← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

محمد بن إبراهيم ابن الحسين بن الحسن بن عبد الخلاق أبو الفرج البغدادي الفقيه الشافعي يعرف بابن سكره سكن مصر وحدث بها وسع منه أبو الفتح بن مسرور، وذكر أن فيه لينا. محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون بن الرشيد هارون أبو بكر، ولي إمرة مكة في سنة ثمان وستين ومائتين، وقدم مصر فحدث بها عن علي بن عبد العزيز البغوي بموطأ مالك. وكان ثقة مأمونا توفي بمصر في ذي الحجة منها. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة فيها كانت وقعة بين سيف الدولة بن حمدان وبين الدمستق، فقتل خلقا من أصحاب الدمستق وأسر آخرين في جماعة من رؤساء بطارقته، وكان في جملة من قتل قسطنطين بن الدمستق، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة، ثم جمع الدمستق خلقا كثيرا فالتقوا مع سيف الدولة في شعبان منها، فجرت بينهم حروب عظيمة وقتال شديد، فكانت الدائرة للمسلمين وخذل الله الكافرين، فقتل منهم خلق كثير، وأسر جماعة من الرؤساء، وكان منهم صهر الدمستق وابن بنته أيضا. وفيها حصل للناس أمراض كثيرة وحمى وأوجاع في الحلق. وفيها مات الأمير الحميد نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقام بالامر من بعده ولده عبد الملك. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن أحمد أبو علي الكاتب المصري، صحب أبا علي الروذباري وغيره، وكان عثمان المغربي يعظم أمره ويقول: أبو علي الكاتب من السالكين إلى الله. ومن كلامه الذي حكاه عنه أبو عبد الرحمن السلمي قوله: روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها، ويظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتبدو عليهم وإن ستروها. وأنشد: إذا مات استسرت أنفس الناس ذكره … تبين فيهم وإن لم يتكلموا تطيبهم أنفاسهم فتذيعها … وهل سر مسك أودع الريح يكتم؟ علي بن حمد بن عقبة بن همام أبو الحسن الشيباني الكوفي، قدم بغداد فحدث بها عن جماعة وروى عنه الدارقطني. وكان

стр. 4237

ثقة عدلا كثير التلاوة فقيها، مكث يشهد على الحكام ثلاثا وسبعين سنة، مقبولا عندهم، وأذن في مسجد حمزة الزيات نيفا وسبعين سنة، وكذلك أبوه من قبله. محمد بن علي بن أحمد بن العباس الكرخي الأديب، كان عالما زاهدا ورعا، يختم القرآن كل يوم ويديم الصيام، سمع الحديث من عبدان وأقرانه. أبو الخير التيناني العابد الزاهد، أصله من العرب (١)، كان مقيما بقرية يقال لها تينات (٢) من عمل أنطاكية، ويعرف بالأقطع لأنه كان مقطوع اليد، كان قد عاهد الله عهدا ثم نكثه، فاتفق له أنه مسك مع جماعة من اللصوص في الصحراء وهو هناك سائح يتعبد، فأخذ معهم فقطعت يده معهم، وكانت له أحوال وكرامات، وكان ينسج الخوص بيده الواحدة. دخل عليه بعض الناس فشاهد منذ ذلك فأخذ منه العهد أن لا يخبر به أحدا ما دام حيا، فوفى له بذلك. ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة قال ابن الجوزي: فيها شمل الناس ببغداد وواسط وأصبهان والأهواز داء مركب من دم وصفراء ووباء، مات بسبب ذلك خلق كثير، بحيث كان يموت في كل يوم قريب من ألف نفس، وجاء فيها جراد عظيم أكل الخضروات والأشجار والثمار. وفي المحرم منها قعد معز الدولة لابنه أبي منصور بختيار الامر من بعده بأمرة الأمراء. وفيها خرج رجل من أذربيجان ادعى أنه يعلم الغيب، وكان يحرم اللحم وما يخرج من الحيوانات، فأضافه مرة رجل فجاءه بطعام كشكية بشحم فأكله، فقال له الرجل بحضرة من معه: إنك تدعي أنك تعلم الغيب وهذا طعام فيه شحم وأنت تحرمه فلم لا علمته؟ فتفرق عنه الناس. وفيها جرت حروب كثيرة بين المعز الفاطمي وبين صاحب الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي، استقصاها ابن الأثير (٣). وممن توفي فيها من الأعيان:

стр. 4238

عثمان بن أحمد ابن عبد الله بن يزيد أبو عمرو الدقاق المعروف بابن السماك، روى عن حنبل بن إسحاق وغيره، وعنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة ثبتا، كتب المصنفات الكثيرة بخطه، توفي في ربيع الأول منها ودفن بمقبرة باب التبن، وحضر جنازته خمسون ألفا. محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو جعفر القاضي السمناني، ولد سنة إحدى وستين ومائتين، وسكن بغداد وحدث بها، وكان ثقة عالما فاضلا سخيا حسن الكلام، عراقي المذهب، وكانت داره مجمع العلماء، ثم ولي قضاء الموصل وتوفي بها في هذه السنة في ربيع الأول منها (١). محمد بن أحمد بن بطة بن إسحاق الأصبهاني أبو عبد الله سكن نيسابور ثم عاد إلى أصبهان. وليس هذا بعبد الله بن بطة العكبري، هذا متقدم عليه، هذا شيخ الطبراني وابن بطة الثاني يروي عن الطبراني، وهذا بضم الباء من بطة، وابن بطة الثاني وهو الفقيه الحنبلي بفتحها. وقد كان جد هذا، وهو ابن بطة بن إسحاق أبو سعيد، من المحدثين أيضا. ذكره ابن الجوزي في منتظمه. محمد بن محمد بن يوسف بن الحجاج أبو النضر الفقيه الطوسي، كان عالما ثقة عابدا، يصوم النهار ويقوم الليل، ويتصدق بالفاصل من قوته، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد رحل في طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباعدة، وكان قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، فثلث للنوم، وثلث للتصنيف، وثلث للقراءة. وقد رآه بعضهم في النوم بعد وفاته فقال له: وصلت إلى ما طلبت؟ فقال: أي والله نحن عند رسول الله ﷺ وقد عرضت مصنفاتي في الحديث عليه فقبلها. أبو بكر بن الحداد الفقيه الشافعي، هو محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن الحداد أحد أئمة الشافعية، روى عن

стр. 4239

النسائي، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله . وقد كان ابن الحداد فقيها فروعيا، ومحدثا ونحويا وفصيحا في العبارة دقيق النظر في الفروع، له كتاب في ذلك غريب الشكل، وقد ولي القضاء بمصر نيابة عن أبي عبيد بن حربويه. ذكرناه في طبقات الشافعية. أبو يعقوب الأذرعي إسحاق بن إبراهيم بن هاشم بن يعقوب النهدي، قال ابن عساكر: من أهل أذرعات - مدينة بالبلقاء - أحد الثقات من عباد الله الصالحين. رحل وحدث عنه جماعة من أجل أهل دمشق وعبادها وعلمائها، وقد روى عنه ابن عساكر أشياء تدل على صلاحه وخرق العادة له، فمن ذلك قال: إني سألت الله أن يقبض بصري فعميت، فلما استضررت بالطهارة سألت الله عوده فرده علي. توفي بدمشق في هذه السنة - سنة أربع وخمسين (١) - وصححه ابن عساكر وقد نيف على التسعين. ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وفيها عصى الروزبهان على معز الدولة وانحاز إلى الأهواز ولحق به عامة من كان مع المهلبي الذي كان يحاربه، فلما بلغ ذلك معز الدولة لم يصدقه لأنه كان قد أحسن إليه ورفع من قدره بعد الضعة والخمول، ثم تبين له أن ذلك حق، فخرج لقتاله وتبعه الخليفة المطيع لله خوفا من ناصر الدولة بن حمدان فإنه قد بلغه أنه جهز جيشا مع ولده أبي المرجا جابر إلى بغداد ليأخذها، فأرسل معز الدولة حاجبه سبكتكين إلى بغداد، وصمد معز الدولة إلى الروزبهان فاقتتلوا قتلا شديدا، وهزمه معز الدولة وفرق أصحابه وأخذه أسيرا إلى بغداد فسجنه، ثم أخرجه ليلا وغرقه، لان الديلم أرادوا إخراجه من السجن قهرا وانطوى ذكر روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النار. وحضيت الأتراك عند معز الدولة وانحطت رتبة الديلم عنده، لأنه ظهر له خيانتهم في أمر الروزبهان وإخوته. وفيها دخل سيف الدولة إلى بلاد الروم فقتل وسبى ورجع إلى حلب، فحميت الروم فجمعوا وأقبلوا إلى ميافارقين فقتلوا وسبوا وحرقوا ورجعوا، وركبوا في البحر إلى طرسوس فقتلوا من أهلها ألفا وثمانمائة وسبوا وحرقوا قرى كثيرة. وفيها زلزلت همذان زلزالا شديدا تهدمت البيوت وانشق قصر شيرين بصاعقة، ومات تحت الهدم خلق كثير لا يحصون كثرة، ووقعت فتنة عظيمة بين أهل أصبهان وأهل قم بسبب سب الصحابة من أهل قم، فثاروا عليهم أهل أصبهان وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ونهبوا أموال التجار، فغضب ركن الدولة لأهل قم، لأنه كان شيعيا، فصادر أهل أصبهان بأموال كثيرة.

стр. 4240

وفيها توفي من الأعيان: غلام ثعلب محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمرو الزاهد غلام ثعلب، روى عن الكديمي وموسى بن سهل الوشاء وغيرهما، روى عنه جماعة، وآخر من حدث عنه أبو علي بن شاذان وكان كثير العلم والزهد حافظا مطيقا يملي من حفظه شيئا كثيرا، ضابطا لما يحفظه. ولكثرة إغرابه اتهمه بعض الرواة ورماه بالكذب، وقد اتفق له مع القاضي أبي عمر حكاية - وكان يؤدب ولده - فإنه أملى من حفظه ثلاثين مسألة بشواهدها وأدلتها من لغة العرب، واستشهد على بعضها ببيتين غريبين جدا، فعرضهما القاضي أبو عمر على ابن دريد وابن الأنباري وابن مقسم، فلم يعرفوا منها شيئا. حتى قال ابن دريد: هذا ما وضعه أبو عمرو من عنده، فلما جاء أبو عمرو ذكر له القاضي ما قال ابن دريد عنه، فطلب أبو عمرو أن يحصر له من كتبه دواوين العرب. فلم يزل أبو عمرو يعمد إلى كل مسألة ويأتيه بشاهد بعد شاهد حتى خرج من الثلاثين مسألة ثم قال: وأما البيتان فإن ثعلبا أنشدنا هما وأنت حاضر فكتبتهما في دفترك الفلاني، فطلب القاضي دفتره فإذا هما فيه، فلما بلغ ذلك ابن دريد كف لسانه عن أبي عمرو الزاهد فلم يذكره حتى مات. توفي أبو عمرو هذا يوم الأحد ودفن يوم الاثنين الثالث عشر من ذي القعدة، ودفن في الصفة المقابلة لقبر معروف الكرخي ببغداد ﵀. محمد بن علي بن أحمد بن رستم أبو بكر المادرائي الكاتب، ولد في سنة خمس وخمسين ومائتين بالعراق، ثم صار إلى مصر هو وأخوه أحمد مع أبيهما، وكان على الخراج لخمارويه بن أحمد بن طولون، ثم صار هذا الرجل من رؤساء الناس وأكابرهم، سمع الحديث من أحمد بن عبد الجبار وطبقته. وقد روى الخطب عنه أنه قال: كان ببابي شيخ كبير من الكتاب قد تعطل عن وظيفته، فرأيت والدي في المنام وهو يقول بابني أما تتقي الله؟ أنت مشغول بلذاتك والناس ببابك يهلكون من العري والجوع. هذا فلان قد تقطع سراويله ولا يقدر على إبداله، فلا تهمل أمره. فاستيقظت مذعورا وأنا أناوله الاحسان، ثم نمت فأنسيت المنام، فبينا أنا أسير إلى دار الملك، فإذا بذلك الرجل الذي ذكره على دابة ضعيفة، فلما رآني أراد أن يترجل لي فبدا لي فخذه وقد لبس الخف بلا سراويل، فلما رأيت ذلك ذكرت المنام فاستدعيت به وأطلقت له ألف دينار وثياب، ورتبت له على وظيفته مائتي دينار كل شهر، ووعدته بخير في الآجل أيضا. أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب،

стр. 4241

الشريف الحسني الرسي - أبو القاسم المصري الشاعر - كان نقيب الطالبيين بمصر ومن شعره قوله: قالت لطيف خيال زارني ومضى … بالله صفه، ولا تنقص ولا تزد فقلت: أبصرته لو مات من ظمأ … وقال: قف لا ترد الماء لم يرد (١) قالت: صدقت، وفاء الحب (٢) عادته … يا برد ذاك الذي قالت على كبدي توفي ليلة الثلاثاء لخمس بقين (٣) من هذه السنة. ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة فيها وقعت فتنة بين أهل الكرخ وأهل السنة بسبب السب، فقتل من الفريقين خلق كثير. وفيها نقص البحر المالح ثمانين ذراعا. ويقال باعا. فبدت به جبال وجزائر وأماكن لم تكن ترى من قبل ذلك. وفيها كان بالعراق وبلاد الري والجبل وقم ونحوها زلازل كثيرة مستمرة نحو أربعين يوما، تسكن ثم تعود، فتهدمت بسبب ذلك أبنية كثيرة وغارت مياه كثيرة، ومات خلق كثير. وفيها تجهز معز الدولة بن بويه لقتال ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، فراسله ناصر الدولة والتزم له بأموال يحملها إليه كل سنة، فسكت عنه، ثم إنه مع ما اشترط على نفسه لم يرجع عنه معز الدولة، بل قصده في السنة الآتية كما سيأتي بيانه. وفي تشرين منها كثرت في الناس أورام في حلوقهم ومناخرهم، وكثر فيهم موت الفجأة، حتى إن لصا نقب دارا ليدخلها فمات وهو في النقب. ولبس القاضي خلعة القضاء ليخرج للحكم فلبس إحدى خفيه فمات قبل أن يلبس الأخرى. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عبد الله بن الحسين أبو هريرة العذري، المستملي على المشايخ، كتب عن أبي مسلم الكجي وغيره، وكان ثقة توفي في ربيع الأول منها. الحسن بن خلف بن شاذان أبو علي الواسطي روى عن إسحاق الأزرق ويزيد بن هارون وغيرهما، وروى عنه البخاري في صحيحه. توفي في هذه السنة. هكذا رأيت ابن الجوزي ذكر هذه الترجمة في هذه السنة في منتظمه والله أعلم.

стр. 4242

أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان بن عبد الله الأموي مولاهم أبو العباس الأصم مولده في سنة سبع وأربعين ومائتين، رأى الذهلي ولم يسمع منه، ورحل به أبوه إلى أصبهان ومكة ومصر والشام والجزيرة وبغداد وغيرها من البلاد، فسمع الكثير بها عن الجم الغفير، ثم رجع إلى خراسان وهو ابن ثلاثين سنة، وقد صار محدثا كبيرا، ثم طرأ عليه الصمم فاستحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار، وكان مؤذنا في مسجده ثلاثين سنة، وحدث ستا وسبعين سنة، فألحق الأحفاد بالأجداد وكان ثقة صادقا ضابطا لما سمعه ويسمعه، كف بصره قبل موته بشهر، وكان يحدث من حفظه بأربعة (١) عشر حديثا، وسبع حكايات ومات وقد بقي له سنة من المائة. ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة فيها كانت زلزلة ببغداد في شهر نيسان وفي غيرها ممن البلاد الشرقية فمات بسببها خلق كثير، وخربت دور كثيرة، وظهر في آخر نيسان وشهر أيار جراد كثير أتلف الغلات الصيفية والثمار. ودخلت الروم آمد، وميافارقين، فقتلوا ألفا وخمسمائة إنسان، وأخذوا مدينة سمساط وأخربوها. وفي المحرم (٢) منها ركب معز الدولة إلى الموصل فأخذها من يد ناصر الدولة، وهرب ناصر الدولة إلى نصيبين، ثم إلى ميافارقين، فلحقه معز الدولة فصار إلى حلب عند أخيه سيف الدولة، ثم أرسل سيف الدولة إلى معز الدولة في المصالحة بينه وبين أخيه، فوقع الصلح على أن يحمل ناصر الدولة في كل سنة ألفي ألف وتسعمائة ألف، ورجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح، وقد امتلأت البلاد رفضا وسبا للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصرا وشاما وعراقا وخراسان وغير ذلك من البلاد، كانوا رفضا، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة. وفيها بعث المعز الفاطمي مولاه أبا الحسن جوهر القائد في جيوش معه ومعه زيري بن مناد الصنهاجي ففتحوا بلادا كثيرة من أقصى بلاد المغرب، حتى انتهوا إلى البحر المحيط، فأمر جوهر بأن يصطاد له منه سمك، فأرسل به في قلال الماء إلى المعز الفاطمي، وحظي عنده جوهر وعظم شأنه حتى صار بمنزلة الوزير. وممن توفي فيها من الأعيان:

стр. 4243

الزبير بن عبد الرحمن (١) ابن محمد بن زكريا بن صالح بن إبراهيم. أبو عبد الله الاستراباذي (٢)، رحل وسمع الحديث وطوف الأقاليم، سمع الحسن بن سفيان وابن خزيمة وأبا يعلي وخلقا، وكان حافظا متقنا صدوقا، صنف الشروح والأبواب. أبو سعيد بن يونس صاحب تاريخ مصر. هو عبد الرحمن (٣) بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري المؤرخ، كان حافظا مكثرا خبيرا بأيام الناس وتواريخهم، له تاريخ مفيد جدا لأهل مصر ومن ورد إليها. وله ولد يقال له أبو الحسن علي، كان منجما له زيج مفيد يرجع إليه أصحابه هذا الفن، كما يرجع أصحاب الحديث إلى أقوال أبيه وما يؤرخه وينقله ويحكيه، ولد الصدفي سنة إحدى وثمانين ومائتين وتوفي في هذه السنة يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الآخرة في القاهرة. ابن درستويه النحوي عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان أبو محمد الفارسي النحوي، سكن بغداد وسمع عباسا الدوري وابن قتيبة والمبرد، وسمع منه الدارقطني وغيره من الحفاظ، وأثنى عليه غير واحد، منهم أبو عبد الله بن منده، توفي في صفر منها، وذكر له ابن خلكان مصنفات كثيرة مفيدة، فيما يتعلق باللغة والنحو وغيره. محمد بن الحسن ابن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أبو الحسن القرشي الأموي قاضي بغداد، كان حسن الأخلاق طلابة للحديث، ومع هذا كان ينسب إلى أخذ الرشوة في الاحكام والولايات ﵀. محمد بن علي أبو عبد الله الهاشمي الخاطب الدمشقي. وأظنه الذي تنسب إليه حارة الخاطب من نواحي

стр. 4244

باب الصغير، كان خطيب دمشق في أيام الاخشيد، وكان شابا حسن الوجه مليح الشكل، كامل الخلق. توفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وحضر جنازته نائب السلطنة وخلق كثير لا يحصون كثرة، هكذا أرخه ابن عساكر، ودفن بباب الصغير. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة فيها كانت فتنة بين الرافضة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير، ووقع حريق بباب الطاق، وغرق في دجلة خلق كثير من حجاج الموصل، نحو من ستمائة نفس. وفيها دخلت الروم طرسوس والرها وقتلوا وسبوا، وأخذوا الأموال ورجعوا. وفيها قلت الأمطار وغلت الأسعار واستسقى الناس فلم يسقوا، وظهر جراد عظيم في آذار فأكل ما نبت من الخضراوات، فاشتد الامر جدا على الخلق فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وفيها عاد معز الدولة إلى بغداد من الموصل وزوج ابنته من ابن أخيه مؤيد الدولة بن معز الدولة، وسيرها معه إلى بغداد. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن شيبان القرميسيني شيخ الصوفية بالجبل، صحب أبا عبد الله المغربي. ومن جيد كلامه قوله: إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه، وطرد عنه الرغبة في الدنيا. أبو بكر النجاد أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجاد الفقيه، أحد أئمة الحنابلة ولد سنة ثلاث وخمسين ومائتين، سمع عبد الله بن أحمد وأبا داود، والباغندي وابن أبي الدنيا وخلقا كثيرا، وكان يطلب الحديث ماشيا حافيا، وقد جمع المسند وصنف في السنن كتابا كبيرا، وكان له بجامع المنصور حلقتان، واحدة للفقه وأخرى لاملاء الحديث، وحدث عنه الدارقطني وابن رزقويه وابن شاهين وأبو بكر بن مالك القطيعي وغيرهم، وكان يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويعزل منه لقمة، فإذا كانت ليلة الجمعة أكل اللقم وتصدق بالرغيف صحيحا. توفي ليلة الجمعة لعشرين من ذي الحجة عن خمس وتسعين سنة ودفن قريبا من قبر بشر الحافي ﵀. جعفر بن محمد بن نصير بن القاسم أبو محمد الخواص المعروف بالخلدي، سمع الكثير وحدث كثيرا، وحج ستين حجة، وكان ثقة صدوقا دينا.

стр. 4245

محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد أبو عمر الزجاج النيسابوري، صحب أبا عثمان والجنيد والنوري والخواص وغيرهم، وأقام بمكة وكان شيخ الصوفية بها، وحج ستين حجة، ويقال إنه مكث أربعين سنة لم يتغوط ولم يبل إلا خارج الحرم بمكة. محمد بن جعفر بن محمد بن فضالة ابن يزيد بن عبد الملك أبو بكر الادمي، صاحب الألحان، كان حسن الصوت بتلاوة القرآن وربما سمع صوته من بعد في الليل، وحج مرة مع أبي القاسم البغوي، فلما كانوا بالمدينة دخلوا المسجد النبوي فوجدوا شيخا أعمى يقص على الناس أخبارا موضوعة مكذوبة، فقال البغوي: ينبغي الانكار عليه، فقال له بعض أصحابه: إنك لست ببغداد يعرفك الناس إذ أنكرت عليه، ومن يعرفك هنا قليل والجمع كثير، ولكن نرى أن تأمر أبا بكر الادمي فيقرأ، فأمره فاستفتح فقرأ فلم يتم الاستعاذة حتى انجفل الناس عن ذلك الأعمى وتركوه وجاؤوا إلى أبي بكر ولم يبق عند الضرير أحد، فأخذ الأعمى بيد قائده وقال له: اذهب بنا فهكذا تزول النعم. توفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثمان وثمانين سنة، وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: وقفني بين يديه وقاسيت شدائد وأهوالا. فقلت له: فتلك القراءة الحسنة وذلك الصوت الحسن وتلك المواقف؟ فقال: ما كان شئ أضر علي من ذلك، لأنها كانت للدنيا. فقلت: إلى أي شئ انتهى أمرك؟ فقال: قال الله آليت على نفسي أن لا أعذب أبناء الثمانين. أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي ابن الحسن بن إبراهيم بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي المصري، كان من ساداتها وكبرائها، لا تزال الحلوى تعقد بداره، ولا يزال رجل يكسر اللوز بسببها، وللناس عليه رواتب من الحلوى، فمنهم من يهدي إليه كل يوم، ومنهم في الجمعة، ومنهم في الشهر. وكان لكافور الاخشيد عليه في كل يوم جامان ورغيف من الحلوى، ولما قدم المعز الفاطمي إلى القاهرة وتلقاه سأله: إلى من ينتسب مولانا من أهل البيت؟ فقال: الجواب إلى أهل البلد، فلما دخل القصر جمع الاشراف وسل نصف سيفه وقال هذا نسبي، ثم نثر عليهم الذهب وقال: هذا حسبي. فقالوا: سمعنا وأطعنا. والصحيح أن القائل للمعز هذا الكلام ابن هذا (١) أو شريف آخر فالله أعلم. فإن وفاة هذا كانت في هذا العام عن ثنتين وستين

стр. 4246

سنة، والمعز إنما قدم في سنة ثنتين وستين وثلاثمائة كما سيأتي. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة فيها ظهر رجل بآذربيجان من أولاد عيسى بن المكتفي بالله فلقب بالمستجير بالله ودعا إلى الرضا من آل محمد، وذلك لفساد دولة المرزبان في ذلك الزمان، فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أصحاب المستجير وأخذ أسيرا فمات، واضمحل أمره. وفيها دخل سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم فقتل من أهلها خلقا كثيرا، وفتح حصونا وأحرق بلدانا كثيرة، وسبى وغنم وكر راجعا، فأخذت الروم عليه فمنعوه من الرجوع ووضعوا السيف في أصحابه فما نجا هو في ثلاثمائة فارس إلا بعد جهد جهيد. وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير، وفي آخرها توفي أنوجور بن الاخشيد صاحب مصر، فأقام بالامر بعده أخوه علي. وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي الذي كان صاحب الأهواز وواسط. وفيها رجع حجيج مصر من مكة فنزلوا واديا فجاءهم سيل فأخذهم فألقاهم في البحر عن آخرهم. وفيها أسلم من الترك مائتا ألف خركاة (١) فسموا ترك إيمان، ثم خفف اللفظ بذلك، فقيل تركمان. وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن حرب الكاتب كانت له نعمة وثروة عظيمة تقارب أبهة الوزارة، فاجتاز يوما وهو راكب في موكب له عظيم، فسمع رجلا يقرأ (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) [الحديد: ١٦] فصاح: اللهم بلى، وكررها دفعات ثم بكى ثم نزل عن دابته ونزع ثيابه وطرحها ودخل دجلة فاستتر بالماء ولم يخرج منه حتى فرق جميع أمواله في المظالم التي كانت عليه، وردها إلى أهلها، وتصدق بالباقي ولم يبق له شئ بالكلية، فاجتاز به رجل فتصدق عليه بثوبين فلبسهما وخرج فانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات ﵀. أبو علي الحافظ (٢) ابن علي بن يزيد بن داود أبو علي الحافظ النيسابوري، أحد أئمة الحفاظ المتقنين المصنفين.

стр. 4247

قال الدارقطني: كان إماما مهذبا، وكان ابن عقدة لا يتواضع لاحد كتواضعه له. توفي في جمادى الآخرة عن اثنتين وخمسين سنة (١). حسان بن محمد بن أحمد بن مروان أبو الوليد القرشي الشافعي إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه، وأزهدهم وأعبدهم، أخذ الفقه عن ابن سريج وسمع الحديث من الحسن بن سفيان وغيره، وله التصانيف المفيدة، وقد ذكرنا ترجمته في الشافعيين. كانت وفاته ليلة الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وسبعين سنة. حمد (٢) بن إبراهيم بن الخطاب أبو سليمان الخطابي، سمع الكثير وصنف التصانيف الحسان، منها المعالم شرح فيها سنن أبي داود، والاعلام شرح فيه البخاري، وغريب الحديث. وله فهم مليح وعلم غزير ومعرفة باللغة والمعاني والفقه. ومن أشعاره قوله: ما دمت حيا فدار الناس كلهم … فإنما أنت في دار المداراة من يدر داري من لم يدر سوف يرى … عما قليل نديما للندامات هكذا ترجمه أبو الفرج بن الجوزي حرفا بحرف. عبد الواحد بن عمر بن محمد ابن أبي هاشم. كان من أعلم الناس بحروف القراءات، وله في ذلك مصنفات، وكان من الأمناء الثقات، روى عن ابن مجاهد وأبي بكر بن أبي داود، وعنه أبو الحسن الحماني، توفي في شوال منها، ودفن بمقبرة الخيزران. أبو أحمد العسال الحافظ محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد أبو أحمد العسال الأصبهاني أحد الأئمة

стр. 4248

الحفاظ وأكابر العلماء، سمع الحديث وحدث به، قال ابن منده: كتبت عن ألف شيخ لم أر أفهم ولا أتقن من أبي أحمد العسال. توفي في رمضان منها ﵀. والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة في المحرم منها مرض معز الدولة بن بويه بانحصار البول فقلق من ذلك وجمع بين صاحبه سبكتكين ووزيره المهلبي، وأصلح بينهما ووصاهما بولده بختيار خيرا، ثم عوفي من ذلك فعزم على الرحيل إلى الأهواز لاعتقاده أن ما أصابه من هذه العلة بسبب هواء بغداد ومائها، فأشاروا عليه بالمقام بها، وأن يبني بها دارا في أعلاها حيث الهواء أرق والماء أصفى، فبنى له دارا غرم عليه ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج لذلك أن يصادر بعض أصحابه، ويقال أنفق عليها ألفي ألف دينار (١)، ومات وهو يبني فيها ولم يسكنها، وقد خرب أشياء كثيرة من معالم الخلفاء ببغداد في بنائها، وكان مما خرب المعشوق من سر من رأى، وقلع الأبواب الحديد التي على مدينة المنصور والرصافة وقصورها، وحولها إلى داره هذه، لا تمت فرحته بها، فإنه كان رافضيا خبيثا. وفيها مات القاضي أبو السائب عتبة بن عبد الله وقبضت أملاكه، وولى بعده القضاء أبو عبد الله (٢) الحسين بن أبي الشوارب، وضمن أن يؤدي في كل سنة إلى معز الدولة مائتي ألف درهم، فخلع عليه معز الدولة وسار ومعه الدبابات والبوقات إلى منزله، وهو أول من ضمن القضاء ورشى عليه والله أعلم. ولم يأذن له الخليفة المطيع لله في الحضور عنده ولا في حضور الموكب من أجل ذلك غضبا عليه، ثم ضمن معز الدولة الشرطة وضمن الحسبة أيضا. وفيها سار قفل من أنطاكية يريدون طرسوس، وفيهم نائب أنطاكية، فثار عليهم الفرنج فأخذوهم عن بكرة أبيهم، فلم يفلت منهم سوى النائب جريحا في مواضع من بدنه. وفيها دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الروم فقتل وسبى وغنم ورجع سالما. وفيها توفي الأمير: نوح بن عبد الملك الساماني (٣) صاحب خراسان وغزنة وما وراء النهر، سقط عن فرسه فمات، فقام بالامر من بعده أخوه منصور بن نوح الساماني.

стр. 4249

وفيها توفي: الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس، وكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر، وله من العمر يوم مات ثلاث وسبعون سنة، وترك أحد عشر ولدا، كان أبيض حسن الوجه عظيم الجسم طويل الظهر قصير الساقين، وهو أول من تلقب بأمير المؤمنين من أولاد الأمويين الداخلين إلى المغرب، وذلك حين بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وتغلب الفاطميين، فتلقب قبل موته بثلاث وعشرين سنة. ولما توفي قام بالامر من بعده ولده الحكم وتلقب بالمنتصر، وكان الناصر شافعي المذهب ناسكا شاعرا، ولا يعرف في الخلفاء أطول مدة منه، فإنه أقام خليفة خمسين سنة، إلا الفاطمي المستنصر بن الحكم الفاطمي صاحب مصر، فإنه مكث ستين سنة كما سيأتي ذلك. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو سهل بن زياد القطان أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد أبو سهل القطان. كان ثقة حافظا كثير التلاوة للقرآن، حسن الانتزاع للمعاني من القرآن، فمن ذلك أنه استدل على تكفير المعتزلة بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) [آل عمران: ١٥٦]. إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن بيان أبو محمد الحطبي سمع الحديث من ابن أبي أسامة وعبد الله بن أحمد الكوكبي وغيرهم، وعنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة حافظا فاضلا نبيلا عارفا بأيام الناس، وله تاريخ مرتب على السنين، وكان أدبيا لبيبا عاقلا صدوقا، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، عن إحدى وثمانين سنة. أحمد بن محمد بن سعيد ابن عبيد الله بن أحمد بن سعيد بن أبي مريم أبو بكر القرشي الوراق، ويعرف بابن فطيس، وكان حسن الكتابة مشهورا بها، وكان يكتب الحديث لابن جوصا، ترجمه ابن عساكر وأرخ وفاته بثاني شوال من هذه السنة. تمام بن محمد بن عباس ابن عبد المطلب أبو بكر الهاشمي العباسي، حدث عن عبد الله بن أحمد وعنه ابن رزقويه توفي في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة.

стр. 4250

الحسين (١) بن القاسم أبو علي الطبري الفقيه الشافعي، أحد الأئمة المحررين في الخلاف، وهو أول من صنف فيه، وله الايضاح في المذهب، وكتاب في الجدل، وفي أصول الفقه وغير ذلك من المصنفات، وقد ذكرناه في الطبقات (٢). عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم ابن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور الهاشمي الامام، ويعرف بابن بويه، ولد سنة ثلاث وستين ومائتين، روى عن ابن أبي الدنيا وغيره، وعنه ابن رزقويه، وكان خطيبا بجامع المنصور مدة طويلة، وقد خطب فيه سنة ثلاثين وثلاثمائة وقبلها تمام سنة، ثم خطب فيه الواثق سنة ثلاثين ومائتين وهما في النسب إلى المنصور سواء. توفي في صفر منها. عتبة بن عبد الله بن موسى بن عبد الله أبو السائب القاضي الهمذاني الشافعي، كان فاضلا بارعا، ولي القضاء، وكان فيه تخليط في الأمور، وقد رآه بعضهم بعد موته فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأمر بي إلى الجنة على ما كان مني من التخليط، وقال لي: إني كتبت على نفسي أن لا أعذب أبناء الثمانين. وهذا الرجل أول من ولي قضاء القضاة ببغداد من الشافعية والله أعلم. محمد بن أحمد بن حيان أبو بكر الدهقان، بغدادي، سكن بخارى وحدث بها عن يحيى بن أبي طالب، والحسن بن مكرم وغيرهما، وتوفي عن سبع وثمانين سنة. أبو علي الخازن توفي في شعبان منها فوجد في داره من الدفائن وعند الناس من الودائع ما يقارب أربعمائة ألف دينار. والله أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة فيها كان دخول الروم إلى حلب صحبة الدمستق ملك الروم لعنه الله، في مائتي ألف مقاتل، وكان سبب ذلك أنه ورد إليها بغتة فنهض إليه سيف الدولة بن حمدان بمن حضر عنده من المقاتلة، فلم يقو به لكثرة جنوده، وقتل من أصحاب سيف الدولة خلقا كثيرا، وكان سيف الدولة قليل الصبر ففر منهزما في نفر يسير من أصحابه، فأول ما استفتح به الدمستق قبحه الله أن استحوذ على دار سيف الدولة، وكانت ظاهر حلب (٣)، فأخذ ما فيها من الأموال العظيمة (٤) والحواصل الكثيرة، والعدد

стр. 4251

وآلات الحرب، أخذ من ذلك ما لا يحصى كثرة، وأخذ ما فيها من النساء والولدان وغيرهم، ثم حاصر سور حلب فقاتل أهل البلد دونه قتالا عظيما، وقتلوا خلقا كثيرا من الروم، وثلمت الروم بسور حلب ثلمة عظيمة، فوقف فيها الروم فحمل المسلمون عليهم فأزاحوهم عنها، فلما جن الليل جد المسلمون في إعادتها فما أصبح الصباح إلا وهي كما كانت، وحفظوا السور حفظا عظيما، ثم بلغ المسلمون أن الشرط والبلاحية قد عاثوا في داخل البلد ينهبون البيوت، فرجع الناس إلى منازلهم يمنعونها منهم قبحهم الله، فإنهم أهل شر وفساد، فلما فعلوا ذلك غلبت الروم على السور فعلوه ودخلوا البلد يقتلون من لقوه، فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا وانتهبوا الأموال وأخذوا الأولاد والنساء. وخلصوا من كان بأيدي المسلمين من أسارى الروم، وكانوا ألفا وأربعمائة (١)، فأخذ الأسارى السيوف وقاتلوا المسلمين، وكانوا أضر على المسلمين من قومهم، وأسروا نحوا من بضعة عشر ألفا ما بين صبي وصبية، ومن النساء شيئا كثيرا، ومن الرجال الشباب ألفين، وخربوا المساجد وأحرقوها، وصبوا في جباب الزيت الماء حتى فاض الزيت على وجه الأرض، وأهلكوا كل شئ قدروا عليه، وكل شئ لا يقدرون على حمله أحرقوه، وأقاموا في البلد تسعة أيام يفعلون فيها الأفاعيل الفاسدة العظيمة، كل ذلك بسبب فعل البلاحية والشرط في البلد قاتلهم الله. وكذلك حاكمهم ابن حمدان كان رافضيا يحب الشيعة ويبغض أهل السنة، فاجتمع على أهل حلب عدة مصائب، ثم عزم الدمستق على الرحيل عنهم خوفا من سيف الدولة، فقال له ابن أخيه: أين تذهب وتدع القلعة وأموال الناس غالبها فيها ونساؤهم؟ فقال له الدمستق: إنا قد بلغنا فوق ما كنا نأمل، وإن بها مقاتلة ورجالا غزاة، فقال له لابد لنا منها، فقال له: اذهب إليها، فصعد إليها في جيش ليحاصرها فرموه بحجر فقتلوه في الساعة الراهنة من بين الجيش كله، فغضب عند ذلك الدمستق وأمر بإحضار من في يديه من أسارى المسلمين، وكانوا قريبا من ألفين (٢)، فضربت أعناقهم بين يديه لعنه الله، ثم كر راجعا. وقد دخلوا عين زربة قبل ذلك في المحرم من هذه السنة، فاستأمنه أهلها فأمنهم وأمر بأن يدخلوا كلهم المسجد ومن بقي في منزله قتل، فصاروا إلى المسجد كلهم ثم قال: لا يبقين أحد من أهلها اليوم إلا ذهب حيث شاء، ومن تأخر قتل، فازدحموا في خروجهم من المسجد فمات كثير منهم، وخرجوا على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، فمات في الطرقات منهم خلقا كثير. ثم هدم الجامع وكسر المنبر وقطع من حول البلد أربعين ألف نخلة، وهدم سور البلد والمنازل المشار إليها، وفتح حولها أربعة وخمسين حصنا بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وقتل الملعون خلقا كثيرا، وكان في جملة من أسر أبو فراس بن سعيد بن حمدان نائب منبج

стр. 4252

من جهة سيف الدولة، وكان شاعرا مطيقا، له ديوان شعر حسن، وكان مدة مقامه بعين زربة إحدى وعشرين يوما، ثم سار إلى قيسرية فلقيه أربعة آلاف من أهل طرسوس مع نائبها ابن الزيات، فقتل أكثرهم وأدركه صوم النصارى فاشتغل به حتى فرغ منه، ثم هجم على حلب بغتة، وكان من أمره ما ذكرناه. وفيها كتبت العامة من الروافض على أبوب المساجد لعنة معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكتبوا أيضا: ولعن الله من غصب فاطمة حقها، وكانوا يلعنون أبا بكر ومن أخرج العباس من الشورى، يعنون عمر، ومن نفى أبا ذر - يعنون عثمان - رضى الله عن الصحابة، وعلى من لعنهم لعنة الله، ولعنوا من منع من دفن الحسن عند جده يعنون مروان بن الحكم، ولما بلغ ذلك جميعه معز الدولة لم ينكره ولم يغيره، ثم بلغه أن أهل السنة محوا ذلك وكتبوا عوضه لعن الله الظالمين لآل محمد من الأولين والآخرين، والتصريح باسم معاوية في اللعن، فأمر بكتب ذلك، قبحه الله وقبح شيعته من الروافض، لا جرم أن هؤلاء لا ينصرون، وكذلك سيف الدولة بن حمدان بحلب فيه تشيع وميل إلى الروافض، لاجرم أن الله لا ينصر أمثال هؤلاء، بل يديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم وآباءهم وتركهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملك الفاطميون بلاد مصر والشام، وكان فيهم الرفض وغيره، استحوذ الفرنج على سواحل الشام وبلاد الشام كلها، حتى بيت المقدس، ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماه ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل وغيرها مع الفرنج، والنواقيس النصرانية والطقوس الإنجيلية تضرب في شواهق الحصون والقلاع، وتكفر في أماكن الايمان من المساجد وغيرها من شريف البقاع، والناس معهم في حصر عظيم، وضيق من الدين، وأهل هذه المدن التي في يد المسلمين في خوف شديد في ليلهم ونهارهم من الفرنج، فإنا لله وإنا إليه راجعون وكل ذلك من بعض عقوبات المعاصي والذنوب، وإظهار سب خير الخلق بعد الأنبياء. وفيها وقعت فتنة عظيمة بين أهل البصرة بسبب السب أيضا، قتل فيها خلق كثير وجم غفير. وفيها أعاد سيف الدولة بن حمدان بناء عين زربة، وبعث مولاه نجا فدخل بلاد الروم، فقتل منها خلقا كثيرا وسبى جما غفيرا، وغنم وسلم. وبعث حاجبه مع جيش طرسوس فدخلوا بلاد الروم فغنموا وسبوا ورجعوا سالمين. وفيها فتح المعز الفاطمي حصن طبرهين من بلاد المغرب - وكان من أحصن بلاد الفرنج - فتحه قسرا بعد محاصرة سبعة أشهر ونصف، وقصد الفرنج جزيرة إقريطش فاستنجد أهلها المعز، فأرسل إليهم جيشا فانتصروا على الفرنج ولله الحمد والمنة. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن محمد بن هارون المهلبي الوزير لمعز الدولة بن بويه، مكث وزيرا له ثلاث عشرة سنة (١)، وكان فيه حلم وكرم

стр. 4253

وأناة، حكى أبو إسحاق الصابي قال: كنت يوما عنده وقد جئ بدواة قد صنعت له ومرفع قد حليا له بحلية كثيرة، فقال أبو محمد الفضل بن عبد الله الشيرازي - سرا بيني وبينه -: ما كان أحوجني إليها لأبيعها وأنتفع بها، قلت: وأي شئ ينتفع الوزير بها؟ فقال: تدخل في خزانتها، فسمعها الوزير - وكان مصغ لنا ولا نشعر - فلما أمسى بعث بالدواة إلى أبي محمد الشيرازي ومرفعها وعشرة ثياب وخمسة آلاف درهم، واصطنع له غيرها. فاجتمعنا يوما آخر عنده وهو يوقع من تلك الدواة الجديدة، فنظر إلينا فقال: من يريدها منكما؟ قال: فاستحيينا وعلمنا أنه قد سمع كلامنا ذلك اليوم، وقلنا يمتع الله الوزير بها ويبقيه ليهب لنا مثلها. توفي المهلبي في هذه السنة عن أربع وستين سنة. دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن أبو محمد (١) السجستاني المعدل، سمع بخراسان وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة، وكان من ذوي اليسار والمشهورين بالبر والافضال، وله صدقات جارية، وأوقاف دارة دائرة على أهل الحديث ببغداد وسجستان، كانت له دار عظيمة ببغداد، وكان يقول: ليس في الدنيا مثل بغداد، ولا في بغداد مثل القطيعة، ولا في القطيعة مثل دار (٢) أبي خلف، ولا في دار (٣) أبي خلف مثل داري. وصنف الدارقطني له مسندا. وكان إذ شك في حديث طرحه جملة، وكان الدارقطني يقول: ليس في مشايخنا أثبت منه، وقد أنفق في ذوي العلم والحاجات أموالا جزيلة كثيرة جدا، اقترض منه بعض التجار عشرة آلاف دينار فاتجر بها، فربح في مدة ثلاث سنين ثلاثين ألف دينار، فعزل منها عشرة آلاف دينار وجاءه بها فأضافه دعلج ضيافة حسنة، فلما فرغ من شأنها قال له: ما شأنك؟ قال له: هذه العشرة آلاف دينار التي تفضلت بها، قد أحضرت فقال: يا سبحان الله إني لم أعطكها لتردها فصل بها الأهل. فقال: إني قد ربحت بها ثلاثين ألف دينار فهذه منها: فقال له دعلج: أذهب بارك الله لك، فقال له: كيف يتسع مالك لهذا؟ ومن أين أفدت هذا المال؟ قال: إني كنت في حداثة سني أطلب الحديث، فجاءني رجل تاجر من أهل البحر فدفع إلى ألف ألف درهم، وقال: اتجر في هذه، فما كان من ربح فبيني وبيك، وما كان من خسارة فعلي دونك، وعليك عهد الله وميثاقه إن وجدت ذا حاجة أو خلة إلا سددتها من مالي هذا دون مالك، ثم جاءني فقال: إني أريد الركوب في البحر فإن هلكت فالمال في يدك على ما شرطت عليك. فهو في يدي على ما قال. ثم قال لي: لا تخبر بها أحدا مدة حياتي. فلم أخبر به أحد حتى مات. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة عن أربع أو خمس وتسعين سنة. ﵀.

стр. 4254

عبد الباقي بن قانع ابن مرزوق أبو الحسن الأموي مولاهم، سمع الحارث بن أسامة، وعنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة أمينا حافظا، ولكنه تغير في آخر عمره. قال الدارقطني: كان يخطئ ويصر على الخطأ، توفي في شوال منها. أبو بكر النقاش المفسر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر، أبو بكر النقاش المفسر المقرئ، مولى أبي دجانة سماك بن خرشة، أصله من الموصل، كان عالما بالتفسير وبالقراءات، وسمع الكثير في بلدان شتى عن خلق من المشايخ، وحدث عنه أبو بكر بن مجاهد والخلدي وابن شاهين وابن زرقويه وخلق، وآخر من حدث عنه ابن شاذان، وتفرد بأشياء منكرة، وقد وثقه الدارقطني على كثير من خطئه ثم رجع عن ذلك، وصرح بعضهم بتكذيبه والله أعلم. وله كتاب التفسير الذي سماه شفاء الصدور وقال بعضهم: بل هو سقام الصدور، وقد كان رجلا صالحا في نفسه عابدا ناسكا، حكى من حضره وهو يجود بنفسه وهو يدعو بدعاء ثم رفع صوته يقول (لمثل هذا فليعمل العاملون) [الصافات: ٦١] يرددها ثلاث مرات ثم خرجت روحه ﵀. توفي يوم الثلاثاء الثاني من شوال منها ودفن بداره بدار القطن. محمد بن سعيد أبو بكر الحربي الزاهد، ويعرف بابن الضرير، كان ثقة صالحا عابدا. ومن كلامه: دافعت الشهوات حتى صارت شهوتي المدافعة. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم من هذه السنة أمر معز الدولة بن بويه قبحه الله أن تغلق الأسواق وأن يلبس النساء المسوح من الشعر وأن يخرجن في الأسواق حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن يلطمن وجوههن ينحن على الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم يمكن أهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وظهورهم، وكون السلطان معهم. وفي عشر (١) ذي الحجة منها أمر معز الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبوقات، وأن تعشل النيران في أبواب الأمراء وعند الشرط، فرحا بعيد الغدير - غدير خم - فكان وقتا عجيبا مشهودا، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة. وفيها أغارت الروم على الرها، فقتلوا وأسروا ورجعوا موقرين، ثم ثارت الروم بملكهم فقتلوه وولوا غيره، ومات الدمستق أيضا ملك الأرمن واسمه النقفور، وهو الذي أخذ حلب وعمل فيها ما عمل، وولوا غيره.

стр. 4255

ترجمة النقفور ملك الأرمن واسمه الدمستق الذي توفي في سنة ثنتين - وقيل خمس وقيل ست - وخمسين وثلاثمائة لا ﵀. كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبا، وأشدهم كفرا، وأقواهم بأسا، وأحدهم شوكة، وأكثرهم قتلا وقتالا للمسلمين في زمانه، استحوذ في أيامه لعنه الله على كثير من السواحل، وأكثرها انتزعها من أيدي المسلمين قسرا، واستمرت في يده قهرا، وأضيفت إلى مملكة الروم قدرا. وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدع الشنيعة فيهم وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم، وفشوا البدع فيهم، وكثرة الرفض والتشيع منهم، وقهر أهل السنة بينهم، فلهذا أديل عليهم أعداء الاسلام، فانتزعوا ما بأيديهم من البلاد مع الخوف الشديد ونكد العيش والفرار من بلاد إلى بلاد، فلا يبيتون ليلة إلا في خوف من قوارع الأعداء وطوارق الشرور المترادفة، فالله المستقان. وقد ورد حلب في مائتي ألف مقاتل بغتة في سنة إحدى وخمسين، وجال فيها جولة. ففر من بين يديه صاحبها سيف الدولة ففتحها اللعين عنوة، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إلا الله. وخرب دار سيف الدولة التي كانت ظاهر حلب، وأخذ أموالها وحواصلها وعددها وبدد شملها، وفرق عددها، واستفحل أمر الملعون بها فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبالغ في الاجتهاد في قتال الاسلام وأهله، وجد في التشمير، فالحكم لله العلي الكبير. وقد كان لعنه الله لا يدخل في بلد إلا قتل المقاتلة وبقية الرجال، وسبى النساء والأطفال، وجعل جامعها اصطبلا لخيوله، وكسر منبرها، واستنكث مأذنتها بخيله ورجله وطبوله. ولم يزل ذلك دأبه وديدنه حتى سلط الله عليه زوجته فقتلته بجواريها في وسط مسكنه. وأراح الله منه الاسلام وأهله، وأزاح عنهم قيام ذلك الغمام ومزق شمله، فلله النعمة والافضال، وله الحمد على كل حال. واتفق في سنة وفاته موت صاحب القسطنطينية. فتكاملت المسرات وخلصت الأمنية، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتذهب السيئات، وبرحمته تغفر الزلات. والمقصود أن هذا اللعين - أعني النقفور الملقب بالدمستق ملك الأرمن كان قد أرسل قصيدة إلى الخليفة المطيع لله، نظمها له بعض كتابه ممن كان قد خذله الله وأذله، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، وصرفه عن الاسلام وأصله. يفتخر فيها بهذا اللعين، ويتعرض لسب الاسلام والمسلمين، ويتوعد فيها أهل حوزة الاسلام بأنه سيملكها كلها حتى الحرمين الشريفين، عما قريب من الأعوام، وهو أقل وأذل وأخس وأضل من الانعام، ويزعم أنه ينتصر لدين المسيح ﵇ ابن البتول. وربما يعرض فيها بجناب الرسول عليه من ربه التحية والاكرام، ودوام الصلاة مدى الأيام. ولم يبلغني عن أحد من أهل ذلك العصر أنه رد عليه جوابه، إما لأنها لم تشتهر، وإما لأنه أقل من أن يردوا خطابه لأنه كالمعاند الجاحد. ونفس نظمها تدل على أنه شيطان مارد وقد انتخى للجواب عنها بعد ذلك أبو محمد بن حزم الظاهري: فأفاد وأجاد، وأجاب عن كل فصل باطل بالصواب والسداد، فبل الله بالرحمة ثراه. وجعل الجنة منقلبه ومثواه.

стр. 4256

وها أنا أذكر القصيدة الأرمنية المخذولة الملعونة، وأتبعها بالفريدة الاسلامية المنصورة الميمونة قال المرتد الكافر الأرمني على لسان ملكه لعنهما الله وأهل ملتهم أجمعين أكتعين أبتعين أبصعين آمين يا رب العالمين. ومن خط ابن عساكر كتبتها، وقد نقلوها من كتاب صلة الصلة للفرغاني: من الملك الطهر المسيحي مالك … إلى خلف الأملاك من آل هاشم إلى الملك الفضيل المطيع أخي العلا … ومن يرتجى للمعضلات العظائم أما سمعت أذناك ما أنا صانع … ولكن دهاك الوهن عن فعل حازم فإن تك عما قد تقلدت نائما … فإني عما همني غير نائم ثغوركم لم يبق فيها - لوهنكم … وضعفكم - إلا رسوم المعالم فتحنا الثغور الأرمنية كلها … بفتيان صدق كالليوث الضراغم ونحن صلبنا الخيل تعلك لجمها … وتبلغ منها قضمها للشكائم (١) إلى كل ثغر بالجزيرة آهل … إلى جند قنسريتكم فالعواصم ملطية مع سميساط من بعد كركر … وفي البحر أضعاف الفتوح التواخم وبالحدث الحمراء جالت عساكري … وكيسوم بعد الجعفري للمعالم وكم قد ذللنا من أعزة أهلها … فصاروا لنا من بين عبد وخادم وسد سروج إذ خربنا بجمعنا … لنا رتبة تعلوا على كل قائم وأهل الرها لاذوا بنا وتحزبوا … بمنديل مولى علا عن وصف آدمي وصبح رأس العين منا بطارق … ببيض غزوناها بضرب الجماجم ودارا وميافارقين وأزرنا … أذقناهم بالخيل طعم العلاقم واقريطش قد جازت إليها مراكبي … على ظهر بحر مزبد متلاطم فحزتهم أسرى وسيقت نساؤهم … ذوات الشعور المسبلات النواعم هناك فتحنا عين زربة عنوة … نعم وأبدنا كل طاغ وظالم إلى حلب حتى استبحنا حريمها … وهدم منها سورها كل هادم أخذنا النساء ثم البنات نسوقهم … وصبيانهم مثل المماليك خادم وقد فر عنها سيف دولة دينكم … وناصركم منا على رغم راغم وملنا على طرسوس ميلة حازم … أذقنا لمن فيها لحز الحلاقم فكم ذات عز حرة علوية … منعمة الأطراف ريا المعاصم سبينا فسقنا خاضعات حواسرا … بغير مهور، لا ولا حكم حاكم وكم من قتيل قد تركنا مجندلا … يصب دما بين اللها واللهازم

стр. 4257

وكم وقعة في الدرب أفنت كماتكم … وسقناهم قسرا كسوق البهائم وملنا على أرياحكم وحريمها … مدوخة تحت العجاج السواهم فأهوت أعاليها وبدل رسمها … من الانس وحشا بعد بيض نواعم إذا صاح فيهم البوم جاوبه الصدى … وأتبعه في الربع نوح الحمائم وإنطاك لم تبعد علي وإنني … سأفتحها يوما بهتك المحارم ومسكن آبائي دمشق فإنني … سأرجع فيها ملكنا تحت خاتمي ومصر سأفتحها بسيفي عنوة … وآخذ أموالا بها وبهائمي وأجزي كافورا بما يستحقه … بمشط ومقراض وقص محاجم الا شمروا يا أهل حمدان شمروا … أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم فأن تهربوا تنجوا كراما وتسلموا … من الملك الصادي بقتل المسالم (١) كذاك نصيبين وموصلها إلى … جزيرة آبائي وملك الأقادم سأفتح سامرا وكوثا وعكبرا … وتكريتها مع ماردين العواصم وأقتل أهليها الرجال بأسرها … وأغنم أموالا بها وحرائم ألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم … فكلكم مستضعف غير رائم رضيتم بحكم الديلمي ورفضه … فصرتم عبيدا للعبيد الديالم ويا قاطني الرملات ويلكم ارجعوا … إلى أرض صنعا راعيين البهائم وعودوا إلى أرض الحجاز أذلة … وخلوا بلاد الروم أهل المكارم سألقي جيوشا نحو بغداد سائرا … إلى باب طاق حيث دار القماقم وأحرق أعلاها وأهدم سورها … وأسبي دراريها على رغم راغم وأحرز أموالا بها وأسرة … وأقتل من فيها بسيف النقائم وأسري بجيشي نحو الأهواز مسرعا … لاحراز ديباج وخز السواسم وأشعلها نهبا وأهدم قصورها … وأسبي ذراريها كفعل الأقادم ومنها إلى شيراز والري فاعلموا … خراسان قصري والجيوش بحارم إلى شاس بلخ بعدها وخواتها … وفرغانة مع مروها والمخازم وسابور أهدمها وأهدم حصونها … وأوردها يوما كيوم السمائم (٢) وكرمان لا أنسى سجستان كلها … وكابلها النائي وملك الأعاجم أسير بجندي نحو بصرتها التي … لها بحر عجاج رائع متلازم إلى واسط وسط العراق وكوفة … كما كان يوما جندنا ذو العزائم

стр. 4258

واخرج منها نحو مكة مسرعا … أجر جيوشا كالليالي السواجم (١) فأملكها دهرا عزيزا مسلما … أقيم بها للحق كرسي عالم وأحوي نجدا كلها وتهامها … وسرا واتهام مدحج وقحاطم وأغزو يمانا كلها وزبيدها … وصنعاء هنا مع صعدة والتهائم فاتركها أيضا خرابا بلاقعا … خلاء من الاهلين أهل نعائم وأحوي أموال اليمانين كلها … وما جمع القرماط يوم محارم أعود إلى القدس التي شرفت بنا … بعز مكين ثابت الأصل قائم وأعلو سريري للسجود معظما … وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادم هنالك تخلوا الأرض من كل مسلم … لكل نقي الدين أغلف زاعم نصرنا عليكم حين جارت ولاتكم … وأعلنتمو بالمنكرات العظائم قضاتكم باعوا القضاء بدينهم … كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم عدولكم بالزور يشهد ظاهرا … وبالإفك والبرطيل مع كل قائم سأفتح أرض الله شرقا ومغربا … وأنشر دينا للصليب بصارمي فعيسى علا فوق السماوات عرشه … يفوز الذي والاه يوم التخاصم وصاحبكم بالترب أودى به الثرى … فصار رفاتا بين تلك الرمائم تناولتم أصحابه بعد موته … بسب وقذف وانتهاك المحارم هذا آخرها لعن الله ناظمها وأسكنه النار، (يوم لا تنفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار) [غافر: ٥٢] يوم يدعو ناظمها ثبورا ويصلى نارا سعيرا (يوم يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا) [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. إن كان مات كافرا. وهذا جوابها لأبي محمد بن حزم الفقيه الظاهري الأندلسي قالها ارتجالا حين بلغته هذه الملعونة عضبا لله ولرسوله ولدينه كما ذكر ذلك من رآه، فرحمه الله وأكرم مثواه وغفر له خطاياه. من المحتمي بالله رب العوالم … ودين رسول الله من آل هاشم محمد الهادي إلى الله بالتقى … وبالرشد والاسلام أفضل قائم عليه من الله السلام مرددا … إلى أن يوافي الحشر كل العوالم إلى قائل بالإفك جهلا وضلة … عن النقفور المفتري في الأعاجم دعوت إماما ليس من أمرائه … بكفيه إلا كالرسوم الطواسم (٢)

стр. 4259

دهته الدواهي في خلافته كما … دهت قبله الأملاك دهم الدواهم ولا عجب من نكبة أو ملمة … تصيب الكريم الجدود الأكارم ولو أنه في حال ماضي جدوده … لجرعتم منه سموم الأراقم عسى عطفة لله في أهل دينه … تجدد منه دارسات المعالم فخرتم بما لو كان فيكم حقيقة … لكان بفضل الله أحكم حاكم إذن لاعترتكم خجلة عند ذكره … وأخرس منكم كل فاه مخاصم سلبناكم كرا ففزتم بغرة … من الكر أفعال الضعاف العزائم فطرتم سرورا عند ذاك ونشوة … كفعل المهين الناقص المتعالم وما ذاك إلا في تضاعيف عقله … عريقا وصرف الدهر جم الملاحم ولما تنازعنا الأمور تخاذلا … ودانت لأهل الجهل دولة ظالم وقد شعلت فينا الخلائف فتنة … لعبدانهم مع تركهم والدلائم بكفر أياديهم وجحد حقوقهم … بمن رفعوه من حضيض البهائم وثبتم على أطرافنا عند ذاكم … وثوب لصوص عند غفلة نائم ألم تنتزع منك بأعظم قوة … جميع بلاد الشام ضربة لازم ومصرا وأرض القيروان بأسرها … وأندلسا قسرا بضرب الجماجم ألم ننتزع منكم على ضعف حالنا … صقلية في بحرها المتلاطم مشاهد تقديساتكم وبيوتها … لنا وبأيدينا على رغم راغم أما بيت لحم والقمامة بعدها … بأيدي رجال المسلمين الأعاظم وسركيسكم في أرض إسكندرية … وكرسيكم في القدس في أدرثاكم ضممناكم قسرا برغم أنوفكم … وكرسي قسطنطينية في المعادم ولا بد من عود الجميع بأسره … إلينا بعز قاهر متعاظم أليس يزيد حل وسط دياركم … على باب قسطنطينية بالصوارم ومسلمة قد داسها بعد ذاكم … بجيش تهام قد دوى بالضراغم وأخدمكم بالذل مسجدنا الذي … بنى فيكم في عصره المتقادم إلى جنب قصر الملك من دار ملككم … ألا هذه حق صرامة صارم وأدى لهارون الرشيد مليككم … رفادة مغلوب وجزية غارم سلبناكم مصر شهود بقوة … حبانا بها الرحمن أرحم راحم إلى بيت يعقوب وأرباب دومة … إلى لجة البحر المحيط المحاوم فهل سرتم في أرضنا قط جمعة … أبى لله ذا كم يا بقايا الهزائم فما لكم إلا الأماني وحدها … بضائع نوكي تلك أحلام نائم

стр. 4260

رويدا بعد نحو الخلافة نورها … وسفر مغير وجوه الهواشم وحينئذ تدرون كيف قراركم … إذا صدمتكم خيل جيش مصادم على سالف العادات منا ومنكم … ليالي بهم في عداد الغنائم سبيتم سبايا يحصر العد دونها … وسبيكم فينا كقطر الغمائم فلو رام خلق عدها رام معجزا … وأني بتعداد لرش الحمائم بأبناء بني حمدان وكافور صلتم … أراذل أنجاس قصار المعاصم دعي وحجام سطوتم عليهما … وما قدر مصاص دماء المحاجم فهلا على دميانة قبل ذاك أو … على محل أربا رماة الضراغم ليالي قادوكم كما اقتادكم … أقيال جرجان بحز الحلاقم وساقوا على رسل بنات ملوككم … سبايا كما سيقت ظباء الصرائم ولكن سلوا عنا هرقلا ومن خلى … لكم من ملوك مكرمين قماقم (١) يخبركم عنا التنوخ وقيصر … وكم قد سبينا من نساء كرائم وعما فتحنا من منيع بلادكم … وعما أقمنا فيكم من مآتم ودع كل نذل مفتر لا تعده … إماما ولا الدعوى له بالتقادم فهيهات سامرا وتكريت منكم … إلى جبل تلكم أماني هائم منى يتمناها الضعيف ودونها … نظائرها .. وحز الغلاصم تريدون بغداد سوقا جديدة … مسيرة شهر للفنيق القواصم (٢) محلة أهل الزهد والعلم والتقى … ومنزلة يختارها كل عالم دعوا الرملة الصهباء عنكم فدونها … من المسلمين الغر كل مقاوم ودون دمشق جمع جيش كأنه … سحائب طير ينتحي بالقوادم وضرب يلقي الكفر كل مذلة … كما ضرب السكي بيض الدراهم ومن دون أكناف الحجاز جحافل … كقطر الغيوم الهلائلات السواحم بها من بني عدنان كل سميدع … ومن حي قحطان كرام العمائم ولو قد لقيتم من قضاعة كبة … لقيتم ضراما في يبيس الهشائم إذا أصبحوكم ذكروكم بما خلا … لهم معكم من صادق متلاحم زمان يقودون الصوافن نحوكم … فجئتم ضمانا أنكم في الغنائم سيأتيكم منهم قريبا عصائب … تنسيكم تذكار أخذ العواصم وأموالكم حل لهم ودماؤكم … بها يشتفي حر الصدور الحوايم

стр. 4261

وأرضيكم حقا سيقتسمونها … كما فعلوا دهرا بعدل المقاسم ولو طرقتكم من خراسان عصبة … وشيراز والري الملاح القوائم لما كان منكم عند ذلك غير ما … عهدنا لكم: ذل وعض الأباهم فقد طالما زاروكم في دياركم … مسيرة عام بالخيول الصوادم فأما سجستان وكرمان بالأولى … وكابل حلوان بلاد المراهم وفي فارس والسوس جمع عرمرم … وفي أصبهان كل أروع عارم فلو قد أتاكم جمعهم لغدوتم … فرائس كالآساد فوق البهائم وبالبصرة الغراء والكوفة التي … سمت وبآدي واسط بالعظائم جموع تسامي الرمل عدا وكثرة … فما أحد عادوه منه بسالم ومن دون بيت الله في مكة التي … حباها بمجد للبرايا مراحم محل جميع الأرض منها تيقنا … محلة سفل الخف من فص خاتم دفاع من الرحمن عنها بحقها … فما هو عنها رد طرف برائم بها وقع الأحبوش هلكى وفيلهم … بحصباء طير في ذرى الجو حائم وجمع كجمع البحر ماض عرمرم … حمى بنية البطحاء ذات المحارم ومن دون قبر المصطفى وسط طيبة … جموع كمسود من الليل فاحم يقودهم جيش الملائكة العلى … دفاعا ودفعا عن مصل وصائم فلو قد لقيناكم لعدتم رمائما … كما فرق الاعصار عظم البهائم وباليمن الممنوع فتيان غارة … إذا ما لقوكم كنتم كالمطاعم وفي جانبي أرض اليمامة عصبة … معاذر أمجاد طوال البراجم نستفينكم والقرمطيين دولة … تقووا بميمون التقية حازم خليفة حق ينصر الدين حكمه … ولا يتقي في الله لومة لائم إلى ولد العباس تنمي جدوده … بفخر عميم مزبد الموج فاعم ملوك جرى بالنصر طائر سعدهم … فأهلا بماض منهم وبقادم محلهم في مسجد القدس أو لدى … منازل بغداد محل المكارم وإن كان من عليا عدي وتيمها … ومن أسد هذا الصلاح الحضارم فأهلا وسهلا ثم نعمى ومرحبا … بهم من خيار سالفين أقادم هم نصروا الاسلام نصرا مؤزرا … وهم فتحوا البلدان فتح المراغم رويدا فوعد الله بالصدق وارد … بتجريع أهل الكفر طعم العلاقم سنفتح قسطنطينية وذواتها … ونجعلكم فوق النسور القعاشم ونفتح أرض الصين والهند عنوة … بجيش الأرض الترك والخزر حاطم

стр. 4262

مواعيد للرحمن فينا صحيحة … وليست كآمال العقول السواقم ونملك أقصى أرضكم وبلادكم … ونلزمكم ذل الحر أو الغارم إلى أن ترى الاسلام قد عم حكمه … جميع الأراضي بالجيوش الصوارم أتقرن يا مخذول دينا مثلثا … بعيدا عن المعقول بادي المآثم تدين لمخلوق يدين لغيره … فيا لك سحقا ليس يخفى لعالم أناجيلكم مصنوعة قد تشابهت … كلام الأولى فيها أتوا بالعظائم وعود صليب ما تزالون سجدا … له يا عقول الهاملات السوائم تدينون تضلالا بصلب إلهكم … بأيدي يهود أذلين لائم إلى ملة الاسلام توحيد ربنا … فما دين ذي دين لها بمقاوم وصدق رسالات الذي جاء بالهدى … محمد الآتي برفع المظالم وأذعنت الأملاك طوعا لدينه … ببرهان صدق طاهر في المواسم كما دان في صنعاء مالك دولة … وأهل عمان حيث رهط الجهاضم (١) وسائر أملاك اليمانين أسلموا … ومن بلد البحرين قوم اللهازم أجابوا لدين الله لا من مخافة … ولا رغبة يحضى بها كف عادم فحلوا عرى التيجان طوعا ورغبة … بحق يقين بالبراهين فاحم وحاباه بالنصر المكين إلهه … وصير من عاداه تحت المناسم (٢) فقير وحيد لم تعنه عشيرة … ولا دفعوا عنه شتيمة شاتم ولا عنده ما عتيد لناصر ولا دفع مرهوب ولا لمسالم ولا وعد الأنصار مالا يخصهم … بلى كان معصوما لاقدر عاصم ولم تنهنهه قط قوة آسر … ولا مكنت من جسمه يد ظالم كما يفترى إفكا وزورا وضلة … على وجه عيسى منكم كل لاطم على أنكم قد قلتموا هو ربكم … فيا لضلال في القيامة عائم أبى لله أن يدعى له ابن وصاحب … ستلقى دعاة الكفر حالة نادم ولكنه عبد نبي رسول مكرم … من الناس مخلوق ولا قول زاعم أيلطم وجه الرب؟ تبا لدينكم … لقد فقتم في قولكم كل ظالم وكم آية أبدى النبي محمد … وكم علم أبداه للشرك حاطم تساوى جميع الناس في نصر حقه … بل لكل في إعطائه حال خادم

стр. 4263

معرب واحبوش وفرس وبربر … وكرديهم قد فاز قدح المراحم وقبط وأنباط وخزر وديلم … وروم رموكم دونه بالقواصم أبو كفر أسلاف لهم فتمنعوا … فآبوا بحظ في السعادة لازم به دخلوا في ملة الحق كلهم … ودانوا لاحكام الاله اللوازم به صح تفسير المنام الذي أتى … به دانيال قبله حتم حاتم وهند وسند أسلموا وتدينوا … بدين الهدى رفض لدين الأعاجم وشق له بدر السماوات آية … وأشبع من صاع له كل طاعم وسالت عيون الماء في وسط كفه … فأروى به جيشا كثيرا هماهم وجاء بما تقضى العقول بصدقه … ولا كدعاء غير ذات قوائم عليه سلام الله ما ذر شارق … تعقبه ظلماء أسحم قاتم براهينه كالشمس لا مثل قولكم … وتخليطكم في جوهر وأقانم لنا كل علم من قديم ومحدث … وأنتم حمير داميات المحازم أتيتم بشعر بارد متخاذل … ضعيف معاني النظم جم البلاعم فدونكها كالعقد فيه زمرد … ودر وياقوت بأحكام حاكم وفيها عزل ابن أبي الشوارب عن القضاء ونقضت سجلاته وأبطلت وأحكامه مدة أيامه، وولي القضاء عوضه أبو بشر عمر بن أكتم (١) بن رزق، ورفع عنه ما كان يحمله ابن أبي الشوارب في كل سنة. وفي ذي الحجة منها استسقى الناس لتأخر المطر - وذلك في كانون الثاني - فلم يسقوا. وحكى ابن الجوزي في المنتظم عن ثابت بن سنان المؤرخ قال: حدثني جماعة ممن أثق بهم أن بعض بطارقة الأرمن أنفذ في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين من الأرمن ملتصقين سنهما خمس وعشرون سنة، ملتحمين ومعهما أبوهما، ولهما سرتان وبطنان ومعدتان وجوعهما وريهما يختلفان، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى الغلمان، وكان يقع بينهما خصومة وتشاجر، وربما يحلف الآخر لا يكلم الآخر فيمكث كذلك أياما ثم يصطلحان، وهبهما ناصر الدولة ألفي درهم وخلع عليهما ودعاهما إلى الاسلام فيقال إنهما أسلما. وأراد أن يبعثهما إلى بغداد ليراهما الناس ثم رجع عن ذلك، ثم إنهما رجعا إلى بلدهما مع أبيهما فاعتل أحدهما ومات وأنتن ريحه وبقي الآخر لا يمكنه التخلص منه، وقد كان اتصال ما بينهما من الخاصرتين، وقد كان ناصر الدولة أراد فصل أحدهما عن الآخر وجمع الأطباء لذلك فلم يمكن، فلما مات أحدهما حار أبوهما في فصله عن أخيه فاتفق اعتلال الآخر من غمه ونتن أخيه فمات غما فدفنا جميعا في قبر واحد. وممن توفي فيها من الأعيان عمر بن أكثم بن أحمد بن حيان بن بشر أبو بشر الأسدي، ولد سنة

стр. 4264

أربع وثمانين ومائتين، وولي القضاء في زمن المطيع نيابة عن أبي السائب عتبة بن عبيد الله، ثم ولي قضاء القضاة، وهو أول من ولي قضاء القضاة من الشافعية سوى أبي السائب، وكان جيد السيرة في القضاء. توفي في ربيع الأول منها. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم منها عملت الرافضة عزاء الحسين كما تقدم في السنة الماضية اقتتل الروافض وأهل السنة في هذا اليوم قتالا شديدا، وانتهبت الأموال. وفيها عصى نجا غلام سيف الدولة عليه، وذلك أنه كان في العام الماضي قد صادر أهل حران وأخذ منهم أموالا جزيلة فتمرد بها وذهب إلى أذربيجان (١) وأخذ طائفة منها من يد رجل من الاعراب يقال له أبو الورد، فقتله وأخذ من أمواله شيئا كثيرا، وقويت شوكته بسبب ذلك، فسار إليه سيف الدولة فأخذه وأمر بقتله (٢) فقتل بين يديه، وألقيت جثته في الأقذار. وفيها جاء الدمستق إلى المصيصة فحاصرها وثقب سورها، فدافعه أهلها فأحرق رستاقها وقتل ممن حولها خمسة عشر ألفا وعاثوا فسادا في بلاد أذنة وطرسوس، وكر راجعا إلى بلاده. وفيها قصد معز الدولة الموصل وجزيرة ابن عمر فأخذ الموصل وأقام بها، فراسله في الصلح صاحبها فاصطلحا على أن يكون الحمل في كل سنة (٣)، وأن يكون أبو تغلب بن ناصر الدولة ولي عهد أبيه من بعده، فأجاب معز الدولة إلى ذلك، وكر راجعا إلى بغداد بعد ما جرت له خطوب كثيرة استقصاها ابن الأثير. وفيها ظهر رجل ببلاد الديلم وهو أبو عبد الله محمد بن الحسين من أولاد الحسين بن علي، ويعرف بابن الداعي، فالتف عليه خلق كثير، ودعا إلى نفسه وتسمى بالمهدي، وكان أصله من بغداد وعظم شأنه بتلك البلاد، وهرب منه ابن الناصر العلوي. وفيها قصد ملك الروم وفي صحبته الدمستق ملك الأرمن بلاد طرسوس فحاصرها مدة ثم غلت عليهم الأسعار وأخذهم الوباء فمات كثير منهم فكروا راجعين (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) [الأحزاب: ٢٥] وكان من عزمهم يريدون أن يستحوذوا على البلاد الاسلامية كلها، وذلك لسوء حكامها وفساد عقائدهم في الصحابة فسلم الله ورجعوا خائبين. وفيها كانت وقعة المختار (٤) ببلاد صقلية، وذلك أنه أقبل من الروم خلق كثير، ومن الفرنج ما يقارب مائة ألف، فبعث أهل صقلية إلى المعز الفاطمي يستنجدونه، فبعث إليهم جيوشا

стр. 4265

كثيرة في الأسطول، وكانت بين المسلمين والمشركين وقعة عظيمة صبر فيها الفريقان من أول النهار إلى العصر، ثم قتل أمير الروم منويل، وفرت الروم وانهزموا هزيمة قبيحة فقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا وسقط الفرنج في واد من الماء عميق فغرق أكثرهم وركب الباقون في المراكب، فبعث الأمير أحمد صاحب صقلية في آثارهم مراكب أخر فقتلوا أكثرهم في البحر أيضا، وغنموا في هذه الغزوة كثيرا من الأموال والحيوانات والأمتعة والأسلحة، فكان في جملة ذلك سيف مكتوب عليه: هذا سيف هندي زنته مائة وسبعون مثقالا، طالما قوتل به بين يدي رسول الله ﷺ ، فبعثوا به في جملة تحف إلى المعز الفاطمي إلى إفريقية. وفيها قصدت القرامطة مدينة طبرية ليأخذوها من يد الاخشيد صاحب مصر والشام، وطلبوا من سيف الدولة أن يمدهم بحديد يتخذون منه سلاحا، فقلع لهم أبواب الرقة - وكانت من حديد صامت - وأخذ لهم من حديد الناس حتى أخذ أواقي الباعة والأسواق، وأرسل بذلك كله إليهم، فأرسلوا إليه يقولون اكتفينا وفيها طلب معز الدولة من الخليفة أن يأذن له في دخول دار الخلافة ليتفرج فيها فأذن له فدخلها، فبعث الخليفة خادمه وصاحبه معه فطافوا بها وهو مسرع خائف، ثم خرج منها وقد خاف من غائلة ذلك وخشي أن يقتل في دهاليزها، فتصدق بعشرة آلاف لما خرج شكرا لله على سلامته، وازداد حبا في الخليفة المطيع من يومئذ، وكان في جملة ما رأى فيها من العجائب صنم من نحاس على صورة امرأة حسناء جدا، وحولها أصنام صغار في هيئة الخدم لها كان قد أتي بها في زمن المقتدر فأقيمت هناك ليتفرج عليها الجواري والنساء، فهم معز الدولة أن يطلبه من الخليفة ثم ارتأى فترك ذلك. وفي ذي الحجة منها خرج رجل بالكوفة فادعى أنه علوي، وكان يتبرقع فسمي المتبرقع وغلظت فتنته وبعد صيته، وذلك في غيبة معز الدولة عن بغداد واشتغاله بأمر الموصل كما تقدم، فلما رجع إلى بغداد اختفى المتبرقع وذهب في البلاد فلم ينتج له أمر بعد ذلك. وممن توفي فيها من الأعيان .. بكار بن أحمد ابن بكار بن بيان بن بكار بن درستويه بن عيسى المقري، روى الحديث عن عبد الله بن أحمد وعنه أبو الحسن الحماني، وكان ثقة أقرأ القرآن أزيد من ستين سنة ﵀. توفي في ربيع الأول منها وقد جاوز السبعين وقارب الثمانين، ودفن بمقبرة الخيزران عند قبر أبي حنيفة. أبو إسحاق الجهمي ولد سنة خمسين ومائتين، وسمع الحديث وكان إذا سئل أن يحدث يقسم أن لا يحدث حتى يجاوز المائة فأبر الله قسمه وجاوزها فأسمع. توفي عن مائة سنة وثلاثين سنة ﵀.

стр. 4266

ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم منها عملت الشيعة مآتمهم وبدعتهم على ما تقدم قبل، وغلقت الأسواق وعلقت المسوح، وخرجت النساء سافرات ناشرات شعورهن، ينحن ويلطمن وجوههن في الأسواق والأزقة على الحسين، وهذا تكلف لا حاجة إليه في الاسلام، ولو كان هذا أمرا محمودا لفعله خير القرون وصدر هذه الأمة وخيرتها وهم أولى به (لو كان خيرا ما سبقونا إليه) [الأحقاف: ١١] وأهل السنة يقتدون ولا يبتدعون، ثم تسلطت أهل السنة على الروافض فكبسوا مسجدهم مسجد براثا الذي هو عش الروافض وقتلوا بعض من كان فيه من القومة. وفيها في رجب منها جاء ملك الروم بجيش كثيف إلى المصيصة فأخذها قسرا وقتلا من أهلها خلقا، واستاق بقيتهم معه أسارى، وكانوا قريبا من مائتي ألف إنسان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم جاء إلى طرسوس فسأل أهلها منه الأمان فأمنهم وأمرهم بالجلاء عنها والانتقال منها، واتخذ مسجدها الأعظم اسطبلا لخيوله وحرق المنبر ونقل قناديله إلى كنائس بلده، وتنصر أهلها معه لعنه الله. وكان أهل طرسوس والمصيصة قد أصابهم قبل ذلك بلاء وغلاء عظيم، ووباء شديد، بحيث كان يموت منهم في اليوم الواحد ثمانمائة نفر، ثم دهمهم هذا الامر الشديد فانتقلوا من شهادة إلى شهادة أعظم منها. وعزم ملك الروم على المقام بطرسوس ليكون أقرب إلى بلاد المسلمين، ثم عن له فسار إلى القسطنطينية، وفي خدمته الدمستق ملك الأرمن لعنه الله. وفيها جعل أمر تسفير الحجيج إلى نقيب الطالبيين وهو أبو أحمد الحسن (١) بن موسى الموسوي، وهو والد الرضى والمرتضى، وكتب له منشور بالنقابة والحجيج. وفيها توفيت أخت معز الدولة فركب الخليفة في طيارة وجاء لعزائه فقبل معز الدولة الأرض بين يديه وشكر سعيه إليه، وصدقاته عليه. وفي ثاني عشر ذي الحجة منها عملت الروافض عيد غدير خم على العادة الجارية كما تقدم. وفيها تغلب على أنطاكية رجل يقال له رشيق النسيمي بمساعدة رجل يقال له ابن الأهوازي، وكان يضمن الطواحين، فأعطاه أموالا عظيمة وأطمعه في أخذ أنطاكية، وأخبره أن سيف الدولة قد اشتغل عنه بميافارقين وعجز عن الرجوع إلى حلب، ثم تم لهما ما راماه من أخذ أنطاكية، ثم ركبا منها في جيوش إلى حلب فجرت بينهما وبن نائب سيف الدولة حروب عظيمة، ثم أخذ البلد وتحصن النائب بالقلعة وجائته نجدة من سيف الدولة مع غلام له اسمه بشارة، فانهزم رشيق فسقط عن فرسه فابتدره بعض الاعراب فقتله وأخذ رأسه وجاء به إلى حلب، واستقل ابن الأهوازي سائرا إلى أنطاكية، فأقام رجلا من الروم اسمه دزبر (٢) فسماه الأمير، وأقام آخر من العلويين ليجعله خليفة وسماه الأستاذ. فقصده نائب حلب وهو قرعويه (٣)

стр. 4267

فاقتتلا قتالا شديدا فهزمه ابن الأهوازي واستقر بأنطاكية، فلما عاد سيف الدولة إلى حلب لم يبت بها إلا ليلة واحدة حتى سار إلى أنطاكية فالتقاه ابن الأهوازي فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزم دزبر وابن الأهوازي وأسر فقتلهما سيف الدولة (١). وفيها ثار رجل من القرامطة اسمه مروان كان يحفظ الطرقات لسيف الدولة. ثار بحمص فملكها وما حولها، فقصده جيش من حلب مع الأمير بدر فاقتتلوا معه فرماه بدر بسهم مسموم فأصابه، واتفق أن أسر أصحاب مروان بدرا فقتله مروان بين يديه صبرا ومات مروان بعد أيام وتفرق عنه أصحابه. وفيها عصى أهل سجستان أميرهم خلف بن أحمد، وذلك أنه حج في سنة ثلاث وخمسين واستخلف عليهم طاهر بن الحسين، فطمع في الملك بعده واستمال أهل البلد، فلما رجع من الحج لم يسلمه البلد وعصي عليه، فذهب إلى بخارى إلى الأمير منصور بن نوح الساماني فاستنجده، فبعث معه جيشا فاستنقذ البلد من طاهر وسلمها إلى الأمير خلف بن أحمد - وقد كان خلف عالما محبا للعلماء - فذهب طاهر فجمع جموعا ثم جاء فحاصر خلفا وأخذ منه البلد. فرجع خلف إلى الأمير منصور الساماني فبعث معه من استرجع له البلد ثانية وسلمها إليه، فلما استقر خلف بها وتمكن منها منع ما كان ان يحمله من الهدايا والتحف والخلع إلى الأمير منصور الساماني ببخارا، فبعث إليه جيشا فتحصن خلف في حصن يقال له حصن إراك (٢)، فنازله الجيش فيه تسع سنين (٣) لم يقدروا عليه، وذلك لمناعة هذا الحصن وصعوبته وعمق خندقه وارتفاعه، وسيأتي ما آل إليه أمر خلف بعد ذلك. وفيها قصدت طائفة في الترك بلاد الخزر فاستنجد أهل الخزر بأهل خوارزم فقالوا لهم: لو أسلمتم لنصرناكم. فأسلموا إلا ملكهم، فقاتلوا معهم الترك فأجلوهم عنها ثم أسلم الملك بعد ذلك ولله الحمد والمنة. وممن توفي من الأعيان … المتنبي الشاعر المشهور أحمد بن الحسين بن عبد الصمد أبو الطيب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي، كان أبوه يعرف بعيدان السقا وكان يسقي الماء لأهل الكوفة على بعير له، وكان شيخا كبيرا. وعيدان هذا قال ابن ماكولا والخطيب: هو بكسر العين المهملة وبعدها ياء مثناة من تحت، وقيل بفتح العين لا كسرها، فالله أعلم كان مولد المتنبي بالكوفة سنة ست (٤) وثلاثمائة ونشأ بالشام بالبادية فطلب الأدب ففاق أهل

стр. 4268

زمانه فيه، ولزم جناب سيف الدولة بن حمدان وامتدحه وحظي عنده، ثم صار إلى مصر وامتدح الاخشيد ثم هجاه وهرب منه، وورد بغداد فامتدح بعض أهلها، وقدم الكوفة ومدح ابن العميد فوصله من جهته ثلاثون ألف دينار، ثم سار إلى فارس فامتدح عضد الدولة بن بويه فأطلق له أموالا جزيلة تقارب مائتي ألف درهم، وقيل بل حصل هل منه نحو من ثلاثين ألف دينار، ثم دس إليه من يسأله أيما أحسن عطايا عضد الدولة بن بويه أو عطايا سيف الدولة بن حمدان؟ فقال: هذا أجزل وفيها تكلف، وتلك أقل ولكن عن طيب نفس من معطيها، لأنها عن طبيعة وهذه عن تكلف. فذكر ذلك لعضد الدولة فتغيظ عليه ودس عليه طائفة من الاعراب فوقفوا له في أثناء الطريق وهو راجع إلى بغداد، ويقال إنه كان قد هجى مقدمهم ابن فاتك الأسدي - وقد كانوا يقطعون الطريق - فلهذا أوعز إليهم عضد الدولة أن يتعرضوا له فيقتلوه ويأخذوا له ما معه من الأموال، فانتهوا إليه ستون راكبا في يوم الأربعاء وقد بقي من رمضان ثلاثة أيام، وقيل بل قتل في يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان، وقيل بل كان ذلك في شعبان، وقد نزل عند عين تحت شجرة انجاص، وقد وضعت سفرته ليتغدى، ومعه ولده محسن وخمسة عشر غلاما له، فلما رآهم قال. هلموا يا وجوه العرب إلى الغداء، فلما لم يكلموه أحس بالشر فنهض إلى سلاحه وخيله فتواقفوا ساعة فقتل ابنه محسن وبعض غلمانه وأراد وهو أن ينهزم. فقال له مولى له: أين تذهب وأنت القائل: فالخيل والليل والبيداء تعرفني … والطعن والضرب والقرطاس والقلم فقال له: ويحك قتلتني، ثم كر راجعا فطعنه زعيم القوم برمح في عنقه فقتله. ثم اجتمعوا عليه فطعنوه بالرماح حتى قتلوه وأخذوا جميع ما معه، وذلك بالقرب من النعمانية (١)، وهو آيب إلى بغداد، ودفن هناك وله من العمر ثمان وأربعون سنة (٢). وذكر ابن عساكر أنه لما نزل تلك المنزلة التي كانت قبل منزلته التي قتل بها، سأله بعض الاعراب أن يعطيهم خمسين درهما ويخفرونه، فمنعه الشح والكبر ودعوى الشجاعة من ذلك. وقد كان المتنبي جعفي النسب صلبيبة منهم، وقد ادعى حين كان مع بني كلب (٣) بأرض السماوة قريبا من حمص أنه علوي، ثم ادعى أنه نبي يوحى إليه، فاتبعه جماعة من جهلتهم وسفلتهم، وزعم أنه أنزل عليه قرآن فمن ذلك قوله: " والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي خسار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من

стр. 4269

المرسلين، فإن الله قامع بك من ألحد في دينه، وضل عن سبيله " وهذا من خذلانه وكثرة هذيانه وفشاره، ولو لزم قافية مدحه النافق بالنفاق، والهجاء بالكذب والشقاق، لكن أشعر الشعراء، وأفصح الفصحاء ولكن أراد بجهله وقلة عقله أن يقول ما يشبه كلام رب العالمين الذي لو اجتمعت الجن والإنس والخلائق أجمعون على أن يأتوا بسورة مثل سورة من أقصر سوره لما استطاعوا. ولما اشتهر خبره بأرض السماوة وأنه قد التف عليه جماعة من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بني الاخشيد وهو الأمير لؤلؤ بيض الله وجهه، فقاتله وشرد شمله، وأسر مذموما مدحورا، وسجن دهرا طويلا، فمرض في السجن وأشرف على التلف، فاستحضره واستتابه وكتب عليه كتابا اعترف فيه ببطلان ما ادعاه من النبوة، وأنه قد تاب من ذلك ورجع إلى دين الاسلام، فأطلق الأمير سراحه فكان بعد ذلك إذا ذكر له هذا يجحده إن أمكنه وإلا اعتذر منه واستحيا، وقد اشتهر بلفظة تدل على كذبه فيما كان ادعاه من الإفك والبهتان، وهي لفظة المتنبي، الدالة على الكذب ولله الحمد والمنة وقد قال بعضهم يهجوه: أي فضل لشاعر يطلب ال … فضل من الناس بكرة وعشيا عاش حينا يبيع في الكوفة الماء … وحينا يبيع ماء المحيا وللمتنبي ديوان شعر مشهور، فيه أشعار رائقة ومعان ليست بمسبوقة، بل مبتكرة شائقة. وهو في الشعراء المحدثين كامرئ القيس في المتقدمين، وهو عندي كما ذكر من له خبرة بهذه الأشياء مع تقدم أمره. وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في منتظمه قطعا رائقة استحسنها من شعره، وكذلك الحافظ ابن عساكر شيخ إقليمه، فمما استحسنه ابن الجوزي قوله: عزيزا سبى من داؤه الحدق النجل … عياء به مات المحبون من قبل فمن شاء فلينظر إلى فمنظري … نذير إلى من ظن أن الهوى سهل جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي … فأصبح لي عن كل شغل بها شغل ومن جسدي لم يترك السقم شعرة … فما فوقها إلا وفا له فعل كأن رقيبا منك سد مسامعي … عن العذل حتى ليس يدخلها العذل كأن سهاد الليل يعشق مقلتي … فبينهما في كل هجر لنا وصل ومن ذلك قوله: كشفت ثلاث ذوائب من شعرها … في ليلة فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها … فأرتني القمرين في وقت معا ومن ذلك قوله:

стр. 4270

ما نال أهل الجاهلية كلهم … شعري ولا سمعت بسحري بابل وإذا أتتك مذمتي من ناقص … فهي الشهادة لي بأني كامل (١) من لي بفهم أهيل عصر يدعي … أن يحسب الهندي منهم بأقل ومن ذلك قوله: ومن نكد الدينا على الحر أن يرى … عدوا له ما من صداقته بد (٢) وله: وإذا كانت النفوس كبارا … تعبت في مرادها الأجسام وله: ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت … على عينيه يرى صدقها كدبا وله: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل وله في مدح بعض الملوك: تمضي الكواكب والابصار شاخصة … منها إلى الملك الميمون طائره قد حزن في بشر في تاجه قمر … في درعه أسد تدمى أظافره حلو خلائقه شوس حقائقه … يحصى الحصى قبل أن تحصى ماثره ومنها قوله: يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الاسلام أحمد بن تيمية ﵀ أنه كان يكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله . وأخبرني العلامة شمس الدين بن القيم ﵀ أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو لله بما تضمناه من الذل والخضوع. ومما أورده ابن عساكر للمتنبي في ترجمته قوله: أبعين مفتقر إليك رأيتني (٣) … فأهنتني وقذفتني من حالقي

стр. 4271

لست الملوم، أنا الملوم، لأنني … أنزلت آمالي بغير الخالق قال ابن خلكان: وهذان البيتان ليسا في ديوانه، وقد عزاهما الحافظ الكندي إليه بسند صحيح (١). ومن ذلك قوله: إذا ما كنت في شرف مروم … فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم وله قوله: وما أنا بالباغي على الحب رشوة … قبيح هوى يرجى عليه ثواب (٢) إذا نلت منك الود فالكل هين (٣) … وكل الذي فوق التراب تراب وقد تقدم أنه ولد بالكوفة سنة ست (٤) وثلاثمائة، وأنه قتل في رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. قال ابن خلكان: وقد فارق سيف الدولة بن حمدان سنة أربع وخمسين (٥) لما كان من ابن خالويه إليه ما كان من ضربه إياه بمفتاح في وجهه فأدماه، فصار إلى مصر فامتدح كافور الاخشيد وأقام عنده أربع سنين، وكان المتنبي يركب في جماعة من مماليكه فتوهم منه كافور فجأة، فخاف المتنبي فهرب، فأرسل في طلبه فأعجزه، فقيل لكافور: ما هذا حتى تخافه؟ فقال: هذا رجل أراد أن يكون نبيا بعد محمد، أفلا يروم أن يكون ملكا بديار مصر؟ والملك أقل وأذل من النبوة. ثم صار المتنبي إلى عضد الدولة فامتدحه فأعطاه مالا كثيرا ثم رجع من عنده فعرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي فقتله وابنه محسن وغلامه مفلح يوم الأربعاء لست بقين من رمضان وقيل لليلتين، بسواد بغداد، وقد رثاه الشعراء، وقد شرح ديوانه العلماء بالشعر واللغة نحوا من ستين شرحا وجيزا وبسيطا. وممن توفي فيها من الأعيان أبو حاتم البستي صاحب الصحيح. محمد بن حبان ابن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد أبو حاتم البستي صاحب الأنواع والتقاسيم، وأحد

стр. 4272

الحفاظ الكبار المصنفين المجتهدين، رحل إلى البلدان وسمع الكثير من المشايخ، ثم ولي قضاء بلده ومات بها في هذه السنة وقد حاول بعضهم الكلام فيه من جهة معتقده ونسبه إلى القول بأن النبوة مكتسبة، وهي نزعة فلسفية والله أعلم بصحة عزوها إليه ونقلها عنه. وقد ذكرته في طبقات الشافعية. محمد بن الحسن بن يعقوب ابن الحسن بن الحسين بن مقسم أبو بكر بن مقسم المقري، ولد سنة خمس ومائتين، وسمع الكثير من المشايخ، روى عنه الدارقطني وغيره، وكان من أعرف الناس بالقراءات، وله كتاب في النحو على طريقة الكوفيين، سماه كتاب الأنوار. قال ابن الجوزي: ما رأيت مثله، وله تصانيف غيره، ولكن تكلم الناس فيه بسبب تفرده بقراءات لا تجوز عند الجميع، وكان يذهب إلى أن كل ما لا يخالف الرسم ويسوغ من حيث المعنى تجوز القراءة به كقوله تعالى: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) [يوسف: ٨٠] أي يتناجون. قال: لو قرئ نجيبا من النجابة لكان قويا. وقد ادعي عليه وكتب عليه مكتوب أنه قد رجع عن مثل ذلك، ومع هذا لم ينته عما كان يذهب إليه حتى مات. قاله ابن الجوزي. محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد ربه ابن موسى أبو بكر الشافعي، ولد بجبلان سنة ستين ومائتين، وسمع الكثير، وسكن بغداد، وكان ثقة ثبتا كثير الرواية، سمع منه الدارقطني وغيره من الحفاظ، وكان يحدث بفضائل الصحابة حين منعت الديالم من ذلك جهرا بالجامع بمدينة المنصور مخالفة لهم، وكذلك بمسجده بباب الشام. توفي في هذه السنة عن أربع (١) وتسعين سنة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم عملت الروافض بدعتهم الشنعاء وضلالتهم الصلعاء على عادتهم ببغداد. وفيها أجلى القرامطة الهجريين من عمان. وفيها قصدت الروم آمد فحاصروها فلم يقدروا عليها، ولكن قتلوا من أهلها ثلاثمائة وأسروا منهم أربعمائة، ثم ساروا إلى نصيبين، وفيها سيف الدولة فهم بالهرب مع العرب، ثم تأخر مجئ الروم فثبت مكانه وقد كادت تزلزل أركانه. وفيها وردت طائفة من جيش خراسان - وكانوا بضعة عشر ألفا (٢) - يظهرون أنهم يريدون … غزو الروم، فأكرمهم ركن

стр. 4273

الدولة بن بويه وأمنوا إليهم فنهضوا إليهم وأخذوا الديلم على غرة فقاتلهم ركن الدولة فظفر بهم لان البغي له مصرع وخيم وهرب أكثرهم. وفيها خرج معز الدولة من بغداد إلى واسط لقتال عمران بن شاهين حين تفاقم الحال بشأنه، واشتهر أمره في تلك النواحي، فقوي المرض بمعز الدولة فاستناب على الحرب ورجع إلى بغداد فكانت وفاته في السنة الآتية كما سنذكره - إلى حيث ألقت. وفيها قوي أمر أبي عبد الله بن الداعي ببلاد الديلم وأظهر النسك والعبادة، ولبس الصوف وكتب إلى الآفاق حتى إلى بغداد يدعو إلى الجهاد في سبيل الله لمن (١) سب أصحاب رسول الله ﷺ (٣). وفي جمادى الآخرة نودي برفع المواريث الحشرية وأن ترد إلى ذوي الأرحام. وفيها وقع الفداء بين سيف الدولة وبين الروم فاستنقذ منهم أسارى كثيرة، منهم ابن عمه أبو فراس بن سعيد بن حمدان، وأبو الهيثم بن حصن القاضي، وذلك في رجب منها (٢). وفيها ابتدأ معز الدولة بن بويه في بناء مارستان وأرصد له أوقافا جزيلة. وفيها قطعت بنو سليم السابلة على الحجيج من أهل الشام ومصر والمغرب، وأخذوا منهم عشرين ألف جمل بأحمالها، وكان عليها من الأموال والأمتعة ما لا يقدر كثرة، وكان لرجل يقال له ابن الخواتيمي قاضي طرسوس مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار عينا، وذلك أنه أراد التحول من بلاد الشام إلى العراق بعد الحج، وكذلك أراد كثير من الناس، وحين أخذوا جمالهم تركوهم على يرد الديار لا شئ لهم، فقل منهم من سلم والأكثر عطب، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وحج بالناس الشريف أبو أحمد نقيب الطالبيين من جهة العراق. وممن توفي فيها من الأعيان … الحسن بن داود ابن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو عبد الله العلوي الحسني. قال الحاكم: أبو عبد الله كان شيخ آل رسول الله ﷺ في عصره بخراسان وسيد العلوم في زمانه، وكان من أكثر الناس صلاة وصدقة ومحبة للصحابة، وصحبته مدة فما سمعته ذكر عثمان إلا قال: الشهيد، ويبكي. وما سمعته ذكر عائشة إلا قال: الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، ويبكي. وقد سمع الحديث من ابن خزيمة وطبقته، وكان آباؤه بخراسان وفي سائر بلدانهم سادات نجباء حيث كانوا:

стр. 4274

من آل بيت رسول الله منهم … لهم دانت رقاب بني معد محمد بن الحسين بن علي بن الحسن ابن يحيى بن حسان بن الوضاح، أبو عبد الله الأنباري الشاعر المعروف بالوضاحي، كان يذكر أنه سمع الحديث من المحاملي وابن مخلد وأبي روق. روى عنه الحاكم شيئا من شعره كان أشعر من في وقته، ومن شعره: سقى الله باب الكرخ ربعا ومنزلا … ومن حله صوب السحاب المجلل فلو أن باكي دمنة الدار بالكوى … وجارتها أم الرباب بمأسل رأى عرصات الكرخ أوحل أرضها … لأمسك عن ذكر الدخول فحومل أبو بكر بن الجعابي محمد بن عمر (١) بن سلم بن البراء بن سبرة بن سيار، أبو بكر الجعابي، قاضي الموصل، ولد في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين، سمع الكثير وتخرج بأبي العباس بن عقدة، وأخذ عنه علم الحديث وشيئا من التشيع أيضا، وكان حافظا مكثرا، يقال إنه كان يحفظ أربعمائة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، ويذاكر بستمائة ألف حديث ويحفظ من المراسيل والمقاطيع والحكايات قريبا من ذلك، ويحفظ أسماء الرجال وجرحهم وتعديلهم، وأوقات وفياتهم ومذاهبهم، حتى تقدم على أهل زمانه، وفاق سائر أقرانه. وكان يجلس للاملاء فيزدحم الناس عند منزله، وإنما كان يملي من حفظه إسناد الحديث ومتنه جيدا محررا صحيحا، وقد نسب إلى التشيع كأستاذه ابن عقدة، وكان يسكن بباب البصرة عندهم، وقد سئل عنه الدارقطني فقال: خلط. وقال أبو بكر البرقاني: صاحب غرائب، ومذهبه معروف في التشيع، وقد حكى عنه قلة دين وشرب خمر فالله أعلم. ولما احتضر أوصى أن تحرق كتبه فحرقت، وقد أحرق معها كتب كثيرة كانت عنده للناس، فبئس ما عمل. ولما أخرجت جنازته كانت سكينة نائحة الرافضة تنوح عليه في جنازته. ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة استهلت هذه السنة والخليفة المطيع لله، والسلطان معز الدولة بن بويه الديلمي، وفيها عملت الروافض في يوم عاشوراء عزاء الحسين على عادة ما ابتدعوه من النوح وغيره كما تقدم.

стр. 4275

وفاة معز الدولة بن بويه ولما كان ثالث عشر ربيع الأول منها توفي أبو الحسن بن بويه الديلمي الذي أظهر الرفض ويقال له معز الدولة، بعلة الذرب، فصار لا يثبت في معدته شئ بالكلية، فلما أحس بالموت أظهر التوبة (١) وأناب إلى الله ، ورد كثيرا من المظالم، وتصدق بكثير من ماله، وأعتق طائفة كثيرة من مماليكه، وعهد بالامر إلى ولده بختيار عز الدولة، وقد اجتمع ببعض العلماء فكلمه في السنة وأخبره أن عليا زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب، فقال: والله ما سمعت بهذا قط، ورجع إلى السنة ومتابعتها، ولما حضر وقت الصلاة خرج عنه ذلك الرجل العالم فقال له معز الدولة: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الصلاة فقال له ألا تصلي ههنا؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لان دارك مغصوبة. فاستحسن منه ذلك. وكان معز الدولة حليما كريما عاقلا، وكانت إحدى يديه مقوطعة وهو أول من أجرى السعاة بين يديه ليبعث بأخباره إلى أخيه ركن الدولة سريعا إلى شيراز، وحضي عنده أهل هذه الصناعة وكان عنده في بغداد ساعيان ماهران، وهما فضل، وبرغوش، يتعصب لهذا عوام أهل السنة، ولهذا عوام أهل الشيعة، وجرت لهما مناصف ومواقف. ولما مات معز الدولة دفن بباب التبن في مقابر قريش، وجلس ابنه للعزاء. وأصاب الناس مطر ثلاثة أيام تباعا، وبعث عز الدولة إلى رؤس الأمراء في هذه الأيام بمال جزيل لئلا تجتمع الدولة على مخالفته قبل استحكام مبايعته، وهذا من دهائه، وكان عمر معز الدولة ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ولايته إحدى وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا ويومين (٢)، وقد كان نادى في أيامه برد المواريث إلى ذوي الأرحام قبل بيت المال وقد سمع بعض الناس ليلة توفي معز الدولة هاتفا يقول: لما بلغت أبا الحسين … مراد نفسك بالطلب وأمنت من حدث الليا … لي واحتجبت عن النوب مدت إليك يد الردى … وأخذت من بين الرتب (٣) ولما مات قام بالامر بعده ولده عز الدولة فأقبل على اللعب واللهو والاشتغال بأمر النساء فتفرق شمله واختلفت الكلمة عليه، وطمع الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان في ملك بني بويه، وأرسل الجيوش الكثيرة صحبة وشمكير، فلما علم بذلك ركن الدولة بن بويه أرسل إلى ابنه عضد الدولة وابن أخيه عز الدولة يستنجدهما، فأرسلا إليه بجنود كثيرة، فركب فيها ركن الدولة
следующие страницы →