← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

سعيد، وهارون بن موسى، ويحيى القطان، ويزيد بن زريع. قال الإمام أحمد بن حنبل: ليس بأهل أن يحدث عنه. وقال علي بن المديني ويحيى بن معين: ليس بشئ، وزاد ابن معين وكان رجل سوء وكان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع. وقال الفلاس: متروك صاحب بدعة. كان يحيى القطان يحدثنا عنه ثم تركه وكان ابن مهدي لا يحدث عنه. وقال أبو حاتم: متروك. وقال النسائي ليس بثقة. وقال شعبة عن يونس بن عبيد: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث. وقال حماد بن سلمة: قال لي حميد: لا تأخذ عنه فإنه كان يكذب على الحسن البصري. وكذا قال أيوب وعوف وابن عون. وقال أيوب: ما كنت أعدله عقلا، وقال مطر الوراق: والله لا أصدقه في شئ. وقال ابن المبارك: إنما تركوا حديثه لأنه كان يدعو إلى القدر. وقد ضعفه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، وأثنى عليه آخرون في عبادته وزهده وتقشفه. قال الحسن البصري: هذا سيد شباب القراء ما لم يحدث. قالوا: فأحدث والله أشد الحدث. وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحبس هو وجماعة معه فسموا المعتزلة، وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث، وهما لا تعمدا. وقد روي عنه أنه قال: إن كانت تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ فما تعد منه على ابن آدم حجة. وروى له حديث ابن مسعود: حدثنا الصادق المصدوق " أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما " حتى قال: " فيؤمر بأربع كلمات. رزقه وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد " إلى آخره. فقال: لو سمعت الأعمش يرويه لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما أحببته، ولو سمعته من ابن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول الله ﷺ لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت ما على هذا أخذت علينا الميثاق. وهذا من أقبح الكفر، لعنه الله إن كان قال هذا. وإذا كان مكذوبا عليه فعلى من كذبه عليه ما يستحقه وقد قال عبد الله بن المبارك ﵀: أيها الطالب علما … إيت حماد بن زيد فخذ العلم بحلم … ثم قيده بقيد وذر البدعة من … آثار عمرو بن عبيد وقال ابن عدي: كان عمرو يغر الناس بتقشفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جدا، معلن بالبدع. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث. وقال الخطيب البغدادي: جالس الحسن واشتهر بصحبته ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنة وقال بالقدر ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحديث، وكان له سمت وإظهار زهد. وقد قيل: إنه وواصل بن عطاء ولدا سنة ثمانين، وحكى البخاري أن عمرا مات سنة ثنتين أو ثلاث وأربعين ومائة بطريق مكة، وقد كان عمرو محظيا عند أبي جعفر المنصور، كان المنصور يحبه ويعظمه لأنه كان يفد على المنصور مع القراء فيعطيهم المنصور فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئا، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه فلا يقبل منه، فكان ذلك مما يغر المنصور ويروج به عليه حاله، لان المنصور كان بخيلا وكان يعجبه ذلك منه وينشد:

стр. 3677

كلكم يمشي رويد … كلكم يطلب صيد … غير عمرو بن عبيد ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمرو بن عبيد، والزهد لا يدل على صلاح، فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد ما لا يطيقه عمرو ولا كثير من المسلمين في زمانه. وقد روينا عن إسماعيل بن خالد القعنبي قال: رأيت الحسن بن جعفر في المنام بعد ما مات بعبادان فقال لي: أيوب ويونس وابن عون في الجنة. قلت: فعمرو بن عبيد؟ قال: في النار. ثم رآه مرة ثانية ويروى ثالثة، فيسأله فيقول له مثل ذلك. وقد رؤيت له منامات قبيحة، وقد أطال شيخنا في تهذيبه في ترجمته ولخصنا حاصلها في كتابنا التكميل، وأشرنا ههنا إلى نبذ من حاله ليعرف فلا يغتر به والله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة فيها ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم، لأنهم قتلوا من المسلمين خلقا، وأمر أهل الكوفة والبصرة من كان منهم يقدر على عشرة آلاف فصاعدا فليذهب مع الجيش إلى الديلم، فانتدب خلق كثير وجم غفير لذلك. وحج بالناس عيسى بن موسى نائب الكوفة وأعمالها. وفيها توفي حجاج الصواف، وحميد بن رؤية الطويل، وسليمان بن طرخان التيمي، وقد ذكرناه في التي قبلها، وعمرو بن عبيد في قول، وليث بن أبي سليم على الصحيح. ويحيى بن سعيد الأنصاري. ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة فيها سار محمد بن أبي العباس السفاح عن أمر عمه المنصور إلى بلاد الديلم ومعه الجيوش من الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة. وفيها قدم محمد بن [أبي] جعفر المنصور المهدي على أبيه من بلاد خراسان ودخل بابنة عمه رايطة (١) بنت السفاح بالحيرة. وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور واستخلف على الحيرة والعسكر خازم بن خزيمة، وولى رباح بن عثمان المزني (٢) المدينة وعزل عنها محمد بن خالد القسري، وتلقى الناس أبا جعفر المنصور إلى أثناء طريق مكة في حجه في سنة أربع وأربعين ومائة. وكان في جملة من تلقاه عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، فأجلسه المنصور معه على السماط، ثم جعل يحادثه بإقبال زائد بحيث أن المنصور اشتغل بذلك عن عامة غدائه، وسأله عن أبنيه إبراهيم ومحمد لم لا جاءاني مع الناس؟ فحلف عبد الله بن حسن أنه لا يدري أين صارا من أرض الله. وصدق في ذلك، وما ذاك إلا أن محمد بن عبد الله بن حسن كان قد بايعه جماعة

стр. 3678

من أهل الحجاز في أواخر دولة مروان الحمار بالخلافة وخلع مروان، وكان في جملة من بايعه على ذلك أبو جعفر المنصور، وذلك قبل تحويل الدولة إلى بني العباس، فلما صارت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور خاف محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم منه خوفا شديدا. وذلك لان المنصور توهم منهما أنهما لا بد أن يخرجا عليه كما أرادا أن يخرجا على مروان، والذي توهم منه المنصور وقع فيه، فذهبا هربا في البلاد الشاسعة فصارا إلى اليمن، ثم سارا إلى الهند فاختفيا بها، فدل على مكانهما الحسن بن زيد فهربا إلى موضع آخر، فاستدل عليه الحسن بن زيد ودل عليهما، ثم كذلك. وانتصب إلبا عليهما عند المنصور. والعجب منه أنه من أتباعهما. واجتهد المنصور بكل طريق على تحصيلهما فلم يتفق له ذلك، وإلى الآن. فلما سأل أباهما عنهما حلف أنه لا يدري أين صارا من أرض الله، ثم ألح المنصور على عبد الله في طلب ولديه فغضب عبد الله من ذلك وقال: والله لو كانا تحت قدمي ما دللتك عليهما. فغضب المنصور وأمر بسجنه وأمر ببيع رقيقه وأمواله، فلبث في السجن ثلاث سنين، وأشاروا على المنصور بحبس بني حسن عن آخرهم فحبسهم، وجد في طلب إبراهيم ومحمد جدا، هذا وهما يحضران الحج في غالب السنين ويكمنان في المدينة في غالب الأوقات، ولا يشعر بهما من ينم عليهما ولله الحمد. والمنصور يعزل نائبا عن المدينة ويولي عليها غيره ويحرضه على إمساكهما والفحص عنهما، وبذل الأموال في طلبهما، وتعجزه المقادير عنهما لما يريده الله . وقد واطأهما على أمرهما أمير من أمراء المنصور يقال له أبو العساكر خالد بن حسان، فعزموا في بعض الحجات على الفتك بالمنصور بين الصفا والمروة، فنهاهم عبد الله بن حسن لشرف البقعة. وقد اطلع المنصور على ذلك وعلم بما مالأهما ذلك الأمير، فعذبه حتى أقر بما كانوا تمالؤا عليه من الفتك به. فقال: وما الذي صرفكم عن ذلك؟ فقال: عبد الله بن حسن نهانا عن ذلك، فأمر به الخليفة فغيب في الأرض فلم يظهر حتى الآن (١). وقد استشار المنصور من يعلم من أمرائه ووزرائه من ذوي الرأي في أمر ابني عبد الله بن حسن، وبعث الجواسيس والقصاد في البلاد فلم يقع لهما على خبر، ولا ظهر لهما على عين ولا أثر، والله غالب على أمره. وقد جاء محمد بن عبد الله بن حسن إلى أمه فقال يا أمه! إني قد شفقت على أبي وعمومتي، ولقد هممت أن أضع يدي في يد هؤلاء لأريح أهلي. فذهبت أمه إلى السجن فعرضت عليهم ما قال ابنها، فقالوا: لا ولا كرامة، بل نصبر على أمره فلعل الله أن يفتح على يديه خيرا، ونحن نصبر وفرجنا بيد الله إن شاء فرج عنا، وإن شاء ضيق. وتمالؤا كلهم على ذلك ﵏. وفيها نقل آل حسن من حبس المدينة إلى حبس بالعراق وفي أرجلهم القيود، وفي أعناقهم الأغلال. وكان ابتداء تقييدهم من الربذة بأمر أبي جعفر المنصور، وقد أشخص معهم محمد بن عبد

стр. 3679

الله العثماني، وكان أخا عبد الله بن حسن لامه، وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد حملت قريبا، فاستحضره الخليفة وقال: قد حلفت بالعتاق والطلاق إنك لم تغشني، وهذه ابنتك حامل، فإن كان من زوجها فقد حبلت منه وأنت تعلم به، وإن كان من غيره فأنت ديوث. فأجابه العثماني بجواب أحفظه به، فأمر به فجردت عنه ثيابه فإذا جسمه مثل الفضة النقية، ثم ضربه بين يديه مائة وخمسين سوطا، منها ثلاثون فوق رأسه، أصاب أحدها عينه فسالت، ثم رده إلى السجن وقد بقي كأنه عبد أسود من زرقة الضرب، وتراكم الدماء فوق جلده، فأجلس إلى جانب أخيه لامه عبد الله بن حسن، فاستسقى ماء فما جسر أحد أن يسقيه حتى سقاه خراساني من جملة الجلاوزة الموكلين بهم. ثم ركب المنصور هودجه وأركبوا أولئك في محامل ضيقة، وعليهم القيود والاغلال، فاجتاز بهم المنصور وهو في هودجه، فناداه عبد الله بن حسن: والله يا أبا جعفر ما هكذا صنعنا بأسرائكهم يوم بدر، فأخسأ ذلك المنصور وثقل عليه ونفر عنهم. ولما انتهوا إلى العراق حبسوا بالهاشمية، وكان فيهم محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وكان جميلا فتيا، فكان الناس يذهبون لينظروا إلى حسنه وجماله. وكان يقال له: الديباح الأصغر، فأحضره المنصور بين يديه وقال له: أما لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا. ثم ألقاه بين إسطوانتين وسد عليه حتى مات. فعلى المنصور ما يستحقه من عذاب الله ولعنته. وقد هلك كثير منهم في السجن حتى فرج عنهم بعد هلاك المنصور على ما سنذكره. فكان فيمن هلك في الحسن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وقد قيل والأظهر أنه قتل صبرا، وأخوه إبراهيم بن الحسن وغيرهما، وقل من خرج منهم من الحبس، وقد جعلهم المنصور في سجن لا يسمعون فيه أذانا، ولا يعرفون فيه وقت صلاة إلا بالتلاوة، ثم بعث أهل خراسان يشفعون في محمد بن عبد الله العثماني، فأمر به فضربت عنقه وأرسل برأسه إلى أهل خراسان، لا جزاه الله خيرا، ورحم الله محمد بن عبد الله العثماني. وهو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي ﵀، أبو عبد الله المدني المعروف بالديباج، لحسن وجهه. وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي، روى الحديث عن أبيه وأمه وخارجة بن زيد وطاوس وأبي الزناد والزهري ونافع وغيرهم، وحدث عنه جماعة، ووثقه النسائي وابن حبان، وكان أخا عبد الله بن حسن لامه، وكانت ابنته رقية زوجة ابن أخيه إبراهيم بن عبد الله، وكانت من أحسن النساء، وبسببها قتله أبو جعفر المنصور في هذه السنة. وكان كريما جوادا ممدحا. قال الزبير بن بكار: أنشدني سليمان بن عباس السعدي لأبي وجزة السعدي يمدحه: وجدنا المحض الأبيض من قريش … فتى بين الخليفة والرسول أتاك المجد من هنا وهناك … وكنت له بمعتلج السيول فما للمجد دونك من مبيت … وما للمجد دونك من مقيل ولا يمضي وراءك يبتغيه … ولا هو قابل بك من بديل

стр. 3680

ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة فمما كان فيها من الاحداث مخرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة، على ما سنبينه إن شاء الله. أما محمد فإنه خرج على أثر ذهاب أبي جعفر المنصور بأهله بني حسن من المدينة إلى العراق على الصفة والنعت الذي تقدم ذكره، وسجنهم في مكان ساء مستقرا ومقاما، لا يسمعون فيه أذانا ولا يعرفون فيه دخول أوقات صلوات إلا بالأذكار والتلاوة. وقد مات أكثر أكابرهم هنالك ﵏. هذا كله ومحمد الذي يطلبه مختف بالمدينة، حتى أنه في بعض الأحيان اختفى في بئر نزل في مائه كله إلا رأسه، وباقيه مغمور بالماء، وقد تواعد هو وأخوه وقتا معينا يظهران فيه، هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، ولم يزل الناس - أهل المدينة وغيرهم - يؤنبون محمد بن عبد الله في اختفائه وعدم ظهوره حتى عزم على الخروج، وذلك لما أضر به شدة الاختفاء وكثرة إلحاح رياح نائب المدينة في طلبه ليلا ونهارا، فلما اشتد به الامر وضاق الحال واعد أصحابه على الظهور في الليلة الفلانية، فلما كانت تلك الليلة جاء بعض الوشاة (١) إلى متولي المدينة فأعلمه بذلك، فضاق ذرعا وانزعج لذلك انزعاجا شديدا، وركب في جحافله فطاف بالمدينة وحول دار مروان، وهم مجتمعون بها، فلم يشعر بهم. فلما رجع إلى منزله بعث إلى بني حسين بن علي فجمعهم ومعهم رؤوس من سادات قريش وغيرهم، فوعظهم وأنبهم وقال: يا معشر أهل المدينة، أمير المؤمنين يتطلب هذا الرجل في المشارق والمغارب وهو بين أظهركم، ثم ما كفاكم حتى بايعتموه على السمع والطاعة؟ والله لا يبلغني عن أحد منكم خرج معه إلا ضربت عنقه. فأنكر الذين هم هنالك حاضرون أن يكون عندهم علم أو شعور بشئ من هذا، وقالوا: نحن نأتيك برجال مسلحين يقاتلون دونك إن وقع شئ من ذلك. فنهضوا فجاؤوه بجماعة مسلحين فاستأذنوه في دخولهم عليه، فقال: لا إذن لهم إني أخشى أن يكون ذلك خديعة. فجلس أولئك على الباب ومكث الناس جلوسا حول الأمير وهو واجم لا يتكلم إلا قليلا حتى ذهبت طائفة من الليل، ثم ما فجئ الناس إلا وأصحاب محمد بن عبد الله قد ظهروا وأعلنوا بالتكبير، فانزعج الناس في جوف الليل، وأشار بعض الناس على الأمير أن يضرب أعناق بني حسين، فقال أحدهم: علام ونحن مقرون بالطاعة؟ واشتغل الأمير عنهم بما فجأه من الامر، فاغتنموا الغفلة ونهضوا سراعا فتسوروا جدار الدار وألقوا أنفسهم على كناسة هنالك. وأقبل محمد بن عبد الله بن حسن في مائتين (٢) وخمسين، فمر بالسجن فأخرج من فيه، وجاء دار الامارة فحاصرها فافتتحها ومسك الأمير رياح بن عثمان نائب المدينة فسجنه في دار مروان، وسجن معه ابن مسلم بن عقبة، وهو الذي أشار بقتل بني حسين في أول هذه الليلة فنجوا وأحيط به، وأصبح محمد بن عبد الله بن حسن وقد استظهر على المدينة ودان له أهلها، فصلى بالناس الصبح وقرأ

стр. 3681

فيها سورة إنا فتحنا لك فتحا مبينا. وأسفرت هذه الليلة عن مستهل رجب من هذه السنة. وقد خطب محمد بن عبد الله أهل المدينة في هذا اليوم، فتكلم في بني العباس وذكر عنهم أشياء ذمهم بها، وأخبرهم أنه لم ينزل بلدا من البلدان إلا وقد بايعوه على السمع والطاعة (١)، فبايعه أهل المدينة كلهم إلا القليل. وقد روى ابن جرير عن الامام مالك: أنه أفتى الناس بمبايعته، فقيل له: فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة. فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته. وقد قال إسماعيل بن عبد الله بن جعفر حين دعاه إلى بيعته: يا بن أخي إنك مقتول. فارتدع بعض الناس عنه واستمر جمهورهم معه، فاستناب عليهم عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى شرطتها عثمان بن عبد الله (٢) بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الله (٣) بن مسور بن مخرمة، وتلقب بالمهدي طمعا أن يكون هو المذكور في الأحاديث فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا تمناه، فإنا لله. وقد ارتحل بعض أهل المدينة (٤) عنها ليلة دخلها، فطوى المراحل البعيدة إلى المنصور في سبع ليال، فورد عليه فوجده نائما في الليل، فقال للربيع الحاجب: استأذن على الخليفة، فقال: إنه لا يوقظ في هذه الساعة. فقال: إنه لا بد من ذلك فأخبر الخليفة فخرج فقال: ويحك! ما وراءك؟ فقال: إنه خرج ابن حسن بالمدينة. فلم يظهر المنصور لذلك اكتراثا وانزعاجا، بل قال: أنت رأيته؟ قال: نعم! فقال: هلك والله وأهلك معه من اتبعه ثم أمر بالرجل فسجن، ثم جاءت الاخبار بذلك فتواترت. فأطلقه المنصور وأطلق له عن كل ليلة ألف درهم فأعطاه سبعة (٥) آلاف درهم. ولما تحقق المنصور الامر من خروجه ضاق ذرعا، فقال له بعض المنجمين: يا أمير المؤمنين لا عليك منه، فوالله لو ملك الأرض بحذافيرها فإنه لا يقيم أكثر من سبعين يوما. ثم أمر المنصور جميع رؤوس الأمراء أن يذهبوا إلى السجن فيجتمعوا بعبد الله بن حسن - والد محمد - فيخبروه بما وقع من خروج ولده ويسمعوا ما يقول لهم. فلما دخلوا عليه أخبروه بذلك فقال: ما ترون ابن سلامة فاعلا؟ - يعني المنصور - فقالوا: لا ندري. فقال: والله لقد قتل صاحبكم البخل ينبغي له أن ينفق الأموال

стр. 3682

ويستخدم الرجال، فإن ظهر فاسترجاع ما أنفق سهل، وإلا لم يكن لصاحبكم شئ في الخزائن وكان ما خزن لغيره. فرجعوا إلى الخليفة فأخبروه بذلك، وأشار الناس على الخليفة بمناجزته، فاستدعى عيسى بن موسى فندبه إلى ذلك، ثم قال: إني سأكتب إليه كتابا أنذره به قبل قتاله فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا) الآية إلى قوله: (فاعلموا أن الله غفور رحيم) [المائدة: ٣٣ - ٣٤] ثم قال: فلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، إن أنت رجعت إلى الطاعة لأومننك ومن اتبعك، ولأعطينك ألف ألف درهم، ولأدعنك تقيم في أحب البلاد إليك، ولأقضين لك جميع حوائجك، في كلام طويل. فكتب إليه محمد جواب كتابه: من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله بن حسن: (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين، وتريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) [القصص: ١ - ٥] ثم قال: وإني أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي، فأنا أحق بهذا الامر منكم، وأنتم إنما وصلتم إليه بنا، فإن عليا كان الوصي وكان الامام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ ونحن أشرف أهل الأرض نسبا، فرسول الله خير الناس وهو جدنا، وجدتنا خديجة وهي أفضل زوجاته، وفاطمة ابنته أمنا وهي أكرم بناته، وإن هاشما ولد عليا مرتين، وإن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وإن رسول الله ﷺ ولد أبي مرتين، وإني أوسط بني هاشم نسبا (١)، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأخفهم عذابا في النار. فأنا أولى بالامر منك، وأولى بالعهد وأوفى به منك، فإنك تعطي العهد ثم تنكث ولا تفي، كما فعلت بابن هبيرة فإنك أعطيته العهد ثم غدرت به، ولا أشد عذابا من إمام غادر، وكذلك فعلت بعمك عبد الله بن علي، وأبي مسلم الخراساني. ولو أعلم أنك تصدق لأجبتك لما دعوتني إليه، ولكن الوفاء بالعهد من مثلك لمثلي بعيد والسلام. فكتب إليه أبو جعفر جواب ذلك في كتاب طويل حاصله: أما بعد فقد قرأت كتابك فإذا جل فخرك وإدلالك قرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبية والأولياء، وقد أنزل الله (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: ٢١٤] وكان له حينئذ أربعة أعمام، فاستجاب له اثنان أحدهما جدنا، وكفر اثنان أحدهما أبوك - يعني جده أبا طالب - فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينهما إلا ولا ذمة، وقد أنزل الله في عدم إسلام أبي طالب (إنك لا

стр. 3683

تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) [القصص: ٥٦] وقد فخرت به وأنه أخف أهل النار عذابا، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن أن يفخر بأهل النار، وفخرت بأن عليا ولده هاشم مرتين. وأن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، فهذا رسول الله ﷺ إنما ولده عبد الله مرة واحدة، وقولك إنك لم تلدك أمهات أولاد، فهذا إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية، وهو خير منك، وعلي بن الحسن من أم ولد وهو خير منك، وكذلك ابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد، جداتهما أمهات أولاد وهما خير منك، وأما قولك بنو رسول الله ﷺ فقد قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) [الأحزاب: ٤٠] وقد جاءت السنة التي لا خلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الام والخال والخالة لا يورثون، ولم يكن لفاطمة ميراث من رسول الله ﷺ بنص الحديث. وقد مرض رسول الله ﷺ وأبوك حاضر فلم يأمره بالصلاة بالناس، بل أمر غيره. ولما توفي لم يعدل الناس بأبي بكر وعمر أحدا، ثم قدموا عليه عثمان في الشورى والخلافة، ثم لما قتل عثمان اتهمه بعضهم به، وقاتله طلحة والزبير على ذلك، وامتنع سعد من مبايعته ثم بعد ذلك معاوية، ثم طلبها أبوك وقاتل عليها الرجال، ثم اتفق على التحكيم فلم يف به، ثم صارت إلى الحسن فباعها بخرق ودراهم، وأقام بالحجاز يأخذ مالا من غير حله، وسلم الامر إلى غير أهله، وترك شيعته في أيدي بني أمية ومعاوية. فإن كانت لكم فقد تركتموها وبعتموها بثمنها. ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة وكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وحرقوكم بالنار، وحملوا نساءكم على الإبل كالسبايا إلى الشام، حتى خرجنا عليهم نحن فأخذنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضهم وديارهم، وذكرنا فضل سلفكم، فجعلت ذلك حجة علينا، وظننت أنا إنما ذكرنا فضله على أمثاله على حمزة والعباس وجعفر، وليس الامر كما زعمت، فإن هؤلاء مضوا ولم يدخلوا في الفتن، وسلموا من الدنيا فلم تنقصهم شيئا، فاستوفوا ثوابهم كاملا، وابتلى بذلك أبوك. وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلوات المكتوبات، فأحيينا ذكره وذكرنا فضله وعنفناهم بما نالوا منه، وقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية بسقاية الحجيج الأعظم، وخدمة زمزم، وحكم رسول الله ﷺ لنا بها. ولما قحط الناس زمن عمر استسقى بأبينا العباس، وتوسل به إلى ربه وأبوك حاضر، وقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد رسول الله ﷺ إلا العباس، فالسقاية سقايته، والوراثة وراثته، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف في الجاهلية والاسلام إلا والعباس وارثه ومورثه، في كلام طويل فيه بحث ومناظرة وفصاحة. وقد استقصاه ابن جرير (١) بطوله والله سبحانه أعلم.

стр. 3684

فصل مقتل محمد بن عبد الله بن حسن بعث محمد بن عبد الله بن حسن في غبون ذلك رسولا إلى أهل الشام يدعوهم إلى بيعته وخلافته فأبوا قبول ذلك منه، وقالوا: قد ضجرنا من الحروب ومللنا من القتال. وجعل يستميل رؤوس أهل المدينة، فمنهم من أجابه ومنهم من امتنع عليه، وقال له بعضهم: كيف أبايعك وقد ظهرت في بلد ليس فيه مال تستعين به على استخدام الرجال؟ ولزم بعضهم منزله فلم يخرج حتى قتل محمد. وبعث محمد هذا الحسين (١) بن معاوية بن سبعين رجلا ونحوا من عشرة فوارس إلى مكة نائبا إن هو دخلها فساروا إليها، فلما بلغ أهلها قدومهم خرجوا إليهم في ألوف من المقاتلة، فقال لهم الحسن بن معاوية علام تقاتلون وقد مات أبو جعفر؟ فقال السري بن عبد الله زعيم أهل مكة: إن برده جاءتنا من أربع ليال وقد أرسلت إليه كتابا فأنا أنتظر جوابه إلى أربع، فإن كان ما تقولون حقا سلمتكم البلد وعلي مؤنة رجالكم وخيلكم. فامتنع الحسن بن معاوية من الانتظار وأبى إلا المناجزة، وحلف لا يبيت الليلة إلا بمكة، إلا أن يموت. وأرسل إلى السري أن أبرز من الحرم إلى الحل حتى لا تراق الدماء في الحرم. فلم يخرج، فتقدموا إليهم فصافوهم فحمل عليه الحسن وأصحابه حملة واحدة فهزموهم وقتلوا منهم نحو سبعة، ودخلوا مكة. فلما أصبحوا خطب الحسن بن معاوية الناس وأغراهم بأبي جعفر، ودعاهم إلى محمد بن عبد الله بن حسن المهدي. خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن وظهر بالبصرة أيضا إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وجاء البريد إلى أخيه محمد فانتهى إليه ليلا فاستؤذن له عليه وهو بدار مروان فطرق بابها. فقال: اللهم إني أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. ثم خرج فأخبر أصحابه عن أخيه فاستبشروا جدا وفرحوا كثرا، وكان يقول للناس بعد صلاة الصبح والمغرب: ادعو الله لاخوانكم أهل البصرة، وللحسن بن معاوية بمكة، واستنصروه على أعدائكم. وأما ما كان من المنصور فإنه جهز الجيوش إلى محمد بن عبد الله بن حسن، صحبة عيسى بن موسى عشرة آلاف فارس من الشجعان المنتخبين، منهم محمد بن أبي العباس السفاح، وجعفر بن حنظلة البهراني، وحميد بن قحطبة، وكان المنصور قد استشاره فيه فقال: يا أمير المؤمنين ادع بمن شئت ممن تثق به من مواليك فابعث بهم إلى وادي القرى يمنعونهم من ميرة الشام، فيموت هو ومن معه

стр. 3685

جوعا، فإنه ببلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح. وقدم بين يديه كثير بن الحصين العبدي وقد قال المنصور لعيسى بن موسى حين ودعه: يا عيسى! إني أبعثك إلى جنبي هذين، فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك وناد في الناس بالأمان وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم أعلم بمذاهبه. وكتب معه كتبا إلى رؤساء قريش والأنصار من أهل المدينة يدفعها إليهم خفية يدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة. فلما اقترب عيسى بن موسى من المدينة بعث الكتب مع رجل فأخذه حرس محمد بن عبد الله بن حسن فوجدوا معه تلك الكتب فدفعوها إلى محمد فاستحضر جماعة من أولئك فعاقبهم وضربهم ضربا شديدا وقيدهم قيودا ثقالا، وأودعهم السجن. ثم إن محمدا استشار أصحابه بالقيام بالمدينة حتى يأتي عيسى بن موسى فيحاصرهم بها، أو أنه يخرج بمن معه فيقاتل أهل العراق؟ فمنهم من أشار بهذا، ومنهم من أشار بذاك، ثم اتفق الرأي على المقام بالمدينة، لان رسول الله ﷺ ندم يوم أحد على الخروج منها، ثم اتفقوا على حفر خندق حول المدينة كما فعل رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، فأجاب إلى ذلك كله، وحفر مع الناس في الخندق بيده اقتداء برسول الله ﷺ ، وقد ظهر لهم لبنة من الخندق الذي حفره رسول الله ﷺ ، ففرحوا بذلك وكبروا وبشروه بالنصر. وكان محمد حاضرا عليه قباء أبيض وفي وسطه منطقة، وكان شكلا ضخما أسمر عظيم الهامة. ولما نزل عيسى بن موسى الأعوص واقترب من المدينة، صعد محمد بن عبد الله المنبر فخطب الناس وحثهم على الجهاد - وكانوا قريبا من مائة ألف - فقال لهم في جملة ما قال: إني جعلتكم في حل من بيعتي، فمن أحب منكم أن يقيم عليها فعل. ومن أحب أن يتركها فعل. فتسلل كثير منهم أو أكثرهم عنه، ولم يبق إلا شرذمة قليلة معه، وخرج أكثر أهل المدينة بأهليهم منها لئلا يشهدوا القتال بها، فنزلوا الاعراض ورؤوس الجبال. وقد بعث محمد أبا الليث (١) ليردهم عن الخروج فلم يمكنه ذلك في أكثرهم، واستمروا ذاهبين. وقال محمد لرجل أتأخذ سيفا ورمحا وترد هؤلاء الذين خرجوا من المدينة؟ فقال: نعم إن أعطيتني رمحا أطعنهم وهم بالاعراض، وسيفا أضربهم وهم في رؤوس الجبال فعلت. فسكت محمد ثم قال لي: ويحك؟ إن أهل الشام والعراق وخراسان قد بيضوا - يعني لبسوا البياض - موافقة لي وخلعوا السواد. فقال: وماذا ينفعني أن لو بقيت الدنيا زبدة بيضاء - وأنا في مثل صوفة الدواة، وهذا عيسى بن موسى نازل بالأعوص. ثم جاء عيسى بن موسى فنزل قريبا من المدينة، على ميل منها، فقال له دليله ابن الأصم: إني أخشى إذا كشفتموهم أن يرجعوا إلى معسكرهم سريعا قبل أن تدركهم الخيل. ثم ارتحل به فأنزله الجرف على سقاية سليمان بن عبد الملك على أربعة أميال من المدينة، وذلك يوم السبت لصبح اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان من هذه السنة. وقال: إن الراجل إذا هرب لا يقدر على الهرولة أكثر من ميلين أو ثلاثة فتدركه الخيل. وأرسل عيسى بن موسى خمسمائة فارس فنزلوا عند الشجرة في طريق مكة، وقال لهم هذا

стр. 3686

الرجل إن هرب فليس له ملجأ إلا مكة، فحولوا بينه وبينها. ثم أرسل عيسى إلى محمد يدعوه إلى السمع والطاعة لأمير المؤمنين المنصور، وأنه قد أعطاه الأمان له ولأهل بيته إن هو أجابه. فقال محمد للرسول: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك. ثم بعث إلى عيسى بن موسى يقول له: إني أدعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فاحذر أن تمتنع فأقتلك فتكون شر قتيل، أو تقتلني فتكون قتلت من دعاك إلى الله ورسوله. ثم جعلت الرسل تتردد بينهما ثلاثة أيام. هذا يدعو هذا، وهذا يدعو هذا. وجعل عيسى بن موسى يقف في كل يوم من هذه الأيام الثلاثة على الثنية عند سلع فينادي: يا أهل المدينة إن دماءكم علينا حرام فمن جاءنا فوقف تحت رايتنا فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، فليس لنا في قتالكم أرب، وإنما نريد محمدا وحده لنذهب به إلى الخليفة. فجعلوا يسبونه وينالون من أمه، ويكلمونه بكلام شنيع، ويخاطبونه مخاطبة فظيعة، وقالوا له: هذا ابن رسول الله ﷺ معنا ونحن معه، نقاتل دونه. فلما كان اليوم الثالث أتاهم في خيل ورجال وسلاح ورماح لم ير مثلها، فناداه يا محمد! إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتلك حتى أدعوك إلى الطاعة، فإن فعلت أمنك وقضى دينك وأعطاك أموالا وأراضي، وإن أبيت قاتلتك فقد دعوتك غير مرة. فناداه محمد: إن ليس لكم عندي إلا القتال. فنشبت الحرب حينئذ بينهم، وكان جيش عيسى بن موسى فوق أربعة آلاف، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بن السفاح، وعلى ميسرته داود بن كرار، وعلى الساقة الهيثم بن شعبة، ومعهم عدد لم ير مثلها. وفرق عيسى أصحابه في كل قطر طائفة. وكان محمد وأصحابه على عدة أصحاب أهل بدر، واقتتل الفريقان قتالا شديدا جدا، وترجل محمد إلى الأرض فيقال إنه قتل بيده من جيش عيسى بن موسى سبعين رجلا من أبطالهم، وأحاط بهم أهل العراق فقتلوا طائفة من أصحاب محمد بن عبد الله بن حسن، فاقتحموا عليهم الخندق الذي كانوا حفروه وعملوا أبوابا على قدره، وقيل إنهم ردموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه، وقد يكونون فعلوا هذا موضع منه، وهذا في موضع آخر والله أعلم. ولم تزل الحرب ناشبة بينهم حتى صليت العصر. فلما صلى محمد العصر نزلوا إلى مسيل الوادي بسلع فكسر جفن سيفه وعقر فرسه وفعل أصحابه مثله وصبروا أنفسهم للقتال وحميت الحرب حينئذ جدا، فاستظهر أهل العراق، ورفعوا راية سوداء فوق سلع، ثم دنوا إلى المدينة فدخلوها ونصبوا راية سوداء فوق مسجد رسول الله ﷺ . فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا: أخذت المدينة، وهربوا وبقي محمد في شرذمة قليلة جدا ثم بقي وحده وليس معه أحد، وفي يده سيف صلت يضرب به من تقدم إليه، فكان لا يقوم له شئ إلا أنامه، حتى قتل خلقا من أهل العراق من الشجعان، ويقال إنه كان في يده يومئذ ذو الفقار ثم تكاثر عليه الناس فتقدم إليه رجل فضربه بسيفه تحت شحمة أذنه اليمنى فسقط لركبتيه وجعل يحمي

стр. 3687

نفسه ويقول: ويحكم ابن نبيكم مجروح مظلوم. وجعل حميد بن قحطبة يقول: ويحكم! دعوه لا تقتلوه، فأحجم عنه الناس وتقدم حميد بن قحطبة فحز رأسه وذهب به إلى عيسى بن موسى فوضعه بين يديه. وكان حميد قد حلف أن يقتله متى رآه، فما أدركه إلا كذلك ولو كان على حاله وقوته لما استطاعه حميد ولا غيره من الجيش. وكان مقتل محمد بن عبد الله بن حسن عند أحجار الزيت يوم الاثنين بعد العصر، لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وقال عيسى بن موسى لأصحابه حين وضع رأسه بين يديه: ما تقولون فيه؟ فنال منه أقوام وتكلموا فيه، فقال رجل: كذبتم والله! لقد كان صواما قواما، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصى المسلمين فقتلناه على ذلك. فسكتوا حينئذ. وأما سيفه ذو الفقار فإنه صار إلى بني العباس يتوارثونه حتى جربه بعضهم فضرب به كلبا فانقطع. ذكره ابن جرير وغيره. وقد بلغ المنصور في غبون هذا الامر أن محمدا فر من الحرب فقال: هذا لا يكون، فإنا أهل بيت لا نفر. وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن راشد، حدثني أبو الحجاج قال: إني لقائم على رأس المنصور وهو يسألني عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى بن موسى قد انهزم وكان متكئا فجلس فضرب بقضيب معه مصلاه وقال: كلا وأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء؟ ما أنى لذلك بعد. وبعث عيسى بن موسى بالبشارة إلى المنصور مع القاسم بن الحسن وبالرأس مع ابن أبي الكرام، وأمر بدفن الجثة فدفن بالبقيع، وأمر بأصحابه الذين قتلوا معه فصلبوا صفين ظاهر المدينة ثلاثة أيام ثم طرحوا على مقبرة اليهود عند سلع. ثم نقلوا إلى خندق هناك. وأخذ أموال بني حسن كلها فسوغها له المنصور، ويقال إنه ردها بعد ذلك إليهم، حكاه ابن جرير. ونودي في أهل المدينة بالأمان فأصبح الناس في أسواقهم، وترفع عيسى بن موسى في الجيش إلى الجرف من مطر أصاب الناس يوم قتل محمد، وجعل ينتاب المسجد من الجرف، وأقام بالمدينة إلى اليوم التاسع عشر من رمضان، ثم خرج منها قاصدا مكة وكان بها الحسن بن معاوية بن جهة محمد وكان محمد قد كتب إليه يقدم عليه، فلما خرج من مكة وكان ببعض الطريق تلقته الاخبار بقتل محمد، فاستمر فارا إلى البصرة إلى أخي محمد إبراهيم بن عبد الله، الذي كان قد خرج بها ثم قتل بعد أخيه في هذه السنة على ما سنذكره. ولما جئ المنصور برأس محمد بن عبد الله بن حسن فوضع بين يديه أمر به فطيف به في طبق أبيض ثم طيف به في الأقاليم بعد ذلك، ثم شرع المنصور في استدعاء من خرج مع محمد من أشراف أهل المدينة، فمنهم من قتله ومنهم من ضربه ضربا مبرحا، ومنهم من عفا عنه. ولما توجه عيسى إلى مكة استناب على المدينة كثير بن حصين، فاستمر بها شهرا حتى بعث المنصور على نيابتها عبد الله بن الربيع، فعاث جنده في المدينة فصاروا إذا اشتروا من الناس شيئا لا يعطونهم ثمنه، وإن طولبوا بذاك ضربوا المطالب وخوفوه بالقتل، فثار عليهم طائفة من السودان واجتمعوا ونفخوا في بوق لهم فاجتمع

стр. 3688

على صوته كل أسود في المدينة، وحملوا عليهم حملة واحدة وهم ذاهبون إلى الجمعة، لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وقيل لخمس بقين من شوال منها، فقتلوا من الجند طائفة كثيرة المزاريق وغيرها، وهرب الأمير عبد الله بن الربيع وترك صلاة الجمعة. وكان رؤوس السودان: وثيق ويعقل ورمقة (١) وحديا وعنقود، ومسعر، وأبو النار. فلما رجع عبد الله بن الربيع ركب في جنوده والتقى مع السودان فهزموه أيضا فلحقوه بالبقيع فألقى لهم رداءه يشغلهم فيه حتى نجا بنفسه ومن اتبعه، فلحق ببطن نخل على ليلتين من المدينة، ووقع السودان على طعام للمنصور كان مخزونا في دار مروان قد قدم به في البحر فنهبوه ونهبوا ما للجند الذين بالمدينة من دقيق وسويق وغيره، وباعوا ذلك بأرخص ثمن (٢). وذهب الخبر إلى المنصور بما كان من أمر السودان، وخاف أهل المدينة من معرة ذلك، فاجتمعوا وخطبهم ابن أبي سبرة - وكان مسجونا - فصعد المنبر وفي رجليه القيود، فحثهم على السمع والطاعة للمنصور، وخوفهم شر ما صنعه مواليهم، فاتفق رأيهم على أن يكفوا مواليهم ويفرقوهم ويذهبوا إلى أميرهم فيردوه إلى عمله، ففعلوا ذلك، فسكن الامر وهدأ الناس وانطفأت الشرور، ورجع عبد الله بن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومسعر. ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة كان إبراهيم قد هرب إلى البصرة فنزل في بني ضبيعة من أهل البصرة، في دار الحارث بن عيسى، وكان لا يرى بالنهار، وكان قدومه إليها بعد أن طاف بلادا كثيرة جدا، وجرت عليه وعلى أخيه خطوب شديدة هائلة، وانعقد أسباب هلاكهما في أوقات متعددة، ثم كان آخر ما استقر أمره بالبصرة في سنة ثلاث وأربعين ومائة، بعد منصرف الحجيج. وقيل إن قدومه إليها كان في مستهل رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، بعثه أخوه إليها بعد ظهوره بالمدينة، قاله الواقدي. قال: وكان يدعو في السر إلى أخيه، فلما قتل أخوه أظهر الدعوة إلى نفسه في شوال من هذه السنة، والمشهور أنه قدمها في حياة أخيه ودعا إلى نفسه كما تقدم والله أعلم. ولما قدم البصرة نزل عند يحيى بن زياد بن حسان (٣) النبطي، فاختفى عنده هذه المدة كلها، حتى ظهر في هذه السنة في دار أبي فروة، وكان أول من بايعه نميلة بن مرة، وعبد الله (٤) بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمر بن سلمة الهجيمي، وعبيد الله بن يحيى بن حصين الرقاشي. وندبوا الناس إليه فاستجاب له خلق كثير فتحول إلى دار أبي مروان في وسط البصرة، واستفحل أمره، وبايعه

стр. 3689

فئام من الناس، وتفاقم الخطب به، وبلغ خبره إلى المنصور فأزداد غما إلى غمه بأخيه محمد، وذلك لأنه ظهر قبل مقتل أخيه وإنما كان سبب تعجيله الظهور كتاب أخيه إليه فامتثل أمره ودعا إلى نفسه، فانتظم أمره بالبصرة، وكان نائبها من جهة المنصور سفيان بن معاوية وكان ممالئا لإبراهيم هذا في الباطن، ويبلغه أخباره فلا يكترث بها، ويكذب من أخبره ويود أن يتضح أمر إبراهيم، وقد أمده المنصور بأميرين من أهل خراسان معهما ألفا فارس، وراجل، فأنزلهما عنده ليتقوى بهما على محاربة إبراهيم، وتحول المنصور من بغداد - وكان قد شرع في عمارتها - إلى الكوفة، وجعل كلما اتهم رجلا من أهل الكوفة في أمر إبراهيم بعث إليه من يقتله في الليل في منزله، وكان الفرافصة العجلي قد هم بالوثوب بالكوفة فلم يمكنه ذلك لمكان المنصور بها، وجعل الناس يقصدون البصرة من كل فج لمبايعة إبراهيم، ويفدون إليها جماعات وفرادى، وجعل المنصور يرصد لهم المسالح فيقتلونهم في الطريق ويأتونه برؤوسهم فيصلبها بالكوفة ليتعظ بها الناس. وأرسل المنصور إلى حرب الراوندي - وكان مرابطا بالجزيرة في ألفي فارس لقتال الخوارج - يستدعيه إليه إلى الكوفة، فأقبل بمن معه فاجتاز ببلدة بها أنصار لإبراهيم فقالوا له: لا ندعك تجتاز، لان المنصور إنما دعاك لقتال إبراهيم. فقال: ويحكم! دعوني، فأبوا فقاتلهم فقتل منهم خمسمائة وأرسل برؤوسهم إلى المنصور. فقال: هذا أول الفتح. ولما كانت ليلة الاثنين مستهل رمضان من هذه السنة، خرج إبراهيم في الليل إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارسا، وقدم في هذه الليلة أبو حماد الأبرص في ألفي فارس مددا لسفيان بن معاوية، فأنزلهم الأمير في القصر، ومال إبراهيم وأصحابه على دواب أولئك الجيش وأسلحتهم فأخذوها جميعا، فتقووا بها، فكان هذا أول ما أصاب. وما أصبح الصباح إلا وقد استظهر جدا، فصلى بالناس صلاة الصبح في المسجد الجامع، والتف الخلائق عليه ما بين ناظر وناصر، وتحصن سفيان بن معاوية نائب الخليفة بقصر الامارة وحبس عنده الجنود فحاصرهم إبراهيم، فطلب سفيان بن معاوية من إبراهيم الأمان فأعطاه الأمان، ودخل إبراهيم قصر الامارة فبسطت له حصير ليجلس عليها في مقدم إيوان القصر، فهبت الريح فقلبت الحصير ظهرا لبطن، فتطير الناس بذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطير. وجلس على ظهر الحصير، وأمر بحبس سفيان بن معاوية مقيدا وأراد بذلك براءة ساحته عند المنصور، واستحوذ على ما كان في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف، وقيل ألفا ألف. فقوي بذلك جدا. وكان في البصرة جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي، وهما ابنا عم الخليفة المنصور، فركبا في ستمائة فارس إليه فهزمهما، وأركب إبراهيم المضاء بن القاسم في ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا فهزم ستمائة فارس كانت لهما. وآمن من بقي منهم، وبعث إبراهيم إلى أهل الأهواز فبايعوه وأطاعوه، وأرسل إلى نائبها مائتي فارس عليهم المغيرة فخرج إليه محمد بن الحصين نائب البلاد في أربعة آلاف فارس فهزمه المغيرة واستحوذ على البلاد، وبعث إبراهيم إلى بلاد فارس فأخذها، وكذلك واسط والمدائن والسواد، واستفحل أمره جدا، ولكن لما جاءه نعي أخيه محمد انكسر جدا، وصلى بالناس يوم العيد وهو مكسور. قال بعضهم: والله لقد رأيت الموت في وجهه وهو يخطب الناس فنعى إلى

стр. 3690

الناس أخاه محمدا، فازداد الناس حنقا على المنصور وأصبح فعسكر بالناس واستناب على البصرة نميلة وخلف ابنه حسنا معه. ولما بلغ المنصور خبره تحير في أمره وجعل يتأسف على ما فرق من جنده في الممالك، وكان قد بعث مع ابنه المهدي ثلاثين ألفا إلى الري، وبعث مع محمد بن الأشعث إلى إفريقية أربعين ألفا والباقون مع عيسى بن موسى بالحجاز، ولم يبق مع المنصور سوى ألفي فارس. وكان يأمر بالنيران الكثيرة فتوقد ليلا، فيحسب الناظر إليها أن ثم جندا كثيرا. ثم كتب المنصور إلى عيسى بن موسى: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل من فورك ودع كل ما أنت فيه. فلم ينشب أن أقبل إليه فقال له: اذهب إلى إبراهيم بالبصرة ولا يهولنك كثرة من معه، فإنهم جملا بني هاشم المقتولان جميعا، فابسط يدك وثق بما عندك وستذكر ما أقول لك فكان الامر كما قال المنصور. وكتب المنصور إلى ابنه المهدي أن يوجه خازم بن خزيمة في أربعة آلاف إلى الأهواز، فذهب إليها فأخرج منها نائب إبراهيم - وهو المغيرة - وأباحها ثلاثة أيام، ورجع المغيرة إلى البصرة، وكذلك بعث إلى كل كورة من هذه الكور التي نقضت بيعته جندا يردون أهلها إلى الطاعة. قالوا: ولزم المنصور موضع مصلاه فلا يبرح منه ليلا ونهارا في ثياب بذلة قد اتسخت، فلم يزل مقيما هناك بضعا وخمسين يوما حتى فتح الله عليه. وقد قيل له في غبون ذلك: إن نساءك قد خبثت نفسهن لغيبتك عنهن. فانتهر القائل وقال: ويحك ليست هذه أيام نساء، حتى أرى رأس إبراهيم بين يدي، أو يحمل رأسي إليه. وقال بعضهم: دخلت على المنصور وهو مهموم من كثرة ما وقع من الشرور، وهو لا يستطيع أن يتابع الكلام من كثرة همه، وما تفتق عليه من الفتوق والخروق، وهو مع ذلك قد أعد لكل أمر ما يسد خلله به، وقد خرجت عن يده البصرة والأهواز وأرض فارس والمدائن وأرض السواد، وفي الكوفة عنده مائة ألف مغمدة سيوفها تنتظر به صيحة واحدة، فيثبون مع إبراهيم، وهو مع ذلك يعرك النوائب ويمرسها ولم تقعد به نفسه وهو كما قال الشاعر: نفس عصام سودت عصاما … وعلمته الكر والاقداما فصيرته ملكا هماما وأقبل إبراهيم بعساكر من البصرة إلى الكوفة في مائة ألف مقاتل فأرسل إليه المنصور عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا، وعلى مقدمته حيمد بن قحطبة في ثلاثة آلاف. وجاء إبراهيم فنزل في باخمرى (١) في جحافل عظيمة، فقال له بعض الأمراء: إنك قد اقتربت من المنصور فلو أنك سرت إليه بطائفة من جيشك لاخذت بقفاه فإنه ليس عنده من الجيوش ما يردون عنه. وقال آخرون: إن الأولى أن نناجز هؤلاء الذين بإزائنا، ثم هو في قبضتنا. فثناهم ذلك عن الرأي الأول. ولو فعله لتم لهم

стр. 3691

الامر. ثم قال بعضهم: خندق حول الجيش. وقال آخرون: إن هذا الجيش لا يحتاج إلى خندق حوله، فترك ذلك. ثم أشار بعضهم أن يبيت جيش عيسى بن موسى فقال إبراهيم: أنا لا أرى ذلك، فتركه. ثم أشار آخرون بأن يجعل جيشه كراديس فإن غلب كردوس ثبت الآخر، وقال آخرون: الأولى أن نقاتل صفوفا لقوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) [الصف: ٤]. والامر لله وما شاء فعل ولو ساروا إلى الكوفة وبيتوا الجيش أو جعل جيشه كراديس لتم له الامر مع تقدير الله تعالى. وأقبل الجيشان فتصافوا في باخمرى وهي على ستة عشر فرسخا من الكوفة فاقتتلوا بها قتالا شديدا فانهزم حميد بن قحطبة بمن معه من المقدمة، فجعل عيسى يناشدهم الله في الرجوع والكرة فلا يلوي عليه أحد، وثبت عيسى بن موسى في مائة رجل من أهله، فقيل له: لو تنحيت من مكانك هذا لئلا يحطمك جيش إبراهيم فقال والله لا أزول منه حتى يفتح الله لي أو أقتل ها هنا. وكان المنصور قد تقدم إليه بما أخبره به بعض المنجمين أن الناس يكون لهم جولة عن عيسى بن موسى ثم يقومون إليه وتكون العاقبة له، فاستمر المنهزمون ذاهبين فانتهوا إلى نهر بين جبلين فلم يمكنهم خوضه فكروا راجعين بأجمعهم، وكان أول راجع حميد بن قحطبة الذي كان أول من انهزم. ثم اجتلدوا هم وأصحاب إبراهيم فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير، ثم انهزم أصحاب إبراهيم وثبت هو في خمسمائة، وقيل في أربعمائة، وقيل في تسعين رجلا، واستظهر عيسى بن موسى وأصحابه، وقتل إبراهيم في جملة من قتل واختلط رأسه مع رؤوس أصحابه، فجعل حميد يأتي بالرؤوس إلى عيسى بن موسى حتى عرفوا رأس إبراهيم فبعثوه مع البشير إلى المنصور، وكان نيبخت المنجم قد دخل على المنصور قبل مجئ الرأس فأخبره أن إبراهيم مقتول فلم يصدقه، فقال: يا أمير المؤمنين إن لم تصدقني فاحبسني فإن لم يكن الامر كما ذكرت فاقتلني. فبينا هو عنده إذ جاء البشير بهزيمة جيش إبراهيم، ولما جئ بالرأس تمثل المنصور ببيت معقر بن أوس بن حمار البارقي: فألقت عصاها واستقر (١) بها النوى … كما قر عينا بالإياب المسافر وقيل إن المنصور لما رأى الرأس بكى حتى جعلت دموعه تسقط على الرأس وقال: والله لقد كنت لهذا كارها، ولكنك ابتليت بي وابتليت بك. ثم أمر بالرأس فنصب بالسوق. وأقطع نيبخت المنجم الكذاب ألفي جريب. فهذا المنجم إن كان قد أصاب في قضية واحدة فقد أخطأ في أشياء كثيرة، فهم كذبة كفرة وقد كان المنصور في ضلال مع منجمه هذا، وقد ورث الملوك اعتقاد أقوال المنجمين وذلك ضلال لا يجوز. وذكر صالح مولى المنصور قال: لما جئ برأس إبراهيم جلس المنصور مجلسا عاما وجعل الناس

стр. 3692

يدخلون عليه فيهنئونه وينالون من إبراهيم ويقبحون الكلام فيه ابتغاء مرضاة المنصور، والمنصور ساكت متغير اللون لا يتكلم، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني (١) فوقف فسلم ثم قال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك. قال: فاصفر لون المنصور وأقبل عليه وقال له: يا أبا خالد مرحبا وأهلا، ههنا فاجلس. فعلم الناس أن ذلك وقع منه موقعا جيدا. فجعل كل من جاء يقول كما قال جعفر بن حنظلة. قال أبو نعيم الفضل بن دكين: كان مقتل إبراهيم في يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة (٢) من هذه السنة. ذكر من توفي فيها من الأعيان فمن أعيان أهل البيت عبد الله بن حسن وابناه محمد وإبراهيم، وأخوه حسن بن حسن، وأخوه لامه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الملقب بالديباج. وقد تقدمت ترجمته. وأما أخوه عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي فتابعي، روى عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو صحابي جليل، وغيرهم. وروى عنه جماعة منهم سفيان الثوري والدراوردي ومالك، وكان معظما عند العلماء، وكان عابدا كبير القدر. قال يحيى بن معين: كان ثقة صدوقا، وفد على عمر بن عبد العزيز فأكرمه، ووفد على السفاح فعظمه وأعطاه ألف ألف درهم، فلما ولي المنصور عامله بعكس ذلك، وكذلك أولاده وأهله، وقد مضوا جميعا والتقوا عند الله ، وأخذه المنصور وأهل بيته مقيدين مغلولين مهانين من المدينة إلى الهاشمية، فأودعهم السجن الضيق كما قدمنا، فمات أكثرهم فيه، فكان عبد الله بن حسن هذا أول من مات فيه بعد خروج ولده محمد بالمدينة، وقد قيل إنه قتل في السجن عمدا. وكان عمره يوم مات خمسا وسبعين سنة، وصلى عليه أخوه لامه الحسن بن الحسن بن علي. ثم مات بعده أخوه حسن فصلى عليه أخوه لامه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. ثم قتل بعدهما وحمل رأسه إلى خراسان كما تقدم. وأما ابنه محمد الذي خرج بالمدينة فروى عن أبيه ونافع، وعن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في كيفية الهوي إلى السجود، وحدث عن جماعة، ووثقه النسائي وابن حبان وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقد ذكر أن أمه حملت به أربع سنين، وكان طويلا سمينا أسمر ضخما ذا همة سامية، وسطوة عالية وشجاعة باهرة، قتل بالمدينة في منتصف رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وله خمس وأربعون سنة. وقد حملوا برأسه إلى المنصور، وطيف به في الأقاليم.

стр. 3693

وأما أخوه إبراهيم فكان ظهوره بالبصرة بعد ظهور أخيه بالمدينة وكان مقتله بعد مقتل أخيه في ذي الحجة من هذه السنة وليس له شئ في الكتب الستة، وحكى أبو داود السجستاني عن أبي عوانة أنه قال: كان إبراهيم وأخوه محمد خارجين. قال داود: ليس كما قال، هذا رأي الزيدية قلت: وقد حكي عن جماعة من العلماء والأئمة أنهم مالوا إلى ظهورهما. وفيها توفي من المشاهير والأعيان الأجلح بن عبد الله، وإسماعيل بن أبي خالد في قول، وحبيب بن الشهيد، وعبد الملك بن أبي سليمان، وعمرو مولى عفرة، ويحيى بن الحارث الذماري، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي، ورؤبة ابن العجاج والعجاج لقب واسمه أبو الشعثاء عبد الله بن رؤبة، وأبو محمد التميمي البصري، الراجز بن الراجز، ولكل منهما ديوان رجز، وكل منهما بارع في فنه لا يجارى ولا يماري، عالم باللغة. وعبد الله بن المقفع الكاتب المفوه، أسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور، وكتب له، وله رسائل وألفاظ صحيحة، وكان متهما بالزندقة، وهو الذي صنف كتاب كليلة ودمنة، ويقال: بل هو الذي عربها من المجوسية إلى العربية. قال المهدي: ما وجد كتاب زندقة إلا وأصله من ابن المقفع، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد. قالوا ونسي الجاحظ وهو رابعهم. وكان مع هذا فاضلا بارعا فصيحا. قال الأصمعي: قيل لابن المقفع بن أدبك؟ قال: نفسي، إذا رأيت من غيري قبيحا أبيته، وإذا رأيت حسنا أتيته. ومن كلامه: شربت من الخطب ريا، ولم أضبط لها رويا، فغاضت ثم فاضت، فلا هي نظاما، ولا نسيت غيرها كلاما. وكان قتل ابن المقفع على يد سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة نائب البصرة، وذلك أنه كان يعبث به ويسب أمه، وإنما كان يسميه ابن المعلم، وكان كبير الانف، وكان إذا دخل عليه يقول: السلام عليكما - على سبيل التهكم - وقال لسفيان بن معاوية مرة: ما ندمت على سكوت قط. فقال: صدقت، الخرس لك خير من كلامك. ثم اتفق أن المنصور غضب على ابن المقفع فكتب إلى نائبه سفيان بن معاوية هذا أن يقتله، فأخذه فأحمى له تنورا وجعل يقطعه إربا إربا ويلقيه في ذلك التنور حتى حرقه كله وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق، وقيل غير ذلك في صفة قتله. قال ابن خلكان: ومنهم من يقول إن ابن المقفع نسب إلى بيع القفاع وهي من الجريد كالزنبيل بلا آذان، والصحيح أنه ابن المقفع وهو أبو دارويه كان الحجاج قد استعمله على الخراج فخان فعاقبه حتى تقفعت يداه والله أعلم. وفيها خرج الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة. وحج بالناس في هذه السنة نائب المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي. وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة مسلم بن قتيبة وعلى مصر يزيد بن حاتم.

стр. 3694

ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة فيها تكامل بناء مدينة السلام بغداد، وسكنها المنصور في صفر من هذه السنة، وكان مقيما قبل ذلك بالهاشمية المتاخمة للكوفة، وكان قد شرع في بنائها في السنة الخارجة، وقيل في سنة أربع وأربعين ومائة فالله أعلم. وقد كان السبب الباعث له على بنائها أن الراوندية لما وثبوا عليه بالكوفة ووقاه الله شرهم، بقيت منهم بقية فخشي على جنده منهم، فخرج من الكوفة يرتاد لهم. موضعا لبناء مدينة، فسار في الأرض حتى بلغ الجزيرة فلم ير موضعا أحسن لوضع المدينة من موضع بغداد الذي هي فيه الآن، وذلك بأنه موضع يغدا إليه ويراح بخيرات ما حوله في البر والبحر، وهو محصن بدجلة والفرات من ههنا وههنا، لا يقدر أحد أن يتوصل إلى موضع الخليفة إلا على جسر، وقد بات به المنصور قبل بنائه ليالي فرأى الرياح تهب به ليلا ونهارا من غير انجعار ولا غبار، ورأى طيب تلك البقعة وطيب هوائها، وقد كان في موضعها قرى وديور لعباد النصارى وغيرهم - ذكر ذلك مفصلا بأسمائه وتعداده أبو جعفر ابن جرير - فحينئذ أمر المنصور باختطاطها فرسموها له بالرماد فمشى في طرقها ومسالكها فأعجبه ذلك، ثم سلم كل ربع منها لأمير يقوم على بنائه، وأحضر من كل البلاد فعالا وصناعا ومهندسين، فاجتمع عنده ألوف منهم، ثم كان هو أول من وضع لبنة فيها بيده وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله. وأمر ببنائها مدورة سمك سورها من أسفله خمسون ذراعا، ومن أعلاه عشرون ذراعا، وجعل لها ثمانية أبواب في السور البراني، ومثلها في الجواني، وليس كل واحد تجاه الآخر، ولكن جعله أزور عن الذي يليه، ولهذا سميت بغداد الزوراء، لازورار أبوابها بعضها عن بعض، وقيل سميت بذلك لانحراف دجلة عندها. وبنى قصر الامارة في وسط البلد ليكون الناس منه على حد سواء، واختط المسجد الجامع إلى جانب القصر، وكان الذي وضع قبلته الحجاج بن أرطاة. وقال ابن جرير: ويقال إن في قبلته انحرافا يحتاج المصلي فيه أن ينحرف إلى ناحية باب البصرة، وذكر أن [قبلة] (١) مسجد الرصافة أقرب إلى الصواب منه لأنه بني قبل القصر، وجامع المدينة بني على القصر، فاختلت قبلته بسبب ذلك. وذكر ابن جرير عن سليمان بن مجالد أن المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء بها فأبى وامتنع فحلف المنصور أن يتولى له، وحلف أبو حنيفة أن لا يتولى له، فولاه القيام بأمر المدينة وضرب اللبن، وأخذ الرجال بالعمل، فتولى ذلك حتى فرغوا من استتمام حائط المدينة مما يلي الخندق، وكان استتمامه في سنة أربع وأربعين ومائة. قال ابن جرير: وذكر عن الهيثم بن عدي: أن المنصور عرض

стр. 3695

على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له، فأخبر بذلك أبو حنيفة فدعا بقصبة فعد اللبن ليبر بذلك يمين أبي جعفر، ومات أبو حنيفة ببغداد بعد ذلك. وذكر أن خالد ابن برمك هو الذي أشار على المنصور ببنائها، وأنه كان مستحثا فيها للصناع، وقد شاور المنصور الأمراء في نقل القصر الأبيض من المدائن إلى بغداد لأجل قصر الامارة بها، فقالوا: لا تفعل فإنه آية في العالم، وفيه مصلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فخالفهم ونقل منه شيئا كثيرا فلم يف ما تحصل منه بأجرة ما يصرف في حمله فتركه، ونقل أبواب قصر واسط إلى أبواب قصر الامارة ببغداد. وقد كان الحجاج نقل حجارته من مدينة هناك (١) كانت من بناء سليمان بن داود، وكانت الجن قد عملت تلك الأبواب، وهي حجارة هائلة. وقد كانت الأسواق وضجيجها تسمع من قصر الامارة، فكانت أصواب الباعة وهوسات الأسواق تسمع منه، فعاب ذلك بعض بطارقة النصارى ممن قدم في بعض الرسائل من الروم، فأمر المنصور بنقل الأسواق من هناك إلى موضع آخر (٢)، وأمر بتوسعة الطرقات أربعين ذراعا في أربعين ذراعا، ومن بنى في شئ من ذلك هدم. قال ابن جرير: وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال: وجدت في خزائن المنصور في الكتب أنه أنفق على بناء مدينة السلام ومسجدها الجامع وقصر الذهب بها والأسواق وغير ذلك، أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف درهم، وكان أجرة الأستاذ من البنائين كل يوم قيراط فضة، وأجرة الصانع من الحبتين إلى الثلاثة. قال الخطيب البغدادي: وقد رأيت ذلك في بعض الكتب، وحكى عن بعضهم أنه قال: أنفق عليه ثمانية عشر ألف ألف فالله أعلم. وذكر ابن جرير أن المنصور ناقص أحد المهندسين (٣) الذي بنى له بيتا حسنا في قصر الامارة فنقصه درهما عما ساومه، وأنه حاسب بعض المستحثين على الذي كان عنده ففضل عنده خمسة عشر درهما فحبسه حتى جاء بها وأحضرها وكان شحيحا. قال الخطيب: وبناها مدورة، ولا يعرف في أقطار الأرض مدينة مدورة سواها، ووضع أساسها في وقت اختاره له نوبخت المنجم. ثم ذكر عن بعض المنجمين قال: قال لي المنصور لما فرغ من بناء بغداد: خذ الطالع لها، فنطرت في طالعها - وكان المشتري في القوس - فأخبرته بما تدل عليه النجوم، من طول زمانها، وكثرة عمارتها، وانصباب الدنيا إليها وفقر الناس إلى ما فيها. قال: ثم قلت له: وأبشرك يا أمير المؤمنين أنه لا يموت فيها أحد من الخلفاء أبدا. قال: فرأيته يبتسم ثم قال: الحمد لله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وذكر عن بعض الشعراء أنه قال في ذلك شعرا منه:

стр. 3696

قضى ربها أن لا يموت خليفة … بها إنه ما شاء في خلقه يقضي (١) وقد قرره على هذا الخطأ الخطيب وسلم ذلك ولم ينقضه بشئ بل قرره مع اطلاعه ومعرفته. قال: وزعم بعض الناس أن الأمين قتل بدرب الأنبار منها فذكرت ذلك للقاضي أبي القاسم علي بن حسن التنوخي فقال: محمد الأمين لم يقتل بالمدينة، وإنما كان قد نزل في سفينة إلى دجلة ليتنزه فقبض عليه في وسط دجلة وقتل هناك. ذكر ذلك الصولي وغيره. وذكر عن بعض مشايخ بغداد أنه قال: اتساع بغداد مائة وثلاثون جريبا، وذلك بقدر ميلين في ميلين، قال الإمام أحمد، بغداد من الصراة إلى باب التبن. وذكر الخطيب أن بين كل بابين من أبوابها الثمانية ميلا، وقيل أقل من ذلك. وذكر الخطيب صفة قصر الامارة وأن القبة الخضراء طولها (٢) ثمانون ذراعا، على رأسها تمثال فرس عليه فارس في يده رمح يدور به فأي جهة استقبلها واستمر مستقبلها، علم السلطان أن في تلك الجهة قد وقع حدث فلم يلبث أن يأتي الخليفة خبره (٣). وهذه القبة وهي على مجلس في صدر إيوان المحكمة وطوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا. وقد سقطت هذه القبة في ليلة برد ومطر ورعد وبرق، ليلة الثلاثاء لسبع خلون من شهر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وذكر الخطيب البغدادي أنه كان يباع في بغداد في أيام المنصور الكبش الغنم بدرهم والحمل بأربعة دوانق، وينادى على لحم الغنم كل ستين رطلا بدرهم، ولحم البقر كل تسعين رطلا بدرهم، والتمر كل ستين رطلا بدرهم، والزيت ستة عشر رطلا بدرهم، والسمن ثمانية أرطال بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم. ولهذا الامن والرخص كثر ساكنوها وعظم أهلوها وكثر الدارج في أسواقها وأزقتها، حتى كان المار لا يستطيع أن يجتاز في أسواقها لكثرة زحام أهلها. قال بعض الأمراء وقد رجع من السوق: طال والله ما طردت خلف الأرانب في هذا المكان. وذكر الخطيب أن المنصور جلس يوما في قصرة فسمع ضجة عظيمة ثم أخرى ثم أخرى فقال للربيع الحاجب: ما هذا؟ فكشف فإذا بقرة قد نفرت من جازرها هاربة في الأسواق، فقال الرومي: يا أمير المؤمنين إنك بنيت بناء لم يبنه أحد قبلك، وفيه ثلاثة عيوب، بعده من الماء، وقرب الأسواق

стр. 3697

منه، وليس عنده خضره، والعين خضرة تحب الخضرة (١). فلم يرفع بها المنصور رأسا ثم أمر بتغيير ذلك، ثم بعد ذلك ساق إليها الماء وبنى عندها البساتين، وحول الأسواق من ثم إلى الكرخ. قال يعقوب بن سفيان: كمل بناء بغداد في سنة ست وأربعين ومائة، وفي سنة سبع وخمسين حول الأسواق إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول وأمر بتوسعة الأسواق أربعين ألفا، وبعد شهرين من ذلك شرع في بناء قصره المسمى بالخلد، فكمل سنة ثمان وخمسين ومائة. وجعل أمر ذلك إلى رجل يقال له الوضاح، وبنى للعامة جامعا للصلاة والجمعة لئلا يدخلوا إلى جامع المنصور، فأما دار الخلافة التي كانت ببغداد بعد ذلك فإنها كانت للحسن بن سهل، فانتقلت من بعده إلى بوران زوجة المأمون، فطلبها منها المعتضد - وقيل المعتمد - فأنعمت له بها، ثم استنظرته أياما حتى تنتقل منها فأنظرها، فشرعت في تلك الأيام في ترميمها وتبييضها وتحسينها، ثم فرشتها بأنواع الفرش والبسط، وعلقت فيها أنواع الستور، وأرصدت فيها ما ينبغي للخلافة من الجواري والخدم، وألبستهم أنواع الملابس، وجعلت في الخزائن ما ينبغي من أنواع الأطعمة والمأكل، وجعلت في بعض بيوتها من أنواع الأموال والذخائر، ثم أرسلت بمفاتيحها إليه، ثم دخلها فوجد فيها ما أرصدته بها، فهاله ذلك واستعظمه جدا، وكان أول خليفة سكنها وبنى عليها سورا. ذكره الخطيب. وأما التاج فبناه المكتفي على دجلة وحوله القباب والمجالس والميدان والثريا وحير الوحوش. وذكر الخطيب صفة دار الشجرة التي كانت في زمن المقتدر بالله، وما فيها من الفرش والستور والخدم والمماليك والحشمة الباهرة، والدنيا الظاهرة، وأنها كان بها إحدى عشر ألف طواشي، وسبعمائة حاجب. وأما المماليك فألوف لا يحصون كثرة، وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في أيامهم ودولتهم التي ذهبت كأنها أحلام نوم، بعد سنة ثلاثمائة. وذكر الخطيب دار الملك التي بالمخرم، وذكر الجوامع التي تقام فيها الجمعات، وذكر الأنهار والجسور التي بها، وما كان في ذلك في زمن المنصور، وما أحدث بعده إلى زمانه، وأنشد لبعض الشعراء في جسور بغداد التي على دجلة: يوم سرقنا العيش فيه خلسة … في مجلس بفناء دجلة مفرد رق الهواء برقة وقدامة … فغدوت رقا للزمان المسعد فكأن دجلة طيلسان أبيض … والجسر فيها كالطراز الأسود

стр. 3698

وقال آخر: يا حبذا جسر على متن دجلة … بإتقان تأسيس وحسن ورونق جمال وحسن للعراق ونزهة … وسلوة من أضناه فرط التشوق تراه إذا ما جئته متأملا … كسطر عبير خط في وسط مهرق أو العاج فيه الأبنوس مرقش … مثال فيول تحتها أرض زئبق وذكر الصولي، قال: ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد أن ذرع بغداد من الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب، وأن الجانب الشرقي ستة وعشرون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا وأن عدة حماماتها ستون ألف حمام، وأقل ما في كل حمام منها خمسة نفر حمامي وقيم وزبال ووقاد وسقاء، وأن بإزاء كل حمام خمسة مساجد، فذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وأقل ما يكون في كل مسجد خمسة نفر - يعني إماما وقيما ومأذونا ومأمومين - ثم تناقصت بعد ذلك، ثم دثرت بعد ذلك حتى صارت كأنها خربة صورة ومعنى. على ما سيأتي بيانه في موضعه. وقال الحافظ أبو بكر البغدادي: لم يكن لبغداد نظير في الدنيا في جلالة قدرها، وفخامة أمرها، وكثرة علمائها وأعلامها، وتمييز خواصها وعوامها، وعظم أقطارها، وسعة أطرارها، وكثرة دورها ودروبها ومنازلها وشوارعها ومساجدها وحماماتها وخاناتها، وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ربيعها وخريفها، وأكثر ما كانت عمارة وأهلا في أيام الرشيد، ثم ذكر تناقص أحوالها وهلم جرا إلى زمانه. قلت: وكذا من بعده إلى زماننا هذا، ولا سيما في أيام هولاكو بن تولى بن جنكز بن خان التركي الذي وضع معالمها وقتل خليفتها وعالمها وخرب دورها وهدم قصورها وأباد الخواص والعوام من أهلها في ذلك العام، وأخذ الأموال والحواصل، ونهب الذراري والأصائل، وأورث بها حزنا يعدد به في المبكرات والأصائل، وصيرها مثلة في الأقاليم، وعبرة لكل معتبر عليم، وتذكرة لكل ذي عقل مستقيم، وبدلت بعد تلاوة القرآن بالنغمات والألحان، وإنشاد الاشعار، وكان، وكان. وبعد سماع الأحاديث النبوية بدرس الفلسفة اليونانية، والمناهج الكلامية والتأويلات القرمطية، وبعد العلماء بالأطباء، وبعد الخليفة العباسي بشر الولاة من الاناسي، وبعد الرياسة والنباهة بالخساسة والسفاهة، وبعد الطلبة المشتغلين بالظلمة والعيارين، وبعد العلم بالفقه والحديث وتعبير الرؤيا، بالموشح ودوبيت ومواليا. وما أصابهم ذلك إلا ببعض ذنوبهم (وما ربك بظلام للعبيد) [فصلت: ٤٦] والتحول منها في هذه الأزمان لكثرة ما فيها من المنكرات الحسية والمعنوية، وأكل الحشيشة، والانتقال عنها إلى بلاد الشام الذي تكفل الله بأهلها أفضل وأكمل وأجمل. وقد روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، وشرار أهل الشام إلى العراق " (١).

стр. 3699

ما ورد في مدينة بغداد من الآثار وما فيها من الأخبار فيها أربع لغات بغداد وبغداذ (١) بإهمال الدال الثانية وإعجامها، وبغدان بالنون آخره وبالميم مع ذلك أولا مغدان، وهي كلمة أعجمية قيل إنها مركبة من بغ وداد فقيل بغ بستان وداد اسم رجل، وقيل بغ اسم صنم وقيل شيطان وداد عطية أي عطية الصنم، ولهذا كره عبد الله بن المبارك والأصمعي وغيرهما تسميتها بغداد وإنما يقال لها مدينة السلام، وكذا أسماها بانيها أبو جعفر المنصور، لان دجلة كان يقال لها وادي السلام، ومنهم من يسميها الزوراء. فروى الخطيب البغدادي من طريق عمار بن سيف - وهو متهم - قال: سمعت عاصم الأحول يحدث عن سفيان الثوري، عن أبي عثمان، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تجبى إليها خزائن الأرض، وملوكها جبابرة، فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة ". قال الخطيب: وقد رواه عن عاصم الأحول سيف ابن أخت سفيان الثوري، وهو أخو عمار بن سيف. قلت: وكلاهما ضعيف متهم يرمى بالكذب، ومحمد بن جابر اليماني ضعيف، وأبو شهاب الحناطي ضعيف. وروى عن سفيان الثوري عن عاصم من طرق ثم أسند ذلك كله. وأورد من طريق يحيى بن معين عن يحيى بن أبي كثير عن عمار بن سيف عن الثوري عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير عن النبي ﷺ . وقال أحمد ويحيى: ليس لهذا الحديث أصل. وقال أحمد: ما حدث به إنسان ثقة، وقد علله الخطيب من جميع طرقه وساقه أيضا من طريق عمار بن سيف عن الثوري عن أبي عبيدة حميد الطويل، عن أنس بن مالك، ولا يصح أيضا. ومن طريق عمر بن يحيى عن سفيان عن قيس بن مسلم عن ربعي عن حذيفة مرفوعا بنحوه، ولا يصح. ومن غير وجه عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وثوبان وابن عباس، وفي بعضها ذكر السفياني " وأنه يخربها " ولا يصح إسناد شئ من هذه الأحاديث. وقد أوردها الخطيب بأسانيدها وألفاظها، وفي كل منها نكارة، وأقرب ما فيها عن كعب الأحبار وقد جاء في آثار عن كتب متقدمة أن بانيها يقال له مقلاص (٢) وذو الدوانيق لبخله.

стр. 3700

فصل محاسن بغداد ومساويها وما روي في ذلك عن الأئمة قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قال لي الشافعي: هل رأيت بغداد؟ قلت لا! فقال: ما رأيت الدنيا. وقال الشافعي: ما دخلت بلدا قط إلا عددته سفرا، إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطنا. وقال بعضهم (١): الدنيا بادية وبغداد حاضرتها. وقال ابن علية: ما رأيت أعقل في طلب الحديث من أهل بغداد، ولا أحسن دعة منهم. وقال ابن مجاهد: رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال لي: دعني من هذا، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة. وقال أبو بكر بن عياش: الاسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا. وقال أبو معاوية: بغداد دار دنيا وآخرة. وقال بعضهم: من محاسن الاسلام يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد بطرسوس. قال الخطيب: من شهد يوم الجمعة بمدينة السلام عظم الله في قلبه محل الاسلام، لان مشايخنا كانوا يقولون يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد. وقال بعضهم: كنت أواظب على الجمعة بجامع المنصور فعرض لي شغل فصليت في غيره فرأيت في المنام كأن قائلا يقول: تركت الصلاة في جامع المدينة وإنه ليصلي فيه كل جمعة سبعون وليا. وقال آخر: أردت الانتقال من بغداد فرأيت كأن قائلا يقول في المنام: أتنتقل من بلد فيه عشرة آلاف ولي لله ؟ وقال بعضهم: رأيت كأن ملكين أتيا بغداد فقال أحدهما لصاحبه: اقلبها. فقد حق القول عليها: فقال الآخر كيف أقلب ببلد يختم فيها القرآن كل ليلة خمسة آلاف ختمة؟ وقال أبو مسهر: عن سعيد بن عبد العزيز بن سليمان بن موسى قال: إذا كان علم الرجل حجازيا وخلقه عراقيا وصلاته شامية فقد كمل. وقالت زبيدة لمنصور النمري قل شعرا تحبب فيه بغداد إلي. فقد اختار عليها الرافقة فقال: ماذا ببغداد من طيب الأفانين … ومن منازه للدنيا وللدين تحيي الرياح بها الرمضى إذا نسمت … وجوشت بين أغصان الرياحين قال: فأعطته ألفي دينار. وقال الخطيب: وقرأت في كتاب طاهر بن مظفر بن طاهر الخازن بخطه من شعره: سقى الله صوب الغاديات محلة … ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر هي البلدة الحسناء خصت لأهلها … بأشياء لم يجمعن مذكن في مصر هواء رقيق في اعتدال وصحة … وماء له طعم ألذ من الخمر

стр. 3701

ودجلتها شطان قد نظما لنا … بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر ثراها كمسك والمياه كفضة … وحصباؤها مثل اليواقيت والدر وقد أورد الخطيب في هذا أشعارا كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. وقد كان الفراغ من بناء بغداد في هذه السنة - أعني سنة ست وأربعين ومائة - وقيل في سنة ثمان وأربعين، وقيل إن خندقها وسورها كملا في سنة سبع وأربعين، ولم يزل المنصور يزيد فيها ويتأنق في بنائها حتى كان آخر ما بنى فيها قصر الخلد، فظن أنه يخلد فيها، أو أنها تخلد فلا تخرب، فعند كماله مات. وقد خربت بغداد مرات كما سيأتي بيانه. قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزل المنصور سلم بن قتيبة عن البصرة وولى عليها محمد بن سليمان بن علي، وذلك لأنه كتب إلى سلم يأمره بهدم بيوت الذين بايعوا إبراهيم بن عبد الله بن حسن فتوانى في ذلك فعزله، وبعث ابن عمه محمد بن سليمان فعاث بها فسادا، وهدم دورا كثيرة. وعزل عبد الله بن الربيع عن إمرة المدينة وولى عليها جعفر بن سليمان، وعزل عن مكة السري بن عبد الله وولى عليها عبد الصمد بن علي. قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي قاله الواقدي وغيره. قال: وفيها غزا الصائفة من بلاد الروم جعفر بن حنظلة البهراني. وفيها توفي من الأعيان أشعث بن عبد الملك، وهشام بن السائب الكلبي، وهشام بن عروة. ويزيد ابن أبي عبيد في قول. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة فيها أغار اشتر خان الخوارزمي في جيش من الأتراك على ناحية أرمينية فدخلوا تفليس وقتلوا خلقا كثيرا وأسروا كثيرا من المسلمين وأهل الذمة، وممن قتل يومئذ حرب بن عبد الله الراوندي الذي تنسب إليه الحربية (١) ببغداد، وكان مقيما بالموصل في ألفين لمقابلة الخوارج، فأرسله المنصور لمساعدة المسلمين ببلاد أرمينية، وكان في جيش جبريل بن يحيى، فهزم جبريل وقتل حرب ﵀. وفي هذه السنة كان مهلك عبد الله بن علي عم المنصور. وهو الذي أخذ الشام من أيدي بني أمية، كان عليها واليا حتى مات السفاح، فلما مات دعا إلى نفسه فبعث إليه المنصور أبا مسلم الخراساني فهزمه أبو مسلم وهرب عبد الله إلى عند أخيه سليمان بن علي والي البصرة فاختفى عنده مدة ثم ظهر المنصور على أمره فاستدعى به وسجنه، فلما كان في هذه السنة عزم المنصور على الحج فطلب عمه عيسى بن موسى - وكان ولي العهد من بعد المنصور عن وصية

стр. 3702

السفاح - وسلم إليه عمه عبد الله بن علي (١) وقال له: إن هذا عدوي وعدوك، فاقتله في غيبتي عنك ولا تتواني. وسار المنصور إلى الحج وجعل يكتب إليه من الطريق يستحثه في ذلك ويقول له: ماذا صنعت فيما أودعت إليك فيه؟ مرة بعد مرة. وأما عيسى بن موسى فإنه لما تسلم عمه حار في أمره وشاور بعض أهله فأشار بعضهم ممن له رأي أن المصلحة تقتضي أن لا تقتله وأبقه عندك وأظهر قتله فإنا نخشى أن يطالبك به جهرة فتقول: قتلته، فيأمر بالقود فتدعي أنه أمرك بقتله بالسر بينك وبينه فتعجز عن إثبات ذلك فيقتلك به، وإنما يريد المنصور قتله وقتلك ليستريح منكما معا. فتغير عيسى بن موسى عند ذلك وأخفى عمه وأظهر أنه قتله. فلما رجع المنصور من الحج أمر أهله أن يدخلوا عليه ويشفعوا في عمه عبد الله بن علي، وألحوا في ذلك فأجابهم إلى ذلك، واستدعى عيسى بن موسى وقال له: إن هؤلاء شفعوا في عبد الله بن علي وقد أجبتهم إلى ذلك فسلمه إليهم. فقال عيسى: وأين عبد الله؟ ذاك قتلته منذ أمرتني. فقال المنصور: لم آمرك بذلك، وجحد ذلك وأن يكون تقدم إليه منه أمره في ذلك، فأحضر عيسى الكتب التي كتبها إليه المنصور مرة بعد مرة في ذلك فأنكر أن يكون أراد ذلك، وصمم على الانكار، وصمم عيسى بن موسى أنه قد قتله، فأمر المنصور عند ذلك بقتل عيسى بن موسى قصاصا بعبد الله، فخرج به بنو هاشم ليقتلوه، فلما جاؤوا بالسيف قال: ردوني إلى الخليفة، فردوه إليه فقال له: إن عمك حاضر ولم أقتله، فقال: هلم به. فأحضره فسقط في يد الخليفة وأمر بسجنه بدار جدرانها مبنية على ملح، فلما كان من الليل أرسل على جدرانها الماء فسقط عليه البناء فهلك. ثم إن المنصور خلع عيسى بن موسى عن ولاية العهد وقدم عليه ابنه المهدي، وكان يجلسه فوق عيسى بن موسى عن يمينه، ثم كان لا يلتفت إلى عيسى بن موسى ويهينه في الاذن والمشورة والدخول عليه والخروج من عنده، ثم ما زال يقصيه ويبعده ويتهدده ويتوعده حتى خلع نفسه بنفسه، وبايع لمحمد ابن منصور وأعطاه المنصور على ذلك نحوا من اثني عشر ألف ألف درهم، وانصلح أمر عيسى بن موسى وبنيه عند المنصور، وأقبل عليه بعدما كان قد أعرض عنه. وكان قد جرت بينهما قبل ذلك مكاتبات في ذلك كثيرة جدا، ومراودات في تمهيد البيعة لابنه المهدي وخلع عيسى نفسه، وأن العامة لا يعدلون بالمهدي أحدا. وكذلك الأمراء والخواص. ولم يزل به حتى أجاب إلى ذلك مكرها، فعوضه عن ذلك ما ذكرنا، وسارت بيعة المهدي في الآفاق شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وفرح المنصور بذلك فرحا شديدا، واستقرت الخلافة في ذريته إلى زماننا هذا، فلم يكن خليفة من بني العباس إلا من سلالته (ذلك تقدير العزيز العليم) [الانعام: ٩٦]. وفيها توفي عبيد الله بن عمر العمري، وهاشم بن هاشم، وهشام بن حسان صاحب الحسن البصري.

стр. 3703

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة فيها بعث المنصور حميد بن قحطبة لغزو الترك الذين عاثوا في السنة الماضية ببلاد تفليس، فلم يجد منهم أحدا فإنهم انشمروا إلى بلادهم. وحج بالناس فيها جعفر بن أبي جعفر (١)، ونواب البلاد فيها هم المذكورون في التي قبلها. وفيها توفي جعفر بن محمد الصادق المنسوب إليه كتاب اختلاج الأعضاء وهو مكذوب عليه. وفيها توفي سليمان بن مهران الأعمش أحد مشايخ الحديث في ربيع الأول منها، وعمرو بن الحارث، والعوام بن حوشب، والزبيدي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ومحمد بن عجلان. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة فيها فرغ من بناء سور بغداد وخندقها. وفيها غزا الصائفة العباس بن محمد فدخل بلاد الروم ومعه الحسن (٢) بن قحطبة ومحمد بن الأشعث. ومات محمد بن الأشعث في الطريق. وفيها حج بالناس محمد بن إبراهيم بن [محمد بن] علي وولاه المنصور على مكة والحجاز عوضا عن عمه عبد الصمد بن علي. وعمال الأمصار فيها هم الذين كانوا في السنة قبلها. وفيها توفي زكريا بن أبي زائدة، وكهمس بن الحسن، والمثنى بن الصباح. وعيسى بن عمرو أبو عمرو الثقفي البصري النحوي شيخ سيبويه. يقال إنه من موالي خالد بن الوليد، وإنما نزل في ثقيف فنسب إليهم. كان إماما كبيرا جليلا في اللغة والنحو والقراءات، أخذ ذلك عن عبيد الله بن كثير وابن المحيص وعبد الله بن أبي إسحاق، وسمع الحسن البصري وغيرهم. وعنه الخليل بن أحمد والأصمعي وسيبويه. ولزمه وعرف به وانتفع به، وأخذ كتابه الذي سماه بالجامع فزاد عليه وبسطه، فهو كتاب سيبويه اليوم، وإنما هو كتاب شيخه، وكان سيبويه يسأل شيخه الخليل بن أحمد عما أشكل عليه فيه، فسأله الخليل أيضا عما صنف عيسى بن عمر فقال: جمع بضعا وسبعين كتابا ذهبت كلها إلا كتاب الاكمال، وهو بأرض فارس. وهو الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه، فأطرق الخليل ساعة ثم أنشد: ذهب النحو جميعا كله … غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع … وهما للناس شمس وقمر وقد كان عيسى يغرب ويتقعر في عبارته جدا. وقد حكى الجوهري عنه في الصحاح: أنه سقط يوما عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي مرة (٣)؟ افرنقعوا

стр. 3704

عني. معناه: ما لكم تجمعتم علي تجمعكم على مجنون؟ انكشفوا عني. وقال غيره: كان به ضيق النفس فسقط بسببه فاعتقد الناس أنه مصروع. فجعلوا يعودونه ويقرأون عليه، فلما أفاق من غشيته قال، ما قال: فقال بعضهم: إني حسبته - يتكلم بالفارسية - وذكر ابن خلكان أنه كان صاحبا لأبي عمرو بن العلاء، وأن عيسى بن عمر قال يوما لأبي عمرو بن العلاء: أنا أفصح من معد بن عدنان. فقال له أبو عمرو كيف تقرأ هذا البيت: قد كن يخبأن الوجوه تسترا … فاليوم حين بدأن للنظار (١) أو بدين؟ فقال بدين. فقال أبو عمرو: أخطأت، ولو قال: بدأن لأخطأ أيضا. وإنما أراد أبو عمرو تغليطه، وإنما الصواب بدون من بدا يبدو إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشئ. ثم دخلت سنة خمسين ومائة من الهجرة فيها خرج رجل من الكفرة يقال له أستاذسيس في بلاد خراسان فاستحوذ على أكثرها، والتف معه نحو من ثلاثمائة ألف، وقتلوا من المسلمين هنالك خلقا كثيرا، وهزموا الجيوش التي في تلك البلاد، وسبوا خلقا كثيرا، وتحكم الفساد بسببهم، وتفاقم أمرهم، فوجه المنصور خازم بن خزيمة إلى ابنه المهدي ليوليه حرب تلك البلاد، ويضم إليه من الأجناد ما يقاوم أولئك. فنهض المهدي في ذلك نهضة هاشمية، وجمع لخازم بن خزيمة الامرة على تلك البلاد والجيوش، وبعثه في نحو من أربعين ألفا، فسار إليهم وما زال يراوغهم ويماكرهم ويعمل الخديعة فيهم حتى فاجأهم بالحرب، وواجههم بالطعن والضرب، فقتل منهم نحوا من سبعين ألفا، وأسر منهم أربعة عشر ألفا، وهرب ملكهم استاذسيس فتحرز في جبل، فجاء خازم إلى تحت الجبل وقتل أولئك الاسرى كلهم ولم يزل يحاصره حتى نزل على حكم بعض الأمراء، فحكم أن يقيد بالحديد هو وأهل بيته، وأن يعتق من معه من الأجناد - وكانوا ثلاثين ألفا - ففعل خازم ذلك كله وأطلق لكل واحد ممن كان مع استاذسيس ثوبين، وكتب بما وقع من الفتح إلى المهدي، فكتب المهدي بذلك إلى أبيه المنصور. وفيها عزل الخليفة عن إمرة المدينة جعفر بن سليمان وولاها الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن علي عم الخليفة. وتوفي فيهما جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور ودفن أولا بمقابر بني هاشم من بغداد، ثم نقل منها إلى موضع آخر. وفيها توفي عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أحد أئمة أهل الحجاز، ويقال إنه أول من جمع السنن. وعثمان بن الأسود، وعمر بن محمد بن زيد. وفيها توفي الإمام أبو حنيفة.

стр. 3705

ذكر ترجمته هو الإمام أبو حنيفة واسمه النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي (١)، فقيه العراق، وأحد أئمة الاسلام، والسادة الاعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتنوعة، وهو أقدمهم وفاة، لأنه أدرك عصر الصحابة، ورأى أنس بن مالك، قيل وغيره. وذكر بعضهم أنه روى عن سبعة من الصحابة فالله أعلم (٢). وروى عن جماعة من التابعين منهم: الحكم وحماد بن أبي سليمان، وسلمة بن كهيل، وعامر الشعبي، وعكرمة، وعطاء، وقتادة، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، ويحيى بن سعيد - الأنصاري وأبو إسحاق السبيعي. وروى عنه جماعة منهم ابنه حماد وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وزفر، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهشيم، ووكيع، وأبو يوسف القاضي. قال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا. وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول: لا نكذب الله! ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال عبد الله بن المبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس. وقال في الشافعي: رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد السير فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومن أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وقال عبد الله بن داود الحريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم. وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه. وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل. وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض. وروى الخطيب بسنده عن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه. ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة - أعني سنة خمسين ومائة - وعن ابن معين سنة إحدى وخمسين. وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين. والصحيح الأول.

стр. 3706

وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلى عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك ﵀. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة فيها عزل المنصور عمر بن حفص عن السند وولى عليها هشام بن عمرو التغلبي، وكان سبب عزله عنها أن محمد بن عبد الله بن حسن لما ظهر بعث ابنه عبد الله الملقب بالأشتر ومعه جماعة بهدية وخيول عتاق إلى عمر بن حفص هذا إلى السند فقبلها، فدعوه إلى؟ وة أبيه محمد بن عبد الله بن حسن في السر فأجابهم إلى ذلك ولبسوا البياض. ولما جاء خبر مقتل محمد بن عبد الله بالمدينة سقط في أيديهم وأخذوا في الاعتذار إلى عبد الله بن محمد، فقال له عبد الله: إني أخشى على نفسي. فقال: إني سأبعثك إلى ملك من المشركين في جوار أرضنا، وإنه من أشد الناس تعظيما لرسول الله ﷺ ، وإنه متى عرفك أنك من سلالته أحبك. فأجابه إلى ذلك، وسار عبد الله بن محمد إلى ذلك الملك وكان عنده آمنا، وصار عبد الله يركب في موكب من الزيدية ويتصيد في جحفل من الجنود، وانضم إليه خلق وقدم عليه طوائف من الزيدية. وأما المنصور فإنه بعث يعتب على عمر بن حفص نائب السند، فقال رجل من الأمراء ابعثني إليه واجعل القضية مسندة إلي، فإني سأعتذر إليه من ذلك، فإن سلمت وإلا كنت فداءك وفداء من عندك من الأمراء. فأرسله سفيرا في القضية إلى المنصور، فلما وقف بين يدي المنصور أمر بضرب عنقه، وكتب إلى عمر بن حفص بعزله عن السند وولاه بلاد إفريقية عوضا عن أميرها، ولما وجه المنصور هشام بن عمرو إلى السند أمره أن يجتهد في تحصيل عبد الله بن محمد، فجعل يتوانى في ذلك، فبعث إليه المنصور يستحثه في ذلك، ثم اتفق الحال أن سيفا أخا هشام بن عمرو لقي عبد الله بن محمد في بعض الأماكن فاقتتلوا فقتل عبد الله وأصحابه جميعا واشتبه عليهم مكانه في القتلى فلم يقدروا عليه. فكتب هشام بن عمرو إلى المنصور يعلمه يقتله، فبعث يشكره على ذلك ويأمره بقتال الملك الذي آواه، ويعلمه أن عبد الله كان قد تسرى بجارية هنالك وأولدها ولدا أسماه محمدا، فإذا ظفرت بالملك فاحتفظ بالغلام فنهض هشام بن عمرو إلى ذلك الملك فقاتله فغلبه وقهره على بلاده وأمواله وحواصله، وبعث بالفتح والأخماس وبذلك الغلام والملك إلى المنصور، ففرح المنصور بذلك وبعث بذلك الغلام إلى المدينة، وكتب المنصور إلى نائبها يعلمه بصحة نسبه، ويأمره أن يلحقه بأهله يكون عندهم لئلا يضيع نسبه، فهو الذي يقال له أبو الحسن بن الأشتر. وفي هذه السنة قدم المهدي بن المنصور على أبيه من خراسان فتلقاه أبوه والامراء والأكابر إلى أثناء الطريق، وقدم بعد ذلك نواب البلاد والشام وغيرها للسلام عليه وتهنئته بالسلامة والنصر. وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لا يحد ولا يوصف.

стр. 3707

بناء الرصافة قال ابن جرير: وفي هذه السنة شرع المنصور في بناء الرصافة لابنه المهدي بعد مقدمه من خراسان، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، وجعل لها سورا وخندقا، وعمل عندها ميدانا وبستانا، وأجرى إليها الماء من نهر المهدي. قال ابن جرير: وفيها جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الأمراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها. قال الواقدي: وولى المنصور معن بن زائدة سجستان. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وهو نائب مكة والطائف، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة جابر بن زيد الكلابي، وعلى مصر زيد ابن حاتم. ونائب خراسان حميد بن قحطبة، ونائب سجستان معن بن زائدة. وغزا الصائفة فيها عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد. وفيها توفي حنظلة بن أبي سفيان، وعبد الله بن عون، ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة النبوية التي جمعها وجعلها علما يهتدى به، وفخرا يستجلى به، والناس كلهم عيال عليه في ذلك، كما قال الشافعي وغيره من الأئمة. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومائة فيها عزل المنصور عن إمرة مصر يزيد بن حاتم وولاها محمد بن سعيد، وبعث إلى نائب إفريقية وكان قد بلغه أنه عصى وخالف، فلما جئ به أمر بضرب عنقه (١). وعزل عن البصر، جابر بن زيد الكلابي وولاها يزيد بن منصور. وفيها قتلت الخوارج معن بن زائدة بسجستان. وفيها توفي عباد بن منصور، ويونس بن يزيد الأيلي. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسون ومائة وفيها غضب المنصور على كاتبه أبي أيوب المورياني (٢) وسجنه وسجن أخاه خالدا وبني أخيه

стр. 3708

الأربعة سعيدا ومسعودا ومخلدا ومحمدا، وطالبهم بالأموال الكثرة. وكان سبب ذلك ما ذكره ابن عساكر في ترجمة أبي جعفر المنصور، وهو أنه كان في زمن شبيبته قد ورد الموصل وهو فقير لا شئ له ولا معه شئ، فأجر نفسه من بعض الملاحين حتى اكتسب شيئا تزوج به امرأة، ثم جعل يعدها ويمينها أنه من بيت سيصير الملك إليهم سريعا، فاتفق حبلها منه، ثم تطلبه بنو أمية فهرب عنها وتركها حاملا، ووضع عندها رقعة فيها نسبته، وأنه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمرها إذا بلغها أمره أن تأتيه، وإذا ولدت غلاما أن تسميه جعفرا. فولدت غلاما فسمته جعفرا. ونشأ الغلام فتعلم الكتابة وغوى العربية والأدب، وأتقن ذلك إتقانا جيدا، ثم آل الامر إلى بني العباس، فسألت عن السفاح فإذا هو ليس صاحبها، ثم قام المنصور وصار الولد إلى بغداد فاختلط بكتاب الرسائل فأعجب به أبو أيوب المورياني صاحب ديوان الانشاء للمنصور، وحظي عنده وقدمه على غيره، فاتفق حضوره معه بين يدي الخليفة فجعل الخليفة يلاحظه، ثم بعث يوما الخادم ليأتيه بكاتب فدخل ومعه ذلك الغلام، فكتب بين يدي المنصور كتابا وجعل الخليفة ينظر إليه ويتأمله، ثم سأله عن اسمه فأخبره أنه جعفر، فقال: ابن من؟ فسكت الغلام، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن من خبري كيت وكيت، فتغير وجه الخليفة ثم سأله عن أمه فأخبره، وسأله عن أحوال بلد الموصل فجعل يخبره والغلام يتعجب. ثم قام إليه الخليفة فاحتضنه وقال: أنت ابني. ثم بعثه بعقد ثمين ومال جزيل وكتاب إلى أمه يعلمها بحقيقة الامر وحال الولد. وخرج الغلام ومعه ذلك من باب سر الخليفة فأحرز ذلك ثم جاء إلى أبي أيوب فقال: ما بطأ بك عند الخليفة؟ فقال: إنه استكتبني في رسائل كثيرة، ثم تقاولا، ثم فارقه الغلام مغضبا ونهض من فوره فاستأجر إلى الموصل ليعلم أمه ويحملها وأهلها إلى بغداد، إلى أبيه الخليفة. فسار مراحل، ثم سأل عنه أبو أيوب فقيل سافر فظن أبو أيوب أنه قد أفشى شيئا من أسراره إلى الخليفة وفر منه، فبعث في طلبه رسولا وقال: حيث وجدته فرده علي. فسار الرسول في طلبه فوجده في بعض المنازل فخنقه وألقاه في بئر وأخذ ما كان معه فرجع به إلى أبي أيوب. فلما وقف أبو أيوب على الكتاب أسقط في يده وندم على بعثه خلفه. وانتظر الخليفة عود ولده إليه واستبطأه وكشف عن خبره فإذا رسول أبي أيوب قد لحقه وقتله. فحينئذ استحضر أبا أيوب وألزمه بأموال عظيمة، وما زال في العقوبة حتى أخذ جميع أمواله وحواصله ثم قتله، وجعل يقول: هذا قتل حبيبي. وكان المنصور كلما ذكر ولده حزن عليه حزنا شديدا. وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية. فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا، ما بين فارس وراجل، وعليهم أبو حاتم الأنماطي، وأبو عباد (١). وانضم إليهم أبو قرة

стр. 3709

الصفري (١) في أربعين ألفا، فقاتلوا نائب إفريقية فهزموا جيشه وقتلوه، وهو عمر بن [حفص بن] (٢) عثمان بن أبي صفرة الذي كان نائب السند كما تقدم، قتله هؤلاء الخوارج ﵀. وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد، وقتلوا الحريم والأولاد. وفيها ألزم المنصور الناس بلبس قلانس سود طوال جدا، حتى كانوا يستعينون على رفعها من داخلها بالقضيب، فقال أبو دلامة الشاعر في ذلك: وكنا نرجي من إمام زيادة … فزاد الامام المرتجى (٣) في القلانس تراها على هام الرجال كأنها … دنان يهود جللت بالبرانس وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري فأسر خلقا كثيرا من الروم ينيف على ستة آلاف أسير، وغنم أموالا جزيلة. وحج بالناس المهدي بن المنصور وهو ولي العهد الملقب بالمهدي. وكان على نيابة مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد وعلى الكوفة محمد بن سليمان وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى مصر محمد بن سعيد. وذكر الواقدي أن يزيد بن منصور كان ولاه المنصور في هذه السنة اليمن. فالله أعلم. وفيها توفي أبان بن صمعة، وأسامة بن زيد الليثي، وثور بن يزيد الحمصي، والحسن بن عمارة، وقطر بن خليفة، ومعمر وهشام بن الغازي والله أعلم. ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة فيها دخل المنصور بلاد الشام وزار بيت المقدس وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألفا وولاه بلاد إفريقية، وأمره بقتال الخوارج، وأنفق على هذا الجيش نحوا من ثلاث وستين ألف (٤) درهم، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم. ونواب البلاد والأقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى البصرة فعليها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان. وفيها توفي أبو أيوب الكاتب وأخوه خالد، وأمر المنصور ببني أخيه أن تقطع أيديهم وأرجلهم ثم تضرب بعد ذلك أعناقهم ففعل ذلك بهم. وفيها توفي:

стр. 3710

أشعب الطامع (١) وهو أشعب بن جبير أبو العلاء، ويقال أبو إسحاق المديني، ويقال له أبو حميدة. وكان أبوه مولى لآل الزبير، قتله المختار، وهو خال الواقدي (٢). روى عن عبد الله بن جعفر " أن رسول الله ﷺ كان يتختم في اليمين ". وأبان بن عثمان، وسالم وعكرمة، وكان ظريفا ماجنا يحبه أهل زمانه لخلاعته وطمعه، وكان حميد الغناء، وقد وفد على الوليد بن يزيد دمشق فترجمه ابن عساكر ترجمة ذكر عنه فيها أشياء مضحكة، وأسند عن حديثين. وروى عنه أنه سئل يوما أن يحدث فقال: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " خصلتان من عمل بهما دخل الجنة " ثم سكت فقيل له: وما هما؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة ونسيت أنا الأخرى. وكان سالم بن عبد الله بن عمر يستخفه ويستحليه ويضحك منه ويأخذه معه إلى الغابة، وكذلك كان غيره من أكابر الناس. وقال الشافعي: عبث الولدان يوما بأشعب فقال لهم: إن ههنا أناسا يفرقون الجوز - ليطردهم عنه - فتسارع الصبيان إلى ذلك، فلما رآهم مسرعين قال: لعله حق فتبعهم. وقال له رجل: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفت عروس بالمدينة إلا رجوت أن تزف إلي فأكسح داري وأنظف بابي وأكنس بيتي. واجتاز يوما برجل يصنع طبقا من قبش فقال له: زد فيه طورا أو طورين لعله أن يهدي يوما لنا فيه هدية. وروى ابن عساكر أن أشعب غنى يوما لسالم بن عبد الله بن عمر قول بعض الشعراء: مضين بها والبدر يشبه وجهها … مطهرة الأثواب والدين وافر لها حسب زاك وعرض مهذب … وعن كل مكروه من الامر زاجر من الخفرات البيض لم تلق ريبة … ولم يستملها عن تقى الله شاعر فقال له سالم: أحسنت فزدنا. فغناه: ألمت بنا والليل داج كأنه … جناح غراب عنه قد نفض القطرا فقلت أعطار ثوى في رحالنا … وما علمت ليلى سوى ريحها عطرا فقال له: أحسنت ولولا أن يتحدث الناس لأجزلت لك الجائزة، وإنك من الامر لبمكان وفيها توفي جعفر بن برقان، والحكم بن أبان، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقرة بن خالد، وأبو عمرو بن العلاء أحد أئمة القراء، واسمه كنيته، وقيل اسمه ريان والصحيح الأول.

стр. 3711

وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري، وقيل غير ذلك في نسبه، كان علامة زمانه في الفقه والنحو وعلم القراءات، وكان من كبار العلماء العاملين، يقال إنه كتب ملء بيت من كلام العرب، ثم تزهد فأحرق ذلك كله، ثم راجع الأمر الأول فلم يكن عنده إلا ما كان يحفظه من كلام العرب، وكان قد لقي خلقا كثيرا من أعراب الجاهلية، كان مقدما أيام الحسن البصري ومن بعده. ومن اختياراته في العربية قوله في تفسيره الغرة في الجنين: إنها لا يقبل فيها إلا أبيض غلاما كان أو جارية. فهم ذلك من قوله ﵇: " غرة عبد أو أمة " ولو أريد أي عبد كان أو جارية لما قيده بالغرة، وإنما الغرة البياض. قال ابن خلكان: وهذا غريب ولا أعلم هل يوافقه قول أحد من الأئمة المجتهدين أم لا. وذكر عنه أنه كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتا من الشعر حتى ينسلخ، وإنما كان يقرأ القرآن وأنه كان يشتري له كل يوم كوزا جديدا وريحانا طريا، وقد صحبه الأصمعي نحوا من عشر سنين. كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في سنة ست وخمسين، وقيل تسع وخمسين فالله أعلم. وقد قارب التسعين، وقيل إنه جاوزها فالله أعلم. وقبره بالشام وقيل بالكوفة فالله أعلم. وقد روى ابن عساكر في ترجمه صالح بن علي بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن جده عبد الله ابن عباس مرفوعا " لان يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب خير له من أن يربي ولدا لصلبه ". وهذا منكر جدا وفي إسناده نظر. ذكره من طريق تمام عن خيثمة بن سليمان، عن محمد بن عوف الحمصي، عن أبي المغيرة عبد الله بن السمط، عن صالح به، وعبد الله بن السمط هذا لا أعرفه، وفد ذكره شيخنا الحافظ الذهبي في كتابه الميزان وقال: روي عن صالح بن علي حديثا موضوعا. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة فيها دخل يزيد بن حاتم بلاد إفريقية فافتتحها عودا على بدء، وقتل من كان فيها ممن تغلب عليها من الخوارج، وقتل أمراءهم وأسر كبراءهم وأذل أشرافهم واستبدل أهل تلك البلاد بالخوف أمنا وسلامة، وبالإهانة كرامة، وكان من جملة من قتل من أمرائهم أبو حاتم وأبو عباد (١) الخارجيان. ثم لما استقامت له وبه الأمور في البلدان دخل بعد ذلك بلاد القيروان فمهدها وأقر أهلها وقرر أمورها وأزال محذورها والله سبحانه أعلم.

стр. 3712

بناء الرافقة وهي المدينة المشهورة وفيها أمر المنصور ببناء الرافقة على منوال بناء بغداد في هذه السنة، وأمر فيها ببناء سور وعمل خندق حول الكوفة، وأخذ ما غرم على ذلك من أموال أهلها، من كل إنسان من أهل اليسار أربعين درهما. وقد فرضها أولا خمسة دراهم، خمسة دراهم، ثم جباها أربعين أربعين، فقال في ذلك بعضهم: يا لقومي ما رأينا … من (١) أمير المؤمنينا قسم الخمسة فينا … وجبانا أربعينا وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي. وفيها طلب ملك الروم الصلح من المنصور على أن يحمل إليه الجزية. وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وغرمه أموالا كثيرة. وفيها عزل محمد بن سليمان بن علي عن إمرة الكوفة، فقيل لأمور بلغته عنه في تعاطي منكرات، وأمور لا تليق بالعمال، وقيل لقتله محمد (٢) بن أبي العوجاء - وقد كان ابن أبي العوجاء هذا زنديقا - يقال إنه لما أمر بضرب عنقه اعترف على نفسه بوضع أربعة آلاف حديث يحل فيها الحرام ويحرم فيها الحلال، ويصوم الناس يوم الفطر ويفطرهم في أيام الصيام، فأراد المنصور أن يجعل قتله له ذنبا فعزله به، وإنما أراد أن يقيده منه، فقال له عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين له تعزله بهذا ولا تقتله به، فإنه إنما قتله على الزندقة، ومتى عزلته به شكره العامة وذموك، فتركه حينا ثم عزله وولى مكانه على الكوفة عمرو ابن زهير. وفيها عزل عن المدينة الحسن بن زيد وولى عليها عمه عبد الصمد بن علي، وجعل معه فليح ابن سليمان مشرفا عليه. وعلى إمرة مكة محمد بن إبراهيم بن محمد، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى مصر محمد بن سعيد، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم. وفيها توفي صفوان بن عمرو وعثمان بن أبي العاتكة الدمشقيان، وعثمان بن عطاء، ومسعر بن كدام. حماد الراوية وهو ابن أبي ليلى ميسرة - ويقال سابور - بن المبارك بن عبيد الديلمي الكوفي، مولى بكير (٣) بن زيد الخيل الطائي، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها ولغاتها، وهو الذي جمع السبع المعلقات الطوال، وإنما سمي الراوية لكثرة روايته الشعر عن العرب، اختبره الوليد بن يزيد بن

стр. 3713

عبد الملك أمير المؤمنين في ذلك فأنشده تسعا وعشرين قصيدة على حروف المعجم، كل قصيدة نحوا من مائة بيت، وزعم أنه لا يسمى شاعر من شعراء العرب إلا أنشد له ما لا يحفظه غيره. فأطلق له مائة ألف درهم. وذكر أبو محمد الحريري في كتابه درة الغواص (١): أن هشام بن عبد الملك استدعاه من العراق من نائبه يوسف بن عمر، فلما دخل عليه إذا هو في دار قوراء مرخمة بالرخام والذهب، وإذا عنده جاريتان حسنتان جدا، فاستنشده شيئا فأنشده، فقال له: سل حاجتك: فقال: كائنة ما كانت يا أمير المؤمنين؟ فقال: وما هي؟ فقال تطلق لي إحدى هاتين الجاريتين. فقال: هما وما عليهما لك، وأخلاه في بعض داره وأطلق له مائة ألف درهم. هذا ملخص الحكاية، والظاهر أن هذا الخليفة إنما هو الوليد بن يزيد، فإنه ذكر أنه شرب معه الخمر، وهشام لم يكن يشرب. ولم يكن نائبه على العراق يوسف بن عمر، إنما كان نائبه خالد بن عبد الله القسري، وبعده يوسف بن عمر بن عبد العزيز. كانت وفاة حماد في هذه السنة عن ستين سنة. قال ابن خلكان: وقيل إنه أدرك أول خلافة المهدي في سنة ثمان وخمسين فالله أعلم. وفيها قتل حماد عجرد على الزندقة. وهو حماد بن عمر ين يوسف (٢) بن كليب الكوفي، ويقال إنه واسطي، مولى بني سواد (٣)، وكان شاعرا ماجنا ظريفا زنديقا متهما على الاسلام، وقد أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولم يشتهر إلا في أيام بني العباس، وكان بينه وبين بشار بن برد مهاجاة كثيرة، وقد قتل بشار هذا على الزندقة أيضا كما سيأتي، ودفن مع حماد هذا في قبره (٤)، وقيل إن حمادا عجرد مات سنة ثمان وخمسين، وقيل إحدى وستين ومائة فالله أعلم. ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة فيها ظفر الهيثم بن معاوية نائب المنصور على البصرة، بعمرو بن شداد الذي كان عاملا لإبراهيم بن محمد (٥) على فارس، فقيل: أمر فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه ثم صلب. وفيها عزل المنصور الهيثم بن معاوية هذا الذي فعل هذه الفعلة عن البصرة وولى عليها قاضيها سوار بن عبد الله، فجمع له بين القضاء والصلاة، وجعل على شرطتها وأحداثها سعيد بن دعلج، ورجع الهيثم بن

стр. 3714

معاوية قاتل عمرو بن شداد إلى بغداد فمت فيها فجأة في هذه السنة، وهو على بطن جارية له، وصلى عليه المنصور ودفن في مقابر بني هاشم، ويقال إنه أصابته دعوة عمر بن شداد الذي قتله تلك القتلة، فليتق العبد الظلم. وحج بالناس العباس بن محمد أخو المنصور. ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وعلى فارس والأهواز وكور دجلة عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو. وفيها توفي حمزة الزيات في قول. وهو أحد القراء المشهورين والعباد المذكورين، وإليه تنسب المدود الطويلة في القراءة اصطلاحا من عنده، وقد تلكم فيه بسببها بعض الأئمة وأنكروها عليه. وسعيد بن أبي عروبة، وهو أول من جمع السنن في قول، وعبد الله بن شوذب، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وعمر بن ذر. ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة فيها بنى المنصور قصره المسمى بالخلد في بغداد، تفاؤلا بالتخليد في الدنيا، فعند كماله مات وخرب القصر من بعده، وكان المستحث في عمارته أبان بن صدقة، والربيع مولى المنصور وهو حاجبه. وفيها حول المنصور الأسواق من قرب دار الامارة إلى باب الكرخ. وقد ذكرنا فيما تقدم سبب ذلك. وفيها أمر بتوسعة الطرقات. وفيها أمر بعمل جسر عند باب الشعير. وفيها استعرض المنصور جنده وهم ملبسون السلاح وهو أيضا لابس سلاحا عظيما، وكان ذلك عند دجلة. وفيها عزل عن السند هشام بن عمرو وولى عليها سعيد (١) بن الخليل. وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي فأوغل في بلاد الروم، وبعث سنانا مولى البطال مقدمة بين يديه ففتح حصونا وسبى وغنم. وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي. ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وفيها توفي الحسين بن واقد، والامام الجليل علامة الوقت أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم. وقد بقي أهل دمشق وما حولها من البلاد على مذهبه نحوا من مائتين وعشرين سنة. شئ من ترجمة الأوزاعي ﵀ هو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد (٢) أبو عمرو الأوزاعي. والأوزاع بطن من حمير وهو من أنفسهم، قاله محمد بن سعد. وقال غيره: لم يكن من أنفسهم وإنما نزل في محلة الأوزاع، وهي قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق، وهو ابن عم يحيى بن عمرو الشيباني. قال أبو زرعة: وأصله

стр. 3715

من سبي السند فنزل الأوزاع فغلب عليه النسبة إليها. وقال غيره: ولد ببعلبك ونشأ بالبقاع يتيما في حجر أمه، وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد، وتأدب بنفسه، فلم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أورع ولا أعلم، ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم، ولا أكثر صمتا منه، ما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من سمعها من جلسائه أن يكتبها عنه، من حسنها، وكان يعاني الرسائل والكتابة، وقد اكتتب مرة في بعث إلى اليمامة فسمع من يحيى بن أبي كثير وانقطع إليه فأرشده إلى الرحلة إلى البصرة ليسمع من الحسن وابن سيرين. فسار إليها فوجد الحسن قد توفي من شهرين ووجد ابن سيرين مريضا، فجعل يتردد لعيادته، فقوي المرض به ومات ولم يسمع منه الأوزاعي شيئا. ثم جاء فنزل دمشق بمحلة الأوزاع خارج باب الفراديس، وساد أهلها في زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وغير ذلك من علوم الاسلام. وقد أدرك خلقا من التابعين وغيرهم، وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس والثوري والزهري، وهو من شيوخه. وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته. قال مالك: كان الأوزاعي إماما يقتدى به. وقال سفيان بن عيينة وغيره: كان الأوزاعي إمام أهل زمانه، وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول: أفسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه يأخذان عنه. وقد تذاكر مالك والأوزاعي مرة بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر، ومن العصر حتى صليا المغرب، فغمره الأوزاعي في المغازي، وغمره مالك في الفقه. أو في شئ من الفقه. وتناظر الأوزاعي والثوري في مسجد الخيف في مسألة رفع اليدين في الركوع والرفع منه. فاحتج الأوزاعي على الرفع في ذلك بما رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه " أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه ". واحتج الثوري على ذلك بحديث يزيد بن أبي زياد. فغضب الأوزاعي وقال: تعارض حديث الزهري بحديث يزيد بن أبي زياد وهو رجل ضعيف؟ فاحمر وجه الثوري، فقال الأوزاعي: لعلك كرهت ما قلت؟ قال: نعم. قال: فقم بنا حتى نلتعن عند الركن أينا على الحق. فسكت الثوري. وقال هقل بن زياد: أفتى الأوزاعي في سبعين ألف مسألة بحدثنا. وأخبرنا. وقال أبو زرعة: روي عنه ستون ألف مسألة. وقال غيرهما: أفتى في سنة ثلاث عشرة ومائة وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، ثم لم يزل يفتي حتى مات وعقله زاك. وقال يحيى القطان عن مالك: اجتمع عندي الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة فقلت: أيهم أرجح؟ قال: الأوزاعي. وقال محمد بن عجلان: لم أر أحدا أنصح للمسلمين من الأوزاعي. وقال غيره: ما رئي الأوزاعي ضاحكا مقهقها قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط وكان إذا خلى بكى حتى يرحم. وقال يحيى بن معين: العلماء أربعة: الثوري، وأبو حنيفة ومالك، والأوزاعي. قال أبو حاتم: كان ثقة متبعا لما سمع. قالوا: وكان الأوزاعي لا يلحن في كلامه، وكانت كتبه ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها. وقد قال المنصور يوما لاحظي كتابه عنده - وهو سليمان بن مجالد -: ينبغي أن نجيب الأوزاعي على ذلك
следующие страницы →