← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عن ذلك فقال: " أما علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، رواه مسلم (١). وقولهم النبية كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة ومن بيت الامرة أميرة وإن لم تكن مباشرة شيئا من ذلك فكذا هذه استعارة لها لا أنها نبية حقيقة يوحى إليها وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم، دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد … وهذا مشروع لنا أيضا في حق النساء لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف في أيام منى ورسول الله ﷺ مضطجع مولى ظهره إليهم ووجهه إلى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن (٢)، وقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ فقال: " دعهن يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا ". وهكذا يشرع عندنا في الأعراس، ولقدوم الغياب، كما هو مقرر في موضعه والله أعلم. وذكروا أنهم لما جاوزوا البحر وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك فوجدوا ماء زعاقا أجاجا (٣) لم يستطيعوا شربه فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه فحلا وساغ شربه وعلمه الرب هنالك فرائض وسننا ووصاه وصايا كثيرة. وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) [الأعراف: ١٣٨]. قالوا هذا الجهل والضلال وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال والاكرام، وذلك أنهم مروا على قوم (٤) يعبدون أصناما قيل كانت على صور البقر فكأنهم سألوهم لم يعبدونها فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم في ذلك فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة فقال لهم مبينا لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. ثم ذكرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع والرسول الذي بين أظهرهم وما أحسن به إليهم وما أمتن به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد وإهلاكه إياه وهم ينظرون وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملأه يجمعونه من الأموال والسعادة، وما كانوا يعرشون (٥)، وبين لهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده لا شريك له، لأنه الخالق الرازق القهار، وليس كل بني إسرائيل سأل هذا السؤال

стр. 317

بل هذا الضمير عائذ على الجنس في قوله (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) [الأعراف: ١٣٨] أي قال بعضهم (١) كما في قوله (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا) [الكهف: ٤٧ - ٤٨] فالذين زعموا هذا، بعض الناس، لا كلهم، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد (٢) الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون (٣) سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها فقال نبي الله ﷺ : " الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة انكم تركبون سنن الذين من قبلكم " (٤). ورواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن الزهري به. ثم قال حسن صحيح. وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق ومعمر وعقيل عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي، أنهم خرجوا من مكة، مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، قال وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط (٥) قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال: " قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ". والمقصود أن موسى ﵇ لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوما من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم فأمرهم موسى ﵇ بالدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس، فإن الله كتبه لهم، ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل، وموسى الكليم الجليل، فأبوا، ونكلوا عن الجهاد، فسلط الله عليهم

стр. 318

الخوف، وألقاهم في التيه، يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون، في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون. كما قال الله تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين. يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فانا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين. قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين) [المائدة: ٢٠ - ٢٦] يذكرهم نبي الله نعمة الله عليهم، إحسانه عليهم بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله، ومقاتلة أعدائه فقال (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة (١) التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم) أي تنكصوا على أعقابكم وتنكلوا على قتال أعدائكم (فتنقلبوا خاسرين) أي فتخسروا بعد الربح وتنقصوا بعد الكمال (قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين) أي عتاة كفرة متمردين (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا فانا داخلون) خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون، وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسا وأكثر جمعا وأعظم جندا وهذا يدل على أنهم ملومون في هذه المقالة ومذومون على هذه الحالة من الذلة عن مصاولة الأعداء ومقاومة المردة الأشقياء. وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا آثارا فيها مجازفات كثيرة باطلة، يدل العقل والنقل على خلافها، من أنهم كانوا أشكالا هائلة ضخاما جدا حتى إنهم ذكروا أن رسل بني إسرائيل لما قدموا عليهم، تلقاهم رجل من رسل الجبارين، فجعل يأخذهم واحدا واحدا ويلفهم في أكمامه وحجزة سراويله، وهم إثنا عشر رجلا فجاء بهم، فنثرهم بين يدي ملك الجبارين، فقال: ما هؤلاء؟ ولم يعرف أنهم من بني آدم حتى عرفوه وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقية لها (٢). وأن الملك بعث معهم عنبا كل عنبة تكفي الرجل، وشيئا من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم وهذا ليس بصحيح. وذكروا ههنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع هكذا ذكره البغوي وغيره، وليس بصحيح، كما قدمنا بيانه عند قوله ﷺ : " إن الله خلق آدم

стр. 319

طوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ". قالوا فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى فجاء طائر فنقر تلك الصخرة، فخرقها فصارت طوقا في عنق عوج بن عنق (١). ثم عمد موسى إليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع وبيده عصاه، وطولها عشره أذرع، فوصل إلى كعب قدمه فقتله. يروى هذا عن عوف البكالي ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفي اسناده إليه نظر … ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل، فإن الاخبار الكذبة قد كثرت عندهم ولا تميز لهم بين صحتها وباطلها. ثم لو كان هذا صحيحا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله على نكولهم، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم، ومخالفتهم رسولهم، وقد أشار عليهم رجلان صالحان، منهم بالاقدام ونهياهم عن الاحجام … ويقال إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا (٢) قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس وغير واحد (قال رجلان من الذين يخافون) أي يخافون الله وقرأ بعضهم يخافون أي يهابون (أنعم الله عليهما) أي بالاسلام والايمان والطاعة والشجاعة (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) أي إذا توكلتم على الله، واستعنتم به، ولجأتم إليه، نصركم على عدوكم، وأيدكم عليهم وأظفركم بهم. (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون) فصمم ملاؤهم على النكول عن الجهاد، ووقع أمر عظيم ووهن كبير. فيقال إن يوشع وكالب لما سمعا هذا الكلام شقا ثيابهما، وإن موسى وهارون سجدا إعظاما لهذا الكلام وغضبا لله ، وشفقة عليهم من وبيل هذه المقالة (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) [المائدة: ٣٥] قال ابن عباس (اقض بيني وبينهم). (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين) [المائدة: ٣٠] عوقبوا على نكولهم بالتيهان (٣) في الأرض يسيرون إلى غير مقصد ليلا ونهارا وصباحا ومساء ويقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة ولم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع وكالب ﵉. لكن أصحاب محمد ﷺ يوم بدر لم يقولوا

стр. 320

له كما قال قوم موسى لموسى، بل لما استشارهم في الذهاب إلى النفير تكلم الصديق فأحسن [وتكلم غيره] (١) من المهاجرين ثم جعل يقول: " أشيروا علي " حتى قال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن يلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله ﷺ بقول سعد وبسطه ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحمسي، عن طارق - وهو ابن شهاب - أن المقداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون (٢) … وهذا إسناد جيد من هذا الوجه وله طرق أخرى. قال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهدا لان أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى رسول الله ﷺ : وهو يدعو على المشركين فقال (٣): والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله ﷺ : يشرق لذلك وسر بذلك، رواه البخاري في التفسير والمغازي من طرق عن مخارق به (٤). وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسن بن علي، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار (٥) إياكم يريد رسول الله ﷺ قالوا: إذا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى (إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) والذي بعثك بالحق إن ضربت أكبادها (٦) إلى برك الغماد (٧) لاتبعناك رواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد

стр. 321

الطويل، عن أنس به ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد، عن أنس به نحوه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى عن عبد الأعلى بن حماد عن معتمر عن حميد، عن أنس به نحوه (١). [فصل في] (٢) دخول بني إسرائيل التيه وما [جرى لهم] (٢) فيه من الأمور العجيبة قد ذكرنا نكول بني إسرائيل عن قتال الجبارين، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه، وحكم بأنهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنة، ولم أر في كتاب أهل الكتاب قصة نكولهم عن قتال الجبارين، ولكن فيها: أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفة من الكفار، وأن موسى وهارون وخور جلسوا على رأس أكمة، ورفع موسى عصاه، فكلما رفعها انتصر يوشع عليهم، وكلما مالت يده بها من تعب أو نحوه غلبهم أولئك وجعل هارون وخور يدعمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس، فانتصر حزب يوشع ﵇. وعندهم أن " يثرون " كاهن مدين وختن موسى ﵇ بلغه ما كان من أمر موسى وكيف أظفره الله بعدوه فرعون، فقدم على موسى مسلما ومعه ابنته صفورا زوجة موسى وابناها منه، جرشون وعازر فتلقاه موسى وأكرمه، واجتمع به شيوخ بني إسرائيل وعظموه وأجلوه. وذكروا أنه رأى كثرة اجتمع بني إسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالا أمناء أتقياء أعفاء، يبغضون الرشاء والخيانة، فيجعلهم على الناس رؤس مئين، ورؤس خمسين، ورؤس عشرة، فيقضوا بين الناس، فإذا أشكل عليهم أمر جاؤوك ففصلت بينهم ما أشكل عليهم، ففعل ذلك موسى ﵇. قالوا ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء في الشهر الثالث من خروجهم من مصر وكان خروجهم في أول السنة التي شرعت لهم وهي أول فصل الربيع فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف والله أعلم. قالوا ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء وصعد موسى الجبل فكلمه ربه وأمره أن يذكر بني إسرائيل ما أنعم الله به عليهم من إنجائه إياهم من فرعون وقومه، وكيف حملهم على مثل جناحي نسر من يده، وقبضته، وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطهروا، ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم، وليستعدوا إلى اليوم الثالث، فإذا كان في اليوم الثالث، فليجتمعوا حول الجبل، ولا يقتربن أحد منهم إليه، فمن دنا منه قتل حتى ولا شئ من البهائم، ما داموا يسمعون صوت القرن (٣)، فإذا سكن القرن، فقد حل لكم أن ترتقوه فسمع بنو إسرائيل ذلك

стр. 322

وأطاعوا واغتسلوا وتنظفوا وتطيبوا، فلما كان اليوم الثالث ركب (١) الجبل غمامة عظيمة وفيها أصوات وبروق وصوت الصور شديد جدا ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعا شديدا، وخرجوا فقاموا في سفح الجبل، وغشي الجبل دخان عظيم، في وسطه عمود [من] (٢) نور، وتزلزل الجبل كله، زلزلة شديدة واستمر صوت الصور وهو البوق واشتد وموسى ﵇ فوق الجبل والله يكلمه ويناجيه، وأمر الرب موسى أن ينزل، فأمر بني إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصية الله ويأمر الأحبار - وهم علمائهم - أن يدنوا فيصعدوا الجبل ليتقدموا بالقرب وهذا نص في كتابهم على وقوع النسخ لا محالة فقال موسى: يا رب إنهم لا يستطيعون أن يصعدوه، وقد نهيتهم عن ذلك، فأمره الله تعالى أن يذهب، فيأتي معه بأخيه هارون وليكن الكهنة - وهم العلماء - والشعب - وهم بقية بني إسرائيل غير بعيد - ففعل موسى وكلمه ربه فأمره حينئذ بالعشر كلمات. وعندهم أن بني إسرائيل سمعوا كلام الله ولكن لم يفهموا حتى فهمهم موسى وجعلوا يقولون لموسى بلغنا أنت عن الرب فإنا نخاف أن نموت، فبلغهم عنه، فقال: هذه العشر الكلمات: وهي الامر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الحلف بالله كاذبا، والامر بالمحافظة على السبت، ومعناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة … وهذا حاصل بيوم الجمعة الذي نسخ الله به السبت. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض، الذي يعطيك الله ربك، لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تمد عينك إلى بيت صاحبك، ولا تشته امرأة صاحبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا من الذي لصاحبك. ومعناه النهي عن الحسد. وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن وهما قوله تعالى في سورة الأنعام (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الآية) [الانعام: ١٥١ - ١٥٣] وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة، وأحكاما متفرقة عزيزة، كانت فزالت، وعمل بها حينا من الدهر … ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ثم عمدوا إليها فبدلوها وحرفوها، وأولوها. ثم بعد ذلك كله سلبوها فصارت منسوخة مبدلة، بعد ما كانت مشروعة مكملة، فلله الامر من قبل ومن بعد،

стр. 323

وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ألا له الخلق والامر، تبارك الله رب العالمين. وقد قال الله تعالى (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى. وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) [طه: ٨٠ - ٨٢] بذكر تعالى منته وإحسانه إلى بني إسرائيل، بما أنجاهم من أعدائهم وخلصهم من الضيق والحرج وأنه وعدهم صحبة نبيهم إلى جانب الطور الأيمن، أي منهم لينزل عليه أحكاما عظيمة (١) فيها مصلحة لهم، في دنياهم وأخراهم وأنه تعالى أنزل عليهم في حال شدتهم (٢) وضرورتهم في سفرهم في الأرض. التي ليس فيها زرع ولا ضرع، منا من السماء، يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم، فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى مثله من الغد، ومن ادخر منه لأكثر من ذلك فسد. ومن أخذ منه قليلا. كفاه، أو كثيرا لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز، وهو في غاية البياض والحلاوة فإذا كان من آخر النهار غشيهم طير السلوى فيقتنصون منه بلا كلفة ما يحتاجون إليه حسب كفايتهم لعشاهم … وإذا كان فصل الصيف ظلل الله عليهم الغمام وهو السحاب الذي يستر عنهم حر الشمس وضوؤها الباهر. كما قال تعالى في سورة البقرة (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون) [البقرة: ٤٠ - ٤١] إلى أن قال (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم. بلاء من ربكم عظيم. وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون. وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون. وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون. وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم. وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون. وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [البقرة: ٤٩ - ٥٧] إلى أن قال (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين. وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها

стр. 324

وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) [البقرة: ٦٠ - ٦١] فذكر تعالى إنعامه عليهم وإحسانه إليهم بما يسر لهم من المن والسلوى طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعي لهم فيه بل ينزل الله المن باكرا (١) ويرسل عليهم طير السلوى عشيا وأنبع الماء لهم بضرب موسى ﵇ حجرا كانوا يحملونه معهم بالعصا فتفجر منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين منه تنبجس … ثم تتفجر ماءا زلالا فيستقون ويسقون دوابهم ويدخرون كفايتهم. وظلل عليهم الغمام من الحر … وهذه نعم من الله عظيمة وعطيات جسيمة فما رعوها حق رعايتها ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها ثم ضجر كثير [منهم] (٢) منها وتبرموا بها وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها (٣) وعدسها وبصلها. فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة وعنفهم قائلا (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم) [البقرة: ٦١] أي هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها وإذا هبطتم إليها أي ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها تجدوا بها ما تشتهون وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية والأغذية الردية (٤) ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك ههنا ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه كما قال تعالى (ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد

стр. 325

هوى) [طه: ٨١. أي فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار وقد حل عليه غضب الملك الجبار ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب وتاب (١) ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد فقال (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) [طه: ٨٢]. سؤال الرؤية قال تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا. فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين. قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذونها بأحسنها سأريكم دار الفاسقين سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق. وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا. ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٧]. قال جماعة من السلف منهم ابن عباس ومسروق ومجاهد: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة. فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر، وفي مثله أكمل الله لمحمد ﷺ دينه وأقام حجته وبراهينه. والمقصود أن موسى ﵇ لما استكمل الميقات. وكان فيه صائما يقال إنه لم يستطعم الطعام، فلما كمل الشهر أخذ لحا (٢) شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه، فأمر الله أن يمسك عشرا أخرى، فصارت أربعين ليلة. ولهذا ثبت في الحديث: " أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " (٣). فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون، المحبب المبجل الجليل، وهو ابن أمه وأبيه، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه، فوصاه، وأمره وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة، قال الله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا) أي في الوقت الذي أمر بالمجئ فيه (وكلمه ربه) أي كلمه الله من وراء حجاب، إلا أنه أسمعه الخطاب، فناداه وناجاه، وقربه وأدناه، وهذا مقام رفيع ومعقل منيع، ومنصب شريف ومنزل منيف، فصلوات الله عليه تترى، وسلامه عليه في الدنيا

стр. 326

والأخرى … ولما أعطى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية، وسمع الخطاب، سأل رفع الحجاب، فقال للعظيم الذي لا تدركه الابصار القوي البرهان: (ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني). ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه ﵎ لان الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا وأشد ثباتا من الانسان، لا يثبت عند التجلي من الرحمان ولهذا قال (ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني). وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده (١) وفي الصحيحين (٢) عن أبي موسى عن رسول الله ﷺ أنه قال " حجابه النور. وفي رواية النار (٣) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " (٤). وقال ابن عباس في قوله تعالى (لا تدركه الابصار) ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى لشئ لا يقوم له شئ ولهذا قال تعالى (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين). قال مجاهد (ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) فإنه أكبر منك وأشد خلقا فلما تجلى ربه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا … وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه ابن جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت. زاد ابن جرير وليث عن أنس أن رسول الله ﷺ قرأ: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) قال هكذا بإصبعه ووضع للنبي ﷺ الابهام على المفصل الاعلى من الخنصر، فساخ الجبل لفظ ابن جرير. وقال السدي عن عكرمة وعن ابن عباس ما تجلى يعني من العظمة إلا قدر الخنصر، فجعل الجبل دكا قال ترابا (وخر موسى صعقا) أي مغشيا عليه وقال قتادة ميتا. والصحيح الأول لقوله (فلما أفاق) فإن الإفاقة إنما تكون عن غشى قال (سبحانك) تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد (تبت إليك) أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية (وأنا أول المؤمنين) أنه لا يراك حي إلا مات ولا يابس إلا

стр. 327

تدهده. وقد ثبت في الصحيحين (١) من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور " لفظ البخاري وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاري حين قال لا والذي اصطفى موسى على البشر فقال رسول الله: " لا تخيروني من بين الأنبياء " (٢). وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه وفيه: " لا تخيروني على موسى " (٣) وذكر تمامه. وهذا من باب الهضم والتواضع أو نهي عن التفصيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية أوليس هذا إليكم بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات وليس ينال هذا بمجرد الرأي بل بالتوقيف. ومن قال: إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ثم نسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم ففي قوله نظر، لان هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخرا فيبعد أنه لم يعلم بهذا، إلا بعد هذا، والله أعلم، ولا شك أنه صلوات الله وسلامه عليه أفضل البشر، بل الخليفة. قال الله تعالى (وكنتم خير أمة أخرجت للناس) آل عمران: ١١٠] وما كملوا إلا بشرف نبيهم. وثبت بالتواتر عنه، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " (٤) ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون، حتى أولو العزم الأكملون، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم. وقوله ﷺ : " فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش) أي آخذا بها، " فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " (٥) دليل على أن هذا الصعق الذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة، حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده، فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلاء (٦) فيكون أولهم إفاقة محمد خاتم الأنبياء، ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء، فيجد موسى باطشا بقائمة العرش قال الصادق المصدوق: " لا أدري أصعق فأفاق قبلي؟ " أي وكانت صعقته خفيفة، لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق " أو جوزي بصعقة الطور؟ " يعني فلم يصعق بالكلية. وهذا فيه شرف كبير لموسى ﵇ من هذه الحيثية. ولا يلزم تفضيله بها مطلقا من كل وجه … ولهذا نبه رسول الله ﷺ على شرفه وفضيلته بهذه الصفة،

стр. 328

لان المسلم لما ضرب وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى ﵇ فبين النبي ﷺ فضيلته وشرفه. وقوله تعالى (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) [الأعراف: ١٤٤] أي في ذلك الزمان، لا ما قبله، لان إبراهيم الخليل أفضل منه، كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم، ولا ما بعده، لان محمدا ﷺ أفضل منهما، كما ظهر شرفه ليلة الاسراء على جميع المرسلين والأنبياء، وكما ثبت أنه قال: " سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق حتى إبراهيم " وقوله تعالى (فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) [الأعراف: ١٤٤] أي فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام، ولا تسأل زيادة عليه، وكن من الشاكرين على ذلك. قال الله تعالى (وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ) [الأعراف: ١٤٥] وكانت الألواح من جوهر نفيس، ففي الصحيح: أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ من الآثام، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام. (فخذها بقوة) أي بعزم ونية صادقة قوية (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) [الأعراف: ١٤٥] أي يضعوهما على أحسن وجوهها وأجمل محاملها (سأريكم دار الفاسقين) أي ستر وعاقبة الخارجين عن طاعتي، المخالفين لامري، المكذبين لرسلي. (سأصرف عن آياتي) عن فهمها وتدبرها، وتعقل معناها، الذي أريد منها ودل عليه مقتضاها (الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) [الأعراف: ١٤٦] أي ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق والمعجزات لا ينقادوا لاتباعها (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) أي لا يسلكوه ولا يتبعوه (وإن يرو سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا) أي صرفناهم عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا، وتغافلهم عنها، وإعراضهم عن التصديق بها، والتفكر في معناها وترك العمل بمقتضاها (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) [الأعراف: ١٤٧]. قصة عبادتهم العجل في غيبة [كليم الله عنهم] (١) قال الله تعالى (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين. ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين. ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقي الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين. قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين. إن الذين اتخذوا العجل سينالهم

стр. 329

غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين. والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) [الأعراف: ١٤٨ - ١٥٤]. وقال تعالى (وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا … وقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى. قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن أفعصيت أمري قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي. قال فاذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما) [طه: ٩٣ - ٩٨] يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل حين ذهب موسى ﵇ إلى ميقات ربه، فمكث على الطور يناجيه ربه، ويسأله موسى ﵇ عن أشياء كثيرة، وهو تعالى يجيبه عنها، فعمد رجل منهم يقال له: هارون السامري (١) فأخذ ما كان استعاره من الحلي فصاغ منه عجلا، وألقى فيه قبضة من التراب، كان أخذها من أثر فرس جبريل حين رآه - يوم أغرق الله فرعون على يديه، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي. ويقال إنه استحال عجلا جسدا أي لحما ودما حيا يخور. قاله قتادة وغيره، وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة، فيرقصون حوله ويفرحون: (فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي) أي فنسي موسى ربه عندنا، وذهب يتطلبه وهو ههنا! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتقدست أسماؤه وصفاته، وتضاعفت آلاؤه وهباته (٢). قال الله تعالى مبينا بطلان ما ذهبوا إليه، وما عولوا عليه من إلهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيوانا بهيما وشيطانا رجيما (أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا) وقال (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم

стр. 330

سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين) [الأعراف: ١٤٨] فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ولا يرد جوابا، ولا يملك ضرا ولا نفعا، ولا يهدي إلى رشد، اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم، عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل، والضلال. (ولما سقط في أيديهم) أي ندموا على ما صنعوا (ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين). ولما رجع موسى ﵇ إليهم، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل، ومعه الألواح المتضمنة التوراة ألقاها فيقال إنه كسرها. وهكذا هو عند أهل الكتاب وإن الله أبدله غيرها، وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك، إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين. وعند أهل الكتاب: أنهما كانا لوحين، وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة، ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل فأمره بمعاينة ذلك. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان عن ابن عباس قال قال رسول الله: " ليس الخبر كالمعاينة " (١) ثم أقبل عليهم فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح قالوا إنا (حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري) [طه: ٨٧] تحرجوا من تملك حلي آل فرعون، وهم أهل حرب، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم، ولم يتحرجوا بجهلهم، وقلة علمهم، وعقلهم، من عبادة العجل الجسد الذي له خوار مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهار. ثم أقبل على أخيه هارون ﵉ قائلا له (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن) [طه: ٩٢] أي هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا فقال (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) أي تركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم (قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين) [الأعراف: ١٥١]. وقد كان هارون ﵇ نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي، وزجرهم عنه، أتم الزجر قال الله تعالى (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به) أي إنما قدر الله أمر هذا العجل، وجعله يخور فتنة واختبارا لكم (وإن ربكم الرحمن) أي لا هذا (فاتبعوني) أي فيما أقول لكم (وأطيعوا أمري. قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) [طه: ٩٠ - ٩١] يشهد الله لهارون ﵇ (وكفى بالله شهيدا) أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه ثم أقبل موسى على السامري (قال ما خطبك يا سامري) أي ما حملك على ما صنعت (قال بصرت بما لم يبصروا به) أي رأيت جبرائيل وهو راكب فرسا (فقبضت قبضة من أثر الرسول) [طه: ٩٦] أي من أثر فرس جبريل. وقد ذكر بعضهم أنه رآه وكلما وطئت بحوافرها على موضع أخضر وأعشب فأخذ من أثر حافرها فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان ولهذا قال (فنبذتها

стр. 331

وكذلك سولت لي نفسي. قال فاذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس) [طه: ٩٦ - ٩٧] وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدا معاقبة له على مسه ما لم يكن له مسه. هذا معاقبة له في الدنيا ثم توعده في الأخرى فقال (وإن لك موعدا لن تخلفه) وقرئ لن نخلفه (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا) [طه: ٩٧] قال فعمد موسى ﵇ إلى هذا العجل فحرقه [قيل] (١) بالنار كما قاله قتادة وغيره. وقيل بالمبارد (٢) كما قاله علي وابن عباس وغيرهما وهو نص أهل الكتاب ثم ذراه في البحر وأمر بني إسرائيل فشربوا فمن كان من عابديه علق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه، وقيل بل اصفرت ألوانهم ثم قال تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لهم (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما) [طه: ٩٨] وقال تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) [الأعراف: ١٥٢] وهكذا وقع وقد قال بعض السلف (وكذلك نجزي المفترين) مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيامة. ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه بتوبته عليه فقال (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) [الأعراف: ١٥٣] لكن لم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل كما قال تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) [البقرة: ١٥٤] فيقال إنهم أصبحوا يوما وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف وألقى الله عليهم ضبابا (٣) حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه. ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم فيقال إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا. ثم قال تعالى (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) [الأعراف: ١٥٤] استدل بعضهم بقوله وفي نسختها على أنها تكسرت وفي هذا الاستدلال نظر وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت والله أعلم. وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون كما سيأتي أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر وما هو ببعيد لأنهم حين خرجوا (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) [الأعراف: ١٣٨]. وهكذا عند أهل الكتاب فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف. ثم ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة. (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة

стр. 332

قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) [الأعراف: ١٥٥ - ١٥٧] ذكر السدي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني إسرائيل ومعهم موسى وهارون ويوشع (١) وناذاب وابيهوا ذهبوا مع موسى ﵇ ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل. وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعمود النور ساطع وصعد موسى الجبل. فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله. وهذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين وحملوا عليه قوله تعالى (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) [البقرة: ٧٥] وليس هذا بلازم لقوله تعالى (فأجره حتى يسمع كلام الله) أي مبلغا. وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغا من موسى ﵇ وزعموا أيضا أن السبعين رأوا الله وهذا غلط منهم لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة كما قال تعالى (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) [البقرة: ٥٥] وقال ههنا (فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي الآية) [الأعراف: ١٥٥] قال محمد بن إسحاق اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير. وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا باذن منه وعلم فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله فقال: أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل في الغمام وقال للقوم: أدنوا وكان موسى إذا كلمة الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمر وينهاه افعل ولا تفعل … فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا)

стр. 333

أي لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء (١) الذين عبدوا العجل منا فإنا براء مما عملوا. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل وقوله (إن هي إلا فتنتك) أي اختبارك وابتلاؤك وامتحانك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف. يعني أنت الذي قدرت هذا وخلقت ما كان من أمر العجل اختبارا تختبرهم به كما (قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به) [طه: ٩٠] أي اختبرتم ولهذا قال (تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) أي من شئت أضللته باختبارك إياه ومن شئت هديته … لك الحكم والمشيئة ولا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت (أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك) [الأعراف: ١٥٥ - ١٥٦] أي تبنا إليك ورجعنا وأنبنا قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية وإبراهيم التيمي والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد وهو كذلك في اللغة. (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ) أي أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور التي أخلقها وأقدرها (ورحمتي وسعت كل شئ) كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي " (٢) (فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) [الأعراف: ١٥٦] أي فسأوحيها حتما لمن يتصف بهذه الصفات (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الآية) [الأعراف: ١٥٧] وهذا فيه تنويه بذكر محمد ﷺ وأمته من الله لموسى ﵇ في جملة ما ناجاه به وأعلمه وأطلعه عليه … وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها في التفسير بما فيه كفاية ومقنع ولله الحمد والمنة. وقال قتادة قال موسى يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها وكان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا عن الأمم قال رب اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير وإن الله أخذ صدقاتكم من

стр. 334

غنيكم لفقيركم قال رب فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال رب فإني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعماية ضعف قال رب اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد. قال ربي إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد … قال قتادة فذكر لنا أن موسى ﵇ نبذ الألواح وقال اللهم اجعلني من أمة أحمد. وقد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى ﵇ وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث والآثار بعون الله وتوفيقه وحسن هدايته ومعونته وتأييده. قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان في صحيحه: ذكر سؤال كليم الله ربه عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة " أخبرنا عمر بن سعيد الطائي ببلخ (١) حدثنا حامد بن يحيى البلخي، حدثنا سفيان، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن أبجر شيخان صالحان [قالا]: سمعنا الشعبي يقول: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر عن النبي ﷺ : " إن موسى ﵇ سأل ربه : أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ فقال: رجل يجيئ بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال [له] أدخل الجنة. فيقول: كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخاذاتهم (٢)؟ فيقال له: [أ] ترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم أي رب، فيقال: لك هذا ومثله ومثله فيقول: أي رب رضيت، فيقال له: لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك. وسأل ربه: أي أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال: سأحدثك عنهم، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " … ومصداق ذلك في كتاب الله (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين الآية) وهكذا رواه مسلم والترمذي (٣) كلاهما عن ابن أبي عمر عن سفيان - وهو ابن عيينة - به ولفظ مسلم: " فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب فيقول (٤): لك ذلك ومثله ومثله ومثله، فيقول في الخامسة: رضيت رب فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله. ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرس (٥) كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين

стр. 335

ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر (١) " قال ومصداقه (٢) من كتاب الله (فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧] وقال الترمذي حسن صحيح. قال: ورواه بعضهم عن الشعبي عن المغيرة فلم يرفعه، والمرفوع أصح. وقال ابن حبان: " ذكر سؤال الكليم ربه عن خصال سبع ": حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم ببيت المقدس، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " سأل موسى ربه عن ست خصال كان يظن أنها له خالصة، والسابعة لم يكن موسى يحبها: قال: يا رب أي عبادك اتقى؟ قال: الذي يذكر ولا ينسى. قال: فأي عبادك أهدى؟ قال: الذي يتبع الهدى. قال: فأي عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه. قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: عالم لا يشبع من العلم، يجمع علم الناس إلى علمه. قال: فأي عبادك أعز؟. قال: الذي إذا قدر غفر. قال: فأي عبادك أغنى؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى. قال: فأي عبادك أفقر؟ قال: صاحب منقوص ". قال رسول الله ﷺ : " ليس الغنى عن ظهر إنما الغنى غنى النفس "، وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه، وإذا أراد بعبد شرا جعل فقره بين عينيه " (٣). قال ابن حبان قوله " صاحب منقوص " يريد به منقوص حالته يستقل ما أوتي ويطلب الفضل. وقد رواه ابن جرير في تاريخه عن ابن حميد عن يعقوب [القمي عن هارون بن عنترة] (٤) عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه فذكر نحوه وفيه: " قال: أي رب فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يجد (٥) كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى. قال: أي رب فهل في الأرض أحد أعلم مني؟ قال: نعم [قال: رب فمن هو؟ قال]: (٦) الخضر. فسأل السبيل إلى لقيه. فكان ما سنذكره بعد إن شاء الله وبه الثقة.

стр. 336

حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، أنه قال: " إن موسى قال: أي رب عبدك المؤمن مقتر عليه في الدنيا. قال: ففتح له باب من الجنة فنظر إليها قال يا موسى: هذا ما أعددت له. فقال موسى: يا رب وعزتك وجلالك لو كان مقطع اليدين والرجلين يسحب على وجهه، منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير بؤسا قط. قال: ثم قال: أي رب عبدك الكافر موسع عليه في الدنيا. قال: ففتح له باب إلى النار فيقول: يا موسى هذا ما أعددت له فقال: أي رب وعزتك وجلالك لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير خيرا قط " (١). تفرد به أحمد من هذا الوجه. وفي صحته نظر والله أعلم. وقال ابن حبان: " ذكر سؤال كليم الله ربه جل وعلا أن يعلمه شيئا يذكره به " حدثنا ابن سلمة، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث إن دراجا حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: " قال موسى: " يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به " قال: قل يا موسى (لا إله إلا الله) قال: يا رب كل عبادك يقول هذا. قال: قل لا إله إلا الله. قال: إنما أريد شيئا تخصني به. قال: يا موسى لو أن أهل السماوات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله " (٢). ويشهد لهذا الحديث البطاقة. وأقرب شئ إلى معناه الحديث المروي في السنن عن النبي ﷺ أنه: " قال أفضل الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير) (٣) وقال ابن أبي حاتم عند تفسير آية الكرسي: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدسكي، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى: هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله فناداه ربه: يا موسى سألوك هل ينام ربك؟ فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السماوات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك. قال: وأنزل الله على رسوله آية الكرسي. وقال ابن

стр. 337

جرير حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر قال: " وقع في نفس موسى ﵇ هل ينام الله ؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين. في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام وكادت يداه تلتقيان - فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان قال: ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم يستمسك السماء والأرض ". وهذا حديث غريب رفعه. والأشبه أن يكون موقوفا. وأن يكون أصله إسرائيليا. وقال الله تعالى (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون. ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) [البقرة: ٦٣ - ٦٤] وقال تعالى (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) [الأعراف ١٧١] قال ابن عباس وغير واحد من السلف لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة أمرهم بقبولها والاخذ بها بقوة وعزم فقالوا: أنشرها علينا، فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها، فقال: بل اقبلوها بما فيها، فراجعوه مرارا فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل على رؤوسهم حتى صار كأنه ظلة أي غمامة على رؤوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها وإلا سقط هذا الجبل عليكم، فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود، فسجدوا فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم، فصارت سنة لليهود إلى اليوم، يقولون لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب. وقال سنيد بن داود، عن حجاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله قال: فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس على وجه الأرض يهودي صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه. قال الله تعالى (ثم توليتم من بعد ذلك) أي ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم والامر الجسيم نكثتم عهودكم ومواثيقكم (فلولا فضل الله عليكم ورحمته) بأن تدارككم بالارسال إليكم وإنزال الكتب عليكم (لكنتم من الخاسرين). قصة بقرة بني إسرائيل قال الله تعالى (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا اتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون. قالوا دع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها. قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون. وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم

стр. 338

تعقلون) [البقرة: ٦٧ - ٧٣] قال ابن عباس وعبيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والسدي وغير واحد من السلف: كان رجل (١) في بني إسرائيل كثير المال، وكان شيخا كبيرا، وله بنو أخ وكانوا يتمنون موته ليرثوه، فعمد أحدهم فقتله في الليل وطرحه في مجمع الطرق، ويقال على باب رجل منهم، فلما أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم، فقالوا ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله، فجاء ابن أخيه فشكى أمر عمه إلى (٢) رسول الله موسى ﵇ فقال موسى ﵇: أنشد الله رجلا عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به فلم يكن عند أحد منهم علم منه، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه فسأل ربه في ذلك فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة؟ فقال: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا) يعنون نحن نسأل عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول هذا (قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) أي أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحى إلي. وهذا هو الذي أجابني حين سألته عما سألتموني عنه أن أسأله فيه. قال ابن عباس وعبيدة ومجاهد وعكرمة والسدي وأبو العالية وغير واحد فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم، وقد ورد فيه حديث مرفوع. وفي إسناده ضعف فسألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنها فأجيبوا بما عز وجوده عليهم، وقد ذكرنا في تفسير ذلك كله في التفسير. والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان وهي الوسط بين النصف (٣)، الفارض وهي الكبيرة (٤)، والبكر وهي الصغيرة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة. ثم شددوا وضيقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها فأمروا بصفراء فاقع لونها أي مشرب بحمرة تسر الناظرين … وهذا اللون عزيز. ثم شددوا أيضا (فقالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون) ففي الحديث المرفوع الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه: " لولا أن بني إسرائيل استثنوا لما أعطوا (٥) وفي صحته نظر، والله أعلم (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها. قالوا ألآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) وهذه الصفات أضيق مما تقدم حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذلول وهي المذللة بالحراثة وسقي الأرض بالسانية مسلمة وهي

стр. 339

الصحيحة، التي لا عيب فيها; قاله أبو العالية وقتادة. وقوله (لا شية فيها) أي ليس فيها لون يخالف لونها بل هي مسلمة من العيوب ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها فلما حددها بهذه الصفات وحصرها بهذه النعوت والأوصاف (قالوا الآن جئت بالحق) ويقال إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارا بأبيه فطلبوها منه، فأبى عليهم، فأرغبوه في ثمنها حتى أعطوه فيما ذكره السدي بوزنها ذهبا فأبى عليهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات، فباعها منهم فأمرهم نبي الله موسى بذبحها (فذبحوها وما كادوا يفعلون) أي وهم يترددون في أمرها. ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها. قيل بلحم فخذها. وقيل بالعظم الذي يلي الغضروف. وقيل بالبضعة التي بين الكتفين فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو يشخب أوداجه فسأله نبي الله من قتلك قال قتلني ابن أخي. ثم عاد ميتا كما كان، قال الله تعالى (كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) [البقرة: ٧٣] أي كما شاهدتم إحياء هذا القتيل عن امر الله له كذلك أمره في سائر الموتى إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة كما قال (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة الآية) [لقمان: ٢٨]. قصة موسى والخضر ﵉ قال الله تعالى (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا. فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا. قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا. فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما. قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا. قال إنك لن تستطيع معي صبرا. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها. قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عزرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا. قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غضبا. وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من

стр. 340

ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) [الكهف: ٦٠ - ٨٢]. قال بعض أهل الكتاب إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي. ويقال إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب الأحبار … والصحيح (١) الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه أنه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل. قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس كذب عدو الله. حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل (٢) فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتا فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه، فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا. وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ. نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد (قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) [الكهف: ٦٢] ولم يجد موسى النصب (٣) حتى جاوز المكان الذي آمره الله به [قال] له فتاه: (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا) [الكهف: ٦٣] قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا (قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا) قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وإني بأرضك السلام قال أنا موسى فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا (قال إنك لن تستطيع معي صبرا) يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه فقال (ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا) قال له الخضر (فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا) فانطلقا يمشيان على ساحل البحر [ليس لهما سفينة] فمرت

стр. 341

[بهما] سفينة فكلمهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر [فحملوهما] بغير نول. فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم حملونا بغير نول (١) عمدت إلى سفينتهم فخرقتها (لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) قال: وقال رسول الله ﷺ وكانت الأولى من موسى نسيانا قال: " وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى (أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا) قال وهذه أشد من الأولى (قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) قال: مائل. فقال الخضر بيده (فأقامه) فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا (لو شئت لا تخذت عليه أجرا. قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) قال رسول الله ﷺ : " وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما " (٢). قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين. ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة عن سفيان بن عيينة بإسناده نحوه. وفيه فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شئ إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين، قال: فتحرك وانسل من المكتل، ودخل البحر فلما استيقظ (قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا) وساق الحديث وقال ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمام الحديث. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه. وغيرهما قد سمعته يحدثه عن

стр. 342

سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني فقلت: أي أبا عباس جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل أما عمرو فقال لي: قال: قد كذب عدو الله، وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " موسى رسول الله قال: ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى، فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله … قيل: بلى قال: أي رب فأين قال بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به قال لي عمرو قال: حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى قال خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كبيرا فذلك قوله (وإذ قال موسى لفتاه) يوشع بن نون. ليست عن سعيد بن جبير قال فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو، هكذا كان أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليان (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) قال وقد قطع الله عنك النصب ليست هذه عن سعيد أخبره فرجعا فوجدا خضرا قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسة خضراء على كبد البحر قال سعيد: مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام من أنت؟ قال: أنا موسى قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال فما شأنك؟ قال: جئتك (لتعلمني مما علمت رشدا) قال أما يكفيك أن التوراة بيديك؟ وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر (حتى إذا ركبا في السفينة) وجدا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصالح. قال فقلنا لسعيد " خضر " قال نعم. لا نحمله بأجر (فخرقها) ووتد فيها وتدا (قال) موسى (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) قال مجاهد منكرا (١) (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) كانت الأولى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا (قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله) قال يعلى قال سعيد وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فاضجعه ثم ذبحه بالسكين (قال أقتلت نفسا زكية) لم تعمل بالخبث (٢) … ابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا (فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه) قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى: حسبت أن سعيدا قال:

стр. 343

فمسحه بيده فاستقام (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) قال سعيد: أجرا نأكله (وكان وراءهم) وكان أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم (١). ملك يزعمون - عن غير سعيد - أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون جيسور (٢) (ملك يأخذ كل سفينة غصبا) فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها. منهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار (كان أبواه مؤمنين) وكان كافرا (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة) لقوله أقتلت نفسا زكية (وأقرب رحما) هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر … وزعم سعيد بن جبير أنه ابن لا جارية وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد إنها جارية … وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطب موسى بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني فأمر أن يلقى هذا الرجل. فذكر نحو ما تقدم وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ كنحو ما تقدم أيضا. ورواه العوفي عنه موقوفا … وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس: هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا قال: نعم. وذكر الحديث وقد تقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد. وقوله (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة) قال السهيلي وهما أصرم وصريم ابنا كاشح. (وكان تحته كنز لهما) قيل كان ذهبا قاله عكرمة، وقيل علما قاله ابن عباس (٣). والأشبه أنه كان لوحا من ذهب مكتوبا

стр. 344

فيه علم. قال البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحرث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش بن عباس الغساني، عن بن حجيرة، عن أبي ذر رفعه قال إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من الذهب مصمت: عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل لا إله إلا الله. وهكذا روي عن الحسن البصري وعمر مولى عفرة وجعفر الصادق نحو هذا وقوله (وكان أبوهما صالحا) وقد قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر. وعلى كل تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته فالله المستعان. وقوله (رحمة من ربك) دليل على أنه كان نبيا وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي وقيل رسول وقيل ولي وأغرب من هذا من قال كان ملكا قلت وقد أغرب جدا من قال هو ابن فرعون وقيل إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة. قال ابن جرير (١): والذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون ويقال: إنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي قيل إنه كان أفريدون، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل. وزعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد وهو باق إلى الآن. وقيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل وقيل اسمه ملكان وقيل أرميا بن خلقيا وقيل كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب قال ابن جرير وقد كان بين أفريدون وبين سباسب (٢) دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب. قال ابن جرير: والصحيح أنه كان في زمن أفريدون واستمر حيا إلى أن أدركه موسى ﵇ وكانت نبوة موسى في زمن منوشهر الذي هو من ولد ايرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عادلا (٣) وهو أول من خندق الخنادق وأول من جعل في كل قرية دهقانا (٤) وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة ويقال إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم (٥) وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكليم البليغ النافع الفصيح ما يبهر العقل ويحير السامع وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل. والله أعلم. وقد قال الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمه ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم الآية) [آل عمران: ٨٤]. فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجئ بعده من الأنبياء وينصره [واستلزم ذلك الايمان وأخذ الميثاق لمحمد ﷺ لأنه خاتم الأنبياء فحق على كل نبي أدركه أن يؤمن به

стр. 345

وينصره] (١). فلو كان الخضر حيا في زمانه، لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر، كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة. وقصارى الخضر ﵇ أن يكون نبيا، وهو الحق، أو رسولا كما قيل أو ملكا فيما ذكر وأياما كان فجبريل رئيس الملائكة، وموسى أشرف من الخضر، ولو كان حيا لوجب عليه الايمان بمحمد ونصرته فكيف إن كان الخضر وليا كما يقوله طوائف كثيرون؟ فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى. ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوما واحدا إلى رسول الله ﷺ ، ولا اجتمع به وما ذكر من حديث التعزية فيه، وإن كان الحاكم قد رواه فإسناده ضعيف والله أعلم وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا. [ذكر الحديث الملقب] (٢) بحديث الفنون المتضمن قصة موسى من أولها إلى آخرها قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في " كتاب التفسير " من سننه عند قوله تعالى في سورة طه (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [طه: ٤٠] حديث الفتون (٣) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا اصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى [لموسى] (٤) (وفتناك فتونا) فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا

стр. 346

ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي (١) كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر واتركوا (٢) بناتهم، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن تفتنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح (٣) فيه الغلمان فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل، حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد [به] (٤) فأوحى الله إليها أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه. فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة مستقي (٥) جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن: إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملته كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقى عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط (أصبح فؤاد أم موسى فارغا) [من] (٦) ذكر كل شئ إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فقالت لهم أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه مني كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت: (قرة عين لي ولك) فقال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله ﷺ : " والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك " فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لان تختار [له] (٧) ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به، فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها فلم يقبل. وأصبحت أم موسى والها، فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه

стр. 347

هل تسمعين له ذكرا؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه (فبصرت به) أخته (عن جنب وهم لا يشعرون) والجنب أن يسمو بصر الانسان إلى شئ بعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات أنا (أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) [فأخذوها] (١) فقالوا ما يدريك ما نصحهم [له] (٢) هل [تعرفينه] (٣) حتى شكوا في ذلك. وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فقالت: نصحهم إله وشفقتهم عليه ورغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا. فأرسلت إليها فأتت بها وبه. فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئا حبه قط، قالت أم موسى: لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا، فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز موعوده، فرجعت إلى بيتها من يومها وأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه. فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم. ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى: أزيريني ابني فوعدتها يوما [تزيرها] (٤) إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها، لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أمينا يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل (٥) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به ونحلت أمه بحسن أثرها عليه. ثم قالت لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه؟ أنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون - يا بن جبير - بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون. فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق، أئت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه! فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه

стр. 348

يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعدما كان هم به، وكان الله بالغا فيه أمره. فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينما موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم [لا يعلم الناس إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على] (١) ما لم يطلع عليه غيره. فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين) [القصص: ١٥] ثم قال (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب) [القصص: ١٦] الاخبار فأتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله من يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه، لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة، ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم (إنك لغوي مبين) فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعدما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي … وقال: (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) وإنما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره. وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم، إلا حسن ظنه بربه ، فإنه قال (عسى ربي ان يهديني سواء السبيل. ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما (ما خطبكما) معتزلتين

стр. 349

لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة تزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما فجعل يغترف (١) من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى فاستظل بشجرة وقال: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا (٢) بطانا فقال: إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته فلما كلمه (قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين) ليس لفرعون ولا قومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته فقالت إحداهما: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) [القصص: ٢٧] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه. وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك. ثم قال لي: أمشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يفعل هذا إلا وهو أمين. فسرى عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت. فقال له هل لك (أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [القصص: ٢٧] ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت السنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا. قال سعيد - هو ابن جبير - فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أدري. فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا؟ وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده; فإنه قضى عشر سنين. فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك؟ قلت: أجل وأولى. فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصى ويده، ما قص الله عليك في القرآن. فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، يكون له ردأ ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فأتاه الله [سؤله] (٣) وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون فأمره أن يلقاه. فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون. فانطلقا جميعا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما. ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: (إنا رسولا ربك) فقال: فمن ربكما؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن. قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه وقال (أئت بآية إن كنت من الصادقين) فألقى عصاه فإذا هي [حية

стр. 350

تسعى] (١) عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها (٢) فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل. ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير برص. ثم ردها فعادت إلى لونها الأول. فاستشار الملا حوله فيما رأى فقالوا له (هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: إجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير، حتى تغلب بسحرك سحرهما. فأرسل إلى المدائن فحشر به كل ساحر متعالم (٢) فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل [هذا الساحر]؟ (٣) قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد [في (٤) الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال: لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شئ أحببتم فتواعدوا (يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) قال سعيد: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الامر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين يعنون موسى وهارون استهزاء بهما فقالوا يا موسى بعد تريثهم بسحرهم (إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين) [الأعراف: ١١٥] قال بل ألقوا (فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه (أن ألق عصاك) فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصى تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان أن تدخل فيه (٥) حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته. فلما عرف السحرة ذلك، قالوا: لو كان هذا سحرا لم يبلغ (٦) من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله تعالى، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه. فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف من غده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد

стр. 351

والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات. كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه (١) على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه … ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصى وانتهى إلى البحر وله قصيف (٢) مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: (إنا لمدركون) إفعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصى فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما [أن] (٣) جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى [البحر] (٤) قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه. ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) [الأعراف: ١٣٨] قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم. ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال: أطيعوا هارون فإن الله قد استخلفه عليكم، فإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى شيئا من نبات (٥) الأرض فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ - وهو أعلم بالذي كان - قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب [عندي] من ريح المسك؟ إرجع فصم عشرا ثم ائتني، ففعل موسى ما أمره به ربه. فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الاجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم فقال: إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع (٦) ولكم فيها مثل ذلك، وأنا

стр. 352

أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون، فقال له هارون: يا سامري ألا تلقي ما في يديك (١)؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك، فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشئ، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون. فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف، ليس فيه روح له خوار. قال ابن عباس لا والله ما كان فيه صوت قط إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق. وقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا (٢) فيه حتى رأيناه وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليسر بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق: بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به. فقال لهم هارون ﵇ (يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن) [طه: ٩٠] ليس هذا. قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا. هده أربعون يوما قد مضت، قال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويبتغيه. فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، (فرجع إلى قومه غضبان أسفا) فقال لهم: ما سمعتم ما في القرآن؟ (وأخذ برأس أخيه يجره إليه) وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له فانصرف إلى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفطنت لها وعميت عليكم فقذفتها (وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا) [طه: ٩٦ - ٩٧] ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا [ربك] أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى [من] قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في الحق، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض.

стр. 353

فاستحيا نبي الله ﵇ من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال: (رب لو شئت لأهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به. فلذلك رجفت بهم الأرض فقال (رحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) فقال يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم (١) فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل [منهم] من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون [أمرهم] واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى ﵇ متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها وفتق (٢) الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، وأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم. ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكر من ثمارهم أمرا عجبا (٣) من عظمها، فقالوا: (يا موسى إن فيها قوما جبارين) لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها (فإن يخرجوا منها فإنا داخلون). (قال رجلان من الذين يخافون) قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم، من الجبارين، آمنا بموسى وخرجنا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فأدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس: إنهم من قوم موسى. فقال الذين يخافون من بني إسرائيل (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم [موسى] فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من محلة - إلا وجدوا

стр. 354

ذلك الحجر [بينهم] بالمكان الذي كان فيه [بالمنزل الأول] (١) بالأمس … رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ﷺ وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس [يحدث] هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل. فقال: كيف يفشى عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع [من] الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره. هكذا ساق هذا الحديث الامام النسائي وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون والأشبه والله أعلم أنه موقوف وكونه مرفوعا فيه نظر. وغالبه متلقى من الإسرائيليات وفيه شئ يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام. وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والأغلب أنه [من] كلام كعب الأحبار وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك [أيضا]، والله أعلم (٢). [ذكر] (٣) بناء قبة الزمان قال أهل الكتاب وقد أمر الله موسى ﵇ بعمل قبة من خشب الشمشاز وجلود الانعام وشعر الأغنام وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضة على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب، ولها عشر سرادقات، طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعا وعرضه أربعة أذرع ولها أربعة أبواب وأطناب من حرير ودمقس مصبغ، وفيها رفوف وصفائح من ذهب وفضة ولكل زاوية بابان وأبواب أخر كبيرة، وستور من حرير مصبغ وغير ذلك مما يطول ذكره. وبعمل تابوت من خشب الشمشاز يكون طوله ذراعين ونصفا، وعرضه ذراعين وارتفاعه ذراعا ونصفا، ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجه، وله أربع حلق في أربع زواياه، ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب - يعنون صفة ملكين بأجنحة، وهما متقابلان صنعه (٤) رجل اسمه بصليال. وأمراه أن يعمل مائدة من خشب الشمشاز طولها ذراعان وعرضها ذراعان ونصف لها ضباب ذهب وإكليل ذهب، بشفة مرتفعة بإكليل من ذهب، وأربع حلق من نواحيها من ذهب، مغرزة في مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا [وأن يعمل] صحافا ومصافي وقصاعا على المائدة، [وأن

стр. 355

يصنع] (١) منارة من الذهب دلى فيها ست قصبات من ذهب، من كل جانب ثلاثة. على كل قصبة ثلاث سرج، وليكن في المنارة أربع قناديل، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب صنع ذلك بصليال أيضا، وهو الذي عمل المذبح أيضا. ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم، وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى (ان آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ان في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) [البقرة: ٢٤٨] وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا (٢)، وفيه شرائع لهم وأحكام وصفة قربانهم، وكيفيته وفيه إن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدم على مجئ بيت المقدس، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلون فيها وإليها، ويتقربون عندها، وأن موسى ﵇ كان إذا دخلها يقفون عندها، وينزل عمود الغمام على بابها، فيخرون عند ذلك سجدا لله . ويكلم الله موسى ﵇ من ذلك العمود الغمام الذي هو نور ويخاطبه ويناجيه، ويأمره وينهاه وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله ، إليه من الأوامر والنواهي. وإذا تحاكموا إليه في شئ ليس عنده من الله فيه شئ يجئ إلى قبة الزمان، ويقف عند التابوت ويصمد لما بين ذينك الكروبيين فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآلئ في معبدهم وعند مصلاهم فأما في شريعتنا فلا بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها لئلا تشغل المصلين كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لما وسع في مسجد رسول الله ﷺ للذي وكله على عمارته: ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس … وقال ابن عباس لنزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم، إذ جمع الله همهم في صلاتهم على التوجه إليه والاقبال عليه، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده، من العبادة العظيمة. فلله الحمد والمنة. وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه، يصلون إليها وهي قبلتهم وكعبتهم وإمامهم كليم الله موسى ﵇، ومقدم القربان أخوه هارون ﵇ … فلما مات هارون ثم موسى ﵉ استمر بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم، من أمر القربان وهو فيهم إلى الآن. وأقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الامر بعده فتاه يوشع بن نون ﵇، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس كما سيأتي بيانه. والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون إليها، فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي الصخرة، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله ﷺ ، وقد صلى إليها رسول الله ﷺ
следующие страницы →