببلاد مصر، ولم يبايع عليا بالكلية، فلما أخذ معاوية بن أبي سفيان مصر أكرمه ثم استنابه بها عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه ناب بها بعد أبيه سنتين ثم عزله معاوية وولى معاوية بن خديج هذا، فلم يزل بمصر حتى مات بها في هذه السنة.
هانئ بن نيار أبو بردة البلوي
المخصوص بذبح العناق وإجزائها عن غيرها من الأضاحي، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها وكانت راية بني حارثة معه يوم الفتح ﵁.
стр. 2894
ر ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين
ففيها غزا عبد الرحمن بن أم الحكم بلاد الروم وشتى بها، وفيها افتتح المسلمون وعليهم جنادة بن أبي أمية جزيرة رودس فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شئ على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم عنده فيه حوائجهم ودوابهم وحواصلهم، ولهم نواطير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمرة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فحولهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزراعات غزيرة. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص والي المدينة أيضا، قاله أبو معشر والواقدي. وفي هذه السنة توفي جبلة بن الأيهم الغساني كما ستأتي ترجمته في آخر هذه التراجم.
وفيها توفي الربيع بن زياد الحارثي، اختلف في صحبته وكان نائب زياد على خراسان، وكان قد ذكر حجر بن عدي فأسف عليه، وقال: والله لو ثارت العرب له لما قتل صبرا ولكن أقرت العرب فذلت، ثم لما كان يوم الجمعة دعا الله على المنبر أن يقبضه إليه فما عاش إلى الجمعة الأخرى، واستخلف على عمله ابنه عبد الله بن الربيع فأقره زياد على ذلك، فمات بعد ذلك بشهرين، واستخلف على عملهم بخراسان خليد بن عبد الله الحنفي فأقره زياد.
رويفع بن ثابت
صحابي جليل شهد فتح مصر، وله آثار جيدة في فتح بلاد المغرب، ومات ببرقة واليا من جهة مسلمة بن مخلد نائب مصر.
وفي هذه السنة أيضا توفي زياد بن أبي سفيان ويقال له: زياد بن أبيه وزياد بن سمية - وهي أمه - في رمضان من هذه السنة مطعونا (١)، وكان سبب ذلك أنه كتب إلى معاوية يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة، فارع لي ذلك، وهو يعرض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا، فلما بلغ أهل الحجاز جاؤوا إلى عبد الله بن عمر فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد، فيعسفهم كما عسف أهل العراق، فقام ابن عمر فاستقبل القبلة فدعا على زياد والناس يؤمنون، فطعن زياد بالعراق في يده فضاق ذرعا بذلك، واستشار شريحا القاضي في قطع
стр. 2895
يده، فقال له شريح: إني لا أرى ذلك، فإنه إن لم يكن في الاجل فسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك خوفا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير ولدك بذلك. فصرفه عن ذلك، فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس: وقالوا: هلا تركته فقطع يده؟! فقال: قال رسول الله ﷺ : " المستشار مؤتمن ". ويقال إن زيادا جعل يقول: أأنام أنا والطاعون في فراش واحد؟ فعزم على قطع يده، فلما جئ بالمكاوي والحديد خاف من ذلك فترك ذلك، وذكر أنه جمع مائة وخمسين طبيبا ليداووه مما يجد من الحر في باطنه، منهم ثلاثة ممن كان يطب كسرى بن هرمز، فعجزوا عن رد القدر المحتوم والامر المحموم، فمات في ثالث شهر رمضان في هذه السنة، وقد قام في إمرة العراق خمس سنين. ودفن بالثوية خارج الكوفة، وقد كان برز منها قاصدا إلى الحجاز أميرا عليها، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال: اذهب إليك يا بن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني أبي عن هشام بن محمد حدثني يحيى بن ثعلبة أبو المقدم الأنصاري عن أمه عن عائشة عن أبيها عبد الرحمن بن السائب الأنصاري. قال: جمع زياد أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرض عليهم البراءة من علي بن أبي طالب، قال عبد الرحمن: فإني لمع نفر من أصحابي من الأنصار، والناس في أمر عظيم من ذلك وفي حصر، قال: فهومت تهويمة - أي نعست نعسة - فرأيت شيئا أقبل طويل العنق، له عنق مثل عنق البعير، أهدب أهدل فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعا فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا! فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عني: فإني عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد أصابه. وروى ابن أبي الدنيا أن زيادا لما ولي الكوفة سأل عن أعبدها فدل على رجل يقال له أبو المغيرة الحميري، فجاء به فقال له: الزم بيتك ولا تخرج منه وأنا أعطيك من المال ما شئت، فقال: لو أعطيتني ملك الأرض ما تركت خروجي لصلاة الجماعة. فقال الزم الجماعة ولا تتكلم بشئ. فقال: لا أستطيع ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر به فضربت عنقه. ولما احتضر قال له ابنه: يا أبة قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها، فقال يا بني قد دنا من أبيك أمر إما لباس خير من لباسه وإما سلب سريع. وهذا غريب جدا.
صعصعة بن ناجية
ابن عفان (١) بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، كان سيدا في الجاهلية وفي الاسلام، يقال إنه أحيى في الجاهلية ثلاثمائة وستين موءودة، وقيل أربعمائة، وقيل ستا وتسعين موءودة، فلما
стр. 2896
أسلم قال له رسول الله ﷺ : " لك أجر ذلك إذ من الله عليكم بالاسلام ". ويروى عنه أنه أول ما أحيى المؤودة أنه ذهب في طلب ناقتين شردتا له، قال: فبينما أنا في الليل أسير، إذ أنا بنار تضئ مرة وتخبو أخرى. فجعلت لا أهتدي إليها، فقلت: اللهم لك علي إن أوصلتني إليها أن أدفع عن أهلها ضيما إن وجدته بهم، قال فوصلت إليها وإذا شيخ كبير يوقد نارا وعنده نسوة مجتمعات، فقلت: ما أنتن؟ فقلن: إن هذه امرأة قد حبستنا منذ ثلاث، تطلق ولم تخلص، فقال الشيخ صاحب المنزل: وما خبرك؟ فقلت: إني في طلب ناقتين ندتا لي، فقال: قد وجدتهما، إنهما لفي إبلنا، قال فنزلت عنده؟ قال: فما هو إلا أن نزلت إذ قلن: وضعت، فقال الشيخ: إن كان ذكرا فارتحلوا، وإن كان أنثى فلا تسمعنني صوتها، فقلت: علام تقتل ولدك ورزقه على الله؟ فقال: لا حاجة لي بها، فقلت: أنا أفتديها منك وأتركها عندك حتى تبين عنك أو تموت. قال: بكم؟ قلت. بإحدى ناقتي، قال: لا! قلت فبهما، قال: لا: إلا أن تزيدني بعيرك هذا فإني أراه شابا حسن اللون، قلت: نعم على أن تردني إلى أهلي، قال: نعم، فلما خرجت من عندهم رأيت أن الذي صنعته نعمة من الله من بها علي هداني إليها، فجعلت لله علي أن لا أجد موءودة إلا افتديتها كما افتديت هذه، قال: فما جاء الاسلام حتى أحييت مائة موءودة إلا أربعا (١)، ونزل القرآن بتحريم ذلك على المسلمين.
وممن توفي في هذه السنة من المشاهير المذكورين
جبلة بن الأيهم الغساني
ملك نصارى العرب وهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، واسمه كعب أبو عامر بن حارثة بن امرئ القيس، ومارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ويقال غير ذلك في نسبه، وكنيته جبلة أبو المنذر الغساني الجفني، وكان ملك غسان، وهم نصارى العرب أيام هرقل، وغسان أولاد عم الأنصار أوسها وخزرجها، وكان جبلة آخر ملوك غسان، فكتب إليه رسول الله ﷺ كتاب مع شجاع بن وهب يدعوه إلى الاسلام فأسلم وكتب باسلامه إلى رسول الله ﷺ . وقال ابن عساكر: إنه لم يسلم قط، وهكذا صرح به الواحدي وسعيد بن عبد العزيز. وقال الواقدي: شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وطئ رداء رجل من مزينة بدمشق فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة، قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة: فقالوا: أو ما يقتل؟ قال
стр. 2897
لا! قالوا: فما تقطع يده؟ قال لا، إنما أمر الله بالقود، فقال جبلة: أترون أني جاعل وجهي (١) بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر فشق عليه وقال لحسان: إن صديقك جبلة ارتد عن الاسلام، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: ولم؟ قال لطمه رجل من مزينة فقال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه. ورواه الواقدي عن معمر وغيره عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقد روى ابن الكلبي وغيره: أن عمر لما بلغه إسلام جبلة فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة، وقيل بل استأذنه جبلة في القدوم عليه فأذن له فركب في خلق كثير من قومه، قيل مائة وخمسين راكبا، وقيل خمسمائة، وتلقته هدايا عمر ونزله قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل، وكان يوم دخوله يوما مشهودا دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة، ولبس تاجا على رأسه مرصعا باللآلي والجواهر، وفيه قرطا مارية جدته، وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه، فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل، ومن الناس من يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمر ومعه خلق كثير من بني فزارة، فاستحضره عمر فاعترف جبلة، فقال له عمر: أقدته منك. فقال: كيف وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال: إن الاسلام جمعك وإياه فلست تفضله إلا بالتقوى، فقال جبلة: قد كنت أظن أن أكون في الاسلام أعز مني في الجاهلية، فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك، فقال إذا أتنصر، فقال إن تنصرت ضربت عنقك، فلما رأى الحد: قال سأنظر في أمري هذه الليلة، فانصرف من عند عمر، فلما أدلهم الليل ركب في قومه ومن أطاعه فسار إلى الشام ثم دخل بلاد الروم ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقا جزيلة، وأهدى إليه هدايا جميلة، وجعله من سماره، فمكث عنده دهرا. ثم إن عمر كتب كتابا إلى هرقل مع رجل يقال له جثامة بن مساحق الكناني، فلما بلغ هرقل كتاب عمر بن الخطاب قال له هرقل: هل لقيت ابن عمك جبلة؟ قال: لا! قال فالقه، فذكر اجتماعه به وما هو فيه من النعمة والسرور والحبور الدنيوي، في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه وجواريه، حواليه الحسان من الخدم والقيان، ومطعمه وشرابه وسروره وداره التي تعوض بها عن دار الاسلام، وذكر أنه دعاه إلى الاسلام والعود إلى الشام فقال: أبعد ما كان مني من الارتداد؟ فقال: نعم! إن الأشعث بن قيس ارتد وقاتلهم بالسيوف، ثم لما رجع إلى الحق قبله منه وزوجه الصديق بأخته أم فروة، قال: فالتهى عنه بالطعام والشراب، وعرض عليه الخمر فأبى عليه، وشرب جبلة من الخمر شيئا كثيرا حتى سكر ثم أمر جواريه المغنيات فغنينه بالعيدان من قول حسان يمدح بني عمه
стр. 2898
من غسان والشعر في والد جبلة هذا الحيوان:
لله در عصابة نادمتهم … يوما بجلق في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهم … بردى يصفق بالرحيق السلسل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم … شم الأنوف من الطراز الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم … لا يسألون عن السواد المقبل
قال: فأعجبه قولهن ذلك، ثم قال: هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري فينا وفي ملكنا، ثم قال لي: كيف حاله؟ قلت: تركته ضريرا شيخا كبيرا، ثم قال لهن: أطربنني فاندفعن يغنين لحسان أيضا:
لمن الديار أوحشت بمغان … بين أعلا اليرموك فالصمان
فالقريات من بلامس فداريا … فكساء لقصور الدواني (١)
فقفا جاسم فأودية الصفر … مغنى قبائل وهجان
تلك دار العزيز بعد أنيس … وحلوك عظيمة الأركان
صلوات المسيح في ذلك الدير … دعاء القسيس والرهبان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر … محاه تعاقب الأزمان (٢)
قد أراني هناك حق مكين … عند ذي التاج مجلسي ومكاني
ثكلت أمهم وقد ثكلتهم … يوم حلوا بحارث الحولاني
وقد دنا الفصح فالولائد ينظمن … سراعا أكلة المرجان
ثم قال: هذا لابن الفريعة حسان بن ثابت فينا وفي ملكنا وفي منازلنا بأكناف غوطة دمشق، قال: ثم سكت طويلا، ثم قال لهن: بكينني، فوضعن عيدانهن ونكسن رؤوسهن وقلن:
تنصرت الاشراف من عار لطمة … وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني فيها اللجاج ونخوة … وبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني … رجعت إلى القول الذي قاله عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة … وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة … أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
أدين بما دانوا به من شريعة … وقد يصبر العود الكبير على الدبر
стр. 2899
قال: فوضع يده على وجهه فبكى حتى بل لحيته بدموعه وبكيت معه، ثم استدعى بخمسمائة دينار هرقلية فقال: خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت، وجاء بأخرى فقال: خذ هذه لك، فقلت: لا حاجة لي فيها ولا أقبل منك شيئا وقد ارتددت عن الاسلام، فيقال: إنه أضافها إلى التي لحسان، فبعث بألف دينار هرقلية، ثم قال له: أبلغ عمر بن الخطاب مني السلام وسائر المسلمين، فلما قدمت على عمر أخبرته خبره فقال: ورأيته يشرب الخمر؟ قلت: نعم! وقال: أبعده الله، تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته. ثم قال: وما الذي وجه به لحسان؟ قلت: خمسمائة دينار هرقلية، فدعا حسانا فدفعها إليه، فأخذها وهو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشر … لم يغرهم آباؤهم باللوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربها … كلا ولا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده … إلا كبعض عطية المحروم
وأتيته يوما فقرب مجلسي … وسقا فرواني من المذموم
ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري رسولا إلى ملك الروم، فاجتمع بجبلة بن الأيهم فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية والأموال من الخدم والحشم والذهب والخيول، فقال له جبلة: لو أعلم أن معاوية يقطعني أرض البثينة فإنها منازلنا، وعشرين قرينة من غوطة دمشق ويفرض لجماعتنا، ويحسن جوائزنا، لرجعت إلى الشام. فأخبر عبد الله بن مسعدة معاوية بقوله، فقال معاوية: أنا أعطيه ذلك، وكتب إليه كتابا مع البريد بذلك، فما أدركه البريد إلا وقد مات في هذه السنة قبحه الله. وذكر أكثر هذه الأخبار الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم، وأرخ وفاته هذه السنة، - أعني سنة ثلاث وخمسين - وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأطال الترجمة وأفاد، ثم قال في آخرها: بلغني أن جبلة توفي في خلافة معاوية بأرض الروم بعد سنة أربعين من الهجرة.
سنة أربع وخمسين
ففيها كان شتى محمد بن مالك بأرض الروم، وغزا الصائفة معن بن يزيد السلمي، وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة ورد إليها مروان بن الحكم، وكتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص، ويصطفي أمواله التي بأرض الحجاز، فجاء مروان إلى دار سعيد ليهدمها فقال سعيد: ما كنت لتفعل ذلك، فقال: إن أمير المؤمنين كتب إلي بذلك، ولو كتب إليك في داري لفعلته. فقام سعيد فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولاه المدينة أن يهدم دار مروان ويصطفي ماله، وذكر أنه لم يزل بحاجف دونه حتى صرف ذلك عنه، فلما رأى مروان الكتاب إلى سعيد بذلك، ثناه ذلك عن سعيد، ولم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره وأقر عليه أمواله. وفيها عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، وكان زياد استخلفه عليها فأقره معاوية ستة أشهر،
стр. 2900
وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان. وروى ابن جرير وغيره عن سمرة أنه قال لما عزله معاوية: لعن الله معاوية لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا. وهذا لا يصح عنه. وأقر عبد الله بن خالد بن أسيد على نيابة الكوفة، وكان زياد قد استخلفه عليها فأبقاه معاوية. وقدم في هذه السنة عبيد الله بن زياد على معاوية فأكرمه وسأله عن نواب أبيه على البلاد فأخبره عنهم، ثم ولاه إمرة خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة، فسار إلى مقاطعته وتجهز من فوره غاديا إليها، فقطع النهر إلى جبال بخارا، ففتح (١) رامس ونصف بيكند - وهما من معامة بخارا - ولقي الترك هناك فقاتلهم قتالا شديدا وهزمهم هزيمة فظيعة بحيث إن المسلمين أعجلوا امرأة الملك أن تلبس خفيها، فلبست واحدة وتركت أخرى، فأخذها المسلمون فقوموا جواهرها (٢) بمائتي ألف درهم، وغنموا مع ذلك غنائم كثيرة، وأقام عبيد الله بخراسان سنتين. وفي هذه السنة حج بالناس مروان بن الحكم نائب المدينة. وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وقيل: بل كان عليها الضحاك بن قيس، وكان على البصرة عبد الله بن غيلان.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي
أبو محمد المدني مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه بركة أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ وحاضنته، ولاه رسول الله الامرة بعد مقتل أبيه فطعن بعض الناس في إمرته، فقال رسول الله ﷺ : " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقا بالامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي بعده ". وثبت في صحيح البخاري عنه: " أن رسول الله كان يجلس الحسن على فخذه ويجلس أسامة على فخذه الأخرى ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما ". وفضائله كثيرة. توفي رسول الله وعمره تسع عشرة سنة، وكان عمر إذا لقيه يقول: السلام عليك أيها الأمير. وصحح أبو عمر بن عبد البر أنه توفي في هذه السنة، وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل توفي بعد مقتل عثمان. فالله أعلم.
ثوبان بن مجدد
مولى رسول الله ﷺ تقدمت ترجمته في مواليه ومن كان يخدمه ﵇، أصله من العرب
стр. 2901
فأصابه سبي فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، فلزم رسول الله سفرا وحضرا، فلما مات أقام بالرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة على الصحيح، وقيل سنة أربع وأربعين وهو غلط، ويقال إنه توفي بمصر، والصحيح بحمص.
جبير بن مطعم
تقدم أنه توفي سنة خمسين.
الحارث بن ربعي
أبو قتادة الأنصاري، وقال الواقدي: اسمه النعمان بن ربعي، وقال غيره: عمرو بن ربعي وهو أبو قتادة الأنصاري السلمي المدني فارس الاسلام، شهد أحدا وما بعدها، وكان له يوم ذي قرد سعي مشكور كما قدمنا هناك. قال رسول الله ﷺ : " خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع ". وزعم أبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرا وليس بمعروف، وقال أبو سعيد الخدري: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة الأنصاري أن رسول الله قال لعمار: " تقتلك الفئة الباغية ". قال الواقدي وغير واحد: توفي في هذه السنة - يعني سنة أربع وخمسين - بالمدينة عن سبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي وغيره أنه توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب. وهذا غريب.
حكيم بن حزام
ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أبو خالد المكي، أمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وعمته خديجة بن خويلد، زوجة رسول الله ﷺ ، وأم أولاده سوى إبراهيم. ولدته أمه في جوف الكعبة قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وذلك أنها دخلت تزور فضربها الطلق وهي في الكعبة فوضعته على نطع، وكان شديد المحبة لرسول الله ﷺ ، ولما كان بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب لا يبايعوا ولا يناكحوا، كان حكيم يقبل بالعير يقدم من الشام فيشتريها بكمالها، ثم يذهب بها فيضرب أدبارها حتى يلج الشعب يحمل الطعام والكسوة تكرمة لرسول الله ﷺ ، ولعمته خديجة بنت خويلد. وهو الذي اشترى زيد بن حارثة فابتاعته منه عمته خديجة فوهبته لرسول الله فأعتقه، وكان اشترى حلة ذي يزن فأهداها لرسول الله ﷺ فلبسها، قال: فما رأيت شيئا أحسن منه فيها. ومع هذا ما أسلم إلا يوم الفتح هو وأولاده كلهم، قال البخاري وغيره: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الاسلام ستين سنة، وكان من سادات قريش وكرمائهم وأعلمهم بالنسب، وكان كثير الصدقة والبر والعتاقة، فلما أسلم سأل عن ذلك رسول الله فقال: " أسلمت على ما أسلمت من خير ". وقد كان حكيم
стр. 2902
شهد مع المشركين بدرا وتقدم إلى الحوض فكاد حمزة أن يقتله، فما سحب إلا سحبا بين يديه، فلهذا كان إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي نجاني يوم بدر. ولما ركب رسول الله إلى فتح مكة ومعه الجنود بمر الظهران خرج حكيم وأبو سفيان يتجسسان الاخبار، فلقيهما العباس، فأخذ أبا سفيان فأجاره وأخذ له أمانا من رسول الله ﷺ ، وأسلم أبو سفيان ليلتئذ كرها، ومن صبيحة ذلك اليوم أسلم حكيم وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا، وأعطاه مائة من الإبل ثم سأله فأعطاه، ثم قال: " يا حكيم إن هذه المال حلوة خضرة، وإنه من أخذه بسخاوة بورك له فيه، ومن أخذه باسراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ". فقال حكيم: والذي بعثك بالحق لا أرزأ بعدك أبدا، فلم يرزأ أحد بعده، وكان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى، وكان عمر يعرض عليه العطاء فيأبى فيشهد عليه المسلمين، ومع هذا كان من أغنى الناس، مات الزبير يوم مات ولحكيم عليه مائة ألف، وقد كان بيده حين أسلم الرفادة ودار الندوة فباعها بعد من معاوية بمائة ألف، وفي رواية بأربعين ألف دينار، فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش؟ فقال له حكيم: ابن أخي ذهبت المكارم فلا كرم إلا التقوى، يا بن أخي إني اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، ولأشترين بها دارا في الجنة، أشهدك أني قد جعلتها في سبيل الله، وهذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل، وكان لا يدخلها أحد إلا وقد صار سنة أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة، ذكره الزبير بن بكار، وذكر الزبير أن حكيما حج عاما فأهدى مائة بدنة مجللة، وألف شاة، وأوقف معه بعرفات مائة وصيف في أعناقهم أطوقة الفضة، وقد نقش فيها: هؤلاء عتقاء الله عن حكيم بن حزام، فأعتقهم وأهدى جميع تلك الانعام ﵁. توفي حكيم في هذه السنة على الصحيح، وقيل غير ذلك وله مائة وعشرون سنة.
حويطب بن عبد العزى العامري
صحابي جليل، أسلم عام الفتح، وكان قد عمر دهرا طويلا، ولهذا جعله عمر في النفر الذين جددوا أنصاب الحرم، وقد شهد بدرا مع المشركين، ورأى الملائكة يومئذ بين السماء والأرض، وشهد الحديبية وسعى في الصلح، فلما كان عمرة القضاء كان هو وسهيل هما اللذان أمرا رسول الله ﷺ بالخروج من مكة، فأمر بلالا أن لا تغرب الشمس وبمكة أحد من أصحابه، قال: وفي كل هذه المواطن أهم بالاسلام ويأبى الله إلا ما يريد، فلما كان زمن الفتح خفت خوفا شديدا وهربت فلحقني أبو ذر - وكان لي خليلا في الجاهلية -. فقال: يا حويطب مالك؟ فقلت: خائف، فقال: لا تخف فإنه أبر الناس: وأوصل الناس، وأنا لك جار فاقدم معي، فرجعت معه فوقف بي على رسول الله وهو بالبطحاء ومعه أبو بكر وعمر، وقد علمني أبو ذر أن أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما قلت ذلك قال: " حويطب "؟ قلت: نعم! شهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: " الحمد لله الذي هداك " وسر بذلك
стр. 2903
واستقرضني مالا فأقرضته أربعين ألفا، وشهدت معه حنينا والطائف، وأعطاني من غنائم حنين مائة بعير. ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها وله بها دار، ولما ولى عليها مروان بن الحكم جاءه حويطب وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، فسلموا عليه وجعلوا يتحدثون عنده ثم تفرقوا، ثم اجتمع حويطب بمروان يوما آخر فسأله مروان عن عمره فأخبره، فقال له: تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الاحداث. فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هممت بالاسلام غير مرة كل ذلك يعوقني أبوك يقول تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين محدث؟ وتصير تابعا؟ قال: فاسكت مروان وندم على ما كان قال له، ثم قال حويطب: أما كان أخبرك عثمان ما كان لقي من أبيك حين أسلم؟ قال: فازداد مروان غما. وكان حويطب ممن شهد دفن عثمان، واشترى منه معاوية داره بمكة بأربعين ألف دينار فاستكثرها الناس، فقال: وما هي في رجل له خمسة من العيال؟ قال الشافعي: كان حويطب جيد الاسلام، وكان أكثر قريش ريعا جاهليا. وقال الواقدي: عاش حويطب في الجاهلية ستين سنة، وفي الاسلام ستين سنة، ومات حويطب في هذه السنة بالمدينة وله مائة وعشرون سنة. وقال غيره: توفي بالشام. له حديث واحد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث السائب بن يزيد عنه عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العمالة، وهو من عزيز الحديث لأنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة ﵃.
معبد (١) بن يربوع بن عنكثة
ابن عامر بن مخزوم، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وأعطاه رسول الله خمسين من الإبل، وكان اسمه صرما، وفي رواية أصرم، فسماه معبدا، وكان في جملة النفر الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم، وقد أصيب بصره بعد ذلك فأتاه عمر يعزيه فيه، رواه البخاري. قال الواقدي وخليفة وغير واحد: مات في هذه السنة بالمدينة، وقيل بمكة وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك.
مرة بن شراحيل الهمذاني
يقال له مرة الطيب، ومرة الخير، روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما كبر صلى أربعمائة ركعة، ويقال إنه سجد حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رئي في المنام - وقد صار ذلك المكان نورا - فقيل له: أين منزلك؟ فقال: بدار لا يظعن أهلها ولا يموتون.
النعيمان بن عمرو
ابن رفاعة بن الحر، شهد بدرا وما بعدها، ويقال إنه الذي كان يؤتى به في الشراب، فقال
стр. 2904
رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ : " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ".
سودة بن زمعة
القرشية العامرية أم المؤمنين، تزوجها رسول الله بعد خديجة، وكانت قبله عند السكران بن عمر وأخي سهيل بن عمرو، فلما كبرت هم رسول الله بطلاقها، ويقال إنه طلقها، فسألته أن يبقيها في نسائه وتهب يومها لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ حتى أنزل الله: … (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) … الآية [النساء: ١٢٨]، وكانت ذات عبادة وورع وزهادة، قالت عائشة: ما من امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها غير أن فيها حدة تسرع منها الفيئة. ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب. فالله أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين
فيها عزل معاوية عبد الله بن غيلان عن البصرة وولى عليها عبيد الله بن زياد (١)، وكان سبب عزل معاوية بن غيلان عن البصرة أنه كان يخطب الناس فحصبه رجل من بني ضبة فأمر بقطع يده، فجاء قومه إليه فقالوا له: إنه متى بلغ أمير المؤمنين أنك قطعت يده في هذا الصنع فعل به وبقومه نظير ما فعل بحجر بن عدي، فاكتب لنا كتابا أنك قطعت يده في شبهة، فكتب لهم فتركوه عندهم حينا ثم جاؤوا معاوية فقالوا له: إن نائبك قطع يد صاحبنا في شبهة فأقدنا منه، قال: لا سبيل إلى القود من نوابي ولكن الدية، فأعطاهم الدية وعزل ابن غيلان، وقال لهم: اختاروا من تريدون، فذكروا رجالا فقال: لا! ولكن أولي عليكم ابن أخي عبيد الله بن زياد، فولاه فاستخلف ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة (٢)، فلم يغز ولم يفتح شيئا، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى ثم عزله وولى ابن أذينة، وولى شرطتها عبد الله بن الحصين. وحج بالناس في السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس ﵁.
ذكر من توفي من الأعيان في هذه السنة
أرقم بن أبي الأرقم
عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أسلم قديما، يقال سابع سبعة، وكانت
стр. 2905
داره كهفا للمسلمين يأوي إليها رسول الله ومن أسلم من قريش، وكانت عند الصفا وقد صارت فيما بعد ذلك للمهدي فوهبها لامرأته الخيزران أم موسى الهادي وهارون الرشيد، فبنتها وجددتها فعرفت بها، ثم صارت لغيرها (١)، وقد شهد الأرقم بدرا وما بعدها من المشاهد، ومات بالمدينة في هذه السنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص أوصى به ﵄، وله بضع وثمانون سنة.
سحبان بن زفر بن إياس
ابن عبد شمس بن الأجب الباهلي الوائلي، الذي يضرب بفصاحته المثل، فيقال: أفصح من سحبان وائل، ووائل هو ابن معد بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار، وباهلة امرأة مالك بن أعصر، ينسب إليها ولدها، وهي باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة. قال ابن عساكر: سحبان المعروف بسحبان وائل، بلغني أنه وفد إلى معاوية فتكلم فقال معاوية: أنت الشيخ؟ فقال: إي والله وغير ذلك، ولم يزد ابن عساكر على هذا، وقد نسبه ابن الجوزي في كتابه المنتظم كما ذكرنا، ثم قال: وكان بليغا يضرب المثل بفصاحته، دخل يوما على معاوية وعنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا لعلمهم بقصورهم عنه، فقال سحبان:
لقد علم الحي اليمانون أنني … إذا قلت أما بعد أني خطيبها
فقال له معاوية: اخطب! فقال: أنظروا لي عصى تقيم من أودي، فقالوا: وماذا تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه، فأخذها وتكلم من الظهر إلى أن قاربت العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقيت عليه بقية فيه، فقال معاوية: الصلاة! فقال: الصلاة أمامك، ألسنا في تحميد وتمجيد وعظة وتنبيه، وتذكير ووعد ووعيد؟ فقال معاوية: أنت أخطب العرب، قال: العرب وحدها؟ بل أخطب الجن والإنس. قال: كذلك أنت.
سعد بن أبي وقاص
واسمه مالك بن أهيب (٢) بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذي توفي رسول الله وهو عنهم راض، أسلم قديما، قالوا: وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام سابع سبعة، وهو الذي كوف الكوفة ونفى عنها الأعاجم، وكان مجاب الدعوة، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله ﷺ ،
стр. 2906
وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة، وهو الذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جلولاء. وكان سيدا مطاعا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها. وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: شهد سعد بن أبي وقاص وابن عمر دومة الجندل يوم الحكمين (١). وثبت في صحيح مسلم أنه ابنه عمر جاء إليه وهو معتزل في إبله فقال: الناس يتنازعون الامارة وأنت هاهنا؟ فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي ". قال ابن عساكر: ذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص جاءه فقال له: يا عم ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الامر، فقال: أريد من مائة ألف سيفا واحدا إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: حدثني زكريا بن عمر وأن سعد بن أبي وقاص وفد على معاوية فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وقال غيره: فبايعه وما سأله سعد شيئا إلا أعطاه إياه. قال أبو يعلى: حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن علية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم. قال: قال سعد: إني لأول رجل رمى بسهم في المشركين، وما جمع رسول الله أبويه لاحد قبلي، ولقد سمعته يقول: " ارم فداك أبي وأمي ". وقال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون ثنا إسماعيل عن قيس سمعت سعد بن مالك يقول: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله وما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى أن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين، لقد خبت إذا وضل عملي. وقد رواه شعبة ووكيع غير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد به. وقال أحمد: حدثنا ابن سعيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب عن سعد. قال: " جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد ". ورواه أحمد أيضا عن غندر، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. وقد رواه الليث وغير واحد عن يحيى الأنصاري. ورواه غير واحد عن سعيد بن المسيب عن سعد. ورواه الناس من حديث عامر بن سعد عن أبيه. وفي بعض الروايات " فداك أبي وأمي " وفي رواية: " فقال أرم وأنت الغلام الحزور " قال سعيد: وكان سعد جيد الرمي. وقال الأعمش عن أبي خالد عن جابر بن سمرة. قال: أول الناس رمى بسهم في سبيل الله سعد ﵁. وقال أحمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شداد سمعت عليا يقول: " ما سمعت رسول الله يفدي أحدا بأبويه إلا سعد بن مالك، وإني سمعته يقول له يوم أحد: ارم سعد فداك أمي وأبي ". ورواه البخاري عن أبي نعيم عن مسعر عن سعد بن إبراهيم به. ورواه شعبة عن
стр. 2907
سعد بن إبراهيم، ورواه سفيان بن عيينة وغير واحد عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب فذكره. وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن أيوب أنه سمع عائشة بنت سعد تقول: أنا بنت المهاجر الذي فداه رسول الله ﷺ بالأبوين. وقال الواقدي: حدثني عبيدة بن نابل عن عائشة بنت سعد عن أبيها. قال: " لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيرده علي رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد ذلك فظننت أنه ملك ". وقال أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا إبراهيم، عن سعد، عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص. قال: " لقد رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد ". ورواه الواقدي: حدثني إسحاق بن أبي عبد الله عن عبد العزيز - جد ابن أبي عون - عن زياد مولى سعد عن سعد - قال: " رأيت رجلين يوم بدر يقاتلان عن رسول الله أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإني لأراه ينظر إلى ذا مرة وإلى ذا مرة مسرورا بما ظفره الله ". وقال سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قال اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة، فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشئ. وقال الأعمش عن إبراهيم بن علقمة عن ابن مسعود. قال: لقد رأيت سعد بن أبي وقاص يوم بدر يقاتل قتال الفارس للراجل. وقال مالك، عن يحيى بن سعيد: أنه سمع عبد الله بن عامر يقول قالت عائشة بات رسول الله أرقا ذات ليلة ثم قال: " ليت رجلا صالحا يحرسني الليلة؟ قلت: إذ سمعنا صوت السلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص، أنا أحرسك يا رسول الله، قالت: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه ". أخرجاه من حديث يحيى بن سعيد. وفي رواية " فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام " وقال أحمد: حدثنا قتيبة، ثنا رشدين بن سعد، عن يحيى بن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال: " أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فدخل سعد بن أبي وقاص ". وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الله بن قيس الرقاشي الخراز، بصري: ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر. قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فقال: " يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة، قال فليس منا أحد إلا وهو يتمنى أن يكون من أهل بيته، فإذا سعد بن أبي وقاص قد طلع ". وقال حرملة، عن ابن وهب أخبرني حياة أخبرني عقيل عن ابن شهاب: حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك. قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ فقال: " يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فاطلع سعد بن أبي وقاص، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فاطلع سعد بن أبي وقاص على ترتيبه الأول، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فطلع على ترتيبه، فلما قام رسول الله ﷺ ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني غاضبت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تنحل يميني فعلت، قال أنس: فزعم عبد الله بن
стр. 2908
عمرو أنه بات معه ليلة حتى إذا كان الفجر فلم يقم تلك الليلة شيئا، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمه ثم يصبح مفطرا، قال عبد الله بن عمرو: فرمقته ثلاث ليال وأيامهن لا يزيد على ذلك، غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله، قلت: إنه لم يكن بيني وبين أبي غضبت ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله قال ذلك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة " فاطلعت أنت أولئك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك حتى أنظر ما عملك فأقتدي بك لأنال ما نلت، فلم أرك تعمل كثير عمل، ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟ فقال: ما هو إلا الذي رأيت. قال: فلما رأيت ذلك انصرفت فدعا بي حين وليت، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي سوءا لاحد من المسلمين، ولا أنوي له شرا ولا أقوله. قال قلت: هذه التي بلغت بك وهي التي لا أطيق. وهكذا رواه صالح المزي عن عمرو بن دينار - مولى الزبير - عن سالم عن أبيه فذكر مثل رواية أنس بن مالك. وثبت في صحيح مسلم من طريق سفيان الثوري عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد في قوله تعالى: … (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) … [الانعام: ٥٢] نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم وفي رواية أنزل الله في: … (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم) * [العنكبوت: ٨] وذلك أنه لما أسلم امتنعت أمه من الطعام والشراب أياما، فقال لها: تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشئ، إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فنزلت هذه الآية. وأما حديث الشهادة للعشرة بالجنة فثبت في الصحيح عن سعيد بن زيد. وجاء من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة في قصة حراء ذكر سعد بن أبي وقاص منهم. وقال هشيم وغير واحد عن مجالد عن الشعبي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله فأقبل سعد فقال رسول الله ﷺ : " هذا خالي فليرني امرؤ خاله ". رواه الترمذي. وقال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عبد الوهاب بن الضحاك، ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التميمي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ أقبل سعد فقال: " هذا خالي ". وثبت في الصحيح من حديث مالك وغيره عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه " أن رسول الله جاءه يعوده عام حجة الوداع من وجع اشتد به. فقلت: يا رسول الله إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا! قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا! قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك. قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ فقال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. ثم قال: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن
стр. 2909
البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله إن مات بمكة ". ورواه أحمد عن يحيى بن سعيد، عن الجعد بن أوس، عن عائشة بنت سعد عن أبيها فذكر نحوه، وفيه قال: " فوضع يده على جبهته فمسح وجهه وصدره وبطنه وقال: اللهم اشف سعدا وأتم له هجرته ". قال سعد: فما زلت يخيل إلي أني أجد على كبدي حتى الساعة. وقال ابن وهب: حدثني موسى بن علي بن رباح عن أبيه أن رسول الله ﷺ عاد سعدا فقال: " اللهم أذهب عنه الباس، إله الناس، ملك الناس، أنت الشافي لا شافي له إلا أنت، بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، من حسد وعين، اللهم أصح قلبه وجسمه، واكشف سقمه وأجب دعوته ".
وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن بكر بن الأشج قال: سألت عامر بن سعد عن قول رسول الله لسعد: " وعسى أن تبقى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ". فقال: أمر سعد على العراق فقتل قوما على الردة فضرهم، واستتاب قوما كانوا سجعوا سجع مسيلمة الكذاب فتابوا فانتفعوا به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا معاذ بن رفاعة حدثني علي بن زيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة. قال: جلسنا إلى رسول الله فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي قاص فأكثر البكاء وقال: يا ليتني مت، فقال رسول الله ﷺ : " يا سعد إن كنت للجنة خلقت فما طال عمرك أو حسن من عملك فهو خير لك ". وقال موسى بن عقبة وغيره: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعد. إن رسول الله ﷺ قال: " اللهم سدد رميته وأجب دعوته ". ورواه سيار بن بشير، عن قيس، عن أبي بكر الصديق. قال: سمع رسول الله يقول لسعد: " اللهم سدد سهمه وأجب دعوته، وحببه إلى عبادك ". وروي من حديث ابن عباس، وفي رواية محمد بن عائد الدمشقي عن الهيثم بن حميد، عن مطعم، عن المقدام وغيره أن سعدا قال: يا رسول الله ادع الله أن يجيب دعوتي فقال: " إنه لا يستجيب الله دعوة عبد حتى يطيب مطعمه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يطيب مطعمي فدعا له ". قالوا: فكان سعيد يتورع من السنبلة يجدها في زرعه فيردها من حيث أخذت. وقد كان كذلك مجاب الدعوة لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجيب له، فمن أشهر ذلك ما روي في الصحيحين من طريق عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سلمة: أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر في كل شئ حتى قالوا: لا يحسن يصلي، فقال سعد: أما إني لا آلو أن أصلي بهم صلاة رسول الله، أطيل الأوليين وأحذف الاخرتين، فقال: الظن بك يا أبا إسحاق، وكان قد بعث من يسأل عنه بمحال الكوفة، فجعلوا لا يسألون أهل مسجد إلا أثنوا خيرا، حتى مروا بمسجد لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال: إن سعدا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية القضية، فبلغ سعدا فقال: اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة فأطل عمره وأدم فقره، وأعم بصره وعرضه للفتن، قال: فأنا رأيته بعد ذلك شيخا كبيرا قد سقطت حاجباه على عينيه يقف في الطريق فيغمز الجواري فيقال له، فيقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد. وفي رواية غريبة أنه
стр. 2910
أدرك فتنة المختار بن أبي عبيد فقتل فيها. وقال الطبراني: ثنا يوسف القاضي ثنا عمرو بن مرزوق ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب. قال: خرجت جارية لسعد يقال لها زبراء، وعليها قميص جديد فكشفتها الريح فشد عليها عمر بالدرة، وجاء سعد ليمنعه فتناوله عمر بالدرة فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله الدرة وقال: اقتص مني فعفى عن عمر. وروي أيضا أنه كان بين سعد وابن مسعود كلام فهم سعد أن يدعو عليه فخاف ابن مسعود وجعل يشتد في الهرب. وقال سفيان بن عيينة: لما كان يوم القادسية كان سعد على الناس وقد أصابته جراح فلم يشهد يوم الفتح، فقال رجل من بجيلة:
ألم تر أن الله أظهر دينه … وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أيمت نساء كثيرة … ونسوة سعد ليس فيهن أيم
فقال سعد: اللهم أكفنا يده ولسانه. فجاءه سهم غرب فأصابه فخرس ويبست يداه جميعا. وقد أسند زياد البكائي وسيف بن عمر عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، عن ابن عمر فذكر مثله، وفيه: ثم خرج سعد فأرى الناس ما به من القروح في ظهره ليعتذر إليهم. وقال هشيم عن أبي بلح عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من علي فنهاه سعد فلم ينته، فقال سعد: أدعو عليك، فلما ينته، فدعا الله عليه حتى جاء بعير ناد فتخبطه. وجاء من وجه آخر عن عامر بن سعد أن سعدا رأى جماعة عكوفا على رجل فأدخل رأسه من بين اثنين فإذا هو يسب عليا وطلحة والزبير، فنهاه عن ذلك فلم ينته، فقال: أدعو عليك، فقال الرجل: تتهددني كأنك نبي؟ فانصرف سعد فدخل دار آل فلان فتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه فقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما قد سبق لهم منك سابقة الحسنى، وأنه قد أسخطك سبه إياهم، فاجعله اليوم آية وعبرة. قال: فخرجت بختية نادة من دار آل فلان لا يردها شئ حتى دخلت بين أضعاف الناس، فافترق الناس فأخذته بين قوائمها، فلم يزل تتخبطه حتى مات. قال: فلقد رأيت الناس يشتدون وراء سعد يقولون: استجاب الله دعاءك يا أبا إسحاق. ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب فذكر نحوه وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي ثنا عبد الرزاق عن أبيه عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف أن امرأة كانت تطلع على سعد فنهاها فلم تنته، فاطلعت يوما وهو يتوضأ فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها. وقال كثير النوري: عن عبد الله بن بديل قال: دخل سعد على معاوية فقال له: مالك لم تقاتل معنا؟ فقال: إني مرت بي ريح مظلمة فقلت: أخ أخ. فأنخت راحلتي حتى انجلت عني ثم عرفت الطريق فسرت، فقال معاوية: ليس في كتاب الله: أخ أخ. ولكن قال الله تعالى: … (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) … [الحجرات: ٩] فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية. فقال سعد: ما كنت لأقاتل رجلا قال له