إبراهيم ﵇ أيها الملك المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولا لتبني البنيان، وإنما بعثتك لترفع لي دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر.
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: أن ذا القرنين قال لبعض الملوك: ما بال ملتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟ قال: من قبل أنا لا نخادع ولا يغتاب بعضنا بعضا. وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه قال: ثلاث من كن فيه أصاب البر، سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سلمة بن شبيب حدثنا سهل بن عاصم عن سلمة بن ميمون عن المعافى بن عمران عن إدريس قال: سمعت وهبا يقول: كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أنهما مشيا على الماء، فبينما هم يمشيان على البحر إذا هما برجل يمشي في الهواء، فقالا له: يا عبد الله بأي شئ أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسير من البر فعلته، ويسير من الشر تركته، فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه خالقي، ولزمت الصمت فإن أقسمت على الله أبر قسمي، وإن سألته أعطاني. وقال: حدثني أبو العباس البصري الأزدي عن شيخ من الأزد. قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال: علمني شيئا ينفعني الله به، قال: أكثر من ذكر الموت، وأقصر أملك، وخصلة ثالثة إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى، وظفرت بالعبادة الكبرى قال: وما هي؟ قال: التوكل.
وممن توفي فيها من الأعيان:
سليمان بن سعد
كان جميلا فصيحا عالما بالعربية، وكان يعلمها الناس هو وصالح بن عبد الرحمن الكاتب، وتوفي صالح بعده بقليل، وكان صالح فصيحا جميلا عارفا بكتابة الديوان، وبه يخرج أهل العراق من كتابة الديوان وقد ولاه سليمان بن عبد الملك خراج العراق.
أم الهذيل
لها روايات كثيرة، وقد قرأت القرآن وعمرها اثنتي عشرة سنة، وكانت فقيه عالمة، من خيار النساء، عاشت سبعين سنة.
عائشة بنت طلحة بن عبد الله التميمي
أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، تزوجت بابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ثم تزوجت بعده بمصعب بن الزبير، وأصدقها مائة ألف دينار، وكانت بارعة الجمال، عظيمة الحسن لم يكن في زمانها أجمل منها. توفيت بالمدينة.
стр. 3537
عبد الله بن سعيد بن جبير
له روايات كثيرة، وكان من أفضل أهل زمانه.
عبد الرحمن بن أبان
ابن عثمان بن عفان. له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة.
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى (١)، حتى بلغ قيسارية من بلاد الروم. وفيها عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله السلمي عن إمرة خراسان وولى عليها الجنيد بن عبد الرحمن، فلما قدم خراسان تلقته خيول الأتراك منهزمين من المسلمين، وهو في سبعة آلاف فتصافوا واقتتلوا قتالا شديدا، وطمعوا فيه وفيمن معه لقلتهم بالنسبة إليهم، ومعهم ملكهم خاقان، وكاد الجنيد أن يهلك، ثم أظفره الله بهم فهزمهم هزيمة منكرة، وأسر ابن أخي ملكهم، وبعث به إلى الخليفة. وحج بالناس فيها إبراهيم بن هشام المخزومي، وهو أمير الحرمين والطائف، وأمير العراق خالد القسري، وأمير خراسان الجنيد بن عبد الرحمن المري (٢).
ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح حصونا (٣) من ناحية ملاطية. وفيها سارت الترك من اللان فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمي فيمن معه من أهل الشام وأذربيجان، فاقتتلوا قبل أن يتكامل إليه جيشه، فاستشهد الجراح ﵀ وجماعة معه بمرج أردبيل (٤)، وأخذ العدو أردبيل. فلما بلغ ذلك هشام بن عبد الملك بعث سعيد بن عمرو الحرشي بجيش وأمره بالاسراع إليهم، فلحق الترك وهم يسيرون بأسارى المسلمين نحو ملكهم خاقان، فاستنقذ منهم الأسارى ومن كان معهم من
стр. 3538
نساء المسلمين، ومن أهل الذمة أيضا، وقتل من الترك مقتلة عظيمة جدا، وأسر منهم خلقا كثيرا فقتلهم صبرا، وشفى ما كان تغلث من القلوب، ولم يكتف الخليفة بذلك حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك، فسار إليهم في برد شديد وشتاء عظيم، فوصل إلى باب الأبواب واستخلف عنه أميرا وسار هو بمن معه في طلب الأتراك وملكهم خاقان، وكان من أمره معهم ما سنذكره. ونهض أمير خراسان في طلب الأتراك أيضا في جيش كثيف، فوصل إلى نهر بلخ ووجه إليهم سرية ثمانية عشر ألفا، وأخرى عشرة آلاف يمنة ويسرة، وجاشت الترك وجيشت، فأتوا سمرقند فكتب أميرها (١) إليه يعلمه بهم، وأنه لا يقدر على صون سمرقند منهم، ومعهم ملكهم الأعظم خاقان، فالغوث الغوث. فسار الجنيد مسرعا في جيش كثيف هو نحو سمرقند حتى وصل إلى شعب سمرقند وبقي بينه وبينها أربعة فراسخ، فصحبه خاقان في جمع عظيم، فحمل خاقان على مقدمة الجنيد فانحازوا إلى العسكر والترك تتبعهم من كل جانب، فتراءى الجمعان والمسلمون يتغدون ولا يشعرون بانهزام مقدمتهم وانحيازها إليهم، فنهضوا إلى السلاح واصطفوا على منازلهم، وذلك في مجال واسع، ومكان بارز، فالتقوا وحملت الترك على ميمنة المسلمين وفيها بنو تميم والأزد، فقتل منهم ومن غيرهم خلق كثير، ممن أراد الله كرامته بالشهادة، وقد برز بعض شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم، فناداه منادي خاقان: إن صرت إلينا جعلناك ممن يرقص الصنم الأعظم فنعبدك، فقال: ويحكم، إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، ثم قاتلهم حتى قتل ﵀. ثم تناخى المسلمون وتداعت الابطال والشجعان من كل مكان، وصبروا وصابروا، وحملوا على الترك حملة رجل واحد، فهزمهم الله ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم عطفت الترك عليهم فقتلوا من المسلمين خلقا حتى لم يبق سوى ألفين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقتل يومئذ سودة بن الحر (٢) واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة فحملوهم إلى الملك خاقان فأمر بقتلهم عن آخرهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون وهذه الوقعة يقال لها وقعة الشعب. وقد بسطها ابن جرير جدا. وممن توفي فيها من الأعيان:
رجاء بن حيوة الكندي
أبو المقدام، ويقال أبو نصر، وهو تابعي جليل، كبير القدر، ثقة فاضل عادل، وزير صدق لخلفاء بني أمية، وكان مكحول إذا سئل يقول: سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حياة، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه في الرواية، وله روايات وكلام حسن ﵀.
стр. 3539
شهر بن حوشب الأشعري الحمصي
ويقال إنه دمشقي، تابعي جليل، روى عن مولاته أسماء بنت يزيد بن السكن وغيرها، وحدث عنه جماعة من التابعين وغيرهم، وكان عالما عابدا ناسكا، لكن تكلم فيه جماعة بسبب أخذه خريطة من بيت المال بغير إذن ولي الأمر، فعابوه وتركوه عرضة، وتركوا حديثه وأنشدوا فيه الشعر، منهم شعبة وغيره، ويقال إنه سرق غيرها فالله أعلم. وقد وثقه جماعات آخرون وقبلوا روايته وأثنوا عليه وعلى عبادته ودينه واجتهاده، وقالوا: لا يقدح في روايته ما أخذه من بيت المال إن صح عنه، وقد كان واليا عليه متصرفا فيه فالله أعلم. قال الواقدي: توفي شهر في هذه السنة - أعني سنة اثنتي عشرة ومائة وقيل قبلها بسنة وقيل سنة مائة فالله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم من ناحية مرعش، وفيها صار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان وانتشروا فيها، وقد أخذ أميرهم رجلا منهم فقتله وتوعد غيره بمثل ذلك. وفيها وغل مسلمة بن عبد الملك في بلاد الترك فقتل منهم خلقا كثيرا، ودانت له تلك الممالك من ناحية بلنجر وأعمالها. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هاشم المخزومي، فالله أعلم. ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وممن توفي فيها من الأعيان قال ابن جرير: فيها كان مهلك.
الأمير عبد الوهاب بن بخت
وهو مع البطال عبد الله بأرض الروم قتل شهيدا وهذه ترجمته:
هو عبد الوهاب بن بخت أبو عبيدة ويقال أبو بكر، مولى آل مروان مكي، سكن الشام ثم تحول إلى المدينة، روى عن ابن عمر وأنس وأبي هريرة وجماعة من التابعين. وعنه خلق منهم أيوب ومالك بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله العمري، حديثه عن أنس مرفوعا " نضر الله امرأ سمع مقالتي هذه فوعاها ثم بلغها غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن صدر مؤمن، إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الامر، ولزوم جماعة المسلمين، كأن دعوتهم تحيط من ورائهم ". وروى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ . " إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة ثم لقيه فليسلم عليه ". وقد وثق عبد الوهاب هذا جماعات من أئمة العلماء. وقال مالك: كان كثير الحج والعمرة والغزو، حتى استشهد ولم يكن أحق بما في رحله من رفقائه، وكان سمحا جوادا، استشهد ببلاد الروم مع الأمير أبي محمد عبد الله البطال، ودفن هناك ﵀. توفي في هذه السنة قاله خليفة وغيره، وذلك أنه لقي العدو ففر بعض المسلمين، فجعل ينادي ويركض فرسه نحو العدو: أن هلموا إلى الجنة ويحكم
стр. 3540
أفرارا من الجنة؟ أتفرون من الجنة؟ إلى أين ويحكم لا مقام لكم في الدنيا ولا بقاء؟ ثم قاتل حتى قتل ﵀.
مكحول الشامي (١)
تابعي جليل القدر، إمام أهل الشام في زمانه، وكان مولى لامرأة من هذيل، وقيل مولى امرأة من آل سعيد بن العاص، وكان نوبيا وقيل من سبي كابل، وقيل كان من الأبناء من سلالة الأكاسرة وقد ذكرنا نسبه في كتابنا التكميل. وقال محمد بن إسحاق: سمعته يقول: طفت الأرض كلها في طلب العلم: وقال الزهري: العلماء أربعة (٢)، سعيد بن المسيب بالحجاز، والحسن البصري بالبصرة، والشعبي بالكوفة، ومكحول بالشام. وقال بعضهم: كان لا يستطيع أن يقول: قل، وإنما يقول: كل وكان له وجاهة عند الناس، مهما أمر به من شئ يفعل. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أفقه أهل الشام، وكان أفقه من الزهري. وقال غير واحد: توفي في هذه السنة، وقيل بعدها فالله أعلم:
مكحول الشامي هو ابن أبي مسلم، واسم أبي مسلم شهزاب بن شاذل (٣). كذا نقلته من خط عبد الهادي، وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه قال: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زيد في عقله. وقال مكحول في قوله تعالى (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) [التكاثر: ٨] قال: بارد الشراب، وضلال المساكن وشبع البطون، واعتدال الخلق، ولذاذة النوم، وقال: إذا وضع المجاهدون أثقالهم عن دوابهم أتتها الملائكة، فمسحت ظهورها ودعت لها بالبركة، إلا دابة في عنقها جرس.
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام: وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، وهو ابن
стр. 3541
هرقل الأول الذي كتب إليه النبي ﷺ فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. وفيها عزل هشام عن إمرة مكة والمدينة والطائف إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، وولى عليها أخاه محمد بن هشام (١) فحج بالناس في هذه السنة في قول، وقال الواقدي وأبو معشر: إنما حج بالناس خالد بن عبد الملك بن مروان والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان:
عطاء بن أبي رباح (٢)
الفهري مولاهم أبو محمد المكي، أحد كبار التابعين الثقات الرفعاء، يقال إنه أدرك مائتي صحابي وقال ابن سعد: سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس (٣) أشل أعرج، ثم عمي بعد ذلك، وكان ثقة فقيها عالما كثير الحديث، وقال أبو جعفر الباقر وغير واحد: ما بقي أحد في زمانه أعلم بالمناسك منه، وزاد بعضهم، وكان قد حج سبعين حجة، وعمر مائة سنة، وكان في آخر عمره يفطر في رمضان من الكبر والضعف ويفدي عن إفطاره، ويتأول الآية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤] وكان ينادي منادي بني أمية في أيام منى: لا يفتي الناس في الحج إلا عطاء بن أبي رباح، وقال أبو جعفر الباقر: ما رأيت فيمن لقيت أفقه منه، وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عندهم. وقال ابن جريج: كان في المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس به صلاة. وقال قتادة: كان سعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم وعطاء هؤلاء أئمة الأمصار. وقال عطاء: إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أكن سمعته، وقد سمعته قبل أن يولد، فأريه أني إنما سمعته الآن منه. وفي رواية: أنا أحفظ منه له فأريه أني لم أسمعه. الجمهور على أنه مات في هذه السنة رحمه الله تعالى والله أعلم.
فصل
أسند أبو محمد عطاء بن أبي رباح - واسم أبي رباح أسلم - عن عدد كثير من الصحابة، منهم ابن عمر وابن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وأبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني، وأبو سعيد. وسمع من ابن عباس التفسير وغيره. وروى عنه من التابعين عدة، منهم الزهري، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، وقتادة، ويحيى بن كثير، ومالك بن دينار، وحبيب بن أبي ثابت، والأعمش، وأيوب السختياني، وغيرهم من الأئمة والاعلام كثير. قال أبو هزان: سمعت
стр. 3542
عطاء بن أبي رباح يقول: من جلس مجلس ذكر كفر الله عنه بذلك المجلس عشر مجالس من مجالس الباطل. قال أبو هزان قلت لعطاء: ما مجلس الذكر؟ قال: مجالس الحلال والحرام، كيف تصلي، كيف تصوم، كيف تنكح وتطلق وتبيع وتشتري.
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، عن يحيى بن ربيعة الصنعاني. قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في قوله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون) [النمل: ٤٨] قال: كانوا يقرضون الدراهم، قيل كانوا يقصون منها ويقطعونها. وقال الثوري عن عبد الله بن الوليد - يعني الوصافي - قال: قلت لعطاء: ما ترى في صاحب قلم إن هو كتب به عاش هو وعياله في سعة، وإن هو تركه افتقر؟ قال: من الرأس؟ قلت القسري لخالد. قال عطاء: قال العبد الصالح: (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) [القصص: ١٧]. وقال: أفضل ما أوتي العباد العقل عن الله وهو الدين. وقال عطاء: ما قال العبد: يا رب، ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، قال: فذكرت ذلك للحسن فقال: أما تقرأون القرآن (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا) [آل عمران: ١٩٣] إلى قوله: (فاستجاب لهم ربهم) الآيات [آل عمران: ١٩٥].
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا أبو عبد الله السلمي، حدثنا ضمرة، عن عمر بن الورد قال: قال عطاء: إن استطعت أن تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل. وقال سعيد بن سلام البصري: سمعت أبا حنيفة النعمان يقول: لقيت عطاء بمكة فسألته عن شئ فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة. قال: أنت من أهل القرية الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم! قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب: فقال عطاء: عرفت فالزم. وقال عطاء: ما اجتمعت عليه الأمة أقوى عندنا من الاسناد. وقيل لعطاء: إن هاهنا قوما يقولون: الايمان لا يزيد ولا ينقص، فقال: (والذين اهتدوا زادهم هدى) [محمد: ١٧] فما هذا الهدى الذي زادهم؟ قلت: ويزعمون أن الصلاة والزكاة ليستا من دين الله، فقال: قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) [البينة: ٥] فجعل ذلك دينا. وقال يعلى بن عبيد: دخلنا على محمد بن سوقة فقال: ألا أحدثكم بحديث لعله أن ينفعكم، فإنه نفعني، قال لي عطاء بن أبي رباح: يا بن أخي إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام إثما، ما عدا كتاب الله أن يقرأ، وأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ينطلق العبد بحاجته في معيشته التي لا بد له منها، أتنكرون: (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين) [الانفطار: ١١] و: (عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق:
стр. 3543
١٧ - ١٨] أما يستحي أحدكم لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره فرأى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟. وقال: إذا أنت خفت الحر من الليل فاقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وروى الطبراني وغيره أن الحلقة في المسجد الحرام كانت لابن عباس، فلما مات ابن عباس كانت لعطاء بن أبي رباح. وروى عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن الفضل بن دكين، عن سفيان، أن سلمة بن كهيل قال: ما رأيت أحدا يطلب بعمله ما عند الله تعالى إلا ثلاثة، عطاء، وطاوس، ومجاهد. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا عمر بن ذر قال: ما رأيت مثل عطاء قط، وما رأيت على عطاء قميصا قط، ولا رأيت عليه ثوبا يساوي خمسة دراهم. وقال أبو بلال الأشعري: حدثنا قيس، عن عبد الملك بن جريج عن عطاء: أن يعلى بن أمية كانت له صحبة، وكان يقعد في المسجد ساعة ينوي فيها الاعتكاف. وروى الأوزاعي عن عطاء قال: إن كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ لتعجن، وأن كانت قصتها لتضرب بالجفنة. وعن الأوزاعي عنه قال: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) [النور: ٢] قال: ذلك في إقامة الحد عليهما.
وقال الأوزاعي: كنت باليمامة وعليها رجل وال يمتحن الناس من أصحاب رسول الله ﷺ إنه منافق وما هو بمؤمن، ويأخذ عليهم بالطلاق والعتاق أن يسمي المسئ منافقا وما يسميه مؤمنا، فأطاعوه على ذلك وجعلوه له، قال: فلقيت عطاء فيما بعد فسألته عن ذلك فقال: ما أرى بذلك بأسا يقول الله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) [آل عمران: ٢٨].
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا إسماعيل بن أمية قال: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم تخيل إلينا أنه يؤيد. وقال في قوله تعالى: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) [آل عمران: ٢٨] قال: لا يلهيهم بيع ولا شراء عن مواضع حقوق الله تعالى التي افترضها عليهم أن يؤدوها في أوقاتها وأوائلها. وقال ابن جرير: رأيت عطاء يطوف بالبيت فقال لقائده: أمسكوا احفظوا عني خمسا: القدر خيره وشره، حلوه ومره من الله ، وليس للعباد فيه مشيئة ولا تفويض. وأهل قبلتنا مؤمنون حرام دماؤهم وأموالهم إلا بحقها. وقتال الفئة الباغية بالأيدي والنعال والسلاح، والشهادة على الخوارج بالضلالة. وقال ابن عمر: تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء بن أبي رباح.
وقال معاذ بن سعيد (١): كنت جالسا عند عطاء فحدث بحديث، فعرض رجل له في حديثه فغضب عطاء وقال: ما هذه الأخلاق؟ وما هذه الطبائع؟ والله إني لاسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه أني لا أحسن شيئا منه (٢). وكان عطاء يقول: لان أرى في بيتي شيطانا خير من أن أرى فيه
стр. 3544
وسادة، لأنها تدعو إلى النوم. وروى عثمان بن أبي شيبة عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج (١) قال: كان عطاء بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم لا يزول منه شئ ولا يتحرك. وقال ابن عيينة: قلت لابن جريج (١): ما رأيت مصليا مثلك. فقال: لو رأيت عطاء؟. وقال عطاء: إن الله لا يحب الفتى يلبس الثوب المشهور، فيعرض الله عنه حتى يضع ذلك الثوب. وكان يقال: ينبغي للعبد أن يكون كالمريض لا بد له من قوت، وليس كل الطعام يوافقه. وكان يقال: الدعوة تعمي عين الحكيم فكيف بالجاهل؟ ولا تغبطن ذا نعمة بما هو فيه فإنك لا تدري إلى ماذا يصير بعد الموت.
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة
ففيها وقع طاعون بالشام، وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل وهو نائب الحرمين والطائف. والنواب في سائر البلاد هم المذكورون في التي قبلها والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان:
أبو جعفر الباقر
وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي، هو تابعي جليل، كبير القدر كثيرا، أحد أعلام هذه الأمة علما وعملا وسيادة وشرفا، وهو أحد من تدعي فيه طائفة الشيعة أنه أحد الأئمة الاثني عشر، ولم يكن الرجل على طريقهم ولا على منوالهم، ولا يدين بما وقع في أذهانهم وأوهامهم وخيالهم، بل كان ممن يقدم أبا بكر وعمر، وذلك عنده صحيح في الأثر، وقال أيضا: ما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما ﵄. وقد روى عن غير واحد من الصحابة (٢)، وحدث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم. فمن روى عنه ابنه جعفر الصادق، والحكم بن عتيبة، وربيعة، والأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، والأوزاعي والأعرج، وهو أسن منه، وابن جريج وعطاء وعمرو بن دينار والزهري. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق قال: حدثني أبي وكان خير محمدي يومئذ على وجه الأرض، وقال العجلي: هو مدني تابعي ثقة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير (٣) الحديث، وكانت وفاته في هذه السنة في قول وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها أو في التي هي بعدها وبعد بعدها والله أعلم. وقد جاوز السبعين وقيل لم يجاوز الستين فالله أعلم.
стр. 3545
فصل
أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كان أبوه علي زين العابدين، وجده الحسين قتلا شهيدين بالعراق. وسمي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم، كان ذاكرا خاشعا صابرا وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب عالي الحسب، وكان عارفا بالخطرات، كثير البكاء والعبرات معرضا عن الجدال والخصومات.
قال أبو بلال الأشعري: حدثنا محمد بن مروان، عن ثابت، عن محمد بن علي بن الحسين في قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) [الفرقان: ٧٥] قال: الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في الدنيا. وقال عبد السلام بن حرب، عن زيد بن خيثمة عن أبي جعف قال: الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن، ولا تصيب الذاكر. قلت: وقد روي نحو هذا عن ابن عباس قال: لو نزل من السماء صواعق عدد النجوم لم تصب الذاكر. وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن علي: يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب. قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركبا ركبته؟ أو ثوبا لبسته؟ أو امرأة أصبتها؟ يا جابر! إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الأبرار. إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله، قطعوا لمحبة ربهم ، ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم، وتوحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم، وعلموا أن ذلك من أمر خالقهم، فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه، وكماء (١) أصبته في منامك فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شئ، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته.
وقال خالد بن يزيد: سمعت محمد بن علي يقول: قال عمر بن الخطاب: إذا رأيتم القارئ يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا، وإذا رأيتموه يلزم السلطان فهو لص، وكان أبو جعفر يصلي كل يوم وليلة بالمكتوبة. وروى ابن أبي الدنيا عنه قال: سلاح اللئام قبيح الكلام. وروى أبو الأحوص عن منصور عنه قال: لكل شئ آفة، وآفة العلم النسيان. وقال لابنه: إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل خبيثة، إنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق. وقال: أشد الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال. وقال خلف بن
стр. 3546
حوشب: قال أبو جعفر: الايمان ثابت في القلب، واليقين خطرات، فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد، ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية، وما دخل قلب عبد شئ من الكبر إلا نقص من عقله بقدره أو أكثر منه.
وقال لجابر الجعفي: ما يقول فقهاء العراق في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه) [يوسف: ٢٤]؟ قال: رأى يعقوب عاضا على إبهامه. فقال: لا! حدثني أبي عن جدي علي بن أبي طالب أن البرهان الذي رآه أنها حين همت به وهم بها أي طمع فيها، قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض خشية أن يراها، أو استحياء منه. فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت إلهي أستحي منه أن يراني على هذه الصورة. فقال يوسف: تستحين من صنم لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، أفلا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: والله لا تنالين مني أبدا. فهو البرهان. وقال بشر بن الحارث الحافي: سمعت سفيان الثوري يقول: سمعت منصورا يقول: سمعت محمد بن علي يقول: الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أوطناه. وقال: إن الله يلقي في قلوب شيعتنا الرعب، فإذا قام قائمنا، وظهر مديننا كان الرجل منهم أجرأ من ليث وأمضى من سيف. وقال: شيعتنا من أطاع الله واتقاه. وقال: إياكم والخصومة فإنها تفسد القلب، وتورث النفاق، وقال: (الذين يخوضون في آيات الله) [الانعام: ٦٨] هو أصحاب الخصومات.
وقال عروة بن عبد الله: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. قال: قلت: وتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة. وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن علي: يا جابر! بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم عني أني إلى الله منهم برئ، والذي نفس محمد بيده - يعني نفسه - لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن لم أكن أستغفر لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما وسابقتهما، فأبلغهم أني برئ منهم وممن تبرأ من أبي بكر وعمر ﵄. وقال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة. وقال في قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الآية [المائدة: ٥٥]، قال: هم أصحاب محمد ﷺ ، قال: قلت يقولون: هو علي قال: علي من أصحاب محمد ﷺ .
وقال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي، قال: رأيت الحكم عنده كأنه متعلم، وقال: كان لي أخ في عيني عظيم، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وقال جعفر بن محمد: ذهبت بغلة أبي فقال: لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد
стр. 3547
يرضاها، فما كان بأسرع من أن أتي بها بسرجها لم يفقد منها شئ، فقام فركبها، فلما استوى عليها وجمع إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد على ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: فهل تركت أو أبقيت شيئا؟ جعلت الحمد كله لله . وقال عبد الله بن المبارك: قال محمد بن علي: من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرمهما كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية، إلا من عصمه الله. وقال: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد تاما إلا قال: فلستم إخوانا كما تزعمون، وقال: اعرف مودة أخيك لك بما له في قلبك من المودة فإن القلوب تتكافأ. وسمع عصافير يصحن فقال: أتدري ماذا يقلن؟ قلت: لا!! قال: يسبحن الله ويسألنه رزقهن يوما بيوم. وقال: تدعو الله بما تحب، وإذا وقع الذي تكره لم تخالف الله فيما أحب.
وقال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شئ أحب إلى الله من أن يسأل. وما يدفع القضاء إلا الدعاء. وإن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه. وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه. هذا كلمات جوامع موانع لا ينبغي لعاقل أن يفعلها. وقال القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال أبو جعفر: صحب عمر بن الخطاب رجل إلى مكة فمات في الطريق، فاحتبس عليه عمر حتى صلى عليه ودفنه، فقل يوم إلا كان عمر يتمثل بهذا البيت:
وبالغ أمر كان يأمل دونه … ومختلج من دون ما كان يأمل
وقال أبو جعفر: والله لموت عالم أحب إبليس من موت ألف عابد. وقال: ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، وما من شئ إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله يكفر بها بحور الخطايا، ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمة رحم الله تلك الأمة. وقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا. قلت: البيت الذي كان يتمثل به قبله بيتان وهو ثالثهما، وهذه الأبيات تتضمن حكما وزهدا في الدنيا قال:
لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا … بمنزلة ما بعدها متحول
فساخط أمر لا يبدل غيره … وراض بأمر غيره سيبدل
وبالغ أمر كان يأمل دونه … ومختلج من دون ما كان يأمل
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، وفيها وقع طاعون عظيم بالشام والعراق، وكان معظم ذلك في واسط. وفي المحرم منها توفي الجنيد بن عبد الرحمن المري أمير خراسان من مرض أصابه في
стр. 3548
بطنه، وكان قد تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب فتغضب عليه أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك فعزله وولى مكانه عاصم بن عبد الله على خراسان، وقال له: إن أدركته قبل أن يموت فأزهق روحه. فما قدم عاصم بن عبد الله خراسان حتى مات الجنيد في المحرم منها بمرو، وقال فيه أبو الجويرية (١) عيسى بن عصمة يرثيه:
هلك الجود والجنيد جميعا … فعلى الجود والجنيد السلام
أصبحا ثاويين في بطن (٢) مرو … ما تغنى على الغصون الحمام
كنتما نزهة الكرام فلما … مت مات الندى ومات الكرام
ولما قدم عاصم خراسان أخذ نواب الجنيد بالضرب البليغ وأنواع العقوبات، وعسفهم في المصادرات والجنايات، فخرج عن طاعته الحارث بن سريح (٣) فبارزه بالحرب، وجرت بينهما أمور يطول ذكرها، ثم آل الامر إلى أن انكسر الحارث بن سريج (٣) وظهر عاصم عليه. قال الواقدي: وفيها حج بالناس الوليد بن يزيد وهو ولي الأمر من بعد عمه هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام. وفيها بعث مروان بن محمد - وهو مروان الحمار - وهو على أرمينية بعثين ففتح حصونا من بلاد اللان، ونزل كثير منهم على الايمان: وفيها عزل هشام عاصم بن عبد الله الهلالي الذي ولاه في السنة قبلها خراسان مكان الجنيد، فعزله عنها وضمها إلى عبد الله بن خالد القسري مع العراق معادة إليه جريا على ما سبق له من العادة، وكان ذلك عن كتاب عاصم بن عبد الله الهلالي المعزول عنها، وذلك أنه كتب إلى أمير المؤمنين هشام: إن ولاية خراسان لا تصلح إلا مع ولاية العراق، رجاء أن يضيفها إليه، فانعكس الامر عليه فأجابه هشام إلى ذلك قبولا إلى نصيحته، وأضافها إلى خالد القسري. وفيها توفي:
стр. 3549
قتادة بن دعامة السدوسي (١)
أبو الخطاب البصري الأعمى، أحد علماء التابعين، والأئمة العاملين، روى عن أنس بن مالك وجماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، والبصري، وأبو العالية، وزرارة بن أوفي، وعطاء ومجاهد، ومحمد بن سيرين، ومسروق، وأبو مجلز وغيرهم، وحدث عنه جماعات من الكبار كأيوب وحماد بن مسلمة، وحميد الطويل، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، وشعبة، والأوزاعي، ومسعر، ومعمر، وهمام. قال ابن المسيب: ما جاءني عراقي أفضل (٢) منه. وقال بكر المزني: ما رأيت أحفظ منه. وقال محمد بن سيرين: هو من أحفظ الناس، وقال مطر: كان قتادة إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل حتى يحفظه، وقال الزهري: هو أعلم من مكحول. وقال معمر: ما رأيت أفقه من الزهري وحماد وقتادة. وقال قتادة: ما سمعت شيئا إلا وعاه قلبي. وقال أحمد بن حنبل: هو أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئا إلا حفظه. وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها. وذكر يوما فأثنى على علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك، وقال أبو حاتم: كانت وفاته بواسط في الطاعون - يعني في هذه السنة - وعمره ست أو سبع وخمسون سنة. قال قتادة: من وثق (٣) بالله كان الله معه، ومن يكن الله معه تكن معه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، والعالم الذي لا ينسى. وقال: في الجنة كوة إلى النار، فيقولون (٤): ما بال الأشقياء دخلوا النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم، فقالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر، وننهاكم ولا ننتهي. وقال: باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح دينه وصلاح الناس، أفضل من عبادة حول كامل. وقال قتادة: لو كان يكتفي من العلم بشئ لاكتفى موسى ﵇ بما عنده، ولكنه طلب الزيادة.
وفيها توفي: أبو الحباب سعيد بن يسار والأعرج، وابن أبي مليكة، وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، وميمون بن مهران بن موسى بن وردان.
فصل
فأما سعيد بن يسار فكان من العباد الزهاد، روى عن جماعة من الصحابة، وكذلك الأعرج وابن أبي مليكة وأما ميمون بن مهران فهو من أجلاء علماء التابعين وزهادهم وعبادهم وأئمتهم. كان
стр. 3550
ميمون إمام أهل الجزيرة. روى الطبراني عنه أنه قيل له: مالك لا يفارقك أخ لك عن قلى؟ قال: لأني لا أماريه ولا أشايه. قال عمر بن ميمون: ما كان أبي يكثر الصلاة ولا الصيام، ولكن كان يكره أن يعصى الله . وروى ابن أبي عدي عن يونس عنه قال: لا تمارين عالما ولا جاهلا، فإنك إن ماريت عالما حزن عنك علمه، وإن ماريت جاهلا خشن بصدرك. وقال عمر بن ميمون: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررنا بجدول فلم يستطع الشيخ أن يتخطاه، فاضطجعت له فمر على ظهري، ثم قمت فأخذت بيده. ثم دفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسية، فقالت: من هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن، فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قلت لها: نعم! قالت: يا شقي ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء؟: قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا ثم دخلا، فقال ميمون: يا أبا سعيد! إني قد أنست من قلبي غلظة فاستكن لي منه، فقرأ الحسن: (أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) [الشعراء: (٢٠٥ - ٢٠٧)] فسقط الشيخ مغشيا عليه، فرأيته يفحص برجليه كما تفحص الشاة إذا ذبحت، فأقام طويلا ثم جاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا، فأخذت بيد أبي فخرجت فقلت: يا أبت أهذا هو الحسن؟ قال: نعم. قلت: قد كنت أحسب في نفسي أنه أكبر من هذا، قال: فوكز في صدري وكزة ثم قال: يا بني لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لألفيت لها فيه كلوما.
وروى الطبراني عنه أنه قال: ما أحب أني أعطيت درهما في لهو وأن لي مكانه مائة ألف، أخشى أن تصيبني هذه الآية: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) الآية: [لقمان: ٦] وقال جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فلما قمت قال عمر: إذا ذهب هذا وأضرابه لم يبق من الناس إلا مجاجة (١).
وروى الإمام أحمد عن معمر بن سليمان الرقي، عن فرات بن سليمان، عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك إلى ذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك من هواه. وروى عبد الله بن أحمد عنه في قوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصادا) [النبأ: ٢١] و (إن ربك لبالمرصاد) [الفجر: ١٤] فقال: التمسوا هذين المرصادين جوازا. وفي قوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) [إبراهيم: ٤٢] فيها وعيد شديد للظالم، وتعزية للمظلوم. وقال: لو أن أهل القرآن صلحوا لصلح الناس. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا عيسى بن سالم الشاشي، حدثنا أبو المليح قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: لا خير في
стр. 3551
الدنيا إلا رجلين، رجل تائب - أو قال: يتوب - من الخطيئات، ورجل يعمل في الدرجات، فلا خير في العيش والبقاء في الدنيا إلا لهذين الرجلين، رجل يعمل في الكفارات ورجل يعمل في الدرجات، وبقاء ما سواهما وبال عليه. وقال جعفر بن برقان: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن هذا القرآن قد خلق في صدور كثير من الناس فالتمسوا ما سواه من الأحاديث، وإن فيمن يتبع هذا العلم قوما يتخذونه بضاعة يلتمس بها الدنيا، ومنهم من يريد أن يمارى به، وخيرهم من يتعلمه ويطيع الله به. وقال: من اتبع القرآن قاده القرآن حتى يحل به الجنة، ومن ترك القرآن لم يدعه القرآن يتبعه حتى يقذفه في النار.
وقال الإمام أحمد: حدثنا خالد بن حيان، حدثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال. وقال ميمون: من كان يريد أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر في عمله فإنه قادم عليه كائنا ما كان. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن عثمان الحربي، حدثنا أبو المليح، عن ميمون بن مهران. قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلي فأخفى الصلاة فعاتبه، فقال: إني ذكرت ضيعة لي. فقال: أكبر الضيعة أضعته. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا جعفر بن محمد الدسعني، حثنا أبو جعفر النفيلي، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن طلحة بن زيد قال: قال ميمون: لا تعرف الأمير ولا تعرف من يعرفه. وروى عبد الله بن أحمد عنه أيضا قال: لان أوتمن على بيت مال أحب إلي من أن أؤتمن على امرأة. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا هاشم بن الحارث، حدثنا أبو المليح الرقي، عن حبيب بن أبي مرزوق، قال قال ميمون: وددت أن إحدى عيني (١) ذهبت وبقيت الأخرى أتمتع بها، وإني لم أل عملا قط. قلت: ولا لعمر بن عبد العزيز؟ قال: ولا لعمر بن عبد العزيز، لا خير في العمل لا لعمر ولا لغيره.
وقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب حدثنا سفيان حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: ما عرضت قولي على عملي إلا وجدت من نفسي اعتراضا. وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود، حدثنا علي بن معبد، حدثنا خالد بن حيان، حدثنا جعفر عن ميمون قال: قال لي ميمون: قال لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره. وروى عبد الله ابن أحمد عنه في قوله تعالى: (خافضة رافعة) [الواقعة: ٣] قال: تخفض أقواما وترفع
стр. 3552
آخرين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني عيسى بن سالم، حدثنا أبو المليح، حدثنا بعض أصحابي قال: كنت أمشي مع ميمون فنظر فرأى علي ثوب كتان فقال: أما بلغك أنه لا يلبس الكتان إلا غني أو غاو؟ وبهذا الاسناد سمعت ميمون بن مهران يقول: أول من مشت الرجال معه وهو راكب الأشعث بن قيس الكندي، ولقد أدركت السلف وهم إذا نظروا إلى رجل راكب ورجل يحضر معه، قالوا: قاتله جبار.
وقال عبد الله بن أحمد: بلغني عن عبد الله بن كريم بن حبان - وقد رأيته - حدثنا أبو المليح قال قال ميمون: ما أحب أن لي ما بين باب الرها إلى حوران بخمسة دراهمه. وقال ميمون: يقول أحدهم: اجلس في بيتك وأغلق عليك بابك وانظر هل يأتيك رزقك؟ نعم والله لو كان له مثل يقين مريم وإبراهيم ﵉، وأغلق عليه بابه، وأرخى عليه ستره، لجاءه رزقه. وقال: لو أن كل إنسان منا يتعاهد كسبه فلم يكسب إلا طيبا، فأخرج ما عليه، ما احتيج إلى الأغنياء، ولا احتاج الفقراء. وقال أبو المليح عن ميمون قال: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا كان إسقاط المكروه عنه أحب إلي من تخفيفه عليه، فإن قال: لم أقل، كان قوله لم أقل أحب إلي من ثمانية يشهدون عليه، فإن قال: قلت ولم يعتذر، أبغضته من حيث أحببته. وقال: سمعت ابن عباس يقول: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل، إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به. هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فإن أرض الله واسعة.
وقال أبان بن أبي راشد القشيري: كنت إذا أردت الصائفة أتيت ميمون بن مهران أودعه، فما يزيدني على كلمتين. اتق الله ولا يغرنك طمع ولا غضب. وقال أبو المليح عن ميمون قال: العلماء هم ضالتي في كل بلدة، وهم أحبتي في كل مصر، ووجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء. وقال في قوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [الزمر: ١٠] قال: عزقا. وقال: لان أتصدق بدرهم في حياتي أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم بعد موتي. وقال: كان يقال: الذكر ذكران، ذكر الله باللسان (١)، وأفضل من ذلك أن تذكره عندما أحل وحرم، وعند المعصية فتكف عنها وقد أشرفت. وقال: ثلاث الكافر والمؤمن فيهن سواء، الأمانة تؤديها إلى من أئتمنك عليها من مسلم وكافر، وبر الوالدين وإن كانا كافرين، والعهد تفي به للمؤمن والكافر. وقال صفوان عن خلف بن حوشب عن ميمون قال: أدركت من لم يكن يملا عينيه من السماء فوقا من ربه .
وقال أحمد بن بزيغ: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا هارون أبو محمد البريري، أن عمر بن
стр. 3553
عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها، فمكث حينا ثم كتب إلى عمر يستعفيه عن ذلك، وقال: كلفتني ما لا أطيق، أقضي بين الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق فكتب إليه عمر: أجب من الخراج الطيب (١)، واقض بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إلى، فإن الناس لو كان إذا كبر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا.
وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن العبد إذا أنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجليا مثل المرآة، ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره، وأما الذي يتتابع في الذنوب فإنه كلما أذنب نكتت في قلبه نكته سوداء حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من أين يأتيه. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن ثابت، حدثنا جعفر عن ميمون قال: ما أقل أكياس الناس: ألا يبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس وإلى أدوابه، وإلى ما قد أكبوا عليه من الدنيا، فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر، لا هم لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر إلى نفسه فقال: والله إني لأراني من شرهم بعيرا واحدا. وبهذا الاسناد عنه: ما من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائر. وقال: لا تعذب المملوك ولا تضر به على كل ذنب، ولكن احفظ ذلك له، فإذا عصى الله فعاقبه على معصية الله وذكره الذنوب التي أذنب بينك وبينه. وقال قتيبة: حدثنا جعفر بن برقان، سمعت ميمون بن مهران يقول: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، حتى يعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه (٢)، أمن حلال ذلك أم من حرام؟.
وقال أبو زرعة الدارمي: حدثنا سعيد بن حفص النفيلي، حدثنا أبو المليح، عن ميمون قال: الفاسق بمنزلة السبع فإذا كلمت فيه فخليت سبيله فقد خليت سبعا على المسلمين. وقال جعفر بن برقان: قلت لميمون بن مهران: إن فلانا يستبطئ نفسه في زيارتك، قال: إذا ثبتت المودة في القلوب فلا بأس وإن طال المكث. وقال أحمد: حدثنا ميمون الرقي حدثنا الحسن أبو المليح عن ميمون قال: لا تجد غريما أهون عليك من بطنك أو ظهرك. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن الميمون، حدثنا الحسن، عن حبيب بن أبي مرزوق قال: رأيت على ميمون جبة صوف تحت ثيابه فقلت له: ما هذا؟ قال: نعم! فلا تخبر به أحدا. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني يحيى بن عثمان، حدثنا أبو المليح، عن ميمون قال: من أساء سرا فليتب سرا، ومن أساء علانية فليتب علانية، فإن الله يغفر ولا يعير، وإن الناس يعيرون ولا يغفرون.
стр. 3554
وقال جعفر قال ميمون: في المال ثلاث آفات، إن نجا صاحبه من واحدة لم ينج من اثنتين، وإن نجا من اثنتين كان قمينا أن لا ينجو من الثالثة، ينبغي أن يكون حلالا طيبا، فأيكم الذي يسلم كسبه فلم يدخله إلا طيبا؟ فإن سلم من هذه فينبغي أن يؤدي الحقوق التي تلزمه في ماله، فإن سلم من هذه فينبغي أن يكون في نفقته ليس بمسرف ولا مقتر. وقال: سمعت ميمونا يقول: أهون الصوم ترك الطعام والشراب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا يحيى بن عثمان الحربي، حدثنا أبو المليح، عن ميمون بن مهران قال: ما نال رجل من جسيم الخير نبي أو غيره إلا بالصبر. وبهذا الاسناد قال: الدنيا حلوة خضرة قد حفت بالشهوات، والشيطان عدو حاضر، فيظن أن أمر الآخرة آجل، وأمر الدنيا عاجل. وقال يونس بن عبيدة: كان طاعون قبل بلاد ميمون بن مهران، فكتبت إليه أسأله عن أهله، فكتب إلي: بلغني كتابك تسألني عن أهلي، وأنه مات من أهلي وخاصتي سبعة عشر إنسانا، وإني أكره البلاء إذا أقبل، فإذا أدبر لم يسرني أنه لم يكن، وأما أنت فعليك بكتاب الله، فإن الناس قد بهتوا عنه - يعني أيسوا - واختاروا الأحاديث، أحادث الرجال، وإياك والمرائي في الدين. قال أبو عبيد في الغريب بهئوا به مهموزا، ومعناه: أنسوا به.
وقال عمر بن ميمون: كنت مع أبي ونحن نطوف بالكعبة فلقي أبي شيخ فعانقه، ومع الشيخ فتى نحو مني، فقال له أبي: من هذا؟ قال: ابني. فقال: كيف رضاك عنه؟ فقال: ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه، إلا واحدة. قال: وما هي؟ قال: أن يموت فأوجر فيه - أو قال فأحتسبه - ثم فارقه أبي، فقلت: من هذا الشيخ؟ فقال: مكحول. وقال: شر الناس العيابون، ولا يلبس الكتان إلا غني أو غوي.
وروى الإمام أحمد عنه قال: يا بن آدم خفف عن ظهرك فإن ظهرك لا يطيق كل هذا الذي يحمل، من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وغشم هذا، وكل هذا على ظهرك تحمله، فخفف عن ظهرك. وقال: إن أعمالكم قليلة فأخلصوا هذا القليل. وقال: ما أتي قوم في ناديهم المنكر إلا حق هلاكهم. وروى عبد الله بن أحمد عنه أنه قرأ (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) [يس: ٥٩] ثم فارق حتى بكى، ثم قال: ما سمع الخلائق بنعت قط أشد منه. وقال أبو عوانة: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا خالد، عن حصين بن عبد الرحمن عن ميمون قال: أربع لا تكلم فيهم: علي، وعثمان، والقدر، والنجوم. وقال: احذروا كل هوى يسمى بغير الاسلام.
وروى شبابة عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون أعلي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ فارتعد حتى سقطت عصاه من يده ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما غيرهما، إنهما كانا رداءي الاسلام، ورأس الاسلام، ورأس الجماعة. فقلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أم علي؟ فقال: والله لقد آمن من أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، وكان أبو بكر هو
стр. 3555
الذي يختلف بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه. وذلك كله قبل أن يولد علي، وكان صاحبه وصديقه قبل ذلك. وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " قل ما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال، أو أخ يوثق به ". وروى عن ابن عمر أيضا عن النبي ﷺ قال: " شر المال في آخر الزمان المماليك ". وروى ابن أبي الدنيا عنه قال: من طلب مرضاة الاخوان بلا شئ فليصادق أهل القبور. وقال: من ظلم أحدا ففاته أن يخرج من مظلمته فاستغفر له دبر كل صلاة خرج من مظلمته. وهذا إن شاء الله يدخل فيه الاعراض والأموال وسائر المظالم. وقال ميمون: القاتل والآمر والمأمور والظالم والراضي بالظلم، كلهم في الوزر سواء. وقال: أفضل الصبر الصبر على ما تكره نفسك. من طاعة الله .
روى ميمون عن جماعة من الصحابة (١)، وكان يسكن الرقة، رحمه الله تعالى.
نافع مولى ابن عمر
أبو عبد الله المدني أصله من بلاد المغرب، وقيل من نيسابور، وقيل من كابل، وقيل غير ذلك. روى عن مولاه عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة، مثل رافع بن خديج، وأبي سعيد وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة وغيرهم. وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، وكان من الثقات النبلاء، والأئمة الاجلاء، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال غيره كان عمر بن عبد العزيز قد بعثه إلى مصر يعلم الناس السنن، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه ومات في هذه السنة على المشهور.
ذو الرمة الشاعر (٢)
واسمه غيلان بن عقبة (٣) بن بهيس (٤)، من بني عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، أبو الحارث أحد فحول الشعراء، وله ديوان مشهور، وكان يتغزل في مي (٥) بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري، وكانت جميلة، وكان هو دميم الخلق أسود اللون، ولم يكن بينهما
стр. 3556
فحش ولا خنا ولم يكن رآها قط ولا رأته، وإنما كانت تسمع به ويسمع بها، ويقال: إنها كانت تنذر إن هي رأته أن تذبح جزورا، فلما رأته قالت: وا سوأتاه وا سوأتاه، ولم تبلد له وجهها قط إلا مرة واحدة، فأنشأ يقول:
على وجه مي لمحة من حلاوة … وتحت الثياب العار لو كان باديا (١)
قال فانسلخت من ثيابها فقال:
ألم تر أن الماء يخبث طعمه … وإن كان لون الماء أبيض (٢) صافيا
فقالت: تريد أن تذوق طعمه؟ فقال: إي والله، فقالت: تذوق الموت قبل أن تذوقه.
فأنشأ يقول:
فواضيعة الشعر الذي راح وانقضى … بمي ولم أملك ضلال فؤاديا
قال ابن خلكان: ومن شعره السائر بين الناس ما أنشده:
إذا هبت الأرياح من نحو جانب … به أهل مي هاج شوقي (٣) هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنما … هوى كل نفس أين حل (٤) حبيبها
وأنشد عند الموت:
يا قابض الأرواح في جسمي إذا احتضرت … وغافر الذنب زحزحني عن النار (٥)
стр. 3557
ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة
فيها غزا معاوية وسليمان ابنا أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بلاد الروم، وفيها قصد شخص يقال له: عمار بن يزيد، ثم سمى بخداش، إلى بلاد خراسان ودعا الناس إلى خلافة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فاستجاب له خلق كثير، فلما التفوا عليه دعاهم إلى مذهب الخرمية (١) الزنادقة، وأباح لهم نساء بعضهم بعضا، وزعم لهم أن محمد بن علي يقول ذلك، وقد كذب عليه فأظهر الله عليه الدولة فأخذ فجئ به إلى خالد بن عبد الله القسري أمير العراق وخراسان، فأمر به فقطعت يده وسل لسانه ثم صلب بعد ذلك. وفيها حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل أمير المدينة، وقيل إن إمرة المدينة كانت مع خالد بن عبد الملك بن مروان، والصحيح أنه كان قد عزل وولي مكانه محمد بن هشام بن إسماعيل، وكان أمير العراق القسري. وفيها كانت وفاة:
علي بن عبد الله بن عباس (٢)
ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو الحسن، ويقال أبو محمد، وأمه زرعة بنت مسرح بن معد يكرب الكندي، أحد الملوك الأربعة الأقيال المذكورين في الحديث الذي رواه أحمد، وهم مسرح، وحمل، ومخولس، وأبضعة: وأختهم العمردة وكان مولد علي هذا يوم قتل علي بن أبي طالب، فسماه أبوه باسمه، وكناه بكنيته، وقيل إنه ولد في حياة علي وهو الذي سماه وكناه ولقبه بأبي الأملاك، فلما وفد على عبد الملك بن مروان أجلسه معه على السرير وسأله عن اسمه وكنيته فأخبره فقال له: ألك ولد؟ قال: نعم ولد لي ولد سميته محمدا، فقال له: أنت أبو محمد، وأجزل عطيته، وأحسن إليه. وقد كان علي هذا في غاية العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل والعدالة والثقة كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، قال عمرو بن علي الفلاس: كان من خيار الناس، وكانت وفاته بالجهمة (٣) من أرض البلقاء في هذه السنة، وقد قارب الثمانين. وقد ذكر ابن خلكان أنه تزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر، التي كانت تحت عبد الملك بن مروان، فطلقها، وكان سبب طلاقه إياها أنه عض تفاحة ثم رمى بها إليها فأخذت السكين فحزت من التفاحة ما مس فمه منها، فقال: ولم تفعلين هذا؟ فقالت: أزيل الأذى عنها - وذلك لان عبد الملك كان أبخر -
стр. 3558
فطلقها عبد الملك، فلما تزوجها علي بن عبد الله بن عباس هذا نقم عليه الوليد بن عبد الملك لأجل ذلك، فضربه بالسياط، وقال إنما أردت أن تذل بنيها من الخلفاء، وضربه مرة ثانية لأنه اشتهر عنه أنه قال: الخلافة صائرة إلى بيته، فوقع الامر كذلك (١). وذكر المبرد أنه دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه السفاح والمنصور وهما صغيران، فأكرمه هشام وأدنى مجلسه، وأطلق له مائة وثلاثين ألفا (٢)، وجعل علي بن عبد الله يوصيه بابنيه خيرا، ويقول: إنهما سيليان الامر، فجعل هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك إلى الحمق، فوقع الامر كما قال. قالوا: وقد كان علي في غاية الجمال وتمام القامة، كان بين الناس كأنه راكب، وكان إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب، وقد بايع كثير من الناس لابنه محمد بالخلافة قبل أن يموت علي هذا قبل هذه السنة بسنوات، ولكن لم يظهر أمره حتى مات فقام بالامر من بعده ولده عبد الله أبو العباس السفاح، وكان ظهوره في سنة اثنتين وثلاثين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
عمرو بن شعيب، وعبادة بن نسي، وأبو صخرة جامع بن شداد، وأبو عياش المعافري.
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة
ففيها غزا الوليد بن القعقاع بلاد الروم. وفيها قتل أسد بن عبد الله القسري ملك الترك الأعظم خاقان، وكان سبب ذلك أن أسد بن عبد الله أمير خراسان عمل نيابة عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق، ثم سار بجيوشه إلى مدينة ختل فافتتحها، وتفرقت في أرضها جنوده يقتلون ويأسرون ويغنمون، فجاءت العيون إلى ملك الترك خاقان أن جيش أسد قد تفرق في بلاد ختل، فاغتنم خاقان هذه الفرصة فركب من فوره في جنوده قاصدا إلى أسد، وتزود خاقان وأصحابه سلاحا كثيرا، وقديدا وملحا، وساروا في حنق عظيم، وجاء إلى أسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم كثيف، فتجهز لذلك وأخذ أهبته، فأرسل من فوره إلى أطراف جيشه، فلمها وأشاع بعض الناس أن خاقان قد هجم على أسد بن عبد الله فقتله وأصحابه، ليحصل بذلك خذلان لأصحابه، فلا يجتمعون إليه، فرد الله كيدهم في نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وذلك أن المسلمين لما سمعوا بذلك أخذتهم حمية الاسلام وازدادوا حنقا على عدوهم، وعزموا على الاخذ بالثأر، فقصدوا الموضع الذي فيه أسد، فإذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب، وسار أسد نحو خاقان حتى أتى جبل الملح، وأراد أن يخوض نهر بلخ، وكان معهم أغنام كثيرة، فكره أسد أن يتركها
стр. 3559
وراء ظهره، فأمر كل فارس أن يحمل بين يديه شاة وعلى عنقه شاة، وتوعد من لم يفعل ذلك بقطع اليد، وحمل هو معه شاة وخاضوا النهر، فما خلصوا منه جيدا حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل دهم، فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر وبعض الضعفة، فلما وقفوا على حافة النهر أحجموا وظن المسلمون أنهم لا يقطعون إليهم النهر، فتشاور الأتراك فيما بينهم، ثم اتفقوا على أن يحملوا حملة واحدة - وكانوا خمسين ألفا - فيقتحمون النهر، فضربوا بكؤساتهم ضربا شديدا حتى ظن المسلمون أنهم معهم في عسكرهم، ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية واحدة، فجعلت خيولهم تنخر أشد النخير، وخرجوا منه إلى ناحية المسلمين فثبت المسلمون في معسكرهم، وكانوا قد خندقوا حولهم خندقا لا يخلصون إليهم منه، فبات الجيشان تتراءى ناراهما، فلما أصبحا مال خاقان على بعض الجيش الذي للمسلمين فقتل منهم خلقا وأسر أمما وإبلا موقرة، ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر حتى خاف جيش أسد أن لا يصلوا صلاة العيد، فما صلوها إلا على وجل، ثم سار أسد بمن معه حتى نزل مرج بلخ، حتى انقضى الشتاء، فلما كان يوم عيد الأضحى خطب أسد الناس واستشارهم في الذهاب إلى مرو أو في لقاء خاقان، أو في التحصن ببلخ. فمنهم من أشار بالتحصن، ومنهم من أشار بملتقاه والتوكل على الله، فوافق ذلك رأي أسد الأسد، فقصد بجيشه نحو خاقان، وصلى بالناس ركعتين أطال فيهما، ثم دعا بدعاء طويل، ثم انصرف وهو يقول: نصرتم إن شاء الله، ثم سار بمن معه من المسلمين فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان، فقتل المسلمون منهم خلقا وأسروا أميرهم وسبعة أمراء معه، ثم ساق أسد فانتهى إلى أغنامهم فاستاقها، فإذا هي مائة ألف وخمسون ألف شاة، ثم التقى معهم، وكان خاقان إنما معه أربعة آلاف أو نحوها، ومعه رجل من العرب قد خامر إليه، يقال له الحارث بن سريج (١)، فهو يدلهم على عورات المسلمين، فلما أقبل الناس هربت الأتراك في كل جانب، وانهزم خاقان ومعه الحارث بن سريج (١) يحميه ويتبعه، فتبعهم أسد، فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في أربعمائة من أصحابه، عليهم الخز ومعهم الكؤسات، فلما أدركه المسلمون أمر بالكؤسات فضربت ضربا شديدا ضرب الانصراف ثلاث مرات فلم يستطيعوا الانصراف، فتقدم المسلمون فاحتاطوا على معسكرهم فاحتازوه بما فيه من الأمتعة العظيمة، والأواني من الذهب والفضة، والنساء والصبيان، من الأتراك ومن معهم من الأسارى من المسلمات وغيرهم، مما لا يحد ولا يوصف لكثرته وعظمه وقيمته وحسنه. غير أن خاقان لما أحس بالهلاك ضرب امرأته بخنجر فقتلها، فوصل المسلمون إلى المعسكر وهي في آخر رمق تتحرك، ووجدوا قدورهم تغلي بأطعماتهم، وهرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن فتحصن بها، فاتفق أنه لعب بالنرد مع بعض الامراء (٢) فغلبه الأمير فتوعده خاقان بقطع اليد، فحنق عليه
стр. 3560
ذلك الأمير ثم عمل على قتله فقتله، وتفرقت الأتراك يعدو بعضهم على بعض، وينهب بعضهم بعضا، وبعث أسد إلى أخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر والظفر بخاقان، وبعث إليه بطبول خاقان - وكانت كبارا لها أصوات كالرعد وبشئ كثير من حواصله وأمتعته، فأوفدها خالد إلى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحا شديدا، وأطلق للرسل أموالا جزيلة كثيرة من بيت المال وقد قال
بعض الشعراء في أسد يمدحه على ذلك: -
لو سرت في الأرض تقيس الأرضا … تقيس منها طولها والعرضا
لم تلق خيرا إمرة ونقضا … من الأمير أسد وأمضى
أفضى إلينا الخير حتى أفضا … وجمع الشمل وكان أرفضا
ما فاته خاقان إلا ركضا … قد فض من جموعه ما فضا
يا بن سريج (١) قد لقيت حمضا … حمضا به تشفى صداع المرضى
وفيها قتل خالد بن عبد الله القسري المغيرة بن سعيد وجماعة من أصحابه الذين تابعوه على باطله، وكان هذا الرجل (٢) ساحرا فاجرا شيعيا خبيثا، قال ابن جرير: ثنا ابن حميد، ثنا جرير، عن الأعمش قال: سمعت المغيرة بن سعيد يقول: لو أراد أن يحيى عادا وثمودا وقرونا بين ذلك لأحياهم. قال الأعمش: وكان المغيرة هذا يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور، أو نحو هذا من الكلام. وذكر ابن جرير له غير ذلك من الأشياء التي تدل على سحره وفجوره. ولما بلغ خالدا أمره أمر بإحضاره فجئ به في ستة نفر أو سبعة نفر، فأمر خالد فأبرز سريره إلى المسجد، وأمر باحضار أطناب القصب والنفط فصب فوقها، وأمر المغيرة أن يحتضن طنبا منها، فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنبا واحدا وصب فوق رأسه النفط، ثم أضرم بالنار. وكذلك فعل ببقية أصحابه. وفي هذه السنة خرج رجل يقال له بهلول بن بشر ويلقب بكثارة، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة، وقصدوا قتل خالد القسري، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل أمرهم جدا لشجاعتهم وجلدهم، وقلة نصح من يقاتلهم من الجيوش، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة، ذوات الأسلحة والخيل المسومة، هذا وهم لم يبلغوا المائة، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة هشام، فقصدوا نحوها، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما، فقتلوا
стр. 3561
عامة أصحاب بهلول الخارجي. ثم إن رجلا من جديلة يكنى أبا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه وتفرقت عنه بقية أصحابه، وكانوا جميعهم سبعين رجلا (١)، وقد رثاهم بعض أصحابهم (٢) فقال:
بدلت بعد أبي بشر وصحبته … قوما علي مع الأحزاب أعوانا
بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا … ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا
يا عين أذري دموعا منك تهتانا … وابكي لنا صحبة بانوا وجيرانا
خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها … وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا
ثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم (٣) فقاتلوا وقتلوا وقتلوا، وجهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري، ولم يزل حتى أباد خضراءهم ولم يبق لهم باقية. وفيها غزا أسد القسري بلاد الترك، فعرض عليه ملكهم طرخان خان ألف ألف فلم يقبل منه شيئا، وأخذه قهرا فقتله صبرا بين يديه، وأخذ مدينته وقلعته وحواصله ونساءه وأمواله. وفيها خرج الصحارى بن شبيب الخارجي واتبعه طائفة قليلة نحو من ثلاثين رجلا، فبعث إليهم خالد القسري جندا فقتلوه وجميع أصحابه، فلم يتركوا منهم رجلا واحدا. وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وحج معه ابن شهاب الزهري ليعلمه مناسك الحج، وكان أمير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل، وأمير العراق والمشرق وخراسان خالد القسري، ونائبه على خراسان بكمالها أخوه أسد بن عبد الله القسري، وقد قيل إنه توفي في هذه السنة، وقيل في سنة عشرين فالله أعلم. ونائب أرمينية وأذربيجان مروان الحمار. والله أعلم.
سنة عشرين ومائة من الهجرة
فيها غزا سليمان بن هشام بلاد الروم وافتتح فيها حصونا، وفيها غزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومان شاه، وافتتحها وخرب أراضيها، وفيها غزا مروان بن محمد بلاد الترك، وفيها كانت وفاة أسد ابن عبد لله القسري أمير خراسان، وكانت وفاته بسبب أنه كانت له دبيلة في جوفه، فلما كان مهرجان هذه السنة قدمت الدهاقين - وهم أمراء المدن الكبار - من سائر البلدان بالهدايا والتحف على أسد، وكان فيمن قدم نائب هراة ودهقانها، واسم دهقانها خراسان شاه، فقدم بهدايا عظيمة وتحف عزيزة، وكان من جملة ذلك قصر من ذهب، وقصر من فضة، وأبا ريق من ذهب، وصحاف من
стр. 3562
ذهب وفضة، وتفاصيل من حرير تلك البلاد ألوان ملونة، فوضع ذلك كله بين يدي أسد حتى امتلأ المجلس، ثم قام الدهقان خطيبا فامتدح أسدا بخصال حسنة، على عقله ورياسته وعدله ومنعه أهله وخاصته أن يظلموا أحدا من الرعايا بشئ قل أو كثر، وأنه قهر الخان الأعظم، وكان في مائة ألف فكسره وقتله، وأنه يفرح بما يفد إليه من الأموال، وهو بما خرج من يده أفرح وأشد سرورا، فاثنى عليه أسد وأجلسه، ثم فرق أسد جميع تلك الهدايا والأموال وما هناك أجمع على الامراء والأكابر بين يديه، حتى لم يبق منه شئ، ثم قام من مجلسه وهو عليل من تلك الدبيلة، ثم أفاق إفاقة وجئ بهدية كمثرى فجعل يفرقها على الحاضرين واحدة واحدة، فألقى إلى دهقان خراسان واحدة فانفجرت دبيلته وكان فيها حتفه، واستخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني، فمكت أميرا أربعة أشهر حتى جاء عهد نصر بن سيار في رجب منها، فعلى هذا تكون وفاة أسد في صفر من هذه السنة، وقد قال فيه ابن عرس العبدي يرثيه:
نعى أسد بن عبد الله ناع … فريع القلب للملك المطاع
ببلخ وافق المقدار يسري … وما لقضاء ربك من دفاع
فجودي عين بالعبرات سحا … ألم يحزنك تفريق الجماع
أتاه حمامه في جوف صيغ … وكم بالصيغ من بطل شجاع
كتائب قد يجيبون المنادي … على جرد مسومة سراع
سقيت الغيث إنك كنت غيثا … مريعا عند مرتاد النجاع
وفيها عزل هشام خالد بن عبد الله القسري عن نيابة العراق، وذلك أنه انحصر منه لما كان يبلغه من إطلاق عبارة فيه، وأنه كان يقول عنه ابن الحمقاء، وكتب إليه كتابا فيه غلظة، فرد عليه هشام ردا عنيفا (١)، ويقال إنه حسده على سعة ما حصل له من الأموال والحواصل والغلات، حتى قيل إنه كان دخله في كل سنة ثلاثة عشر ألف ألف دينار، وقيل درهم، ولولده يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف، وقيل إنه وفد إليه رجل من الزام أمير المؤمنين من قريش يقال له ابن عمرو (٢)، فلم يرحب به ولم يعبأ به، فكتب إليه هشام يعنفه ويبكته على ذلك، وأنه حال وصول هذا الكتاب إليه يقوم من فوره بمن حوله من أهل مجلسه فينطلق على قدميه حتى يأتي باب ابن عمرو صاغرا ذليلا مستأذنا عليه، متنصلا إليه مما وقع، فإن أذن لك وإلا فقف على بابه حولا غير متحلل من مكانك ولا زائل، ثم أمرك إليه إن شاء عزلك وإن شاء أبقاك، وإن شاء انتصر، وإن شاء عفا. وكتب إلى ابن عمرو يعلمه بما كتب إلى خالد، وأمره إن وقف بين يديه أن يضربه عشرين سوطا على رأسه، إن رأى
стр. 3563
ذلك مصلحة. ثم إن هشاما عزل خالدا وأخفى ذلك، وبعث البريد إلى نائبه على اليمن وهو يوسف ابن عمر فولاه إمرة العراق، وأمره بالمسير إليها والقدوم عليها في ثلاثين راكبا، فقدموا الكوفة وقت السحر، فدخلوها، فلما أذن المؤذن أمره يوسف بالإقامة: فقال: إلى أن يأتي الامام - يعني خالدا - فانتهره وأمره بالإقامة وتقدم يوسف فصلى وقرأ (إذا وقعت الواقعة) و (سأل سائل) ثم انصرف فبعث إلى خالد وطارق (١) وأصحابهما، فاحضروا فأخذ منهم أموالا كثيرة، صادر خالدا بمائة ألف ألف درهم، وكانت ولاية خالد في شوال سنة خمس ومائة، وعزل عنها في جمادى الأولى من هذه السنة - أعني سنة عشرين ومائة - وفي هذا الشهر قدم يوسف بن عمر على ولاية العراق مكان خالد بن عبد الله القسري، واستناب على خراسان جديع بن علي الكرماني، وعزل جعفر بن حنظلة الذي كان استنابه أسد، ثم إن يوسف بن عمر عزل جديعا في هذه السنة عن خراسان، وولى عليها نصر ابن سيار، وذهب جميع ما كان اقتناه وحصله خالد من العقار والأملاك وهلة واحدة، وقد كان أشار عليه بعض أصحابه لما بلغهم عتب هشام عليه أن يبعث إليه يعرض عليه بعض أملاكه، فما أحب منها أخذه وما شاء ترك، وقالوا له: لان يذهب البعض خير من أن يذهب الجميع مع العزل والاخراق فامتنع من ذلك واغتر بالدنيا وعزت نفسه عليه أن يذل، ففجأه العزل، وذهب ما كان حصله وجمعه ومنعه، واستقرت ولاية يوسف بن عمر على العراق وخراسان، واستقرت نيابة نصر بن سيار على خراسان، فتمهدت البلاد وأمن العباد ولله الحمد والمنة. وقد قال سوار بن الأشعري في ذلك:
أضحت خراسان بعد الخوف آمنة … من ظلم كل غشوم الحكم جبار
لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت … اختار نصرا لها نصر بن سيار
وفي هذه السنة استبطأت شيعة آل العباس كتاب محمد بن علي إليهم، وقد كان عتب عليهم في اتباعهم ذلك الزنديق الملقب بخداش، وكان خرميا، وهو الذي أحل لهم المنكرات ودنس المحارم والمصاهرات، فقتله خالد القسري كما تقدم، فعتب عليهم محمد بن علي في تصديقهم له واتباعهم إياه على الباطل، فلما استبطأوا كتابه إليهم بعث إليهم رسولا يخبر لهم أمره، وبعثوا هم أيضا رسولا، فلما جاء رسولهم أعلمه محمد بماذا عتب عليهم بسبب الخرمي، ثم أرسل مع الرسول كتابا مختوما، فلما فتحوه لم يجدوا فيه سوى: بسم الله الرحمن الرحيم، تعلموا أنه إنما عتبنا عليكم بسبب الخرمي. ثم أرسل رسولا إليهم فلم يصدقه كثير منهم وهموا به، ثم جاءت من جهته عصى ملويا عليها حديد ونحاس، فعلموا أن هذا إشارة لهم إلى أنهم عصاة، وأنهم مختلفون كاختلاف ألوان النحاس والحديد. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها محمد بن هشام المخزومي فيما قاله أبو
стр. 3564
معشر، قال: وقد قيل إن الذي حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل ابنه يزيد بن هشام فالله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة
ففيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح مطامير وهو حصن، وافتتح مروان بن محمد بلاد صاحب الذهب، وأخذ قلاعه وخرب أرضه، فأذعن له بالجزية في كل سنة بألف رأس يؤديها إليه، وأعطاه رهنا على ذلك. وفيها في صفر قتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي تنسب إليه الطائفة الزيدية، في قول الواقدي، وقال هشام الكلبي: إنما قتل في صفر من سنة ثنتين وعشرين فالله أعلم. وقد ساق محمد بن جرير سبب مقتله في هذه السنة تبعا للواقدي، وهو أن زيدا هذا وفد على يوسف بن عمر فسأله هل أودع خالد القسري (١) عندك مالا؟ فقال له زيد بن علي: كيف يودعني مالا وهو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة؟ فأحلفه أنه ما أودع عنده شيئا، فأمر يوسف بن عمر باحضار خالد بن السجن فجئ به في عباءة، فقال: أنت أودعت هذا شيئا نستخلصه منه؟ قال: لا، وكيف وأنا أشتم أباه كل جمعة؟ فتركه عمر وأعلم أمير المؤمنين بذلك فعفا عن ذلك، ويقال بل استحضرهم فحلفوا بما حلفوا. ثم إن طائفة من الشيعة التفت على زيد بن علي، وكانوا نحوا من أربعين ألفا، فنهاه بعض النصحاء عن الخروج، وهو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وقال له: إن جدك خير منك، وقد التفت على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا، ثم خانوه أحوج ما كان إليهم، وإني أحذرك من أهل العراق. فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة، على كتاب الله وسنة رسوله حتى استفحل أمره بها في الباطن، وهو يتحول من منزل إلى منزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة، فكان فيها مقتله كما سنذكره قريبا. وفيها غزا نصر بن سيار أمير خراسان غزوات متعددة في الترك، وأسر ملكهم كور صول في بعض تلك الحروب وهو لا يعرفه، فلما تيقنه وتحققه، سأل منه كور صول أن يطلقه على أن يرسل له ألف (٢) بعير من إبل الترك - وهي البخاتي - وألف برذون، وهو مع ذلك شيخ كبير جدا، فشاور نصر من بحضرته من الامراء في ذلك، فمنهم من أشار باطلاقه، ومنهم من أشار بقتله. ثم سأله نصر بن سياركم غزوت من غزوة؟ فقال: ثنتين وسبعين غزوة، فقال له نصر: ما مثلك يطلق، وقد شهدت هذا كله، ثم أمر به فضربت عنقه وصلبه، فلما بلغ ذلك جيشه من قتله باتوا تلك الليلة يجعرون ويبكون عليه، وجذوا لحاهم وشعورهم وقطعوا آذانهم وحرقوا خياما
стр. 3565
كثيرة، وقتلوا أنعاما كثيرة، فلما أصبح أمر نصر بإحراقه لئلا يأخذوا جثته، فكان حريقه أشد عليهم من قتله، وانصرفوا خائبين صاغرين خاسرين، ثم كر نصر على بلادهم فقتل منهم خلقا وأسر أمما لا يحصون كثرة، وكان فيمن حضر بين يديه عجوز كبيرة جدا من الأعاجم أو الأتراك، وهي من بيت مملكة، فقالت لنصر بن سيار: كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فهو ليس بملك، وزير صادق يفصل خصومات الناس ويشاوره ويناصحه، وطباخ يصنع له ما يشتهيه، وزوجة حسناء إذا دخل عليها مغتما فنظر إليها سرته وذهب غمه وحصن منيع إذا فزع رعاياه لجأوا إليه فيه، وسيف إذا قارع به الاقران لم يخش خيانته، وذخيرة إذا حملها فأين ما وقع من الأرض عاش بها.
وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل نائب مكة والمدينة والطائف، ونائب العراق يوسف بن عمر، ونائب خراسان نصر بن سيار، وعلى أرمينية مروان بن محمد.
ذكر من توفي فيها من الأعيان:
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
والمشهور أنه قتل في التي بعدها كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
مسلمة بن عبد الملك
ابن مروان القرشي الأموي، أبو سعيد وأبو الأصبغ الدمشقي، قال ابن عساكر: وداره بدمشق في حجلة القباب عند باب الجامع القبلي، ولي الموسم أيام أخيه الوليد، وغزا الروم غزوات وحاصر القسطنطينية، وولاه أخوه يزيد إمرة العراقين، ثم عزله وتولى أرمينية. وروى الحديث عن عمر بن عبد العزيز، وعنه عبد الملك بن أبي عثمان، وعبيد الله بن قزعة، وعيينة والد سفيان بن عيينة وابن أبي عمران، ومعاوية بن خديج، ويحيى بن يحيى الغساني.
قال الزبير بن بكار: كان مسلمة من رجال بني أمية، وكان يلقب بالجرادة الصفراء، وله آثار كثيرة، وحروب ونكاية في العدو من الروم وغيرهم. قلت: وقد فتح حصونا كثيرة من بلاد الروم. ولما ولي أرمينية غزا الترك فبلغ باب الأبواب فهدم المدينة التي عنده، ثم أعاد بناءها بعد تسع سنين. وفي سنة ثمان وتسعين غزا القسطنطينية فحاصرها وافتتح مدينة الصقالبة، وكسر ملكهم البرجان، ثم عاد إلى محاصرة القسطنطينية. قال الأوزاعي: فأخذه وهو يغازيهم صداع عظيم في رأسه، فبعث ملك الروم إليه بقلنسوة وقال: ضعها على رأسك يذهب صداعك، فخشي أن تكون مكيدة فوضعها على رأس بهيمة فلم ير إلا خيرا، ثم وضعها على رأس بعض أصحابه فلم ير إلا خيرا، فوضعها على رأسه فذهب صداعه، ففتقها فإذا فيها سبعون سطرا هذه الآية (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) [فاطر: ٤١] الآية مكررة لا غير، رواه ابن عساكر.
стр. 3566
وقد لقي مسلمة في حصاره القسطنطينية شدة عظيمة، وجاع المسلمون عندها جوعا شديدا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أرسل إليهم البريد يأمرهم بالرجوع إلى الشام، فحلف مسلمة أن لا يقلع عنهم حتى يبنوا له جامعا كبيرا بالقسطنطينية، فبنوا له جامعا ومنارة، فهو بها إلى الآن يصلي فيه المسلمون الجمعة والجماعة، قلت: وهي آخر ما يفتحه المسلمون قبل خروج الدجال في آخر الزمان، كما سنورده في الملاحم والفتن من كتابنا هذا إن شاء الله. ونذكر الأحاديث الواردة في ذلك هناك، وبالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة، ومساعي مشكورة، وغزوات متتالية منثورة، وقد افتتح حصونا وقلاعا، وأحيا بعزمه قصورا وبقاعا، وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد في أيامه، في كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوة عزمه، وشده بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه. وهذا مع الكرم والفصاحة، وقال يوما لنصيب الشاعر: سلني، قال: لا، قال: ولم؟ قال: لان كفك بالجزيل أكثر من مسألتي باللسان. فأعطاه ألف دينار. وقال أيضا: الأنبياء لا يتنابون كما يتناب الناس من ناب نبي قط وقد أوصى بثلث ماله لأهل الأدب، وقال: إنها صنعة جحف أهلها. وقال الوليد بن مسلم وغيره: توفي يوم الأربعاء لسبع مضين من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل في سنة عشرين ومائة، وكانت وفاته بموضع يقال له الحانوت، وقد رثاه بعضهم، وهو ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال:
أقول وما العبد إلا الردى … أمسلم لا تبعدن مسلمه
فقد كنت نورا لنا في البلاد … مضيئا فقد أصبحت مظلمة
ونكتم موتك نخشى اليقين … فأبدى اليقين لنا الجمجه
نمير بن قيس (١)
الأشعري قاضي دمشق، تابعي جليل، روى عن حذيفة مرسلا وأبي موسى مرسلا وأبي الدرداء وعن معاوية مرسلا وغير واحد من التابعين، وحدث عنه جماعة كثيرون، منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ويحيى بن الحارث الذماري. ولاه هشام بن عبد الملك القضاء بدمشق بعد عبد الرحمن بن الخشخاش العذري، ثم استعفى هشاما فعفاه وولى مكانه يزيد بن عبد الرحمن بن أبي ملك. وكان نمير هذا لا يحكم باليمين مع الشاهد، وكان يقول: الأدب من الآباء، والصلاح من الله. قال غير واحد: توفي سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل سنة ثنتين وعشرين ومائة، وقيل سنة خمس عشرة ومائة، وهو غريب والله سبحانه أعلم.
стр. 3567
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة
ففيها كان مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان سبب ذلك أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة، أمرهم في أول هذه السنة بالخروج والتأهب له، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك. فانطلق رجل يقال له سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره - وهو بالحيرة يومئذ - خبر زيد بن علي هذا ومن معه من أهل الكوفة، فبعث يوسف بن عمر يتطلبه ويلح في طلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك يرحمك الله في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيها إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الامر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيرا لكم ولي، وإن تابوا فلست عليكم بوكيل. فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية، وغالب أهل الكوفة منهم رافضة، وغالب أهل مكة إلى اليوم على مذهب الزيدية، وفي مذهبم حق، وهو تعديل الشيخين، وباطل وهو اعتقاد تقديم علي عليهما، وليس علي مقدما عليهما، بل ولا عثمان على أصح قولي أهل السنة الثابتة، والآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة، وقد ذكرنا ذلك في سيرة أبي بكر وعمر فيما تقدم. ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه، فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من هذه السنة. فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فكتب إلى نائبه على الكوفة وهو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع، فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم، وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد، ورفع أصحابه النيران، وجعلوا ينادون يا منصور يا منصور، فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر (١) رجلا، فجعل زيد يقول: سبحان الله!! أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون. وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد بن علي، فبعث إليه سرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وجاء يوسف بن عمر أيضا في طائفة كبيرة من الناس، فالتقى بمن معه جرثومة منهم فيهن خمسمائة فارس، ثم أتى الكناسة فحمل على جمع من أهل الشام فهزمهم، ثم اجتاز بيوسف بن عمر وهو واقف فوق تل، وزيد في مائتي فارس ولو قصد يوسف بن عمر لقتله، ولكن أخذ ذات اليمين، وكلما لقي طائفة هزمهم، وجعل أصحابه ينادون: يا أهل الكوفة اخرجوا إلى الدين والعز والدنيا،
стр. 3568
فإنكم لستم في دين ولا عز ولا دنيا، ثم لما أمسوا انضاف إليه جماعة من أهل الكوفة، وقد قتل بعض أصحابه في أول يوم، فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو وطائفة من أهل الشام فقتل منهم سبعين رجلا، وانصرفوا عنه بشر حال، وأمسوا فعبأ يوسف بن عمر جيشه جدا، ثم أصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم حتى أخرجهم إلى بني سليم، ثم تبعهم في خيله ورجله حتى أخذوا على الساه (١)، ثم اقتتلوا هناك قتالا شديدا جدا، حتى كان جنح الليل رمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فوصل إلى دماغه، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا لأجل المساء والليل، وأدخل زيد في دار في سكة البريد، وجئ بطبيب فانتزع ذلك السهم من جبهته، فما عدا أن انتزعه حتى مات من ساعته ﵀.
فاختلف أصحابه أين يدفنونه، فقال بعضهم: ألبسوه درعه وألقوه في الماء، وقال بعضهم: احتزوا رأسه واتركوا جثته في القتلى، فقال ابنه: لا والله لا تأكل أبي الكلاب. وقال بعضهم: ادفنوه في العباسية، وقال بعضهم: ادفنوه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين (٢)، ففعلوا ذلك وأجروا على قبره الماء لئلا يعرف، وانفتل أصحابه حيث لم يبق لهم رأس يقاتلون به، فما أصبح الفجر ولهم قائمة ينهضون بها، وتتبع يوسف بن عمر الجرحى هل يجد زيدا بينهم، وجاء مولى لزيد سندي قد شهد دفنه فدل على قبره فأخذ من قبره، فأمر يوسف بن عمر بصلبه على خشبة بالكناسة، ومعه نضر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وزياد النهدي، ويقال إن زيدا مكث مصلوبا أربع سنين، ثم أنزل بعد ذلك وأحرق فالله أعلم. وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الطبري: أن يوسف بن عمر لم يعلم بشئ من ذلك حتى كتب له هشام بن عبد الملك: إنك لغافل، وإن زيد بن علي غارز ذنبه بالكوفة يبايع له، فألح في طلبه واعطه الأمان، وإن لم يقبل فقاتله، فتطلبه يوسف حتى كان من أمره ما تقدم، فلما ظهر على قبره حز رأسه وبعثه إلى هشام، وقام من بعده الوليد بن يزيد فأمر به فأنزل وحرق في أيامه قبح الله الوليد بن يزيد. فأما ابنه يحيى بن زيد بن علي فاستجار بعبد الملك بن بشر بن مروان، فبعث إليه يوسف بن عمر يتهدده حتى يحضره، فقال له عبد الملك بن بشر: ما كنت لآوي مثل هذا الرجل وهو عدونا وابن عدونا. فصدقه يوسف بن عمر في ذلك، ولما هدأ الطلب عنه سيره إلى خراسان فخرج يحيى بن زيد في جماعة من الزيدية إلى خراسان فأقاموا بها هذه المدة.
قال أبو مخنف: ولما قتل زيد خطب يوسف بن عمر أهل الكوفة فتهددهم وتوعدهم وشتمهم
стр. 3569
وقال لهم فيما قال: والله لقد استأذنت أمير المؤمنين في قتل خلق منكم، ولو أذن لي لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذراريكم، وما صعدت لهذا المنبر إلا لأسمعكم ما تكرهون.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم، ولم يزد ابن جرير على هذا، وقد ذكر هذا الرجل الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير فقال: عبد الله أبو يحيى المعروف بالبطال
كان ينزل أنطاكية، حكى عنه أبو مروان الأنطاكي، ثم روى باسناده أن عبد الملك بن مروان حين عقد لابنه مسلمة على غزو بلاد الروم، ولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطال، وقال لابنه: سيره على طلائعك، وأمره فليعس بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع. وخرج معهم عبد الملك يشيعهم إلى باب دمشق. قال: فقدم مسلمة البطال على عشرة آلاف يكونون بين يديه ترسا من الروم أن يصلوا إلى جيش المسلمين. قال محمد بن عائذ الدمشقي: ثنا الوليد بن مسلمة حدثني أبو مروان - شيخ من أهل أنطاكية - قال: كنت أغازي مع البطال وقد أوطأ الروم ذلا، قال البطال فسألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمري في مغازي فيهم، فقلت له: خرجت في سرية ليلا فدفعنا إلى قرية فقلت لأصحابي: ارخوا لجم خيلكم ولا تحركوا أحدا بقتل ولا بشئ حتى تستمكنوا من القرية ومن سكانها، ففعلوا وافترقوا في أزقتها، فدفعت في أناس من أصحابي إلى بيت يزهر سراجه، وإذا امرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول له: لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطال يذهب بك، وانتشلته من سريره وقالت: خذه يا بطال، قال: فأخذته.
وروى محمد بن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن أبي مروان الأنطاكي عن البطال قال: انفردت مرة ليس معي أحد من الجند، وقد سمطت خلفي مخلاة فيها شعير، ومعي منديل فيه خبز وشواء، فبينا أنا أسير لعلي ألقى أحدا منفردا، أو أطلع على خبر، إذا أنا ببستان فيه بقول حسنة، فنزلت وأكلت من ذلك البقل بالخبز والشواء مع النقل، فأخذني إسهال عظيم قمت منه مرارا، فخفت أن أضعف من كثرة الاسهال، فركبت فرسي والاسهال مستمر على حاله، وجعلت أخشى إن أنا نزلت عن فرسي أن أضعف عن الركوب، وأفرط بي الاسهال في السير حتى خشيت أن أسقط من الضعف، فأخذت بعنان الفرس ونمت على وجهي لا أدري أين يسير الفرس بي، فلم أشعر إلا بقرع نعاله على بلاط، فأرفع رأسي فإذا دير، وإذا قد خرج منه نسوة صحبة امرأة حسناء جميلة جدا، فجعلت تقول بلسانها: أنزلنه، فأنزلنني فغسلن عني ثيابي وسرجي وفرسي، ووضعنني على سرير وعملن لي طعاما وشرابا، فمكثت يوما وليلة مستويا، ثم أقمت بقية ثلاثة أيام حتى ترد إلي حالي، فبينا أنا كذلك إذا أقبل البطريق وهو يريد أن يتزوجها، فأمرت بفرسي فحول وعلق على الباب الذي أنا فيه، وإذا هو بطريق كبير فيهم، وهو إنما جاء لخطبتها، فأخبره من كان هنالك بأن هذا البيت فيه رجل وله فرس، فهم بالهجوم علي فمنعته المرأة من ذلك، وأرسلت تقول له: إن فتح عليه الباب لم
стр. 3570
أقض حاجته، فثناه ذلك عن الهجوم علي، وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم، ثم ركب فرسه وركب معه أصحابه وانطلق. قال البطال: فنهضت في أثرهم فهمت أن تمنعني خوفا علي منهم فلم أقبل، وسقت حتى لحقتهم، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه، وأراد الفرار فألحقه فأضرب عنقه واستلبته وأخذت رأسه مسمطا على فرسي، ورجعت إلى الدير، فخرجن إلي ووقفن بين يدي، فقلت: اركبن، فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن إليه، فنفلني ما شئت منهن، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها، فهي أم أولادي. والبطريق في لغة؟ العبارة عن الأمير الكبير فيهم، وكان أبوها بطريقا كبيرا فيهم - يعني تلك المرأة - وكان البطال بعد ذلك يكاتب أباها ويهاديه.
وذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية إلى أرض الروم، فغاب عنه خبرهم فلم يدر ما صنعوا، فركب بنفسه وحده على فرس له وسار حتى وصل عمورية، فطرق بابها ليلا فقال له البواب: من هذا؟ قال البطال: فقلت أنا سياف الملك ورسوله إلى البطريق، فأخذ لي طريقا إليه، فلما دخلت عليه إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه، ثم قلت له: إني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا، فأمر من عنده فذهبوا، قال: ثم قام فأغلق باب الكنيسة علي وعليه، ثم جاء فجلس مكانه، فاخترطت سيفي وضربت به رأسه صفحا وقلت له: أنا البطال فأصدقني عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك وإلا ضربت عنقك الساعة، فأخبرني ما خبرها، فقال: هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم، وهذا كتاب قد جاءني يخبر أنهم في وادي كذا وكذا، والله لقد صدقتك. فقلت: هات الأمان، فأعطاني الأمان، فقلت: إيتني بطعام، فأمر أصحابه فجاؤوا بطعام فوضع لي، فأكلت فقمت لانصرف فقال لأصحابه: اخرجوا بين يدي رسول الملك فانطلقوا يتعادون بين يدي، وانطلقت إلى ذلك الوادي الذي ذكر فإذا أصحابي هنالك، فأخذتهم ورجعت إلى المصيصة. فهذا أغرب ما جرى.
قال الوليد: وأخبرني بعض شيوخنا أنه رأى البطال وهو قافل من حجته، وكان قد شغل بالجهاد عن الحج، وكان يسأل الله دائما الحج ثم الشهادة، فلم يتمكن من حجة الاسلام إلا في السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى، وكان سبب شهادته أن ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس، فبعث البطريق - الذي البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها - إلى البطال يخبره بذلك، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الاسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا والابطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى
стр. 3571
الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح إليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الابطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحه قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة علي ودفني، ففعل الملك ذلك وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الاسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربا راجعا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها.
قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة، وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة فالله أعلم.
قلت: فهذا ملخص ابن عساكر في ترجمة البطال مع تفصيله للاخبار واطلاعه عليها، وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة والبطال والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة، فكذب وافتراء ووضع بارد، وجهل وتخبط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردي. كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذوبة، وكذلك سيرة البكري والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها، لان واضعها يدخل في قول النبي ﷺ : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
أياس الذكي (١)
وهو إياس بن معاوية بن مرة (٢) بن إياس بن هلال بن رباب (٣) بن عبيد بن دريد بن أوس بن سواه بن عمرو بن سارية بن ثعلبة بن ذبيان بن ثعلبة بن أوس بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هكذا نسبه خليفة بن خياط، وقيل غير ذلك
стр. 3572
في نسبه، وهو أبو واثلة المزني قاضي البصرة، وهو تابعي ولجده صحبة، وكان يضرب المثل بذكائه. روى عن أبيه عن جده مرفوعا في الحياء عن أنس وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ونافع وأبي مجلز، وعنه الحمادان وشعبة والأصمعي وغيرهم. قال عنه محمد بن سيرين: إنه لفهم إنه لفهم، وقال محمد بن سعد والعجلي وابن معين والنسائي: ثقة. زاد بن سعد وكان عاقلا من الرجال فطنا، وزاد العجلي وكان فقيها عفيفا، وقدم دمشق في أيام عبد الملك بن مروان، ووفد على عمر بن عبد العزيز، ومرة أخرى حين عزله عدي بن أرطأة عن قضاء البصرة. قال أبو عبيدة وغيره: تحاكم إياس وهو صبي شاب وشيخ إلى قاضي عبد الملك بن مروان بدمشق، فقال له القاضي: إنه شيخ وأنت شاب فلا تساوه في الكلام، فقال إياس: إن كان كبيرا فالحق أكبر منه، فقال له القاضي: اسكت، فقال: ومن يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال القاضي: ما أحسبك تنطق بحق في مجلسي هذا حتى تقوم، فقال إياس: أشهد أن لا إله إلا الله، زاد غيره فقال القاضي: ما أظنك إلا ظالما له، فقال: ما على ظن القاضي خرجت من منزلي. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره خبره فقال: اقض حاجته وأخرجه الساعة من دمشق لا يفسد على الناس.
وقال بعضهم: لما عزله عدي بن أرطاة عن قضاء البصرة فر منه إلى عمر بن عبد العزيز فوجده قد مات، فكان يجلس في حلقة في جامع دمشق، فتكلم رجل من بني أمية فرد عليه إياس، فأغلظ له الأموي فقام إياس، فقيل للأموي: هذا إياس بن معاوية المزني، فلما عاد من الغد اعتذر له الأموي وقال: لم أعرفك، وقد جلست إلينا بثياب السوقة وكلمتنا بكلام الاشراف فلم نحتمل ذلك.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا نعيم بن حماد، ثنا ضمرة، عن أبي شوذب قال: كان يقال يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، فكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم. وقال العجلي: دخل على إياس ثلاث نسوة فلما رآهن قال: أما إحداهن فمرضع، والأخرى بكر، والأخرى ثيب، فقيل له بم علمت هذا؟ فقال: أما المرضع فكلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فكلما دخلت لم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب فكلما دخلت نظرت ورمت بعينها. وقال يونس بن صعلب. ثنا الأحنف بن حكيم بأصبهان، ثنا حماد بن سلمة، سمعت إياس بن معاوية يقول: أعرف الليلة التي ولدت فيها، وضعت أمي على رأسي جفنة. وقال المدائني: قال إياس بن معاوية لامه: ما شئ سمعته وأنت حامل بي وله جلبة شديدة؟ قالت: ذاك طست من نحاس سقط من فوق الدار إلى أسفل، ففزعت فوضعتك تلك الساعة. وقال أبو بكر الخرائطي عن عمر بن شيبة النميري قال: بلغني أن إياسا قال: ما يسرني أن أكذب كذبة يطلع عليها أبي معاوية. وقال: ما خاصمت أحدا من أهل الأهواء بعقلي كله إلا القدرية، قلت لهم أخبروني عن الظلم ما هو؟ قالوا: أخذ الانسان ما ليس له، قلت: فإن الله له كل شئ قال بعضهم عن إياس قال:
стр. 3573
كنت في الكتاب وأنا صبي فجعل أولاد النصارى يضحكون من المسلمين ويقولون: إنهم يزعمون أنه لا فضلة لطعام أهل الجنة، فقلت للفقيه - وكان نصرانيا (١): ألست تزعم أن في الطعام ما ينصرف في غذاء البدن؟ قال: بلى، قلت فما ينكر أن يجعل الله طعام أهل الجنة كله غذاء لأبدانهم؟ فقال له معلمه: ما أنت إلا شيطان.
وهذا الذي قاله إياس وهو صغير بعقله قد ورد به الحديث الصحيح كما سنذكره إن شاء الله في أهل الجنة أن طعامهم ينصرف جشاء وعرقا كالمسك، فإذا البطن ضامر. وقال سفيان: وحين قدم إياس واسط فجاءه ابن شبرمة بمسائل قد أعدها، فقال له: أتأذن لي أن أسألك؟ قال: سل وقد ارتبت حين استأذنت، فسأله عن سبعين مسألة يجيبه فيها، ولم يختلفا إلا في أربع مسائل، رده إياس إلى قوله، ثم قال له إياس: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم! قال أتحفظ قوله (اليوم أكملت لكم دينكم)؟ [المائدة: ٣] قال: نعم! قال: وما قبلها وما بعدها؟ قال: نعم! قال: فهل أبقت هذه الآية لآل شبرمة رأيا؟
وقال عباس بن يحيى بن معين: حدثنا سعيد بن عامر بن عمر بن علي قال: قال رجل لإياس بن معاوية: يا أبا واثلة حتى متى يبقى الناس؟ وحتى متى يتوالد الناس ويموتون؟ فقال لجلسائه: أجيبوه فلم يكن عندهم جواب، فقال إياس: حتى تتكامل العدتان، عدة أهل الجنة، وعدة أهل النار. وقال بعضهم: اكترى إياس بن معاوية بن الشام قاصدا الحج، فركب معه في المحارة غيلان القدري، ولا يعرف أحدهما صاحبه، فمكثا ثلاثا لا يكلم أحدهما الآخر، فلما كان بعد ثلاث تحادثا فتعارفا وتعجب كل واحد منهما من اجتماعه مع صاحبه، لمباينة ما بينهما في الاعتقاد في القدر، فقال له إياس: هؤلاء أهل الجنة يقولون حين يدخلون الجنة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) [الأعراف: ٤٣] ويقول أهل النار (ربنا غلبت علينا شقوتنا) [المؤمنون: ١٠٦] وتقول الملائكة (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) [البقرة: ٣٢] ثم ذكر له من أشعار العرب وأمثال العجم ما فيه من إثبات القدر ثم اجتمع مرة أخرى إياس وغيلان عند عمر بن عبد العزيز فناظر بينهما فقهره إياس، وما زال يحصره في الكلام حتى اعترف غيلان بالعجز وأظهر التوبة، فدعا عليه عمر بن عبد العزيز إن كان كاذبا، فاستجاب الله منه فأمكن من غيلان فقتل وصلب بعد ذلك ولله الحمد والمنة.
ومن كلام إياس الحسن: لان يكون في فعال الرجل فضل عن مقاله خير من أن يكون في مقاله فضل عن فعاله. وقال سفيان بن حسين: ذكرت رجلا بسوء عن إياس بن معاوية فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا! قال: السند والهند والترك، قلت: لا. قال: أفسلم منك
стр. 3574
الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فلم أعد بعدها. وقال الأصمعي عن أبيه: رأيت إياس بن معاوية في بيت ثابت البناني، وإذا هو أحمر طويل الذراع غليظ الثياب، يلون عمامته، وهو قد غلب على الكلام فلا يتكلم معه أحد إلا علاه، وقد قال له بعضهم: ليس فيك عيب سوى كثرة كلامك (١)، فقال: بحق أتكلم أم بباطل؟ فقيل بل بحق، فقال: كلما كثر الحق فهو خير، ولامه بعضهم في لباسه الثياب الغليظة فقال: إنما ألبس ثوبا يخدمني ولا ألبس ثوبا أخدمه، وقال الأصمعي قال إياس بن معاوية: إن أشرف خصال الرجل صدق اللسان، ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه. وقال بعضهم: سأل رجل إياسا عن النبيذ فقال: هو حرام، فقال الرجل: فأخبرني عن الماء فقال: حلال، قال: فالكسور، قال: حلال، قال: فالتمر؟ قال حلال، قال: فما باله إذا اجتمع حرم؟ فقال إياس: أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب أتوجعك؟ قال: لا، قال: فهذه الحفنة من التبن؟ قال لا توجعني، قال: فهذه الغرفة من الماء؟ قال لا توجعني شيئا، قال: أفرأيت إن خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طينا ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك أيوجعك؟ قال: إي والله وتقتلني، قال: فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت. وقال المدائني: بعث عمر بن عبد العزيز عدي بن أرطاة على البصرة نائبا وأمره أن يجمع بين إياس والقاسم بن ربيعة الجوشني (٢)، فأيهما كان أفقه فليوله القضاء، فقال إياس وهو يريد أن لا يتولى: أيها الرجل سل فقيهي البصرة، الحسن وابن سيرين، وكان إياس لا يأتيهما، فعرف القاسم أنه إن سألهما أشارا به - يعني بالقاسم - لأنه كان يأتيهما، فقال القاسم لعدي: والله الذي لا إله إلا هو إن إياسا أفضل مني وأفقه مني، وأعلم بالقضاء، فإن كنت صادقا فوله، وإن كنت كاذبا فما ينبغي أن تولي كاذبا القضاء. فقال إياس: هذا رجل أوقف على شفير جهنم فافتدي منها بيمين كاذبة يستغفر الله، فقال عدي: أما إذ فطنت إلى هذا فقد وليتك القضاء. فمكث سنة يفصل بين الناس ويصلح بينهم، وإذا تبين له الحق حكم به، ثم هرب إلى عمر بن عبد العزيز بدمشق فاستعفاه القضاء، فولى عدي بعده الحسن البصري.
قالوا: لما تولى إياس القضاء بالبصرة فرح به العلماء حتى قال أيوب: لقد رموها بحجرها، وجاءه الحسن وابن سيرين فسلما عليه، فبكى إياس وذكر الحديث (القضاة ثلاثة، قاضيان في النار وواحد في الجنة). فقال الحسن (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) إلى قوله (وكلا آتينا حكما علما) [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] قالوا: ثم جلس للناس في المسجد واجتمع عليه الناس للخصومات، فما قام حتى فصل سبعين قضية، حتى يشبه بشريح القاضي. وروى أنه كان إذا أشكل عليه شئ بعث
стр. 3575
إلى محمد بن سيرين فسأله منه. وقال إياس: إني لأكلم الناس بنصف عقلي، فإذا اختصم إلي اثنان جمعت لهما عقلي كله. وقال له رجل: إنك لتعجب برأيك فقال: لولا ذلك لم أقض به، وقال له آخر: إن فيك خصالا لا تعجبني، فقال: ما هي؟ فقال تحكم قبل أن تفهم، ولا تجالس كل أحد، وتلبس الثياب الغليظة. فقال له: أيها أكثر الثلاثة أو الاثنان؟ قال: الثلاثة. فقال: ما أسرع ما فهمت وأجبت، فقال أو يجهل هذا أحد؟ فقال: وكذلك ما أحكم أنا به، وأما مجالستي لكل أحد فلان أجلس مع من يعرف لي قدري أحب إلي من أن أجلس مع من لا يعرف لي قدري، وأما الثياب الغلاظ فأنا ألبس منها ما يقيني لا ما أقيه أنا. قالوا، وتحاكم إليه اثنان فادعى أحدهما عند الآخر مالا، وجحده الآخر، فقال إياس للمودع: أين أودعته؟ قال: عند شجرة في بستان. فقال: انطلق إليها فقف عندها لعلك تتذكر، وفي رواية أنه قال له: هل تستطيع أن تذهب إليها فتأتي بورق منها؟ قال: نعم! قال فانطلق، وجلس الآخر فجعل إياس يحكم بين الناس ويلاحظه، ثم استدعاه فقال له: أوصل صاحبك بعد إلى المكان؟ فقال: لا بعد أصلحك الله. فقال له: قم يا عدو الله فأد إليه حقه، وإلا جعلتك نكالا. وجاء ذلك الرجل فقام معه فدفع إليه وديعته بكمالها. وجاء آخر فقال له: إني أودعت عند فلان مالا وقد جحدني، فقال له: اذهب الآن وائتني غدا، وبعث من فوره إلى ذلك الرجل الجاحد فقال له: إنه قد اجتمع عندنا ههنا مال فلم نر له أمينا نضعه عنده إلا أنت، فضعه عندك في مكان حريز. فقال له سمعا وطاعة، فقال له: اذهب الآن وائتني غدا، وأصبح ذلك الرجل صاحب الحق فجاء فقال له: اذهب الآن إليه فقل له أعطني حقي وإلا رفعتك إلى القاضي، فقال له ذلك فخاف أن لا يودع إذا سمع الحاكم خبره، فدفع إليه ماله بكماله، فجاء إلى إياس فأعلمه، ثم جاء ذلك الرجل من الغدر رجاء أن يودع فانتهره إياس وطرده وقال له: أنت خائن. وتحاكم إليه اثنان في جارية فادعى المشتري أنها ضعيفة العقل، فقال لها إياس: أي رجليك أطول؟ فقالت: هذه، فقال لها: أتذكرين ليلة ولدت؟ فقالت نعم فقال للبائع ردرد.
وروى ابن عساكر أن إياسا سمع صوت امرأة من بيتها فقال: هذه امرأة حامل بصبي، فلما ولدت ولدت كما قال، فسئل بم عرفت ذلك؟ قال: سمعت صوتها ونفسها معه فعلمت أنها حامل، وفي صوتها ضحل فعلمت أنه غلام. قالوا ثم مر يوما ببعض المكاتب فإذا صبي هنالك فقال: إن كنت أدري شيئا فهذا الصبي ابن تلك المرأة، فإذا هو ابنها. وقال مالك عن الزهري عن أبي بكر قال شهد رجل عند إياس فقال له: ما اسمك؟ فقال أبو العنفر فلم يقبل شهادته. وقال الثوري عن الأعمش: دعوني إلى إياس فإذا رجل كلما فرغ من حدث أخذ في آخر. وقال إياس: كل رجل لا يعرف عيب نفسه فهو أحمق، فقيل له: ما عيبك؟ فقال كثرة الكلام. قالوا: ولما ماتت أمه بكى عليها فقيل له في ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فغلق أحدهما. وقال له أبوه: