وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الأنام، والسفلة من العوام، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش فحاصره سعيد الحريثي (١) فألح عليه في الحصار، فلما أحس بالغلبة تحسى سما وسم نساءه فماتوا جميعا، عليهم لعائن الله. ودخل الجيش الاسلامي قلعته فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى المهدي، وكان المهدي بحلب. قال ابن خلكان: كان اسم المقنع عطاء، وقيل جكيم، والأول أشهر (٢). وكان أولا قصارا ثم ادعى الربوبية، مع أنه كان أعور قبيح المنظر، وكان يتخذ له وجها من ذهب (٣)، وتابعه على جهالته خلق كثير، وكان يرى الناس قمرا يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح، وكان يزعم - لعنة الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا - أن الله ظهر في صورة آدم، ولهذا سجدت له الملائكة، ثم في نوح، ثم في الأنبياء واحدا واحدا، ثم تحول إلى أبي مسلم الخراساني، ثم تحول إليه. ولما حاصروه المسلمون في قلعته التي كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها سنام (٤)، تحسى هو ونساؤه سما فماتوا واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله.
وفيها جهز المهدي البعوث من خراسان وغيرها من البلاد لغزو الروم، وأمر على الجميع ولده هارون الرشيد، وخرج من بغداد مشيعا له، فسار معه مراحل (٥) واستخلف على بغداد ولده موسى الهادي، وكان في هذا الجيش الحسن (٦) بن قحطبة والربيع الحاجب وخالد بن برمك - وهو مثل الوزير للرشيد ولي العهد - ويحيى بن خالد - وهو كاتبه وإليه النفقات - وما زال المهدي مع ولده مشيعا له حتى بلغ الرشيد إلى بلاد الروم، وارتاد هناك المدينة المسماة بالمهدية في بلاد الروم، ثم رجع إلى الشام وزار بيت المقدس، فسار الرشيد إلى بلاد الروم في جحافل عظيمة، وفتح الله عليهم فتوحات كثيرة، وغنموا أموالا جزيلة جدا، وكان لخالد بن برمك في ذلك أثر جميل لم يكن لغيره، وبعثوا بالبشارة مع سليمان بن برمك إلى المهدي فأكرمه المهدي وأجزل عطاءه.
وفيها عزل المهدي عمه عبد الصمد بن علي عن الجزيرة وولى عليها زفر بن عاصم الهلالي، ثم عزله وولى عبد الله بن صالح بن علي. وفيها ولى المهدي ولده هارون الرشيد بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينية، وجعل على رسائله يحيى بن خالد بن برمك، وولى وعزل جماعة من النواب. وحج بالناس فيها علي بن المهدي.
стр. 3747
وفيها توفي إبراهيم بن طهمان، وحريز بن عثمان الحمصي الرحبي، وموسى بن علي اللخمي المصري وشعيب بن أبي حمزة، وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عم السفاح، وإليه ينسب قصر عيسى، ونهر عيسى ببغداد، قال يحيى بن معين: كان له مذهب جميل، وكان معتزلا للسلطان. توفي في هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة. وهمام بن يحيى، ويحيى بن أبي أيوب المصري، وعبيدة بنت أبي كلاب العابدة، بكت من خشية الله أربعين سنة حتى عميت. وكانت تقول: أشتهي الموت فإني أخشى أن أجني على نفسي جناية تكون سبب هلاكي يوم القيامة.
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة
فيها غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بلاد الروم، فأقبل إليه ميخائيل البطريق في نحو من تسعين ألفا، فيهم طازاذ الأرمني البطريق ففشل عنه عبد الكبير ومنع المسلمين من القتال وانصرف راجعا - فأراد المهدي ضرب عنقه فكلم فيه فحبسه في المطبق. وفي يوم الأربعاء في أواخر ذي القعدة أسس المهدي قصرا من لبن بعيسا باذ، ثم عزم على الذهاب إلى الحج فأصابه حمى فرجع من أثناء الطريق، فعطش الناس في الرجعة حتى كاد بعضهم يهلك، فغضب المهدي على يقطين صاحب المصانع، وبعث من حيث رجع المهلب بن صالح بن أبي جعفر ليحج بالناس فحج بهم عامئذ. وفيها توفي شيبان بن عبد الرحمن النحوي، وعبد العزيز (١) بن أبي سلمة الماجشون، ومبارك بن فضالة صاحب الحسن البصري.
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة
فيها جهز المهدي ولده الرشيد لغزو الصائفة، وأنفذ معه من الجيوش خمسة وتسعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلا، وكان معه من النفقة مائة ألف دينار، وأربعة (٢) وتسعون ألف دينار، وأربعمائة وخمسون دينارا، ومن الفضة (٣) إحدى وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف، وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم. قال ابن جرير. فبلغ بجنوده خليج البحر الذي على القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ أغسطة امرأة أليون، ومعها ابنها في حجرها من الملك الذي توفي عنها، فطلبت الصلح من الرشيد على أن تدفع له سبعين ألف دينار في كل سنة، فقبل ذلك منها، وذلك بعد ما قتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسين ألفا وأسر من الذراري خمسة آلاف رأس وستمائة وأربعة (٤) وأربعين رأسا،
стр. 3748
وقتل من الاسرى ألفي قتيل صبرا، وغنم من الدواب بأدواتها عشرين ألف فرس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وبيع البرذون بدرهم والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم وعشرون سيفا بدرهم. فقال في ذلك مروان بن أبي حفصة:
أطفت بقسطنطينية الروم مسندا … إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها
وما رمتها حتى أتتك ملوكها … بجزيتها والحرب تغلي قدورها
وحج بالناس صالح بن أبي جعفر المنصور، وفيها توفي سليمان بن المغيرة، وعبد الله بن العلاء بن دبر، وعبد الرحمن بن نائب بن ثوبان. ووهب بن خالد.
ثم دخلت سنة ست وستين ومائة
في المحرم منها قدم الرشيد من بلاد الروم فدخل بغداد في أبهة عظيمة ومعه الروم يحملون الجزية من الذهب وغيره. وفيها أخذ المهدي البيعة لولده هارون من بعد موسى الهادي، ولقب بالرشيد. وفيها سخط المهدي على يعقوب بن داود وكان قد حظي عنده حتى استوزره وارتفعت منزلته في الوزارة حتى فوض إليه جميع أمر الخلافة، وفي ذلك يقول بشار بن برد:
بني أمية هبوا طال نومكم … إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا … خليفة الله بين الخمر (١) والعود
فلم تزل السعاة والوشاة بينه وبين الخليفة حتى أخرجوه عليه، وكلما سعوا به إليه دخل إليه فأصلح أمره معه، حتى وقع من أمره ما سأذكره، وهو أنه دخل ذات يوم على المهدي في مجلس عظيم قد فرش بأنواع الفرش وألوان الحرير، وحول ذلك المكان أصحان مزهرة بأنواع الأزاهير، فقال: يا يعقوب كيف رأيت مجلسنا هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أحسن منه. فقال: هو لك بما فيه، وهذه الجارية ليتم بها سرورك، ولي إليك حاجة أحب أن تقضيها. قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: حتى تقول نعم. فقلت: نعم! وعلى السمع والطاعة. فقال! الله؟ فقلت: الله. قال: وحياة رأسي قلت وحياة رأسك. فقال: ضع يدك على رأسي وقل ذلك، ففعلت. فقال: إن ههنا رجلا من العلويين أحب أن تكفينيه، والظاهر أن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب. فقلت: نعم، فقال: وعجل علي، ثم أمر بتحويل ما في ذلك المجلس إلى منزلي وأمر لي بمائة ألف درهم وتلك الجارية، فما فرحت بشئ فرحي بها. فلما صارت
стр. 3749
بمنزلي حجبتها في جانب الدار في خدر، فأمرت بذلك العلوي فجئ به فجلس إلي فتكلم، فما رأيت أعقل منه ولا أفهم. ثم قال لي: يا يعقوب تلقى الله بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لا والله ولكن اذهب حيث شئت وأين شئت. فقال: إني أختار بلاد كذا وكذا.
فقلت: أذهب كيف شئت، ولا يظهرن عليك المهدي فتهلك وأهلك. فخرج من عندي وجهزت معه رجلين يسفرانه ويوصلانه بعض البلاد، ولم أشعر بأن الجارية قد أحاطت علما بما جرى، وأنها كالجاسوس علي، فبعثت بخامدها إلى المهدي فأعلمته بما جرى، فبعث المهدي إلى تلك الطريق فردوا ذلك العلوي فحبسه عنده في بيت من دار الخلافة، وأرسل إلي من اليوم الثاني فذهب إليه ولم أشعر من أمر العلوي بشئ، فلما دخلت عليه قال: ما فعل العلوي؟ قلت: مات. قال: الله! قلت الله. قال: فضع يدل على رأسي واحلف بحياته، ففعلت. فقال يا غلام أخرج ما في (١) هذا البيت، فخرج العلوي فأسقط في يدي، فقال المهدي: دمك لي حلال. ثم أمر به فألقي في بئر في المطبق. قال يعقوب: فكنت في مكان لا أسمع فيه ولا أبصر، فذهب بصري وطال شعري حتى ثرت مثل البهائم، ثم مضت علي مدد متطاولة، فبينما أنا ذات يوم إذ دعيت فخرجت من البئر فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فسلمت وأنا أظنه المهدي، فلما ذكرت المهدي قال: رحم الله المهدي. فقلت: الهادي؟ فقال: رحم الله الهادي. فقلت: الرشيد؟ قال: نعم. فقلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما حل بي من الضعف والعلة، فإن رأيت أن تطلقني. فقال: أين تريد؟ قلت: مكة. فقال: اذهب راشدا، فسار إلى مكة فما لبث بها إلا قليلا حتى مات رحمه الله تعالى.
وقد كان يعقوب هذا يعظ المهدي في تعاطيه شرب النبيذ بين يديه، وكثرة سماع الغناء فكان يلومه على ذلك ويقول: ما على هذا استوزرتني، ولا على هذا صحبتك، أبعد الصلوات الخمس في المسجد الحرام يشرب الخمر ويغني بين يديك؟ فيقول له المهدي: فقد سمع عبد الله بن جعفر، فقال له يعقوب: إن ذلك لم يكن له من حسناته، ولو كان هذا قربة لكان كلما داوم عليه العبد أفضل. وفي ذلك يقول بعض الشعراء حثا للمهدي على ذلك:
فدع عنك يعقوب بن داود جانبا … وأقبل على صهباء طيبة النشر
وفيها ذهب المهدي إلى قصره المسمى بعيسا باذ - بني له بالآجر بعد القصر الأول الذي بناه باللبن - فسكنه وضرب هناك الدراهم والدنانير. وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ولم يفعل أحد هذا قبل هذه السنة. وفيها خرج موسى الهادي إلى جرجان. وفيها ولى القضاء أبا يوسف (٢) صاحب أبي حنيفة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد عامل الكوفة. ولم يكن
стр. 3750
في هذه السنة صائفة للهدنة التي كانت بين الرشيد وبين الروم. وفيها توفي صدقة بن عبد الله السمين، وأبو الأشهب العطاردي، وأبو بكر النهشلي، وعفير بن معدان.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة
فيها وجه المهدي ابنه موسى الهادي إلى جرجان في جيش كثيف لم ير مثله، وجعل على رسائله أبان بن صدقة. وفيها توفي عيسى بن موسى الذي كان ولي العهد من بعد المهدي: مات بالكوفة فأشهد نائبها روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الأعيان. ثم دفن. وكان قد امتنع من الصلاة عليه فكتب إليه المهدي يعنفه أشد التعنيف، وأمر بمحاسبته على عمله. وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع بن يونس الحاجب، فاستخلف فيه سعيد بن واقد وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته. وفيها وقع وباء شديد وسعال كثير ببغداد والبصرة، وأظلمت الدنيا حتى كانت كالليل حتى تعالى النهار، وكان ذلك لليال (١) بقين من ذي الحجة من هذه السنة. وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبرا بين يديه، وكان المتولي أمر مزنادقة عمر الكلواذي. وفيها أمر المهدي بزيادة كثيرة في المسجد الحرام، فدخل في ذلك دور كثيرة، وولى ذلك ليقطين بن موسى الموكل بأمر الحرمين، فلم يزل في عمارة ذلك حتى مات المهدي كما سيأتي. ولم يكن للناس صائفة للهدنة. وحج بالناس نائب المدينة إبراهيم بن [يحيى بن] (٢) محمد وتوفي بعد فراغه من الحج بأيام. وولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس.
وممن توفي فيها من الأعيان
بشار بن برد أبو معاذ الشاعر مولى عقيل، ولد أعمى، وقال الشعر وهو دون عشر سنين، وله التشبيهات التي لم يهتد إليها البصراء. وقد أثنى عليه الأصمعي والجاحظ وأبو تمام وأبو عبيدة، وقال له ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر. فلما بلغ المهدي أنه هجاه وشهد عليه قوم أنه زنديق أمر به فضرب حتى مات عن بضع وسبعين سنة. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات، فقال: بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي مولاهم، وقد نسبه صاحب الأغاني فأطال نسبه. وهو بصري قدم بغداد أصله من طخارستان (٣)، وكان ضخما عظيم الخلق، وشعره في أول طبقات المولدين، ومن شعره البيت المشهور:
стр. 3751
هل تعلمين وراء الحب منزلة … تدنى إليك فإن الحب أقصاني
وقوله:
أنا والله أشتهي سحر عينيك … وأخشى مصارع العشاق
وله:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة … والاذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا لم لا نرى عينيك (١) قلت لهم … الاذن كالعين تروى القلب مكانا
وله:
إذا بلغ الرأي التشاور (٢) فاستعن … بحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … فريش (٣) الخوافي قوة للقوادم
وما خير كف أمسك الغل أختها … وما خير سيف لم يؤيد بقائم
كان بشار يمدح المهدي حتى وشى إليه الوزير أنه هجاه وقذفه ونسبه إلى شئ من الزندقة، وأنه يقول بتفضيل النار على التراب، وعذر إبليس في السجود لآدم، وأنه أنشد:
الأرض مظلمة والنار مشرقة … والنار معبودة مذ كانت النار
فأمر المهدي بضربه فضرب حتى مات. ويقال: إنه غرق ثم نقل إلى البصرة في هذه السنة. وفيها توفي الحسن بن صالح بن حيي، وحماد بن سلمة، والربيع بن مسلم، وسعيد بن عبد العزيز بن مسلم، وعتبة الغلام: وهو عتبة بن أبان بن صمعة أحد العباد المشهورين البكائين المذكورين، كان يأكل من عمل يده في الخوص، ويصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح. والقاسم الحذاء، وأبو هلال محمد بن سليم، ومحمد بن طلحة، وأبو حمزة اليشكري محمد بن ميمون.
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة
فيها في رمضان منها نقضت الروم ما بينهم وبين المسلمين من الصلح الذي عقده هارون الرشيد عن أمر أبيه المهدي، ولم يستمروا على الصلح إلا ثنتين وثلاثين شهرا، فبعث نائب الجزيرة خيلا إلى
стр. 3752
الروم فقتلوا وأسروا وغنموا وسلموا. وفيها اتخذ المهدي دواوين الأزمة (١) ولم يكن بنو أمية يعرفون ذلك. وفيها حج بالناس علي بن محمد المهدي الذي يقال له ابن ريطة. وفيها توفي الحسن بن زيد (٢) بن حسن بن علي [بن علي] (٣) بن أبي طالب، ولاه المنصور المدينة خمس سنين، ثم غضب عليه فضربه وحبسه وأخذ جميع ماله. وحماد عجرد. كان ظريفا ماجنا شاعرا، وكان ممن يعاشر الوليد بن يزيد ويهاجي بشار بن برد. وقدم على المهدي ونزل الكوفة واتهم بالزندقة. قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء: ثلاثة حمادون بالكوفة يرمون بالزندقة حماد الرواية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان النحوي. وكانوا يتشاعرون ويتماجنون. وخارجة بن مصعب، وعبد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحسن البصري، قاضي البصرة بعد سوار. سمع خالدا الحذاء وداود بن أبي هند، وسعيدا الجريري. وروى عنه ابن مهدي. وكان ثقة فقيها له اختيارات تعزى إليه غريبة في الأصول والفروع، وقد سئل عن مسألة فأخطأ في الجواب فقال له قائل: الحكم فيها كذا وكذا. فأطرق ساعة ثم قال: إذا أرجع وأنا صاغر، لان أكون ذنبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل. توفي في ذي القعدة من هذه السنة، وقيل بعد ذلك بعشر سنين فالله أعلم. غوث بن سليمان بن زياد بن ربيعة أبو يحيى الجرمي، قاضي مصر، كان من خيار الحكام، ولي الديار المصرية ثلاث مرات في أيام المنصور والمهدي. وفليح بن سليمان، وقيس بن الربيع في قول، ومحمد بن عبد الله بن علاثة بن علقمة بن مالك، أبو اليسر العقيلي، قاضي الجانب الشرقي من بغداد للمهدي، هو وعافية بن يزيد. وكان يقال لابن علاثة قاضي الجن، لأنه كانت بئر يصاب من أخذ منها شيئا فقال: أيها الجن! إنا حكمنا أن لكم الليل ولنا النهار. فكان من أخذ منها شيئا في النهار لم يصبه شئ. قال ابن معين: كان ثقة. وقال البخاري: في حفظه شئ.
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة
فيها في المحرم منها توفي المهدي بن المنصور بمكان يقال له ماسبذان، بالحمى، وقيل مسموما وقيل عضه فرس فمات.
وهذه ترجمته
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو عبد الله المهدي، أمير المؤمنين
стр. 3753
وإنما لقب بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم يكن به، وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل، ذاك يأتي في آخر الزمان عند فساد الدنيا فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما. وقد قيل إن في أيامه ينزل عيسى بن مريم بدمشق كما سيأتي ذلك في أحاديث الفتن والملاحم. وقد جاء في حديث من طريق عثمان بن عفان: أن المهدي من بني العباس، وجاء موقوفا على ابن عباس وكعب الأحبار ولا يصح، وبتقدير صحة ذلك لا يلزم أن يكون على التعيين، وقد ورد في حديث آخر أن المهدي من ولد فاطمة فهو يعارض هذا والله أعلم. وأم المهدي بن المنصور أم موسى بنت منصور بن عبد الله الحميري. روى عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس " أن رسول الله ﷺ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم ". رواه عنه يحيى بن حمزة النهشلي قاضي دمشق، وذكر أنه صلى خلف المهدي حين قدم دمشق فجهر في السورتين بالبسملة، وأسند ذلك عن رسول الله ﷺ ورواه غير واحد عن يحيى بن حمزة، ورواه المهدي عن المبارك بن فضالة، ورواه عنه أيضا جعفر بن سليمان الضبعي، ومحمد بن عبد الله الرقاشي، وأبو سفيان سعيد بن يحيى بن مهدي.
وكان مولد المهدي في سنة ست أو سبع وعشرين ومائة، أو في سنة إحدى وعشرين ومائة ولي الخلافة بعد موت أبيه في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة، ولد بالحميمة من أرض البلقاء، وتوفي في المحرم من هذه السنة أعني سنة تسع وستين ومائة عن ثلاث أو ثمان وأربعين سنة، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وبعض شهر، وكان أسمر طويلا جعد الشعر، على إحدى عينيه نكتة بيضاء، قيل على عينه اليمنى، وقيل اليسرى. قال الربيع الحاجب: رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهو له عليه ثياب حسنة، فما أدري هو أحسن أم القمر، أم بهوه، أم ثيابه. فقرأ (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) [محمد: ٢٢] الآية. ثم أمرني فأحضرت رجلا من أقاربه كما مسجونا فأطلقه (١). ولما جاء خبر موت أبيه بمكة كما تقدم، كتم الامر يومين ثم نودي في الناس يوم الخميس الصلاة جامعة، فقام فيهم خطيبا فأعلمهم موت أبيه وقال: إن أمير المؤمنين دعي فأجاب فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وأستعينه على خلافة المسلمين. ثم بايعه الناس بالخلافة يومئذ. وقد عزاه أبو دلامة وهنأه في قصيدة له يقول فيها:
عيناي واحدة ترى مسرورة … بأميرها جذلا وأخرى تذرف
تبكي وتضحك تارة ويسوءها … ما أنكرت ويسرها ما تعرف
فيسوءها موت الخليفة محرما … ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى … شعرا أرجله وآخر ينتف
هلك الخليفة يال أمة أحمد … وأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافة … ولذاك جنات النعيم تزخرف
стр. 3754
وقد قال المهدي يوما في خطبة: أيها الناس أسروا مثلما تعلنون من طاعتنا تهنكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطاعة لمن ينشر معدلته فيكم، ويطوي ثوب الإصر عنكم. وأهال عليكم السلامة ولين المعيشة من حيث أراه الله، مقدما ذلك على فعل من تقدمه، والله لأعفين عمري من عقوبتكم، ولأحملن نفسي على الاحسان إليكم. قال: فأشرقت وجوه الناس من حسن كلامه. ثم استخرج حواصل أبيه من الذهب والفضة التي كانت لا تحد ولا توصف كثرة، ففرقها في الناس، ولم يعط أهله ومواليه منها شيئا، بل أجرى لهم أرزاقا بحسب كفايتهم من بيت المال، لكل واحد خمسمائة في الشهر غير الأعطيات. وقد كان أبوه حريصا على توفير بيت المال، وإنما كان ينفق في السنة ألفي درهم من مال السراة. وأمر المهدي ببناء مسجد الرصافة وعمل خندق وسور حولها، وبني مدنا ذكرناها فيما تقدم.
وذكر له عن شريك بن عبد الله القاضي أنه لا يرى الصلاة خلفه، فأحضره فتكلم معه ثم قال له المهدي في جملة كلامه: يا بن الزانية! فقال له شريك: مه مه يا أمير المؤمنين فلقد كانت صوامة قوامة. فقال له. يا زنديق لأقتلنك. فضحك شريك، فقال: يا أمير المؤمنين إن للزنادقة علامات وذكروا أنه هاجت ريح شديدة، فدخل المهدي بيتا في داره فألزق خده بالتراب وقال: اللهم إن كنت أنا المطلوب بهذه العقوبة دون الناس فها أنا ذا بين يديك، اللهم لا تشمت بي الأعداء من أهل الأديان. فلم يزل كذلك حتى انجلت. ودخل عليه رجل يوما ومعه نعل فقال: هذه نعل رسول الله ﷺ قد أهديتها لك. فقال: هاتها، فناوله إياها، فقبلها ووضعها على عينيه وأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما انصرف الرجل قال المهدي: والله إني لاعلم أن رسول الله ﷺ لم ير هذه النعل، فضلا عن أن يلبسها، ولكن لو رددته لذهب يقول للناس: أهديت إليه نعل رسول الله ﷺ فردها علي، فتصدقه الناس، لان العامة تميل إلى أمثالها، ومن شأنهم نصر الضعيف على القوي وإن كان ظالما، فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم، ورأينا هذا أرجح وأصلح.
واشتهر عنه أنه كان يحب اللعب بالحمام والسباق بينها، فدخل عليه جماعة من المحدثين فيهم عتاب بن إبراهيم فحدثه بحديث أبي هريرة: " لا سبق إلا في خف أو نعل أو حافر ". وزاد في الحديث " أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف. ولما خرج قال: والله إني لاعلم أن عتابا كذب على رسول الله ﷺ ثم أمر بالحمام فذبح ولم يذكر عتابا بعدها. وقال الواقدي: دخلت على المهدي يوما فحدثته بأحاديث فكتبها عني ثم قام فدخل بيوت نسائه ثم خرج وهو ممتلئ غيظا فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: دخلت على الخيزران فقامت إلي ومزقت ثوبي وقالت: ما رأيت منك خيرا، وإني والله يا واقدي إنما اشتريتها من نخاس، وقد نالت عندي ما نالت، وقد بايعت لو لديها بأمرة المؤمنين من بعدي. فقلت: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قال: " إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام ". وقال: " خيركم خيركم
стр. 3755
لأهله وأنا خيركم لأهله، وقد خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته " (١). وحدثته في هذا الباب بكلام حضرني. فأمر لي بألفي دينار، فلما وافيت المنزل إذا رسول الخيزران قد لحقني بألفي دينار إلا عشرة دنانير، وإذا معه أثواب أخر، وبعثت تشكرني وتثني علي معروفا.
وذكروا أن المهدي كان قد أهدر دم رجل من أهل الكوفة وجعل لمن جاء به مائة ألف، فدخل الرجل بغداد متنكرا فلقيه رجل فأخذ بمجامع ثوبه ونادى: هذا طلبة أمير المؤمنين. وجعل الرجل يريد أن ينفلت منه فلا يقدر، فبينا هما، يتجاذبان وقد اجتمع الناس عليهما، إذ مر أمير في موكبه - وهو معن بن زائدة (٢) - فقال الرجل! يا أبا الوليد خائف مستجير. فقال معن: ويلك مالك وله؟ فقال هذا طلبة أمير المؤمنين، جعل لمن جاء به مائة ألف. قال معن: أما علمت أني قد أجرته؟ أرسله من يدك. ثم أمر بعض غلمانه فترجل وأركبه وذهب به إلى منزله، وانطلق ذلك الرجل إلى باب الخليفة وأنهى إليهم الخبر، فبلغ المهدي فأرسل إلى معن فدخل عليه فسلم فلم يرد عليه¬ السلام وقال: يا معن أبلغ من أمرك أن تجير علي؟ قال: نعم، قال: ونعم أيضا! قال: نعم! قد قتلت في دولتكم أربعة آلاف مصل فلا يجار لي رجل واحد؟ فأطرق المهدي ثم رفع رأسه إليه وقال: قد أجرنا من أجرت يا معن. فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل ضعيف، فأمر له بثلاثين ألفا. فقال: إن جريمته عظيمة وإن جوائز الخلفاء على قدر جرائم الرعية. فأمر له بمائة ألف، فحملت بين يدي معن إلى ذلك الرجل، فقال له معن: خذ المال وادع لأمير المؤمنين وأصلح نيتك في المستقبل.
وقدم المهدي مرة البصرة فخرج ليصلي بالناس فجاء أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين مر هؤلاء فلينتظروني حتى أتوضأ - يعني المؤذنين - فأمرهم بانتظاره، ووقف المهدي في المحراب لم يكبر حتى قيل له هذا الأعرابي قد جاء. فكبر، فتعجب الناس من سماحة أخلاقه. وقدم أعرابي ومعه كتاب مختوم فجعل يقول: هذا كتاب أمير المؤمنين إلي، أين الرجل الذي يقال له الربيع الحاجب؟ فأخذ الكتاب وجاء به إلى الخليفة وأوقف الأعرابي وفتح الكتاب فإذا هو قطعة أديم فيها كتابة ضعيفة، والأعرابي يزعم أن هذا خط الخليفة، فتبسم المهدي وقال: صدق الأعرابي، هذا خطي، إني خرجت يوما إلى الصيد فضعت عن الجيش وأقبل الليل فتعوذت بتعويذ رسول الله ﷺ فرفع لي نار من بعيد فقصدتها فإذا هذا الشيخ وامرأته في خباء يوقدان نارا، فسلمت عليهما فردا السلام وفرش لي كساء وسقاني مذقة من لبن مشوب بماء، فما شربت شيئا إلا وهي أطيب منه، ونمت نومة على تلك العباءة ما أذكر أني نمت أحلى منها. فقام إلى شويهة له فذبحها فسمعت امرأته تقول له: عمدت إلى مكسبك ومعيشة أولادك
стр. 3756
فذبحتها، هلكت نفسك وعيالك. فما التفت إليها، واستيقظت فاشتويت من لحم تلك الشويهة وقلت له: أعندك شئ أكتب لك فيه كتابا؟ فأتاني بهذه القطعة فكتبت له بعود من ذلك الرماد خمسمائة ألف، وإنما أردت خمسين ألفا، والله لأنفذنها له كلها ولو لم يكن في بيت المال سواها. فأمر له بخمسمائة ألف فقبضها الأعرابي واستمر مقيما في ذلك الموضع في طريق الحاج من ناحية الأنبار، فجعل يقري الضيف ومن مر به من الناس، فعرف منزله بمنزل مضيف أمير المؤمنين المهدي.
وعن سوار - صاحب رحبة سوار - قال: انصرفت يوما من عند المهدي فجئت منزلي فوضع لي الغداء فلم تقبل نفسي عليه، فدخلت خلوتي لأنام في القائلة فلم يأخذني نوم، فاستدعيت بعض حظاياي لا تلهى بها فلم تنبسط نفسي إليها، فنهضت فخرجت من المنزل وركبت بغلتي فما جاوزت الدار إلا قليلا حتى لقيني رجل ومعه ألفا درهم، فقلت: من أين هذه؟ فقال: من ملك الجديد. فاستصحبته معي وسرت في أزقة بغداد لا تشاغل عما أنا فيه من الضجر، فحانت صلاة العصر عند مسجد في بعض الحارات، فنزلت لأصلي فيه، فلما قضيت الصلاة إذا برجل أعمى قد أخذ بثيابي فقال: إن لي إليك حاجة، فقلت: وما حاجتك؟ فقال: إني رجل ضرير ولكنني لما شممت رائحة طيبك ظننت أنك من أهل النعمة والثروة، فأحببت أن أفضي إليك بحاجتي. فقلت: وما هي؟ فقال: إن هذا القصر الذي تجاه المسجد كان لأبي فسافر منه إلى خراسان فباعه وأخذني معه وأنا صغير، فافترقنا هناك وأصابني أنا الضرر، فرجعنا إلى بغداد بعد أن مات أبي، فجئت إلى صاحب هذا القصر أطلب منه شيئا أتبلغ به لعلي أجتمع بسوار، فإنه كان صاحبا لأبي، فلعله أن يكون عنده سعة يجود منها علي. فقلت: ومن أبوك؟ فذكر رجلا كان أصحب الناس إلي، فقلت: إني أنا سوار صاحب أبيك، وقد منعني الله يومك هذا النوم والقرار والاكل والراحة حتى أخرجني من منزلي لاجتمع بك، وأجلسني بين يديك، وأمرت وكيلي فدفع له الألفي الدرهم التي معه، وقلت له: إذا كان الغد فأت منزلي في مكان كذا وكذا. وركبت فجئت دار الخلافة وقلت: ما أتحف المهدي الليلة في السمر بأغرب من هذا. فلما قصصت عليه القصة تعجب من ذلك جدا وأمر لذلك الأعمى بألفي دينار، وقال لي: هل عليك دين؟ قلت: نعم! قال: كم؟ قلت: خمسون ألف دينار. فسكت وحادثني ساعة ثم لما قمت من بين يديه فوصلت إلى المنزل إذا الحمالون قد سبقوني بخمسين ألف دينار وألفي دينار للأعمى، فانتظرت الأعمى أن يجئ في ذلك اليوم فتأخر فلما أمسيت عدت إلى المهدي فقال: قد فكرت في أمرك فوجدتك إذا قضيت دينك لم يبق معك شئ، وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار أخرى. فلما كان اليوم الثالث جاءني الأعمى فقلت: قد رزقني الله بسببك خيرا كثيرا، ودفعت له الألفي الدينار التي من عند الخليفة وزدته ألفي دينار من عندي أيضا.
ووقفت امرأة للمهدي فقالت: يا عصبة رسول الله اقض حاجتي. فقال المهدي: ما سمعتها من أحد غيرها، اقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم. ودخل ابن الخياط على المهدي فامتدحه
стр. 3757
فأمر له بخمسين ألف درهم ففرقها ابن الخياط وأنشأ يقول:
أخذت (١) بكفي كفه أبتغي الغنى … ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى … أفدت، وأعداني فبددت (٢) ما عندي
قال: فبلغ ذلك المهدي فأعطاه بدل كل درهم دينارا. وبالجملة فإن للمهدي مآثر ومحاسن كثيرة، وقد كانت وفاته بماسبذان، كان قد خرج إليها ليبعث إلى ابنه الهادي ليحضر إليه من جرجان حتى يخلعه من ولاية العهد ويجعله بعد هارون الرشيد، فامتنع الهادي من ذلك، فركب المهدي إليه قاصدا إحضاره، فلما كان بماسبذان مات بها. وكان قد رأى في النوم وهو بقصره ببغداد - المسمى بقصر السلامة - كأن شيخا وقف بباب القصر، ويقال إنه سمع هاتفا يقول:
كأني بهذا القصر قد باد أهله … وأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة … وملك إلى قبر عليه جنادله
ولم يبق إلا ذكره وحديثه … تنادي عليه معولات حلائله
فما عاش بعدها إلا عشرا حتى مات. وروي أنه لما قال له الهاتف:
كأني بهذا القصر قد باد أهله … وقد درست أعلامه ومنازله
فأجابه المهدي:
كذاك أمور الناس يبلى جديدها … وكل فتى يوما ستبلى فعائله
فقال الهاتف:
تزود من الدنيا فإنك ميت … وإنك مسؤول فما أنت قائله
فأجابه المهدي:
أقول بأن الله حق شهدته … وذلك قول ليس تحصى فضائله
فقال الهاتف:
تزود من الدنيا فإنك راحل … وقد أزف الامر الذي بك نازل
فأجابه المهدي:
متى ذاك خبرني هديت فإنني … سأفعل ما قد قلت لي وأعاجله
فقال الهاتف:
تلبث ثلاثا بعد عشرين ليلة … إلى منتهى شهر وما أنت كامله
стр. 3758
قالوا: فلم يعش بعدها إلا تسعا وعشرين يوما حتى مات رحمه الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير اختلافا في سبب موته، فقيل إنه ساق خلف ظبي والكلاب بين يديه فدخل الظبي إلى خربة فدخلت الكلاب وراءه وجاء الفرس فحمل بمشواره فدخل الخربة فكسر ظهره، وكانت وفاته بسبب ذلك. وقيل إن بعض حظاياه بعثت إلى أخرى لبنا مسموما فمر الرسول بالمهدي فأكل منه فمات. وقيل بل بعثت إليها بصينية فيها الكمثري وفي أعلاها واحدة كبيرة مسمومة وكان المهدي يعجبه الكمثري، فمرت به الجارية ومعها تلك الصينية فأخذ التي في أعلاها فأكلها فمات من ساعته، فجعلت الحظية تندبه وتقول: وا أمير المؤمنيناه، أردت أن يكون لي وحدي فقتلته بيدي. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة - أعني سنة تسع وستين ومائة - وله من العمر ثلاث وأربعون سنة على المشهور، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وكسورا، ورثاه الشعراء بمراثي كثيرة قد ذكرها ابن جرير وابن عساكر.
وفيها توفي عبيد الله بن إياد (١)، ونافع بن عمر الجمحي (٢)، ونافع بن أبي نعيم القارئ (٣).
خلافة موسى الهادي بن المهدي
توفي أبوه في المحرم من أول سنة تسع وستين ومائة وكان ولي العهد من بعد أبيه، وكان أبوه قد عزم قبل موته على تقديم أخيه الرشيد عليه في ولاية العهد، فلم يتفق ذلك حتى مات المهدي بماسبذان. وكان الهادي إذ ذاك بجرجان، فهم بعض الدولة منهم الربيع الحاجب وطائفة من القواد على تقديم الرشيد عليه والمبايعة له، وكان الرشيد حاضرا ببغداد، عزموا على النفقة على الجند لذلك تنفيذا لما رآه المهدي من ذلك. فأسرع الهادي السير من جرجان إلى بغداد حين بلغه الخبر، فساق منها إليها في عشرين يوما، فدخل بغداد وقام في الناس خطيبا، وأخذ البيعة منهم فبايعوه، وتغيب الربيع الحاجب فتطلبه الهادي حتى حضر بين يديه، فعفا عنه وأحسن إليه وأقره على حجو بيته، وزاده الوزارة وولايات أخر. وشرع الهادي في تطلب الزنادقة من الآفاق فقتل منهم طائفة كثيرة، واقتدى في ذلك
стр. 3759
أبيه، وقد كان موسى الهادي من أفكه الناس مع أصحابه في الخلوة، فإذا جلس في مقام الخلافة كانوا لا يستطيعون النظر إليه، لما يعلوه من المهابة والرياسة، وكان شابا حسنا وقورا مهيبا.
وفيها - أعني سنة تسع وستين ومائة - خرج بالمدينة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وذلك أنه أصبح يوما وقد لبس البياض وجلس في المسجد النبوي، وجاء الناس إلى الصلاة فلما رأوه ولوا راجعين، والتف عليه جماعة فبايعوه على الكتاب والسنة والرضى من أهل البيت. وكان سبب خروجه أن متوليها خرج منها إلى بغداد ليهنئ الخليفة بالولاية ويعزيه في أبيه. ثم جرت أمور اقتضت خروجه، والتف عليه جماعة وجعلوا مأواهم المسجد النبوي، ومنعوا الناس من الصلاة فيه، ولم يجبه أهل المدينة إلى ما أراده، بل جعلوا يدعون عليه لانتهاكه المسجد، حتى ذكر أنهم كانوا يقذرون في جنبات المسجد، وقد اقتتلوا مع المسودة مرات فقتل من هؤلاء وهؤلاء. ثم ارتحل إلى مكة فأقام بها إلى زمن الحج، فبعث إليه الهادي جيشا فقاتلوه بعد فراغ الناس من الموسم فقتلوه وقتلوا طائفة من أصحابه، وهرب بقيتهم وتفرقوا شذر مذر. فكان مدة خروجه إلى أن قتل تسعة أشهر وثمانية عشر يوما، وقد كان كريما من أجود الناس. دخل يوما على المهدي فأطلق له أربعين ألف دينار ففرقها في أهله وأصدقائه من أهل بغداد والكوفة، ثم خرج من الكوفة وما عليه قميص، إنما كان عليه فروة وليس تحتها قميص.
وفيها حج بالناس سليمان بن أبي جعفر عم الخليفة. وغزا الصائفة من طريق درب الراهب معتوق (١) بن يحيى في جحفل كثيف، وقد أقبلت الروم مع بطريقها فبلغوا الحدث. وفيها توفي الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب قتل في أيام التشريق (٢) كما تقدم. والربيع بن يونس الحاجب مولى المنصور، وكان حاجبه ووزيره، وقد وزر للمهدي والهادي، وكان بعضهم يطعن في نسبه. وقد أورد الخطيب في ترجمته حديثا من طريقه ولكنه منكر، وفي صحته عنه نظر. وقد ولي الحجوبية بعده ولده الفضل بن الربيع، ولاه إياها الهادي.
ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية
وفيها عزم الهادي على خلع أخيه هارون الرشيد من الخلافة وولاية العهد لابنه جعفر بن الهادي فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة بل أجاب، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء فأجابوه إلى ذلك، وأبت ذلك أمهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، وكان الهادي قد منعها من التصرف في شئ من المملكة لذلك، بعد ما كانت قد استحوذت عليه في أول ولايته، وانقلبت الدول
стр. 3760
إلى بابها والامراء إلى جنابها، فحلف الهادي لئن عاد أمير إلى بابها ليضربن عنقه ولا يقبل منه شفاعة، فامتنعت من الكلام في ذلك، وحلفت لا تكلمه أبدا، وانتقلت عنه إلى منزل آخر. وألح هو على أخيه هارون في الخلع وبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك - وكان من أكابر الأمراء الذين هم في صف الرشيد - فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر؟ فقال له خالد: إني أخشى أن تهون الايمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفرا ولي العهد من بعد هارون، وأيضا فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لأنه دون البلوغ، فيتفاقم الامر ويختلف الناس. فأطرق مليا - وكان ذلك ليلا - ثم أمر بسجنه ثم أطلقه. وجاء يوما إليه أخوه هارون الرشيد فجلس عن يمينه بعيدا، فجعل الهادي ينظر إليه مليا ثم قال: يا هارون! تطمع أن تكون وليا للعهد حقا؟ فقال: إي والله، ولئن كان ذلك لأصلن من قطعت، ولأنصفن من ظلمت، ولأزوجن بنيك من بناتي. فقال ذاك الظن بك. فقام إليه هارون ليقبل يده فحلف الهادي ليجلس معه على السرير فجلس معه، ثم أمر له بألف ألف دينار، وأن يدخل الخزائن فيأخذ منها ما أراد، وإذا جاء الخراج دفع إليه نصفه. ففعل ذلك كله ورضي الهادي عن الرشيد. ثم سافر الهادي إلى حديثة الموصل بعد الصلح، ثم عاد منها فمات بعيساباذ ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول (١)، وقيل لآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث وعشرون سنة (٢)، وكانت خلافته ستة أشهر (٣) وثلاثة وعشرون يوما. وكان طويلا جميلا، أبيض، بشفته العليا تقلص.
وقد توفي هذه الليلة خليفة وهو الهادي، وولي خليفة وهو الرشيد، وولد خليفة وهو المأمون بن الرشيد. وقد قالت الخيزران أمهما في أول الليل: إنه بلغني أن يولد خليفة ويموت خليفة ويولى خليفة. يقال إنها سمعت ذلك من الأوزاعي قبل ذلك بمدة، وقد سرها ذلك جدا. ويقال: إنها سمت ولدها الهادي خوفا منه على ابنها الرشيد، ولأنه كان قد أبعدها وأقصاها وقرب حظيته خالصة وأدناها فالله أعلم.
وهذا ذكر شئ من ترجمة الهادي
هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو محمد
стр. 3761
الهادي. ولي الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة. ومات في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث، وقيل أربع، وقيل ست وعشرون سنة، والصحيح الأول، ويقال إنه لم يل الخلافة أحد قبله في سنه، وكان حسنا جميلا طويلا، أبيض، وكان قوي البأس يثب على الدابة وعليه درعان، وكان أبوه يسميه ريحانتي. ذكر عيسى بن دأب قال: كنت يوما عند الهادي إذ جئ بطست فيه رأس جاريتين قد ذبحا وقطعا، لم أر أحسن صورا منهما، ولا مثل شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة، ولا رأيت مثل طيب ريحهما. فقال لنا الخليفة: أتدرون ما شأن هاتين؟ قلت: لا. فقال: إنه ذكر أنه تركب إحداهما الأخرى يفعلان الفاحشة، فأمرت الخادم فرصدهما ثم جاءني فقال: إنهما مجتمعتان، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على الفاحشة، فأمرت بحز رقابهما. ثم أمر برفع رؤوسهما من بين يديه ورجع إلى حديثه الأول كأنه لم يصنع شيئا. وكان شهما خبيرا بالملك كريما، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني، والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك. وغضب يوما على رجل فاسترضى عنه فرضي، فشرع الرجل يعتذر فقال الهادي: إن الرضا كفاك مؤنة الاعتذار. وعزى رجلا في ولده فقال له: سرك وهو عدو وفتنة، وساءك وهو صلاة ورحمة. وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي قصيدة له منها قوله:
تشابه يوما بأسه ونواله … فما أحد يدري لأيهما الفضل
فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ فقال: يا أمير المؤمنين أو أحسن من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تكون ألفا معجلة ومائة ألف تدور بالدواوين. فقال الهادي: أو أحسن من ذلك، نعجل الجميع لك. فأمر له بمائة ألف وثلاثين ألفا معجلة.
قال الخطيب البغدادي: حدثني الأزهري ثنا سهل بن أحمد الديباجي، ثنا الصولي، ثنا الغلابي، حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكي، حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا على أبي محمد الهادي شهودا على رجل منا أنه شتم قريشا وتخطى إلى رسول الله ﷺ ، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا فشهدنا عليه بما سمعنا منه. فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه ثم قال: إني سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور، عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس قال: من أهان قريشا أهانه الله، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أذيت قريشا حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله ﷺ ؟ أضربوا عنقه. فما برحنا حتى قتل. توفي الهادي من ربيع الأول من هذه السنة، وصلى عليه أخوه هارون، ودفن في قصر بناه وسماه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد، وكان له من الولد تسعة، سبعة ذكور وابنتان، فالذكور جعفر، وعباس، وعبد الله، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى الأعمى، الذي ولد بعد وفاته فسمي باسم أبيه. والبنتان هما أم عيسى التي تزوجها المأمون، وأم العباس تلقب توبة (١).
стр. 3762
خلافة هارون الرشيد بن المهدي
بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة وكان عمر الرشيد يومئذ ثنتان وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك فأخرجه من السجن، وقد كان الهادي عزم تلك الليلة على قتله وقتل هارون الرشيد، وكان الرشيد ابنه من الرضاعة (١)، فولاه حينئذ الوزارة، وولى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابة الانشاء. وكان هو الذي قام خطيبا بين يديه حتى أخذت البيعة له على المنبر بعيساباذ (٢)، ويقال إنه لما مات الهادي في الليل جاء يحيى بن خالد بن برمك إلى الرشيد فوجده نائما فقال: قم يا أمير المؤمنين. فقال له الرشيد: كم تروعني، لو سمعك هذا الرجل لكان ذلك أكبر ذنوبي عنده؟ فقال: قد مات الرجل. فجلس هارون فقال: أشر علي في الولايات، فجعل يذكر ولايات الأقاليم لرجال يسميهم فيوليهم الرشيد، فبينما هما كذلك إذ جاء آخر فقال: أبشر يا أمير المؤمنين فقد ولد لك الساعة غلام. فقال: هو عبد الله وهو المأمون. ثم أصبح فصلى على أخيه الهادي، ودفنه بعيساباذ، وحلف لا يصلي الظهر إلا ببغداد. فلما فرغ من الجنازة أمر بضرب عنق أبي عصمة القائد لأنه كان مع جعفر بن الهادي، فزاحموا الرشيد على جسر فقال أبو عصمة: اصبر وقف حتى يجوز ولي العهد. فقال الرشيد: السمع والطاعة للأمير. فجاز جعفر وأبو عصمة ووقف الرشيد مكسورا ذليلا. فلما ولي أمر بضرب عنق أبي عصمة، ثم سار إلى بغداد. فلما انتهى إلى جسر بغداد استدعى بالغواصين فقال إني سقط مني ههنا خاتم كان والدي المهدي قد اشتراه لي بمائة ألف، فلما كان من أيام بعث إلى الهادي يطلبه فألقيته إلى الرسول فسقط ههنا. فغاص الغواصون وراءه فوجدوه فسر به الرشيد سرورا كثيرا. ولما ولى الرشيد يحيى بن خالد الوزارة قال له: قد فوضت إليك أمر الرعية وخلعت ذلك من عنقي وجعلته في عنقك، فول من رأيت واعزل من رأيت. ففي ذلك يقول إبراهيم بن الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة … فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين هارون ذي الندي … فهارون واليها ويحيى وزيرها
ثم إن هارون أمر يحيى بن خالد أن لا يقطع أمرا بمشاورة والدته الخيزران. فكانت هي المشاورة في الأمور كلها، فتبرم وتحل وتمضي وتحكم.
وفيها أمر الرشيد بسهم ذوي القربى أن يقسم بين بني هاشم على السواء. وفيها تتبع الرشيد خلقا من الزنادقة فقتل منهم طائفة كثيرة. وفيها خرج عليه بعض أهل البيت. وفيها ولد الأمين
стр. 3763
محمد بن الرشيد ابن زبيدة. وذلك يوم الجمعة لست (١) عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة. وفيها كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وفيها حج بالناس أمير المؤمنين الرشيد، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة، ويقال إنه غزا في هذه السنة أيضا. وفي ذلك يقول داود بن رزين الشاعر:
بهارون لاح النور في كل بلدة … وقام به في عدل سيرته النهج
إمام بذات الله أصبح شغله … وأكثر ما يعنى به الغزو والحج
تضيق عيون الناس عن نور وجهه … إذا ما بدا للناس منظره البلج
وإن أمين الله هارون ذا الندا … ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو
وغزا الصائفة فيها سليمان بن عبد الله البكائي.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي، ويقال الفرهودي الأزدي، شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، وغير واحد من أكابرهم، وهو الذي اخترع علم العروض. قسمه إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا، وزاد الأخفش فيه بحرا آخر وهو الخبب، وقد قال بعض الشعراء:
قد كان شعر الورى صحيحا … من قبل أن يخلق الخليل
وقد كان له معرفة بعلم النغم، وله فيه تصنيف أيضا، وله كتاب العين في اللغة، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل، كمؤرج السدوسي، ونصر بن علي الجهضمي. فلم يناسبوا ما وضعه الخليل. وقد وضع ابن درستويه كتابا وصف فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد. وقد كان الخليل رجلا صالحا عاقلا وقورا كاملا، وكان متقللا من الدنيا جدا، صبورا على خشونة العيش وضيقه، وكان يقول: لا يجاوز همي ما وراء بابي، وكان ظريفا حسن الخلق، وذكر أنه اشتغل رجل عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه. قال: فقلت له يوما: كيف تقطع هذا البيت؟
إذا لم تستطع شيئا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلي، وكأنه فهم ما أشرت إليه. ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي ﷺ بأحمد سوى أبيه. روى ذلك عن أحمد بن أبي خيثمة والله أعلم. ولد الخليل سنة مائة من الهجرة، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور، وقيل سنة
стр. 3764
ستين، وزعم ابن الجوزي في كتابه شذور العقود أنه توفي سنة ثلاثين ومائة، وهذا غريب جدا والمشهور الأول.
وفيها توقي الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي (١) مولاهم، المصري المؤدب راوية الشافعي، وآخر من روى عنه. وكان رجلا صالحا تفرس فيه الشافعي وفي البويطي والمزني وابن عبد الحكم العلم فوافق ذلك ما وقع في نفس الامر ومن شعر الربيع هذا:
صبرا جميلا ما أسرع الفرجا … من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى … ومن رجا الله كان حيث رجا
فأما الربيع بن سليمان بن داود الجيزي فإنه روى عن الشافعي أيضا. وقد مات في سنة ست وخمسين ومائتين والله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة
فيها أضاف الرشيد الخاتم إلى يحيى بن خالد مع الوزارة. وفيها قتل الرشيد أبا هريرة محمد بن فروخ نائب الجزيرة صبرا في قصر الخلد بين يديه. وفيها خرج الفضل بن سعيد الحروري فقتل.
وفيها قدم روح بن حاتم نائب إفريقية. وفيها خرجت الخيزران إلى مكة فأقامت بها إلى أن شهدت الحج، وكان الذي حج بالناس فيها عبد الصمد بن علي عم الخلفاء.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومائة
فيها وضع الرشيد عن أهل العراق العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف. وفيها خرج الرشيد من بغداد يرتاد له موضعا يسكنه غير بغداد فتشوش فرجع. وفيها حج بالناس يعقوب بن أبي جعفر المنصور عم الرشيد. وفيها غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
فيها توفي بالبصرة محمد بن سليمان فأمر الرشيد بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء،
стр. 3765
فوجدوا من ذلك شيئا كثيرا من الذهب والفضة والأمتعة وغير ذلك، فنضدوه ليستعان بن علي الحرب وعلى مصالح المسلمين. وهو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمه أم حسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي، وكان من رجالات قريش وشجعانهم. جمع له المنصور بين البصرة والكوفة، وزوجه المهدي ابنته العباسة، وكان له من الأموال شئ كثير، كان دخله في كل يوم مائة ألف. وكان له خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله. وروى الحديث عن أبيه عن جده الأكبر، وهو حديث مرفوع في مسح رأس اليتيم إلى مقدم رأسه، ومسح رأس من له أب إلى مؤخر رأسه. وقد وفد على الرشيد فهناه بالخلافة فأكرمه وعظمه وزاده في عمله شيئا كثيرا. ولما أراد الخروج خرج معه الرشيد يشيعه إلى كلواذا. توفي في جمادي الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف، خارجا عن الأملاك.
وقد ذكر ابن جرير أن وفاته ووفاة الخيزران في يوم واحد، وقد وقفت جارية من جواريه على قبره فأنشأت تقول:
أمسى التراب لمن هويت مبيتا … الق التراب فقل له حييتا
إنا نحبك يا تراب وما بنا … إلا كرامة من عليه حثيتا
وفيها توفيت الخيزران جارية المهدي وأم أمير المؤمنين الهادي والرشيد، اشتراها المهدي وحظيت عنده جدا ثم أعتقها وتزوجها وولدت له خليفتين: موسى الهادي والرشيد. ولم يتفق هذا لغيرها من النساء إلا الولادة بنت العباس العبسية، زوجة عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد وسليمان. وكذلك لشاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد، ولدت لمولاها الوليد بن عبد الملك: يزيد (١) وإبراهيم. وكلاهما ولي الخلافة. وقد روي من طريق الخيزران عن مولاها المهدي عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " من اتقى الله وقاه كل شئ ". ولما عرضت الخيزران على المهدي ليشتريها أعجبته إلا دقة في ساقيها، فقال لها: يا جارية إنك لعلى غاية المنى والجمال لولا دقة ساقيك وخموشهما. فقالت: يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما فاستحسن جوابها واشتراها وحظيت عنده جدا. وقد حجت الخيزران مرة في حياة المهدي فكتب إليها وهي بمكة يستوحش لها ويتشوق إليها بهذا الشعر:
نحن في غاية السرور ولكن … ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي … أنكم غيب ونحن حضور
فأجدوا في السير بل إن قدرتم … أن تطيروا مع الرياح فطيروا
стр. 3766
فأجابته أو أمرت من أجابه:
قد أتانا الذي وصفت من الشوق … فكدنا وما قدرنا نظير
ليت أن الرياح كن يؤدين … ما قد يكن الضمير
لم أزل صبة فإن كنت بعدي … في سرور فدام ذاك السرور
وذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتت فيه مائة وصيفة، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا. فكتبت إليه: إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك فظننا فيك أكثر مما بعثت، وقد بخستنا في الثمن، وإن كنت تريد به زيادة المودة فقد اتهمتني في المودة. وردت ذلك عليه. وقد اشترت الدار المشهورة بها بمكة المعروفة بدار الخيزران، فزادتها في المسجد الحرام.
وكان مغل ضياعها في كل سنة ألف (١) ألف وستين ألفا، واتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة. وخرج ابنها الرشيد في جنازتها وهو حامل سريرها يخب في الطين. فلما انتهى إلى المقبرة أتي بماء فغسل رجليه ولبس خفا وصلى عليها، ونزل لحدها. فلما خرج من القبر أتي بسرير فجلس عليه واستدعى بالفضل بن الربيع فولاه الخانم والنفقات. وأنشد الرشيد قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران:
وكنا كندماني جذيمة برهة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وفيها توفيت:
غادر: جارية كانت لموسى الهادي، كان يحبها حبا شديدا جدا، وكانت تحسن الغناء جدا، فبينما هي يوما تغنيه إذ أخذته فكرة غيبته عنها وتغير لونه، فسأله بعض الحاضرين: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: أخذتني فكرة أني أموت وأخي هارون يتولى الخلافة بعدي ويتزوج جاريتي هذه. ففداه الحاضرون ودعوا له بطول العمر. ثم استدعى أخاه هارون فأخبره بما وقع فعوذه الرشيد من ذلك، فاستحلفه الهادي بالايمان المغلظة من الطلاق والعتاق والحج ماشيا حافيا أن لا يتزوجها، فحلف له واستحلف الجارية كذلك فحلفت له، فلم يكن إلا أقل من شهرين حتى مات، ثم خطبها الرشيد فقالت: كيف بالايمان التي حلفناها أنا وأنت؟ فقال: إني أكفر عني وعنك. فتزوجها وحظيت عنده جدا، حتى كانت تنام في حجره فلا يتحرك خشية أن يزعجها. فبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت مذعورة تبكي، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين رأيت الهادي في منامي هذا وهو يقول:
стр. 3767
أخلفت عهدي بعد ما … جاورت سكان المقابر
ونسيتني وحنثت في … أيمانك الكذب الفواجر
ونكحت غادرة أخي … صدق الذي سماك غادر
أمسيت في أهل البلى … وعددت في الموتى الغوابر
لا يهنك الألف الجديد … ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصباح … وصرت حيث غدوت صائر
فقال لها الرشيد: أضغاث أحلام. فقالت: كلا والله يا أمير المؤمنين، فكأنما كتبت هذه الأبيات في قلبي. ثم ما زالت ترتعد وتضطرب حتى ماتت قبل الصباح. وفيها ماتت:
هيلانة جارية الرشيد، وهو الذي سماها هيلانة لكثرة قولها هي لأنه. قال الأصمعي: وكان لها محبا، وكانت قبله لخالد بن يحيى بن برمك، فدخل الرشيد يوما منزله قبل الخلافة فاعترضته في طريقه وقالت: أما لنا منك نصيب؟ فقال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ فقالت: استوهبني من هذا الشيخ. فاستوهبها من يحيى بن خالد فوهبها له وحظيت عنده، ومكثت عنده ثلاث سنين ثم توفيت فحزن عليها حزنا شديدا ورثاها وكان من قوله فيها:
قد قلت لما ضمنوك الثرى … وجالت الحسرة في صدري
اذهب فلاق الله لا سرني … بعدك شئ آخر الدهر
وقال العباس بن الأحنف في موتها:
يا من تباشرت القبور بموتها … قصد الزمان مساءتي فرماك
أبغي الأنيس فما أرى لي مؤنسا … إلا التردد حيث كنت أراك
قال: فأمر له الرشيد بأربعين ألفا، لكل بيت عشرة آلاف، فالله أعلم.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة من الهجرة
فيها وقعت عصبية بالشام وتخبيط من أهلها. وفيها استقضى الرشيد يوسف ابن القاضي أبي يوسف وأبوه حي. وفيها غزا الصائفة عبد الملك بن صالح فدخل بلاد الروم. وفيها حج بالناس الرشيد، فلما اقترب من مكة بلغه أن فيها وباء فلم يدخل مكة حتى كان وقت الوقوف وقف ثم جاء المزدلفة ثم منى ثم دخل مكة فطاف وسعى ثم ارتحل ولم ينزل بها.
стр. 3768
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
فيها أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الأمين، وعمره إذ ذاك خمس سنين، فقال في ذلك سلم الخاسر:
قد وفق الله الخليفة إذ بنى … بيت الخلافة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده … شهدا عليه بمنظر وبمخبر
قد بايع الثقلان في مهد الهدى … لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون، ويقول: والله إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي. ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت، وإني لأقدم محمد بن زبيدة وإني لاعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك. ثم أنشأ يقول:
لقد بان وجه الرأي لي غير أنني … غلبت على الامر الذي كان أحزما
وكيف يرد الدر في الضرع بعدما … نوزع حتى صار نهبا مقسما
أخاف التواء الامر بعد استوائه … وأن ينقض الامر الذي كان أبرما
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح، في قول الواقدي. وحج بالناس الرشيد. وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الديلم وتحرك هناك. وفيها توفي من الأعيان:
شعوانة العابدة الزاهدة
كانت أمة سوداء كثيرة العبادة روي عنها كلمات حسان، وقد سألها الفضيل بن عياض الدعاء فقالت: أما بينك وبينه ما إن دعوته استجاب لك؟ فشهق الفضيل ووقع مغشيا عليه. وفيها توفي:
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم
قال ابن خلكان: كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد الرحمن بن مسافر الفهمي، كان الليث إمام الديار المصرية بلا مدافعة، وولد بقرقشندة من بلاد مصر سنة أربع وتسعين. وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة، ونشأ بالديار المصرية. وقال ابن خلكان: أصله من قلقشندة (١) وضبطه بلامين الثانية متحركة. وحكى عن بعضهم أنه كان جيد الذهن، وأنه ولي القضاء بمصر فلم يحمدوا
стр. 3769
ذهنه بعد ذلك، ولد سنة أربع وعشرين ومائة، وذلك غريب جدا. وذكروا أنه كان يدخله من ملكه في كل سنة آلاف دينار. وقال آخرون: كان يدخله من الغلة في كل سنة ثمانون ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة، وكان إماما في الفقه والحديث والعربية. قال الشافعي: كان الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه. وبعث إليه مالك يستهديه شيئا من العصفر لأجل جهاز ابنته، فبعث إليه بثلاثين حملا، فاستعمل منه مالك حاجته وباع منه بخمسمائة دينار، وبقيت عنده منه بقية. وحج مرة فأهدى له مالك طبقا فيه رطب فرد الطبق وفيه ألف دينار. وكان يهب للرجل من أصحابه من العلماء الألف دينار وما يقارب ذلك. وكان يخرج إلى الإسكندرية في البحر هو وأصحابه في مركب ومطبخه في مركب. ومناقبه كثيرة جدا. وحكى ابن خلكان أنه سمع قائلا يقول يوم مات الليث:
ذهب الليث فلا ليث لكم … ومضى العلم غريبا وقبر
فالتفتوا فلم يروا أحدا. وفيها توفي:
المنذر بن عبد الله بن المنذر
القرشي، عرض عليه المهدي أن يلي القضاء ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم، فقال: إني عاهدت الله أن لا ألي شيئا، وأعيذ أمير المؤمنين بالله أن أخيس بعهدي. فقال له المهدي: الله؟ قال: الله. قال: انطلق فقد أعفيتك.
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة
فيها كان ظهور يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ببلاد الديلم، واتبعه خلق كثير وجم غفير، وقويت شوكته، وارتحل إليه الناس من الكور والأمصار، فانزعج لذلك الرشيد وقلق من أمره، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في خمسين ألفا، وولاه كور الجبل والري وجرجان وطبرستان وقومس وغير ذلك. فسار الفضل بن يحيى إلى تلك الناحية في أبهة عظيمة، وكتب الرشيد تلحقه مع البرد في كل منزلة، وأنواع التحف والبر، وكاتب الرشيد صاحب الديلم ووعده بألف ألف درهم إن هو سهل خروج يحيى إليهم، وكتب الفضل إلى يحيى بن عبد الله يعده ويمنيه ويؤمله ويرجيه، وأنه إن خرج إليه أن يقيم له العذر عند الرشيد. فامتنع يحيى أن يخرج إليهم حتى يكتب له الرشيد كتاب أمان بيده. فكتب الفضل إلى الرشيد بذلك ففرح الرشيد ووقع منه موقعا عظيما. وكتب الأمان بيده وأشهد عليه القضاة والفقهاء ومشيخة بني هاشم، منهم عبد الصمد بن علي (١)، وبعث الأمان وأرسل معه جوائز وتحفا كثيرة إليهم، ليدفعوا ذلك جميعه إليه.
стр. 3770
ففعلوا وسلمه إليه فدخلوا به بغداد، وتلقاه الرشيد وأكرمه وأجزل له في العطاء، وخدمه آل برمك خدمة عظيمة، بحيث أن يحيى بن خالد كان يقول: خدمته بنفسي وولدي: وعظم الفضل عند الرشيد جدا بهذه الفعلة حيث سعى بالصلح بين العباسيين والفاطميين، ففي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل بن يحيى ويشكره على صنيعه هذا:
ظفرت فلا شلت يد برمكية … رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
على حين أعيا الراتقين التئامه … فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم
فأصحبت قد فازت يداك بخطة … من المجد باق ذكرها في المواسم
وما زال قدح الملك يخرج فائزا … لكم كلما ضمت قداح المساهم
قالوا: ثم إن الرشيد تنكر ليحيى بن عبد الله بن حسن وتغير عليه، ويقال: إنه سجنه ثم استحضره وعنده جماعات من الهاشميين، وأحضر الأمان الذي بعث به إليه فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن هذا الأمان أصحيح هو؟ قال: نعم! فتغيظ الرشيد عليه. وقال أبو البختري: ليس هذا الأمان بشئ فأحكم فيه بما شئت، ومزق الأمان. وبصق فيه أبو البختري، وأقبل الرشيد على يحيى (١) ابن عبد الله فقال: هيه هيه، وهو يبسم تبسم الغضب، وقال: إن الناس يزعمون أنا سممناك. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة ورحما وحقا، فعلام تعذبني وتحبسني؟ فرق له الرشيد، فاعترض بكار (٢) بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين لا يغرنك هذا الكلام من هذا، فإنه عاص شاق، وإنما هذا منه مكر وخبث. وقد أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان فقال له يحيى: ومن أنتم عافاكم الله؟ وإنما هاجر أبوك إلى المدينة بآبائي وآباء هذا ثم قال يحيى: يا أمير المؤمنين لقد جاءني هذا حين قتل أخي محمد بن عبد الله فقال: لعن الله قاتله، وأنشدني فيه نحوا من عشرين بيتا، وقال لي، إن تحركت إلى هذا الامر فأنا من يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة وأيدينا معك؟ قال: فتغير وجه الرشيد ووجه الزبيري وأنكر وشرع يحلف بالايمان المغلظة إنه لكاذب في ذلك، وتحير الرشيد. ثم قال ليحيى: أتحفظ شيئا من المرثية؟ قال: نعم. وأنشده منها جانبا (٣). فازداد الزبيري في الانكار، فقال له يحيى بن عبد الله، فقل: إن كنت كاذبا فقد برئت من حول الله وقوته، ووكلني الله إلى حولي وقوتي. فامتنع من الحلف بذلك، فعزم عليه الرشيد وتغيظ عليه، فحلف بذلك
стр. 3771
فما كان إلا أن خرج من عند الرشيد فرماه الله بالفالج فمات من ساعته. ويقال إن امرأته غمت وجهه بمخدة فقتله الله.
ثم إن الرشيد أطلق يحيى بن عبد الله وأطلق له مائة ألف دينار، ويقال إنما حبسه بعض يوم وقيل ثلاثة أيام. وكان جملة ما وصله من المال من الرشيد أربعمائة ألف دينار من بيت المال، وعاش بعد ذلك كله شهرا واحدا ثم مات ﵀ (١).
وفيها وقعت فتنة عظيمة بالشام بين النزارية، وهم قيس، واليمانية وهم يمن، وهذا كان أول بدو أمر العشيرتين بحوران، وهم قيس ويمن، أعادوا ما كانوا عليه في الجاهلية في هذا الآن. وقتل منهم في هذه السنة بشر كثير. وكان على نيابة الشام كلها من جهة الرشيد ابن عمه موسى بن عيسى، وقيل عبد الصمد بن علي فالله أعلم. وكان على نيابة دمشق بخصوصها سندي بن سهل أحد موالي جعفر المنصور، وقد هدم سور دمشق حين ثارت الفتنة خوفا من أن يتغلب عليها أبو الهيذام المزي (٢) رأس القيسية، وقد كان مزي هذا دميم الخلق. قال الجاحظ: وكان لا يحلف المكاري ولا الملاح ولا الحائك، ويقول: القول قولهم، ويستخير الله في الحمال ومعلم الكتاب. وقد توفي سنة أربع ومائتين (٣). فلما تفاقم الامر بعث الرشيد من جهته موسى بن يحيى بن خالد ومعه جماعة من القواد ورؤوس الكتاب، فأصلحوا بين الناس وهدأت الفتنة واستقام أمر الرعية، وحملوا جماعات من رؤوس الفتنة إلى الرشيد فرد أمرهم إلى يحيى بن خالد فعفا عنهم وأطلقهم، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
قد هاجت الشام هيجا … يشيب رأس وليده
فصب موسى عليها … بخيله وجنوده
فدانت الشام لما … أتى بسنح وحيده
هذا الجواد الذي ب … ذ كل جود بجوده
أعداه جود أبيه … يحيى وجود جدوده
فجاد موسى بن يحيى … بطارف وتليده
ونال موسى ذرى المجد … وهو حشو مهوده
خصصته بمديحي … منثوره وقصيده
стр. 3772
من البرامك عودا … له فأكرم بعوده
حووا على الشعر طرا … خفيفه ومديده
وفيها عزل الرشيد الغظريف بن عطاء عن خراسان وولاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخزاعي الملقب بالعروس. وفيها ولى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد نيابة مصر، فاستناب عليها جعفر عمر بن مهران، وكان ردئ الخلق ردئ الشكل زمن الكف أحول، وكان سبب ولايته إياها أن نائبها موسى بن عيسى كان قد عزم على خلع الرشيد. فقال الرشيد: والله لأعزلنه ولأولين عليها أحسن (١) الناس. فاستدعى عمر بن مهران هذا فولاه عليها عن نائبه جعفر بن يحيى البرمكي. فسار إليها على بغل وغلامه أبو درة على بغل آخر، فدخلها كذلك فانتهى إلى مجلس نائبها موسى بن عيسى فجلس في أخريات الناس، فلما انفض الناس أقبل عليه موسى بن عيسى وهو لا يعرف من هو، فقال: ألك حاجة يا شيخ؟ قال: نعم أصلح الله الأمير. ثم دفع الكتب إليه فلما قرأها قال: أنت عمر بن مهران؟ قال: نعم! قال: لعن الله فرعون حين قال: (أليس لي ملك مصر) [الزخرف: ٥١] ثم سلم إليه العمل وارتحل منها، وأقبل عمر بن مهران على عمله، وكان لا يقبل شيئا من الهدايا إلا ما كان ذهبا أو فضة أو قماشا، ثم يكتب على كل هدية اسم مهديها، ثم يطالب بالخراج ويلح في طلبه عليهم، وكان بعضهم يماطله به، فأقسم لا يماطله أحد إلا فعل به وفعل. فجمع من ذلك شيئا كثيرا، وكان يبعث ما جمعه إلى بغداد، ومن ما طله بعثه إلى بغداد. فتأدب الناس معه. ثم جاءهم القسط الثاني فعجز كثير منهم عن الأداء فجعل يستحضر ما كانوا أدوه إليه من الهدايا، فإن كان نقدا أداه عنهم، وإن كان برا باعه وأداه عنهم، وقال لهم: إني إنما ادخرت هذا لكم إلى وقت حاجتكم. ثم أكمل استخراج جميع الخراج بديار مصر ولم يفعل ذلك أحد قبله، ثم انصرف عنها لأنه كان قد شرط على الرشيد أنه إذا مهد البلاد وجبى الخراج، فذاك إذنه في الانصراف. ولم يكن معه بالديار المصرية جيش ولا غيره سوى مولاه أبو درة وحاجبه، وهو منفذ أموره. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك ففتح حصنا. وفيها حجت زبيدة زوجة الرشيد ومعها أخوها، وكان أمير الحج سليمان بن أبي جعفر المنصور عم الرشيد. وفيها توفي:
إبراهيم بن صالح
ابن علي بن عبد الله بن عباس، كان أميرا على مصر، توفي في شعبان. وإبراهيم بن هرمة كان شاعرا. وهو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة أبو إسحاق الفهري المدني، وفد على المنصور في وفد أهل المدينة حين استوفدهم عليه، فجلسوا إلى ستر دون المنصور، يرى الناس من ورائه ولا يرونه، وأبو الخصيب الحاجب واقف يقول: يا أمير المؤمنين هذا فلان الخطيب، فيأمره فيخطب،
стр. 3773
ويقول: هذا فلان الشاعر فيأمره فينشد. حتى كان من آخرهم ابن هرمة هذا، فسمعته يقول: لا
مرحبا ولا أهلا ولا أنعم الله بك عينا. قال: فقلت: هلكت، ثم استنشدني فأنشدته قصيدتي التي
أقول فيها:
سرى ثوبه عند الصبا المتجابل (١) … وقرب للبين الخليط المزايل
حتى انتهيت إلى قولي:
فأما الذي أمنته يأمن الردى … وأما الذي حاولت بالثكل ثاكل
قال: فأمر برفع الحجاب فإذا وجهه كأنه فلقة قمر، فاستنشدني بقية القصيدة وأمر لي بالقرب بين يديه، والجلوس إليه، ثم قال: ويحك يا إبراهيم! لولا ذنوب بلغتني عنك لفضلتك على أصحابك، فقلت: يا أمير المؤمنين كل ذنب بلغك عني لم تعف عنه فأنا مقر به. قال: فتناول المخصرة فضربني بها ضربتين وأمر لي بعشرة آلاف وخلعة وعفا عني وألحقني بنظرائي. وكان من جملة ما نقم المنصور عليه قوله:
ومهما الام (٢) على حبهم … فإني أحب بني فاطمة
بني بنت من جاء بالمحكمات … وبالدين وبالسنة القائمة
فلست أبالي بحبي لهم … سواهم من النعم السائمة
قال الأخفش. قال لنا ثعلب قال الأصمعي: ختمت الشعراء بابن هرمة. ذكر وفاته في هذه السنة أبو الفرج ابن الجوزي (٣). وفيها توفي الجراح بن مليح والد وكيع بن الجراح، وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جميل أبو عبد الله المديني، ولي قضاء بغداد سبع عشرة سنة لعسكر المهدي، وثقه ابن معين وغيره. وفيها توفي:
صالح بن بشير المري
أحد العباد والزهاد، كان كثير البكاء وكان يعظ فيحضر مجلسه سفيان الثوري وغيره من العلماء، ويقول: سفيان هذا نذير قوم، وقد استدعاه المهدي ليحضر عنده فجاء إليه راكبا على حمار فدنا من بساط الخليفة وهو راكب فأمر الخليفة ابنيه - وليي العهد من بعده موسى الهادي وهارون
стр. 3774
الرشيد - أن يقوما إليه لينزلاه عن دابته، فابتدراه فأنزلاه، فأقبل صالح على نفسه فقال: لقد خبت وخسرت إن أنا داهنت ولم اصدع بالحق في هذا اليوم، وفي هذا المقام. ثم جلس إلى المهدي فوعظه موعظة بليغة حتى أبكاه، ثم قال له: اعلم أن رسول الله ﷺ خصم من خالفه في أمته، ومن كان محمد خصمه كان الله خصمه، فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسوله حججا تضمن لك النجاة، وإلا فاستسلم للهلكة، واعلم أن أبطا الصرعى نهضة صريع هوى بدعته، وأعلم أن الله قاهر فوق عباده، وأن أثبت الناس قدما آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله، وكلام طويل. فبكى المهدي وأمر بكتابة ذلك الكلام في دواوينه.
وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن محمد بن أبي بكر عمرو بن حزم قدم قاضيا بالعراق. وفرج بن فضالة التنوخي الحمصي، كان على بيت المال ببغداد في خلافة الرشيد، فتوفي في هذه السنة، وكان مولده سنة ثمان وثمانين فمات وله ثمان وثمانون سنة. ومن مناقبه أن المنصور دخل يوما إلى قصر الذهب فقام الناس إلا فرج بن فضالة فقال له وقد غضب عليه: لم لم تقم؟ قال: خفت أن يسألني الله عن ذلك ويسألك لم رضيت بذلك، وقد كره رسول الله ﷺ القيام للناس. قال: فبكى المنصور وقربه وقضى حوائجه. والمسيب بن زهير بن عمرو أبو سلمة الضبي، كان والي الشرطة ببغداد في أيام المنصور والمهدي والرشيد، وولي خراسان مرة للمهدي. عاش ستا وتسعين سنة. والوضاح بن عبد الله أبو عوانة السري مولاهم، كان من أئمة المشايخ في الرواية. توفي في هذه السنة وقد جاوز الثمانين.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة
فيها عزل الرشيد جعفر البرمكي عن مصر وولى عليها إسحاق بن سليمان، وعزل حمزة بن مالك عن خراسان وولى عليها الفضل بن يحيى البرمكي مضافا إلى ما كان بيده من الأعمال بالري وسجستان وغير ذلك. وذكر الواقدي أنه أصاب الناس ريح شديدة وظلمة في أواخر المحرم من هذه السنة، وكذلك في أواخر صفر منها. وفيها حج بالناس الرشيد وفيها توفي (شريك بن عبد الله) القاضي الكوفي النخعي، سمع أبا إسحاق وغير واحد، وكان مشكورا في حكمه وتنفيذ الاحكام، وكان لا يجلس للحكم حتى يتغدى ثم يخرج ورقة من خفه فينظر فيها ثم يأمر بتقديم الخصومة إليه، فحرص بعض أصحابه على قراءة ما في تلك الورقة فإذا فيها يا شريك بن عبد الله أذكر الصراط وحدته يا شريك بن عبد الله أذكر الموقف بين يدي الله . كانت وفاته يوم السبت مستهل ذي القعدة منها. وفيها توفي عبد الواحد بن زيد، ومحمد بن مسلم وموسى بن أعين.
стр. 3775
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة
فيها وثبت طائفة من الحوفية (١) من قيس وقضاعة على عامل مصر إسحاق بن سليمان فقاتلوه وجرت فتنة عظيمة فبعث الرشيد هرثمة بن أعين نائب فلسطين في خلق من الأمراء مددا لإسحاق، فقاتلوهم حتى أذعنوا بالطاعة وأدوا ما عليهم من الخراج والوظائف، واستمر هرثمة نائبا على مصر نحوا من شهر عوضا عن إسحاق بن سليمان، ثم عزله الرشيد عنها وولى عليها عبد الملك بن صالح. وفيها وثبت طائفة من أهل إفريقية فقتلوا الفضل بن روح بن حاتم وأخرجوا من كان بها من آل المهلب، فبعث إليهم الرشيد هرثمة فرجعوا إلى الطاعة على يديه. وفيها فوض الرشيد أمور الخلافة كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك. وفيها خرج الوليد بن طريف بالجزيرة وحكم بها وقتل خلقا من أهلها، ثم مضى منها إلى أرمينية فكان من أمره ما سنذكره. وفيها سار الفضل بن يحيى إلى خراسان فأحسن السيرة فيها وبنى فيها الربط والمساجد، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بها جندا من العجم سماهم العباسية، وجعل ولاءهم له، وكانوا نحوا من خمسمائة ألف، وبعث منهم نحوا من عشرين ألفا إلى بغداد، فكانوا يعرفون بها بالكرمينية (٢)، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:
ما الفضل إلا شهاب لا أفول له … عند الحروب إذا ما تأفل الشهب
حمام على ملك غر سهمهم … من الوراثة في أيديهم سبب
أمست يد لبني ساقي الحجيج بها … كتائب ما لها في غيرهم أرب
كتائب لبني العباس قد عرفت … ما ألف الفضل منها العجم والعرب
أثبت خمس مئين في عدادهم … من الألوف التي أحصت لها الكتب
يقارعون عن القوم الذين هم … أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا
إن الجواد ابن يحيى الفضل لأورق … يبقى على جود كفيه ولا ذهب
ما مر يوم له مذ شد مئزره … إلا تمول أقوام بما يهب
كم غاية في الندى والبأس أحرزها … للطالبين مداها دونها تعب
يعطي النهي (٣) حين لا يعطي الجواد ولا … ينبو إذا سلت الهندية القضب
ولا الرضى والرضى لله غايته … إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب
قد فاض عرفك حتى ما يعادله … غيث ولا بحر له حدب
وكان قد أنشده قبل خروجه إلى خراسان:
стр. 3776
ألم تر أن الجود من يد (١) آدم … تحدر حتى صار في راحة الفضل
إذا ما أبو العباس سحت (٢) سماؤه … فيا لك من هطل ويا لك من ويل
وقال فيه أيضا:
إذا أم طفل راعها جوع طفلها … دعته باسم الفضل فاعتصم الطفل
ليحيى بك الاسلام إنك عزه … وإنك من قوم صغيرهم كهل
قال فأمر له بمائة ألف درهم. ذكره ابن جرير. وقال سلم الخاسر فيهم أيضا:
وكيف تخاف من بؤس بدار … يجاورها (٣) البرامكة البحور
وقوم منهم الفضل بن يحيى … نفير ما يوازنه نفير
له يومان يوم ندى وبأس … كأن الدهر بينهما أسير
إذا ما البرمكي غدا ابن عشر … فهمته أمير أو وزير
وقد اتفق للفضل في هذه السفرة إلى خراسان أشياء غريبة، وفتح بلادا كثيرة، منها كابل وما وراء النهر، وقهر ملك الترك وكان ممتنعا، وأطلق أموالا جزيلة جدا، ثم قفل راجعا إلى بغداد، فلما اقترب منها خرج الرشيد ووجوه الناس إليه، وقدم عليه الشعراء والخطباء وأكابر الناس، فجعل يطلق الألف ألف، والخمسمائة ألف ونحوها، وأنفذ في ذلك من الأحوال شيئا كثيرا لا يمكن حصره إلا بتعب وكلفة، وقد دخل عليه بعض الشعراء (٤) والبدر موضوعة بين يديه وهي تفرق على الناس فقال:
كفى الله بالفضل بن يحيى بن خالد … وجود يديه بخل كل بخيل
فأمر له بمال جزيل. وغزا الصائفة في هذه السنة معاوية بن زفر بن عاصم. وغزا الشاتية سليمان بن راشد. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس نائب مكة.
وفيها توفي جعفر بن سليمان، وعنتر بن القاسم، وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم القاضي ببغداد، وصلى عليه الرشيد ودفن بها، وقد قيل إنه مات في التي قبلها فالله أعلم.
стр. 3777
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة
فيها كان قدوم الفضل بن يحيى من خراسان وقد استخلف عليها عمر بن جميل (١)، فولى الرشيد عليها منصور بن يزيد بن منصور الحميري. وفيها عزل الرشيد (٢) خالد بن برمك عن الحجوبة وردها إلى الفضل بن الربيع. وفيها خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني، وكان من أمره ما سيأتي طرف منه. وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر أتباعه، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فراوغه حتى قتله وتفرق أصحابه، فقالت الفارعة في أخيها الوليد بن طريف ترثيه:
أيا شجر الخابور ما لك مورقا … كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد الا من التقى … ولا المال إلا من قنا وسيوف
وفيها خرج الرشيد معتمرا من بغداد شكرا لله ، فلما قضى عمرته أقام بالمدينة حتى حج بالناس في هذه السنة، فمشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر كلها ماشيا، ثم انصرف إلى بغداد على طريق البصرة. وفيها توفي:
إسماعيل بن محمد
ابن يزيد بن ربيعة أبو هاشم الحميري الملقب بالسيد، كان من الشعراء المشهورين المبرزين فيه، ولكنه كان رافضيا خبيثا، وشيعيا غثيثا، وكان ممن يشرب الخمر ويقول بالرجعة - أي بالدور - قال يوما لرجل: أقرضني دينارا ولك عندي مائة دينار إذا رجعنا إلى الدنيا. فقال له الرجل: إني أخشى أن تعود كلبا أو خنزيرا فيذهب ديناري.
وكان قبحه الله يسب الصحابة في شعره. قال الأصمعي: ولولا ذلك ما قدمت عليه أحدا في طبقته، ولا سيما الشيخين وابنيهما. وقد أورد ابن الجوزي شيئا من شعره في ذلك كرهت أن أذكره لبشاعته وشناعته، وقد اسود وجهه عند الموت وأصابه كرب شديد جدا. ولما مات لم يدفنوه لسبه الصحابة ﵃. وفيها توفي:
حماد بن زيد
أحد أئمة الحديث. وخالد بن عبد الله أحد الصلحاء، كان من سادات المسلمين، اشترى
стр. 3778
نفسه من الله أربع مرات. ومالك بن أنس الامام، والهقل بن زياد صاحب الأوزاعي، وأبو الأحوص. وكلهم قد ذكرناهم في التكميل.
والامام مالك
هو أشهرهم وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فهو مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيلان بن حشد بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح الحميري، أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة في زمانه، روى مالك عن غير واحد من التابعين (١)، وحدث عنه خلق من الأئمة، منهم السفيانان، وشعبة، وابن المبارك، والأوزاعي، وابن مهدي وابن جريج والليث والشافعي والزهري شيخه، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاده للرجال. وقال يحيى بن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا أبا أمية. وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري. وقال الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم. وقال: من أراد الحديث فهو عيال على مالك. ومناقبه كثيرة جدا، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان. قال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وكان إذا أراد أن يحدث تنظف وتطيب وسرح لحيته ولبس أحسن ثيابه، وكان يلبس حسنا. وكان نقش خاتمه حسبي الله ونعم الوكيل، وكان إذا دخل منزله قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وكان منزله مبسوطا بأنواع المفارش. ومن وقت خروج محمد بن عبد الله بن حسن لزم مالك بيته فلم يكن يأتي أحدا لا لعزاء ولا لهناء، ولا يخرج لجمعة ولا لجماعة، ويقول: ما كل ما يعلم يقال، وليس كل أحد يقدر على الاعتذار ولما احتضر قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم جعل يقول: لله الامر من قبل ومن بعد، ثم قبض في ليلة أربعة عشر من صفر، وقيل من ربيع الأول من هذه السنة، وله خمس وثمانون سنة. قال الواقدي: بلغ سبعين سنة ودفن بالبقيع. وقد روى الترمذي عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة: " يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة ". ثم قال: هذا حديث حسن. وقد روى عن ابن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس. وكذا قال عبد الرزاق. وعن ابن عيينة رواية أنه عبد العزيز بن عبد الله العمري. وقد ترجمه ابن خلكان في الوفيات فأطنب وأتى بفوائد جمة.
стр. 3779
ثم دخلت سنة ثمانين ومائة
فيها هاجت الفتنة بالشام بين النزارية واليمنية، فانزعج الرشيد لذلك فندب جعفر البرمكي إلى الشام في جماعة من الأمراء والجنود، فدخل الشام فانقاد الناس له ولم يدع جعفر بالشام فرسا ولا سيفا ولا رمحا إلا استلبه من الناس، وأطفأ الله به نار تلك الفتنة. وفي ذلك يقول بعض الشعراء (١):
لقد أوقدت بالشام نيران فتنة … فهذا أوان الشام تخمد نارها
إذا جاش موج البحر من آل برمك … عليها خبت شهبانها وشرارها
رماها أمير المؤمنين بجعفر … وفيه تلافى صدعها وانكسارها (٢)
رماها بميمون النقيبة ماجد … تراضى به قحطانها ونزارها
ثم كر جعفر راجعا إلى بغداد بعد ما استخلف على الشام عيسى العكي، ولما قدم على الرشيد أكرمه وقربه وأدناه، وشرع جعفر يذكر كثرة وحشته له في الشام، ويحمد الله الذي من عليه برجوعه إلى أمير المؤمنين ورؤيته وجهه. وفيها ولى الرشيد جعفرا خراسان وسجستان فاستعمل على ذلك محمد بن الحسن بن قحطبة، ثم عزل الرشيد جعفرا عن خراسان بعد عشرين ليلة. وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب كثرة الخوارج، وجعل الرشيد جعفرا على الحرس، ونزل الرشيد الرقة واستوطنها واستناب على بغداد ابنه الأمين محمدا وولاه العراقين، وعزل هرثمة عن إفريقية واستدعاه إلى بغداد فاستنابه جعفر على الحرس. وفيها كانت بمصر زلزلة شديدة سقط منها رأس منارة الإسكندرية. وفيها خرج بالجزيرة خراشة الشيباني فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلي. وفيها ظهرت طائفة بجرجان يقال لها المحمرة لبسوا الحمرة واتبعوا رجلا يقال له عمرو بن محمد العمركي، وكان ينسب إلى الزندقة، فبعث الرشيد يأمر بقتله فقتل وأطفأ الله نارهم في ذلك الوقت. وفيها غزا الصائفة زفر بن عاصم (٣). وحج بالناس موسى (٤) بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها كانت وفاة جماعة من الأعيان:
إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري
قارئ أهل المدينة ومؤدب علي بن المهدي ببغداد. وقد مات علي بن المهدي في هذه السنة أيضا. وقد ولي إمارة الحج غير مرة، وكان أسن من الرشيد بشهور.
стр. 3780
حسان بن أبي سنان
ابن أبي أوفى بن عوف التنوخي الأنباري، ولد سنة ستين، ورأى أنس بن مالك ودعا له فجاء من نسله قضاة ووزراء وصلحاء، وأدرك الدولتين الأموية والعباسية. وكان نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه وكان يكتب بالعربية والفارسية والسريانية، وكان يعرب الكتب بين يدي ربيعة لما ولاه السفاح الأنبار. وفيها توفي:
عبد الوارث بن سعيد البيروتي أحد الثقات وعافية بن يزيد
ابن قيس القاضي للمهدي على جانب بغداد الشرقي، هو وابن علاثة، وكانا يحكمان بجامع الرصافة، وكان عافية عابدا زاهدا ورعا، دخل يوم على المهدي في وقت الظهيرة فقال: يا أمير المؤمنين اعفني، فقال له المهدي: ولم أعفيك؟ هل اعترض عليك أحد من الأمراء؟ فقال له: لا ولكن كان بين اثنين خصومة عندي فعمد أحدهما إلى رطب السكر - وكأنه سمع أني أحبه - فأهدى إلي منه طبقا لا يصلح إلا لأمير المؤمنين، فرددته عليه، فلما أصبحنا: وجلسنا إلى الحكومة لم يستويا عندي في قلبي ولا نظري، بل مال قلبي إلى المهدي منهما، هذا مع أني لم أقبل منه ما أهداه فكيف لو قبلت منه؟ فاعفني عفا الله عنك فأعفاه. وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد يوما وعنده عافية وقد أحضره لان قوما استعدوا عليه إلى الرشيد، فجعل الرشيد يوقفه على ما قيل عنه وهو يجيب عما يسأله. وطال المجلس فعطس الخليفة فشمته الناس ولم يشمته عافية، فقال له الرشيد: لم لم تشمتني مع الناس؟ فقال: لأنك لم تحمد الله، واحتج بالحديث في ذلك. فقال له الرشيد: ارجع لعملك فوالله ما كنت لتفعل ما قيل عنك، وأنت لم تسامحني في عطسة لم أحمد الله فيها. ثم رده ردا جميلا إلى ولايته. وفيها توفي:
سيبويه
إمام النحاة، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر، المعروف بسيبويه، مولى بني الحارث بن كعب، وقيل مولى آل الربيع بن زياد، وإنما سمي سيبويه لان أمه كانت ترقصه وتقول له ذلك، ومعنى سيبويه رائحة التفاح، وقد كان في ابتداء أمره يصحب أهل الحديث والفقهاء، وكان يستملي على حماد بن سلمة، فلحن يوما فرد عليه قوله فأنف من ذلك، فلزم الخليل بن أحمد فبرع في النحو، ودخل بغداد وناظر الكسائي. وكان سيبويه شابا حسنا جميلا نظيفا، وقد تعلق من كل علم بسبب، وضرب مع كل أهل أدب بسهم، مع حداثة سنه. وقد صنف في النحو كتابا لا يلحق شأوه، وشرحه أئمة النحاة بعده فانغمروا في لجج بحره، واستخرجوا من درره، ولم يبلغوا إلى قعره. وقد زعم ثعلب أنه لم ينفرد بتصنيفه، بل ساعده جماعة في تصنيفه نحوا من أربعين نفسا هو أحدهم، وهو أصول الخليل،
стр. 3781
فادعاه سيبويه إلى نفسه. وقد استبعد ذلك السيرافي في كتاب طبقات النحاة. قال: وقد أخذ سيبويه اللغات عن أبي الخطاب والأخفش وغيرهما، وكان سيبويه يقول: سعيد بن أبي العروبة، والعروبة يوم الجمعة، وكان يقول: من قال عروبة فقد أخطأ. فذكر ذلك ليونس فقال أصاب لله دره، وقد ارتحل إلى خراسان ليحظى عند طلحة بن طاهر فإنه كان يحب النحو فمرض هناك مرضه الذي توفي فيه فتمثل عند الموت:
يؤمل دنيا لتبقى له … فمات المؤمل قبل الامل
يربي فسيلا ليبقى له … فعاش الفسيل ومات الرجل
ويقال: إنه لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه فدمعت عين أخيه فاستفاق فرآه يبكي فقال:
وكنا جميعا فرق الدهر بيننا … إلى الأمد الأقصى فمن يأمن الدهرا
قال الخطيب البغدادي: يقال إنه توفي وعمره ثنتان وثلاثون سنة. وفيها توفيت:
عفيرة العابدة
كانت طويلة الحزن كثيرة البكاء. قدم قريب لها من سفر فجعلت تبكي، فقيل لها في ذلك فقالت: لقد ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله، فمسرور ومثبور (١). وفيها مات مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي، كان من أهل مكة، ولقد تكلموا فيه لسوء حفظه.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة
فيها غزا الرشيد بلاد الروم فافتتح حصنا يقال له الصفصاف، فقال في ذلك مروان بن أبي حفصة:
إن أمير المؤمنين المنصفا (٢) … قد ترك الصفصاف قاعا صفصفا
وفيها غزا عبد الملك بن صالح بلاد الروم فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة. وفيها تغلبت المحمرة على جرجان (٣). وفيها أمر الرشيد أن يكتب في صدور الرسائل الصلاة على رسول الله ﷺ بعد الثناء على الله . وفيها حج بالناس الرشيد وتعجل بالنفر، وسأله يحيى بن خالد أن يعفيه من الولاية فأعفاه وأقام يحيى بمكة. وفيها توفي:
стр. 3782
الحسن بن قحطبة
أحد أكابر الأمراء، وحمزة بن مالك، ولي إمرة خراسان في أيام الرشيد، وخلف بن خليفة شيخ الحسن بن عرفة عن مائة سنة.
وعبد الله بن المبارك
أبو عبد الرحمن المروزي، كان أبوه تركيا مولى لرجل من التجار من بني حنظلة من أهل همذان، وكان ابن المبارك إذا قدمها أحسن إلى ولد مولاهم، وكانت أمه خوارزمية، ولد لثمان عشرة ومائة، وسمع إسماعيل بن خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وحميد الطويل، وغيرهم من أئمة التابعين. وحدث عن خلائق من الناس، وكان موصوفا بالحفظ والنفقة والعربية والزهد والكرم والشجاعة والشعر، له التصانيف الحسان، والشعر الحسن المتضمن حكما جمة، وكان كثير الغزو والحج، وكان له رأس مال نحو أربعمائة ألف يدور يتجر به في البلدان، فحيث اجتمع بعالم أحسن إليه، وكان يربو كسبه في كل سنة على مائة ألف ينفقها كلها في أهل العبادة والزهد والعلم، وربما أنفق من رأس ماله. قال سفيان بن عيينة: نظرت في أمره وأمر الصحابة فما رأيتهم يفضلون عليه إلا في صحبتهم رسول الله ﷺ . وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثله، وما أعلم خصلة من الخير إلا وقد جعلها الله في ابن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم. وقدم مرة الرقة وبها هارون الرشيد، فلما دخلها احتفل الناس به وازدحم الناس حوله، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك فقالت: ما للناس؟ فقيل لها: قدم رجل من علماء خراسان يقال له عبد الله بن المبارك فانجفل الناس إليه. فقالت المرأة: هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي (١) يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة.
وخرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت أنا وأخي هنا ليس لنا شئ إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام. وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل. فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي. فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.
وكان إذا عزم على الحج يقول لأصحابه: من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته
стр. 3783
حتى أكون أنا أنفق عليه، فكان يأخذ منهم نفقاتهم ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجمعها في صندوق، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب، وحسن الخلق والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجتهم فيقول لهم: هل أوصاكم أهلوكم بهدية، فيشتري لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المكية واليمنية وغيرها، فإذا جاؤوا إلى المدينة اشترى لهم منها الهدايا المدنية، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وبيضت أبوابها ورمم شعثها، فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم، ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه وأخرج منه تلك الصرر ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه، فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناء الجميل. وكانت سفرته تحمل على بعير وحدها، وفيها من أنواع المأكول من اللحم والدجاج والحلوى وغير ذلك، ثم يطعم الناس وهو الدهر صائم في الحر الشديد.
وسأله مرة سائل فأعطاه درهما فقال له بعض أصحابه: إن هؤلاء يأكلون الشواء والفالوذج، وقد كان يكفيه قطعة. فقال: والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز، فأما إذا كان يأكل الفالوذج والشواء فإنه لا يكفيه درهم. ثم أمر بعض غلمانه فقال: رده وادفع إليه عشرة دراهم. وفضائله ومناقبه كثيرة جدا.
قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على قبوله وجلالته وإمامته وعدله. توفي عبد الله بن المبارك بهيت (١) في هذه السنة في رمضانها عن ثلاث وستين سنة.
ومفضل بن فضالة
ولي قضاء مصر مرتين، وكان دينا ثقة، فسأل الله أن يذهب عنه الامل فأذهبه، فكان بعد ذلك لا يهنئه العيش ولا شئ من الدنيا، فسأل الله أن يرده عليه فرده فرجع إلى حاله.
ويعقوب التائب
العابد الكوفي، قال علي بن الموفق عن منصور بن عمار: خرجت ذات ليلة وأنا أظن أني قد أصبحت، فإذا علي ليل، فجلست إلى باب صغير وإذا شاب يبكي وهو يقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخى علي فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني؟ وا سوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي، يا ويلي كم أتوب وكم أعود، قد حان لي أن أستحي من ربي . قال منصور
стр. 3784
فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] قال: فسمعت صوتا واضطرابا شديدا فذهبت لحاجتي، فلما رجعت مررت بذلك الباب فإذا جنازة موضوعة، فسألت عنه فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية.
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة
فيها أخذ الرشيد لولده عبد الله المأمون ولاية العهد من بعد أخيه محمد الأمين بن زبيدة، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي وبعثه إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له، وولاه خراسان وما يتصل بها، وسماه المأمون. وفيها رجع يحيى بن خالد البرمكي من مجاورته بمكة إلى بغداد. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ مدينة أصحاب الكهف (١). وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن إليون وملكوا عليهم أمه ريني وتلقب أغسطه. وحج بالناس موسى بن عيسى بن العباس.
وفيها توفي من الأعيان إسماعيل بن عياش الحمصي أحد المشاهير من أئمة الشاميين، وفيه كلام. ومروان بن أبي حفصة الشاعر المشهور المشكور. كان يمدح الخلفاء والبرامكة.
ومعن بن زائدة
حصل من الأموال شيئا كثيرا جدا، وكان مع ذلك من أبخل الناس، لا يكاد يأكل اللحم من بخله، ولا يشعل في بيته سراجا، ولا يلبس من الثياب إلا الكرباسي والفرو الغليظ، وكان رفيقه سلم الخاسر إذا ركب إلى دار الخلافة يأتي على برذون وعليه حلة تساوي ألف دينار، والطيب ينفح من ثيابه، ويأتي هو في شر حالة وأسوئها. وخرج يوما إلى المهدي فقالت امرأة من أهله: إن أطلق لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا. فقال: إن أعطاني مائة ألف درهم فلك درهم. فأعطاه ستين ألفا فأعطاها أربعة دوانيق. توفي ببغداد في هذه السنة، ودفن في مقبرة نصر بن مالك.
والقاضي أبو يوسف
واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة (٢)، وهي أمه، وأبوه (٣) بجير بن
стр. 3785
معاوية، استصغر يوم أحد، وأبو يوسف كان أكبر أصحاب أبي حنيفة، روى الحديث عن الأعمش وهمام بن عروة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن سعيد وغيرهم. وعنه محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين. قال علي بن الجعد: سمعته يقول: توفي أبي وأنا صغير فأسلمتني أمي إلى قصار فكنت أمر على حلقة أبي حنيفة فأجلس فيها، فكانت أمي تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بي إلى القصار، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة، فلما طال ذلك عليها قالت لأبي حنيفة: إن هذا صبي يتيم ليس له شئ إلا ما أطعمه من مغزلي، وإنك قد أفسدته علي. فقال لها: اسكتي يا رعناء، ها هوذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج فقالت له: إنك شيخ قد خرفت. قال أبو يوسف: فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي وهو أول من لقب قاضي القضاة، وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا، لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة -. قال أبو يوسف: فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج في صحن فيروزج فقال لي: كل من هذا، فإنه لا يصنع لنا في كل وقت. وقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الفالوذج. قال فتبسمت فقال: ما لك تتبسم؟ فقلت: لا شئ أبقى الله أمير المؤمنين. فقال: لتخبرني. فقصصت عليه القصة فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة. ثم قال: رحم الله أبا حنيفة، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه. وكان أبو حنيفة يقول عن أبي يوسف: إنه أعلم أصحابه. وقال المزني: كان أبو يوسف أتبعهم للحديث. وقال ابن المديني: كان صدوقا. وقال ابن معين: كان ثقة. وقال أبو زرعة: كان سليما من التجهم. وقال بشار الخفاف: سمعت أبا يوسف يقول: من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه، وفرض مباينته، ولا يجوز السلام ولا رده عليه. ومن كلامه الذي ينبغي كتابته بماء الذهب قوله: من طلب المال بالكيما (١) أفلس، ومن تتبع غرائب الحديث كذب، ومن طلب العلم بالكلام تزندق. ولما تناظر هو ومالك بالمدينة بحضرة الرشيد في مسألة الصاع وزكاة الخضراوات احتج مالك بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافهم، وبأنه لم يكن الخضراوات يخرج فيها شئ في زمن الخلفاء الراشدين. فقال أبو يوسف: لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وهذا إنصاف منه.
وقد كان يحضر في مجلس حكمه العلماء على طبقاتهم، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا وكان