← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

عميرة (١)، لكن كان قد ساعده غيره، فجلس وكيع على صدره وفيه رمق، فذهب ليوء فلم يتمكن من ذلك، وجعل وكيع يقول: يا ثارات دويلة - يعني أخاه - وكان دويلة قد قتله ابن خازم، ثم إن خازم تنخم في وجه وكيع قال وكيع: لم أر أحدا أكثر ريقا منه في تلك الحال، وكان أبو هريرة إذا ذكر هذا يقول: هذه والله هي البسالة، وقال له ابن خازم: ويحك أتقتلني بأخيك؟ لعنك الله، أتقتل كبش مصر بأخيك العلج؟ وكان لا يساوي كفا من تراب - أو قال من نوى - قال: فاحتز رأسه وأقبل بكير بن وشاح فأراد أخذ الرأس فمنعه منه بجير بن ورقاء فضربه بجير بعموده وقيده، ثم أخذ الرأس ثم بعثه إلى عبد الملك بن مروان وكتب إليه بالنصر والظفر، فسر بذلك سرورا كثيرا، وكتب إلى بكير بن وشاح باقراره على نيابة خراسان. وفي هذه السنة أخذت المدينة من ابن الزبير واستناب فيها عبد الملك طارق بن عمرو، الذي كان بعثه مددا للحجاج. وهذه ترجمة عبد الله بن خازم هو عبد الله بن خازم بن أسماء السلمي أبو صالح البصري أمير خراسان أحد الشجعان المذكورين، والفرسان المشكورين، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه: ويقال له صحبة، روى عن النبي ﷺ في العمامة السوداء، وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي لكن لم يسموه، وروى عنه سعد بن عثمان الرازي وسعيد بن الأزرق. روى أبو بشير الدولابي أنه قتل في سنة إحدى وسبعين، وقيل: في سنة سبع وثمانين، وليس هذا القول بشئ. انتهى ما ذكره شيخنا، وقد ذكره أبو الحسن بن الأثير في الغابة في أسماء الصحابة، فقال: عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن نهية (٢) بن سليم بن منصور، أبو صالح السلمي، أمير خراسان، شجاع مشهور، وبطل مذكور، وروى عنه سعيد بن الأزرق، وسعد بن عثمان، قيل إن له صحبة، وفتح سرخس، وكان أميرا على خراسان أيام فتنة ابن الزبير، وأول ما وليها سنة أربع وستين بعد موت يزيد بن معاوية وابنه معاوية، وجرى له فيها حروب كثيرة حتى تم أمره بها، وقد استقصينا أخباره في كتاب الكامل في التاريخ، وقتل سنة إحدى وسبعين. وهكذا حكى شيخنا عن الدولابي، وكذا رأيت في التاريخ لشيخنا الذهبي. والذي ذكره ابن جرير في تاريخه أنه قتل سنة ثنتين وسبعين، قال: وزعم بعضهم أنه قتل بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وأن عبد الملك بعث برأس ابن الزبير إلى ابن خازم بخراسان (٣)، وبعث يدعوه إلى طاعته وله خراسان عشر سنين، وأن ابن خازم لما رأى رأس ابن

стр. 3187

الزبير حلف لا يعطي عبد الملك طاعة أبدا، ودعا بطست فغسل رأس ابن الزبير وكفنه وطيبه وبعث به أهله بالمدينة، ويقال بل دفنه عنده بخراسان والله أعلم. وأطعم الكتاب للبريد الذي جاء به وقال: لولا أنك رسول لضربت عنقك، وقال بعضهم: قطع يديه ورجليه وضرب عنقه. وممن توفي فيها من الأعيان الأحنف بن قيس أبو (١) معاوية بن حصين التميمي السعدي أبو بحر البصري ابن أخي صعصعة بن معاوية، والأحنف لقب له، وإنما اسمه الضحاك، وقيل صخر، أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وجاء في حديث أن رسول الله ﷺ دعا له، وكان سيدا شريفا مطاعا مؤمنا، عليم اللسان، وكان يضرب بحلمه المثل وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان، قال عنه عمر بن الخطاب: هو مؤمن عليم اللسان. وقال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم أفضل منه، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو بصري تابعي ثقة، وكان سيد قومه، وكان أعور أحيف الرجلين ذميما قصيرا كوسجا له بيضة واحدة، احتسبه عمر عن قومه سنة يختبره، ثم قال: هذا والله السيد - أو قال السؤدد - وقيل إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه، قيل ذهبت عينه بالجدري، وقيل في فتح سمرقند، وقال يعقوب بن سفيان: كان الأحنف جوادا حليما، وكان رجلا صالحا. أدرك الجاهلية ثم أسلم، وذكر للنبي ﷺ فاستغفر له، وقال: كان ثقة مأمونا قليل الحديث، وكان كثير الصلاة بالليل، وكان يسرج المصباح ويصلي ويبكي حتى الصباح، وكان يضع أصبعه في المصباح ويقول: حس يا أحنف، ما حملك على كذا؟ ما حملك على كذا؟ ويقول لنفسه: إذا لم تصبر على المصباح فكيف تصبر على النار الكبرى؟ وقيل له: كيف سودك قومك وأنت أرذلهم خلقة؟ قال: لو عاب قومي الماء ما شربته، كان الأحنف من أمراء علي يوم صفين، وهو الذي صالح أهل بلخ على أربعمائة ألف دينار في كل سنة. وله وقائع مشهودة مشهورة، وقتل من أهل خراسان خلقا كثيرا في القتال بينهما، وانتصر عليهم. وقال الحاكم: وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الحسن وابن سيرين في جيشه، وهو الذي افتتح سمرقند وغيرها من البلاد. وقيل إنه مات سنة سبع وستين، وقيل غير ذلك، عن سبعين سنة. وقيل عن أكثر من ذلك. ومن كلامه وقد سئل عن الحكم ما هو؟ فقال: الذل مع الصبر، وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول: والله إني لأجد ما يجدون، ولكني صبور. وقال: وجدت الحلم أنصر لي من

стр. 3188

الرجال وقد انتهى إليه الحلم والسؤدد، وقال: أحيى معروفك بإماتة ذكره، وقال عجبت لمن يجري مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ وقال: ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أدعى، ولا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلاني بينهما (١)، وقيل له: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من الامر مالا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وأغلظ له رجل في الكلام وقال: والله يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرا، فقال له: إنك إن قلت لي عشرا لا تسمع مني واحدة، وكان يقول في دعائه: اللهم إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك. وقد كان زياد بن أبيه يقر به ويدنيه، فلما مات زياد وولي ابنه عبيد الله لم يرفع به رأسا، فتأخرت عنده منزلته، فلما وفد برؤوساء أهل العراق على معاوية أدخلهم عليه على مراتبهم عنده، فكان الأحنف آخر من أدخله عليه، فلما رآه معاوية أجله وعظمه، وأدناه وأكرمه، وأجلسه معه على الفراش، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم، ثم شرع الحاضرون في الثناء على ابن زياد والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم، فقال معاوية: أشهدكم أني قد عزلته عن العراق، ثم قال لهم. انظروا لكم نائبا، وأجلهم ثلاثة أيام، فاختلفوا بينهم اختلافا كثيرا، ولم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد الله، ولا طلبه أحد منهم، ولم يتكلم الأحنف في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك الكلام، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات والأحنف ساكت، فقال له معاوية: تكلم، فقال له: إن كنت تريد أن تولي فيها أحدا من أهل بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد الله، فإنه رجل حازم لا يسد أحد منهم مسده، وإن كنت تريد غيره فأنت أعلم بقرابتك، فرده معاوية إلى الولاية، ثم قال له بينه وبينه: كيف جهلت مثل الأحنف؟ إنه هو الذي عزلك وولاك وهو ساكت، فعظمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند ابن زياد جدا. توفي الأحنف بالكوفة وصلى عليه مصعب بن الزبير، ومشى في جنازته، وقد تقدمت له حكاية، ذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد، وأنه أصلح بينهما بكلام، قال فبعث معاوية إلى يزيد بمال جزيل وقماش كثير، فأعطى يزيد نصفه للأحنف والله سبحانه أعلم. البراء بن عازب ابن الحارث بن عدي بن مجدعة (٢) بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الحارثي الأوسي. صحابي جليل، وأبوه أيضا صحابي، روى عن رسول الله ﷺ

стр. 3189

أحاديث كثيرة، وحدث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين وبعض الصحابة. وقيل إنه مات بالكوفة أيام ولاية مصعب بن الزبير على العراق. عبيدة السلماني القاضي وهو عبيدة بن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السلماني المرادي أبو عمرو الكوفي. وسلمان بطن من مراد، أسلم عبيدة في حياة النبي ﷺ وروى عن ابن مسعود وعلي وابن الزبير. وحدث عنه جماعة من التابعين، وقال الشعبي: كان يوازي شريحا في القضاء، قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه أمر كتب إلى عبيدة فيه، وانتهى إلى قوله، وقد أثنى عليه غير واحد، وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وقيل أربع وسبعين فالله أعلم. وقد قيل إن مصعب بن الزبير قتل فيها فالله أعلم. وممن توفي فيها أيضا عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي، له صحبة ورواية، وقرأ على أبي بن كعب، وقرأ عليه مجاهد وغيره. عطية بن بشر المازني له صحبة ورواية. عبيدة بن نضيلة أبو معاوية الخزاعي الكوفي مقرئ أهل الكوفة، مشهور بالخير والصلاح، توفي بالكوفة في هذه السنة. عبد الله بن قيس الرقيات القرشي العامري أحد الشعراء، مدح مصعبا وابن جعفر. عبد الله بن حمام أبو عبد الرحمن الشاعر السلولي هجا بني أمية بقوله: شربنا الغيض حتى لو سقينا … دماء بني أمية ما روينا ولو جاؤوا برملة أو بهند … لبايعنا أمير المؤمنينا وكان عبيدة السلماني أعورا، وكان أحد أصحاب ابن مسعود الذين يفتنون الناس. توفي بالكوفة. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين فيها كان مقتل عبد الله بن الزبير ﵁ على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي المبير

стр. 3190

قبحه الله وأخزاه، قال الواقدي: حدثني مصعب بن نائب عن نافع مولى بني أسد - وكان عالما بفتنة ابن الزبير - قال: حصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة (١) سنة ثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأول (٢) سنة ثلاث وسبعين، فكان حصر الحجاج له خمسة أشهر وسبع عشرة ليلة (٣). وقد ذكرنا فيما تقدم أن الحجاج حج بالناس في هذه السنة الخارجة، وكان في الحج ابن عمر، وقد كتب عبد الملك إلى الحجاج أن يأتم بابن عمر في المناسك كم ثبت ذلك في الصحيحين، فلما استهلت هذه السنة استهلت وأهل الشام محاصرون أهل مكة، وقد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك وكان مع الحجاج الحبشة، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا، وكان معه خمس مجانيق فألح عليها بالرمي من كل مكان، وحبس عنهم الميرة، والماء، فكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة، والحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام الله الله في الطاعة، فكانوا يحملون على ابن الزبير حتى يقال إنهم آخذوه في هذه الشدة، فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني شيبة، ثم يكرون عليه فيشد عليهم، فعل ذلك مرارا، وقتل يومئذ جماعة منهم وهو يقول: هذا وأنا ابن الحواري. وقيل لابن الزبير ألا تكلمهم في الصلح!! فقال: والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا والله لا أسألهم صلحا أبدا. وذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، ونزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثني عشر رجلا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول: إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم، وجاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضا، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم وأنتم على الطاعة وهم على المخالفة، وكان أهل الشام يرتجزون وهم يرمون بالمنجنيق ويقولون: مثل الفنيق المزبد … نرمي بها أعواد هذا المسجد (٤)

стр. 3191

فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته، فتوقف أهل الشام عن الرمي والمحاصرة فخطبهم الحجاج فقال: ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم؟ فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته، فعادوا إلى المحاصرة. وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف، فأمنهم وقل أصحاب ابن الزبير جدا، حتى خرج إلى الحجاج حمزة وخبيب ابنا عبد الله بن الزبير، فأخذا لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما، ودخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين وإلى كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن. فدنا منها فقبل رأسها وقال: هذا والله رأيي، ثم قال: والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيته بل أنكرته، ولم يكن عندي آثر من رضى ربي ، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللهم أنت أعلم بي مني ومن غيري، ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا، إن تقدمتني أو تقدمتك، ففي نفسي اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك، فقال جزاك الله يا أمه خيرا فلا تدعي الدعاء قبل وبعد. فقالت: لا أدعه أبدا لمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فقابلني في عبد الله بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين. ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه واعتنقها ليودعها - وكانت قد أضرت في آخر عمرها - فوجدته لابسا درعا من حديد فقالت: يا بني ما هذا لباس من يريد ما نريد من الشهادة!! فقال: يا أماه إنما لبسته لأطيب خاطرك وأسكن قلبك به، فقالت: لا يا بني ولكن

стр. 3192

انزعه فنزعه وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد وهي تقول: شمر ثيابك، وجعل يتحفظ من أسفل ثيابه لئلا تبدو عورته إذا قتل، وجعلت تذكره بأبيه الزبير، وجده أبي بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله ﷺ وترجيه القدوم عليهما إذا هو قتل شهيدا، ثم خرج من عندها فكان ذلك آخر عهده بها ﵄ وعن أبيه وأبيها. قالوا: وكان يخرج من باب المسجد الحرام وهناك خمسمائة فارس وراجل فيحمل عليهم فيتفرقون عنه يمينا وشمالا، ولا يثبت له أحد وهو يقول: إني إذا أعرف يومي أصبر (١) … إذ بعضهم يعرف ثم ينكر وكانت أبواب الحرم قد قل من يحرسها من أصحاب ابن الزبير، وكان لأهل حمص حصار الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب بنى جمح، ولأهل قنسرين باب بني سهم (٢)، وعلى كل باب قائد ومعه أهل تلك البلاد، وكان الحجاج وطارق بن عمرو في ناحية الأبطح، وكان ابن الزبير لا يخرج على أهل الباب إلا فرقهم وبدد شملهم، وهو غير ملبس حتى يخرجهم إلى الأبطح ثم يصيح: لو كان قرني واحدا كفيته فيقول ابن صفوان وأهل الشام أيضا: إي والله وألف رجل، ولقد كان حجر المنجنيق يقع على طرف ثوبه فلا ينزعج بذلك، ثم يخرج إليهم فيقاتلهم كأنه أسد ضاري، حتى جعل الناس يتعجبون من إقدامه وشجاعته، فلما كان ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى من هذه السنة بات ابن الزبير يصلي طول ليلته ثم جلس فاحتبى بحميلة سيفه فأغفى ثم انتبه مع الفجر على عادته، ثم قال: أذن يا سعد، فأذن عند المقام، وتوضأ ابن الزبير ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر، ثم قرأ سورة ن حرفا حرفا (٣)، ثم سلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم، فكشفوا وجوههم وعليهم المغافر، فحرضهم وحثهم على القتال والصبر، ثم نهض ثم حمل وحملوا حتى كشفوهم إلى الحجون فجاءته آجرة فأصابته في وجهه فارتعش لها (٤)، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه تمثل بقول بعضهم:

стр. 3193

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم سقط إلى الأرض فأسرعوا إليه فقتلوه (١) ﵁، وجاؤوا إلى الحجاج فأخبروه فخر ساجدا قبحه الله، ثم قام هو وطارق بن عمرو حتى وقفا عليه وهو صريع، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج: تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين؟ قال: نعم! هو أعذر لأنا محاصروه وليس هو في حصن ولا خندق ولا منعة ينتصف منا، بل يفضل علينا في كل موقف، فلما بلغ ذلك عبد الملك ضرب طارقا. وروى ابن عساكر في ترجمة الحجاج أنه لما قتل ابن الزبير ارتجت مكة بكاء على عبد الله بن الزبير ﵀، فخطب الحجاج الناس فقال: أيها الناس! إن عبد الله بن الزبير من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازعها أهلها وألحد في الحرم فأذاقه من عذابه الأليم، وإن آدم كان أكرم على الله من ابن الزبير، وكان في الجنة، وهي أشرف من مكة، فلما خالف أمر الله وأكل من الشجرة التي نهي عنها أخرجه الله من الجنة، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله، وقيل إنه قال: يا أهل مكة إكباركم واستعظامكم قتل ابن الزبير، فإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الدنيا ونازع الخلافة أهلها، فخلع طاعة الله وألحد في حرم الله، ولو كانت مكة شيئا يمنع القضاء لمنعت آدم حرمة الجنة وقد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته. وعلمه أسماء كل شئ، فلما عصاه أخرجه من الجنة وأهبطه إلى الأرض، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، وان ابن الزبير غير كتاب الله. فقال له عبد الله بن عمر: لو شئت أن أقول لك كذبت لقلت، والله إن ابن الزبير لم يغير كتاب الله، بل كان قواما به صواما، عاملا بالحق. ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع، وبعث برأس ابن الزبير مع رأس عبد الله بن صفوان وعمارة بن (٢) حزم إلى عبد الملك، ثم أمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها، ثم يسيروا بها إلى الشام، ففعلوا ما أمرهم به، وأرسل بالرؤوس مع رجل من الأزد فأعطاه عبد الملك خمسمائة دينار، ثم دعا بمقراض فأخذ من ناصيته ونواصي أولاده فرحا بمقتل ابن الزبير، عليهم من الله ما يستحقون. ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون، يقال منكسة، فما زالت مصلوبة، حتى مر به عبد الله بن عمر فقال: رحمة الله عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد كنت صواما قواما، ثم قال: أما آن لهذا الراكب أن ينزل (٣)؟ فبعث الحجاج فأنزل عن

стр. 3194

الحذع ودفن هناك. ودخل الحجاج إلى مكة فأخذ البيعة من أهلها إلى عبد الملك بن مروان، ولم يزل الحجاج مقيما بمكة حتى أقام للناس الحج عامه هذا أيضا وهو على مكة واليمامة واليمن. وهذه ترجمة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر ويقال له أبو خبيب القرشي الأسدي، أول مولود ولد بعد الهجرة بالمدينة من المهاجرين، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ذات النطاقين، هاجرت وهي حامل به تم فولدته بقبا أول مقدمهم المدينة وقيل إنما ولدته في شوال سنة ثنتين من الهجرة، قاله الواقدي ومصعب الزبيري وغيرهما، والأول أصح لما رواه أحمد عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بمكة قالت: فخرجت به وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقبا فولدته، ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول ما دخل في جوفه ريق رسول الله ﷺ ، قالت: ثم حنكه ثم دعا له وتبرك عليه، فكان أول مولود ولد في الاسلام. وهو صحابي جليل، روى عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عن أبيه وعمر وعثمان وغيرهم. وعنه جماعة من التابعين، وشهيد الجمل، مع أبيه وهو صغير، وحضر خطبة عمر بالجابية، ورواها عنه بطولها. ثبت ذلك من غير وجه. وقدم دمشق لغزو القسطنطينية، ثم قدمها مرة أخرى وبويع بالخلافة أيام يزيد بن معاوية لما مات معاوية بن يزيد، فكان على الحجاز واليمن والعراقين ومصر وخراسان وسائر بلاد الشام إلا دمشق، وتمت البيعة له سنة أربع وستين وكان الناس بخير في زمانه. وثبت من غير وجه عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها خرجت بعبد الله من مكة مهاجرة وهي حبلى به فولدته بقبا أول مقدمهم المدينة، فأتت به رسول الله ﷺ فحنكه وسماه عبد الله ودعا له، وفرح المسلمون به لأنه كانت اليهود قد زعموا أنهم قد سحروا المهاجرين فلا يولد لهم في المدينة، فلما ولد ابن الزبير كبر المسلمون، وقد سمع عبد الله بن عمر جيش الشام حين كبروا عند قتله، فقال: أما والله للذين كبروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبروا عند قتله. وأذن الصديق في أذنه حين ولد ﵄، ومن قال إن الصديق طاف به حول الكعبة وهو في خرقة فهو وأهم والله أعلم. وإنما طاف الصديق به في المدينة ليشتهر أمر ميلاده على خلاف ما زعمت اليهود. وقال مصعب الزبيري: كان عارضا عبد الله خفيفين، وما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة، وقال الزبير بن بكار: حدثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن سالم بن عبد الله بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كلم في غلمة ترعرعوا منهم عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن أبي سلمة، فقيل يا رسول الله لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر، فأتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا واقتحم عبد الله بن الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: " إنه ابن أبيه وبايعه ". وقد روي من غير وجه أن عبد الله بن الزبير شرب من دم النبي ﷺ ، " كان النبي ﷺ قد احتجم

стр. 3195

رفي طست فأعطاه عبد الله بن الزبير ليريقه فشربه فقال له لا تمسك النار إلا تحلة القسم، وويل لك من الناس وويل للناس منك ". وفي رواية أنه قال له: " يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد، فلما بعد عمد إلى ذلك الدم فشربه، فلما رجع قال: ما صنعت بالدم؟ قال: إني شربته لازداد به علما وإيمانا، وليكون شئ من جسد رسول الله ﷺ في جسدي، وجسدي أولى به من الأرض، فقال: ابشر لا تمسك النار أبدا. وويل لك من الناس وويل للناس منك ". وقال محمد بن سعد: أنبأ مسلم بن إبراهيم ثنا الحارث بن عبيد، ثنا أبو عمران الجوني أن نوفا كان يقول: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء. وقال حماد بن زيد، عن ثابت البناني قال: كنت أمر بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك. وقال الأعمش عن يحيى بن وثاب: كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد وتنزل لا تراه إلا جذم حائط. وقال غيره: كان ابن الزبير يقوم ليله حتى يصبح، ويركع ليله حتى يصبح، ويسجد ليله حتى يصبح. وقال بعضهم: ركع ابن الزبير يوما فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: كنت إذا رأيت ابن الزبير يصلي كأنه كعب راسب، وفي رواية ثابت. وقال أحمد: تعلم عبد الرزاق الصلاة من ابن جريج، وابن جريج من عطاء، وعطاء من ابن الزبير، وابن الزبير من الصديق، والصديق من رسول الله ﷺ . وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة يصفقها الريح، والمنجنيق يقع ها هنا وها هنا. قال سفيان: كأنه لا يبالي به ولا يعده شيئا. وحكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجرا من المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه، فما زال عن مقامه ولا عرف ذلك في صورته، فقال عمر بن عبد العزيز: لا إله إلا الله، جاء ما وصفت. وقال عمر بن عبد العزيز يوما لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله بن الزبير، فقال: والله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم ولا لحما على عصب ولا عصبا على عظم مثله، ولا رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه، ولقد مرت آجرة من رمي المنجنيق بين لحيته وصدره فوالله ما خشع ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون ما كان يركع، وكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شئ إليها. ولقد كان يركع فيكاد الرخم أن يقع على ظهره ويسجد فكأنه ثوب مطروح. وقال أبو القاسم البغوي: عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن منصور بن زاذان قال: أخبرني من رأى ابن الزبير يسرب في صلاته وكان ابن الزبير من المصلين. وسئل ابن عباس عن ابن الزبير فقال: كان قارئا لكتاب الله، متبعا لسنة رسول الله، قانتا لله صائما في الهواجر من مخافة الله، ابن حواري رسول الله، وأمه بنت الصديق، وخالته عائشة حبيبة حبيب الله، زوجة رسول الله، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله. وروي أن ابن الزبير كان يوما يصلي فسقطت حية من السقط فطوقت على بطن ابنه هاشم فصرخ النسوة وانزعج أهل المنزل واجتمعوا على قتل تلك

стр. 3196

الحية فقتلوها، وسلم الولد، فعلوا هذا كله وابن الزبير في الصلاة لم يلتفت ولا درى بما جرى حتى سلم. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الخزامي وعبد الملك بن عبد العزيز ومن لا أحصي كثرة من أصحابنا أن ابن الزبير كان يواصل الصوم سبعا، يصوم يوم الجمعة ولا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، ويصوم بالمدينة ولا يفطر إلا بمكة، ويصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة، وكان إذا أفطر أول ما يفطر على لبن لقحة وسمن وصبر، وفي رواية أخرى فأما اللبن فيعصمه، وأما السمن فيقطع عنه العطش، وأما الصبر فيفتق الأمعاء. وقال ابن معين: عن روح عن حبيب بن الشهيد عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ويصبح في الثامن وهو أليثنا. وروي مثله من غير وجه. وقال بعضهم: لم يكن يأكل في شهر رمضان سوى مرة واحدة في وسطه. وقال خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام. ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. وقال ليث عن مجاهد: لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة ﵁. ولقد جاء سيل مرة فطبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة، وقال بعضهم: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث، في العبادة والشجاعة والفصاحة. وقد ثبت أن عثمان جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وذكره سعيد بن المسيب في خطباء الاسلام مع معاوية وابنه وسعيد بن العاص وابنه، وقال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الزبير رداءا يمانيا عدنيا يصلي فيه، وكان صيتا إذا خطب تجاوبه الجبلان أبو قبيس وزروراء. وكان آدم نحيفا ليس بالطويل، وكان بين عينيه أثر السجود كثير العبادة مجتهدا شهما فصيحا صواما قواما شديد البأس ذا أنفة له نفس شريفة وهمة عالية، وكان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليلا. وكانت له جمة وكان له لحية صفراء. وقد ذكرنا أنه شهد مع ابن أبي سرح قتال البربر وكانوا في عشرين ومائة ألف، والمسلمون عشرون ألفا، فأحاطوا بهم من كل جانب، فما زال عبد الله بن الزبير يحتال حتى ركب في ثلاثين فارسا، وسار نحو ملك البربر وهو منفرد وراء الجيش، وجواريه يظللنه بريش النعام، فساق حتى انتهى إليه والناس يظنون أنه ذاهب برسالة إلى الملك، فلما فهمه الملك ولى مدبرا فلحقه عبد الله فقتله واحتز رأسه وجعله في رأس رمح وكبر وكبر المسلمون، وحملوا على البربر فهزموهم بين أيديهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا أموالا وغنائم كثيرة جدا، وبعث ابن أبي سرح بالبشارة مع ابن الزبير فقص على عثمان الخبر وكيف جرى، فقال له عثمان: إن استطعت أن تؤدي هذا للناس فوق المنبر، قال: نعم! فصعد ابن الزبير فوق المنبر فخطب الناس وذكر لهم كيفية ما جرى، قال عبد الله: فالتفت فإذا أبي الزبير في جملة من حضر، فلما تبينت وجهه كاد أن يرتج علي في الكلام من هيبته في قلبي، فرمزني بعينه وأشار إلي ليحضني، فمضيت في الخطبة كما كنت، فلما نزلت قال: والله لكأني أسمع خطبة أبي بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بني. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الدارني يقول: خرج ابن الزبير في ليلة مقمرة على

стр. 3197

راحلة له فنزل في تبوك فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس واللحية فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها فركب ابن الزبير راحلته ومضى، قال فناداه: والله يا بن الزبير لو دخل قلبك الليلة مني شعرة لخبلتك، قال: ومنك أنت يا لعين يدخل قلبي شئ؟ وقد روى لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة، وروى عبد الله بن المبارك: عن إسحاق بن يحيى، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: أقبل عبد الله بن الزبير من العمرة في ركب من قريش فلما كانوا عند إلينا صب (١) أبصروا رجلا عند شجرة، فتقدمهم ابن الزبير، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به ورد ردا ضعيفا، ونزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل، فقال له ابن الزبير: تنح عن الظل، فانحاز متكارها، قال ابن الزبير: فجلست وأخذت بيده وقلت: من أنت؟ فقال: رجل من الجن، فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة مني فاجتذبته وقلت: أنت رجل من الجن وتبدو إلي هكذا؟ وإذا له سفلة وانكسر ونهرته وقلت: إلي تتبدا وأنت من أهل الأرض، فذهب هاربا وجاء أصحابي فقالوا: أين الرجل الذي كان عندك؟ فقلت: إنه كان من الجن فهرب. قال: فما منهم رجل إلا سقط إلى الأرض عن راحلته، فأخذت كل رجل منهم فشددته على راحلته حتى أتيت بهم الحج وما يعقلون. وقال سفيان بن عيينة قال ابن الزبير: دخلت المسجد ذات ليلة فإذا نسوة يطفن بالبيت فأعجبنني، فلما قضين طوافهن خرجن فخرجت في أثرهن لاعلم أين منزلهن، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ثم انحدرن حتى أتين فجا فدخلن خربة فدخلت في أثرهن. فإذا مشيخة جلوس فقالوا: ما جاء بك يا بن الزبير؟ فقلت: أشتهي رطبا، وما بمكة يومئذ من رطبة، فأتوني برطب فأكلت ثم قالوا: احمل ما بقي معك، فجئت به المنزل فوضعته في سفط وجعلت السفط في صندوق، ثم وضعت رأسي لأنام، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعت جلبة في البيت، فقال بعضهم لبعض أين وضعه؟ قالوا: في الصندوق، ففتحوه فإذا هو في السفط داخله، فهموا بفتحه فقال بعضهم: إنه ذكر اسم الله عليه، فأخذوا السفط بما فيه فذهبوا به، قال. فلم آسف على شئ أسفي كيف لم أثب عليهم وهم في البيت. وقد كان عبد الله بن الزبير ممن حاجف عن عثمان يوم الدار، وجرح يومئذ بضع عشرة جراحة، وكان على الراجلة يوم الجمل وجرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضا، وقد تبارز يومئذ هو ومالك بن الحارث بن الأشتر، فاتحدا فصرع الأشتر ابن الزبير فلم يتمكن من القيام عنه، بل احتضنه ابن الزبير وجعل ينادي: اقتلوني ومالكا، واقتلوا مالكا معي، فأرسلهما مثلا. ثم تفرقا ولم يقدر عليه الأشتر، وقد قيل إنه جرح يومئذ بضع وأربعون جراحة، ولم يوجد إلا بين القتلى وبه رمق، وقد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم وسجدت لله شكرا، وكانت تحبه حبا شديدا، لأنه ابن أختها، وكان عزيزا عليها. وقد روي عن عروة: أن عائشة لم تكن تحب أحدا بعد رسول الله ﷺ

стр. 3198

وأبي بكر مثل حبها ابن الزبير، قال: وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لاحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير. وقال الزبير بن بكار: حدثني أخي هارون بن أبي بكر، عن يحيى بن إبراهيم، عن سليمان بن محمد، عن يحيى بن عروة، عن عمه عن عبد الله بن عروة قال أفحمت ألسنة نابغة بني جعدة فدخل على عبد الله بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الأبيات: حكيت لنا الصديق لما وليتها … وعثمان وفاروق فارتاح معدم وسويت بين الناس في الحق فاستووا … فعاد صباحا حالك اللون مظلم أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا … دجى الليل جواب الفلاة غشمشم لتجير منه جائيا غدرت به … صروف الليالي والزمان المصمم فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى. فإن الشعر أهون رسائلك عندنا، أما صفوه فما لنا فلآل الزبير، وأما عفوه فإن بني أسد يشغلها عنك وتيما، ولكن لك في مال الله حقان، حق لرؤيتك لرسول الله ﷺ ، وحق لشركتك أهل الاسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم فأعطاه قلائص سبعا وجملا وخيلا، وأوقر له الركاب برا وتمرا وثيابا، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفا، فقال له ابن الزبير: ويح أبي ليلى، لقد بلغ الجهد. فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما وليت قريش وعدلت، واسترحمت فرحمت وحدثت فصدقت، ووعدت خيرا فأنجزت، فأنا والنبيون فرط العاصفين ". وقال محمد بن مروان صاحب كتاب المجالسة: أخبرني خبيب بن نصير الأزدي ثنا محمد بن دينار الضبي، ثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن أبيه قال: أذن معاوية للناس يوما فدخلوا عليه فاحتفل المجلس وهو على سريره، فأجال بصره فيهم فقال: أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة من أجمع ما قالتها العرب، ثم قال: يا أبا خبيب فقال: مهيم، قال أنشد ذلك، فقال: نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمائة ألف كل بيت بمائة ألف، قال: نعم إن ساوت، قال أنت بالخيار، وأنت واف كاف، فأنشده للأفوه الأزدي: بلوت الناس قرنا بعد قرن … فلم أر غير ختال وقال فقال معاوية صدق ولم أر في الخطوب أشد وقعا … وكيدا من معادات الرجال فقال معاوية صدق وذقت مرارة الأشياء طرا … فما شئ أمر من السؤال فقال صدق

стр. 3199

ثم قال معاوية: هيه يا خبيب، قال: إلى ههنا انتهى، قال: فدعا معاوية بثلاثين عبدا على عنق كل واحد منهم بدرة، (؟؟؟) عشرة آلاف درهم، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره. وروى ابن أبي الدنيا؟ عن أبي يزيد النميري، عن أبي عاصم النبيل، عن جويرية بن أسماء: أن معاوية لما حج تلقته الناس وتخلف ابن الزبير ثم جاءه وقد حلق رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين ما أكبر حجرة رأسك!! فقال له اتق أن لا يخرج عليك منها حية فتقتلك، فلما أفاض معاوية طاف معه ابن الزبير وهو آخذ بيده ثم استدعاه إلى داره ومنازله بقعيقعان، فذهب معه إليها، فلما خرجا قال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره ومنازله ففعل معه ماذا، لا والله لا أدعك حتى تعطيني مائة ألف، فأعطاه فجاء مروان فقال: والله يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك، جاءك رجل قد سمى بيت مال الديوان وبيت الخلافة، وبيت كذا، وبيت كذا، فأعطيته مائة ألف، فقال له: ويلك كيف أصنع بابن الزبير؟ وقال ابن أبي الدنيا: أخبرني عمر بن بكير، عن علي بن مجاهد بن عروة قال: سأل ابن الزبير معاوية شيئا فمنعه، فقال: والله ما أجهل أن ألزم هذه البنية فلا أشتم لك عرضا ولا أقصم لك حسبا، ولكني أسدل عماتي من بين يدي ذراعا، ومن خلفي ذراعا في طريق أهل الشام وأذكر سيرة أبي بكر الصديق وعمر فيقول الناس: من هذا؟ فيقولون ابن حواري رسول الله ﷺ وابن بنت الصديق، فقال معاوية: حسبك بهذا شرفا، ثم قال: هات حوائجك. وقال الأصمعي: ثنا غسان بن نصر، عن سعيد بن يزيد. قال: دخل ابن الزبير على معاوية فأمر ابنا له صغيرا فلطمه لطمة دوخ منها رأسه، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي: ادن مني، فدنا منه، فقال له: الطم معاوية، قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال لأنه أبي، فرفع ابن الزبير يده فلطم الصبي لطمة جعله يدور منها كما تدور الدوامة، فقال معاوية: تفعل هذا بغلام لم تجز عليه الاحكام؟ قال: إنه والله قد عرف ما يضره مما ينفعه، فأحببت أن أحسن أدبه. وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: عن عبد الله بن أبي بكر قال: لحق ابن الزبير معاوية وهو سائر إلى الشام فوجده وهو ينعس على راحلته، فقال له: أتنعس وأنا معك؟ أما تخاف مني أن أقتلك؟ فقال: إنك لست من قتال الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره. قال لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب، وهو من تعلمه، فقال: لا جرم قتلكم والله بشماله. قال: أما إن ذلك كان في نصرة عثمان، ثم لم يجز بها. فقال: إنما كان لبغض علي لا لنصرة عثمان، فقال له ابن الزبير: إنا قد أعطيناك عهدا فنحن وافون لك به ما عشت، فسيعلم من بعدك، فقال: أما والله ما أخافك إلا على نفسك، وكأني بك قد خبطت في الحبالة واستحكمت عليك الأنشوطة، فذكرتني وأنت فيها، فقلت ليت أبا عبد الرحمن لها، ليتني والله لها، أما والله لأحللتك رويدا، ولأطلقتك سريعا، ولبئس الولي أنت تلك الساعة. وحكى أبو عبد الله نحو هذا، وقد تقدم أن معاوية لما مات وجاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر

стр. 3200

منها ابن الزبير والحسين بن علي فقصدا مكة فأقاما بها، ثم خرج الحسين إلى العراق وكان من أمره ما تقدم، وتفرد بالرياسة والسؤدد بمكة ابن الزبير، ولهذا كان ابن عباس ينشد: يا لك من قنبرة (١) بمعمري … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري يعرض بابن الزبير. وقيل إن يزيد بن معاوية كتب إلى ابن الزبير يقول: إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيد من ذهب وجامعة من فضة وحلفت لتأتيني في ذلك فأبر قسمي ولا تشق العصا، فلما قرأ كتابه ألقاه من يده وقال: ولا ألين لغير الحق أسأله … حتى تلين لضرس الماضغ الحجر فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبا، استفحل أمر عبد الله بن الزبير جدا، وبويع له بالخلافة في جميع البلاد الاسلامية، وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها، ولكن عارضه مروان بن الحكم في ذلك وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير، ثم جهز السرايا إلى العراق، ومات وتولى بعده عبد الملك بن مروان فقتل مصعب بن الزبير بالعراق وأخذها، ثم بعث إلى الحجاج فحاصر ابن الزبير بمكة قريبا من سبعة أشهر حتى ظفر به في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين. وكانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع وستين، وحج بالناس فيها كلها، وبنى الكعبة في أيام ولايته كما تقدم، وكساها الحرير (٢)، وكانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع والمسوح (٣)، وكان ابن الزبير عالما عابدا مهيبا وقورا كثير الصيام والصلاة، شديد الخشوع جيد السياسة، قال أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو عاصم عن عمر بن قيس. قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة غير لغة الآخر، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله والدار الآخرة طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين. وقال الثوري: عن الأعمش عن أبي الضحى قال:

стр. 3201

رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال. وكان يطيب الكعبة حتى كان يوجد رحيها من مسافة بعيدة. وقال ابن المبارك عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: دخل ابن الزبير على امرأته بنت الحسن فرأى ثلاث مثل - يعني أفرشة - فقال: هذا لي وهذا لابنة الحسن، وهذا للشيطان فأخرجوه. وقال الثوري عن عبد الله بن أبي بشير عن عبد الله بن مساور. قال: سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير على البخل ويقول: قال رسول الله ﷺ : " ليس بالمؤمن من يبيت شبعان وجاره إلى جنبه جائع ". وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق، ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، عن عثمان بن عفان. قال قال له عبد الله بن الزبير حين حصر: إن عندي نجائب قد أعددتها لك، فهل لك أن تتحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يلحد كبش من قريش اسمه عبد الله، عليه مثل أوزار الناس ". وهذا الحديث منكر جدا وفي إسناده ضعف، ويعقوب هذا هو القمي وفيه تشيع، ومثل هذا لا يقبل تفرده به، وبتقدير صحته فليس هو بعبد الله بن الزبير، فإنه كان على صفات حميدة، وقيامه في الامارة إنما كان لله ، ثم هو كان الامام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت البيعة له في الآفاق وانتظم له الامر والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، ثنا إسحاق بن سعيد، ثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير وهو في الحجر جالس فقال: يا بن الزبير إياك والالحاد في حرم الله، فإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: " يحلها وتحل به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها ". فانظر أن لا تكونه، فقال له: يا بن عمر فإنك قد قرأت الكتب وصحبت النبي ﷺ ، قال: فإني أشهد أن هذا وجهي إلى الشام مجاهدا. وهذا قد يكون رفعه غلطا، وإنما هو من كلام عبد الله بن عمر، وما أصابه من الزاملتين يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب، والله أعلم. وقال وكيع عن الثوري عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن حبشي الكناني عن عليم الكندي عن سلمان الفارسي. قال: " ليحرقن هذا البيت على يدي رجل من آل الزبير ". وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين عن أبي فضيل، ثنا سالم بن أبي حفصة عن منذر الثوري قال: قال ابن الحنفية: اللهم إنك تعلم إني كنت أعلم مما علمتني أن ابن الزبير لا يخرج منها إلا قتيلا يطاف برأسه في الأسواق. وقد روى الزبير بن بكار: عن هشام بن عروة قال: إن أول ما فصح به عبد الله بن الزبير وهو صغير السيف السيف، فكان لا يضعه من فيه، وكان الزبير إذا سمع ذلك منه يقول له: أما والله ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام، وقد تقدم كيفية مقتله، وأن الحجاج صلبه على جذع فوق الثنية، وأن أمه جاءت حتى وقفت عليه فدعت له طويلا ولا يقطر من عينها دمعة ثم انصرفت، وكذلك وقف عليه ابن عمر فدعا له وأثنى عليه ثناء كثيرا جدا. وقال الواقدي: حدثني نافع بن ثابت، عن عبد الله

стр. 3202

مولى أسماء قال: لما قتل عبد الله خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه وهي على دابة، فأقبل الحجاج في أصحابه فسأل عنها فأخبر بها، فأقبل حتى وقف عليها فقال: كيف رأيت نصر الله الحق وأظهره؟ فقالت: ربما أديل الباطل على الحق وأهله، وإنك بين فرثها والجنة، فقال إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال الله تعالى: … (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) * [الحج: ٢٥] وقد أذقه الله ذلك العذاب الأليم، قالت: كذبت، كان أول مولود ولد في الاسلام بالمدينة، وسر به رسول الله ﷺ وحنكه بيده وكبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرح يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برا بالوالدين صواما قواما بكتاب الله، معظما لحرم الله، يبغض من يعصى الله ، أشهد على رسول الله ﷺ لسمعته يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير " وفي رواية: " سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير " فانكسر الحجاج وانصرف، فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء، وقال: مالك ولابنة الرجل الصالح؟ وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: ثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أنبأنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل. قال: رأيت عبد الله بن الزبير على ثنية الحجون مصلوبا فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مر عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم، أما والله لامة أنت شرها لامة خير، ثم بعد عبد الله بن عمر. فبلغ الحجاج وقوف ابن عمر عليه وقوله ما قال، فأرسل إليه فأنزله عن جذعه وألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك من قرونك، فأبت وقالت: والله لا آتيه حتى يبعث إلي من يسحبني بقروني، فقال الحجاج: أروني سبتيتي فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعد والله؟ قالت رأيتك فسدت عليه دنياه، وأفسدت عليك آخرتك، بلغني أنك تقول: يا بن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها " انفرد به مسلم. وروى الواقدي أن الحجاج لما صلب ابن الزبير على ثنية الحجون بعثت إليه أسماء تدعو عليه، وطلبت منه أن يدفن فأبى عليها، حتى كتب إلى عبد الملك في ذلك فكتب إليه أن يدفن فدفن بالحجون، وذكروا أنه كان يشتم من عند قبره ريح المسك. وكان الحجاج قد قدم من الشام في ألفي فارس وانضاف إليه طارق بن عمرو في خمسة آلاف، وروى محمد بن سعد وغيره بسنده أن الحجاج حاصر ابن الزبير، وأنه اجتمع معه أربعون

стр. 3203

ألفا: وأنه نصب المنجنيق على أبي قبيس ليرمي به المسجد الحرام، وأنه أمن من خرج إليه من أهل مكة ونادى فيهم بذلك، وقال: إنا لم نأت لقتال أحد سوى ابن الزبير، وأنه خير ابن الزبير بين ثلاث إما أن يذهب في الأرض حيث شاء، أو يبعثه إلى الشام مقيدا بالحديد، أو يقاتل حتى يقتل. فشاور أمه فأشارت عليه بالثالث فقط، ويروى أنها استدعت بكفن له وبخرته وشجعته على القتل، فخرج بهذه النية فقاتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين قتالا شديدا فجاءته آجرة ففلقت رأسه فسقط على وجهه إلى الأرض، ثم أراد أن ينهض فلم يقدر، فاتكأ على مرفقه الأيسر وجعل يحدم بالسيف من جاءه، فأقبل إليه رجل من أهل الشام فضربه فقطع رجله، ثم تكاثروا عليه حتى قتلوه واحتزوا رأسه، وكان مقتله قريبا من الحجون، ويقال: بل قتل وهو متعلق بأستار الكعبة فالله أعلم. ثم صلبه الحجاج منكسا على ثنية كدا عند الحجون، ثم لما أنزله دفنه في مقابر اليهود كما رواه مسلم، وقيل دفن بالحجون بالمكان الذي صلب فيه، فالله أعلم. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب عن ابن سيرين قال قال عبد الله بن الزبير لما جئ برأس المختار: ما كان يحدثنا كعب الأحبار شيئا إلا وجدناه إلا قوله إن فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي، قال ابن سيرين: ولم يشعر أنه قد خبئ له الحجاج. وروي هذا من وجه آخر. قلت: والمشهور أن مقتل الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى، وقيل الآخرة منها، وعن مالك وغيره أن مقتله كان على رأس اثنين وسبعين، والمشهور الصحيح هو الأول، وكانت بيعته في سابع رجب سنة أربع وستين، وكان مولده في أول سنة إحدى من الهجرة، وقيل في شوال سنة ثنتين من الهجرة، فمات وقد جاوز السبعين قطعا والله أعلم. وأما أمه فإنها لم تعش بعده إلا مائة يوم، وقيل عشرة أيام، وقيل خمسة، والأول هو المشهور وستأتي ترجمتها قريبا ﵂ وعن أبيها وابنها، وقد رثي ابن الزبير وأخوه مصعب بمراث كثيرة حسنة بليغة، من ذلك قول معمر بن أبي معمر الذهلي يرثيهما بأبيات: لعمرك ما أبقيت في الناس حاجة … ولا كنت ملبوس الهدى متذبذبا غداة دعاني مصعب فأجبته … وقلت له أهلا وسهلا ومرحبا أبوك حواري الرسول وسيفه … فأنت بحمد الله من خيرنا أبا وذاك أخوك المهتدى بضيائه … بمكة يدعونا دعاء مثوبا ولم أك ذا وجهين وجه لمصعب … مريض ووجه لابن مروان إذ صبا وكنت امرأ ناصحته غير مؤثر … عليه ابن مروان ولا متقربا إليه بما تقذى به عين مصعب … ولكنني ناصحت في الله مصعبا إلى أن رمته الحادثات بسهمها … فيالله سهما ما أسد وأصوبا فان يك هذا الدهر أردى بمصعب … وأصبح عبد الله شلوا ملحبا

стр. 3204

فكل امرئ حاس من الموت جرعة … وإن حاد عنها جهده وتهيبا وقيل: إن عبد الله بن الزبير غسلته أمه أسماء بعد أن قطعت مفاصيله وحنطته وطيبته وكفنته وصلت عليه وحملته إلى المدينة، فدفنته بدار صفية بنت حيي، ثم إن هذه الدار زيدت في مسجد النبي ﷺ فهو مدفون في المسجد مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وقد ذكر ذلك غير واحد فالله أعلم. وقد روى الطبراني عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أن النبي ﷺ أعطاه دم محاجمه يهريقه فحساه، فلما رجع إلى النبي ﷺ ، قال: " ما صنعت يا عبد الله بالدم؟ قلت: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس، قال: فلعلك شربته؟ قلت: نعم! قال: ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس، وويل للناس منك ". ودخل سلمان الفارسي مرة على النبي ﷺ فإذا عبد الله بن الزبير قائم في الدهليز ومعه طست يشرب منه، فدخل سلمان ودخل عبد الله على رسول الله ﷺ ، قال له: " فرغت؟ قال: نعم. قال سلمان: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها، قال سلمان: شربها والذي بعثك بالحق، قال شربته؟ قال: نعم! قال: لم؟ قال: أحببت أن يكون دم رسول الله ﷺ في جوفي، فقال بيده على رأس ابن الزبير، وقال: ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا تحلة القسم ". ولما بعث يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ذلك القيد من ذهب وسلسلة من فضة وجامعة من فضة وأقسم لتأتيني فيها، فقالوا له: بر قسم أمير المؤمنين فقال: ولا ألين لغير الحق أسأله … حتى تلين لضرس الماضغ الحجر ثم قال: والله لضربة بسيف بعز، أحب إلي من ضربة بسوط في ذل، ثم دعا إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية. وروى الطبراني أن ابن الزبير دخل على أمه فقال: إن في الموت لراحة، وكانت أمه قد أتت عليها مائة سنة لم تسقط لها سن، ولم يفسد لها بصر، فقالت: ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك، إما أن تملك فتقر عيني، وإما أن تقتل فأحتسبك، ثم خرج عنها وهو يقول: ولست بمبتاع الحياة بسبة … ولا بمريق من خشية الموت سلما (١) ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول ليكن أحدكم سيفه كما وجهه فيدفع عن نفسه بيده كأنه أمراه، والله ما بقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول، وما ألمت جرحا إلا ألم الدواء، ثم حمل

стр. 3205

عليهم ومعه سفيان، فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله، فقال له الأسود: أخ يا بن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يا بن حام، أسماء زانية؟ ثم أخرجهم من المسجد، وكان على ظهر المسجد جماعة من أعوانه يرمون أعداءه بالآجر، فأصابته آجرة من أعوانه من غير قصد في مفرق رأسه ففلقت رأسه فوقف قائما وهو يقول: لو كان قرني واحدا كفيته (١) ويقول: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطر الدم (٢) ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولن: العبد يحمي ربه ويحتمي ثم أرسلوا إليه فحزوا رأسه. وروى الطبراني أيضا: عن إسحاق بن أبي إسحاق قال: أنا حاضر مقتل عبد الله بن الزبير في المسجد الحرام، يوم قتل جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، وكلما دخل قوم من باب حمل عليهم حتى يخرجهم، فبينما هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد، فوقعت على رأسه فصرعته، وهو يتمثل بهذه الأبيات: أسماء أسماء لا تبكيني … لم يبق إلا حسبي وديني • وصارم لانت به يميني * وقد روي أن أمه قالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: ابنك المنافق، فقالت: والله ما كان منافقا، إن كان لصواما قواما وصولا للرحم، فقال: انصرفي يا عجوز، فإنك قد خرقت، فقالت والله ما خرقت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت ". وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير فوقف فترحم عليه ثم التفت إلي وقال: أخبرني أبو بكر الصديق أن رسول الله ﷺ قال: " من يعمل سوءا يجز به ". وروى سفيان عن ابن جريج عن أبي مليكة قال: ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس قال: كان عفيفا في الاسلام، قارئا للقرآن، صواما قواما. أبوه الزبير، وأمه أسماء، وجده أبو بكر، وعمته خديجة، وجدته صفية، وخالته عائشة: والله لأحاسبن له بنفسي محاسبة لم أحاسبها لأبي بكر ولا لعمر. وقال الطبراني: حدثنا زكريا الناجي، ثنا حوثرة بن محمد، ثنا أبو أسامة، ثنا سعيد بن المرزبان، أبو سعيد العبسي

стр. 3206

ثنا محمد بن عبد الله الثقفي قال: شهدت خطبة ابن الزبير بالموسم خرج علينا قبل التروية بيوم وهو محرم فلبى بأحسن تلبية سمعتها قط، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم جئتم من آفاق شتى وفودا إلى الله ، فحق على الله أن يكرم وفده، فمن كان منكم يطلب ما عند الله فإن طالب ما عند الله لا يخيب فصدقوا قولكم بفعل، فإن ملاك القول الفعل والنية النية، والقلوب القلوب، الله الله في أيامكم هذه فإنها أيام تغفر فيها الذنوب، جئتم من آفاق شتى في غير تجارة ولا طلب مال ولا دنيا ترجونها ها هنا، ثم لبى ولبى الناس، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ. وروى الحسن بن سفيان قال: ثنا حيان بن موسى ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان قال: كتب إلي عبد الله بن الزبير بموعظة: أما بعد فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، صدق الحديث، وأداء الأمانة، وكظم الغيظ، وصبر على البلاء ورضي بالقضاء، وشكر للنعماء، وذل لحكم القرآن، وإنما الأيام كالسوق ما نفق فيها حمل إليها، إن نفق الحق عنده حمل إليه وجاءه أهله. وإن نفق الباطل عنده حمل إليه وجاءه أهله. وقال أبو معاوية: ثنا هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال: ما رأيت ابن الزبير يعطي سلمة قط لرغبة ولا لرهبة سلطان ولا غيره. وبهذه الاسنادات أهل الشام كانوا يعيرون ابن الزبير ويقولون له: يا بن ذات النطاقين. فقال له أسماء: يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين وإنما كان لي نطاق واحد شققته نصفين فجعلت في سفرة رسول الله ﷺ أحدهما وأوكيت قربته بالآخر لما خرج هو وأبو بكر يريدان الهجرة إلى المدينة. فكان ابن الزبير بعد ذلك إذا عيروه بالنطاقين يقول: إنها والله تلك شكاة ظاهر عنك عارها (١)، والله أعلم. وممن قتل مع ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين بمكة من الأعيان: عبد الله بن صفوان ابن أمية بن خلف الجمحي أبو صفوان المكي، وكان أكبر ولد أبيه، أدرك حياة النبي ﷺ وروى عن عمر وجماعة من الصحابة، وحدث عنه خلق من التابعين، وكان سيدا شريفا مطاعا حليما يحتمل الأذى، لو سبه عبد أسود ما استنكف عنه، ولم يقصده أحد في شئ فرده خائبا، ولا سمع بمفازة إلا حفر بها جبا أو عمل فيها بركة، ولا عقبة إلا سهلها. وقيل إن المهلب بن أبي صفرة قدم على ابن الزبير من العراق فأطال الخلوة معه، فجاء ابن صفوان فقال: من هذا الذي شغلك منذ اليوم؟ قال: هذا سيد العرب من أهل العراق، فقال: ينبغي أن يكون المهلب. فقال المهلب لابن الزبير: ومن هذا الذي يسأل عني يا أمير المؤمنين؟ قال هذا سيد قريش بمكة،

стр. 3207

فقال: ينبغي أن يكون عبد الله بن صفوان، وكان ابن صفوان كريما جدا. وقال الزبير بن بكار بسنده: قدم معاوية حاجا فتلقاه الناس فكان ابن صفوان في جملة من تلقاه، فجعل يساير معاوية وجعل أهل الشام يقولون: من هذا الذي يساير أمير المؤمنين؟ فلما انتهى إلى مكة إذا الجبل أبيض من الغنم، فقال: يا أمير المؤمنين هذه غنم أجزتكها، فإذا هي ألفا شاة، فقال أهل الشام: ما رأينا أكرم من ابن عم أمير المؤمنين، كان ابن صفوان من جملة من صبر مع ابن الزبير حين حصره الحجاج، فقال له ابن الزبير: إني قد أقلتك بيعتي فاذهب حيث شئت، فقال إني إنما قاتلت عن ديني. ثم صبر نفسه حتى قتل وهو متعلق بأستار الكعبة في هذه السنة، ﵀ وأكرمه. عبد الله بن مطيع ابن الأسود بن حارثة القرشي العدوي المدني، ولد في حياة رسول الله ﷺ وحنكه ودعا له بالبركة، وروى عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرا إلى يوم القيامة ". وعنه ابناه إبراهيم ومحمد والشعبي وعيسى بن طلحة بن عبيد الله ومحمد بن أبي موسى. قال الزبير بن بكار: كان ابن مطيع من كبار رجال قريش جلدا وشجاعة، وأخبرني عمي مصعب أنه كان على قريش أميرا يوم الحرة ثم قتل مع ابن الزبير بمكة وهو الذي يقول: أنا الذي فررت يوم الحرة … والشيخ لا يفر إلا مرة (١) • ولا جبرت فرة بكرة … (٢) ﵀. عوف بن مالك ﵁ هو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني صحابي جليل، شهد مؤتة مع خالد بن الوليد والامراء قبله، وشهد الفتح وكانت معه راية قومه يومئذ، وشهد فتح الشام، وروى عن

стр. 3208

رسول الله ﷺ أحاديث، وروى عنه جماعة من التابعين وأبو هريرة، وقد مات قبله، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وأبو عبيدة وغير واحد: توفي سنة ثلاث وسبعين بالشام. أسماء بنت أبي بكر الصديق والدة عبد الله بن الزبير، يقال لها ذات النطاقين، وإنما سميت بذلك عام الهجرة حين شقت نطاقها فربطت به سفرة النبي ﷺ وأبي بكر حين خرجا عامدين إلى المدينة، وأمها قيلة وقيل قبيلة (١) بنت عبد العزى من بني عامر بن لؤي. أسلمت أسماء قديما وهم بمكة في أول الاسلام، وهاجرت هي وزوجها الزبير وهي حامل متم بولدها عبد الله فوضعته بقبا أول مقدمهم المدينة، ثم ولدت للزبير بعد ذلك عروة والمنذر. وهي آخر المهاجرين والمهاجرات موتا، وكانت هي وأختها عائشة وأبوها أبو بكر الصديق وجدها أبو عتيق وابنها عبد الله وزوجها الزبير صحابيين ﵃، وقد شهدت اليرموك مع ابنها وزوجها، وهي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين. وقيل إن الحجاج دخل عليها بعد أن قتل ابنها فقال: يا أماه إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم المصلوب على الثنية، ومالي من حاجة، ولكن أحدثك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير " فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراك إلا إياه، فقال: أنا مبير المنافقين. وقيل إن ابن عمر دخل معه عليها وابنها مصلوب فقال لها: إن هذا الجسد ليس بشئ وإنما الأرواح عند الله فاتقي الله واصبري، فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل؟. وقيل إنها غسلته وحنطته وكفنته وطيبته وصلت عليه ثم دفنته، ثم ماتت بعده بأيام في آخر جمادى الآخرة، ثم إن الزبير لما كبرت طلقها، وقيل بل قال له عبد الله ابنه: ان مثلي لا توطأ أمه، فطلقها الزبير، وقيل: بل اختصمت هي والزبير فجاء عبد الله ليصلح بينهما فقال الزبير: إن دخلت فهي طالق، فدخلت فبانت فالله أعلم. وقد عمرت أسماء دهرا صالحا وأضرت في آخر عمرها، وقيل بل كانت صحيحة البصر لم يسقط لها سن. وأدركت قتل ولدها في هذه السنة كما ذكرنا، ثم ماتت بعده بخمسة أيام، وقيل بعشرة، وقيل بعشرين، وقيل بضع وعشرين يوما، وقيل عاشت بعده مائة يوم وهو الأشهر، وبلغت من العمر مائة سنة ولم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل رحمها الله. وقد روت عن النبي ﷺ عدة أحاديث طيبة مباركة ﵂ ورحمها. قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعني سنة ثلاث وسبعين - عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وأضافها إلى أخيه بشر بن مروان مع الكوفة، فارتحل إليها واستخلف على الكوفة

стр. 3209

عمرو بن حريث. وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة فهزم الروم. وقيل إنه كان في هذه السنة وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وهو في أربعة آلاف، والروم في ستين ألفا فهزمهم وأكثر القتل فيهم. وأقام للناس الحج في هذه السنة الحجاج وهو على مكة واليمن واليمامة، وعلى الكوفة والبصرة بشر بن مروان، وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. وعلى إمرة خراسان بكير بن وشاح، يعني الذي كان نائبا لعبد الله بن خازم والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان غير من تقدم ذكره مع ابن الزبير عبد الله سعد بن جثم الأنصاري له صحبة وشهد اليرموك، وكان كثير العبادة والغزو. عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي (١) أبو محمد له صحبة ورواية توفي بالمدينة. مالك بن مسمع بن غسان البصري كان شديد الاجتهاد في العبادة والزهادة. ثابت بن الضحاك الأنصاري له صحبة ورواية توفي بالمدينة، يقال له أبو زيد الأشمالي وهو من أهل البيعة تحت الشجرة. قال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو قلابة أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة وأن رسول الله ﷺ قال: " من قذف مؤمنا بكفر فهو كفيله ". زينب بنت أبي سلمى المخزومي ربيبة النبي ﷺ ، ولدتها أمها بالحبشة، ولها رواية وصحبة. توبة بن الصمة وهو الذي يقال له مجنون ليلى (٢)، كان توبة يشن الغارات على بني الحارث بن كعب، فرأى

стр. 3210

ليلى (١) فهواها وتهتك بها وهام بها محبة وعشقا، وقال فيها الاشعار الكثيرة القوية الرائقة، التي لم يسبق إليها ولم يلحق فيها لكثرة ما فيها من المعاني والحكم، وقد قيل له مرة: هل كان بينك وبين ليلى ريبة قط؟ فقال: برئت من شفاعة محمد ﷺ إن كنت قط حللت سراويلي على محرم. وقد دخلت ليلى على عبد الملك بن مروان تشكو ظلامة فقال لها: ماذا رأى منك توبة حتى عشقك هذا العشق كله؟ فقالت: والله يا أمير المؤمنين لم يكن بيني وبينه قط ريبة ولا خنا، وإنما العرب تعشق وتعف وتقول الاشعار فيمن تهوى وتحب مع العفة والصيانة لأنفسها عن الدناءات. فأزال ظلامتها وأجازها. توفي توبة في هذه السنة وقيل إن ليلى جاءت إلى قبره فبكت حتى ماتت والله أعلم. تم الجزء الثامن من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء التاسع وأوله سنة أربع وسبعين من الهجرة وما فيها من الحوادث. نسأل الله التوفيق والإعانة

стр. 3211

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثم دخلت سنة أربع وسبعين فيها عزل عبد الملك طارق بن عمرو عن إمارة المدينة وأضافها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، فقدمها فأقام بها أشهرا (١) ثم خرج معتمرا ثم عاد إلى المدينة في صفر فأقام بها ثلاثة أشهر، وبنى في بني سلمة مسجدا، وهو الذي ينسب إليه اليوم، ويقال إن الحجاج في هذه السنة وهذه المدة شتم جابرا وسهل بن سعد (٢) وقرعهما لم لا نصرا عثمان بن عفان، وخاطبهما خطابا غليظا قبحه الله وأخزاه، واستقضى أبا إدريس الخولاني أظنه على اليمن والله أعلم. قال ابن جرير: وفيها نقض الحجاج بنيان الكعبة الذي كان ابن الزبير بناه وأعادها على بنيانها الأول، قلت: الحجاج لم ينقض بنيان الكعبة جميعه: بل إنما هدم الحائط الشامي حتى أخرج الحجر من البيت ثم سده وأدخل في جوف الكعبة ما فضل من الأحجار، وبقية الحيطان الثلاثة بحالها، ولهذا بقي البنيان الشرقي والغربي وهما ملصقان بالأرض كما هو المشاهد إلى يومنا هذا، ولكن سد الغربي بالكلية وردم أسفل الشرقي حتى جعله مرتفعا كما كان في الجاهلية، ولم يبلغ الحجاج وعبد الملك ما كان بلغ ابن الزبير من العلم النبوي الذي كانت أخبرته به خالته عائشة عن رسول الله ﷺ ، كما تقدم ذلك من قوله: (لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر - وفي رواية - بجاهلية لنقضت الكعبة وأدخلت فيها الحجر، وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، ولألصقتهما بالأرض، فإن قومك قصرت بهم النفقة فلم يدخلوا فيها الحجر ولم يتمموها على قواعد إبراهيم ورفعوا بابها ليدخلوا من شاؤوا يمنعوا من شاؤوا " (٣) فلما تمكن

стр. 3212

ابن الزبير بناها كذلك، ولما بلغ عبد الملك هذا الحديث بعد ذلك قال: وددنا لو تركناه وما تولى من ذلك. وفي هذه السنة ولي المهلب بن أبي صفرة حرب الأزارقة عن أمر عبد الملك لأخيه بشر بن مروان أن يجهز المهلب إلى الخوارج في جيوش من البصرة والكوفة، ووجد بشر على المهلب في نفسه حيث عينه عبد الملك في كتابه. فلم يجد بدا من طاعته في تأميره على الناس في هذه الغزوة، وما كان له من الامر شئ، غير أنه أوصى أمير الكوفيين عبد الله (١) بن مخنف أن يستبد بالامر دونه، وأن لا يقبل له رأيا ولا مشورة، فسار المهلب بأهل البصرة وأمراء الأرباع معه على منازلهم حتى نزل برامهرمز، فلم يقم عليها إلا عشرا حتى جاء نعي بشر بن مروان، وأنه مات (٢) بالبصرة واستخلف عليها خالد بن عبد الله، فأرخى بعض الجيش ورجعوا إلى البصرة فبعثوا في آثارهم من يردهم، وكتب خالد بن عبد الله إلى الفارين يتوعدهم إن لم يرجعوا إلى أميرهم، ويتوعدهم بسطوة عبد الملك، فعدلوا يستأذنون عمرو بن حريث في المصير إلى الكوفة فكتب إليهم: إنكم تركتم أميركم وأقبلتم عاصين مخالفين، وليس لكم إذن ولا إمام ولا أمان، فلما جاءهم ذلك أقبلوا إلى رحالهم فركبوها ثم ساروا إلى بعض البلاد فلم يزالوا مختفين بها حتى قدم الحجاج واليا على العراق مكان بشر بن مروان كما سيأتي بيانه قريبا. وفي هذه السنة عزل عبد الملك بكير بن وشاح (٣) التميمي عن إمرة خراسان وولاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد القرشي ليجتمع عليه الناس فإنه قد كادت الفتنة تتفاقم بخراسان بعد عبد الله بن خازم، فلما قدم أمية بن عبد الله خراسان عرض على بكير بن وشاح أن يكون على شرطته فأبى وطلب منه أن يوليه طخارستان فخوفوه منه أن يخلعه هنالك فتركه مقيما عنده. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها الحجاج وهو على إمرة المدينة ومكة واليمن واليمامة. قال ابن جرير: وقد قيل إن عبد الملك اعتمر في هذه السنة ولا نعلم صحة ذلك. ذكر من توفي فيها من الأعيان رافع بن خديج بن رافع الأنصاري، صحابي جليل شهد أحدا وما بعدها، وصفين مع علي

стр. 3213

وكان يتعانا المزارع والفلاحة، توفي وهو ابن سنة وثمانين سنة، وأسند ثمانية وسبعين حديثا وأحاديثه جيدة. وقد أصابه يوم أحد سهم في ترقوته فخيره رسول الله ﷺ بين أن ينزعه منه وبين أن يترك فيه العطبة ويشهد له يوم القيامة، فاختار هذه، وانتقض عليه في هذه السنة فمات منه ﵀. أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان (١) الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل من فقهاء الصحابة استصغر يوم أحد، ثم كان أول مشاهده الخندق، وشهد مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وروى عنه أحاديث كثيرة، وعن جماعة من الصحابة، وحدث عنه خلق من التابعين وجماعة من الصحابة، كان من نجباء الصحابة وفضلائهم وعلمائهم. قال الواقدي وغيره: ما ت سنة أربع وسبعين وقيل قبلها بعشر سنين فالله أعلم. قال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود، ثنا خالد بن نزار، ثنا هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ فقال: (النبيون قلت: ثم أي؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا السترة - وفي رواية - إلا العباءة أو نحوها، وإن أحدهم ليبتلى بالقمل حتى ينبذ القمل، وكان أحدهم بالبلاء أشد فرحا منه بالرخاء). وقال قتيبة بن سعيد: ثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سعيد الخدري: أن أهله شكوا إليه الحاجة فخرج إلى رسول الله ﷺ يسأل لهم شيئا، فوافقه على المنبر وهو يقول: (أيها الناس قد آن لكم أن تستغنوا عن المسألة فإنه من يستعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله، والذي نفس محمد بيده ما رزق الله عبدا من رزق أوسع له من الصبر، ولئن أبيتم إلا أن تسألوني لأعطينكم ما وجدت ". وقد رواه الطبراني عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد نحوه. عبد الله بن عمر ابن الخطاب القرشي العدوي. أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني أسلم قديما مع أبيه ولم يبلغ الحلم وهاجرا وعمره عشر سنين، وقد استصغر يوم أحد، فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها، وهو شقيق حفصة بنت عمر أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكان عبد الله بن عمر ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيما يخضب بالصفرة ويحفى شاربه، وكان يتوضأ لكل صلاة ويدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده

стр. 3214

عثمان على القضاء فأبى ذلك، وكذلك أبوه، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرس، وشهد فتح مصر، واختط بها دارا، وقدم البصرة وشهد غزو فارس وورد المدائن مرارا وكان عمره يوم مات النبي ﷺ ثنتين وعشرين سنة، وكان إذا أعجبه شئ من ماله يقربه إلى الله ، وكأن عبيده قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه، فيقال له: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا لله انخدعنا له، وكان له جارية يحبها كثيرا فأعتقها وزوجها لمولاه نافع، وقال: إن الله تعالى يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) [آل عمران: ٩٢] واشترى مرة بعيرا فأعجبه لما ركبه فقال: يا نافع أدخله في إبل الصدقة، وأعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف فقال: أو خيرا من ذلك؟ هو حر لوجه الله، واشترى مرة غلاما بأربعين ألفا وأعتقه فقال الغلام: يا مولاي قد أعتقتني فهب لي شيئا أعيش به فأعطاه أربعين ألفا، واشترى مرة خمسة عبيد فقام يصلي فقاموا خلفه يصلون فقال: لمن صليتم هذه الصلاة؟ فقالوا: لله! فقال: أنتم أحرار لمن صليتم له، فأعتقهم. والمقصود أنه ما مات حتى أعتق ألف رقبة، وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا، وكانت تمضي عليه الأيام الكثيرة والشهر لا يذوق فيه لحما إلا وعلى يديه يتيم، وبعث إليه معاوية بمائة ألف لما أراد أن يبايع ليزيد، فما حال عليه الحول وعنده منها شئ، وكان يقول: إني لا أسأل أحدا شيئا، وما رزقني الله فلا أرده. وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله، وكان أعلم الناس بمناسك الحج، كان يتتبع آثار رسول الله ﷺ ويصلي فيها، حتى أن النبي ﷺ نزل تحت شجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء، وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة، وكان يقوم أكثر الليل، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه، وكان يوم مات خير من بقي، ومكث ستين سنة يفتي الناس من سائر البلاد، وروى عن النبي ﷺ ، أحاديث كثيرة، وروى عن الصديق وعن عمر وعثمان وسعد وابن مسعود وحفصة وعائشة وغيرهم. وعنه خلق منهم بنوه حمزة وبلال وزيد وسالم وعبد الله وعبيد الله وعمر إن كان محفوظ، وأسلم مولى أبيه وأنس بن سيرين والحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وطاووس وعروة وعطاء وعكرمة ومجاهد وابن سيرين والزهري ومولاه نافع. وثبت في الصحيح عن حفصة أن رسول الله ﷺ قال: " إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم الليل ". وكان بعد يقوم الليل، وقال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر. وقال جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها، إلا ابن عمر، وما أصاب أحد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله وإن كان عليه كريما، وقال سعيد بن المسيب: مات ابن عمر يوم مات وما من الدنيا أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله منه، وقال الزهري لا يعدل برأيه فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة، فلم يخف عليه شئ من أمره ولا من أمر أصحابه ﵃. وقال مالك: بلغ ابن عمر ستا وثمانين سنة وأفتى في الاسلام ستين سنة، تقدم عليه وفود الناس من

стр. 3215

أقطار الأرض، قال الواقدي وجماعة: توفي ابن عمر سنة أربع وسبعين، وقال الزبير بن بكار وآخرون: توفي سنة ثلاث وسبعين والأول أثبت والله أعلم. عبيد بن عمير ابن قتادة بن سعد بن عامر بن خندع (١) بن ليث، الليثي ثم الخندعي، أبو عاصم المكي قاضي أهل مكة، قال مسلم بن الحجاج. ولد في حياة النبي ﷺ ، وقال غيره ورآه أيضا، وروى عن أبيه، وله صحبة، وعن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمر وأم سلمة وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين وغيرهم، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وغير واحد. وكان ابن عمر يجلس في حلقته ويبكي وكان يعجبه تذكيره، وكان بليغا، وكان يبكي حتى يبل الحصى بدموعه. قال مهدي بن ميمون عن غيلان بن جرير قال: كان عبيد بن عمير إذا آخى أحدا في الله استقبل به القبلة فقال: اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك، واجعل محمدا شهيدا علينا بالايمان، وقد سبقت لنا منك الحسنى غير متطاول علينا الأمد، ولا قاسية قلوبنا ولا قائلين ما ليس لنا بحق، ولا سائلين ما ليس لنا به علم. وحكى البخاري عن ابن جريج أن عبيد بن عمير مات قبل ابن عمر ﵁. أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، صحابي رأى النبي ﷺ ، وكان دون البلوغ عند وفاة النبي ﷺ لكن روى عنه عدة أحاديث، وعن علي والبراء بن عازب، وعنه جماعة من التابعين، منهم إسماعيل بن أبي خالد، والحكم وسلمة بن كهيل والشعبي وأبو إسحاق السبيعي، وكان قد نزل الكوفة وابتنى بها دارا وتوفي في هذه السنة، وقيل في سنة أربع وتسعين فالله أعلم. وكان صاحب شرطة علي، وكان علي إذا خطب يقوم أبو جحيفة تحت منبره. سلمة بن الأكوع ابن عمرو بن سنان الأنصاري وهو أحد من بايع تحت الشجرة، وكان من فرسان الصحابة ومن علمائهم، كان يفتي بالمدينة، وله مشاهد معروفة في حياة النبي ﷺ وبعده، توفي بالمدينة وقد جاوز السبعين سنة. مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني وهو جد الامام مالك بن أنس، روى عنه جماعة من الصحابة وغيرهم وكان فاضلا عالما، توفي بالمدينة.

стр. 3216

أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ أهل الكوفة بلا مدافعة واسمه عبد الله بن حبيب، قرأ القرآن على عثمان بن عفان وابن مسعود، وسمع من جماعة من الصحابة وغيرهم، وأقرأ الناس القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج، قرأ عليه عاصم بن أبي النجود وخلق غيره، توفي بالكوفة. أبو معرض الأسدي اسمه مغيرة بن عبد الله الكوفي، ولد في حياة النبي ﷺ ، ووفد على عبد الملك بن مروان وامتدحه، وله شعر جيد، ويعرف بالأقطشي، وكان أحمر الوجه كثير الشعر، توفي بالكوفة في هذه السنة، وقد قارب الثمانين سنة. بشر بن مروان الأموي أخو عبد الملك بن مروان، ولي إمرة العراقين لأخيه عبد الملك، وله دار بدمشق عند عقبة اللباب، وكان سمحا جوادا، وإليه ينسب دير مروان عند حجير، وهو الذي قتل خالد بن حصين الكلابي يوم مرج راهط، وكان لا يغلق دونه الأبواب ويقول: إنما يحتجب النساء، وكان طليق الوجه، وكان يجيز على الشعر بألوف، وقد امتدحه الفرزدق والأخطل، والجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل: قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ودم مهراق وليس فيه دليل، فإن هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة، وقد كان الأخطل نصرانيا، وكان سبب موت بشر أنه وقعت القرحة في عينه فقيل له يقطعها من المفصل فجزع فما أحس حتى خالطت الكتف، ثم أصبح وقد خالطت الجوف ثم مات، ولما احتضر جعل يبكي ويقول: والله لوددت أني كنت عبدا أرعى الغنم في البادية لبعض الاعراب ولم أل ما وليت، فذكر قوله لأبي حازم - أو لسعيد بن المسيب -، فقال: الحمد الله الذي جعلهم عند الموت يفرون إلينا ولم يجعلنا نفر إليهم، إنا لنرى فيهم عبرا، وقال الحسن: دخلت عليه فإذا هو يتململ على سريره ثم نزل عنه إلى صحن الدار، والأطباء حوله. مات بالبصرة في هذه السنة وهو أول أمير مات بها، ولما بلغ عبد الملك موته حزن عليه وأمر الشعراء أن يرثوه والله أعلم. ثم دخلت سنة خمس وسبعين ففيها غزا محمد بن مروان - أخو عبد الملك بن مروان وهو والد مروان الحمار - صائفة الروم

стр. 3217

حين خرجوا من عند مرعش، وفيها ولى عبد الملك نيابة المدينة ليحيى بن [الحكم بن] (١) أبي العاص، وهو عمه، وعزل عنها الحجاج. وفيها ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف نيابة العراق والبصرة والكوفة وما يتبع ذلك من الأقاليم الكبار، وذلك بعد موت يخيه بشر، فرأى عبد الملك أنه لا يسد عنه أهل العراق غير الحجاج لسطوته وقهره وقسوته وشهامته، فكتب إليه وهو بالمدينة ولاية العراق، فسار من المدينة إلى العراق في أثنى عشر راكبا، فدخل الكوفة على حين غفلة من أهلها وكان تحتهم النجائب، فنزل قريب الكوفة فاغتسل واختضب ولبس ثيابه وتقلد سيفه وألقى عذبة العمامة بين كتفيه، ثم سار فنزل دار الامارة، وذلك يوم الجمعة وقد أذن المؤذن الأول لصلاة الجمعة، فخرج عليهم وهم لا يعلمون، فصعد المنبر وجلس عليه وأمسك عن الكلام طويلا، وقد شخصوا إليه بأبصارهم وجثوا على الركب وتناولوا الحصى ليحذفوه بها، وقد كانوا حصبوا الذي كان قبله، فلما سكت أبهتهم وأحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان أول (٢) ما تكلم به أن قال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق، والله إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو الله أن يبتليكم بي، ولقد سقط مني البارحة سوطي الذي أؤدبكم به، فاتخذت هذا مكانه - وأشار إلى سيفه -، ثم قال: والله لآخذن صغيركم بكبيركم، وحركم بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحداد الحديدة، والخباز العجينة. فلما سمعوا كلامه جعل الحصى يتساقط من أيديهم، وقيل إنه دخل الكوفة في شهر رمضان ظهرا فأتى المسجد وصعد المنبر وهو معتجر بعمامة حمراء متلثم بطرفها، ثم قال: علي بالناس! فظنه الناس وأصحابه من الخوارج فهموا به حتى إذا اجتمع الناس قام وكشف عن وجهه اللثام وقال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني (٣) ثم قال: أما والله إني لأحمل الشئ (٤) بحمله، وأحذوه بنعله، وأحزمه (٥) بفتله، وإني لأرى

стр. 3218

رؤوسا قد أينعت وآن (١) اقتطافها، إني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى. قد شمرت عن ساقها فشمري ثم أنشد: - (٢) هذا أو ان الشد فاشتدي زيم … قد لفها الليل بسواق حطم (٣) لست براعي إبل ولا غنم … ولا بجزار على ظهر وضم (٤) [ثم قال] (٥) قد لفها الليل بعصلبي (٦) أروع خراج من الدوي مهاجر ليس بأعرابي ثم قال: إني والله يا أهل العراق ما أغمز بغماز (٧)، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء (٨) وجربت (٩) من الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته ثم عجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا وأصلبها مغمزا (١٠) فوجهني إليكم، فأنتم طالما رتعتم (١١) في أودية الفتن، وسلكتم سبيل الغي (١٢)، واخترتم جدد الضلال (١٣)، أما والله لألحونكم لحي العود،

стр. 3219

ولأعصبنكم عصب السلمة، (١) ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل (٢)، إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت (٣)، فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا، والله لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده. ثم قال: من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب - يعني الذين كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر بن مروان كما تقدم - سفكت دمه وانتهبت ماله، ثم نزل فدخل منزله ولم يزد على ذلك، ويقال إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى أن محمد بن عمير أخذ كفا من حصى وأراد أن يحصبه بها، وقال: قبحه الله ما أعياه وأذمه! فلما نهض الحجاج وتكلم بما تكلم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به، لما يرى من فصاحته وبلاغته. ويقال إنه قال في خطبته هذه (٤): شاهت الوجوه إن الله ضرب (مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) [النحل: ١١٢] وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتى تذروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا، وأقسم بالله لتقبلن على الانصاف ولتدعن الارجاف وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، وإيش الخبر وما الخبر، أو لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى والأولاد يتامى، حتى تمشوا السمهى (٥) وتقلعوا عن هاوها. في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد ليس فيه وعد بخير. فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق، إني سمعت تكبيرا في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب. وقد عصفت عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى، ألا يربع كل رجل منكم على ظلمه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم بالله لا وشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها. قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال: أصلح الله الأمير إنا في هذا البعث

стр. 3220

وأنا شيخ كبير وعليل: وهذا ابني هو أشب مني. قال: ومن أنت؟ قال عمير بن ضابئ التميمي، قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم! قال: ألست الذي غزا عثمان بن عفان؟ قال: بلى قال: وما حملك على ذلك؟ قال: كان حبس أبي وكان شيخا كبيرا، قال أوليس هو الذي يقول: هممت ولم أفعل وكدت وليتني … فعلت ووليت البكاء حلائلا (١) ثم قال الحجاج: إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين، ثم قال قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه، فقام إليه رجل فضرب عنقه وانتهب ماله، وأمر مناديا فنادى في الناس ألا إن عمير بن ضابئ تأخر بعد سماع النداء ثلاثا فأمر بقتله، فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلب، وأخذوا منه كتابا بوصولهم إليه، فقال المهلب: قدم العراق والله رجل ذكر، اليوم قوتل العدو. ويروى أن الحجاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد: أيها الأمير! إن هذا جاء إلى عثمان بعد ما قتل فلطم وجهه (٢)، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله. وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائبا على البصرة من جهته، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، وأقر على قضاء الكوفة شريحا ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى، ثم عاد إلى الكوفة. وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان، وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد الله. وفي هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابئ قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما خطب أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد، ثم أتي برجل من بني يشكر (٣) فقيل هذا عاص، فقال: إن بي فتقا وقد عذرني الله وعذرني بشر بن مروان، وهذا عطائي مردود على بيت المال، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل، ففزع أهل البصرة وخرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز. وعليهم عبد الله بن الجارود، وخرج إليهم الحجاج - وذلك في شعبان من هذه السنة - في أمراء الجيش فاقتتلوا هناك قتالا شديدا، وقتل أميرهم عبد الله بن الجارود في رؤوس من القبائل معه، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من رامهرمز، ثم بعت بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج، وأرسل الحجاج إلى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال، فهربوا إلى أرض كازرون من أقليم سابور، وسار الناس وراءهم

стр. 3221

فالتقوا في العشر الأواخر (١) من رمضان، فلما كان الليل بيت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره، فجاؤوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجوده غير محترز - وكان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل - فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوارج عبد الرحمن بن مخنف وطائفة من جيشه وهزموهم هزيمة منكرة، ويقال إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله من الخوارج، وحملت الخوارج على جيش المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى معسكره، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل، وقتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه ودفنه وكتب إلى الحجاج بمهلكه، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى، وأمر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء، وكتب إليه أن يطيع المهلب، فكره ذلك ولم يجد بدا من طاعة الحجاج، وكره أن يخالفه، فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهرا ويعصيه كثيرا، ثم تقاولا فهم المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكوا المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه وأعفاه من ذلك، وجعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب. وفيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة، فوجه إليه الحجاج أميرا على سرية فقتله. قال ابن جرير: وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس، وكان يرى رأي الصفرية (٢)، وقيل إنه أول من خرج من الصفرية، وكان سبب ذلك أنه حج بالناس في هذه السنة ومعه شبيب بن يزيد، والبطين وأشباههم من رؤوس الخوارج، واتفق حج أمير المؤمنين عبد الملك فهم شبيب بالفتك به، فبلغ عبد الملك ذلك من خبره بعد انصرافه من الحج، فكتب عبد الملك إلى الحجاج أن يتطلبهم، وكان صالح بن مسرح هذا يكثر الدخول إلى الكوفة والإقامة بها، وكان له جماعة يلوذون به ويعتقدونه، من أهل دارا وأرض الموصل، وكان يعلمهم القرآن ويقص عليهم وكان مصفرا كثير العبادة، وكان إذا قص يحمد الله ويثني عليه ويصلي على رسوله، ثم يأمر بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ويحث على ذكر الموت ويترحم على الشيخين أبي بكر وعمر، ويثني عليهما ثناء حسنا، ولكن بعد ذلك يذكر عثمان فيه وينال منه وينكر عليه أشياء من جنس ما كان ينكر عليه الذين خرجوا عليه وقتلوه من فجرة أهل الأمصار، ثم يحض أصحابه على الخروج مع الخوارج للامر

стр. 3222

بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنكار ما قد شاع في الناس وذاع، ويهون عليهم القتل في طلب ذلك، ويذم الدنيا ذما بالغا، ويصغر أمرها ويحقره، فالتفت عليه جماعة من الناس، وكتب إليه شبيب بن يزيد الخارجي يستبطئه في الخروج ويحثه عليه ويندب إليه، ثم قدم شبيب على صالح وهو بدارا فتواعدوا وتوافقوا على الخروج في مستهل صفر من هذه السنة الآتية - وهي سنة ست وسبعين - وقدم على صالح شبيب وأخوه مصاد والمجلل والفضل بن عامر، فاجتمع عليه من الابطال وهو بدارا نحو مائة وعشرة أنفس، ثم وثبوا على خيل لمحمد بن مروان فأخذوها ونفروا بها ثم كان من أمرهم بعد ذلك ما كان، كما سنذكره في هذه السنة التي بعدها إن شاء الله تعالى. وكان ممن توفي فيها في قول أبي مسهر وأبي عبيد: العرباض بن سارية ﵁ السلمي أبو نجيح سكن حمص وهو صحابي جليل، أسلم قديما هو عمرو بن عنبسة ونزل الصفة، وكان من البكائين المذكورين في سورة براءة كما قد ذكرنا أسماءهم عند قوله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) [التوبة: ٩٢] الآية. وكانوا تسعة (١) وهو راوي حديث (خطبنا رسول الله ﷺ خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون) الحديث إلى آخره. ورواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره، وروى أيضا أن النبي ﷺ (كان يصلي على الصف المقدم ثلاثا وعلى الثاني واحدة) وقد كان العرباض شيخا كبيرا، وكان يحب أن يقبضه الله إليه، وكان يدعو: اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك، وروى أحاديث. أبو ثعلبة الخشني صحابي جليل شهد بيعة الرضوان وغزا حنينا وكان ممن نزل الشام بداريا غربي دمشق إلى جهة القبلة، وقيل ببلاط قرية شرقي دمشق فالله أعلم. وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، والأشهر منها جرثوم بن ناشر، وقد روى عن رسول الله ﷺ أحاديث وعن جماعة من الصحابة، وعنه جماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب ومكحول الشامي وأبو إدريس الخولاني، وأبو قلابة الجرمي، وكان ممن يجالس كعب الأحبار، وكان في كل ليلة يخرج فينظر إلى السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد لله ، وكان يقول: إني لأرجو أن لا يخنقني الله عند الموت كما أراكم تختنقون، فبينما هو ليلة يصلي من الليل إذا قبضت روحه وهو ساجد. ورأت ابنته في

стр. 3223

المنام كأن أباها قد مات فانتبهت مذعورة فقالت لأمها أين أبي؟ قالت: هو في مصلاه، فنادته فلم يجبها، فجاءته فحركته فسقط لجنبه فإذا هو ميت ﵀، قال أبو عبيدة ومحمد بن سعد وخليفة وغير واحد: كانت وفاته سنة خمس وسبعين، وقال غيرهم: كانت وفاته في أول إمرة معاوية فالله أعلم. وقد توفي في هذه السنة. الأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود، وهو الأسود بن يزيد النخعي من كبار التابعين، ومن أعيان أصحاب ابن مسعود، ومن كبار أهل الكوفة، وكان يصوم الدهر، وقد ذهبت عينه من كثرة الصوم، وقد حج البيت ثمانين حجة وعمرة. وكان يهل من الكوفة، توفي في هذه السنة، وكان يصوم حتى يخضر ويصفر، فلما احتضر بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: مالي لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟ والله لو أنبئت بالمغفرة من الله لأهابن الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو فلا يزال مستحييا منه. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان كان من سبي عين النمر اشتراه عثمان، وهو الذي كان يأذن الناس على عثمان توفي في هذه السنة والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ست وسبعين كان في أولها في مستهل صفر منها ليلة الأربعاء اجتماع صالح بن مسرح أمير الصفرية، وشبيب بن يزيد أحد شجعان الخوارج، فقام فيهم صالح بن مسرح فأمرهم بتقوى الله وحثهم على الجهاد، وأن لا يقاتلوا أحدا حتى يدعوه إلى الدخول معهم، ثم مالوا إلى دواب محمد بن مروان نائب الجزيرة فأخذوها فنفروا بها، وأقاموا بأرض دارا ثلاثة عشر ليلة، وتحصن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار، فبعث إليهم محمد بن مروان نائب الجزيرة خمسمائة فارس عليهم عدي بن عدي بن عميرة، ثم زاده خمسمائة أخرى فسار في ألف من حران إليهم، وكأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، لما يعلموا من جلد الخوارج وقوتهم وشدة بأسهم، فلما التقوا مع الخوارج هزمتهم الخوارج هزيمة شنيعة بالغة، واحتووا على ما في معسكرهم، ورجع فلهم إلى محمد بن مروان، فغضب وبعث إليهم ألفا وخمسمائة مع الحارث بن جعونة، وألفا وخمسمائة مع خالد بن الحر (١)، وقال لهما: أيكما سبق إليهم فهو الأمير على الناس، فساروا إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، والخوارج في نحو من مائة نفس وعشرة أنفس، فلما انتهوا إلى آمد توجه صالح في شطر الناس إلى خالد بن الحر (١)،

стр. 3224

ووجه شبيبا في الباقي إلى الحارث بن جعونة، فاقتتل الناس قتالا شديدا إلى الليل، فلما كان المساء انكشف كل من الفريقين عن الآخر، وقد قتل من الخوارج نحو السبعين وقتل من أصحاب ابن مروان نحو الثلاثين، وهربت الخوارج في الليل فخرجوا من الجزيرة وأخذوا في أرض الموصل ومضوا حتى قطعوا الدسكرة، فبعث إليهم الحجاج ثلاثة آلاف مع الحارث بن عميرة، فسار نحوهم حتى لحقهم بأرض الموصل (١) وليس مع صالح سوى تسعين رجلا، فالتقى معهم وقد جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس، فهو في كردوس، وشبيب عن يمينه في كردوس، وسويد بن سليمان عن يساره في كردوس، وحمل عليهم الحارث بن عميرة، وعلى ميمنته أبو الرواع الشاكري، وعلى ميسرته الزبير بن الا روح التميمي، فصبرت الخوارج على قلتهم صبرا شديدا، ثم انكشف سويد بن سليمان (٢)، ثم قتل صالح بن مسرح أميرهم، وصرع شبيب عن فرسه فالتف عليه بقية الخوارج حتى احتملوه فدخلوا به حصنا هنالك، وقد بقي معهم سبعون رجلا، فأحاط بهم الحارث بن عميرة وأمر أصحابه أن يحرقوا الباب ففعلوا، ورجع الناس إلى معسكرهم ينتظرون حريق الباب فيأخذون الخوارج قهرا، فما رجع الناس واطمأنوا خرجت عليهم الخوارج على الصعب والذلول من الباب فبيتوا جيش الحارث بن عميرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب الناس سراعا إلى المدائن، واحتاز شبيب وأصحابه ما في معسكرهم، وكان جيش الحارث بن عميرة أول جيش هزمه شبيب، وكان مقتل صالح بن مسرح في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة (٣) من هذه السنة. وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة، وذلك أن شبيبا جرت له فصول يطول تفصيلها بعد مقتل صالح بن مسرح، واجتمعت عليه الخوارج وبايعوه، وبعث إليه الحجاج جيشا آخر فقاتلوه فهزموه ثم هزمهم بعد ذلك، ثم سار فجاز المدائن فلم ينل منهم شيئا، فسار فأخذ دوابا للحجاج من كلوذا، وفي عزمه أن يبيت أهل المدائن فهرب من فيها من الجند إلى الكوفة، فلما وصل فلهم إلى الحجاج جهز جيشا أربعة آلاف مقاتل إلى شبيب، فمروا على المدائن ثم ساروا في طلب شبيب فجعل يسير بين أيديهم قليلا قليلا وهو يريهم أنه خائف منهم، ثم يكر في كل وقت على المقدمة فيكسرها وينهب ما فيها، ولا يواجه أحدا إلا هزمه، والحجاج يلح في طلبه ويجهز إليه السرايا والبعوث والمدد وشبيب لا يبالي بأحد وإن ما معه وستون فارسا، وهذا من أعجب العجب، ثم

стр. 3225

سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة وهو يريد أن يحاصرها، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله (١)، وبلغه ذلك فلم يبال بهم بل انزعج الناس له وخاف منه وفرقوا منه، وهم الجيش أن يدخل الكوفة خوفا منه ويتحصنوا بها منه، حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم (٢) وقد اقترب منهم، وشبيب نازل بالمدائن بالدير ليس عنده حبر منهم ولا خوف، وقد أمر بطعام وشواء أن يصنع له فقيل له: قد جاءك الجند فأدرك نفسك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك ولا يكترث بهم ويقول للدهقان الذي يصنع له الطعام: أجده وأنضجه وعجل به، فلما استوى أكله ثم توضأ وضوءا تاما ثم صلى بأصحابه صلاة تامة بتطويل وطمأنينة، ثم لبس درعه وتقلد سيفين وأخذ عمود حديد ثم قال: أسرجوا لي البغلة، فركبها فقال له أخوه مصاد: اركب فرسا، فقال: لا! حارس كل أمر أجله، فركبها ثم فتح باب الدير الذي هو فيه وهو يقول: أنا أبو المدله لا حكم إلا لله، وتقدم إلى أمير الجيش الذي يليه بالعمود الحديد فقتله، وهو سعيد بن المجالد، وحمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره وهرب الناس من بين يديه ولجأوا إلى الكوفة، ومضى شبيب إلى الكوفة من أسفل الفرات، وقتل جماعة هناك، وخرج الحجاج من الكوفة هاربا إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها، فأعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك فأسرع الحجاج الخروج من البصرة وقصد الكوفة فأسرع السير، وبادره شبيب إلى الكوفة فسبقه الحجاج إليها فدخلها العصر، ووصل شبيب إلى المربد عند الغروب، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة وقصد قصر الامارة فضرب بابه بعموده الحديد فأثرت ضربته في الباب، فكانت تعرف بعد ذلك، يقال هذه ضربة شبيب، وسلك في طرق المدينة وتقصد محال القتال، وقتل رجالا من رؤساء أهل الكوفة وأشرافهم، منهم أبو سليم والد ليث بن أبي سليم، وعدي بن عمرو، وأزهر بن عبد الله العامري، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة، وكان مع شبيب امرأته غزالة (٣)، وكانت معروفة بالشجاعة، فدخلت مسجد الكوفة وجلست على منبره وجعلت تذم بني مروان. ونادى الحجاج في الناس: يا خيل الله اركبي، فخرج شبيب من الكوفة إلى مجال الطعن والضرب، فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل، فساروا وراءه وهو بين أيديهم ينعس ويهز رأسه، وفي أوقات كثيرة يكر عليهم فيقتل منهم جماعة، حتى قتل من جيش الحجاج خلقا كثيرا،
следующие страницы →