← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

زمرا، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن، ومن أبغض عليا فذاك خصمه النبي، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية، إلى جهنم الحامية، يرمى به في الحامية الهاوية. وقال بعضهم: رأيت رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله هذا يتنقصنا، فكأنه انتهره رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني لا أتنقص هؤلاء ولكن هذا - يعني معاوية - فقال: " ويلك! أوليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثا، ثم أخذ رسول الله ﷺ حربة فناولها معاوية فقال: جابها في لبته " فضربه بها وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي. وروى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول: معاوية من الصحابة، من العلماء الكبار، ولكن ابتلى بحب الدنيا. وقال العتبي: قيل لمعاوية أسرع إليك الشيب؟ فقال: كيف لا ولا أزال أرى رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه، فإن أصبت لم أحمد، وإن أخطأت سارت بها البرود. وقال الشعبي وغيره: أصابت معاوية في آخر عمره لوقة (١)، وروى ابن عساكر في ترجمة خديج الخصي مولى معاوية قال: اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها - يعني فرجها - ويقول: هذا المتاع لو كان لي متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا! ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي - وكان فقيها - فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإنها لا تصلح له، فقال: نعم ما رأيت، قال: ثم وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكان أسود فقال له: بيض بها ولدك، وهذا من فقه معاوية ونحريه، حيث كان نظر إليها بشهوة، ولكنه استضعف نفسه عنها، فتحرج أن يهبها من ولده يزيد لقوله تعالى: … (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) … [النساء: ٢٢] وقد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمرو الجرشي الدمشقي. وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية، فقال لهم في الطريق: إذا دخلتم على معاوية فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك، فلما دخل عليه عمرو قبلهم، قال معاوية لحاجبه: أدخلهم، وأوعز إليه أن يخوفهم في الدخول ويرعبهم، وقال: إني لأظن عمرا قد تقدم إليهم في شئ؟. فلما أدخلوهم عليه - وقد أهانوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول الله، فلما نهض عمرو من عنده قال: قبحكم الله! نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة.

стр. 2977

وذكر أن رجلا سأل من معاوية أن يساعده في بناء داره باثني عشر ألف جذع من الخشب. فقال له معاوية: أين دارك؟ قال: بالبصرة، قال: وكم اتساعها؟ قال: فرسخان في فرسخين، قال: لا تقل داري بالبصرة، ولكن قل: البصرة في داري. وذكر أن رجلا دخل بابن معه فجلسا على سماط معاوية فجعل ولده يأكل أكلا ذريعا، فجعل معاوية يلاحظه، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن، فلما خرجا لامه أبوه وقطعه عن الدخول، فقال له معاوية! أين ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى. قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء. قال: ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عباءة فجعل يزدريه، فقال: يا أمير المؤمنين إنك لا تخاطب العباءة، إنما يخاطبك من بها. وقال معاوية: أفضل الناس من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا وعد أنجز، وإذا أساء استغفر. وكتب رجل (١) من أهل المدينة إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁: إذا الرجال ولدت أولادها … واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها … فهي زروع قد دنا حصادها فقال معاوية: نعى إلي نفسي وقال ابن أبي الدنيا: حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس! إن من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خير مني، وإنما يليكم من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني (٢)، ويا زيد إذا دنا أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله ﷺ وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي، وأذني وعيني (٣)، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافي، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين. وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل يقول: لعمري لقد عمرت في الدهر برهة … ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت حمر المال والحكم والنهى … ولي سلمت كل الملوك الجبابر

стр. 2978

فأضحى الذي قد كان مما يسرني … كحكم مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة … ولم أسع في لذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … فلم يك حتى زار ضيق المقابر وقال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد، عن محمد بن الحكم، عمن حدثه أن معاوية لما احتضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال - كأنه أراد أن يطيب له - لان عمر بن الخطاب قاسم عماله. وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد فكان إذا لبس أو تغطي بشئ ثقيل يغمه، فاتخذ له ثوبا من حواصل الطير، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ولمحبيها. وقال محمد بن سعد: أنبأنا أبو عبيدة، عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير. قال: لما ثقل معاوية وتحدث الناس بموته قال لأهله: احشوا عيني إثمدا، وأوسعوا رأسي دهنا، ففعلوا وغرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له مجلس وقال: أسندوني، ثم قال: إيذنوا للناس فليسلموا علي قياما ولا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا متدهنا فيقول متقول الناس إن أمير المؤمنين لما به وهو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية في ذلك: وتجلدي للشامتين أريهم … أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع (١) قال: وكان به النقابة (٢) - يعني لوقة - فمات من يومه (٣) ذلك ﵀. وقال موسى بن عقبة: لما نزل معاوية الموت قال: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، ولم أل من هذا الامر شيئا. وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر: إن تناقش يكن نقاشك يا رب … عذابا لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز تجاوز العفو واصفح (٤) … عن مسئ ذنوبه كالتراب وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل أهله يقلبونه فقال لهم: أي شيخ تقلبون؟ إن نجاه الله من عذاب النار غدا.

стр. 2979

وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خدا على الأرض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك: … (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) … [النساء: ٤٨] اللهم فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العتبي عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق: هو الموت لا منجا من الموت والذي … نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك. ورواه ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء فذكر مثله، وزاد: ثم مات. وقال غيره: أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقي، ثم مات (١) ﵀ وقد روى أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل. قال: لما مات معاوية صعد الضحاك بن قيس المنبر فخطب الناس - وأكفان معاوية على يديه - فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن معاوية الذي كان سور العرب وعونهم وجدهم، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله، ثم هول البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى. ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يعلمه ويستحثه على المجئ (٢). ولا خلاف أنه توفي بدمشق في رجب سنة ستين. فقال جماعة: ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وقيل ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين. قاله ابن إسحاق وغير واحد، وقيل لأربع خلت من رجب، قاله الليث. وقال سعد بن إبراهيم لمستهل رجب، قال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد، وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله ﷺ الذي كساه إياه، وكان مدخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه. وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن فقيل بدار الامارة وهي

стр. 2980

الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور فالله أعلم. وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر والله أعلم. ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية - وكان يزيد بحوارين - فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد، وإذا يزيد راكب على بختي وعليه الحزن ظاهر، فسلم عليه الناس بالامارة وعزوه في أبيه، وهو يخفض صوته في رده عليهم، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس، فانتهى إلى باب توما، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي، فقيل: يدخل منه لأنه باب خالد، فجازه حتى أتى الباب الصغير فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعدما دفن (١) ثم انفتل، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب. ثم دخل البلد وأمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة، ودخل الخضراء فاغتسل ولبس ثيابا حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس! إن معاوية كان عبدا من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون من قبله، ولا أزكيه على الله فإنه أعلم به، إن عفى عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الامر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط (٢)، وإذا أراد الله شيئا كان. وقال لهم في خطبته هذه: وإن معاوية كان يغزيكم في البحر، وإني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيا أحدا بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا وأنا أجمعه لكم كله. قال: فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون عليه أحدا. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: بعث معاوية وهو مريض إلى ابنه يزيد، فلما جاءه البريد ركب وهو يقول: جاء البريد بقرطاس يخب (٣) به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم (٤) … قال الخليفة أمسى مثقلا وجعا (٥) فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأن أغبر من أركانها انقلعا (٦)

стр. 2981

ثم انبعثنا إلى خوص مضمرة (١) … نرمي الفجاج بها ما نأتلي سرعا فما نبالي إذا بلغن أرجلنا … ما مات منهن بالمرمات (٢) أو طلعا لما انتهينا وباب الدار منصفق … بصوت رملة ريع القلب فانصدعا من لا تزل (٣) نفسه توفي على شرف … توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كأنا جميعا خليطا سالمين معا (٤) أغر أبلج يستسقي الغمام به … لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا (٥) لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا … أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا وقال الشافعي: سرق يزيد هذين البيتين من الأعشى، ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق وأنه أوصى إليه، وهذا قد قاله ابن إسحاق وغير واحد، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلا بعد موت أبيه، وأنه صلى على قبره بالناس كما قدمناه والله أعلم. وقال أبو الورد العنبري يرثي معاوية ﵁: ألا أنعى معاوية بن حرب … نعاة الحل للشهر الحرام نعاه الناعيات بكل فج … خواضع في الأزمة كالسهام فهاتيك النجوم وهن خرس … ينحن على معاوية الهمام وقال أيمن بن خريم يرثيه أيضا (٦): رمى الحدثان نسوة آل حرب … بمقدار سمدن له سمودا (٧) فرد شعورهن السود بيضا … ورد وجوهن (٨) البيض سودا فإنك لو شهدت بكاء هند … ورملة إذ يصفقن (٩) الخدودا

стр. 2982

بكيت بكاء معولة قريح (١) … أصاب الدهر واحدها الفريدا ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له كان له عبد الرحمن وبه كان يكنى، وعبد الله، وكان ضعيف العقل، وأمهما فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، وقد تزوج بأختها منفردة عنها بعدها، وهي كنوة بنت قرظة وهي التي كانت معه حين افتتح قبرص، وتزوج نائلة بنت عمارة الكلبية فأعجبته وقال لميسون بنت بحدل: ادخلي فانظري إلى ابنة عمك، فدخلت فسألها عنها فقالت: إنها لكاملة الجمال، ولكن رأيت تحت سرتها خالا، وإني لأرى هذه يقتل زوجها ويوضع رأسه في حجرها. فطلقها معاوية فتزوجها بعده حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير فقتل ووضع رأسه في حجرها. ومن أشهر أولاده يزيد وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دلجة بن قنافة الكلبي، وهي التي دخلت على نائلة فأخبرت معاوية عنها بما أخبرته، وكانت حازمة عظيمة الشأن جمالا ورياسة وعقلا ودينا، دخل عليها معاوية يوما ومعه خادم خصي فاستترت منه وقالت: ما هذا الرجل معك؟ فقال: إنه خصي فاظهري عليه، فقالت: ما كانت المثلة لتحل له ما حرم الله عليه، وحجبته عنها. وفي رواية أنها قالت له: إن مجرد مثلتك له لن تحل ما حرمه الله عليه، فلهذا أولى الله ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه. وذكر ابن جرير: أن ميسون هذه ولدت لمعاوية بنتا أخرى يقال لها: أمة رب المشارق، ماتت صغيرة، ورملة تزوجها عمرو بن عثمان بن عفان، كانت دارها بدمشق عند عقبة السمك تجاه زقاق الرمان، قاله ابن عساكر قال: ولها طاحون معروفة إلى الآن، وهند بنت معاوية تزوجها عبد الله بن عامر، فلما أدخلت عليه بالخضراء جوار الجامع أرادها على نفسها فتمنعت عليه وأبت أشد الاباء، فضربها فصرخت، فلما سمع الجواري صوتها صرخن وعلت أصواتهن، فسمع معاوية فنهض إليهن فاستعلمهن ما الخبر؟ فقلن: سمعنا صوت سيدتنا فصحنا، فدخل فإذا بها تبكي من ضربه، فقال لابن عامر: ويحك!! مثل هذه تضرب في مثل هذه الليلة؟ ثم قال له: اخرج من ههنا، فخرج ابن عامر وخلا بها معاوية فقال لها: يا بنية إنه زوجك الذي أحله الله لك، أو ما سمعت قول الشاعر: من الخفرات البيض أما حرامها … فصعب وأما حلها فذلول؟ ثم خرج معاوية من عندها وقال لزوجها: ادخل فقد مهدت لك خلقها ووطأته. فدخل ابن عامر فوجدها قد طابت أخلاقها فقضى حاجته منها رحمهم الله تعالى. كان على قضاء معاوية أبو الدرداء بولاية عمر بن الخطاب، فلما حضره الموت أشار على

стр. 2983

معاوية بتولية فضالة بن عبيد، ثم مات فضالة فولى أبا إدريس الخولاني (١). وكان على حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل مالك، ويكنى أبا المخارق - مولى لحمير - وكان معاوية أول من اتخذ الحرس، وعلى حجابته سعد مولاه وعلى الشرطة قيس بن حمزة، ثم زميل بن عمرو العذري، ثم الضحاك بن قيس الفهري، وكان صاحب أمره سرجون بن منصور الرومي. وكان معاوية أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب (٢). وممن ذكر أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة ستين - (صفوان بن المعطل) بن رخصة بن المؤمل بن خزاعي أبو عمرو، وأول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وهو الذي رماه أهل الإفك بأم المؤمنين فبرأه الله وإياها مما قالوا، وكان من سادات المسلمين، وكان ينام نوما شديدا حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ، فقال له رسول الله ﷺ : " إذا استيقظت فصل " وقد قتل صفوان شهيدا. أبو مسلم الخولاني عبد بن ثوب الخولاني من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العنسي إلى أن يشهد أنه رسول الله فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع، أشهد أن محمدا رسول الله، فأجج له نارا وألقاه فيها فلم تضره، وأنجاه الله منها فكان يشبه بإبراهيم الخليل، ثم هاجر فوجد رسول الله ﷺ قد مات، فقدم على الصديق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل، وقبله بين عينيه، وكانت له أحوال ومكاشفات والله سبحانه أعلم. ويقال إنه توفي فيها النعمان بن بشير، والأظهر أنه مات بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين، وكان مولده سنة ست وعشرين، فكان يوم بويع ابن أربع وثلاثين سنة، فأقر نواب أبيه على الأقاليم، لم يعزل أحدا منهم، وهذا من ذكائه.

стр. 2984

قال هشام بن محمد الكلبي عن أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي في الاخباري: ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير، وأمير البصرة عبيد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية البيعة ليزيد، فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة (١): " بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فإن معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له، فعاش بقدر ومات بأجل، فرحمه الله، فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام (٢). وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن الفأرة: أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام. فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه، فبعث إلى مروان فقرأ عليه الكتاب واستشاره في أمر هؤلاء النفر، فقال: أرى أن تدعوهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة (٣)، فإن أبوا ضربت أعناقهم. فأرسل من فوره عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين وابن الزبير - وهما في المسجد - فقال لهما: أجيبا الأمير، فقالا: انصرف الآن نأتيه، فلما انصرف عنهما قال الحسين لابن الزبير: إني أرى طاغيتهم قد هلك، قال ابن الزبير: وأنا ما أظن غيره (٤). قال: ثم نهض حسين فأخذ معه مواليه (٥) وجاء باب الأمير فاستأذن فأذن له، فدخل وحده، وأجلس مواليه على الباب، وقال: إن سمعتم أمرا يريبكم فأدخلوا، فسلم وجلس ومروان عنده، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب ونعى إليه معاوية، فاسترجع وقال: رحم الله معاوية، وعظم لك الاجر، فدعا الأمير إلى البيعة فقال له الحسين: إن مثلي لا يبايع سرا، وما أراك تجتزي مني بهذا، ولكن إذا اجتمع الناس دعوتنا معهم فكان أمرا واحدا، فقال له الوليد - وكان يحب العافية - فانصرف على اسم الله حتى تأتينا في جماعة الناس. فقال مروان للوليد: والله لئن فارقك ولم يبايع الساعة ليكثرن القتل بينكم وبينه، فاحبسه ولا تخرجه حتى يبايع وإلا ضربت عنقه، فنهض الحسين وقال: يا بن الزرقاء أنت تقتلني؟ كذبت والله وأثمت. ثم انصرف إلى داره، فقال مروان للوليد: والله لا تراه بعدها أبدا. فقال الوليد: والله يا مروان ما أحب أن لي الدنيا وما فيها وأني قتلت الحسين، سبحان الله! أقتل حسينا أن قال

стр. 2985

لا أبايع؟ والله إني لأظن أن من يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة. وبعث الوليد إلى عبد الله بن الزبير فامتنع عليه وماطله يوما وليلة، ثم إن ابن الزبير ركب في مواليه واستصحب معه أخاه جعفرا وسار إلى مكة على طريق الفرع، وبعث الوليد خلف ابن الزبير الرجال (١) والفرسان فلم يقدروا على رده، وقد قال جعفر لأخيه عبد الله وهما سائران متمثلا بقول صبرة الحنظلي: وكل بني أم سيمسون ليلة … ولم يبق من أعقابهم غير واحد فقال: سبحان الله! ما أردت إلى هذا؟ فقال: والله ما أردت به شيئا يسوءك، فقال: إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إلي، قالوا وتطير به. وأما الحسين بن علي فإن الوليد تشاغل عنه بابن الزبير وجعل كلما بعث إليه يقول حتى تنظر وننظر، ثم جمع أهله وبنيه وركب ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة (٢)، بعد خروج ابن الزبير بليلة، ولم يتخلف عنه أحد من أهله سوى محمد بن الحنفية، فإنه قال له: والله يا أخي لأنت أعز أهل الأرض علي، وإني ناصح لك لا تدخلن مصرا من هذه الأمصار، ولكن أسكن البوادي والرمال، وابعث إلى الناس فإذا بايعوك واجتمعوا عليك فادخل المصر، وإن أبيت إلا سكنى المصر فاذهب إلى مكة، فإن رأيت ما تحب وإلا ترفعت إلى الرمال والجبال فقال له: جزاك الله خيرا فقد نصحت وأشفقت، وسار الحسين إلى مكة فاجتمع هو وابن الزبير بها، وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن تختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك؟ فقال ابن عمر: لا أحب شيئا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت، وكانوا [لا] (٣) يتخوفونه. وقال الواقدي: لم يكن ابن عمر بالمدينة حين قدم نعي معاوية، وإنما كان هو وابن عباس بمكة فلقيهما وهما مقبلان منها الحسين وابن الزبير، فقال: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد بن معاوية، فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا بين جماعة المسلمين، وقدم ابن عمر وابن عباس إلى المدينة فلما جاءت البيعة من الأمصار بايع ابن عمر مع الناس، وأما الحسين وابن الزبير فإنهما قدما مكة فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص فخافاه وقالا: إنا جئنا عواذا بهذا البيت. وفي هذه السنة في رمضان منها عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه، وأضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة (٤)، فقدم المدينة في رمضان، وقيل

стр. 2986

في ذي القعدة، وكان متآلها متكبرا، وسلط عمرو بن الزبير - وكان عدوا لأخيه عبد الله - على حربه وجرده له، وجعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزبير. وقد ثبت في الصحيحين أن أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: إيذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي حين تلكم به إنه حمد الله وأثنى عليه وقال: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، وإنه لم يحل القتال فيها لاحد كان قبلي، ولم تحل لاحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم قد صارت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب ". وفي رواية " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم " فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ فقال: قال لي نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة (١) (٢). قال الواقدي: ولى عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرو بن الزبير فتتبع أصحاب أخيه ومن يهوى هواه، فضربهم ضربا شديدا حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزبير، وانه لابد أن يأخذ أخاه عبد الله في جامعة (٣) من فضة حتى يقدم به على الخليفة، فضرب المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم، ضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين جلدة، وفر منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى (٤) مكة ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلب ابن الزبير، وأنه لا يقبل منه وإن بايع حتى يؤتى به إلي في جامعة من ذهب أو من فضة تحت برنسه، فلا ترى إلا أنه يسمع صوتها، وكان ابن الزبير قد منع الحارث بن خالد المخزومي من أن يصلي بأهل مكة، وكان نائب عمرو بن سعيد عليها، فحينئذ صمم عمرو على تجهيز سرية إلى مكة بسبب ابن الزبير، فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير: من يصلح أن نبعثه إلى مكة لأجل قتاله؟ فقال

стр. 2987

له عمرو بن الزبير: إنك لا تبعث إليه من هو أنكى له مني (١)، فعينه على تلك السرية وجعل على مقدمته أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة مقاتل. وقال الواقدي، إنما عينهما يزيد بن معاوية نفسه، وبعث بذلك إلى عمرو بن سعيد، فعسكر أنيس بالجرف وأشار مروان بن الحكم على عمرو بن سعيد أن لا يغزو مكة وأن يترك ابن الزبير بها، فإنه عما قليل إن لم يقتل يمت، فقال أخوه عمرو بن الزبير: والله لنغزونه ولو في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. فقال مروان: والله إن ذلك ليسرني. فسار أنيس واتبعه عمرو بن الزبير في بقية الجيش - وكانوا ألفين - حتى نزل بالأبطح، وقيل بداره عند الصفا، ونزل أنيس بذي طوى، فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس، ويصلي وراءه أخوه عبد الله بن الزبير، وأرسل عمرو إلى أخيه يقول له: بر يمين الخليفة، وأته وفي عنقك جامعة من ذهب أو فضة، ولا تدع الناس يضرب بعضهم بعضا، واتق الله فإنك في بلد حرام. فأرسل عبد الله يقول لأخيه: موعدك المسجد. وبعث عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية في سرية فاقتتلوا مع عمرو بن أنيس الأسلمي فهزموا أنيسا هزيمة قبيحة، وتفرق عن عمرو بن الزبير أصحابه وهرب عمرو إلى دار ابن علقمة، فأجاره أخوه عبيدة بن الزبير، فلامه أخوه عبد الله بن الزبير وقال: تجير من في عنقه حقوق الناس؟ ثم ضربه بكل من ضربه بالمدينة إلا المنذر بن الزبير وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا من عمرو، وسجنه ومعه عارم، فسمي سجن عارم، وقد قيل إن عمرو بن الزبير مات تحت السياط والله أعلم. قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الامارة وكيفية مقتله ولنبدأ قبل ذلك بشئ من ترجمته ثم نتبع الجميع بذكر مناقبه وفضائله. هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي، السبط الشهيد بكربلاء ابن بنت رسول الله ﷺ فاطمة الزهراء، وريحانته من الدنيا، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة، وقال بعضهم: إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل، وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع. وقال قتادة: ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف (٢) من التاريخ، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف، ﵁. وروي عن النبي ﷺ أنه حنكه وتفل في فيه ودعا له وسماه حسينا، وقد كان سماه أبوه قبل ذلك حربا، وقيل جعفرا،

стр. 2988

وقيل: إنما سماه يوم سابعه وعق عنه. وقال جماعة عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي ﵁ قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه به ما بين أسفل من ذلك (١)، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي. قال: كان وجه الحسن يشبه وجه رسول الله ﷺ ، وكان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله ﷺ . وروى محمد بن سيرين وأخته حفصة، عن أنس. قال: كنت عند ابن زياد فجئ برأس الحسين فجعل يقول بقضيب في أنف ويقول: ما رأت مثل هذا حسنا، فقلت له: إنه كان من أشبههم برسول الله ﷺ . وقال سفيان: قلت لعبيد الله بن زياد: رأيت الحسين؟ قال: نعم أسود الرأس واللحية إلا شعرات ههنا في مقدم لحيته، فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان تشبها برسول الله ﷺ أو لم يكن شاب منه غير ذلك؟ وقال ابن جريج: سمعت عمر بن عطاء قال: رأيت الحسين بن علي يصبغ بالوشمة، أما هو فكان ابن ستين سنة، وكان رأسه ولحيته شديدي السواد، فأما الحديث الذي روي من طريقين ضعيفين أن فاطمة سألت رسول الله ﷺ في مرض الموت أن ينحل ولديها شيئا فقال: " أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جرأتي وجودي " فليس بصحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة، وقد أدرك الحسين من حياة النبي ﷺ خمس سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث، وقال مسلم بن الحجاج له رؤية من النبي ﷺ ، وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال في الحسن بن علي: إنا تابعي ثقة، وهذا غريب فلان يقول في الحسين إنه تابعي بطريق الأولى. وسنذكر ما كان رسول الله ﷺ يكرمهما به، وما كان يظهر من محبتهما والحنو عليهما. والمقصود أن الحسين عاصر رسول الله ﷺ وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيرا. ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها، في الجمل وصفين، وكان معظما موقرا، ولم يزلا في طاعة أبيه حتى قتل، فلما آلت الخلافة إلى أخيه وأراد أن يصالح شق ذلك عليه ولم يسدد رأي أخيه في ذلك، بل حثه على قتل أهل الشام، فقال له أخوه: والله لقد هممت أن أسجنك في بيت وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك. فلما رأى الحسين ذلك سكت وسلم، فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراما زائدا، ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين. ولما أخذت

стр. 2989

البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمم على ذلك، فلما مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عباس، وصمم على المخالفة الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة فارين إلى مكة فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ويقدمون عليه ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد، وأما ابن الزبير فإنه لزم مصلاه عند الكعبة، وجعل يتردد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرك شئ مما في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه عليه، غير أنه قد تعينت السرايا والبعوث إلى مكة بسببه، ولكن أظفره الله بهم كما تقدم ذلك آنفا، فانقشعت السرايا عن مكة مفلولين وانتصر عبد الله بن الزبير على من أراد هلاكه من اليزيديين، وضرب أخاه عمرا وسجنه واقتص منه وأهانه، وعظم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز، واشتهر أمره وبعد صيته، ومع هذا كله ليس هو معظما عند الناس مثل الحسين، بل الناس إنما ميلهم إلى الحسين لأنه السيد الكبير، وابن بنت رسول الله ﷺ ، فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه. وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يعدونه إليهم - وذلك حين بلغهم موت معاوية وولاية يزيد، ومصير الحسين إلى مكة فرارا من بيعة يزيد - فكان أول من قدم عليه عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال (١)، معهما كتاب (٢) فيه السلام والتهنئة بموت معاوية، فقدما على الحسين لعشر مضين من رمضان من هذه السنة، ثم بعثوا بعدها نفرا منهم قيس (٣) بن مسهر الضدائي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكوا الأرحبي (٤)، وعمارة بن عبد الله السلولي (٥)، ومعهم نحو من مائة وخمسين (٦) كتابا إلى الحسين، ثم بعثوا هانئ بن السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي ومعهما كتاب فيه الاستعجال في السير إليهم، وكتب إليه شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم، وعمرو بن حجاج الزبيدي، ومحمد بن عمر (٧) بن

стр. 2990

يحيى التميمي: أما بعد فقد اخضرت الجنان (١) وأينعت الثمار ولطمت الجمام (٢)، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجندة والسلام عليك. فاجتمعت الرسل كلها بكتبها عند الحسين، وجعلوا يستحثونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضا عن يزيد بن معاوية، ويذكرون في كتبهم أنهم فرحوا بموت معاوية، وينالون منه ويتكلمون في دولته، وأنهم لما يبايعوا أحدا إلى الآن، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم، فعند ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى العراق (٣): ليكشف له حقيقة هذا الامر والاتفاق، فإن كان متحتما وأمرا حازما محكما بعث إليه ليركب في أهل وذويه، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه، وكتب معه كتابا إلى أهل العراق بذلك، فلما سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين فسارا به على براري مهجورة المسالك، فكان أحد الدليلين منهما أول هالك، وذلك من شدة العطش، وقد أضلوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له المضيق، من بطن خبيت (٤)، فتطير به مسلم بن عقيل، فتلبث مسلم على ما هنالك ومات الدليل الآخر فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره، فكتب إليه يعزم عليه أن يدخل العراق، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ويستخبر خبرهم. فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عوسجة الأسدي، وقيل نزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي فالله أعلم. فتسامع أهل الكوفة بقدومه فجاؤوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفا، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والأمور، فتجهز الحسين من مكة قاصدا الكوفة كما سنذكره. وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير خبره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحا ولا يعبأ به، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة، وأمرهم بالائتلاف والسنة، وقال: إني لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا آخذكم بالظنة، ولكن والله الذي لا إله إلا هو لئن فارقتم إمامكم ونكثتم بيعته لأقاتلنكم ما دام في يدي من سيفي قائمته. فقام إليه رجل يقال له عبد الله بن مسلم بن شعبة (٥) الحضرمي فقال له: إن هذا الامر لا يصلح إلا بالغشمة، وإن الذي سلكته أيها الأمير مسلك المستضعفين. فقال له النعمان: لان أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأقوياء الأعزين في معصية الله. ثم نزل فكتب ذلك الرجل إلى يزيد

стр. 2991

يعلمه بذلك، وكتب إلى يزيد عمارة بن عقبة (١) وعمرو (٢) بن سعد بن أبي وقاص، فبث يزيد فعزل النعمان عن الكوفة وضمها إلى عبيد الله بن زياد مع البصرة، وذلك بإشارة سرجون مولى (٣) يزيد بن معاوية، وكان يزيد يستشيره، فقال سرجون: أكنت قابلا من معاوية ما أشار به لو كان حيا؟ قال: نعم! قال: فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، فوله إياها. وكان يزيد يبغض عبيد الله بن زياد، وكان يريد أن يعزله عن البصرة، فولاه البصرة والكوفة معا لما يريده الله به وبغيره. ثم كتب يزيد إلى ابن زياد: إذا قدمت الكوفة فاطلب مسلم بن عقيل فإن قدرت عليه فاقتله أو انفه، وبعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي، فسار ابن زياد من البصرة إلى الكوفة، فلما دخل دخلها متلثما بعمامة سوداء (٤)، فجعل لا يمر بملا من الناس إلا قال: سلام عليكم. فيقولون: وعليكم السلام مرحبا بابن رسول الله - يظنون أنه الحسين وقد كانوا ينتظرون قدومه - وتكاثر الناس عليه، ودخلها في سبعة عشر راكبا، فقال لهم مسلم بن عمرو من جهة يزيد: تأخروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، فلما علموا ذلك علتهم كآبة وحزن شديد، فتحقق عبيد الله الخبر، ونزل قصر الامارة من الكوفة، فلما استقر أمره أرسل مولى أبي رهم - وقيل كان مولى له يقال له معقل - ومعه ثلاثة آلاف درهم في صورة قاصد من بلاد حمص، وأنه إنما جاء لهذه البيعة، فذهب ذلك المولى فلم يزل يتلطف ويستدل على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عقيل حتى دخلها، وهي دار هانئ بن عروة التي تحول إليها من الدار الأولى، فبايع وأدخلوه على مسلم بن عقيل فلزمهم أياما حتى اطلع على جلية أمرهم، فدفع المال إلى أبي ثمامة العامري بأمر مسلم بن عقيل - وكان هو الذي يقبض ما يؤتى به من الأموال ويشتري السلاح - وكان من فرسان العرب، فرجع ذلك المولى وأعلم عبيد الله بالدار وصاحبها، وقد تحول مسلم بن عقيل إلى دار هانئ بن حميد بن عروة المرادي (٥)، ثم إلى دار شريك بن الأعور وكان من الامراء الأكابر، وبلغه أن عبيد الله يريد عيادته (٦)، فبعث إلى هانئ يقول له: ابعث مسلم بن عقيل حتى يكون في داري

стр. 2992

ليقتل عبيد الله إذا جاء يعودني، فبعثه إليه فقال له شريك: كن أنت في الخباء، فإذا جلس عبيد الله فإني أطلب الماء وهي إشارتي إليك، فأخرج فاقتله، فلما جاء عبيد الله جلس على فراش شريك وعنده هانئ بن عروة، وقام من بين يديه غلام يقال له مهران، فتحدث عنده ساعة ثم قال شريك: أسقوني، فتجبن مسلم عن قتله، وخرجت جارية بكوز من ماء فوجدت مسلما في الخباء فاستحيت ورجعت بالماء ثلاثا، ثم قال: أسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي أتحمونني من الماء؟ ففهم مهران الغدر فغمز مولاه فنهض سريعا وخرج، فقال شريك: أيها الأمير، إني أريد أن أوصي إليك، فقال: سأعود! فخرج به مولاه فأركبه وطرد به - أي ساق به - وجعل يقول له مولاه: إن القوم أرادوا قتلك فقال: ويحك إني بهم لرفيق. فما بالهم؟ وقال شريك لمسلم: ما منعك أن تخرج فتقتله؟ قال: حديث بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال " الايمان ضد الفتك، لا يفتك مؤمن " (١) وكرهت أن أقتله في بيتك، فقال: أما لو قتلته لجلست في القصر لم يستعد منه أحد وليكفينك أمر البصرة، ولو قتلته لقتلت ظالما فاجرا، ومات شريك بعد ثلاث. ولما انتهى ابن زياد إلى باب القصر وهو متلثم ظنه النعمان بن بشير الحسين قد قدم، فأغلق باب القصر وقال: ما أنا بمسلم إليك أمانتي، فقال له عبيد الله: افتح لافتحته، ففتح وهو يظنه الحسين، فلما تحقق أنه عبيد الله أسقط في يده، فدخل عبيد الله إلى قصر الامارة وأمر مناديا فنادى: إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين قد ولاني أمركم وثغركم وفيأكم، وأمرني بأنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على مريبكم وعاصيكم، وإنما أنا ممتثل فيكم أمره ومنفذ عهده، ثم نزل وأمر العرفاء أن يكتبوا من عندهم من الزورية (٢) وأهل الريب والخلاف والشقاق، وأيما عريف لم يطلعنا على ذلك صلب أو نفي وأسقطت عرافته من الديوان - وكان هانئ أحد الامراء الكبار - ولم يسلم على عبيد الله منذ قدم وتمارض، فذكره عبيد الله وقال: ما بال هانئ لم يأتني مع الامراء؟ فقالوا: أيها الأمير إنه يشتكي، فقال: إنه بلغني أنه يجلس على باب داره. وزعم بعضهم أنه عاده قبل شريك بن الأعور وسلم بن عقيل عنده، وقد هموا بقتله فلم يمكنهم هانئ لكونه في داره، فجاء الامراء إلى هانئ بن عروة فلم يزالوا به حتى أدخلوه على عبيد الله بن زياد، فالتفت عبيد الله إلى القاضي شريح فقال متمثلا بقول الشاعر: أريد حياته ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد فلما سلم هانئ على عبيد الله قال: يا هانئ أين مسلم بن عقيل؟ قال: لا أدري، فقام

стр. 2993

ذلك المولى التميمي الذي دخل دار هانئ في صورة قاصد من حمص فبايع في داره ودفع الدراهم بحضرة هانئ إلى مسلم، فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم! فلما رآه هانئ قطع وأسقط في يده، فقال: أصلح الله الأمير، والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء فطرح نفسه علي، فقال عبيد الله: فأتني به، فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه، فقال: أدنوه مني، فأدنوه فضربه بحربة على وجهه فشجه على حاجبه وكسر أنفه، وتناول هانئ سيف شرطي ليسله فدفع عن ذلك، وقال عبيد الله: قد أحل الله لي دمك، لأنك حروري، ثم أمر به فحبسه في جانب الدار وجاء قومه من بني مذحج مع عمرو بن الحجاج فوقفوا على باب القصر يظنون أنه قد قتل، فسمع عبيد الله لهم جلبة، فقال لشريح القاضي وهو عنده: اخرج إليهم فقل لهم: إن الأمير لم يحبسه إلا ليسأله عن مسلم بن عقيل، فقال لهم: إن صاحبكم حي وقد ضربه سلطاننا ضربا لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فتفرقوا إلى منازلهم، وسمع مسلم بن عقيل الخبر فركب ونادى بشعاره " يا منصور أمت " فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، وكان معه المختار بن أبي عبيد، ومعه راية خضراء، عبد الله بن نوفل بن الحارث براية حمراء، فرتبهم ميمنة وميسرة وسار هو في القلب إلى عبيد الله، وهو يخطب الناس في أمر هانئ ويحذرهم من الاختلاف، وأشراف الناس وأمراؤهم تحت منبره، فبينما هو كذلك إذ جاءت النظارة يقولون: جاء مسلم بن عقيل، فبادر عبيد الله فدخل القصر ومن معه وأغلقوا عليهم الباب، فلما انتهى مسلم إلى باب القصر وقف بجيشه هناك، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد الله في القصر، فأشاروا إلى قومهم الذين مع مسلم بالانصراف، وتهددوهم وتوعدوهم، وأخرج عبيد الله بعض الامراء (١) وأمرهم أن يركبوا في الكوفة يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل، ففعلوا ذلك، فجعلت المرأة تجئ إلى ابنها وأخيها وتقول له: ارجع إلى البيت، الناس يكفونك ويقول الرجل لابنه وأخيه: كأنك غدا بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم؟ فتخاذل الناس وقصروا وتصرموا وانصرفوا عن مسلم بن عقيل حتى لم يبق إلا في خمسمائة نفس، ثم تقالوا حتى بقي في ثلاثمائة ثم تقالوا حتى بقي معه ثلاثون رجلا، فصلى بهم المغرب وقصد أبواب كندة فخرج منها في عشرة، ثم انصرفوا عنه فبقي وحده ليس معه من يدله على الطريق، ولا من يؤانسه بنفسه، ولا من يأويه إلى منزله، فذهب على وجهه واختلط الظلام وهو وحده يتردد في الطريق لا يدري أين يذهب، فأتى بابا فنزل عنده وطرقه فخرجت منه امرأة يقال لها طوعة، كانت أم ولد للأشعث بن قيس، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال بن أسيد (٢)، خرج مع الناس وأمه

стр. 2994

قائمة بالباب تنتظره، فقال لها مسلم بن عقيل: اسقني ماء فسقته، ثم دخلت وخرجت فوجدته، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى! قالت: فاذهب إلى أهلك عافاك الله، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أجمله لك، فقام فقال: يا أمة الله ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة، فهل إلى أجر ومعروف وفعل نكافئك به بعد اليوم؟ فقالت: يا عبد الله وما هو؟ قال أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني، فقالت: أنت مسلم؟ قال: نعم! قالت ادخل! فأدخلته بيتا من دارها غير البيت الذي يكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، فلم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول والخروج، فسألها عن شأنها فقالت: يا بني اله عن هذا، فألح عليها فأخذت عليه أن لا يحدث أحدا، فأخبرته خبر مسلم، فاضطجع إلى الصباح ساكتا لا يتكلم. وأما عبيد الله بن زياد فإنه نزل من القصر بمن معه من الامراء والأشراف بعد العشاء الآخرة فصلى بهم العشاء في المسجد الجامع، ثم خطبهم وطلب منهم مسلم بن عقيل وحث على طلبه، ومن وجده عنده ولم يعلم به فدمه هدر، ومن جاء به فله ديته (١)، وطلب الشرط وحثهم على ذلك وتهددهم. فلما أصبح ابن تلك العجوز ذهب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأعلمه بأن مسلم بن عقيل في دارهم، فجاء عبد الرحمن فسار أباه بذلك وهو عند ابن زياد، فقال ابن زياد: ما الذي سارك به؟ فأخبره الخبر فنخس بقضيب في جنبه وقال: قم فأتني به الساعة. وبعث ابن زياد عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطته - ومعه عبد الرحمن ومحمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارسا (٢)، فلم يشعر مسلم إلا وقد أحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرات، وأصيبت شفته العليا والسفلى، ثم جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب فضاق بهم ذرعا، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان فأمكنه من يده (٣)، وجاؤوا ببغلة فأركبوه عليها وسلبوا عنه سيفه فلم يبق يملك من نفسه شيئا، فبكى عند ذلك وعرف أنه مقتول، فيئس من نفسه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال بعض من حوله: إن من يطلب مثل الذي تطلب لا يبكي إذا نزل به هذا، فقال: أما والله لست أبكي على نفسي، ولكن أبكي على الحسين، وآل الحسين، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمس من مكة، ثم التفت إلى محمد بن الأشعث فقال: إن

стр. 2995

استطعت أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره بالرجوع فافعل (١)، فبعث محمد بن الأشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدق الرسول في ذلك، وقال: كل ما حم الاله واقع. قالوا: ولما انتهى مسلم بن عقيل إلى باب القصر إذا على بابه جماعة من الامراء من أبناء الصحابة ممن يعرفهم ويعرفونه، ينتظرون أن يؤذن لهم على ابن زياد، ومسلم مخضب بالدماء في وجهه وثيابه، وهو مثخن بالجراح، وهو في غاية العطش، وإذا قلة من ماء بارد هنالك فأراد أن يتناولها ليشرب منها فقال له رجل (٢) من أولئك: والله لا تشرب منها حتى تشرب من الحميم، فقال له: ويلك يا ابن ناهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار الجحيم مني، ثم جلس فتساند إلى الحائط من التعب والكلال والعطش، فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط (٣) مولى له إلى داره فجاء بقلة عليها منديل ومعه قدح، فجعل يفرغ له في القدح ويعطيه فيشرب فلا يستطيع أن يسيغه من كثرة الدماء التي تعلو على الماء مرتين أو ثلاثا، فلما شرب سقطت ثناياه مع الماء فقال: الحمد لله لقد كان بقي لي من الرزق المقسوم شربة ماء، ثم أدخل على ابن زياد، فلما وقف بين يديه لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير؟! فقال: لا! إن كان يريد قتلي فلا حاجة لي بالسلام عليه، وإن لم يرد قتلي فسأسلم عليه كثيرا، فأقبل ابن زياد عليه فقال: إيه يا بن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على قتل بعض؟ قال: كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب. قال: وما أنت وذاك يا فاسق؟ لم لا كنت تعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟. فقال: أنا أشرب الخمر؟! والله إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأنت أحق بذلك مني، فإني لست كما ذكرت، وإن أولى بها مني من يلغ في دماء المسلمين ولغا، ويقتل النفس التي حرم الله بغير نفس، ويقتل على الغضب والظن، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد: يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونك ودونه، ولم يرك أهله، قال: فمن أهله يا بن زياد؟ قال: أمير المؤمنين يزيد. قال: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم. قال: كأنك تظن أن لكم في الامر شيئا؟ قال: لا والله ما هو بالظن ولكنه اليقين. قال له: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام من الناس. قال: أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة المكتسبة عن كتابكم وجهالكم. وأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم حسينا وعليا، ومسلم ساكت لا يكلمه رواه ابن جرير

стр. 2996

عن أبي مخنف وغيره من رواة الشيعة. ثم قال له ابن زياد: إني قاتلك. قال: كذلك؟ قال: نعم. قال: فدعني أوصي إلى بعض قومي، قال: أوص. فنظر في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص. فقال: يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وهي سر فقم معي إلى ناحية القصر حتى أقولها لك، فأبى أن يقوم معه حتى أذن له ابن زياد، فقام فتنحى قريبا من ابن زياد فقال له مسلم: إن علي دينا في الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني، واستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين، فإني كنت قد كتبت إليه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلا، فقام عمر فعرض على ابن زياد ما قال له فأجاز ذلك له كله (١)، وقال: أما الحسين فإن لم يردنا لا نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، ثم أمر ابن زياد بمسلم بن عقيل فأصعد إلى أعلا القصر وهو يكبر ويهلل ويسبح ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، ثم ضرب عنقه رجل يقال له بكير بن حمران (٢)، ثم ألقي رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع رأسه بجسده. ثم أمر بهانئ بن عروة المذحجي فضربت عنقه (٣) بسوق الغنم، وصلب بمكان من الكوفة يقال له الكناسة، فقال رجل شاعر في ذلك قصيدة (٤): فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري … إلى هانئ في السوق وابن عقيل أصابهما أمر الامام (٥) فأصبحا … أحاديث من يغشى (٦) بكل سبيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه (٧) … وآخر يهوي في طماره (٨) قتيل ترى جسدا قد غير الموت لونه … ونضح دم قد سال كل مسيل فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم … فكونوا بغيا (٩) أرضيت بقليل

стр. 2997

ثم إن ابن زياد قتل معهما أناسا آخرين، ثم بعث برؤوسهما إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، وكتب له كتابا صورة ما وقع من أمرهما (١). وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذرهم وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرق، وذلك لما رواه هشام بن الكلبي وأبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن أبي عثمان النهدي. قال: بعث الحسين مع مولى له يقال له سلمان (٢) كتابا إلى أشراف أهل البصرة فيه: أما بعد فإن الله اصطفى محمدا على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس به وبمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق فرحم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثت (٣) إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمري، فإن فعلتم أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله. وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة. قال: فكل من قرأ ذلك من الاشراف كتمه إلا المنذر بن الجارود فإنه ظن أنه دسيسة من ابن زياد فجاء به إليه، فبعث خلف الرسول الذي جاء به من حسين فضربه عنقه، وصعد عبيد الله بن زياد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة، وما يقعقع لي بالشنان، وإني (٤) لنكال لمن عاداني، وسهام لمن حاربني، أنصف " القارة " (٥) من رماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غاد إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان (٦)، وإياكم والخلاف

стр. 2998

والأرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى، حتى يستقيم لي الامر (١)، ولا يكن فيكم مخالف ولا مشاقق، أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم يتنزعني شبه خال ولا عم. ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي فكان من أمره ما تقدم. قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن عون بن أبي جحيفة قال: كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، وقتل يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجة (٢)، وذلك يوم عرفة سنة ستين، وكان ذلك بعد مخرج الحسين من مكة قاصدا أرض العراق بيوم واحد، وكان خروج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة بقية شعبان ورمضان وشوال و [ذي] القعدة، وخرج من مكة لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية، وفي رواية ذكرها ابن جرير أن مسلم بن عقيل لما بكى قال له عبيد الله بن عباس السلمي. إن من يطلب مثل ما تطلب لا يبكي إذا نزل به مثل الذي نزل بك، قال: إني والله ما لنفسي أبكي، وما لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكنني أبكي لأهلي المقبلين إلى الكوفة، أبكي الحسين وآل حسين، ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله! إني والله أراك ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث رجلا على لساني يبلغ حسينا عني رسالة؟ فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم أو غدا هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جزعي لذلك، فتقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير لا يدري أيصبح أم يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك: ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي، فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك. قال أبو مخنف: فدعا محمد بن الأشعث إياس بن العباس (٣) الطائي من بني مالك بن ثمامة - وكان شاعرا - فقال له: اذهب فالق حسينا فأبلغه هذا الكتاب - وكتب فيه الذي أمره به ابن عقيل - ثم أعطاه راحلة وتكفل له بالقيام بأهله وداره، فخرج حتى لقي الحسين بزبالة، لأربع ليال من الكوفة فأخبره الخبر وأبلغه الرسالة، فقال الحسين: كل ما حم نازل، عند الله نحتسب وأنفسنا وفساد أئمتنا. ولما انتهى مسلم إلى باب القصر وأراد شرب الماء قال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها؟ والله لا تذوقها أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم. فقال له ابن عقيل: ويحك من أنت؟ قال: أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لامامه

стр. 2999

إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي. فقال له مسلم: لأمك الويل! ما أجفاك وأفظك، وأغلظك يا بن ناهلة!! أنت والله أولى بالحميم ونار الجحيم. صفة مخرج الحسين إلى العراق لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه، وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عقيل، والحسين لا يعلم بشئ من ذلك، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم، فاتفق خروجه من مكة أيام التروية قبل مقتل مسلم بيوم واحد - فإن مسلما قتل يوم عرفة - ولما استشعر الناس خروج أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم. قال سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس. قال: استشارني الحسين بن علي في الخروج فقلت: لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب، فكان الذي رد علي أن قال: لان أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة. قال: فكان هذا الذي سلى نفسي عنه. وروى أبو مخنف عن الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة (١) بن سمعان. أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه ابن عباس فقال: يا بن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ فقال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى، فقال له ابن عباس: أخبرني إن كان قد دعوك بعدما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة (٢) والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني أستخير الله وأنظر ما يكون. فخرج ابن عباس عنه، ودخل ابن الزبير فقال له: ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الامر دونهم، أخبرني ما تريد أن تصنع؟. فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي باتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم، وأستخير الله. فقال ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها (٣). فلما خرج من عنده قال

стр. 3000

الحسين: قد علم ابن الزبير أنه ليس له من الامر معي شئ، وأن الناس لم يعدلوا بي غيري، فود أني خرجت لتخلو له. فلما كان من العشي أو الغد، جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له يا بن عم! إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونا وشعابا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. فقال الحسين: يا بن عم! والله إني لاعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير. فقال له: فإن كنت ولابد سائرا فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز، فوالله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك. قال: ثم خرج من عنده فلقي ابن الزبير فقال قرت عينك يا بن الزبير؟ ثم قال: يا لك من قنبرة (١) بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري (٢) … صيادك اليوم قتيل فأبشري ثم قال ابن عباس: هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز. وقال غير واحد عن شبابة بن سوار. قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي. قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى. فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي ﷺ فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله ﷺ ، والله ما يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع. قال فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: استودعك الله من قتيل. وقال يحيى بن معين: حدثنا أبو عبيدة، ثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن مينا. قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني، ببني هاشم فتح هذا الامر، وببني هاشم يختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نص عليه غير واحد من الأئمة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله.

стр. 3001

وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان، ثنا عبد الله بن شريك، عن بشر بن غالب. قال قال ابن الزبير للحسين: أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال: لان أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي - يعني مكة - وقال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله أخبرني من سمع هشام بن يوسف يقول عن معمر قال: سمعت رجلا يحدث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: أتتني بيعة أربعين ألفا يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي، فقال له ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟ قال هشام: فسألت معمرا عن الرجل فقال: هو ثقة. قال الزبير: وقال عمي: وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي قال هذا. وقد ساق محمد بن سعد كاتب الواقدي هذا سياقا حسنا مبسوطا. فقال: أنبأنا علي بن محمد، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر، عن أبيه، وعن لوط بن يحيى العامري، عن محمد بن بشير الهمداني وغيره، وعن محمد بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير، عن هارون بن عيسى عن يونس بن إسحاق، عن أبيه، وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي. قال محمد بن سعد: وغير هؤلاء قد حدثني أيضا في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين ﵁ وأرضاه. قالوا: لما بايع الناس معاوية ليزيد كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الإقامة عنهم. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف. قال: وقدم المسيب بن عتبة الفزاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: إني لأرجو أن يعطى الله أخي على نيته في حبه الكف، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلا. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لا يهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا، وما أظن لي عند الله عذرا

стр. 3002

في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلا شرا. وكتب إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه: إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركها فأغفرها لك. قالوا: فلما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به، وقال له: انظر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، يصلح لك أمره، فإن يكن منه شئ فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس يزيد، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤي، إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إلي في أمرة الرفق به واستصلاحه. فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة ليزيد بن معاوية، فقالا: إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وقالا: هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث له عزم ولا مروءة. وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلا شرا. فقال له مروان - أو بعض جلسائه - اقتله، فقال: إن ذلك لدم مضنون به مصون في بني عبد مناف. قالوا: وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا، فقال المسور بن مخرمة: عجل الحسين وابن الزبير يلفته ويرجيه ليخلو بمكة، فقدما مكة فنزل الحسين دار العباس، ولزم ابن الزبير الحجر، ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك، وقال له عبد الله بن مطيع: إني فداؤك وأبي وأمي، فامتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا وخولا. قالوا: ولقيهما عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وابن أبي ربيعة بالأبواء منصرفين من العمرة فقال لهما ابن عمر: أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا فإن اجتمع الناس عليه فلم تشذا، وإن افترقوا عليه كان الذي تريدان. وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج فإن رسول الله ﷺ خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير. وقال له ابن عباس: وأين تريد يا بن فاطمة؟ فقال: العراق وشيعتي، فقال: إني لكاره لوجهك

стр. 3003

هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم؟ أذكرك الله أن تغرر بنفسك. وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك ولا تخرج على إمامك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن علي فأدركته بملل (١) فناشدته الله أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه، فقال: لا أرجع. وقال جابر بن عبد الله: كلمت حسينا فقلت: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني. وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير. وكتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير: الحق بهم فإنهم ناصروك. وقال له ابن عباس: لا تبرح الحرم فإنهم إن كانت بهم إليك حاجة فسيضربون إليك أباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة. فجزاه خيرا وقال: أستخير الله في ذلك. وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه. وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يقتل الحسين بأرض بابل " فلما قرأ كتابها قال: فلابد لي إذا من مصرعي ومضى. وأتاه بكر (٢) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: يا بن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا (٣)، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك. فقال. جزاك الله يا بن عم خيرا، مهما يقضي الله من أمر يكن. فقال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون، نحتسب أبا عبد الله عند الله. وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتاب يحذره أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول الله ﷺ أمرني بأمر وأنا ماض له، ولست بمخبر بها أحدا حتى ألاقي عملي (٤). وكتب إليه عمرو (٥) بن سعيد بن العاص نائب الحرمين: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإني أعيذك الله من الشقاق، فإنك إن كنت خائفا فاقبل إلي، فلك عندي الأمان والبر والصلة. فكتب إليه الحسين: إن كنت أردت

стр. 3004

بكتابك بري وصلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانا يوم القيامة عنده (١). قالوا: وكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس (٢) يخبره بخروج الحسين إلى مكة، وأحسبه قد جاءه رجال من أهل المشرق فمنوه الخلافة، وعندك منهم خبر وتجربة، فإن كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش: يا أيها الراكب العادي مطيته (٣) … على غدافرة في سيرها فحم (٤) أبلغ قريشا على نأي المزار بها … بيني وبين حسين الله والرحم وموقف بفناء البيت أنشده … عهد الاله وما توفي به الذمم عنيتم قومكم فخرا بأمكم … أم لعمري حصان برة كرم هي التي لا يداني فضلها أحد … بنت الرسول وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغيركم … من قومكم (٥) لهم في فضلها قسم إني لاعلم أو ظنا كعالمه (٦) … والظن يصدق أحيانا فينتظم أن سوف يترككم ما تدعون بها … قتلى تهاداكم العقبان والرخم يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ مسكت … ومسكوا بحبال السلم (٧) واعتصموا قد جرب الحرب من قد كان قبلكم … من القرون وقد بادت بها الأمم فانصفوا قومكم لا تهلكوا برحا (٨) … فرب ذي برح زلت به القدم قال: فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما تجتمع به الألفة وتطفي به الثائرة، ودخل ابن عباس على الحسين فكلمه طويلا وقال له: أنشدك أن تهلك غدا بحال مضيعة لا تأتي العراق، وإن كنت لابد فاعلا فأقم

стр. 3005

حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة. فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لأظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لأخاف أن تكون أنت الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له الحسين: أبا العباس إنك شيخ قد كبرت، فقال له ابن عباس: لولا أن يزري ذلك بي وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تباصينا أقمت لفعلت، ولكن لا أخال ذلك مانعك. فقال الحسين: لان أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة وتستحل بي، قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررت عين ابن الزبير بذلك، وذلك الذي سلى نفسي عنه قال: ثم خرج ابن عباس عنه وهو مغضب وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يا بن الزبير قد أتى ما أحببت، قرت عينك، هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز، ثم قال: يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقرى ما شئت أن تنقري … صيادك اليوم قتيل فأبشري قال: وبعث الحسين إلى المدينة يقدم عليه من خف من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان من إخوته وبناته ونسائه، وتبعهم محمد بن الحنفية، فأدرك حسينا بمكة. فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد بن الحنفية ولده فلم يبعث أحدا منهم حتى وجد الحسين في نفسه على محمد، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟ فقال: وما حاجتي إلى أن تصاب ويصابون معك؟ وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم؟ قالوا: وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجها إليهم في أهل بيته (١) وستين شخصا من أهل الكوفة صحبته، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة، فكتب مروان إلى ابن زياد: أما بعد فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة. وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك مالا يسده شئ، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر والسلام. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبدا تسترق كما يسترق العبيد، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه. قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: إنه قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا كما ترق العبيد وتعبد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه. قلت: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي، وفي رواية أن يزيد كتب

стр. 3006

إلى ابن زياد: قد بلغني أن الحسين قد توجه إلى نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي في كل ما يحدث من خير والسلام. قال الزبير بن بكار: وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام وقال: لاذعرت السوام في فلق الصبح … مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطي مخافة الموت ضيما … والمنايا ترصدنني أن أحيدا وقال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي خيثمة عن عدي بن حرملة الأسدي عن عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة فقدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين وابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الامر فوازرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك؟. فقال الحسين: إن أبي حدثني أن لها كبشا يستحل حرمتها يقتل، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش. فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وولني أنا الامر فتطاع ولا تعصى، فقال: وما أريد هذا أيضا، ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاة الناس متوجهين إلى منى عند الظهيرة، قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصر من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحن مع الناس إلى منى. وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان. قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل (١) عمرو بن سعيد - يعني نائب مكة - عليهم أخوه يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تريد؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط والعصي، ثم إن حسينا وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا، ومضى الحسين على وجهه ذلك، فناداه: يا حسين ألا تتقي الله؟ تخرج من الجماعة وتفرق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة؟ قال: فتأول الحسين هذه الآية … (لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل أنا برئ مما تعملون) * [يونس: ٤١]. قال: ثم إن الحسين مر بالتنعيم (٢) فلقي بها عيرا قد بعث بها بجير بن زياد (٣) الحميري

стр. 3007

نائب اليمن قد أرسلها من اليمن إلى يزيد بن معاوية، عليها ورس (١) وحلل كثيرة، فأخذها الحسين وانطلق بها، واستأجر أصحاب الجمال عليها إلى الكوفة، ودفع إليهم أجرتهم، ثم ساق أبو مخنف باسناده الأول أن الفرزدق لقي الحسين في الطريق (٢) فسلم عليه وقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه فقال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له: صدقت، لله الامر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه. وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته وقال: السلام عليكم ثم افترقا. وقال هشام بن الكلبي عن عوانة بن الحكم عن ليطة بن غالب بن الفرزدق عن أبيه. قال: حججت بأمي فبينما أنا أسوق بها بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسين خرجا من مكة معه أسيافه وأتراسه، فقلت له: بأبي وأمي يا بن رسول الله، ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لاخذت، ثم سألني: ممن أنت؟ فقلت: امرؤ من العراق، فسألني عن الناس فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية، وذكر نحو ما تقدم. قال الفرزدق: وسألت الحسين عن أشياء وعن المناسك فأخبرني بها، قال: وإذا هو ثقيل اللسان من برسام (٣) كان أصابه بمن بالعراق. قال: ثم مضيت فإذا فسطاط مضروب في الحرم وهيئة حسنة، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني فأخبرته أني لقيت الحسين، قال: فهلا اتبعته؟ فإن الحسين لا يحيك فيه السلاح ولا يجوز فيه وفي أصحابه. فندم الفرزدق وهم أنه يلحق به، ووقع في قلبه مقالة ابن عمرو، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق به، فلما بلغه أنه قتل لعن ابن عمرو، وكان ابن عمرو يقول: والله لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يبلغ هذا الامر ويظهر، وإنما أراد ابن عمرو بقوله: لا يحيك فيه السلاح، أي السلاح الذي لم يقدر أن يقتل به، وقيل غير ذلك وقيل أراد الهزل بالفرزدق. قالوا: ثم سار الحسين لا يلوي على شئ حتى نزل ذات عرق (٤).

стр. 3008

قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن علي بن الحسين بن علي. قال: لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر إلى الحسين مع ابنه عون ومحمد: أما بعد فإني أسائلك بالله لما انصرفت حتى تنظر في كتابي هذا، فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الاسلام (١)، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في أثر كتابي والسلام (٢). ثم نهض عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد نائب مكة فقال له: اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الأمان، وتمنيه في البر والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع. فقال له عمرو: اكتب عني ما شئت وأتني به حتى أختمه. فكتب ابن جعفر على لسان عمرو بن سعيد ما أراد عبد الله، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو فختمه بخاتمه، وقال عبد الله لعمرو بن سعيد: ابعث معي أمانك، فبعث معه أخاه يحيى، فانصرفا حتى لحقا الحسين فقرءا عليه الكتاب فأبى أن يرجع وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وقد أمرني فيها بأمر وأنا ماض له، فقالا: وما تلك الرؤيا؟ فقال: لا أحدث بها أحدا حتى ألقى ربي . قال أبو مخنف: وحدثني محمد بن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن ذي الرمة (٣)، بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقنا، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتموا (٤) أمركم وجدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال: وكان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يقتل سبع وعشرين ليلة، ومضمونه: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا والسلام عليكم. قال: وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد فقال له ابن زياد: اصعد إلى أعلا القصر فسب الكذاب ابن الكذاب علي بن أبي طالب وابنه الحسين، فصعد فحمد الله وأثنى عليه

стр. 3009

ثم قال: أيها الناس! إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة، فأجيبوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي والحسين. فأمر به ابن زياد فألقي من رأس القصر فتقطع، ويقال بل تكسرت عظامه وبقي فيه بقية رمق، فقام إليه عبد الملك بن عمير البجلي فذبحه، وقال: إنما أردت إراحته من الألم، وقيل إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير وليس به، وفي رواية أن الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن بقطر أخو الحسين من الرضاعة، فألقي من أعلى القصر. والله أعلم. ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ولا يعلم بشئ مما وقع من الاخبار. قال أبو مخنف عن أبي علي الأنصاري عن بكر بن مصعب المزني. قال: وكان الحسين لا يمر بماء من مياه العرب إلا اتبعوه، قال قال أبو مخنف عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم، والمنذر (١) بن المشمعل الأسديين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين، فأدركناه وقد مر برجل من بني أسد (٢) فهم الحسين أن يكلمه ويسأله ثم ترك، فجئنا ذلك الرجل فسألناه عن أخبار الناس فقال: والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق. قالا: فلحقنا الحسين فأخبرناه فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون مرارا. فقلنا له الله الله في نفسك. فقال: لا خير في العيش بعدهما. قلنا: خار الله لك. وقال له بعض أصحابه: والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قد قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. وقال غيرهما: لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عقيل، وثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب وقالوا: لا والله لا ترجع حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا. فسار الحسين حتى إذا كان بزرود (٣) بلغه أيضا مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر، فقال: خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه، وليس عليه منا ذمام، قال: فتفرق الناس عنه أيادي سبأ يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة، وإنما فعل ذلك لأنه ظن أن من اتبعه من الاعراب إنما اتبعوه لأنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على م يقدمون، وقد علم أنه إذا بين لهم الامر لم يصحبه إلا من يريد مواساته في الموت معه. قال: فلما كان السحر

стр. 3010

أمر فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه، ثم سار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها. وقال محمد بن سعد: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك قال: حدثني من شافه الحسين قال: رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت: لمن هذه؟ قالوا: هذه لحسين قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته، قال قلت: بأبي وأمي يا بن بنت رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ فقال: هذه كتب أهل الكوفة إلي ولا أراهم إلا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة - يعني مقنعتها - وأخبرنا علي بن محمد عن الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة. قال: قال الحسين: والله لتعتدن علي كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت. وحدثنا علي بن محمد عن جعفر بن سليمان الضبعي. قال قال الحسين: والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة. فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي، ثنا سفيان، ثنا شهاب بن حراش، عن رجل من قومه. قال: كنت في الجيش الذي بعثهم ابن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال الديلم، فعينهم ابن زياد وصرفهم إلى قتال الحسين، فلقيت حسينا فرأيته أسود الرأس واللحية، فقلت له: السلام عليك أبا عبد الله، فقال: وعليك السلام - وكانت فيه غنة - فقال: لقد باتت فيكم سللة منذ الليلة - يعني سراقا - قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي فأعجبه وكانت فيه غنة - قال سفيان بن عيينة: وهي في الحسينيين. قال أبو مخنف عن أبي خالد الكاهلي. قال: لما صبحت الخيل الحسين بن علي رفع يديه فقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي من كل أمر نزل ثقة وعدة، فكم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك وشكوته إليك، رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت لي ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل غاية. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن بعض مشيخته. قال قال الحسين حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء، قال: كرب وبلاء. وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر اختبرني إحدى ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم في ما رأى، فإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهم أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجوشن: لا! إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك فقال الحسين: والله لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجوشن وقال له: إن تقدم عمر فقاتل

стр. 3011

وإلا فاقتله وكن مكانه، فقد وليتك الامرة. وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلا من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئا؟ فتحولوا مع الحسين يقاتلوا معه. وقال أبو زرعة: حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن حصين. قال: أدركت من مقتل الحسين قال: فحدثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين وعليه جبة برود ورماه رجل يقال له عمرو بن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم معلقا بجبته. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمار الرازي حدثني سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، ثنا حصين أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة: إن معك مائة ألف. فبعث إليهم مسلم بن عقيل فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة حفظا فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج، وأقبل الحسين ولا يشعر بشئ حتى أتى (١) الاعراب فسألهم عن الناس فقالوا: والله لا ندري، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج، قال: فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله والاسلام، قال: وكان بعث إليه ابن زياد عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن نمير، فناشدهم الله والاسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فقالوا له: لا! إلا أن تنزل على حكم ابن زياد، وكان في جملة من معهم الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تتقون الله؟ ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم، والله لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوهم فأبوا إلا حكم ابن زياد؟ فضرب الحر وجه فرسه وانطلق إلى الحسين، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كر على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل ﵀. وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجا فأقبل معه (٢)، وخرج إليه ابن أبي مخرمة (٣) المرادي ورجلان آخران، وهما عمرو بن الحجاج ومعن السلمي، وأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد وعليه جبة من برود، فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بني تميم يقال له عمرو الطهوي بسهم بين كتفيه، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا بجبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه وإني لأنظر إليهم وهم قريب من مائة رجل، فيهم لصلب علي خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سليم حليف لهم، ورجل من بني كنانة حليف لهم، وابن عم ابن زياد.

стр. 3012

وقال حصين، حدثني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فساره فقال له: قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك. قال: فوثب إلى فرسه فركبها ثم دعا بسلاحه فلبسه وإنه لعلى فرسه، ونهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجئ برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول: إن أبا عبد الله كان قد شمط. قال: وجئ بنسائه وبناته وأهله قال: وكان أحسن شئ صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهم رزقا، وأمر لهم بنفقة وكسوة. قال: وانطلق غلامان منهم من أولاد عبد الله بن جعفر - أو ابن أبي جعفر - فأتيا رجلا من طئ فلجئا إليه مستجيران به، فضرب أعناقهما وجاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد، قال: فهم ابن زياد بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت. قال: وحدثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال: لما أتي يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه رأيته يبكي ويقول: لو كان بين ابن زياد وبينه رحم ما فعل هذا - يعني ابن زياد - قال الحصين: ولما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع. قال أبو مخنف: حدثني لوذان، حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين: أين تريد؟ فحدثه، فقال له: أنشدك الله لما انصرفت راجعا، فوالله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك ولا يقاتل معك، وإنما والله أنت قادم على الأسنة والسيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيا، فأما على هذه الصفة فإني لا أرى لك أن تفعل. فقال له الحسين: إنه ليس بخفي علي ما قلت وما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره، ثم ارتحل قاصدا الكوفة. وقال خالد بن العاص (١): رب مستنصح يغش ويردي … وظنين بالغيب يلقى نصيحا وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص وكان عامل المدينة ومكة ليزيد، وقد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها والله أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وستين استهلت هذه السنة والحسين بن علي سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق ومعه أصحابه وقراباته، فقتل في يوم عاشوراء من شهر المحرم من هذه السنة على المشهور الذي صححه الواقدي وغير واحد، وزعم بعضهم أنه قتل في صفر منها والأول أصح.

стр. 3013

وهذه صفة مقتله مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب قال أبو مخنف عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: أقبل الحسين فلما نزل شرف (١) قال لغلمانه وقت السحر: استقوا من الماء فأكثروا، ثم ساروا إلى صدر النهار فسمع الحسين رجلا يكبر فقال له: مم كبرت؟ فقال: رأيت النخيلة، فقال له الأسديان: إن هذا المكان لم ير أحد منه نخيلة، فقال الحسين: فماذا تريانه رأى؟ فقالا: هذه الخيل قد أقبلت، فقال الحسين: أما لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقالا: بلى: ذو حسم (٢). فأخذ ذات اليسار إليها فنزل، وأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي، وهم مقدمة الجيش الذين بعثهم ابن زياد، حتى وقفوا في مقابلته في نحو (٣) الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون سيوفهم، فأمر الحسين أصحابه أن يترووا من الماء ويسقوا خيولهم، وأن يسقوا خيول أعدائهم أيضا. وروى هو وغيره قالوا: لما دخل وقت الظهر أمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي فأذن ثم خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين فخطب الناس من أصحابه وأعدائه واعتذر إليهم في مجيئه هذا إلى ههنا، بأنه قد كتب إليه أهل الكوفة أنهم ليس لهم إمام، وإن أنت قدمت علينا بايعناك وقاتلنا معك، ثم أقيمت الصلاة فقال الحسين للحر: تريد أن تصلي بأصحابك؟ قال لا! ولكن صل أنت ونحن نصلي وراءك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل إلى خيمته واجتمع به أصحابه، وانصرف الحر إلى جيشه وكل على أهبته، فلما كان وقت العصر صلى بهم الحسين ثم انصرف فخطبهم وحثهم على السمع والطاعة له وخلع من عاداهم من الأدعياء السائرين فيكم بالجور. فقال له الحر: إنا لا ندري ما هذه الكتب، ولا من كتبها، فأحضر الحسين خرجين مملوءين كتبا فنثرها بين يديه وقرأ منها طائفة، فقال الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك في شئ، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد، فقال الحسين: الموت أدنى من ذلك، ثم قال الحسين لأصحابه: اركبوا! فركبوا وركب النساء، فلما أراد الانصراف حال القوم بينه وبين الانصراف، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك، ماذا تريد؟ فقال له الحر: أما والله لو غيرك يقولها لي من العرب وهو على مثل الحال التي أنت عليها لأقتصن منه، ولما تركت أمه، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمك إلا بأحسن ما نقدر عليه، وتقاول

стр. 3014

القوم وتراجعوا فقال له الحر: إني لم أومر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد، فإذا أبيت فخذ طريقا لا يقدمك الكوفة ولا تردك إلى المدينة، واكتب أنت إلى يزيد، وأكتب أنا إلى ابن زياد إن شئت، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشئ من أمرك. قال: فأخذ الحسين يسارا عن طريق العذيب والقادسية (١)، والحر بن يزيد يسايره وهو يقول له: يا حسين إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى. فقال له الحسين: أفبالموت تخوفني؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول الله ﷺ فقال: أين تذهب فإنك مقتول؟ فقال: سأمضي وما بالموت عار على الفتى … إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه … وفارق خوفا أن يعيش ويرغما (٢) ويروى على صفة أخرى: سأمضي وما بالموت عار على امرئ … إذا ما نوى حقا ولم يلف مجرما فإن مت أندم وإن عشت لم ألم … كفى بك موتا أن تذل وترغما فلما سمع ذلك الحر منه تنحى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية عنه، فانتهوا إلى عذيب الهجانات (٣) وإذا سفر أربعة - أي أربعة نفر - قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يخبون ويجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل قد أقبلوا من الكوفة يقصدون الحسين ودليلهم رجل يقال له الطرماح بن عدي راكب على فرس (٤) وهو يقول: يا ناقتي لا تذعري من زجري … وشمري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر … حتى تحلي بكريم النجر الماجد الحر رحيب الصدر … أتى به الله لخير أمر ثمت أبقاه بقاء الدهر

стр. 3015

فأراد الحر أن يحول بينهم وبين الحسين فمنعه الحسين من ذلك، فلما خلصوا إليه قال لهم: أخبروني عن الناس وراءكم، فقال له مجمع بن عبد الله العامري أحد النفر الأربعة: أما أشراف الناس فهم إلب عليك، لأنهم قد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، يستميل بذلك ودهم ويستخلص به نصيحتهم، فهم إلب واحد عليك، وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك. قال: لهم: فهل لكم برسولي علم؟ قالوا: ومن رسولك؟ قال: قيس بن مسهر الصيداوي. قالوا: نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد وأباه، ودعا الناس إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك فأمر به فألقي من رأس القصر فمات، فترقرقت عينا الحسين، وقرأ قوله تعالى: … (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) … الآية [الأحزاب: ٢٣]. ثم قال: اللهم اجعل منازلهم الجنة نزلا، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مدخور ثوابك. ثم إن الطرماح بن عدي قال للحسين: أنظر فما معك؟ لا أرى معك أحدا إلا هذه الشرذمة اليسيرة، وإني لأرى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش يعرضون ليقصدونك، فأنشدك الله، إن قدرت أن لا تتقدم إليهم شبرا فافعل، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به من ملوك غسان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر (١)، والله إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم تبعث إلى الرجال من بأجأ وسلمى من طئ، ثم أقم معنا ما بدا لك، فأنا زعيم بعشرة (٢) آلاف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف. فقال له الحسين: جزاك الله خيرا، فلم يرجع عما هو بصدده، فودعه الطرماح، ومضى الحسين، فلما كان من الليل أمر فتيانه أن يستقوا من الماء كفايتهم، ثم سرى فنعس في مسيره حتى خفق برأسه، واستيقظ وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. ثم قال: رأيت فارسا على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فلما طلع الفجر صلى بأصحابه وعجل الركوب ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نينوى (٣)، فإذا راكب (٤) متنكب قوسا قد قدم من الكوفة، فسلم على الحر بن يزيد ولم يسلم على الحسين، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ومضمونه: أن يعدل بالحسين في السير إلى العراق في غير قرية ولا
следующие страницы →