لك يا رسول الله؟ قال: " شهدت قتل الحسين آنفا " (١).
وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أنبأنا قرة بن خالد، أخبرني عامر بن عبد الواحد، عن شهر بن حوشب قال: إنا لعند أم سلمة زوج النبي ﷺ فسمعنا صارخة فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة فقالت: قتل الحسين. فقالت: قد فعلوها، ملا الله قبورهم - أو بيوتهم - عليهم نارا، ووقعت مغشيا عليها، وقمنا. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا ابن مسلم، عن عمار قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت الجن يبكين على الحسين وسمعت الجن تنوح على الحسين. ورواه الحسين بن إدريس عن هاشم بن هاشم عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت الجن ينحن على الحسين وهن يقلن:
أيها القاتلون جهلا حسينا … أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم … ونبي ومرسل وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود … وموسى وصاحب الإنجيل
وقد روي من طريق أخرى عن أم سلمة بشعر غير هذا فالله أعلم.
وقال الخطيب: أنبأنا أحمد بن عثمان بن ساج السكري، ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، ثنا محمد بن شداد المسمعي، ثنا أبو نعيم، ثنا عبيد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: " أوحى الله تعالى إلى محمد إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وأنا قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا ". هذا حديث غريب جدا، وقد رواه الحاكم في مستدركه. وقد ذكر الطبراني ههنا آثارا غريبة جدا، ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبا فاحشا، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضا، وأمطرت السماء دما أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة: عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الامارة جعلت الحيطان تسيل دما، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس بما (٢) كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شئ.
стр. 3047
وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون. وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى، وقد كان شيعيا، وهو ضعيف الحديث عند الأئمة، ولكنه أخباري حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده والله أعلم.
وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها فكانت الدبادب (١) تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين لأنه قتل عطشانا. ثم تخرج النساء حاسرات عن وجههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن، حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، والأهواء الفظيعة، والهتائك المخترعة وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنعوا على دولة بني أمية، لأنه قتل في دولتهم. وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب (٢) من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيدا يصنعون فيه أنواع الأطعمة، ويظهرون السرور والفرح، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم.
وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها ونتهم على نبيها ﷺ ، فليس الامر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة.
فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه
стр. 3048
بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم.
فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله ﵁، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله ﷺ التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدا وشجاعا وسخيا، ولكنه لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتما كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتما، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتما، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شئ مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك.
وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده رسول الله ﷺ أنه قال: " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الاجر مثل يوم أصيب منها " (١). رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
وأما قبر الحسين ﵁
فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد علي. بمكان من الطف عند نهر كربلاء، فيقال إن ذلك المشهد مبني على قبره فالله أعلم. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفي أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه بخبر. وقد كان أبو نعيم، الفضل بن دكين، ينكر على من يزعم أنه يعرف قبر الحسين. وذكر هشام بن الكلبي أن الماء لما أجري على قبر الحسين ليمحي أثره نضب
стр. 3049
الماء بعد أربعين يوما، فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين فبكى وقال: بأبي أنت وأمي، ما كان أطيبك وأطيب تربتك!! ثم أنشأ يقول:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه … فطيب تراب القبر دل على القبر
وأما رأس الحسين ﵁
فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية، ومن الناس من أنكر ذلك. وعندي أن الأول أشهر فالله أعلم. ثم اختلفوا بعد ذلك في المكان الذي دفن فيه الرأس، فروى محمد بن سعد: أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد نائب المدينة فدفنه عند أمه بالبقيع، وذكر ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمر بن صالح - وهما ضعيفان - أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفي فأخذ من خزانته فكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق. قلت: ويعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم داخل باب الفراديس الثاني. وذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمته ريا حاضنة يزيد بن معاوية، أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر ابن الزبعرى يعني قوله:
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
قال: ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام ثم وضع في خزائن السلاح، حتى كان من زمن سليمان بن عبد الملك جئ به إليه، وقد بقي عظما أبيض، فكفنه وطيبه وصلى عليه ودفنه في مقبرة المسلمين، فلما جاءت المسودة - يعني بني العباس - نبشوه وأخذوه معهم. وذكر ابن عساكر أن هذه المرأة بقيت بعد دولة بني أمية، وقد جاوزت المائة سنة فالله أعلم. وادعت الطائفة المسمون بالفاطميين الذين ملكوا الديار المصرية قبل سنة أربعمائة إلى ما بعد سنة ستين وستمائة، أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور به بمصر، الذي يقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة. وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، وإنما أرادوا أن يروجوا بذلك بطلان ما ادعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء، في دولتهم في حدود سنة أربعمائة، كما سنبين ذلك كله إذا انتهينا إليه في مواضعه إن شاء الله تعالى. قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا، فإنهم جاؤوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، وقالوا: هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم واعتقدوا ذلك والله أعلم.
стр. 3050
شئ من فضائله
روى البخاري من حديث شعبة ومهدي بن ميمون، عن محمد بن أبي يعقوب: سمعت ابن أبي نعيم (١) قال: سمعت عبد الله بن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال: أهل العراق يسألون عن قتل الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ : " هما ريحانتاي من الدنيا " (٢). ورواه الترمذي عن عقبة بن مكرم، عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن أبي يعقوب به نحوه: أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت محمد ﷺ . وذكر تمام الحديث. ثم قال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن أبي الحجاف عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : " من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني " (٣) - يعني حسنا وحسينا -. وقال الإمام أحمد: حدثنا تليد بن سليمان، كوفي، ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: " نظر النبي ﷺ إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال: أنا حرب لما حاربكم، سلم لمن سالمكم " (٤). تفرد بهما الإمام أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، ثنا حجاج - يعني ابن دينار - عن جعفر بن إياس، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي هريرة. قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه الواحد، وهذا على عاتقه الآخر، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل يا رسول الله! والله إنك لتحبهما، فقال: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني ". تفرد به أحمد. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، حدثني يوسف بن إبراهيم التميمي، أنه سمع أنس بن مالك يقول: سئل رسول الله ﷺ أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: " الحسن والحسين ". قال: وكان يقول " ادع لي ابني فيشمهما ويضمهما إليه " (٥). وكذا رواه الترمذي عن أبي سعيد الأشج به، وقال: حسن غريب من حديث أنس. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر وعفان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس. أن
стр. 3051
رسول الله ﷺ " كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت، … (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) … (١) ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. وقال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو أسامة، عن فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن البراء أن رسول الله ﷺ " أبصر حسنا وحسينا فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما " (٢) ثم قال: حسن صحيح وقد روى الإمام أحمد عن زيد بن الحباب، عن الحسين بن واقد. وأهل السنن الأربعة من حديث الحسين بن واقد عن بريدة عن أبيه. قال: " كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله، … (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) … [التغابن: ١٥] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتها " (٣). وهذا لفظ الترمذي، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد. ثم قال: حدثنا الحسن (٤) بن عرفة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن راشد عن يعلى بن مرة. قال قال رسول الله ﷺ : " حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط ". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه أحمد عن عفان عن وهب عن عبد الله بن عثمان بن خيثم به. ورواه الطبراني عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح بن راشد بن سعد، عن يعلى بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: " الحسن والحسين سبطان من الأسباط ". وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله ﷺ : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (٥). ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وغيره عن يزيد بن أبي زياد، وقال: حسن صحيح. وقد رواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد، عن مروان الفزاري، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبيه عن أبي
стр. 3052
سعيد. قال قال رسول الله ﷺ : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة، يحيى وعيسى ﷺ ". وأخرجه النسائي من حديث مروان بن معاوية الفزاري به، ورواه سويد بن سعيد عن محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عطية عن أبي سعيد. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن ربيع بن سعد عن أبي سابط قال: دخل حسين بن علي المسجد فقال جابر بن عبد الله: من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول الله ﷺ ". تفرد به أحمد، وروى الترمذي والنسائي من حديث إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن حذيفة أن أمه بعثته ليستغفر له رسول الله ﷺ ولها، قال: فأتيته فصليت معه المغرب ثم صلى حين صلى العشاء، ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال: " من هذا؟ حذيفة؟ قلت: نعم! قال: ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟ إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قبل هذه الليلة استأذن ربه بأن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (١) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ولا يعرف إلا من حديث إسرائيل. وقد روي مثل هذا من حديث علي بن أبي طالب ومن حديث الحسين نفسه، وعمر وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، وفي أسانيده كلها ضعف والله أعلم.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا موسى بن عطية عن أبيه عن أبي هريرة. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الحسن والحسين: " من أحبني فليحب هذين ". وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، ثنا إسماعيل - يعني ابن جعفر - أخبرني محمد - يعني ابن حرملة - عن عطاء. أن رجلا أخبره أنه رأى النبي ﷺ " يضم إليه حسنا وحسينا ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما " (٢). وقد روي عن أسامة بن زيد وسلمان الفارسي شئ يشبه هذا وفيه ضعف وسقم والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا كامل وأبو المنذر ابنا كامل قال أسود: أنبأنا المعنى عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال: " كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فإذا سجد وثب الحسين والحسن على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذا رفيقا فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته أقعدهما على فخذيه، قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله أردهما إلى أمهما؟ قال: فبرقت برقة فقال لهما: الحقا بأمكما، قال فمكث ضؤها حتى دخلا على أمهما " (٣). وقد روى موسى بن عثمان
стр. 3053
الحضرمي، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة نحوه، وقد روي عن أبي سعيد وابن عمر قريب من هذا، فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا معاذ بن معاذ، ثنا قيس بن الربيع، عن أبي المقدام عبد الرحمن الأزرق عن علي. قال: " دخل علي رسول الله ﷺ وأنا نائم، فاستسقى الحسن أو الحسين فقام رسول الله ﷺ إلى شاة لنا كي يحلبها فدرت فجاءه الآخر فنحاه، فقالت فاطمة: يا رسول الله كأنه أحبهما إليك؟ قال: لا ولكنه استسقى قبله، ثم قال: إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة " (١). تفرد به أحمد. ورواه أبو داود الطيالسي: عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي فاختة عن علي فذكر نحوه. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب كان يكرمهما ويحملهما ويعطيهما كما يعطي أباهما، وجئ مرة بحلل من اليمن فقسمها بين أبناء الصحابة ولم يعطهما منهما شيئا، وقال: ليس فيها شئ يصلح لهما، ثم بعث إلى نائب اليمن فاستعمل لهما حلتين تناسبهما.
وقال محمد بن سعد: أنبأنا قبيصة بن عقبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: بينما عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين مقبلا فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء. وقال الزبير بن بكار: حدثني سليمان بن الدراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه " أن رسول الله ﷺ بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وهم صغار لم يبلغوا، ولم يبايع صغيرا إلا منا ". وهذا مرسل غريب. وقال محمد بن سعد: أخبرني يعلى بن عبيد، ثنا عبد الله بن الوليد الرصافي، عن عبد الله بن عبيد الله بن عميرة. قال: حج الحسين بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا ونجائبه تقاد بين يديه. وحدثنا أبو نعيم - الفضل بن دكين - ثنا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن الحسين بن علي حج ماشيا وإن نجائبه لتقاد وراءه. والصواب أن ذلك إنما هو الحسن أخوه، كما حكاه البخاري. وقال المدائني: جرى بين الحسن والحسين كلام فتهاجرا، فلما كان بعد ذلك أقبل الحسن إلى الحسين فأكب على رأسه يقبله، فقام الحسين فقبله أيضا، وقال: إن الذي منعني من ابتدائك بهذا أني رأيت أنك أحق بالفضل مني فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به مني. وحكى الأصمعي عن ابن عون أن الحسن كتب إلى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء فقال الحسين إن أحسن المال ما وقى العرض.
وقد روى الطبراني: حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطي ثنا يزيد بن البراء بن عمرو بن البراء الغنوي، ثنا سليمان بن الهيثم قال: كان الحسين بن علي يطوف بالبيت فأراد أن يستلم فيما وسع له الناس، فقال رجل: يا أبا فراس من هذا فقال الفرزدق:
стр. 3054
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم … هذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته … ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إذا رأته قريش قال قائلها … إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء ويغضى من مهابته … فما يكلم إلا حين يبتسم
في كفه خيزران رحيها عبق … بكف أورع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نسبته (١) … طابت عناصره (٢) والخيم والشيم
لا يستطيع جواد بعد غايته (٣) … ولا يدانيه قوم إن هموا كرموا
من يعرف الله يعرف أولية ذا … فالدين من بيت هذا ناله أمم
أي العشائر هم ليست رقابهم … لأولية هذا أوله نعم
هكذا أوردها الطبراني في ترجمة الحسين في معجمه الكبير وهو غريب، فإن المشهور أنها من قيل الفرزدق في علي بن الحسين لا في أبيه، وهو أشبه فإن الفرزدق لم ير الحسين إلا وهو مقبل إلى الحج والحسين ذاهب إلى العراق، فسأل الحسين الفرزدق عن الناس فذكر له ما تقدم، ثم إن الحسين قتل بعد مفارقته له بأيام يسيرة، فمتى رآه يطوف بالبيت والله أعلم، وروى هشام عن عوانة قال: قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد: أين الكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين؟ فقال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب، فقال له ابن زياد: لتجيئن به، قال: ضاع، قال: والله لتجيئن به، قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش أعتذر إليهن بالمدينة، أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها إلى سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه، فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله، صدق عمر والله. ولوددت والله أنه ليس من بني ياد رجل إلا وفي أنفه خزامة (٤) إلى يوم القيامة وأن حسينا لم يقتل، قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله بن زياد.
فصل في شئ من أشعاره التي رويت عنه
فمن ذلك ما أنشده أبو بكر بن كامل عن عبد الله بن إبراهيم وذكر أنه للحسين بن علي بن أبي طالب ﵄:
стр. 3055
إغن عن المخلوق بالخالق … تسد على الكاذب والصادق
واسترزق الرحمن من فضله … فليس غير الله من رازق
من ظن أن الناس يغنونه … فليس بالرحمن بالواثق
أو ظن أن المال من كسبه … زلت به النعلان من حالق
عن الأعمش أن الحسين بن علي قال:
كلما زيد صاحب المال مالا … زيد في همه وفي الاشتغال
قد عرفناك يا منغصة العيش … ويا دار كل فان وبالي
ليس يصفو لزاهد طلب الزهد … إذا كان مثقلا بالعيال
وعن إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني أن الحسين زار مقابر الشهداء بالبقيع فقال:
ناديت سكان القبور فأسكتوا … وأجابني عن صمتهم ترب الحصا
قالت أتدري ما فعلت بساكني … مزقت لحمهم وخرقت الكسا
وحشوت أعينهم ترابا بعدما … كانت تأذى باليسير من القذا
أما العظام فإنني مزقتها … حتى تباينت المفاصل والشوا
قطعت ذا زاد من هذا كذا … فتركتها رمما يطوف بها البلا
وأنشد بعضهم للحسين ﵁ أيضا:
لئن كانت الدنيا تعد نفيسة … فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت … فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن كانت الأرزاق شيئا مقدرا … فقلة سعي المرء في الرزق أجمل
وإن كانت الأموال للترك جمعها … فما بال متروك به المرء يبخل
ومما أنشد الزبير بن بكار من شعره في امرأته الرباب بنت أنيف، ويقال بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس الكلبي أم ابنته سكينة (١):
لعمرك إنني لأحب دارا … تحل (٢) بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي … وليس للائمي فيها (٣) عتاب
стр. 3056
ولست لهم وإن عتبوا مطيعا … حياتي أو يعليني التراب (١)
وقد أسلم أبوها على يدي عمر بن الخطاب وأمره عمر على قومه، فلما خرج من عنده خطب إليه علي بن أبي طالب أن يزوج ابنه الحسن والحسين من بناته، فزوج الحسن ابنته سلمى، والحسين ابنته الرباب، وزوج عليا ابنته الثالثة، وهي المحياة بنت امرئ القيس في ساعة واحدة، فأحب الحسين زوجته الرباب حبا شديدا وكان بها معجبا يقول فيها الشعر، ولما قتل بكربلاء كانت معه فوجدت عليه وجدا شديدا، وذكر أنها أقامت على قبره سنة ثم انصرفت وهي تقول:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وقد خطبها بعده خلق كثير من أشراف قريش فقالت: ما كنت لاتخذ حموا بعد رسول الله ﷺ ، ووالله لا يؤويني ورجلا بعد الحسين سقف أبدا. ولم تزل عليه كمدة حتى ماتت، ويقال إنها إنما عاشت بعده أياما يسيرة فالله أعلم، وابنتها سكينة بنت الحسين كانت من أجمل النساء حتى إنه لم يكن في زمانها أحسن منها فالله أعلم.
وروى أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن جندب أن ابن زياد بعد مقتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر بن يزيد، فتطلبه حتى جاءه بعد أيام فقال: أين كنت يا بن الحر؟ قال: كنت مريضا، قال: مريض القلب أم مريض البدن؟ قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من الله عليه بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا، قال: لو كنت مع عدوك لم يخف مكان مثلي، ولكان الناس شاهدوا ذلك، قال: وعقل عن ابن زياد عقلة فخرج ابن الحر فقعد على فرسه. ثم قال: أبلغوه أني لا آتيه والله طائعا فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قال: خرج، فقال علي به، فخرج الشرط في طلبه فأسمعهم غليظ ما يكرهون، وترضى عن الحسين وأخيه وأبيه ثم أسمعهم في ابن زياد غليظا من القول ثم امتنع منهم وقال في الحسين وفي أصحابه شعرا:
يقول أمير غادر حق غادر … ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة
فيا ندمي أن لا أكون نصرته … لذو حسرة ما إن تفارق لازمه (٢)
стр. 3057
سقى الله أرواح الذين تبارزوا … على نصره سقيا من الغيث دائمه
وقفت على أجداثهم وقبورهم … فكان الحشي ينقض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى … سراعا إلى الهيجا حماة حضارمه
تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم … بأسيافهم أساد غبل ضراغمه
فإن يقتلوا تلك النفوس التقية (١) … على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
فما إن رأى الراؤون أفضل منهم … لدى الموت سادات وزهر قمامه
أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا … فذى (٢) خطة ليست لنا بملائمه
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم … فكم ناقم منا عليكم وناقمه
أهم مرارا أن أسير بجحفل … إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه
فيا بن زياد استعد لحربنا … وموقف ضنك تقصم الظهر قاصمه
وقال الزبير بن بكار: قال سليمان بن قتيبة (٣) يرثي الحسين ﵁:
وإن قتيل الطف من آل هاشم … أذل رقابا من قريش فذلت (٤)
فإن تتبعوه عائذا لبيت تصبحوا (٥) … كعاد تعمت عن هداها فضلت
مررت على أبيات آل محمد … فألفيتها أمثالها حيث حلت (٦)
وكانوا لنا غنما فعادوا رزية (٧) … لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها … وإن أصبحت منهم بزعمي تحلت (٨)
إذا افتقرت قيس خبرنا فقيرها … وتقتلنا قيس إذا النعل زلت
وعند يزيد (٩) قطرة من دمائنا … سنجزيهم يوما بها حيث حلت
ألم تر أن الأرض أضحت مريضة … لقتل حسين والبلاة اقشعرت
ومما وقع من الحوادث في هذه السنة - أعني إحدى وستين - بعد مقتل الحسين:
стр. 3058
ففيها ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان حين وفد عليه، وله من العمر أربعة وعشرون سنة، وعزل عنها أخويه عبادا وعبد الرحمن، وسار سلم إلى عمله فجعل ينتخب الوجوه والفرسان، ويحرض الناس على الجهاد، ثم خرج في جحفل عظيم ليغزو بلاد الترك، ومعه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص، فكانت أول امرأة من العرب قطع بها النهر، وولدت هناك ولدا أسموه صغدى، وبعثت (١) إليها امرأة صاحب صغدى بتاجها من ذهب ولآل. وكان المسلمون قبل ذلك لا يشتون في تلك البلاد، فشتى بها سلم بن زياد. وبعث المهلب بن أبي صفرة إلى تلك المدينة التي هي للترك، وهي خوارزم فحاصرهم حتى صالحوه على نيف وعشرين ألف ألف، وكان يأخذ منهم عروضا عوضا، فيأخذ الشئ بنصف قيمته فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي بذلك المهلب عند سلم بن زياد.
ثم بعث من ذلك ما اصطفاه ليزيد بن معاوية مع مرزبان ومعه وفد، وصالح سلم أهل سمرقند في هذه الغزوة على مال جزيل. وفيها عزل يزيد عن إمرة الحرمين عمرو بن سعيد وأعاد إليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فولاه المدينة، وذلك أن ابن الزبير لما بلغه مقتل الحسين شرع يخطب الناس ويعظم قتل الحسين وأصحابه جدا، ويعيب على أهل الكوفة وأهل العراق ما صنعوه من خذلانهم الحسين، ويترحم على الحسين ويلعن من قتله، ويقول: أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أما والله ما كان يستبدل بالقرآن الغنا والملاهي، ولا بالبكاء من خشية الله اللغو والحداء، ولا بالصيام شرب المدام وأكل الحرام، ولا بالجلوس في حلق الذكر طلب الصيد، - يعرض في ذلك بيزيد بن معاوية - فسوف يلقون غيا، ويؤلب الناس على بني أمية ويحثهم على مخالفته وخلع يزيد. فبايعه خلق كثير في الباطن، وسألوه أن يظهرها فلم يمكنه ذلك مع وجود عمرو بن سعيد، وكان شديدا عليه ولكن فيه رفق، وقد كان كاتبه أهل المدينة وغيرهم، وقال الناس: أما إذ قتل الحسين فليس ينازع أحد أبن الزبير، فلما بلغ ذلك يزيد شق ذلك عليه وقيل له: إن عمرو بن سعيد لو شاء لبعث إليك برأس ابن الزبير، أو يحاصره حتى يخرجه من الحرم، فبعث فعزله وولى الوليد بن عتبة فيها، وقيل في مستهل ذي الحجة، فأقام للناس الحج فيها، وحلف يزيد ليأتيني ابن الزبير في سلسلة من فضة، وبعث بها مع البريد ومعه برنس من خز ليبر يمينه، فلما مر البريد على مروان وهو بالمدينة وأخبره بما هو قاصد له وما معه من الغل أنشأ مروان يقول:
فخذها فما هي للعزيز بخطة … وفيها مقال لامرئ متذلل
أعامر إن القوم ساموك خطة … وذلك في الجيران غزل بمغزل
стр. 3059
أراك إذا ما كنت في القوم ناصحا (١) … يقال له بالدلو أدبر وأقبل
فلما انتهت الرسل إلى عبد الله بن الزبير بعث مروان ابنيه عبد الملك وعبد العزيز ليحضرا مراجعته في ذلك، وقال: أسمعاه قولي في ذلك، قال عبد العزيز: فلما جلس الرسل بين يديه جعلت أنشده ذلك وهو يسمع ولا أشعره، فالتفت إلي فقال: أخبرا أباكما أني أقول:
إني لمن نبعة صم مكاسرها … إذا تناوحت القصباء والعشر
ولا ألين لغير الحق أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
قال عبد العزيز: فما أدري أيما كان أعجب!!
قال أبو معشر: لا خلاف بين أهل السير أن الوليد بن عتبة حج بالناس في هذه السنة وهو أمير الحرمين وعلى البصرة والكوفة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان وسجستان سلم بن زياد أخو عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة.
من توفي فيها من الأعيان
الحسين بن علي ﵄ ومعه بضعة عشر من أهل بيته قتلوا جميعا بكربلاء، وقيل بضعة وعشرون كما تقدم. وقتل معهم جماعة من الابطال والفرسان.
جابر بن عتيك بن قيس
أبو عبد الله الأنصاري السلمي، شهد بدرا وما معه، وكان حامل راية الأنصار يوم الفتح، كذا قال ابن الجوزي، قال: وتوفي في هذه السنة عن إحدى وسبعين سنة.
حمزة بن عمرو الأسلمي
صحابي جليل ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: سأل حمزة بن عمرو رسول الله ﷺ فقال: إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال له: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر " (٢). وقد شهد فتح الشام، وكان هو البشير للصديق يوم أجنادين، قال الواقدي: وهو الذي بشر كعب بن مالك بتوبة الله عليه فأعطاه ثوبيه، وروى البخاري في التاريخ باسناد جيد عنه أنه قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاءت لي أصابعي حتى جمعت عليها كل متاع كان
стр. 3060
للقوم " (١). اتفقوا على أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة إحدى وستين -.
شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي
صاحب مفتاح الكعبة كان أبوه ممن قتله علي بن أبي طالب يوم أحد كافرا، وأظهر شيبة الاسلام يوم الفتح، وشهد حنينا وفي قلبه شئ من الشك، وقد هم بالفتك برسول الله ﷺ ، فأطلع الله على ذلك رسوله فأخبره بما هم به فأسلم باطنا وجاد إسلامه، وقاتل يومئذ وصبر فيمن صبر. قال الواقدي عن أشياخه: إن شيبة قال: كنت أقول والله لو آمن بمحمد جميع الناس ما آمنت به، فلما فتح مكة وخرج إلى هوازن خرجت معه رجاء أن أجد فرصة آخذ بثأر قريش كلها منه، قال: فاختلط الناس ذات يوم ونزل رسول الله ﷺ عن بغلته فدنوت منه وانتضيت سيفي لأضربه به، فرفع لي شواظ من نار كاد يمحشني، فالتفت إلي رسول الله ﷺ وقال: " يا شيبة ادن مني، فدنوت منه فوضع يده على صدري وقال: اللهم أعذه من الشيطان. قال: فوالله ما رفع يده حتى لهو يومئذ أحب إلي من سمعي وبصري، ثم قال: اذهب فقاتل، قال فتقدمت إلى العدو والله لو لقيت أبي لقتلته لو كان حيا، فلما تراجع الناس قال لي: يا شيبة الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك، ثم حدثني بكل ما كان في نفسي مما لم يطلع عليه أحد إلا الله ، فتشهدت وقلت: استغفر الله، فقال: غفر الله لك " (٢). ولي الحجابة بعد عثمان بن طلحة واستقرت الحجابة في بنيه وبيته إلى اليوم، وإليه ينسب بنو شيبة، وهم حجبة الكعبة. قال خليفة بن خياط وغير واحد: توفي سنة تسع وخمسين. وقال محمد بن سعد: بقي إلى أيام يزيد بن معاوية. وقال ابن الجوزي في المنتظم: مات في هذه السنة.
عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم صحابي انتقل إلى دمشق وله بها دار، ولما مات أوصى إلى يزيد بن معاوية وهو أمير المؤمنين.
الوليد بن عقبة بن أبي معيط
ابن أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أبو وهب القرشي العبشمي، وهو أخو عثمان بن عفان لامه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وللوليد من الإخوة خالد وعمارة وأم
стр. 3061
كلثوم، وقد قتل رسول الله ﷺ أباه بعد وقعة بدر من بين الاسرى صبرا بين يديه، فقال: يا محمد من للصبية؟ فقال: " لهم النار " وكذلك فعل بالنضر بن الحارث. وأسلم الوليد هذا يوم الفتح، وقد بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فظن أنهم إنما خرجوا لقتاله فرجع، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يجهز إليهم جيشا، فبلغهم ذلك فجاء من جاء منهم ليعتذر إليه ويخبرونه بصورة ما وقع، فأنزل الله تعالى في الوليد: … (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) … الآية [الحجرات: ٦]. ذكر ذلك غير واحد من المفسرين والله أعلم بصحة ذلك. وقد حكى أبو عمرو بن عبد البر على ذلك الاجماع. وقد ولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان نيابة الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، سنة خمس وعشرين، ثم شرب الخمر وصلى بأصحابه ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ ووقع منه تخبيط، ثم إن عثمان جلده وعزله عن الكوفة بعد أربع سنين فأقام بها، فلما جاء علي إلى العراق سار إلى الرقة واشترى له عندها ضيعة وأقام بها معتزلا جميع الحروب التي كانت أيام علي ومعاوية وما بعدها إلى أن توفي بضيعته في هذه السنة، ودفن بضيعته وهي على خمسة عشر ميلا من الرقة، ويقال: إنه توفي في أيام معاوية فالله أعلم. روى له الإمام أحمد وأبو داود حديثا واحدا في فتح مكة، وقد ذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، وذكر أيضا وفاة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، وقد تقدم ذكر وفاتها في سنة إحدى وخمسين، وقيل إنها توفيت سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين، والصواب ما ذكرناه.
أم سلمة أم المؤمنين
هند بنت أبي أمية حذيفة وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية كانت أولا تحت ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد فمات عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها في شوال سنة ثنتين بعد وقعة بدر، وقد كانت سمعت من زوجها أبي سلمة: حديثا عن رسول الله ﷺ . أنه قال: " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أبدله الله خيرا منها " قالت: فلما مات أبو سلمة قلت ذلك ثم قلت: ومن هو خير من أبي سلمة أول رجل هاجر؟ ثم عزم الله لي فقلتها فأبدلني الله خيرا منه، رسول الله ﷺ وكانت من حسان النساء وعابداتهن. قال الواقدي: توفيت سنة تسع وخمسين وصلى عليها أبو هريرة. وقال ابن أبي خيثمة: توفيت في أيام يزيد بن معاوية. قلت: والأحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدل على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله والله أعلم. ورضي الله عنها والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وستين
يقال فيها قدم وفد المدينة النبوية على يزيد بن معاوية فأكرمهم وأجازهم بجوائز سنية، ثم
стр. 3062
عادوا من عنده بالجوائز فخلعوه وولوا عليهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، فبعث إليهم يزيد جندا في السنة الآتية إلى المدينة فكانت وقعة الحرة على ما سنبينه في التي بعدها إن شاء الله تعالى، وقد كان يزيد عزل عن الحجاز عمرو بن سعيد بن العاص، وولى عليهم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فلما دخل المدينة احتاط على الأموال والحواصل والأملاك، وأخذ العبيد الذين لعمرو بن سعيد فحبسهم، - وكانوا نحوا من ثلاثمائة عبد - فتجهز عمرو بن سعيد إلى يزيد وبعث إلى عبيدة أن يخرجوا من السجن ويلحقوا به، وأعد لهم إبلا يركبونها، ففعلوا ذلك، فما لحقوه حتى وصل إلى يزيد فأكرمه واحترمه ورحب به يزيد، وأدنى مجلسه، ثم إنه عاتبه في تقصيره في شأن ابن الزبير، فقال له: يا أمير المؤمنين الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل مكة والحجاز مالأوه علينا وأحبوه ولم يكن لي جند أقوى بهم عليه لو ناهضته، وقد كان يحذرني ويحترس مني، وكنت أرفق به كثيرا وأداريه لأستمكن منه فأثب عليه، مع أني قد ضيقت عليه ومنعته من أشياء كثيرة، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا اسمه واسم أبيه، ومن أي بلاد هو وما جاء له، وماذا يريد، فإن كان من أصحابه أو ممن عرف أنه يريده رددته صاغرا، وإلا خليت سبيله. وقد وليت الوليد وسيأتيك من عمله وأمره ما لعلك تعرف به فضل مسارعتي واجتهادي في أمرك ومناصحتي لك إن شاء الله، والله يصنع لك ويكبت عدوك. فقال له يزيد: أنت أصدق مما رماك وحملني عليك، وأنت ممن أثق به وأرجو معونته وأدخره لذات الصدع، وكفاية المهم وكشف نوازل الأمور العظام. في كلام طويل.
وأما الوليد بن عتبة فإنه أقام بالحجاز وقد هم مرارا أن يبطش بعبد الله بن الزبير فيجده متحذرا ممتنعا قد أعد للأمور أقرانها. وثار باليمامة رجل آخر يقال له نجدة بن عامر الحنفي (١) حين قتل الحسين، وخالف يزيد بن معاوية، ولم يخالف ابن الزبير بل بقي على حدة، له أصحاب يتبعونه، فإذا كان ليلة عرفة دفع الوليد بن عتبة بالجمهور وتخلف عنه ابن الزبير وأصحاب نجدة، ثم يدفع كل فريق وحدهم. ثم كتب نجدة (٢) إلى يزيد: إنك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتجه لأمر رشد ولا يرعوي لعظة الحكيم، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق لين الكنف، رجوت أن يسهل به من الأمور ما استوعر منها وأن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء الله تعالى. قالوا: فعزل يزيد الوليد وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فسار إلى الحجاز وإذا هو فتى غر حدث غمر لم يمارس الأمور، فطعموا فيه، ولما دخل المدينة بعث إلى يزيد منها وفدا فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة الحضرمي (٣)، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد
стр. 3063
فأكرمهم وأحسن إليهم وعظم جوائزهم، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة، إلا المنذر بن الزبير فإنه سار إلى صاحبه عبيد الله بن زياد بالبصرة، وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد، ولما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر وتعزف عنده القينات بالمعازف (١)، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس على خلعه، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على الموت، وأنكر عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢)، ورجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة فوافق أولئك على خلع يزيد، وأخبرهم عنه أنه يشرب الخمر ويسكر حتى ترك الصلاة، وعابه أكثر مما عابه أولئك. فلما بلغ ذلك يزيد قال: اللهم إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت، فأدركه وانتقم منه. ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ويحذرهم غب ذلك ويأمرهم بالرجوع إلى السمع والطاعة ولزوم الجماعة، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد وخوفهم الفتنة وقال لهم: إن الفتنة وخيمة، وقال: لا طاقة لكم بأهل الشام، فقال له عبد الله بن مطيع: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا؟ فقال له النعمان: أما والله لكأني وقد تركت تلك الأمور التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب التي تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين، وكأني بك قد ضربت جنب بغلتك إلي (٣) وخلفت هؤلاء المساكين - يعني الأنصار - يقتلون في سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم. فعصاه الناس فلم يسمعوا منه فانصرف وكان الامر والله كما قال سواء. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة كذا قال وفيه نظر، فإنه إن كان في وفد أهل المدينة وقد رجعوا من عند يزيد فإنما وفد عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وإن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث وستين وهو أشبه والله أعلم.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان
بريدة بن الحصيب الأسلمي كان إسلامه حين اجتاز به رسول الله ﷺ وهو مهاجر إلى المدينة عند كراع الغميم، فلما كان هناك تلقاه بريدة في ثمانين نفسا من أهله فأسلموا، وصلى بهم صلاة العشاء وعلمه ليلتئذ صدرا من سورة مريم، ثم قدم على رسول الله ﷺ المدينة بعد أحد فشهد معه المشاهد كلها وأقام بالمدينة، فلما فتحت البصرة نزلها واختط بها دارا، ثم خرج إلى غزو خراسان فمات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية. ذكر موته غير واحد في هذه السنة.
стр. 3064
الربيع بن خثيم
أبو يزيد؟ نوري الكوفي أحد أصحاب ابن مسعود قال له عبد الله بن مسعود: ما رأيتك قط إلا ذكرت المخبتين، ولو رآك رسول الله ﷺ لأحبك. وكان ابن مسعود يجله كثيرا، وقال الشعبي: كان الربيع من معادن الصدق، وكان أورع أصحاب ابن مسعود، وقال ابن معين: لا يسأل عن مثله، وله مناقب كثيرة جدا، أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة.
علقمة بن قيس أبو شبل النخعي الكوفي
كان من أكابر أصحاب ابن مسعود وعلمائهم وكان يشبه بابن مسعود وقد روى علقمة عن جماعة من الصحابة وعنه خلق من التابعين.
عقبة بن نافع الفهري
بعثه معاوية إلى إفريقية في عشرة آلاف فافتتحها، واختط القيروان، وكان موضعها غيضة لا ترام من السباع والحيات والحشرات، فدعا الله تعالى فجعلن يخرجن منها بأولادهن من الأوكار والجحار، فبناها ولم يزل بها حتى هذه السنة (١)، غزا أقواما من البربر والروم فقتل شهيدا ﵁.
عمرو بن حزم
صحابي جليل استعمله رسول الله ﷺ على نجران وعمره سبع عشرة سنة وأقام بها مدة، وأدرك أيام يزيد بن معاوية.
مسلم بن مخلد الأنصاري
الزرقي ولد عام الهجرة، وسمع من رسول الله ﷺ ، وشهد فتح مصر، وولي الجند بها لمعاوية ويزيد، ومات في ذي القعدة من هذه السنة.
مسلم بن معاوية الديلمي
صحابي جليل شهد بدرا وأحدا والخندق مع المشركين، وكانت له في المسلمين نكاية، ثم أسلم وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينا، وحج مع أبي بكر سنة تسع، وشهد حجة
стр. 3065
الوداع، وعمر ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الاسلام، قاله الواقدي. قال: وأدرك أيام يزيد بن معاوية، وقال ابن الجوزي: مات في هذه السنة.
وفيها توفيت الرباب بنت أنيف امرأة الحسين بن علي التي كانت حاضرة أهل العراق إذ هم يعدون في السبت أو في الجمعة على زوجها الحسين بن علي ابن بنت رسول الله ﷺ .
ثم دخلت سنة ثلاث وستين
ففيها كانت وقعة الحرة: وكان سببها أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية وولوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، فلما كان في أول هذه السنة أظهروا ذلك واجتمعوا عند المنبر فجعل الرجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، ويلقيها عن رأسه، ويقول الآخر: قد خلعته كما خلعت نعلي هذه، حتى اجتمع شئ كثير من العمائم والنعال هناك، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد (١)، وعلى إجلا بني أمية من المدينة، فاجتمعت بنو أمية في دار مروان بن الحكم، وأحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم، واعتزل الناس علي بن الحسين " زين العابدين " وكذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يخلعا يزيد، ولا أحد من بيت ابن عمر، وقد قال ابن عمر لأهله: لا يخلعن أحد منكم يزيد فتكون الفيصل ويروى الصيلم بيني وبينه، وسيأتي هذا الحديث بلفظه وإسناده في ترجمة يزيد، وأنكر على أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع وابن حنظلة على الموت، وقال: إنما كنا نبايع رسول الله ﷺ على أن لا نفر، وكذلك لم يخلع يزيد أحد من بني عبد المطلب، وقد سئل محمد بن الحنفية في ذلك فامتنع عن ذلك أشد الامتناع، وناظرهم وجادلهم في يزيد ورد عليهم ما اتهموا يزيد به من شرب الخمر وتركه بعض الصلوات كما سيأتي مبسوطا في ترجمة يزيد قريبا إن شاء الله، وكتب بنو أمية إلى يزيد (٢) بما هم فيه من الحصر والإهانة، والجوع والعطش، وإنه إن لم يبعث إليهم من ينقذهم مما هم فيه وإلا استؤصلوا عن آخرهم، وبعثوا ذلك مع البريد، فلما قدم بذلك على يزيد وجده جالسا على سريره ورجلاه في ماء يتبرد به مما به من النقرس في رجليه، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك وقال: ويلك! ما فيهم ألف رجل؟ قال: بلى، قال: فهل لا قاتلوا ساعة من النهار؟ ثم بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص فقرأ عليه الكتاب واستشاره فيمن يبعثه إليهم، وعرض عليه أن يبعثه إليهم فأبى عليه ذلك، وقال: إن أمير المؤمنين عزلني عنها وهي مضبوطة وأمورها محكمة، فأما الآن فإنما دماء قريش تراق
стр. 3066
بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك منهم، ليتولى ذلك من هو أبعد منهم مني، قال: فبعث البريد إلى مسلم بن عقبة المزني (١) وهو شيخ كبير ضعيف فانتدب لذلك وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس، وقيل اثنا عشر ألفا وخمسة عشر ألف رجل (٢)، وأعطى كل واحد منهم مائة دينار (٣) وقيل أربعة دنانير، ثم استعرضهم وهو على فرس له (٤)، قال المدائني: وجعل على أهل دمشق عبد الله بن مسعدة الفزاري، وعلى أهل حمص حصين بن نمير السكوني، وعلى أهل الأردن حبيش بن دلجة القيني، وعلى أهل فلسطين روح بن زنباع الجذامي وشريك الكناني، وعلى أهل قنسرين طريف بن الحسحاس الهلالي، وعليهم مسلم بن عقبة المزني من غطفان، وإنما يسميه السلف مسرف بن عقبة. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ولني عليهم أكفك - وكان النعمان أخا عبد الله بن حنظلة لامه عمرة بنت رواحة - فقال يزيد لا! ليس لهم إلا هذا الغشمة، والله لأقتلنهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة. فقال النعمان يا أمير المؤمنين أنشدك الله في عشيرتك وأنصار رسول الله ﷺ . وقال له عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك أيقبل منهم؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، وقال يزيد لمسلم بن عقبة: ادع القوم ثلاثا فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منه وكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثا ثم اكفف عن الناس، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا، وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شئ مما دخلوا فيه، وأمر مسلم إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن نمير، وقال له: إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكوني. وقد كان يزيد كتب إلى عبيد الله بن زياد أن يسير إلى الزبير فيحاصره بمكة، فأبى عليه وقال: والله لا أجمعهما للفاسق أبدا، أقتل ابن بنت رسول الله ﷺ ، وأغزو البيت الحرام؟ وقد كانت أمه مرجانة قالت له حين قتل الحسين: ويحك ماذا صنعت وماذا ركبت؟ وعنفته تعنيفا شديدا. قالوا: وقد بلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته: يزيد القرود، شارب الخمور، تارك الصلوات، منعكف على القينات. فلما جهز مسلم بن عقبة واستعرض الجيش بدمشق جعل يقول:
أبلغ أبا بكر إذا الجيش سرى … وأشرف الجيش على وادي القرى (٥)
стр. 3067
أجمع سكران من القوم ترى … يا عجبا من ملحد في أم القرى (١)
• مخادع للدين يقضي بالفرى … (٢)
وفي رواية:
أبلغ أبا بكر إذا الامر انبرى … ونزل الجيش على وادي القرى
عشرون ألفا بين كهل وفتى … أجمع سكران من القوم ترى
قالوا: وسار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة، فلما اقترب منها اجتهد أهل المدينة في حصار بني أمية، وقالوا لهم: والله لنقتلنكم عن آخركم أو تعطونا موثقا أن لا تدلوا علينا أحدا من هؤلاء الشاميين، ولا تمالئوهم علينا، فأعطوهم العهود بذلك، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية فجعل مسلم يسألهم عن الاخبار فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك، وجاءه عبد الملك بن مروان فقال له: إن كنت تريد النصر فأنزل شرقي المدينة في الحرة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم وفي وجوههم، فادعهم إلى الطاعة، فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم فإن الله ناصرك عليهم إذ خالفوا الامام وخرجوا عن الطاعة. فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، وامتثل ما أشار به، فنزل شرقي المدينة في الحرة، ودعا أهلها ثلاثة أيام، كل ذلك يأبون إلا المحاربة والمقاتلة، فلما مضت الثلاثة قال لهم في اليوم الرابع - وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين - قال لهم: يا أهل المدينة: مضت الثلاث وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله وعشيرته، وإنه يكره إراقة دمائكم، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثا فقد مضت، فماذا أنتم صانعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب. فقال: لا تفعلوا بل سالموا ونجعل جدنا وقوتنا على هذا الملحد - يعني ابن الزبير - فقالوا: يا عدو الله! لو أردت ذلك لما مكناك منه، أنحن نذركم تذهبون فتلحدون في بيت الله الحرام؟ ثم تهيأوا للقتال، وقد كانوا اتخذوا خندقا بينهم وبين ابن عقبة، وجعلوا جيشهم أربعة أرباع على كل ربع أمير (٣)، وجعلوا أجمل الأرباع الرباع الذي فيه عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم اقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم أهل المدينة إليها. وقد قتل من الفريقين خلق من السادات والأعيان، منهم عبد الله بن مطيع وبنون له سبعة بين يديه، وعبد الله بن حنظلة الغسيل، وأخوه لامه محمد بن ثابت بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم،
стр. 3068
وقد مر به مروان وهو مجندل فقال: رحمك الله فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام
والسجود.
ثم أباح مسلم بن عقبة، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة - قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله - المدينة ثلاث أيام كما أمره يزيد، لا جزاه الله خيرا، وقتل خلقا من أشرافها وقرائها وانتهب أموالا كثيرة منها، ووقع شر عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد. فكان ممن قتل بين يديه صبرا معقل بن سنان، وقد كان صديقه قبل ذلك (١)، ولكن أسمعه في يزيد كلاما غليظا فنقم عليه بسببه، واستدعى بعلي بن الحسين فجاء يمشي بين مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، ليأخذ له بهما عنده أمانا، ولم يشعر أن يزيد أوصاه به، فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب - وقد كان مسلم بن عقبة حمل معه من الشام ثلجا إلى المدينة فكان يشاب له بشرابه - فلما جئ بالشراب شرب مروان قليلا ثم أعطى الباقي لعلي بن الحسين ليأخذ له بذلك أمانا، وكان مروان مواذا لعلي بن الحسين، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الاناء في يده قال له: لا تشرب من شرابنا، ثم قال له: إنما جئت مع هذين لتأمن بهما؟ فارتعدت يد علي بن الحسين وجعل لا يضع الاناء من يده ولا يشربه، ثم قال له: لولا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك، ثم قال له: إن شئت أن تشرب فاشرب، وإن شئت دعونا لك بغيرها، فقال: هذه الذي في كفي أريد، فشرب ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى ههنا فاجلس، فأجلسه معه على السرير وقال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، وإن هؤلاء شغلوني عنك. ثم قال لعلي بن الحسين: لعل أهلك فزعوا، فقال: إي والله. فأمر بدابته فأسرجت ثم حمله عليها حتى رده إلى منزله مكرما. ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان - ولم يكن خرج مع بني أمية - فقال له: إنك إن ظهر أهل المدينة قلت أنا معكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين، ثم أمر به فنتفت لحيته بين يديه - وكان ذا لحية كبيرة -.
قال المدائني: وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال. فأرسلت سعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول له: أنا بنت عمك فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لإبلنا بمكان كذا وكذا، فقال لأصحابه: لا تبدأوا إلا بأخذ إبلها أولا. وجاءته امرأة فقالت: أنا مولاتك في الأسارى، فقال: عجلوه لها، فضربت عنقه، وقال: أعطوه رأسه، أما ترضين أن لا يقتل حتى تتكلمي في ابنك؟ ووقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج فالله أعلم. قال المدائني عن أبي قرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج. وقد اختفى جماعة من سادات
стр. 3069
الصحابة منهم جابر بن عبد الله، وخرج أبو سعيد الخدري فلجأ إلى غار في جبل (١) فلحقه رجل من أهل الشام، قال: فلما رأيته انتضبت سيفي فقصدني، فلما رآني صمم على قتلي فشممت سيفي ثم قلت: … (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) … فلما رأى ذلك قال: من أنت؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدري قال: صاحب رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم! فمضى وتركني.
قال المدائني: وجئ إلى مسلم بسعيد بن المسيب فقال له: بايع! فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر. فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون فخلى سبيله (٢). وقال المدائني عن عبد الله القرشي وأبي إسحاق التميمي قالا: لما انهزم أهل المدينة يوم الحرة صاح النساء والصبيان، فقال ابن عمر: بعثمان ورب الكعبة. قال المدائني عن شيخ من أهل المدينة. قال: سألت الزهري كم كان القتلى يوم الحرة قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف (٣). قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة ثلاث أيام. قال الواقدي وأبو معشر: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
قال الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن ابن عون قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكانوا يسمونه العائذ - يعني العائذ بالبيت - ويرون الامر شورى، وجاء خبر الحرة إلى أهل مكة ليلة مستهل المحرم مع سعيد مولى المسور بن مخرمة، فحزنوا حزنا شديدا وتأهبوا لقتال أهل الشام. قال ابن جرير: وقد رويت قصة الحرة على غير ما رواه أبو مخنف: فحدثني أحمد بن زهير، ثنا أبي، سمعت وهب بن جرير، ثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا ابنه يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإنه رجل قد عرفت نصيحته لنا، فلما هلك معاوية وفد إلى يزيد وفد من أهل المدينة، وكان ممن وفد إليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر - وكان شريفا
стр. 3070
فاضلا سيدا عابدا - ومعه ثمانية بنين له فأعطاه يزيد مائة ألف درهم، وأعطى بنيه كل واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملاتهم، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدمها أتاه الناس فقالوا له: ما وراءك؟ فقال: جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم قالوا: قد بلغنا أنه أعطاك وأخدمك وأحذاك وأكرمك. قال: قد فعل وما قبلت منه إلا لا تقوى به على قتاله، فحض الناس فبايعوه، فبلغ ذلك يزيد فبعث إليهم مسلم بن عقبة، وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشام فصبوا فيه زقا من قطران وغوروه، فأرسل الله على جيش الشام السماء مدرارا بالمطر، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة، فخرج أهل المدينة بجموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم، وكان أميرهم مسلم شديد الوجع، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة، قد أقحم عليهم بنو حارثة من أهل الشام وهم على الجدر، فانهزم الناس فكان من أصيب في الخندق أعظم ممن قتل، فدخلوا المدينة وعبد الله بن حنظلة مستند إلى الجدار يغط نوما، فنبهه ابنه، فلما فتح عينيه ورأى ما صنع الناس، أمر أكبر بنيه فتقدم فقاتل حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول (١) ليزيد بن معاوية، ويحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء.
وقد روى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد الصمد من تاريخه من كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي: ثنا الحسين بن الحسن اليشكري، ثنا الزيادي عن الأصمعي ح. وحدثني محمد بن الحارث عن المدائني قال: لما قتل أهل الحرة هتف هاتف بمكة على أبي قيس مساء تلك الليلة، وابن الزبير جالس يسمع:
والصائمون القانتون … أولو العبادة والصلاح
المهتدون المحسنون … السابقون إلى الفلاح
ماذا بواقم والبقيع … من الجحاجحة الصباح
وبقاع يثرب ويحهن … من النوادب والصياح
قتل الخيار بنو الخيار … ذوي المهابة والسماح
فقال ابن الزبير: يا هؤلاء قتل أصحابكم فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد. وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف، مما لا يعلمه إلا الله ، وقد أراد بارسال مسلم بن
стр. 3071
عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا الحسين بن حريث (١)، ثنا الفضل بن موسى، ثنا الجعيد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء " (٢). وقد رواه مسلم من حديث أبي عبد الله القراظ المديني - واسمه دينار - عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: " لا يريد أحد المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص - أو ذوب الملح في الماء ". وفي رواية لمسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن سعد وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء " (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، ثنا يزيد بن خصيفة، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد: أن رسول الله ﷺ قال: " من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " (٤). ورواه النسائي من غير وجه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن عطاء بن يسار، عن خلاد بن منجوف بن الخزرج أخبره فذكره. وكذلك رواه الحميدي عن عبد العزيز بن أبي حازم عن يزيد بن خصيفة. ورواه النسائي أيضا عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن عطاء بن يسار عن ابن خلاد - وكان من أصحاب النبي ﷺ فذكره. وقال ابن وهب: أخبرني حياة بن شريح، عن ابن الهاد، عن أبي بكر، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".
وقال الدارقطني: ثنا علي بن أحمد بن القاسم، ثنا أبي، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا أبو زكريا، يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله قالا: خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره فقال: تعس من أخاف رسول الله ﷺ فقلنا: يا أبة وهل أحد يخيف رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعت
стр. 3072
رسول الله ﷺ يقول: " من أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين - ووضع يده على جبينه - " (١) قال الدارقطني: تفرد به سعد بن عبد العزيز لفظا وإسنادا، وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسين وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد، وجوز لعنته. ومنع من ذلك آخرون وصنفوا فيه أيضا لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول وأخطأ، وقالوا: إنه كان مع ذلك إماما فاسقا، والامام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقع الهرج وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كان واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا.
وأما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرة من مسلم بن عقبة وجيشه، فرح بذلك فرحا شديدا، فإنه كان يرى أنه الامام وقد خرجوا عن طاعته، وأمروا عليهم غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة، كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان بن بشير ومسلم بن عقبة كما تقدم، وقد جاء في الصحيح: " من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان ". وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزبعرى في وقعة أحد التي يقول فيها:
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع (٢) الخزرج من وقع الأسل
حين حلت بفنائهم (٣) بركها … واستحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل (٤)
стр. 3073
وقد زاد بعض الروافض فيها فقال:
لعبت هاشم بالملك فلا … ملك جاءه ولا وحي نزل
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه ولعنة اللاعنين، وإن لم يكن قاله فلعنة الله على من وضعه عليه ليشنع به عليه، وسيذكر في ترجمة يزيد بن معاوية قريبا، وما ذكر عنه وما قيل فيه وما كان يعانيه من الافعال والقبائح والأقوال في السنة الآتية، فإنه لم يمهل بعد وقعة الحرة وقتل الحسين إلا يسيرا حتى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنه كان عليما قديرا. وقد توفي في هذه السنة خلق من المشاهير والأعيان من الصحابة وغيرهم في وقعة الحرة مما يطول ذكرهم. فمن مشاهيرهم من الصحابة عبد الله بن حنظلة أمير المدينة في وقعة الحرة، ومعقل بن سنان وعبيد الله بن زيد بن عاصم ﵃، ومسروق بن الأجدع.
ثم دخلت سنة أربع وستين
ففيها في أول المحرم منها سار مسلم بن عقبة إلى مكة قاصدا قتال ابن الزبير ومن التف عليه من الاعراب، على مخالفة يزيد بن معاوية، واستخلف على المدينة روح بن زنباع (١)، فلما بلغ ثنية هرشا (٢) بعث إلى رؤوس الأجناد فجمعهم، فقال: إن أمير المؤمنين عهد إلي أن حديث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، ووالله لو كان الامر لي ما فعلت، ثم دعا به فقال: انظر يا بن بردعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به، ثم أمره إذا وصل مكة أن يناجز ابن الزبير قبل ثلاث، ثم قال: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أحب إلي من قتل أهل المدينة، وأجزى عندي في الآخرة. وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي، ثم مات قبحه الله ودفن بالمسلك (٣) فيما قاله الواقدي.
ثم أتبعه الله بيزيد بن معاوية فمات بعده في ربيع الأول لأربع عشر ليلة خلت منه، فما متعهما الله بشئ مما رجوه وأملوه، بل قهرهم القاهر فوق عباده، وسلبهم الملك، ونزعه منهم من ينزع الملك ممن يشاء.
وسار حصين بن نمير بالجيش نحو مكة فانتهى إليها لأربع بقين من المحرم فيما قاله الواقدي، وقيل لسبع مضين منه، وقد تلاحق بابن الزبير جماعات ممن بقي من أشراف أهل المدينة،
стр. 3074
وانضاف إليه أيضا نجدة بن عامر الحنفي - من أهل اليمامة - في طائفة من أهلها ليمنعوا البيت من أهل الشام، فنزل حصين بن نمير ظاهر مكة، وخرج إليه ابن الزبير في أهل مكة ومن التف معه فاقتتلوا عند ذلك قتالا شديدا، وتبارز المنذر بن الزبير ورجل من أهل الشام فقتل كل واحد منهما صاحبه، وحمل أهل الشام على أهل مكة حملة صادقة، فانكشف أهل مكة، وعثرت بغلة عبد الله بن الزبير به، فكر عليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف وطائفة فقاتلوا دونه حتى قتلوا جميعا، وصابرهم ابن الزبير حتى الليل فانصرفوا عنه ثم اقتتلوا في بقية شهر المحرم وصفرا بكماله، فلما كان يوم السبت ثالث ربيع الأول سنة أربع وستين نصبوا المجانيق على الكعبة ورموها حتى بالنار، فاحترق جدار البيت في يوم السبت، هذا قول الواقدي، وهم يقولون:
خطاره مثل الفتيق المزبد … ترمى بها جدران (١) هذا المسجد
وجعل عمر بن حوطة السدوسي يقول:
كيف ترى صنيع أم فروة … تأخذهم بين الصفا والمروة
وأم فروة اسم المنجنيق، وقيل: إنما احترقت لان أهل المسجد جعلوا يوقدون النار وهم حول الكعبة، فعلقت النار في بعض أستار الكعبة فسرت إلى أخشابها وسقوفها فاحترقت، وقيل إنما احترقت لان ابن الزبير سمع التكبير على بعض جبال مكة في ليلة ظلماء فظن أنهم أهل الشام، فرفعت نار على رمح لينظروا من هؤلاء الذين على الجبل، فأطارت الريح شررة من رأس الرمح إلى ما بين الركن اليماني والأسود من الكعبة، فعلقت في أستارها وأخشابها فاحترقت، واسود الركن وانصدع في ثلاثة أمكنة منه. واستمر الحصار إلى مستهل ربيع الآخر، وجاء الناس نعي يزيد بن معاوية، وأنه قد مات لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وهو ابن خمس أو ثمان أو تسع وثلاثين سنة، فكانت ولايته ثلاث سنين وستة أو ثمانية أشهر، فغلب أهل الشام هنالك وانقلبوا صاغرين، فحينئذ خمدت الحرب وطفئت نار الفتنة، ويقال: إنهم مكثوا يحاصرون ابن الزبير بعد موت يزيد نحو أربعين ليلة، ويذكر أن ابن الزبير علم بموت يزيد قبل أهل الشام فنادى فيهم: يا أهل الشام قد أهلك الله طاغيتكم، فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، ومن أحب أن يرجع إلى شامه فليرجع، فلم يصدق الشاميون أهل مكة فيما أخبروهم به، حتى جاء ثابت بن قيس بن القيقع (٢) بالخبر اليقين. ويذكر أن حصين بن نمير دعاه ابن الزبير ليحدثه بين الصفين فاجتمعا حتى اختلفت رؤوس فرسيهما، وجعلت فرس حصين تنفر ويكفها، فقال له ابن الزبير: مالك؟ فقال: إن الحمام تحت رجلي فرسي تأكل من الروث
стр. 3075
فأكره أن أطأ حمام الحرم، فقال له: تفعل هذا وأنت تقتل المسلمين؟ فقال له حصين. فأذن لنا فلنطف بالكعبة ثم ترجع جلى بلادنا، فأذن لهم فطافوا.
وذكر ابن جرير أن حصينا وابن الزبير اتعدا ليلة أن يجتمعا فاجتمعا بظاهر مكة (١)، فقال له حصين: إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الامر بعده، فهلم فارحل معي إلى الشام، فوالله لا يختلف عليك اثنان. فيقال: إن ابن الزبير لم يثق منه بذلك وأغلظ له في المقال فنفر منه ابن نمير وقال: أنا أدعوه إلى الخلافة وهو يغلظ لي في المقال؟ ثم كر بالجيش راجعا إلى الشام، وقال: أعده بالملك ويتواعدني بالقتل؟. ثم ندم ابن الزبير على ما كان منه إليه من الغلظة، فبعث إليه يقول له: أما الشام فلست آتيه ولكن خذلي البيعة على من هناك، فإني أؤمنكم وأعدل فيكم. فبعث إليه يقول له: إن من يبتغيها من أهل هذا البيت بالشام لكثير. فرجع فاجتاز بالمدينة فطمع فيه أهلها وأهانوهم إهانة بالغة، وأكرمهم علي بن الحسين " زين العابدين " وأهدى لحصين بن نمير قتا وعلفا، وارتحلت بنو أمية مع الجيش إلى الشام فوجدوا معاوية بن يزيد بن معاوية قد استخلف مكان أبيه بدمشق عن وصية من أبيه له بذلك، والله سبحانه أعلم بالصواب.
وهذه ترجمة يزيد بن معاوية
هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو خالد الأموي، ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين، وبويع له بالخلافة في حياة أبيه أن يكون ولي العهد من بعده، ثم أكد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستين، فاستمر متوليا إلى أن توفي في الرابع عشر من ربيع الأول سنة أربع وستين، وأمه ميسون بنت مخول بن أنيف بن دلجة بن نفاثة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي. روى عن أبيه معاوية أن رسول الله ﷺ قال: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (٢). وحديثا آخر في الوضوء. وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي العليا، وقال: له أحاديث، وكان كثير اللحم عظيم الجسم كثير الشعر جميلا طويلا ضخم الهامة محدد الأصابع غليظها مجدرا، وكان أبوه قد طلق أمه وهي حامل به، فرأت أمه في المنام أنه خرج منها قمر من قبلها، فقصت رؤياها على أمها فقالت: إن صدقت رؤياك لتلدن من يبايع له
стр. 3076
بالخلافة. وجلست أمه ميسون يوما تمشطه وهو صبي صغير، وأبوه معاوية مع زوجته الحظية عنده في المنظرة، وهي فاختة بنت قرظة، فلما فرغت من مشطه نظرت أمه إليه فأعجبها فقبلته بين عينيه، فقال معاوية عند ذلك:
إذا مات لم تفلح مزينة بعده … فنوطي عليه يا مزين التمائما
وانطلق يزيد يمشي وفاختة تتبعه بصرها ثم قالت: لعن الله سواد ساقي أمك، فقال معاوية: أما والله إنه لخير من ابنك عبد الله - وهو ولده منها وكان أحمق - فقالت فاختة: لا والله لكنك تؤثر هذا عليه، فقال: سوف أبين لك ذلك حتى تعرفينه قبل أن تقومي من مجلسك هذا، ثم استدعى بابنها عبد الله فقال له: إنه قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا، فقال: حاجتي أن تشتري لي كلبا فارها وحمارا فارها، فقال: يا بني أنت حمار وتشتري لك حمارا؟ قم فأخرج. ثم قال لامه: كيف رأيت؟ ثم استدعى بيزيد فقال: إني قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا، فسلني ما بدا لك. فخر يزيد ساجدا ثم قال حين رفع رأسه: الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة، وأراه في هذا الرأي، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك، وتوليني العام صائفة المسلمين، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتوليني الموسم، وتزيد أهل الشام عشرة دنانير لكل رجل في عطائه، وتجعل ذلك بشفاعتي، وتعرض لأيتام بني جمح، وأيتام بني سهم، وأيتام بني عدي. فقال: مالك ولأيتام بن عدي؟ فقال: لأنهم حالفوني وانتقلوا إلى داري. فقال معاوية: قد فعلت ذلك كله، وقبل وجهه، ثم قال لفاختة بنت قرظة: كيف رأيت؟ فقالت: يا أمير المؤمنين أوصه بي فأنت أعلم به مني، ففعل. وفي رواية أن يزيد لما قال له أبوه: سلني حاجتك، قال له يزيد: اعتقني من النار أعتق الله رقبتك منها، قال: وكيف؟ قال: لأني وجدت في الآثار أنه من تقلد أمر الأمة ثلاثة أيام حرمه الله على النار، فاعهد إلي بالامر من بعدك ففعل.
وقال العتبي: رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما له فقال له: اعلم أن الله أقدر عليك منك عليه، سوأة لك!! أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك؟ والله لقد منعتني القدرة من الانتقام من ذوي الإحن، وإن أحسن من عفا لمن قدر.
قلت: وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى أبا مسعود يضرب غلاما له فقال: " اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه " (١). قال العتبي: وقدم زياد بأموال كثيرة وبسفط مملوء جواهر على معاوية فسر بذلك معاوية، فقام زياد فصعد المنبر ثم افتخر بما يفعله بأرض
стр. 3077
العراق من تمهيد الممالك لمعاوية، فقام يزيد فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بني أمية. فقال له معاوية: اجلس فداك أبي وأمي.
وعن عطاء بن السائب قال: غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره فقال له الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين إنما هم أولادنا، ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، إن غضبوا فارضهم، وإن طلبوا فاعطهم، ولا تكن عليهم ثقلا فيملوا حياتك ويتمنوا موتك. فقال معاوية: لله درك يا أبا بحر، يا غلام ائت يزيد فأقره مني السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف درهم، ومائة ثوب. فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف، فقال يزيد: لا جرم لأقاسمنه، فبعث إلى الأحنف بخمسين ألفا وخمسين ثوبا. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا ابن عائشة عن أبيه. قال: كان يزيد في حداثته صاحب شراب يأخذ مأخذ الاحداث، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق، فقال: يا بني ما أقدرك على أن تصل إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك، ويشمت بك عدوك ويسئ بك صديقك، ثم قال: يا بني إني منشدك أبياتا فتأدب بها واحفظها، فأنشده:
انصب نهارا في طلاب العلا … واصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجا … واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهي … فإنما الليل نهار الأريب
كم فاسق تحسبه ناسكا … قد باشر الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستاره … فبات في أمن وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة … يسعى بها كل عدو مريب (١)
قلت: وهذا كما جاء في الحديث " من ابتلي بشئ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله " (٢).
وروى المدائني: أن عبد الله بن عباس وفد إلى معاوية فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزيه في الحسن بن علي، فلما دخل على ابن عباس رحب به وأكرمه، وجلس عنده بين يديه، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه فأبى وقال: إنما أجلس مجلس المعزي لا المهني، ثم ذكر الحسن فقال: رحم
стр. 3078
الله أبا محمد أوسع الرحمة وأفسحها، وأعظم الله أجرك وأحسن عزاك، وعوضك من مصابك ما هو خير لك ثوابا وخير عقبى. فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس، ثم أنشد متمثلا:
مغاض عن العوراء لا ينطقوا بها … وأصل وراثات الحلوم الأوائل
وقد كان يزيد أول من غزى مدينة قسطنطينية في سنة تسع وأربعين في قول يعقوب بن سفيان. وقال خليفة بن خياط: سنة خمسين. ثم حج بالناس في تلك السنة بعد مرجعه من هذه الغزوة من أرض الروم. وقد ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " أول جيش يغزو مدينة قيصر مغفور لهم ". وهو الجيش الثاني الذي رآه رسول الله ﷺ في منامه عند أم حرام فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت من الأولين " (١). يعني جيش معاوية حين غزا قبرص، ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام فماتت هنالك بقبرص، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية، ولم تدرك أم حرام جيش يزيد هذا. وهذا من أعظم دلائل النبوة.
وقد أورد الحافظ ابن عساكر ههنا الحديث الذي رواه محاضر، عن الأعمش، عن إبراهيم بن عبيدة، عن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " (٢). وكذلك رواه عبد الله بن شفيق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. ثم أورد من طريق حماد بن سلمة عن أبي محمد عن زرارة بن أوفى قال: القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله ﷺ في قرن وكان آخره موت يزيد بن معاوية. قال أبو بكر بن عياش: حج بالناس يزيد بن معاوية في سنة إحدى وخمسين وثنتين وخمسين وثلاث وخمسين. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو كريب، ثنا رشد بن عمرو بن الحارث، عن أبي بكير بن الأشج أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلا إن وليت؟ قال: يمتع الله بك يا أمير المؤمنين، قال لتخبرني: قال، كنت والله يا أبة عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بني والله لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها فكيف بك وسيرة عمر؟.
وقال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى.
قال: قال معاوية ليزيد وهو يوصيه عند الموت: يا يزيد!! اتق الله فقد وطأت لك هذا الامر،
стр. 3079
ووليت من ذلك ما وليت، فإن يك خيرا فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به، فارفق بالناس وأغمض عما بلغك من قول تؤذي به وتنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك، وتصلح لك رعيتك، وإياك والمناقشة وحمل الغضب، فإنك تهلك نفسك ورعيتك، وإياك وخيرة أهل الشرف واستهانتهم والتكبر عليهم، ولن لهم لينا بحيث لا يروا منك ضعفا ولا خورا، وأوطئهم فراشك وقربهم إليك وأدنهم منك، فإنهم يعلموا لك حقك، ولا تهنهم ولا تستخف بحقهم فيهينوك ويستخفوا بحقك ويقعوا فيك، فإذا أردت أمرا فادع أهل السن والتجربة من أهل الخير من المشايخ وأهل التقوى فشاورهم ولا تخالفهم، وإياك والاستبداد برأيك فإن الرأي ليس في صدر واحد، وصدق من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك، وشمر إزارك، وتعاهد جندك، وأصلح نفسك تصلح لك الناس، لا تدع لهم فيك مقالا فإن الناس سراع إلى الشر، واحضر الصلاة، فإنك إذا فعلت ما أوصيك به عرف الناس لك حقك، وعظمت مملكتك، وعظمت في أعين الناس، واعرف شرف أهل المدينة ومكة فإنهم أصلك وعشيرتك، واحفظ لأهل الشام شرفهم فإنهم أهل طاعتك، واكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعدهم فيه منك بالمعروف، فإن ذلك يبسط آمالهم، وإن وفد عليك وافد من الكور كلها فأحسن إليهم وأكرمهم فإنهم لمن ورائهم، ولا تسمعن قول قاذف ولا ماحل فإني رأيتهم وزراء سوء.
ومن وجه آخر أن معاوية قال ليزيد: إن لي خليلا من أهل المدينة فأكرمه، قال: ومن هو؟ قال: عبد الله بن جعفر. فلما وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها، وكانت جائزته على معاوية ستمائة ألف، فأعطاه يزيد ألف ألف، فقال له: بأبي أنت وأمي، فأعطاه ألف ألف أخرى. فقال له ابن جعفر: والله لا أجمع أبوي لاحد بعدك. ولما خرج ابن جعفر من عند يزيد وقد أعطاه ألفي ألف، رأى على باب يزيد بخاتي مبركات قد قدم عليها هدية من خراسان، فرجع عبد الله بن جعفر إلى يزيد فسأله منها ثلاث بخاتي ليركب عليها إلى الحج والعمرة، وإذا وفد إلى الشام على يزيد، فقال يزيد للحاجب: ما هذه البخاتي التي على الباب؟ - ولم يكن شعر بها - فقال: يا أمير المؤمنين هذه أربعمائة بختية جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الألطاف - وكان عليها أنواع من الأموال كلها - فقال: اصرفها إلى أبي جعفر بما عليها. فكان عبد الله بن جعفر يقول: أتلومونني على حسن الرأي في هذا؟ - يعني يزيد -.
وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والحلم والفصاحة والشعر والشجاعة وحسن الرأي في الملك. وكان ذا جمال حسن المعاشرة، وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، ثنا حياة، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون عيا، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم،
стр. 3080
ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر ". فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به (١). تفرد به أحمد. وقال الحافظ أبو يعلي: حدثنا زهير بن حرب، ثنا الفضل بن دكين، ثنا كامل أبو العلاء: سمعت أبا صالح سمعت أبا هريرة. يقول قال رسول الله ﷺ : " تعوذوا بالله من سنة سبعين، ومن إمارة الصبيان " (٢). وروى الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال في يزيد بن معاوية:
لست منا وليس خالك منا … يا مضيع الصلوات للشهوات
قال: وزعم بعض الناس أن هذا الشعر لموسى بن يسار، ويعرف بموسى شهوات (٣)، وروي عن عبد الله بن الزبير أنه سمع جارية له تغني بهذا البيت فضربها وقال قولي:
أنت منا وليس خالك منا … يا مضيع الصلوات للشهوات
وقال الحافظ أبو يعلي: حدثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول عن أبي عبيدة: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد ". وهذا منقطع بين مكحول وأبي عبيدة بل معضل. وقد رواه ابن عساكر من طريق صدقة بن عبد الله الدمشقي عن هشام بن الغاز عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة. عن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال أمر هذه الأمة قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد " (٤). ثم قال وهو منقطع أيضا بين مكحول وأبي ثعلبة. وقال أبو يعلى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عوف عن خالد بن أبي المهاجر، عن أبي العالية. قال: كنا مع أبي ذر بالشام فقال أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أول من يغير سنتي رجل من بني أمية ". ورواه ابن خزيمة عن بندار عن
стр. 3081
عبد الوهاب بن عبد المجيد عن عوف: حدثنا مهاجر بن أبي مخلد حدثني أبو العالية حدثني أبو مسلم عن أبي ذر فذكر نحوه، وفيه قصة وهي أن أبا ذر كان في غزاة عليهم يزيد بن أبي سفيان فاغتصب يزيد من رجل جارية، فاستعان الرجل بأبي ذر على يزيد أن يردها عليه، فأمره أبو ذر أن يردها عليه، فتلكأ فذكر أبو ذر له الحديث فردها، وقال يزيد لأبي ذر: نشدتك بالله أهو أنا؟ قال: لا (١). وكذا رواه البخاري في التاريخ وأبو يعلى عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. ثم قال البخاري: والحديث معلول ولا نعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب. قال: وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمن عمر فولى مكانه أخاه معاوية. وقال عباس الدوري: سألت ابن معين: أسمع أبو العالية من أبي ذر؟ قال: لا إنما يروي عن أبي مسلم عنه، قلت: فمن أبو مسلم هذا؟ قال: لا أدري.
وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية كلها موضوعة لا يصح شئ منها، وأجود ما ورد ما ذكرناه على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه والله أعلم. قال الحارث بن مسكين، عن سفيان، عن شبيب، عن عرقدة بن المستظل. قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب، إذا ساسهم من لم يدرك الجاهلية ولم يكن له قدم في الاسلام. قلت: يزيد بن معاوية أكثر ما نقم عليه في عمله شرب الخمر، وإتيان بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه كما قال جده أبو سفيان يوم أحد لم يأمر بذلك ولم يسؤه. وقد قدمنا أنه قال: لو كنت أنا لم أفعل معه ما فعله ابن مرجانة - يعني عبيد الله بن زياد - وقال للرسل الذين جاؤوا برأسه: قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا، ولم يعطهم شيئا، وأكرم آل بيت الحسين ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة، وقد ناح أهله في منزله على الحسين حين كان أهل الحسين عندهم ثلاثة أيام، وقيل إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه ثم ندم على ذلك، فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن يونس بن حبيب الجرمي حدثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين ومن معه بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسر بقتله أولا وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى ندم! فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته في داري وحكمته فيما يريده، وإن كان علي في ذلك وكف ووهن في سلطاني، حفظا لرسول الله ﷺ ، ورعاية لحقه وقرابته، ثم يقول: لعن الله ابن مرجانة فإنه أحرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله أو يأتيني أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله، فلم يفعل، بل أبى عليه وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة،
стр. 3082
فأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسينا، مالي ولابن مرجانة قبحه الله وغضب
عليه.
ولما خرج أهل المدينة عن طاعته وخلعوه وولوا عليهم ابن مطيع وابن حنظلة، لم يذكروا عنه - وهم أشد الناس عداوة له - إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر وإيتانه بعض القاذورات، لم يتهموه بزندقة كما يقذفه بذلك بعض الروافض، بل قد كان فاسقا والفاسق لا يجوز خلعه لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقع الهرج كما وقع زمن الحرة، فإنه بعث إليهم من يردهم إلى الطاعة وأنظرهم ثلاثة أيام، فلما رجعوا قاتلهم وغير ذلك، وقد كان في قتال أهل الحرة كفاية، ولكن تجاوز الحد بإباحة المدينة ثلاثة أيام، فوقع بسبب ذلك شر عظيم كما قدمنا، وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد. ولا بايع أحدا بعد بيعته ليزيد. كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، حدثني صخر بن جويرية عن نافع. قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر إلا أن يكون الاشراك بالله، أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته " (١). فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الامر، فيكون الفيصل بيني وبينه. وقد رواه مسلم والترمذي من حديث صخر بن جويرية، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني، عن صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله.
ولما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواضبا على الصلاة متحريا للخير يسأل عن الفقه ملازما للسنة، قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم يكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال: … (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) … [الزخرف: ٨٦] ولست من أمركم في شئ، قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الامر غيرك فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما
стр. 3083
تريدونني عليه تابعا ولا متبوعا. قالوا: فقد قالت مع أبيك، قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه، قالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا، قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما تحض الناس فيه على القتال، قال: سبحان الله!! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذا ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذا نكرهك. قال: إذا آمر الناس بتقوى الله ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا مصعب الزبيري، ثنا ابن أبي حازم، عن هشام، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن ابن عمر دخل وهو معه على ابن مطيع، فلما دخل عليه. قال: مرحبا بأبي عبد الرحمن ضعوا له وسادة، فقال: إنما جئتك لأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ يقول: " من نزع يدا من طاعة فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات مفارق الجماعة فإنه يموت موتة جاهلية " (١). وهكذا رواه مسلم من حديث هشام بن سعد عن زيد عن أبيه عن ابن عمر به، وتابعه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زيد بن أسلم عن أبيه. وقد رواه الليث عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم عن ابن عمر فذكره. وقال أبو جعفر الباقر: لم يخرج أحد من آل أبي طالب ولا من بني عبد المطلب أيام الحرة، ولما قدم مسلم بن عقبة المدينة أكرمه وأدنى مجلسه وأعطاه كتاب أمان. وروى المدائني أن مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباع إلى يزيد ببشارة الحرة، فلما أخبره بما وقع قال: وا قوماه، ثم دعا الضحاك بن قيس القهري فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة؟ فما الذي يجبرهم؟ قال: الطعام والأعطية، فأمر بحمل الطعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته. وهذا خلاف ما ذكره كذبة الروافض عنه من أنه شمت بهم واشتفى بقتلهم، وأنه أنشد ذكرا وأثرا شعر ابن الزبعرى المتقدم ذكره. وقال أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام: حدثني محمد بن القاسم سمعت الأصمعي يقول سمعت هارون الرشيد ينشد ليزيد بن معاوية:
إنها بين عامر بن لؤي … حين تمنى وبين عبد مناف
ولها في الطيبين جدود … ثم نالت مكارم الاخلاف
بنت عم النبي أكرم من … يمشي بنعل على التراب وحافي
لن تراها على التبدل والغلظة … إلا كدرة الأصداف
وقال الزبير بن بكار: أنشدني عمي مصعب ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان:
آب هذا الهم فاكتنفا … ثم مر النوم فامتنعا
راعيا للنجم أرقبه … فإذا ما كوكب طلعا
حام حتى أنني لأرى … أنه بالغور قد وقعا
стр. 3084
ولها بالمطارون إذا … أكل النمل الذي جمعا (١)
نزهه حتى إذا بلغت … نزلت من خلق تبعا
في قباب وسط دسكرة … حولها الزيتون قد ينعا
ومن شعره:
وقائلة لي حين شبهت وجهها … ببدر الدجى يوما وقد ضاق منهجي (٢)
تشبهني بالبدر هذا تناقص … بقدري ولكن لست أول من هجي
ألم تر أن البدر عند كماله … إذا بلغ التشبيه عاد كدملجي
فلا فخر إن شبهت بالبدر مبسمي … وبالسحر أجفاني وبالليل مدعجي (٣)
قد ذكره الزبير بن بكار عن أبي محمد الجزري قال: كانت بالمدينة جارية مغنية يقال لها سلامة، من أحسن النساء وجها، وأحسنهن عقلا وأحسنهن قدا، قد قرأت القرآن. وروت الشعر وقالته، وكان عبد الرحمن بن حسان والأحوص بن محمد يجلسان إليها. فعلقت بالأحوص فصدت عن عبد الرحمن، فرحل ابن حسان إلى يزيد بن معاوية إلى الشام فامتدحه ودله على سلامة وجمالها وحسنها وفصاحتها. وقال: لا تصلح إلا لك يا أمير المؤمنين، وأن تكون من سمارك، فأرسل يزيد فاشتريت له وحملت إليه، فوقعت منه موقعا عظيما، وفضلها على جميع من عنده، ورجع عبد الرحمن إلى المدينة فمر بالأحوص فوجده مهموما، فأراد أن يزيده إلى ما به من الهم هما فقال:
يا مبتلى بالحب مقروحا … لاقي من الحب تباريحا
أفحمه الحب فما ينثني … إلا بكأس الحب مصبوحا
وصار ما يعجبه مغلقا … عنه وما يكره مفتوحا
قد حازها من أصبحت عنده … ينال منها الشم والريحا
خليفة الله فسل الهوى … وعز قلبا منك مجروحا
قال: فأمسك الأحوص عن جوابه ثم غلبه وجده عليها فسار إلى يزيد فامتدحه فأكرمه يزيد وحظي عنده، فدست إليه سلامة خادما وأعطته مالا على أن يدخله إليها، فأخبر الخادم يزيد بذلك، فقال: امض لرسالتها، ففعل وأدخل الأحوص عليها وجلس يزيد في مكان يراهما ولا يريانه، فلما بصرت الجارية بالأحوص بكت إليه وبكى إليها، وأمرت فألقي له كرسي فقعد
стр. 3085
عليه، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة شوقه إليه فلم يزالا يتحدثان إلى السحر، ويزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة، حتى إذا هم الأحوص بالخروج قال:
أمسى فؤادي في هم وبلبال … من حب من لم أزل منه على بال
فقالت:
صحا المحبون بعد النأي إذ يئسوا … وقد يئست وما أضحوا على حال
فقال:
من كان يسلو بيأس عن أخي ثقة … فعنك سلام ما أمسيت بالسالي
فقالت:
والله والله لا أنساك يا شجني … حتى تفارق مني الروح أوصالي
فقال:
والله ما خاب من أمسى وأنت له … يا قرة العين في أهل وفي مال
قال: ثم ودعها وخرج، فأخذه يزيد ودعا بها فقال: أخبراني عما كان في ليلتكما وأصدقاني، فأخبراه وأنشده ما قالا، فلم يحرفا منه حرفا ولا غيرا شيئا مما سمعه، فقال لها يزيد: أتحبينه؟ قالت: إي والله يا أمير المؤمنين:
حبا شديدا جرى كالروح في جسدي … فهل يفرق بين الروح والجسد؟
فقال له: أتحبها؟ فقال: إي والله يا أمير المؤمنين:
حبا شديدا تليدا غير مطرف … بين الجوانح مثل النار يضطرم
فقال يزيد: إنكما لتصفان حبا شديدا خذها يا أحوص فهي لك، ووصله صلة سنية. فرجع بها الأحوص إلى الحجاز وهو قرير العين. وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغنا والصيد واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلا يصبح فيه مخمورا، وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه.
وقيل: إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته. وذكروا عنه غير ذلك والله أعلم بصحة ذلك.
وقال عبد الرحمن بن أبي مدعور: حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد. وكان نقش خاتمه آمنت بالله العظيم.