← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

هو المكتفي بالله يكفيه كلما … عناه بركن منه ليس يرام فأمر له بجائزة سنية وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله: من لي بأن أعلم ما ألقى … فتعرف مني الصبابة والعشقا (١) ما زال لي عبدا وحبي له … صيرني عبدا له رقا العتق (٢) من شأني ولكني … من حبه لا أملك العتقا وكان نقش خاتمه: علي المتوكل على ربه. (٣) وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك. وفي أيامه فتحت أنطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد وقع صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله. وتوفي بعد ثلاثة أيام وقيل في آخر يوم السبت بعد المغرب، وقيل بين الظهر والعصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، عن ثنتين وقيل ثلاث وثلاثين سنة (٤)، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما (٥). وأوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، وكان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير ﵀. خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة - أعني سنة خمس وتسعين ومائتين - وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه، ولما جلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم ورفع صوته بالدعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامة، وكتب اسمه على الرقوم وغيرها: المقتدر بالله، وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكان الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بني أمية وأيام بني العباس، قد تناهى

стр. 4097

جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفدها، وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة، وقد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله ثم قتله، وقد استقصى ذكرهم ابن الجوزي. وكان له من الخدم والحشمة التامة والحجاب شئ كثير جدا، وكان كريما وفيه عبادة مع هذا كله كان كثير الصلاة كثير الصيام تطوعا، وفي يوم عرفة في أول ولايته فرق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس، ومن الإبل ألفي بعير، ورد الرسوم والأرزاق والكلف إلى ما كانت عليه في زمن الأوائل من بني العباس، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، فوكل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وكان قد بنيت له أبنية في الرحبة صرف عليها في كل شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات، وسيأتي ذكر شئ من أيامه في ترجمته. وفيها توفي من الأعيان: أبو إسحاق المزكي إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد الله أبو إسحاق المزكي (١) الحافظ الزاهد، إمام أهل عصره بنيسابور، في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلقا من المشايخ الكبار ودخل على الإمام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبا، ويقال إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك إلا داره التي يسكنها وحانوتا يستغله كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيأتدم به طول الشتاء، وقد قال أبو علي الحسين بن علي الحافظ: لم تر عيناي مثله. أبو الحسين النوري أحد أئمة الصوفية اسمه أحمد بن محمد، ويقال محمد بن محمد والأول أصح يعرف بابن البغوي، أصله من خراسان (٢) وحدث عن سري السقطي (٣) ثم صار هو من أكابر أئمة القوم، قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحدا قط أعبد من أبي الحسين (٤) النوري، قيل له: ولا الجنيد؟ قال: ولا الجنيد ولا غيره. وقال

стр. 4098

غيره: صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لا من أهله ولا من غيره. وتوفي في مسجد وهو مقنع فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام. إسماعيل بن أحمد بن سامان أحد ملوك خراسان وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفار الخارجي، وكتب بذلك إلى المعتضد فولاه خراسان ثم ولاه المكتفي الري وما وراء النهر وبلاد الترك، وقد غزا بلادهم وأوقع بهم بأسا شديدا، بنى الربط في الطرقات يسع الرباط منها ألف فارس، وأوقف عليهم أوقافا جزيلة، وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا جزيلة منها ثلاث عشرة جوهرة زنة كل جوهرة منها ما بين السبع مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر وبعضها أزرق قيمتها مائة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد وشفع في طاهر فشفعه فيه. ولما مات إسماعيل بن أحمد وبلغ المكتفي موته تمثل بقول أبي نواس: لن يخلف الدهر مثلهم أبدا … هيهات هيهات شأنه عجب المعمري الحافظ صاحب عمل اليوم والليلة وهو الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري (١) الحافظ، رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقا منهم علي بن المديني ويحيى بن معين، وعنه ابن صاعد والنجاد والجلدي، وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، صدوقا ثبتا، وقد كان يشبك أسنانه بالذهب من الكبر، لأنه جاوز الثمانين، وكان يكنى أولا بأبي القاسم، ثم بأبي علي، وقد ولي القضاء للبرتي على القصر وأعمالها وإنما قيل له المعمري بأمه أم الحسن بنت أبي سفيان صاحب معمر بن راشد. وقد صنف المعمري كتابا جيدا في عمل يوم وليلة، واسمه الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري، توفي ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم. عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب واسم أبي شعيب عبد الله بن مسلم أبو شعيب الأموي الحراني المؤدب المحدث ابن المحدث. ولد سنة ست وثمانين ومائتين، سمع أباه وجده وعفان بن مسلم وأبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا. توفي في ذي الحجة منها. علي بن أحمد المكتفي بالله تقدم ذكره. أبو جعفر الترمذي محمد بن أحمد (٢) بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعي، كان من أهل العلم والزهد، ووثقه الدارقطني، كان مأمونا ناسكا، وقال

стр. 4099

القاضي أحمد بن كامل: لم يكن لأصحاب الشافعي بالعراق أرأس منه، ولا أورع: كان متقللا في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا، وكان ينفق في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا، وكان قد اختلط في آخر عمره. توفي في المحرم منها. ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القواد والجند والامراء على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز الخلافة، فأجابهم على أنه لا يسفك بسببه دم، وكان المقتدر قد خرج يلعب بالصولجان فقصد إليه الحسين (١) بن حمدان يريد أن يفتك به، فلما سمع المقتدر الصيحة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش، واجتمع الأمراء والأعيان والقضاة في دار المخرمي فبايعوا عبد الله بن المعتز وخوطب بالخلافة، ولقب بالمرتضى (٢) بالله. وقال الصولي: إنما لقبوه المنتصف بالله، واستوزر أبا عبيد الله محمد بن داود وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل إليها، فأجابه بالسمع والطاعة، فركب الحسين (١) بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلمها فقاتله الخدم ومن فيها، ولم يسلموها إليه، وهزموه فلم يقدر على تخليص أهله وماله إلا بالجهد. ثم ارتحل من فوره إلى الموصل وتفرق نظام ابن المعتز وجماعته، فأراد ابن المعتز أن يتحول إلى سامرا لينزلها فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل دار ابن الجصاص فاستجار به فأجاره، ووقع النهب في البلد واختبط الناس وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم وقتل أكثرهم وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة فجدد البيعة إلى المقتدر وأرسل إلى دار ابن الجصاص فتسلمها وأحضر ابن المعتز وابن الجصاص فصادر ابن الجصاص بمال جزيل جدا، نحو ستة عشر ألف ألف درهم، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهر للناس موته (٣) وأخرجت جثته فسلمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس. قال ابن الجوزي: ولا يعرف خليفة خلع ثم أعيد إلا الأمين والمقتدر. وفي يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو من أربعة أصابع وهذا غريب في بغداد جدا، ولم تخرج السنة حتى خرج الناس يستسقون لأجل تأخر المطر عن إبانه. وفي شعبان منها خلع على مؤنس (٤) الخادم وأمر بالمسير إلى طرسوس لأجل غزو الروم. وفيها أمر

стр. 4100

المقتدر بأن لا يستخدم أحد من اليهود والنصارى في الدواوين، وألزموا بلزومهم بيوتهم، وأن يلبسوا المساحي ويضعوا بين أكتافهم رقاعا ليعرفوا بها، وألزموا بالذل حيث كانوا. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق. وفيها توفي من الأعيان أحمد بن محمد بن زكريا بن أبي عتاب أبو بكر البغدادي الحافظ، ويعرف بأخي ميمون. روى عن نصر بن علي الجهضمي وغيره، وروى عنه الطبراني، وكان يمتنع من أن يحدث وإنما يسمع منه في المذاكرة. توفي في شوال منها. أبو بكر الأثرم أحمد بن محمد بن هاني الطائي الأثرم تلميذ الإمام أحمد، سمع عفان وأبا الوليد والقعنبي وأبا نعيم وخلقا كثيرا، وكان حافظا صادقا قوي الذاكرة، كان ابن معين يقول عنه: كان أحد أبويه جنيا لسرعة فهمه وحفظه، وله كتب مصنفة في العلل والنساخ والمنسوخ، وكان من بحور العلم خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى أبو محمد العكبري، سمع الحديث وكان ظريفا وكان له ثلاثون خاتما وثلاثون عكازا، يلبس في كل يوم من الشهر خاتما ويأخذ في يده عكازا، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني، وكان له سوط معلق في منزله، فإذا سئل عن ذلك قال: ليرهب العيال منه. ابن المعتز الشاعر والخليفة عبد الله بن المعتزل بالله محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد يكنى أبو العباس الهاشمي العباسي، كان شاعرا مطيقا فصيحا بليغا مطبقا، وقريش قادة الناس في الخير ودفع الشر. وقد سمع المبرد وثعلبا. وقد روي عنه من الحكم والآداب شئ كثير، فمن ذلك قوله: أنفاس الحي خطايا. أهل الدنيا ركب يسار بهم وهم نيام، وربما أورد الطمع ولم يصدر، ربما شرق شارب الماء قبل ريه، من تجاوز الكفاف لم يغنه الاكثار، كلما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به، من ارتحله الحرص أضناه الطلب. وروي انضاه الطلب أي أضعفه، والأول معناه أمرضه. الحرص نقص من قدر الانسان ولا يزيد في حظه شيئا، أشقى الناس أقربهم من السلطان، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أقربها حريقا. من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك. الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود، الاسرار إذا كثرت خزانها ازدادت ضياعا، العزل نصحك من تيه الولاة. الجزع أتعب من الصبر، لا تشن وجه العفو بالتقريع، تركة الميت عز للورثة ودل له. إلى غير ذلك من كلامه وحكمه. ومن شعره مما يناسب المعنى قوله:

стр. 4101

بادر إلى مالك ورثه … ما المرء في الدنيا بلباث كم جامع يخنق أكياسه … قد صار في ميزان ميراث وله أيضا: يا ذا الغنى والسطوة القاهرة … والدولة الناهية الآمرة ويا شياطين بني آدم … ويا عبيد الشهوة الفاجرة انتظروا الدنيا وقد أدبرت … وعن قليل تلد الآخرة وله أيضا: ابك يا نفس وهاتي … توبة قبل الممات قبل أن يفجعنا الدهر … ببين وشتات لا تخونيني إذا مت … وقامت بي نعاتي إنما الوفي بعهدي … من وفى بعد وفاتي قال الصولي. نظر ابن المعتز في حياة أبيه الخليفة إلى جارية فأعجبته فمرض من حبها، فدخل أبوه عليه عائدا فقال له: كيف تجدك؟ فأنشأ يقول: أيها العاذلون لا تعذلوني … وانظروا حسن وجهها تعذروني وانظروا هل ترون أحسن منها … إن رأيتم شبيهها فاعذلوني قال: ففحص الخليفة عن القصة واستعلم خبر الجارية ثم بعث إلى سيدها فاشتراها منه بسبعة آلاف دينار، وبعث بها إلى ولده. وقد تقدم أن في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع الأمراء والقضاة على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز هذا ولقب بالمرتضى والمنتصف بالله، فما مكث بالخلافة إلا يوما أو بعض يوم، ثم انتصر المقتدر وقتل غالب من خرج عليه واعتقل ابن المعتز عنده في الدار ووكل به مؤنس (١) الخادم فقتل في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه، ويقال إنه أنشد في آخر يوم من حياته وهو معتل: يا نفس صبرا لعل الخير عقباك … خانتك من بعد طول الامن دنياك مرت بنا سحرا طير فقلت لها … طوباك يا ليتني إياك طوباك إن كان قصدك شرقا فالسلام على … شاطي الصراة أبلغي إن كان مسراك من موثق بالمنايا لا فكاك له … يبكي الدماء على إلف له باكي فرب آمنة جاءت منيتها … ورب مفلتة من بين أشراك أظنه آخر الأيام من عمري … وأوشك اليوم أن يبكي لي الباكي

стр. 4102

ولما قدم ليقتل أنشأ يقول: فقل للشامتين بنا رويدا … أمامكم المصائب والخطوب هو الدهر لا بد من أن … يكون إليكم منه ذنوب ثم كان ظهور قتله لليلتين من ربيع الآخر منها. وقد ذكر له ابن خلكان مصنفات كثيرة، منها طبقات الشعراء، وكتاب أشعار الملوك، وكتاب الآداب وكتاب البديع، وكتاب في الغناء وغير ذلك. وذكر أن طائفة من الأمراء خلعوا المقتدر وبايعوه بالخلافة يوما وليلة، ثم تمزق شمله واختفى في بيت ابن الجصاص الجوهري ثم ظهر عليه فقتل وصودر ابن الجصاص بألفي دينار، وبقي معه ستمائة ألف دينار. وكان ابن المعتز أسمر اللون مدور الوجه يخضب بالسواد، عاش خمسين سنة، وذكر شيئا من كلامه وأشعاره ﵀. محمد بن الحسين بن حبيب أبو حصين الوادعي القاضي، صاب المسند، من أهالي الكوفة، قدم بغداد وحدث بها عن أحمد بن يونس اليربوعي ويحيى بن عبد الحميد، وجندل بن والق، وعنه ابن صاعد والنجاد والمحاملي، قال الدارقطني: كان ثقة، توفي بالكوفة: محمد بن داود بن الجراح أبو عبد الله الكاتب عم الوزير علي بن عيسى، كان من أعلم الناس بالاخبار وأيام الخلفاء، له مصنفات في ذلك روى عن عمر بن شيبة وغيره، كانت وفاته في ربيع الأول منها عن ثلاث وخمسين سنة. ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين فيها غزا القاسم بن سيما الصائفة (١)، وفادى مؤنس (٢) الخادم الأسارى الذين بأيدي الروم، وحكى ابن الجوزي عن ثابت بن سنان أنه رأى في أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين، وإنما كفاها ملصقان بكتفيها، لا تستطيع أن تعمل بهما شيئا، وإنما كانت تعمل برجليها ما تعمله النساء بأيديهن: الغزل والفتل ومشط الرأس وغير ذلك. وفيها تأخرت الأمطار عن بغداد وارتفعت الأسعار بها، وجاءت الاخبار بأن مكة جاءها سيل عظيم غرق أركان البيت، وفاضت زمزم، ولم ير ذلك قبل هذه السنة. وحج بالناس الفضل الهاشمي. وفيها توفي من الأعيان …

стр. 4103

محمد بن داود بن علي أبو بكر الفقيه ابن الفقيه الظاهري، كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا، له كتاب الزهرة اشتغل على أبيه وتبعه في مذهبه ومسلكه وما اختاره من الطرائق وارتضاه، وكان أبوه يحبه ويقربه ويدنيه. قال رويم بن محمد: كنا يوما عند داود إذ جاء ابنه هذا باكيا فقال: ما لك؟ فقال: إن الصبيان يلقبونني عصفور الشوك. فضحك أبوه فاشتد غضب الصبي وقال لأبيه: أنت أضر علي منهم، فضمه أبوه إليه وقال: لا إله إلا الله، ما الألقاب إلا من السماء ما أنت يا بني إلا عصفور الشوك. ولما توفي أبوه أجلس في مكانه في الحلقة فاستصغره الناس عن ذلك، فسأله سائل يوما عن حد السكر فقال: إذا غربت (١) عنه الفهوم وباح بسره المكتوم. فاستحسن الحاضرون منه ذلك وعظم في أعين الناس. قال ابن الجوزي في المنتظم: وقد ابتلي بحب صبي اسمه محمد بن جامع ويقال محمد بن زحرف فاستعمل العفاف والدين في حبه، ولم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته في ذلك. قلت: فدخل في الحديث المروي عن ابن عباس موقوفا عليه ومرفوعا عنه: " من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا ". وقد قيل عنه إنه كان يبيح العشق بشرط العفاف. وحكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشق منذ كان في الكتاب وأنه صنف كتاب الزهرة في ذلك في صغره، ورد ما وقف أبوه داود على بعض ذلك، وكان يتناظر هو وأبو العباس بن شريح (٢) كثيرا بحضرة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف فيعجب الناس من مناظرتهما وحسنها، وقد قال له ابن شريح (٢) يوما في مناظرته: أنت بكتاب الزهرة أشهر منك بهذا. فقال له: تعيرني بكتاب الزهرة وأنت لا تحسن تشتم قراءته، وهو كتاب جمعناه هزلا فاجمع أنت مثله جدا. وقال القاضي أبو عمر: كنت يوما أنا وأبو بكر بن داود راكبين فإذا جارية تغني بشئ من شعره: أشكو إليك فؤادا أنت متلفه … شكوى عليل إلى إلف يعلله سقمي تزيد على الأيام كثرته … وأنت في عظم ما ألقى تقلله الله حرم قتلي في الهوى أسفا … وأنت يا قاتلي ظلما تحلله فقال أبو بكر: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقلت: هيهات سار به الركبان. كانت وفاة محمد بن داود ﵀ في رمضان من هذه السنة، وجلس ابن شريح (٢) لعزاه وقال: ما أثني إلا على التراب الذي أكل لسان محمد بن داود ﵀. محمد بن عثمان بن أبي شيبه أبو جعفر، حدث عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وخلق، وعنه ابن صاعد والخلدي

стр. 4104

والباغندي وغيرهم، وله كتاب في التاريخ وغيره من المصنفات، وقد وثقه صالح بن محمد جزرة وغيره، وكذبه عبد الله بن الإمام أحمد وقال: وهو كذاب بين الامر، وتعجب ممن يروي عنه. توفي في ربيع الأول منها. محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسن بن مصعب من بيت الامارة والحشمة، باشر نيابة العراق مدة ثم خراسان ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان وخمسين فأسره وبقي معه يطوف به الآفاق أربع سنين، ثم تخلص منه في بعض الوقعات ونجا بنفسه، ولم يزل مقيما ببغداد إلى أن توفي هذه السنة. موسى بن إسحاق ابن موسى بن عبد الله أبو بكر الأنصاري الخطمي (١)، مولده سنة عشر ومائتين، سمع أباه وأحمد بن حنبل وعلي بن الجعد وغيرهم، وحدث عنه الناس وهو شاب وقرأوا عليه القرآن، وكان ينتحل مذهب الشافعي، وولي قضاء الأهواز، وكان ثقة فاضلا عفيفا فصيحا كثير الحديث. توفي في المحرم منها. يوسف بن يعقوب ابن إسماعيل بن حماد بن زيد والد القاضي أبي عمر، وهو الذي قتل الحلاج (٢)، كان يوسف هذا من أكابر العلماء وأعيانهم، ولد سنة ثمان ومائتين، وسمع سليمان بن حرب وعمرو بن مرزوق وهدبة ومسددا، وكان ثقة، ولي قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد، وكان عفيفا شديد الحرمة نزها، جاءه يوما بعض خدم الخليفة المعتضد فترفع في المجلس على خصمه فأمره حاجب القاضي أن يساوي خصمه فامتنع إدلالا بجاهه عند الخليفة، فزبره القاضي وقال: أئتوني بدلال النخس حتى أبيع هذا العبد وأبعث بثمنه إلى الخليفة، وجاء حاجب القاضي فأخذه بيده وأجلسه مع خصمه، فلما انقضت الحكومة رجع الخادم إلى المعتضد فبكى بين يديه فقال له: ما لك؟ فأخبره بالخبر، وما أراد القاضي من بيعه، فقال: والله لو باعك لأجزت بيعه ولما استرجعتك أبدا، فليس خصوصيتك عندي تزيل مرتبة الشرع فإنه عمود السلطان وقوام الأديان، كانت وفاته في رمضان منها.

стр. 4105

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين فيها قدم القاسم بن سيما من بلاد الروم فدخل بغداد ومعه الأسارى والعلوج بأيديهم أعلام عليها صلبان من الذهب، وخلق من الأسارى. وفيها قدمت هدايا نائب خراسان أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني، من ذلك مائة وعشرون غلاما بحرابهم وأسلحتهم وما يحتاجون إليه، وخمسون بازا وخمسون جملا تحمل من مرتفع الثياب، وخمسون رطلا من المسك وغير ذلك. وفيها فلج القاضي عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فقلد مكانه على الجانب الشرقي والكرخ ابنه محمد. وفيها في شعبان أخذ رجلان يقال لأحدهما: أبو كبيرة والآخر يعرف بالسمري. فذكروا أنهما من أصحاب رجل يقال له محمد بن بشر، وأنه يدعي الربوبية. وفيها وردت الاخبار بأن الروم قصدت اللاذقية. وفيها وردت الاخبار بأن ريحا صفراء هبت بمدينة الموصل فمات من حرها بشر كثير. وفيها حج بالناس الفضل الهاشمي. وفيها توفي من الأعيان: ابن الراوندي (١) أحد مشاهير الزنادقة، كان أبوه يهوديا فأظهر الاسلام، ويقال إنه حرف التوراة كما عادى ابنه القرآن بالقرآن وألحد فيه، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه الدامغ. وكتابا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها سماه الزمردة. وكتابا يقال له التاج في معنى ذلك، وله كتاب الفريد وكتاب إمامة المفضول الفاضل. وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة منهم الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه، وقد أجاد في ذلك. وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي، قال الشيخ أبو علي: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندي فلم أجد فيه إلا السفه والكذب والافتراء، قال: وقد وضع كتابا في قدم العالم ونفي الصانع وتصحيح مذهب الدهرية والرد على أهل التوحيد، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله ﷺ في سبعة عشر موضعا، ونسبه إلى الكذب - يعني النبي ﷺ وطعن على القرآن، ووضع كتابا لليهود والنصارى وفضل دينهم على المسلمين والاسلام، يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد ﷺ ، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الاسلام. نقل ذلك ابن الجوزي عنه. وقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه وزندقته وطعنه على الآيات والشريعة. ورد عليه ذلك، وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وتمويهه. وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر، منها ما هو صحيح عنه ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر في المسخرة، يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثير موجود

стр. 4106

فيمن يدعي الاسلام وهو منافق، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم (ولئن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) الآية [التوبة: ٦٥]. وقد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات. وأما ابن الراوندي فهرب فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي، وصنف له في مدة مقامه عنده كتابه الذي سماه " الدامغ للقرآن " فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله. ويقال: إنه أخذ وصلب. قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه ولا رحم عظامه. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقلس عليه ولم يخرجه بشئ، ولا كأن الكلب أكل له عجينا، على عادته في العلماء والشعراء، فالشعراء يطيل تراجمهم، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم. وأرخ ابن خلكان تاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد وهم وهما فاحشا، والصحيح أنه توفي في هذه السنة كما أرخه ابن الجوزي وغيره. وفيها توفي: الجنيد بن محمد بن الجنيد أبو القاسم الخزاز، ويقال له القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد ونشأ بها. وسمع الحديث من الحسين بن عرفة. وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وخاله سري السقطي، ولازم التعبد، ففتح الله عليه بسبب ذلك علوما كثيرة، وتكلم على طريقة الصوفية. وكان ودده في كل يوم ثلاثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة. ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، ففتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يعرف سائر فنون العلم، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوها كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك في التصوف وغيره. ولما حضرته الوفاة جعل يصلى ويتلوا القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال؟ فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن، وهذا أوان طي صحيفتي. قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي ثور ويقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، وكان ابن سريح يصحبه ويلازمه، وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة. فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم ألم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعدها علي. فأعادها بجوابات أخرى كثيرة. فقال: والله ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده

стр. 4107

فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله علي حتى أكتبه. فقال الجنيد: لئن كنت أجريه فأنا أميله، أي إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم، إنما هذا من فضل الله يلهمنيه ويجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة. والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه والله أعلم. وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت. وقال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا. ورأى بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى الله لا أفارقه. وقال له خاله السري: تكلم على الناس. فلم ير نفسه موضعا. فرأى في المنام رسول الله ﷺ فقال له: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له: لم تسمع مني حتى قال لك رسول الله ﷺ . فتكلم على الناس، فجاءه يوما شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول النبي ﷺ : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (١)؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم: قال فأسلم الغلام. وقال الجنيد: ما انتفعت بشئ انتفاعي بأبيات سمعتها من جارية تغني بها في غرفة وهي تقول: إذا قلت: أهدى الهجر لي حلل البلى … تقولين: لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت: هذا القلب أحرقه الجوى (٢) … تقولين لي: إن الجوى شرف القلب وإن قلت: ما أذنبت، قالت (٣) مجيبة: حياتك ذنب لا يقاس به ذنب قال: فصعقت وصحت، فخرج صاحب الدار فقال: يا سيدي مالك؟ قلت: مما سمعت. قال: هي هبة مني إليك. فقلت: قد قبلتها وهي حرة لوجه الله. ثم زوجتها لرجل، فأولدها ولدا صالحا حج على قدميه ثلاثين حجة. وفيها توفي: سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور أبو عثمان الواعظ ولد بالري، ونشأ بها، ثم انتقل إلى نيسابور (٤) فسكنها إلى أن مات بها، وقد دخل بغداد. وكان

стр. 4108

يقال إنه مجاب الدعوة. قال الخطيب: أخبرنا عبد الكريم بن هوازن قال: سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حالة فكرهتها، ولا نقلني إلى غيرها فسخطتها. وكان أبو عثمان ينشد: أسأت ولم أحسن، وجئتك هاربا … وأين لعبد عن مواليه مهرب؟ يؤمل غفرانا، فإن خاب ظنه … فما أحد منه على الأرض أخيب وروى الخطيب أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك؟ فقال: إني لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يريدونني على التزويج فامتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتوسل به إليك لما تزوجتني. فقلت: ألك والد؟ فقالت: نعم. فأحضرته فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوت بها إذا هي عوراء عرجاء شوهاء - مشوهة الخلق - فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على تزويجي بها، فكنت أزيدها برا وإكراما، وربما احتبستني عندها ومنعتني من الحضور إلى بعض المجالس (١)، وكأني كنت في بعض أوقاتي على الجمر وأنا لا أبدي لها من ذلك شيئا. فمكثت كذلك خمس عشرة سنة، فما شئ أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. وفيها توفي: سمنون بن حمزة ويقال ابن عبد الله، أحد مشايخ الصوفية، كان ورده في كل يوم وليلة خمسمائة ركعة، وسمى نفسه سمنونا الكذاب لقوله: فليس لي في سواك حظ … فكيفما شئت فامتحني فابتلي بعسر البول فكان يطوف على المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب. وله كلام متين في المحبة، ووسوس في آخر عمره، وله كلام في المحبة مستقيم. وفيها توفي: صافي الحربي كان من أكابر أمراء الدولة العباسية. أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شئ فلما

стр. 4109

مات حمل غلامه القاسم إلى الوزير ألف دينار وسبعمائة وعشرين منطقة من الذهب مكللة، فاستمروا به على إمرته ومنزلته. إسحاق بن حنين بن إسحاق أبو يعقوب العبادي (١) - نسبة إلى قبائل الجزيرة - الطبيب ابن الطبيب، له ولأبيه مصنفات كثيرة في هذا الفن، وكان أبوه يعرب كلام إرسططاليس وغيره من حكماء اليونان. توفي في هذه السنة. الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا أبو عبد الله الشيعي (٢)، الذي أقام الدعوة للمهدي، وهو عبد الله بن ميمون (٣) الذي يزعم أنه فاطمي وقد زعم غير واحد من أهل التاريخ أنه كان يهوديا صباغا بسلمية، والمقصود الآن: أن أبا عبد الله الشيعي دخل بلاد إفريقية وحده فقيرا لا مال له ولا رجال، فلم يزل يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يد أبي مضر (٤) زيادة الله، آخر ملوك بني الأغلب على بلاد إفريقية، واستدعى حينئذ مخدومه المهدي من بلاد المشرق، فقدم فلم يخلص إليه إلا بعد شدائد طوال، وحبس في أثناء الطريق فاستنقذه هذا الشيعي وسلمه من الهلكة، فندمه أخوه أحمد وقال له: ماذا صنعت؟ وهلا كنت استبددت بالامر دون هذا؟ فندم وشرع يعمل الحيلة في المهدي، فاستشعر المهدي بذلك فدس إليهما من قتلهما في هذه السنة بمدينة رقادة من بلاد القيروان، من إقليم إفريقية. هذا ملخص ما ذكره ابن خلكان. ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين قال ابن الجوزي: وفيها ظهرت ثلاث كواكب مذنبة. أحدها في رمضان، واثنان في ذي القعدة تبقى أياما ثم تضمحل. وفيها وقع طاعون بأرض فارس مات فيه سبعة آلاف إنسان. وفيها غضب

стр. 4110

الخليفة على الوزير علي بن محمد بن الفرات وعزله عن الوزارة وأمر بنهب داره فنهبت أقبح نهب، واستوزر أبا علي محمد (١) بن عبد الله بن يحيى بن خاقان، وكان قد التزم لام ولد المعتضد بمائة ألف دينار، حتى سعت في ولايته. وفيها وردت هدايا كثيرة من الأقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها، من ذلك خمسمائة ألف دينار من مصر استخرجت من كنز وجد هناك من غير موانع كما يدعيه كثير من جهلة العوام وغيرهم من ضعيفي الأحلام، مكرا وخديعة ليأكلوا أموال الطغام والعوام أهل الطمع والآثام، وقد وجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة أشبار وعرضه شبر، وذكر أنه من قوم عاد فالله أعلم. وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبنا. ومن ذلك بساط أرسله ابن أبي الساج في جملة هداياه، طوله سبعون ذراعا وعرضه ستون ذراعا، عمل في عشر سنين لا قيمة له، وهدايا فاخرة أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني من بلاد خراسان كثيرة جدا وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك العباسي أمير الحجيج من مدة طويلة. وفيها توفي من الأعيان: أحمد بن نصر بن إبراهيم: أبو عمرو الخفاف الحافظ. كان يذاكر بمائة ألف حديث، سمع إسحاق بن راهويه وطبقته، وكان كثير الصيام سرده نيفا وثلاثين سنة، وكان كثير الصدقة، سأله سائل فأعطاه درهمين فحمد الله فجعلها خمسة، فحمد الله فجعلها عشرة، ثم ما زال يزيده ويحمد السائل الله حتى جعلها مائة. فقال: جعل الله عليك واقية باقية فقال للسائل: والله لو لزمت الحمد لأزيدنك ولو إلى عشرة آلاف درهم. البهلول بن إسحاق بن البهلول ابن حسان بن سنان أبو محمد التنوخي، سمع إسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن منصور ومصعبا الزبيري وغيرهم، وعنه جماعة آخرهم أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني الحافظ، وكان ثقة حافظا ضابطا بليغا فصيحا في خطبه. توفي فيها عن خمس وتسعين سنة. الحسين بن عبد الله بن أحمد: أبو علي الخرقي صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. كان خليفة للمروذي. توفي يوم عيد الفطر ودفن عند قبر الإمام أحمد بن حنبل.

стр. 4111

محمد بن إسماعيل: أبو عبد الله المغربي حج على قدميه سبعا وتسعين حجة، وكان يمشي في الليل المظلم حافيا كما يمشي الرجل في ضوء النهار، وكان المشاة يأتمون به فيرشدهم إلى الطريق، وقال: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة، وكانت قدماه مع كثرة مشيه كأنهما قدما عروس مترفة، وله كلام مليح نافع، ولما مات أوصى أن يدفن إلى جانب شيخه علي بن رزين، فهما على جبل الطور. قال أبو نعيم: كان أبو عبد الله المغربي من المعمرين، توفي عن مائة وعشرين سنة، وقبره بجبل طور سينا عند قبر أستاذه علي بن رزين. قال أبو عبد الله: أفضل الأعمال عمارة الأوقاف (١). وقال: الفقير هو الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقره ليعينه بالاستعانة كما عزره بالافتقار إليه. وقال: أعظم الناس ذلا فقير داهن غنيا وتواضع له، وأعظم الناس عزا غني تذلل لفقير أو حفظ حرمته. محمد بن أبي بكر بن أبي خيثمة أبو عبد الله الحافظ ابن الحافظ كان أبوه يستعين به في جمع التاريخ، وكان فهما حاذقا حافظا، توفي في ذي القعدة منها .. محمد بن أحمد بن كيسان النحوي أحد حفاظه والمكثرين منه، كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معا. قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين المبرد وثعلب. محمد بن يحيى أبو سعيد، سكن دمشق، روى عن إبراهيم بن سعد الجوهري، وأحمد بن منيع، وابن أبي شيبة وغيرهم، روى عنه أبو بكر النقاش وغيره، وكان محمد بن يحيى هذا يدعى بحامل كفنه، وذلك ما ذكره الخطيب قال: بلغني أنه توفي فغسل وكفن وصلي عليه ودفن، فلما كان الليل جاء نباش ليسرق كفنه ففتح عليه قبره. فلما حل عنه كفنه استوى جالسا وفر النباش هاربا من الفزع، ونهض محمد بن يحيى هذا فأخذ كفنه معه وخرج من القبر وقصد منزله فوجد أهله يبكون عليه، فدق عليهم الباب فقالوا: من هذا؟ فقال: أنا فلان. فقالوا: يا هذا لا يحل لك أن تزيدنا حزنا إلى حزننا. فقال: افتحوا

стр. 4112

والله أنا فلان، فعرفوا صوته فلما رأوه فرحوا به فرحا شديدا وأبدل الله حزنهم سرورا. ثم ذكر لهم ما كان من أمره وأمر النباش. وكأنه قد أصابته سكتة ولم يكن قد مات حقيقة فقدر الله بحوله وقوته أن بعث له هذا النباش ففتح عليه قبره، فكان ذلك سبب حياته، فعاش بعد ذلك عدة سنين، ثم كانت وفاته في هذه السنة. فاطمة القهرمانة غضب عليها المقتدر مرة فصادرها، وكان في جملة ما أخذ منها مائتي ألف دينار ثم غرقت في طيارة لها في هذه السنة. ثم دخلت سنة ثلاثمائة من الهجرة فيها كثر ماء دجلة وتراكمت الأمطار ببغداد، وتناثرت نجوم كثيرة في ليلة الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة. وفيها كثرت الأمراض ببغداد والاسقام وكلبت الكلاب حتى الذئاب بالبادية. وكانت تقصد الناس بالنهار فمن عضته أكلبته (١). وفيها انحسر جبل بالدينور يعرف بالتل فخرج من تحته ماء عظيم غرق عدة من القرى. وفيها سقطت شرذمة - أي قطعة - من جبل لبنان إلى البحر. وفيها حملت بغلة ووضعت مهرة، وفيها صلب الحسين بن منصور الحلاج وهو حي أربعة أيام، يومين في الجانب الشرقي، ويومين في الجانب الغربي، وذلك في ربيع الأول منها. وحج بالناس أمير الحجيج المتقدم ذكره في السنين قبلها وهو الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي أثابه الله وتقبل منه. وفيها توفي من الأعيان: الأحوص بن الفضل ابن معاوية بن خالد بن غسان أبو أمية الغلابي القاضي بالبصرة وغيرها، روى عن أبيه التاريخ، استتر مرة عنده ابن الفرات فلما أعيد إلى الوزارة ولاه قضاء البصرة والأهواز وواسط. وكان عفيفا نزها، فلما نكب ابن الفرات قبض عليه نائب البصرة فأودعه السجن فلم يزل به حتى مات فيه فيها. قال ابن الجوزي: ولا نعلم قاضيا مات في السجن سواه. عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ابن الحسين بن مصعب أبو أحمد الخزاعي، ولي إمرة بغداد. وحدث عن الزبير بن بكار وعنه

стр. 4113

الصولي والطبراني، وكان أديبا فاضلا، ومن شعره: حق التنائي بين أهل الهوى … تكاتب يسخن عين النوى وفي التداني لا انقضى عمره … تزاور يشفي غليل الجوى واتفق له مرة أن جارية له مرضت فاشتهت ثلجا، وكانت حظية عنده، فلم يوجد الثلج إلا عند رجل، فساومه وكيله على رطل منه فامتنع من بيع إلا كل رطل بالعراقي بخمسة إلاف درهم - وذلك لعلم صاحب الثلج بحاجتهم إليه - فرجع الوكيل ليشاوره فقال: ويحك! اشتره ولو بما عساه أن يكون، فرجع إلى صاحب الثلج فقال: لا أبيعه إلا بعشرة آلاف. فأشتراه بعشرة آلاف ثم اشتهت الجارية ثلجا أيضا - وذلك لموافقته لها - فرجع فاشترى منه رطلا آخر بعشرة آلاف. ثم آخر بعشرة آلاف وبقي عند صاحب الثلج رطلان فنطفت نفسه إلى أكل رطل منه ليقول: أكلت رطلا من الثلج بعشرة آلاف، فأكله وبقي عنده رطل فجاءه الوكيل فامتنع أن يبيعه الرطل إلا بثلاثين ألفا فاشتراه منه فشفيت الجارية وتصدقت بمال جزيل فاستدعى سيدها صاحب الثلج فأعطاه من تلك الصدقة مالا جزيلا فصار من أكثر الناس مالا بعد ذلك، واستخدمه ابن طاهر عنده والله أعلم. وممن توفي في حدود الثلثمائة من الهجرة: الصنوبري الشاعر وهو محمد بن أحمد بن محمد بن مراد أبو بكر الضبي الصنوبري الحنبلي. قال الحافظ ابن عساكر: كان شاعرا محسنا. وقد حكى عن علي بن سليمان الأخفش، ثم ذكر أشياء من لطائف شعره فمن ذلك قوله: لا النوم أدرى به ولا الأرق … يدري بهذين من به رمق إن دموعي من طول ما استبقت … كلت فما تستطيع تستبق ولي ملك لم تبد صورته … مذ كان إلا صلت له الحدق نويت تقبيل نار وجنته … وخفت أدنو منها فأحترق وله أيضا: شمس غدا يشبه شمسا غدت … وخدها في النور من خده تغيب في فيه ولكنها … من بعد ذا تطلع في خده وقد روى الحافظ البيهقي عن شيخه الحاكم عن أبي الفضل نصر بن محمد الطوسي قال: أنشدنا أبو بكر الصنوبري فقال:

стр. 4114

هدم الشيب ما بناه الشباب … والغواني ما عصين خضاب قلب الآبنوس عاجا … فللأعين منه والقلوب انقلاب وضلال في الرأي أن يشنأ … البازي على حسنه ويهوى الغراب وله أيضا وقد أورده ابن عساكر في ابن له فطم فجعل يبكي على ثديه: منعوه أحب شئ إليه … من جميع الورى ومن والديه منعوه غذاه ولقد كان … مباحا له وبين يديه عجبا له على صغر السن … هوى فاهتدى الفراق إليه إبراهيم بن أحمد بن محمد ابن المولد، أبو إسحاق الصوفي الواعظ الرقي أحد مشايخها، روى الحديث وصحب أبا عبد الله بن الجلاء الدمشقي، والجنيد وغير واحد. وروى عنه تمام بن محمد وأبو عبد الرحمن السلمي. وقد أورد ابن عساكر من شعره قوله: لك مني على البعاد نصيب … لم ينله على الدنو حبيب وعلى الطرف من سواك حجاب … وعلى القلب من هواك رقيب زين في ناظري هواك وقلبي … والهوى فيه رائع ومشوب كيف يغنى قرب الطبيب عليلا … أنت أسقمته وأنت الطبيب وقوله: الصمت آمن من كل نازلة … من ناله نال أفضل الغنم ما نزلت بالرجال نازلة … أعظم ضرا من لفظة نعم عثرة هذا اللسان مهلكة … ليست لدينا كعثرة القدم احفظ لسانا يلقيك في تلف … فرب قول أذل ذا كرم ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائة فيها غزا الحسين بن حمدان الصائفة ففتح حصونا كثيرة من بلاد الروم وقتل منها أمما لا يحصون كثرة. وفيها عزل المقتدر محمد بن عبيد الله عن وزارته وقلدها عيسى بن علي (١) وكان من خيار الوزراء

стр. 4115

وأقصدهم للعدل والاحسان، واتباع الحق. وفيها كثرت الأمراض الدموية ببغداد في تموز وآب، فمات من ذلك خلق كثير من أهلها. وفيها وصلت هدايا صاحب عمان ومن جملتها بغلة بيضاء وغزال أسود. وفي شعبان منها ركب المقتدر إلى باب الشماسية على الخيل ثم انحدر إلى داره في دجلة - وكانت أول ركبة ركبها جهرة للعامة - وفيها استأذن الوزير علي بن عيسى الخليفة المقتدر في مكاتبة رأس القرامطة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي فأذن له، فكتب كتابا طويلا يدعوه فيه إلى السمع والطاعة، ويوبخه على ما يتعاطاه من ترك الصلاة والزكاة وارتكاب المنكرات، وإنكارهم على من يذكر الله ويسبحه ويحمده، واستهزائهم بالدين واسترقاقهم الحرائر، ثم توعده الحرب وتهدده بالقتل، فلما سار بالكتاب نحوه قتل أبو سعيد قبل أن يصله، قتله بعض خدمه. وعهد بالامر من بعده لولده سعيد، فغلبه على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد، فلما قرأ كتاب الوزير أجابه بما حاصله: إن هذا الذي تنسب إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنع علينا، وإذا كان الخليفة ينسبنا إلى الكفر بالله فكيف يدعونا إلى السمع والطاعة له؟ وفيها جئ الحسين بن منصور الحلاج إلى بغداد وهو مشهور على جمل وغلام له راكب جملا آخر، ينادي عليه: أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس ثم جئ به إلى مجلس الوزير فناظره فإذا هو لا يقرأ القرآن ولا يعرف في الحديث ولا الفقه شيئا، ولا في اللغة ولا في الاخبار ولا في الشعر شيئا، وكان الذي نقم عليه: أنه وجدت له رقاع يدعو فيها الناس إلى الضلالة والجهالة بأنواع من الرموز، يقول في مكاتباته كثيرا: تبارك ذو النور الشعشعاني. فقال له الوزير: تعلمك الطهور والفروض أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها، وما أحوجك إلى الأدب. ثم أمر به فصلب حيا صلب الاشتهار لا القتل، ثم أنزل فأجلس في دار الخلافة، فجعل يظهر لهم أنه على السنة، وأنه زاهد، حتى اغتر به كثير من الخدام وغيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة، حتى صاروا يتبركون به ويتمسحون بثيابه. وسيأتي ما صار إليه أمره حين قتل بإجماع الفقهاء وأكثر الصوفية. ووقع في هذه السنة في آخرها ببغداد وباء شديد جدا مات بسببه بشر كثير، ولا سيما بالحربية غلقت عامة دورها. وحج بالناس فيها الأمير المتقدم ذكره. وفيها توفي من الأعيان: إبراهيم بن خالد الشافعي جمع العلم والزهد، وهو من تلاميذ أبي بكر الإسماعيلي. جعفر بن محمد ابن الحسين (١) بن المستفاض أبو بكر الفريابي قاضي الدينور، طاف البلاد في طلب العلم،

стр. 4116

وسمع الكثير من المشايخ الكثيرين، مثل قتيبة وأبي كريب وعلي بن المديني، وعنه أبو الحسين بن المنادي والنجاد وأبو بكر الشافعي وخلق، واستوطن بغداد وكان ثقة حافظا حجة، وكان عدة من يحضر مجلسه نحوا من ثلاثين ألفا، والمستملون عليه منهم فوق الثلاثمائة (١)، وأصحاب المحابر نحوا من عشرة آلاف. توفي في المحرم منها عن أربع وتسعين سنة، وكان قد حفر لنفسه قبرا قبل وفاته بخمس سنين، وكان يأتيه فيقف عنده. ثم لم يقض له الدفن فيه بل دفن بمكان آخر. ﵀ حيث كان. أبو سعيد الجنابي القرمطي وهو الحسن بن بهرام قبحه الله رأس القرامطة، والذي يعول عليه في بلاد البحرين وما والاها (علي بن أحمد الراسبي) كان يلي بلاد واسط إلى شهرزور وغير ذلك، وقد خلف من الأموال شيئا كثيرا، فمن ذلك ألف ألف دينار، ومن آنية الذهب والفضة نحو مائة ألف دينار، ومن البقر ألف ثور، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس. محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي الشوارب يعرف بالأحنف. كان قد ولي قضاء مدينة المنصور نيابة عن أبيه حين فلج، مات في جمادى الأولى منها. وتوفي أبوه في رجب منها، بينهما ثلاث وسبعون يوما، ودفنا في موضع واحد. وأبو بكر محمد بن هارون البردعي. الحافظ بن ناجية (٢) والله أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثمائة فيها ورد كتاب مؤنس الخادم بأنه قد أوقع بالروم بأسا شديدا، وقد أسر منهم مائة وخمسين بطريقا - أي أميرا - ففرح المسلمون بذلك. وفيها ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار، وقد ختن قبلهم ومعهم خلقا من اليتامى وأحسن إليهم بالمال والكساوى، وهذا

стр. 4117

صنيع حسن إن شاء الله. وفيها صادر المقتدر أبا علي بن الجصاص بستة عشر ألف ألف دينار (١) غير الآنية والثياب الثمينة. وفيها أدخل الخليفة أولاده إلى المكتب وكان يوما مشهودا. وفيها بنى الوزير المارستان بالحربية من بغداد، وأنفق عليه أموالا جزيلة، جزاه الله خيرا. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي. وقطعت الاعراب (٢) وطائفة من القرامطة الطريقين على الراجعين من الحجيج، وأخذوا منهم أموالا كثيرة، وقتلوا منهم خلقا وأسروا أكثر من مائتي (٣) امرأة حرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها توفي من الأعيان .. بشر بن نصر بن منصور أبو القاسم الفقيه الشافعي، من أهل مصر يعرف بغلام عرق، وعرق خادم من خدام السلطان كان يلي البريد، فقدم معه بهذا الرجل مصر فأقام بها حتى مات بها. بدعة جارية عريب المغنية، بذل لسيدتها فيها مائة ألف دينار وعشرون ألفا دينار من بعض من رغب فيها من الخلفاء فعرض ذلك عليها فكرهت مفارقة سيدتها، فأعتقتها سيدتها في موتها، وتأخرت وفاتها إلى هذه السنة، وقد تركت من المال العين والأملاك ما لم يملكه رجل. القاضي أبو زرعه محمد بن عثمان الشافعي قاضي مصر ثم دمشق، وهو أول من حكم بمذهب الشافعي بالشام وأشاعه بها وقد كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي من حين مات إلى هذه السنة. وثبت على مذهب الأوزاعي بقايا كثيرون لم يفارقوه، وكان ثقة عدلا من سادات القضاة، وكان أصله من أهل الكتاب من اليهود، ثم أسلم وصار إلى ما صار إليه. وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة فيها وقف المقتدر بالله أموالا جزيلة وضياعا على الحرمين الشريفين، واستدعى بالقضاة والأعيان، وأشهدهم على نفسه بما وقفه من ذلك. وفيها قدم إليه بجماعة من الاسرى من الاعراب الذين كانوا قد اعتدوا على الحجيج، فلم يتمالك العامة أن اعتدوا عليهم فقتلوهم، فأخذ بعضهم فعوقب لكونه افتات على السلطان. وفيها وقع حريق شديد في سوق النجارين ببغداد فأحرق السوق

стр. 4118

بكماله، وفي ذي الحجة منها مرض المقتدر ثلاث عشر يوما، ولم يمرض في خلافته مع طولها إلا هذه المرضة. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي، ولما خاف الوزير على الحجاج القرامطة كتب إليهم رسالة ليشغلهم بها، فاتهمه بعض الكتاب بمراسلته القرامطة، فلما انكشف أمره وما قصده حظي بذلك عند الناس جدا. وممن توفي من الأعيان .. النسائي أحمد بن علي ابن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، الامام في عصره والمقدم على أضرابه وأشكاله وفضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، واشتغل بسماع الحديث والاجتماع بالأئمة الحذاق، ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة. قد ذكرناهم في كتابنا التكميل وترجمناه أيضا هنالك، وروى عنه خلق كثير، وقد جمع السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات. وقد وقع لي سماعهما. وقد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان وصدق وإيمان وعلم وعرفان. قال الحاكم عن الدارقطني: أبو عبد الرحمن النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره، وكان يسمي كتابه الصحيح. وقال أبو علي الحافظ: للنسائي شرط في الرجل أشد من شرط مسلم بن الحجاج، وكان من أئمة المسلمين. وقال أيضا: هو الامام في الحديث بلا مدافعة. وقال أبو الحسين محمد بن مظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون له بالتقدم والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والجهاد. وقال غيره: كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان له أربع زوجات وسريتان، وكان كثير الجماع، حسن الوجه مشرق اللون. قالوا: وكان يقسم للاماء كما يقسم للحرائر. وقال الدارقطني: كان أبو بكر بن الحداد كثير الحديث ولم يرو عن أحد سوى النسائي وقال: رضيت به حجة فيما بيني وبين الله . وقال ابن يونس: كان النسائي إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، كان خروجه من مصر في سنة ثنتين وثلاثمائة. وقال ابن عدي: سمعت منصورا الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين، وكذلك أثنى عليه غير واحد من الأئمة وشهدوا له بالفضل والتقدم في هذا الشأن. وقد ولي الحكم بمدينة حمص. سمعته من شيخنا المزي عن رواية الطبراني في معجمه الأوسط حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحمص. وذكروا أنه كان له من النساء أربع نسوة، وكان في غاية الحسن، وجهه كأنه قنديل، وكان يأكل في كل يوم ديكا ويشرب عليه نقيع الزبيب الحلال، وقد قيل عنه: إنه كان ينسب إليه شئ من التشيع. قالوا: ودخل إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشئ من فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه (١) حتى أخرج من

стр. 4119

المسجد الجامع، فسار من عندهم إلى مكة فمات بها في هذه السنة، وقبره بها هكذا حكاه الحاكم عن محمد بن إسحاق الأصبهاني عن مشايخه. وقال الدارقطني: كان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، فتوفي بمكة مقتولا شهيدا، مع ما رزق من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره، مات بمكة سنة ثلاث وثلاثمائة. قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة في تقييده ومن خطه نقلت ومن خط أبي عامر محمد بن سعدون العبدري الحافظ: مات أبو عبد الرحمن النسائي بالرملة مدينة فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، ودفن ببيت المقدس. وحكى ابن خلكان: أنه توفي في شعبان من هذه السنة، وأنه إنما صنف الخصائص في فضل علي وأهل البيت، لأنه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة ثنتين وثلاثمائة عندهم نفرة من علي، وسألوه عن معاوية فقال ما قال، فدققوه في خصيتيه فمات. وهكذا ذكر ابن يونس وأبو جعفر الطحاوي: إنه توفي بفلسطين في صفر من هذه السنة، وكان مولده في (١) سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومائتين تقريبا عن قوله، فكان عمره ثمانيا وثمانين سنة. الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، أبو العباس الشيباني النسوي، محدث خراسان، وقد كان يضرب إليه آباط الإبل في معرفة الحديث والفقه. رحل إلى الآفاق وتفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه، وأخذ الأدب عن أصحاب النضر بن شميل، وكانت إليه الرحلة بخراسان. ومن غريب ما اتفق له: أنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم إلى الحديث، فضاق عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئا، ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرهم الحال إلى تجشم السؤال، وأنفت أنفسهم من ذلك وعزت عليهم وامتنعت كل الامتناع، والحاجة تضطرهم إلى تعاطي ذلك، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بأعباء هذا الامر، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان هذا، فقام عنهم فاختلى في زاوية المسجد الذي هم فيه فصلى ركعتين أطال فيهما واستغاث بالله ، وسأله بأسمائه العظام، فما انصرف من الصلاة حتى دخل عليهم المسجد شاب حسن الهيئة مليح الوجه فقال: أين الحسن بن سفيان؟ فقلت: أنا. فقال: الأمير طولون يقرأ عليكم السلام ويعتذر إليكم في تقصيره عنكم، وهذه مائة دينار لكل واحد منكم. فقلنا له: ما الحامل له على ذلك؟ فقال: إنه أحب أن يختلي اليوم بنفسه، فبينما هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء بيده رمح فدخل عليه منزله ووضع عقب الرمح في خاصرته فوكزه وقال: قم فأدرك

стр. 4120

الحسن بن سفيان وأصحابه، قم فأدركهم، قم فأدركهم، فإنهم منذ ثلاث جياع في المسجد الفلاني. فقال له: من أنت؟ فقال أنا رضوان خازن الجنة. فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألما شديدا، فبعث بالنفقة في الحال إليكم. ثم جاء لزيارتهم واشترى ما حول ذلك المجلس ووقفه على الواردين عليه من أهل الحديث، جزاه الله خيرا. وقد كان الحسن بن سفيان ﵀ من أئمة هذا الشأن وفرسانه وحفاظه، وقد اجتمع عنده جماعة من الحفاظ منهم ابن جرير الطبري وغيره، فقرأوا عليه شيئا من الحديث وجعلوا يقلبون الأسانيد ليستعلموا ما عنده من العلم فما قلبوا شيئا من الاسناد إلا ردهم فيه إلى الصواب، وعمره إذ ذاك سبعون سنة، وهو في هذا السن حافظ ضابط لا يشذ عنه شئ من حديثه. ومن فوائده العبسي كوفي، والعيشي بصري، والعنسي مصري (١). رويم بن أحمد ويقال ابن محمد بن رويم بن يزيد، أبو الحسن، ويقال أبو محمد، أحد أئمة الصوفية، كان عالما بالقرآن ومعانيه، وكان يتفقه على مذهب داود بن علي الظاهري، قال بعضهم: كان رويم يكتم حب الدنيا أربعين سنة، ومعناه أنه تصوف أربعين سنة، ثم لما ولي إسماعيل بن إسحاق القضاء ببغداد جعله وكيلا في بابه، فترك التصوف ولبس الخز والقصب والديبقي وركب الخيل وأكل الطيبات وبنى الدور. زهير بن صالح بن الإمام أحمد بن حنبل روى عن أبيه وعنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد، كان ثقة، مات وهو شاب، قاله الدارقطني. أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة، واسمه محمد بن عبد الوهاب أبو علي الجبائي شيخ طائفة الاعتزال في زمانه، وعليه اشتغل أبو الحسن الأشعري ثم رجع عنه، وللجبائي تفسير حافل مطول، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد رد عليه الأشعري فيه وقال: وكأن القرآن نزل في لغة أهل جباء (٢). كان مولده في سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات في هذه السنة.

стр. 4121

أبو الحسن بن بسام الشاعر واسمه علي بن أحمد (١) بن منصور (٢) بن نصر بن بسام البسامي الشاعر المطبق للهجاء، فلم يترك أحدا حتى هجاه، حتى أباه وأمه أمامة بنت حمدون النديم. وقد أورد له ابن خلكان أشياء كثيرة من شعره، فمن ذلك قوله في تخريب المتوكل قبر الحسين بن علي وأمره بأن يزرع ويمحى رسمه، وكان شديد التحامل على علي وولده. فلما وقع ما ذكرناه في سنة ست وثلاثين ومائتين. قال ابن بسام هذا في ذلك: تالله إن كانت أمية قد أتت … قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله … هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة فيها (٣) عزل المقتدر وزيره أبا الحسن علي بن عيسى بن الجراح، وذلك لأنه وقعت بينه وبين أم موسى القهرمانة نفرة شديدة، فسأل الوزير أن يعفى من الوزارة فعزل ولم يتعرضوا لشئ من أملاكه. وطلب أبو الحسن بن الفرات فأعيد إلى الوزارة بعد عزله عنها خمس سنين، وخلع عليه الخليفة يوم التروية سبع خلع، وأطلق إليه ثلاثمائة ألف درهم، وعشرة تخوت ثياب، ومن الخيل والبغال والجمال شئ كثير، وأقطع الدار التي بالحريم فسكنها، وعمل فيها ضيافة تلك الليلة فسقى فيها أربعين ألف رطل من الثلج، وفي نصف هذه السنة اشتهر ببغداد أن حيوانا يقال له الزرنب (٤) يطوف بالليل يأكل الأطفال من الأسرة ويعدو على النيام فربما قطع يد الرجل وثدي المرأة وهو نائم. فجعل الناس يضربون على أسطحتهم على النحاس من الهواوين وغيرها ينفرونه عنهم، حتى كانت بغداد بالليل ترتج من شرقها وغربها، واصطنع الناس لأولادهم مكبات من السعف وغيرها، واغتنمت اللصوص هذه الشوشة فكثرت النقوب وأخذت الأموال، فأمر الخليفة بأن يؤخذ حيوان من كلاب الماء فيصلب على الجسر ليسكن الناس عن ذلك، ففعلوا فسكن الناس ورجعوا إلى أنفسهم، واستراح الناس من ذلك. وفيها قلد ثابت بن سنان الطبيب أمر المارستان ببغداد في هذه السنة، وكانت خمسا، وكان هذا الطبيب مؤرخا. وفيها ورد كتاب من خراسان بأنهم وجدوا قبور

стр. 4122

شهداء قد قتلوا في سنة سبعين من الهجرة مكتوبة أسماؤهم في رقاع مربوطة في آذانهم، وأجسادهم طرية كما هي، ﵃. وفيها توفي من الأعيان .. لبيد بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن صالح ابن عبد الله بن الحصين بن علقمة بن نعيم بن عطارد بن حاجب، أبو الحسن التميمي الملقب فروجة، قدم بغداد وحدث بها، وكان ثقة حافظا. يوسف بن الحسين بن علي أبو يعقوب الرازي، سمع أحمد بن حنبل وصحب ذا النون، وكان قد بلغه أن ذا النون يحفظ اسم الله الأعظم فقصده ليعلمه إياه، قال: فلما وردت عليه استهان بي وكانت لي لحية طويلة ومعي ركوة طويلة. فجاء رجل يوما فناظر ذا النون فأسكت ذا النون، فقلت له: دع الشيخ وأقبل علي. فأقبل فناظرته فأسكته، فقام ذو النون فجلس بين يدي وهو شيخ وأنا شاب، ثم اعتذر إلي. فخدمته سنة ثم سألته أن يعلمني الاسم الأعظم، فلم يبعد مني ووعدني، فمكثت عنده بعد ذلك ستة أشهر، ثم أخرج إلى طبقا عليه مكبة مستورا بمنديل، فقال لي: اذهب بهذا الطبق إلى صاحبنا فلان، قال: فجعلت أفكر في الطريق ما هذا الذي أرسلني به؟ فلما وصلت الجسر فتحته فإذا فأرة ففرت وذهبت، فاغتظت غيظا شديدا، وقلت: ذو النون سخر بي، فرجعت إليه وأنا حنق فقال لي: ويحك إنما اختبرتك، فإذا لم تكن أمينا على فأرة فأن لا تكون أمينا على الاسم الأعظم بطريق الأولى، اذهب عني فلا أراك بعدها. وقد رئي أبو الحسين الرازي هذا في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بقولي عند الموت: اللهم إني نصحت الناس قولا وخنت نفسي فعلا. فهب خيانة فعلي لنصح قولي (١). يموت بن المزرع بن يموت أبو بكر العبدي بن عبد القيس، وهو ثوري، وهو ابن أخت الجاحظ. قدم بغداد وحدث بها عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي (٢)، وكان صاحب أخبار وآداب

стр. 4123

وملح وقد غير اسمه بمحمد فلم يغلب عليه إلا الأول، وكان إذا ذهب يعود مريضا فدق الباب فقالوا: من؟ فيقول ابن المزرع ولا يذكر اسمه لئلا يتفاءلوا به (١). ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائة فيها قدم رسول (٢) ملك الروم في طلب المفاداة والهدنة، وهو شاب حدث السن، ومعه شيخ منهم وعشرون غلاما، فلما قدم بغداد شاهد أمرا عظيما جدا، وذلك أن الخليفة أمر الجيش والناس بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الأعداء، فركب الجيش بكماله وكان مائة ألف وستين ألفا، ما بين فارس وراجل، غير العساكر الخارجة في سائر البلاد مع نوابها، فركبوا في الأسلحة والعدد التامة، وغلمان الخليفة سبعة آلاف، أربعة آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، وهم في غاية الملابس والعدد والحلي، والحجبة يومئذ سبعمائة حاجب، وأما الطيارات التي بدجلة والزيارب والسمريات فشئ كثير مزينة، فحين دخل الرسول دار الخلافة انبهر وشاهد أمرا أدهشه، ورأى من الحشمة والزينة والحرمة ما يبهر الابصار، وحين اجتاز بالحاجب ظن أنه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب، فمر بالوزير في أبهته فظنه الخليفة فقيل له: هذا الوزير. وقد زينت دار الخلافة بزينة لم يسمع بمثلها، كان فيها من الستور يومئذ ثمانية وثلاثون ألف ستر، منها عشرة آلاف وخمسمائة ستر مذهبة، وقد بسط فيها اثنان وعشرون ألف بساط لم ير مثلها، وفيها من الوحوش قطعان متآنسة بالناس، تأكل من أيديهم ومائة سبع من السباعة، ثم أدخل إلى دار الشجرة، وهي عبارة عن بركة فيها ماء صاف وفي وسط ذلك الماء شجرة من ذهب وفضة لها ثمانية عشر غصنا أكثرها من ذهب، وفي الأغصان الشماريخ والأوراق الملونة من الذهب والفضة والآلي واليواقيت، وهي تصوت بأنواع الأصوات من الماء المسلط عليها، والشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الأشجار بحركات عجيبة تدهش من يراها، ثم أدخل إلى مكان يسمونه الفردوس، فيه من أنواع المفارش والآلات ما لا يحد ولا يوصف كثرة وحسنا. وفي دهاليزه ثمانية عشر ألف جوشن مذهبة. فما زال كلما مر على مكان أدهشه وأخذ ببصره حتى انتهى إلى المكان الذي فيه الخليفة المقتدر بالله، وهو جالس على سرير من آبنوس، قد فرش بالديبقي المطرز بالذهب، وعن يمين السرير سبعة عشر عنقود معلقة، وعن يساره مثلها وهي جوهر من أفخر الجواهر، كل جوهرة يعلو ضوؤها على ضوء النهار، ليس لواحدة منها قيمة ولا يستطاع ثمنها، فأوقف الرسول الذين معه بين يدي الخليفة على نحو من مائة ذراع، والوزير علي بن محمد بن الفرات واقف بين يدي الخليفة، والترجمان دون الوزير، والوزير يخاطب الترجمان والترجمان

стр. 4124

يخاطبهما، فلما فرغ منهما خلع عليهما وأطلق لهما خمسين سقرقا في كل سقرق خمسة آلاف درهم، وأخرجا من بين يديه وطيف بهما في بقية دار الخلافة، وعلى حافات دجلة الفيلة والزرافات والسباع والفهود وغير ذلك، ودجلة داخلة في دار الخلافة، وهذا من أغرب ما وقع من الحوادث في هذه السنة. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي. وفيها توفي من الأعيان .. محمد بن أحمد أبو موسى النحوي الكوفي المعروف بالجاحظ، صحب ثعلبا أربعين سنة خلفه في حلقته، وصنف غريب الحديث، وخلق الانسان، والوحوش والنبات، وكان دينا صالحا، روى عنه أبو عمر الزاهد. توفي ببغداد في ذي الحجة منها، ودفن بباب التين. وعبد الله شيرويه (١) الحافظ، وعمران بن مجاشع (٢)، وأبو خليفة الفضل بن الحباب (٣). وقاسم بن زكريا بن يحيى المطرز المقري أحد الثقات الاثبات، سمع أبا كريب، وسويد بن سعيد، وعنه الخلدي وأبو الجعابي توفي ببغداد … ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة في أول يوم من المحرم فتح المارستان الذي بنته السيدة أم المقتدر وجلس فيه سنان بن ثابت ورتبت فيه الأطباء والخدم والقومة، وكانت نفقته في كل شهر ستمائة دينار، وأشار سنان على الخليفة ببناء مارستان، فقبل منه وبناه وسماه المقتدري. وفيها وردت الاخبار عن أمراء الصوائف بما فتح الله عليهم من الحصون في بلاد الروم. وفيها رجفت العامة وشنعوا بموت المقتدر، فركب في الجحافل حتى بلغ الثريا ورجع من باب العامة ووقف كثيرا ليراه الناس، ثم ركب إلى الشماسية وانحدر إلى دار الخلافة في دجلة فسكنت الفتن. وفيها قلد المقتدر حامد بن العباس الوزارة وخلع عليه وخرج من عنده وخلفه أربعمائة غلام لنفسه، فمكث أياما (٤) ثم تبين عجزه عن القيام بالأمور فأضيف إليه

стр. 4125

علي بن عيسى لينفذ الأمور وينظر معه في الأعمال، وكان أبو علي بن مقلة ممن يكتب أيضا بحضرة حامد بن العباس الوزير، ثم صارت المنزلة كلها لعلي بن عيسى، واستقل بالوزارة في السنة الآتية (١). وفيها أمرت السيدة أم المقتدر قهرمانة لها تعرف بتملي (٢) أن تجلس بالتربة التي بنتها بالرصافة في كل يوم جمعة وأن تنظر في المظالم التي ترفع إليها في القصص، ويحضر في مجلسها القضاة والفقهاء. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي (٣). وفيها توفي: إبراهيم بن أحمد بن الحارث أبو القاسم الكلابي الشافعي، سمع الحارث بن مسكين وغيره، وكان رجلا صالحا، تفقه على مذهب الشافعي وكان يحب الخلوة والانقباض، توفي في شعبان منها. أحمد بن الحسن الصوفي أحد مشايخ الحديث المكثرين المعمرين (٤) أحمد بن عمر بن سريج (٥) أبو العباس القاضي بشيراز، صنف نحو أربعمائة مصنف، وكان أحد أئمة الشافعية، ويلقب بالباز الأشهب، أخذ الفقه عن أبي قاسم الأنماطي وعن أصحاب الشافعي، كالمزني وغيره، وعنه انتشر مذهب الشافعي في الآفاق، وقد ذكرنا ترجمته في الطبقات. توفي في جمادي الأولى منها عن سبع وخمسين سنة وستة أشهر. قال ابن خلكان: توفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الأول وعمره سبع وخمسون سنة وثلاث أشهر، وقبره يزار. أحمد بن يحيى أبو عبد الله الجلاء بغدادي، سكن الشام وصحب أبا تراب النخشبي، وذا النون المصري،

стр. 4126

روى أبو نعيم بسنده عنه قال: قلت لأبوي وأنا شاب: إني أحب أن تهباني لله . فقالا: قد وهبناك لله. فغبت عنهما مدة طويلة ثم رجعت إلى بلدنا عشاء في ليلة مطيرة، فانتهيت إلى الباب فدفعته فقالا: من هذا؟ فقلت: أنا ولدكما فلان، فقالا: إنه قد كان لنا ولد ووهبناه لله ، ونحن من العرب لا نرجع فيما وهبنا. ولم يفتحا لي الباب. الحسن بن يوسف بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي أبو يعلى، وهو أخو القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، كان إليه ولاية القضاء بالأردن. عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد أبو محمد الجواليقي القاضي، المعروف بعبدان، الأهوازي، ولد سنة ست عشرة ومائتين، كان أحد الحفاظ الاثبات، يحفظ مائة ألف حديث، جمع المشايخ والأبواب، روى عن هدبة وكامل بن طلحة وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي وغيرهم. محمد بن بابشاذ أبو عبيد الله البصري سكن بغداد وحدث بها عن عبيد الله بن معاذ العنبري وبشر بن معاذ العقدي وغيرهما، وفي حديثه غرائب ومناكير. توفي في شوال منها. محمد بن الحسين بن شهريار أبو بكر القطان البلخي الأصل، روى عن الفلاس وبشر بن معاذ. وعنه أبو بكر الشافعي ومحمد بن عمر بن الجعابي. كذبه ابن ناجية. وقال الدارقطني: ليس به بأس. محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد أبو بكر الضبي القاضي المعروف بوكيع، كان عالما فاضلا عارفا بأيام الناس، فقيها قارئا نحويا، له مصنفات منها كتاب عدد آي القرآن ولي القضاء بالأهواز. وحدث عن الحسن بن عرفة والزبير بن بكار وغيرهما، وعنه أحمد بن كامل وأبو علي الصواف وغيرهما. ومن شعره الجيد: إذا ما غدت طلابة العلم تبتغي … من العلم يوما ما يخلد في الكتب غدوت بتشمير وجد عليهم … ومحبرتي أذني ودفترها قلبي

стр. 4127

منصور بن إسماعيل بن عمر أبو الحسن الفقير، أحد أئمة الشافعية، وله مصنفات في المذهب، وله الشعر الحسن. قال ابن الجوزي: ويظهر في شعره التشيع، وكان جنديا ثم كف بصره وسكن الرملة، ثم قدم مصر ومات بها. أبو نصر المحب أحد مشايخ الصوفية، كان له كرم وسخاء ومروءة، ومر بسائل سأل وهو يقول: شفيعي إليكم رسول الله ﷺ ، فشق أبو نصر إزاره وأعطاه نصفه، ثم مشى خطوتين ثم رجع إليه فأعطاه النصف الآخر وقال: هذا نذالة. ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة في صفر منها وقع حريك بالكرخ في الباقلانتين، هلك فيه خلق كثير من الناس. وفي ربيع الآخر منها دخل بأسارى من الكرخ نحو مائة وخمسين أسيرا أنقذهم الأمير بدر الحماني. وفي ذي القعدة منها انقض كوكب عظيم غالب الضوء وتقطع ثلاث قطع (١)، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم. ذكره ابن الجوزي. وفيها دخلت القرامطة إلى البصرة فأكثروا فيها الفساد. وفيها عزل حامد بن العباس عن الوزارة وأعيد إليها أبو الحسن بن الفرات المرة الثالثة. وفيها كسرت العامة أبواب السجون فأخرجوا من كان بها وأدركت الشرطة من أخرجوا من السجن فلم يفتهم أحد منهم بل ردوا إلى السجون. وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو أم موسى القهرمانة (٢). وفيها توفي من الأعيان .. أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، سمع الإمام أحمد بن حنبل وطبقته، وكان حافظا خيرا حسن التصنيف عدلا فيما يرويه، ضابطا لما يحدث به.

стр. 4128

إسحاق بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن سلمة أبو يعقوب البزار الكوفي، رحل إلى الشام ومصر، وكتب الكثير وصنف المسند، واستوطن بغداد، وكان من الثقات، روى عنه ابن المظفر الحافظ، قدم بغداد روى عنه الطبراني والأزدي وغيرهما من الحفاظ، وكان ثقة حافظا عارفا. توفي بحلب في هذه السنة. زكريا بن يحيى الساجي الفقيه المحدث شيخ أبي الحسن الأشعري في السنة والحديث. علي بن سهل بن الأزهر أبو الحسن الأصبهاني، كان أولا مترفا ثم صار زاهدا عابدا يبقى الأيام لا يأكل فيها شيئا، وكان يقول: ألهاني الشوق إلى الله عن الطعام والشراب. وكان يقول: أنا لا أموت كما يموتون بالأعلال والأسقام، إنما هو دعاء وإجابة، أدعى فأجيب. فكان كما قال، بينما هو جالس في جماعة إذ قال: لبيك ووقع ميتا. محمد بن هارون الروياني (١) صاحب المسند. وابن دريج (٢) العكبري. والهيثم بن خلف (٣). ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائة فيها غلت الأسعار في هذه السنة ببغداد فاضطربت العامة وقصدوا دار حامد بن العباس الذي ضمن براثى من الخليفة فغلت الأسعار بسبب ذلك، وعدوا في ذلك اليوم - وكان يوم الجمعة - على الخطيب، فمنعوه الخطبة وكسروا المنابر وقتلوا الشرطة وحرقوا جسورا كثيرة، فأمر الخليفة بقتال العامة ثم نقض الضمان الذي كان حامد بن العباس ضمنه فانحطت الأسعار، وبيع الكر بناقص خمسة دنانير، فطابت أنفس الناس بذلك وسكنوا (٤). وفي تموز منها وقع برد شديد جدا حتى نزل الناس عن الأسطحة وتدثروا باللحف والأكسية، ووقع في شتاء هذه السنة بلغم عظيم، وكان فيها

стр. 4129

برد شديد جدا بحيث أضر ذلك ببعض النخيل. وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو القهرمانة. وفيها توفي من الأعيان. إبراهيم بن سفيان الفقيه راوي صحيح مسلم عنه. أحمد بن الصلت ابن المغلس أبو العباس الحماني أحد الوضاعين للأحاديث، روى عن خاله جبارة بن المغلس وأبي نعيم ومسلم بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم: أحاديث كلها وضعها هو في مناقب أبي حنيفة وغير ذلك. وحكى عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وبشر بن الحارث أخبارا كلها كذب. قال أبو الفرج بن الجوزي: قال لي محمد بن أبي الفوارس: كان أحمد بن الصلت يضع الحديث. إسحاق بن أحمد الخزاعي (١). والمفضل الجندي (٢). وعبد الله بن محمد بن وهب الدينوري (٣). وعبد الله بن ثابت بن يعقوب أبو عبد الله المقري النحوي التوزي، سكن بغداد، وروى عن عمرو بن شبة، وعنه أبو عمرو بن السماك. ومن شعره الجيد: إذا لم تكن حافظا واعيا … فعلمك في البيت لا ينفع وتحضر بالجهل في مجلس … وعلمك في الكتب مستودع ومن يك في دهره هكذا … يكن دهره القهقرى يرجع

стр. 4130

ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة فيها وقع حريق كثير في نواحي بغداد (١) بسبب زنديق قتل فألقى من كان من جهته الحريق في أماكن كثيرة، فهلك سبب ذلك خلق كثير من الناس. وفي جمادى الأولى منها قلد المقتدر مؤنس الخادم بلاد مصر والشام ولقبه المظفر. وأمر بكتب ذلك في المراسلات إلى الآفاق. وفي ذي القعدة منها أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إلى دار الوزير عيسى بن علي لمناظرة الحنابلة في أشياء نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحد منهم. وفيها قدم الوزير حامد بن العباس للخليفة بستانا بناه وسماه الناعورة قيمته مائة ألف دينار، وفرش مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة. وفيها كان مقتل الحسين بن منصور الحلاج، ولنذكر شيئا من ترجمته وسيرته، وكيفية قتله على وجه الايجاز وبيان المقصود بطريق الانصاف والعدل، من غير تحمل ولا هوى ولا جور. ترجمة الحلاج ونحن نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يكن قاله، أو نتحمل عليه في أقواله وأفعاله، فنقول: هو الحسين بن منصور بن محمى الحلاج أبو مغيث، ويقال أبو عبد الله، كان جده مجوسيا اسمه محمى من أهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء، ونشأ بواسط، ويقال بتستر، ودخل بغداد وتردد إلى مكة وجاور بها في وسط المسجد في البرد والحر، مكث على ذلك سنوات متفرقة، وكان يصابر نفسه ويجاهدها، ولا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد الحرام، ولا يأكل إلا بعض قرص ويشرب قليلا من الماء معه وقت الفطور مدة سنة كاملة، وكان يجلس على صخرة في شدة الحر في جبل أبي قبيس، وقد صحب جماعة من سادات المشايخ الصوفية، كالجنيد بن محمد، وعمرو بن عثمان المكي، وأبي الحسين النوري. قال الخطيب البغدادي: والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم، وأبى أن يعده فيهم، وقبله من متقدميهم أبو العباس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشيرازي، وإبراهيم بن محمد النصراباذي النيسابوري، وصححوا له حاله، ودونوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني. وقال أبو عبد الرحمن السلمي - واسمه محمد بن الحسين - سمعت إبراهيم بن محمد النصراباذي وعوتب في شئ حكي عن الحلاج في الروح فقال للذي عاتبه: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج. قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا، إلا أنه أظهر وكتمت. وقد روي عن الشبلي من وجه آخر أنه قال، وقد رأى الحلاج مصلوبا: ألم أنهك عن العالمين؟ قال الخطيب: والذين نفوه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في

стр. 4131

فعله، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده. قال: وله إلى الآن أصحاب ينسبون إليه ويغالون فيه ويغلون. وقد كان الحلاج في عبارته حلو المنطق، وله شعر على طريقة الصوفية. قلت: لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره. فأما الفقهاء فحكي عن غير واحد من العلماء والأئمة إجماعهم على قتله، وأنه قتل كافرا، وكان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه. ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه، وغرهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه ولا باطن قوله، فإنه كان في ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وسلوك، ولكن لم يكن له علم ولا بنى أمره وحاله على تقوى من الله ورضوان. فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. وقال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى، ولهذا دخل على الحلاج الحلول والاتحاد (١)، فصار من أهل الانحلال والانحراف. وقد روي من وجه أنه تقلبت به الأحوال وتردد إلى البلدان، وهو في ذلك كله يظهر للناس أنه من الدعاة إلى الله . وصح أنه دخل إلى الهند وتعلم بها السحر وقال: أدعو به إلى الله، وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث - أي أنه من رجال المغيث - ويكاتبه أهل سركسان بالمقيت. ويكاتبه أهل خراسان بالمميز، وأهل فارس بأبي عبد الله الزاهد. وأهل خوزستان بأبي عبد الله الزاهد حلاج الاسرار. وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم وأهل البصرة يقولون له: المحير، ويقال إنما سماه الحلاج أهل الأهواز لأنه كان يكاشفهم عن ما في ضمائرهم، وقيل لأنه مرة قال لحلاج: أذهب لي في حاجة كذا وكذا، فقال: إني مشغول بالحلج، فقال: اذهب فأنا أحلج عنك، فذهب ورجع سريعا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال إنه أشار بالمرود فامتاز الحب عن القطن، وفي صحة هذا ونسبته إليه نظر، وإن كان قد جرى مثل هذا، فالشياطين تعين أصحابها ويستخدمونهم. وقيل لان أباه كان حلاجا. ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة، منها شعره في ذلك فمن ذلك قوله: جبلت روحك في روحي كما … يجبل العنبر بالمسك الفنق فإذا مسك شئ مسني … وإذا أنت أنا لا نفترق وقوله: مزجت روحك في روحي كما … تمزج الخمرة بالماء الزلال فإذا مسك شئ مسني … فإذا أنت أنا في كل حال وقوله أيضا: قد تحققتك في سري … فخاطبك لساني

стр. 4132

فاجتمعنا لمعان … وافترقنا لمعان إن يكن غيبك التعظيم … عن لحظ العيان فلقد صيرك الوجد … من الأحشاء دان وقد أنشد لابن عطاء قول الحلاج: أريدك لا أريدك للثواب … ولكني أريدك للعقاب وكل مأربي قد نلت منها … سوى ملذوذ وجدي بالعذاب فقال ابن عطاء: قال هذا ما تزايد به عذاب الشغف وهيام الكلف، واحترق الأسف، فإذا صفا ووفا علا إلى مشرب عذب وهاطل من الحق دائم سكب. وقد أنشد لأبي عبد الله بن خفيف قول الحلاج: سبحان من أظهر نا سوته … سرسنا لا هوته الثاقب ثم بدا في خلقه ظاهرا … في صورة الآكل والشارب حتى قد عاينه خلقه … كلحظة الحاجب بالحاجب فقال ابن خفيف: علا من يقول هذا لعنه الله؟ فقيل له: إن هذا من شعر الحلاج، فقال: قد يكون مقولا عليه. وينسب إليه أيضا: أوشكت (١) تسأل عني كيف كنت … وما لاقيت بعدك من هم وحزن لا كنت إن كنت أدري كيف كنت … ولا لا كنت أدري كيف لم أكن قال ابن خلكان: ويروى لسمنون لا للحلاج. ومن شعره أيضا قوله: متى سهرت عيني لغيرك أو بكت … فلا أعطيت (٢) ما أملت وتمنت وإن أضمرت نفسي سواك فلا زكت (٣) … رياض المنى من وجنتيك وجنت ومن شعره أيضا: دنيا تغالطني كأني … لست أعرف حالها حظر المليك حرامها … وأن احتميت حلالها فوجدتها محتاجة … فوهبت لذتها لها وقد كان الحلاج يتلون في ملابسه، فتارة يلبس لباس الصوفية وتارة يتجرد في ملابس زرية،

стр. 4133

وتارة يلبس لباس الأجناد ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والأجناد. وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة وبيده ركوة وعكازة وهو سائح فقال له: ما هذه الحالة يا حلاج؟ فأنشأ يقول: لئن أمسيت في ثوبي عديم … لقد بليا على حر كريم فلا يغررك أن أبصرت حالا … مغيرة عن الحال القديم فلي نفس ستتلف أو سترقى … لعمرك بي إلى أمر جسيم ومن مستجاد كلامه وقد سأله رجل أن يوصيه بشئ ينفعه الله به. فقال: عليك نفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك عن الحق. وقال له رجل: عظني. فقال: كن مع الحق بحكم ما أوجب. وروى الخطيب بسنده إليه أنه قال: علم الأولين والآخرين مرجعه إلى أربع كلمات: حب الجليل وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل. قلت: وقد أخطأ الحلاج في المقامين الأخيرين، فلم يتبع التنزيل ولم يبق على الاستقامة بل تحول عنها إلى الاعوجاج والبدعة والضلالة، نسأل الله العافية. وقال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكي: أنه قال: كنت أماشي الحلاج في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا، ففارقته. قال الخطيب: وحدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول: الناس فيه - يعني حسين بن منصور الحلاج - بين قبول ورد ولكن سمعت محمد بن يحيى الرازي يقول: سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي. فقلت له: إيش الذي وجد الشيخ عليه؟ قال قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به. قال أبو زرعة الطبري: وسمعت أبا يعقوب الأقطع يقول: زوجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيث كافر. قلت: كان تزويجه إياها بمكة، وهي أم الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع فأولدها ولده أحمد بن الحسين بن منصور، وقد ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريق الخطيب. وذكر أبو القاسم القشيري في رسالته في باب حفظ قلوب المشايخ: أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئا في أوراق فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها، وأنكر على أبي يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته. وكتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتابا كثيرة يلعنه فيها ويحذر الناس منه، فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالا، وجعل يظهر أنه يدعو إلى الله ويستعين بأنواع من الحيل، ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشرع الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، والله أعدل من أن يسلطه على صديق. كيف وقد تهجم على القرآن العظيم، وقد أراد معارضته في البلد الحرام حيث نزل به جبريل، وقد قال تعالى (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) [الحج: ٢٥] ولا إلحاد أعظم من هذا. وقد أشبه الحلاج كفار قريش

стр. 4134

في معاندتهم، كما قال تعالى عنهم (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) [الأنفال: ٣١]. أشياء من حيل الحلاج روى الخطيب البغدادي: أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة الخير، إنه لا ينفعني شئ مما تفعلون، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وصفته كذا وكذا، وقال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت. فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن. فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمي فمكث حينا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زمن، فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شئ، فقال لهم: يا جماعة الخير هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج شيئا وأنا قد رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول لي: إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وكانوا أولا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه كان في الوقت الذي ذكر لهم، واتفق هو والحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا وعليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد ولزم سارية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه وتمسحون به، ثم جاؤوا إلى ذلك الزمن المتعافى فأخبره بخبره، فقال: صفوه لي، فوصفوه له فقال: هذا الذي أخبرني عنه رسول الله ﷺ في المنام، وأن شفائي على يديه، اذهبوا بي إليه. فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام. ثم ذكر له رؤياه، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شئ والناس حضور، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من الباطل والزور. ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم. فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الابدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، ويحجون ويتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك، فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى. صدق الشيخ، قد رد الله علي بصري ومن الله علي بالعافية، لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الابدال

стр. 4135

والصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم. ثم إن الحلاج خرج عنهم ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب والفضة، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال. وروي عن بعظهم قال: كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي: تشتهي على الساعة شيئا؟ فقلت: أشتهي سمكا طريا. فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج علي ومعه سمكة تضطرب ورجلاه عليهما الطين. فقال: دعوت الله فأمرني أن آتي البطائح لآتيك بهذه السمكة، فخضت الأهواز وهذا الطين منها فقلت: إن شئت أدخلتني منزلك حتى أنظر ليقوى يقيني بذلك، فإن ظهرت على شئ وإلا آمنت بك. فقال: ادخل، فدخلت فأغلق علي الباب وجلس يراني. فدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره، فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا أنا بتأزيرة - وكان مؤزرا بإزار ساج - فحركتها فانفلقت فإذا هي باب منذ فدخلته فأفضى بي إلى بستان هائل، فيه من سائر الثمار الجديدة والعتيقة، قد أحسن إبقاءها. وإذا أشياء كثيرة معدودة للاكل، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار وكبار، فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجلي من الطين مثل الذي نال رجليه، فجئت إلى الباب فقلت: افتح قد آمنت بك فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني. فضربته بالسمكة في وجهه وقلت: يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم. ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكني وقال: لا تفش ما رأيت لاحد وإلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك. قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب. وقال الحلاج يوما لرجل: آمن بي حتى أبعث لك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة فتضعه على كذا منا من نحاس فيصير ذهبا. فقال له الرجل: آمن أنت بي حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه إلى السماء، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك. قال: فبهت وسكت. ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه ويظهر أشياء من المخاريق والشعوذة وغيرها من الأحوال الشيطانية، وأكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم وضعف تمييزهم بين الحق والباطل. وقد استدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الايمان به فقال له الرافضي: إني رجل أحب النساء وإني أصلع الرأس، وقد شبت، فإن أنت أذهبت عني هذا وهذا آمنت بك وأنك الامام المعصوم، وإن شئت قلت إنك نبي، وإن شئت قلت إنك أنت الله. قال: فبهت الحلاج ولم يحر إليه جوابا. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: كان الحلاج متلونا تارة يلبس المسوح، وتارة يلبس الدراعة، وتارة يلبس القباء، وهو مع كل قوم على مذهبهم: إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقا أو غيرهم، ولما أقام بالأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة، فسئل الشيخ أبو علي الجبائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يناهل البشر بالحيلة، ولكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك. فلما بلغ ذلك الحلاج تحول من الأهواز. قال
следующие страницы →