← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عن محمد (١) بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (٢) ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب، فقال: " ما هذا يا عائشة؟ فقالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع. فقال: " ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس. قال: وما الذي عليه هذا؟ قالت: جناحان. قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ " (٣). وقال بعض العلماء لما ترك الخيل لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها وهو الريح التي كانت غدوها شهرا ورواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله وقال: " إنك لا تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه " (٤). وقوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب). ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ههنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات (٥) وفي كثير منها نكارة شديدة وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا ههنا على مجرد التلاوة ومضمون ما ذكروه أن سليمان ﵇ غاب عن سريره أربعين يوما ثم عاد إليه ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما. وقد قدمنا أنه جدده وأن أول من جعله مسجدا إسرائيل ﵇ كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر، قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي؟ قال: مسجد بيت المقدس، قلت: كم

стр. 422

بينهما؟ قال: أربعون سنة " (١) ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام، وبين سليمان بن داود ﵉ أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس. كما قال الإمام أحمد، والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها " (٢). فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين، أي رعته بالليل فأكلت شجرة بالكلية، فتحاكموا إلى داود ﵇ فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال: بما حكم لكم نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود ﵇ ذلك فحكم به. وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبري: إنما ذهب بابنك. وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها " (٣). ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه وإياه ومدح بعد ذلك أباه فقال: (وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) [الأنبياء: ٧٩ - ٨٠]. ثم قال: (ولسليمان الريح عاصفة) أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة (تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين.

стр. 423

ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين) [الأنبياء: ٨١ - ٨٢]. وقال في سورة ص: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ص: ٣٦ - ٤٠]. لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها تجري بأمره رخاء (حيث أصاب) أي حيث أراد من أي البلاد. كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الإنس والجان، وغير ذلك من الحيوانات والطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء، فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرخاء فسارت به، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر (١) مسيرة شهر فيقيم هناك إلى آخر النهار. ثم يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس كما قال تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) [سبأ: ١٢ - ١٣]. قال الحسن البصري كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدى بها ويذهب رائحا منها فيبيت بكابل (٢) وبين دمشق وبين إصطخر مسيرة شهر، وبين إصطخر وكابل مسيرة شهر. قلت: قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان: أن إصطخر بنتها الجان لسليمان وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال. وأما القطر فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد: هو النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن أنبعها الله له. قال السدي ثلاثة أيام فقط (٣) أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات

стр. 424

وغيرها وقوله: (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) [سبأ: ١٢] أي وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء، لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الامر عذبه ونكل به (يعملون له ما يشاء من محاريب) وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس (وتماثيل) وهي الصور في الجدران وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم (١) (وجفان كالجواب). قال ابن عباس الجفنة كالجوبة من الأرض وعنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى: تروح على آل المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي يفهق (٢) وأما القدور الراسيات فقال عكرمة: أثافهيا منها. يعني أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن وهكذا قال مجاهد وغير واحد. ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والاحسان إلى الخلق من إنسان وجان قال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) [سبأ: ١٣] وقال تعالى: (والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد) يعني أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلئ وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك وقوله: (وآخرين مقرنين في الأصفاد) أي قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد: وهي القيود. هذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده، ولم يكن أيضا لمن كان قبله. وقد قال البخاري: ثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي [ص: ٣٥] فرددته خاسئا) " (٣). وكذا رواه

стр. 425

مسلم والنسائي من حديث شعبة. وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ فصلى فسمعناه يقول: " أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك، قال: " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات. ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة " (١) وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به. وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا مرة بن معبد، ثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة. فلما فرغ من صلاته قال: " لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين: الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل " (٢). روى أبو داود منه " فمن استطاع " إلى آخره عن أحمد بن سريج عن أحمد الزبيري به. وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمائة بمهور وثلاثمائة سراري وقيل بالعكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء. وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا أحد شقيه فقال النبي ﷺ لو قالها لجاهدوا في سبيل الله " (٣). وقال شعيب وابن أبي الزناد تسعين وهو أصح. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن

стр. 426

امرأة إلا امرأة ولدت نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ : " لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله الله " (١). إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يستثن فما ولدت إلا واحدة منهن بشق إنسان قال قال رسول الله ﷺ : " لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل في سبيل الله " تفرد به أحمد أيضا (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله قال: ونسي أن يقول إن شاء الله فأطاف بهن قال: فلم تلد منهن امرأة إلا واحدة نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ : " لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته " (٣) وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا مقاتل، عن أبي الزناد وابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن سليمان بن داود كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يوما: لأطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن فطاف عليهن فلم تحمل واحدة منهن إلا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان فقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله ". وهذا إسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر فإنه منكر الحديث ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح. وقد كان له ﵇ من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لاحد قبله، ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال: (وأوتينا من كل شئ) [النمل: ١٦] (وقال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) [ص: ٣٥] وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق. ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: (وهذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) أي أعط من شئت وأحرم من شئت فلا حساب عليك أي تصرف في المال كيف شئت، فإن الله قد سوغ لك كل ما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك، وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد الرسول، فإن من شأنه أن لا يعطي أحدا ولا يمنع أحدا إلا بإذن الله له في ذلك، وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين فاختار أن يكون عبدا رسولا (٤). وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك، فأشار إليه أن تواضع فاختار أن يكون عبدا

стр. 427

رسولا صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته إلى يوم القيامة فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة فلله الحمد والمنة. ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان ﵇ من خير الدنيا نبه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والاجر الجميل والقربة التي تقربه إليه والفوز العظيم والاكرام بين يديه وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). [ذكر] (١) وفاته و [كم كانت] (١) مدة ملكه وحياته قال الله ﵎: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) [سبأ: ١٤]. روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " كان سليمان نبي الله ﵇ إذا صلى رأس شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك فتقول كذا فيقول لأي شئ أنت؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء أنبتت فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك قالت الخروب قال لأي شئ أنت؟ قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الانس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا والجن تعمل فأكلتها الأرضة، فتبينت الانس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين. قال وكان ابن عباس يقرأها كذلك قال فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء (٢). لفظ ابن جرير. وعطاء الخراساني في حديثه نكارة. وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا وهو أشبه بالصواب والله أعلم. وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة كان سليمان ﵇ يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا [فيقول لها: لأي شئ نبت؟ فتقول: نبت لكذا وكذا فيأمر بها فقطع] (٣) فإن كانت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك؟ فقالت: أنا الخروبة. فقال ولأي شئ نبت؟ فقالت نبت

стр. 428

لخراب هذا المسجد. فقال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له. ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول الست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان ﵇ وهو في المحراب إلا احترق، ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة. ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي قراءة ابن مسعود فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك، أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذلك قول الله : (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) [سبأ: ١٤] يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لآتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين قال فإنهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في حوف الخشب فهو ما يأتيها به الشيطان تشكرا لها (١). وهذا فيه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب. وقال أبو داود في " كتاب القدر " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال سليمان بن داود ﵉ لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني، قال: ما أنا أعلم بذاك منك إنما هي كتب يلقى إلي فيها تسمية من يموت. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني. فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلي فاتكأ على عصاه قال فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متوك على عصاه ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت قال والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي قال فبعث الله دابة الأرض - يعني - إلى منسأته فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر، فلما رأت الجن ذلك انفضوا

стр. 429

وذهبوا قال فذلك قوله: (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين). قال أصبغ وبلغني عن غيره: أنها مكثت سنة تأكل في منسأته حتى خر وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم والله أعلم. قال إسحاق بن بشر، عن محمد ابن إسحاق، عن الزهري وغيره أن سليمان ﵇ عاش ثنتين (١) وخمسين سنة وكان ملكه أربعين سنة وقال إسحاق أنبأنا أبو روق عن عكرمة عن ابن عباس أن ملكه كان عشرين سنة والله أعلم وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود ﵉ نيفا وخمسين سنة. وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر. ثم ملك بعده ابنه رحبعام (٢) مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير وقال: ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل. [باب ذكر] (٣) جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى ﵈ فمنهم شعيا بن أمصيا قال محمد بن إسحاق وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد ﵉ وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا (٤) على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح، وكانت الاحداث قد عظمت في بني إسرائيل فمرض الملك، وخرجت في رجله قرحة. وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب قال ابن إسحاق في ستمائة ألف راية وفزع الناس فزعا عظيما شديدا وقال الملك للنبي شعيا: ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده فقال لم يوح إلي فيهم شئ بعد. ثم نزل عليه الوحي بالامر للملك حزقيا بأن يوصي ويستخلف على ملكه من يشاء فإنه قد اقترب أجله فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر: " اللهم رب الأرباب وإله الآلهة [القدوس المتقدس] (٥) يا رحمن يا رحيم [المترحم

стр. 430

الرؤوف الذي] (١) لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي سري وإعلاني لك " قال: فاستجاب الله له ورحمه، وأوحى الله إلى شعيا يبشره بأنه قد رحم بكاءه وقد أخر في أجله خمس عشر سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب [وجنوده] فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال في سجوده: " [يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت]، اللهم أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين [أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي] " فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح قد برئ. ففعل ذلك فشفي وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت (٢) فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم بخت نصر فأرسل ملك بني إسرائيل فجاء بهم، فجعلهم في الأغلال، وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوما ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير ثم أودعهم السجن، وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومهم ما قد حل بهم فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخربهم بما قد كان من أمرهم فقال له السحرة والكهنة: إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلما تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به. ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين. قال ابن إسحاق ثم لما مات حزقيا ملك بني إسرائيل مرج أمرهم واختلطت أحداثهم وكثر شرهم فأوحى الله تعالى إلى شعيا فقام فيهم فوعظهم وذكرهم وأخبرهم عن الله بما هو أهله وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذبوه. فلما فرغ من مقالته عدوا عليه وطلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها فلما رأو ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣). ومنهم إرميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب وقد قيل إنه الخضر. رواه الضحاك عن ابن عباس. وهو غريب وليس بصحيح (٤). قال

стр. 431

ابن عساكر: جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق فقال: أيها الدم فتنت الناس فاسكن فسكن. ورسب حتى غاب (١). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني علي بن أبي مريم، عن أحمد بن حباب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال أرميا: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرا، الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق، الذين لا تعرض لهم وساوس الفناء ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء. الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه. وإذا زوى عنهم سروا بذلك. أولئك أنحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم. [ذكر] (٢) خراب بيت المقدس وقوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل أن لا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح أنه كان عبدا شكورا. وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا. عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) [الاسراء: ٢ - ٨]. وقال وهب بن منبه أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وإني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم. فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي؟ إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها وإن هؤلاء القوم تركوا الامر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقي وأما قراؤهم فعبدوا غيري، وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي. خزنوا المكر في قلوبهم وعودوا الكذب ألسنتهم. وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب ومواكب كأمثال الفجاج (٣) كأن خفقان راياته طيران النسور وكأن حمل فرسانه كر (٤)

стр. 432

العقبان يعيدون العمران خرابا ويتركون القرى وحشة، فيا ويل أيليا وسكانها كيف أذللهم للقتل وأسلط عليهم السبا وأعيد بعد لجب الأعراس صراخا، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع وبعد ضوء السرج وهج العجاج وبالعز ذلا وبالنعمة العبودية وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب. وبالمشي على الزرابي الخبب، ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض وعظامهن ضاحية للشمس ولأدوسنهم بألوان العذاب، ثم لآمرن السماء فتكون طبقا من حديد والأرض سبيكة من نحاس، فإن أمطرت لم تنبت الأرض، وإن أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم. ثم أحبسه في زمان الزرع وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فإن خلص منه شئ نزعت منه البركة، فإن دعوتي لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ (١). وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الاحداث فيهم فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء طمع بخت نصر فيهم وقذف الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير إليهم لما أراد الله أن ينتقم به منهم فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي فقام أرميا فشق ثيابه وجعل الرماد على رأسه وخر ساجدا وقال: يا رب وددت أمي لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي فقال له: ارفع رأسك فرفع رأسه فبكى ثم قال: يا رب من تسلط عليهم فقال عبدة النيران لا يخافون عقابي، ولا يرجون ثوابي، قم يا أرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل. من قبل أن أخلقك اخترتك. ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك (٢) ولامر عظيم اجتبيتك فقم مع الملك تسدده وترشده فكان مع الملك يسدده ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الاحداث [في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم] ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله إلى أرميا [أن ائت قومك من بني إسرائيل] قم فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم فقال أرميا: " يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني " فقال تعالى: " أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن الخلق والامر كله لي وأن القلوب والألسنة (٣) كلها بيدي فأقلبها

стр. 433

كيف شئت فتطيعني فأنا الله الذي ليس شئ مثلي. قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي. وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي، ولا يعلم ما عندي غيري. وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدي، وتأتي بأمواج كالجبال، فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي وخوفا واعترافا لامري وإني معك، ولن يصل إليك شئ معي، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من أتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل لهم إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء. وكيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي؟ وكيف وجدتم مغبة معصيتي؟ وهل وجدوا أحدا عصاني؟ فسعد بمعصيتي؟ أو هل علموا أحدا أطاعني فشقي بطاعتي؟ إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة وتركوا الامر الذي به أكرمت آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وسنتي وعزوهم عني. فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي فهم يطيعونهم في معصيتي. وأما ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي وآمنوا مكري وغرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي، فهم يحترمون كتابي ويفترون على رسلي جرأة منهم وغرة بي فسبحان جلالي وعلو مكاني، وعظمة شأني هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟ وهل ينبغي لي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني؟ أو آذن لاحد بالطاعة لاحد. وهي لا تنبغي إلا لي. وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعملون لا ينتفعون بشئ مما علموا من كتابي. وأما أولاد النبيين، فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمون مثل نصري آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم بغير صدق منهم ولا تفكر ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم. وكيف كان جهدهم في أمري حين اغتر المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم بصروا وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني. فتطولت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون. وكل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم

стр. 434

العافية وأظهرهم على العدو، ولا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني، فحتى متى هذا؟ أبي يسخرون؟ أم بي يتحرشون؟ أم إياي يخادعون؟ أم علي يجترئون فإني أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم (١)، ويضل فيها رأي ذوي الرأي وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة، وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل [سواد] الليل المظلم. له فيه عساكر مثل قطع السحاب ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف (٢) راياته طيران النسور وحمل فرسانه كسرب (٣) العقبان يعيدون العمران خرابا والقرى وحشا ويعثون في الأرض فسادا ويتبرون ما علوا تتبيرا قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون ولا يرحمون. ولا يبصرون ولا يسمعون يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود وتطيش من سمعها الأحلام بألسنة لا يفقهونها ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها. فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري، ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير الدين ويتعلمون فيها لغير العمل، لأبدلن ملوكها بالعز الذل وبالأمن الخوف وبالغني الفقر وبالنعمة الجوع وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالأرواح الطيبة والأدهان جيف القتل، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والاغلال. ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة، والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيدة مساكن السباع، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الانس الوحشة والقفار. ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد. وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار، وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى الليل في بطون الأسواق، وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه، والسوق والاسفار والأرواح السموم. ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق (٤) لوصل ذلك إليه، إني إنما أكرم من أكرمني، وإنما أهين من هان عليه أمري. ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقا من حديد ولآمرن الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت. فإن أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليهم الآفة فإن خلص منه شئ نزعت منه البركة، وإن دعوني لم أجبهم وإن سألوني لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا إلي صرفت وجهي عنهم. وإن قالوا اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنك اخترتنا لنفسك، وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك ثم مكنت لنا في البلاد،

стр. 435

واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا، وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا فأنت أوفى المنعمين وإن غيرنا. ولا تبدل. وإن بدلنا، وإن تتم فضلك ومنك وطولك وإحسانك، فإن قالوا ذلك قلت لهم إني ابتدئ عبادي برحمتي ونعمتي. فإن قبلوا أتممت وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعفت، وإن غيروا غيرت، وإذا غيروا غضبت. وإذا غضبت عذبت وليس يقوم شئ بغضبي. قال كعب: فقال أرميا: برحمتك أصبحت أتعلم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولا، والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني، فإن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظني بك. ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت لذكرك، يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمة موسى نجيك، وقوم داود صفيك، يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم؟ وأمة نجيك موسى؟ وقوم خليفتك داود؟ تسلط عليهم عبدة النيران قال الله تعالى: يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إنما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلنهم دار العاصين إلا أن أتداركهم برحمتي ". قال أرميا: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به. وموسى قربته نجيا فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا ولا تسلط علينا عدونا فأوحى الله إليه: " يا أرميا إني قدستك في بطن أمك وأخرتك إلى هذا اليوم فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل لمكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها طاهر ماؤها ولا يغور ماؤها ولا تبور ثمارها ولا تنقطع، ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل: إني كنت لهم بمنزلة الداعي الشفيق أجنبهم كل قحط وكل عسرة وأتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشا ينطح بعضها بعضا فيا ويلهم ثم يا ويلهم إنما أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري، إن من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا فيظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رؤوس الجبال وظلال الأشجار حتى عجت السماء إلي منهم وعجت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها وفي كل ذلك لا ينهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب ". قال فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذبوه واتهموه وقالوا: " كذبت وأعظمت على الله الفرية فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته

стр. 436

وتوحيده فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب، لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون " فأخذوه وقيدوه وسجنوه فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى: (فجاسوا خلال الديار) [الاسراء: ٥] قال فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا الأبواب وتخللوا الأزقة وذلك قوله: (فجاسوا خلال الديار) وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش الجبارين فقتل منهم الثلث، وسبى الثلث، وترك الزمني (١)، والشيوخ والعجائز ثم وطئهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواق حاسرات، وقتل المقاتلة وخرب الحصون، وهدم المساجد، وحرق التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب، فوجدوه قد مات وأخرج أهل بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر. ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس ووطئ الشام كلها وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم. فلما فرغ منها انصرف راجعا وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف (٢) غلام وقذف الكناسات في بيت المقدس وذبح فيه الخنازير، وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين وثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون ونفتالي ابني يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب وألفين من سبط زيكون (٣) بن يعقوب وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي واثني عشر ألفا من سائر بني إسرائيل وانطلق حتى قدم أرض بابل. قال إسحاق بن بشر: قال وهب بن منبه: فلما فعل ما فعل قيل له: كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم. ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم فكذبوه واتهموه وضربوه وقيدوه وحبسوه. فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن فقال له أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم؟ قال: نعم قال: فأنى علمت ذلك؟ قال أرسلني الله إليهم فكذبوني قال كذبوك وضربوك وسجنوك قال: نعم قال: " بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك " قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت، لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني

стр. 437

إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك ولم يكن لك عليهم سلطان فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه، فأقام أرميا مكانه بأرض أيليا. وهذا سياق غريب. وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة وفيه من جهة التعريب غرابة. وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان بخت نصر أصفهبذا لما بين الأهواز إلى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب. وكان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب بالخنساء (١)، وقاتل الترك وألجأهم إلى أضيق الأماكن وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق، وقد قيل إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم. وقد روى ابن جرير: عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب: أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دما يغلي على كبا يعني القمامة فسألهم ما هذا الدم؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن. وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا وهذا لا يصح لان يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة والظاهر أن هذا دم نبي متقدم أو دم لبعض الصالحين أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به. قال هشام بن الكلبي ثم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من آل داود وصانعه عن بني إسرائيل وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع. فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه فضرب رقاب من معه من الرهائن ورجع إليهم فأخذ المدينة عنوة. وقتل المقاتلة وسبى الذرية. قال وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبي فأخرجه وقص عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه. فقال بخت نصر: بئس القوم قوم عصوا رسول الله وخلى سبيله وأحسن إليه واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا فادع الله أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى الله إليه أنه غير فاعل (٢) فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم ما أمره الله تعالى به فقالوا كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وغضب الله على أهلها فأبوا أن يقيموا (٣). قال ابن الكلبي: ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد فنزلت طائفة منهم الحجاز وطائفة يثرب وطائفة وادي القرى (٤)، وذهبت شرذمة منهم إلى مصر فكتب بخت نصر إلى ملكها

стр. 438

يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم. ثم ركب إلى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب ومصر وأهل بيت المقدس وأرض فلسطين والأردن وفي السبي دانيال [وغيره من الأنبياء] (١). قلت والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر على ما ذكره وهب بن منبه والله أعلم. [ذكر] (٢) شئ من خبر دانيال ﵇ قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني قال: إن لم أكن سمعته من شعيب ابن صفوان فحدثني بعض أصحابنا عنه، عن الأجلح الكندي، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال ضرا بخت نصر أسدين فألقاهما في جب، وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه، فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام: أن أعدد طعاما وشرابا لدانيال فقال يا رب أنا بالأرض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق فأوحى الله إليه أن أعدد ما أمرناك به فإنا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت. ففعل وأرسل إليه من حمله وحمل ما أعده حتى وقف على رأس الجب فقال دانيال من هذا؟ قال: أنا أرميا. فقال: ما جاء بك؟ فقال: أرسلني إليك ربك. قال وقد ذكرني ربي؟ قال: نعم. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. والحمد لله الذي يجيب من رجاه. والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره. والحمد لله الذي يجزي بالاحسان إحسانا. والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة. والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا. والحمد لله الذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ينقطع الحيل عنا. وقال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق، عن أبي خلد بن دينار، حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية. فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال سيركم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس فلا ينبشونه. قلت: فما يرجون منه، قال: كانت السماء إذا حبست عنهم [المطر] (٣) برزوا بسريره فيمطرون. قلت: من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال قلت منذ كم وجدتموه قد مات قال منذ ثلاثمائة سنة قلت: ما تغير منه شئ قال لا إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض

стр. 439

ولا تأكلها السباع. وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح لان عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله ﷺ نبي بنص الحديث الذي في البخاري والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة؟ وقيل ستمائة وقيل ستمائة وعشرون سنة وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة وهو قريب من وقت دانيال إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الامر فإنه قد يكون رجلا آخر إما من الأنبياء أو الصالحين ولكن قربت الظنون أنه دانيال لان دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجونا كما تقدم. وقد روى بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شبر. وعن أنس بن مالك بإسناد جيد أن طول أنفه ذراع فيحتمل على هذا أن يكون رجلا من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد والله أعلم. وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب أحكام القبور: حدثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد الله، عن أبي الأشعث الأحمري قال: قال رسول الله ﷺ : " إن دانيال دعا ربه أن تدفنه أمة محمد، فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده وقد كان رسول الله ﷺ قال من دل على دانيال فبشروه بالجنة. فكان الذي دل عليه رجل يقال له حرقوص فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره فكتب إليه عمر أن أدفنه وابعث إلى حرقوص فإن النبي ﷺ بشره بالجنة وهذا مرسل من هذا الوجه وفي كونه محفوظا نظر والله أعلم. ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو بلال، حدثنا قاسم بن عبد الله، عن عنبسة بن سعيد وكان عالما، قال: وجد أبو موسى مع دانيال مصحفا وجرة فيها ودك ودراهم وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أما المصحف فابعث به إلينا وأما الودك فابعث إلينا منه ومر من قبلك من المسلمين يستشفون به وأقسم الدراهم بينهم وأما الخاتم فقد نفلناكه. وروي عن ابن أبي الدنيا من غير وجه: أن أبا موسى لما وجده وذكروا له أنه دانيال التزمه وعانقه وقبله. وكتب إلى عمر يذكر له أمره وأنه وجد عنده مالا موضوعا قريبا من عشرة آلاف درهم وكان من جاء اقترض منها فإن ردها وإلا مرض وإن عنده ربعة (١) فأمر عمر بأن يغسل بماء وسدر (٢) ويكفن ويدفن ويخفى قبره، فلا يعلم به أحد وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال وبالربعة فتحمل إليه ونفله خاتمه. وروي عن أبي موسى: أنه أمر أربعة من الاسراء فسكروا نهرا (٣) وحفروا في وسطه قبرا فدفنه فيه ثم قدم الأربعة الاسراء فضرب أعناقهم فلم يعلم موضع (٤) قبره غير أبي موسى الأشعري ﵁

стр. 440

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: رأيت في يد ابن بردة بن أبي موسى الأشعري خاتما نقش فصه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل قال أبو بردة هذا خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال أخذه أبو موسى يوم دفنه. قال أبو بردة فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا: إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له انه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعور (١) ملكك ويفسده فقال الملك والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته إلا أنهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ قال أبو بردة قال أبو موسى قال: علماء تلك القرية فنقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. إسناد حسن. [ذكر] (٢) عمارة بيت المقدس بعد خرابها واجتماع [الملا من] (٢) بني إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض [وشعابها] (٢) قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) [البقرة: ٢٥٩] قال هشام بن الكلبي: ثم أوحى الله تعالى إلى أعليه السلام فيما بلغني: أني عامر بيت المقدس فأخرج إليها فانزلها، فخرج حتى قدمها خراب، فقال في نفسه: سبحان الله أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها فمتى يعمرها؟ ومتى يحييها الله بعد موتها؟ ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام (٣) فمكث في نومه سبعين (٤) سنة حتى هلك بخت نصر والملك الذي فوقه وهو لهراسب وكان ملكه مائة وعشرين سنة وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت بخت نصر في دولته فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الانس أحد فنادى في أرض بابل في

стр. 441

بني إسرائيل: أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لأرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تبنى وكيف تعمر ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر إليها عامرة آهلة قال أعلم أن الله على كل شئ قدير. قال فأقام بنو إسرائيل بها ورد الله عليهم أمرهم فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف. ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان يعني بعد ظهور النصارى عليهم. هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه (١). وذكر ابن جرير أن لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك والقواد وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل. ثم لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب فكان في زمانه ظهور دين المجوسية وذلك أن رجلا كان اسمه زردشت كان قد صحب أرميا ﵇ فأغضبه فدعا عليه أرميا فبرص زردشت فذهب فلحق بأرض آذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه فقبله منه بشتاسب وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقا كثير ممن أباه منهم. ثم كان بعد يشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والابطال المذكورين وقد ناب بخت نصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهرا طويلا قبحه الله. والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو أرميا ﵇. قال (٢) وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما وهو قوي من حيث السباق المتقدم وقد روي عن علي وعبد الله بن سلام وابن عباس والحسن وقتاة والسدي وسليمان بن بريدة وغيرهم أنه عزير. وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف والله أعلم. وهذه قصة العزير قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو عزير بن جروة ويقال بن سوريق بن عديا بن أيوب ابن درزنا بن عرى بن تقى بن أسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران. ويقال عزير بن سروخا جاء في بعض الآثار أن قبره بدمشق. ثم ساق من طريق أبي القاسم البغوي، عن داود بن عمرو عن حبان بن علي، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا لا أدري العين بيع أم لا ولا أدري أكان عزير نبيا أم لا ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن عن محمد بن إسحاق السجزي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب (٣)، عن سعيد المقبري، عن أبي

стр. 442

هريرة مرفوعا نحوه. ثم روي من طريق إسحاق بن بشر وهو متروك عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أن عزيزا كان ممن سباه بخت نصر وهو غلام حدث فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة قال ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه قال وكان يذكر مع الأنبياء حتى محى الله اسمه من ذلك حين سأل ربه عن القدر. وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر والله أعلم. وقال إسحاق بن بشر: عن سعيد، عن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن سلام: أن عزيزا هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن كعب وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن ومقاتل وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس وعبد الله بن إسماعيل السدي عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس وإدريس عن جده وهب بن منبه قال إسحاق: كل هؤلاء حدثوني عن حديث عزير وزاد بعضهم على بعض قالوا بإسنادهم أن عزيزا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة ثم أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها ورأى عظاما بالية فقال: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها) فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا فبعث الله ملك الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام. فلما أتت عليه مائة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث قال: فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى. ثم ركب خلقه وهو ينظر ثم كسى عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح كل ذلك وهو يرى ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب فقال أو بعض يوم ولم يتم لي يوم فقال له الملك بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك يعني الطعام الخبز اليابس وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس فذلك قوله: (لم يتسنه) يعني لم يتغير وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شئ من حالهما فكأنه أنكر في قلبه فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك انظر إلى حمارك فنظر إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك وعزير ينظر إليه ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار رافعا رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقا يظن القيامة قد قامت فذلك قوله: (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحما) يعني وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضا في أوصالها حتى إذا صارت عظاما مصورا حمارا بلا لحم ثم انظر كيف نكسوها لحما فلما

стр. 443

تبين له قال اعلم أن الله على كل شئ قدير من إحياء الموتى وغيره (١): قال فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منزله فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة (٢). فقال لها عزير يا هذه أهذا منزل عزير قالت: نعم هذا منزل عزير فبكت وقالت ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس قال فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر قال: فإني أنا عزير قالت: فإن عزيرا رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك. قال فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال (٣) فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر (٤) سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه قال: فنهض الناس، فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بخت نصر التوراة ولم يبق منها شئ إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه سروخا وقد دفن التوراة أيام بخت نصر في موضع يعرفه أحد غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب قال وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة ونزل من السماء شهابان (٥) حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل (٦). فمن ثم قالت اليهود عزير ابن الله للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل. والقرية التي مات فيها يقال لها سايراباذ. قال ابن عباس فكان كما قال الله تعالى: (ولنجعلك آية للناس) يعنى لبني

стр. 444

إسرائيل. وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب لأنه مات وهو ابن أربعين سنة فبعثه الله شابا كهيئة يوم مات قال ابن عباس بعث بعد بخت نصر وكذلك قال الحسن، وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس: واسود رأس شاب من قبله ابنه … ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر يرى ابنه شيخا يدب على عصا … ولحيته سوداء والرأس أشقر وما لابنه حيل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشي الصبي فيعثر يعد ابنه في الناس تسعين حجة … وعشرين لا يجري ولا يتبختر وعمر أبيه أربعون أمرها … ولأن ابنه تسعون في الناس غبر فما هو في المعقول إن كنت داريا … وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر فصل المشهور أن عزيرا نبي من أنبياء بني إسرائيل (١)، وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها فسردها على بني إسرائيل كما قال وهب بن منبه أمر الله ملكا فنزل بمعرفة (٢) من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفا بحرف حتى فرغ منها. وروى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله) [البقرة: ٣٠] لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه وقول بني إسرائيل لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب وإن عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب فرماه طوائف منهم وقالوا عزير ابن الله. ولهذا يقول كثير من العلماء: إن تواتر التوراة انقطع في زمن العزير. وهذا متجه جدا إذا كان العزيز غير بني كما قاله عطاء بن أبي رباح والحسن البصري، وفيما رواه إسحاق بن بشر عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، وعن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه ومقاتل عن عطاء بن أبي رباح قال: كان في الفترة تسعة أشياء بخت نصر وجنة صنعاء وجنة سبا وأصحاب الأخدود وأمر حاصورا وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل ومدينة أنطاكية وأمر تبع. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد عن قتادة، عن الحسن قال: كان أمر عزير وبخت نصر في الفترة. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " إن أولى الناس بابن مريم [الأنبياء أولاد علات] (٣) لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي " (٤)

стр. 445

وقال وهب بن منبه كان فيما بين سليمان وعيسى ﵉. وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيرا كان في زمن موسى بن عمران وأنه استأذن عليه فلم يأذن له يعني لما كان من سؤاله عن القدر وأنه انصرف وهو يقول مائة موتة أهون من ذل ساعة وفي معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء: قد يصبر الحر على السيف … ويأنف الصبر على الحيف ويؤثر الموت على حالة … يعجز فيها عن قرى الضيف فأما ما روى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونوف البكالي وسفيان الثوري وغيرهم من أنه سأل عن القدر فمحى اسمه من ذكر الأنبياء فهو منكر وفي صحته نظر وكأنه مأخوذ عن الإسرائيليات وقد روى عبد الرزاق وقتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن نوف البكالي قال قال عزير فيما يناجي ربه: " يا رب تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء " فقيل له أعرض عن هذا فعاد فقيل له لتعرض عن هذا أو لأمحون اسمك من الأنبياء إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محيا اسمه والله أعلم. وقد روى الجماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، وكذلك رواه شعيب عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت بالنار فأوحى الله إليه مهلا نملة واحدة " (١). فروى إسحاق بن بشر: عن ابن جريج، عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه أنه عزير. وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزير فالله أعلم. قصة زكريا ويحيى ﵉ قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم: (كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا. قال

стр. 446

كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا. قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا. يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا. وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا. وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا. وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) [مريم: ١ - ١٥]. وقال تعالى: (وكفلها زكريا كلما دخل عليهما زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين. قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء. قال رب اجعل لي آية. قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار) [آل عمران: ٣٧ - ٤١]. وقال تعالى في سورة الأنبياء: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠] وقال تعالى: (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) [الانعام: ٨٥]. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل. زكريا بن برخيا ويقال زكريا بن دان، ويقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهناشاط بن أينا من بن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي ﵇ من بني إسرائيل. دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى. وقيل إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى والله أعلم. وقد قيل غير ذلك في نسبه (١) ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر ويقال زكرى أيضا.

стр. 447

والمقصود ان الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر، وكانت امرأته [مع ذلك] (١) عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى: (ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا). قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي. وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال: " يا رب يا رب يا رب فقال الله لبيك لبيك لبيك ". (قال رب إني وهن العظم مني) أي ضعف وخار من الكبر (واشتعل الرأس شيبا) استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شبيه كما قال ابن دريد في مقصورته: أما ترى رأسي حاكى لونه … طرة صبح تحت أذيال الدجا واشتعل المبيض في مسوده … مثل اشتعال النار في جمر الغضا وآض عود اللهو يبسا ذاويا … من بعد ما قد كان مجاج الثرى يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا وهكذا قال زكريا ﵇: (إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) وقوله: (لم أكن بدعائك رب شقيا) أي ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ما ثان وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها ولا في آوانها وهذه من كرامات الأولياء فعلم أن الرازق للشئ في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وإن كان قد طعن في سنه (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) وقوله: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا) قيل المراد بالموالي العصبة وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال: (فهب لي من لدنك) أي من عندك بحولك وقوتك (وليا يرثني) أي في النبوة (٢) والحكم في بني إسرائيل: (ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) يعني كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية (٣) يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي وليس المراد ههنا وراثة

стр. 448

المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير ههنا وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه: أحدها: ما قدمنا عند قوله تعالى: (وورث سليمان داود) [النمل: ١٦] أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروى في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " (١) فهذا نص على أن رسول الله ﷺ لا يورث ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس ﵃ واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون ﵃. الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " (٢) وصححه. الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها. الرابع: أن زكريا ﵇ كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادا يستفضل منه ما لا يكون له ذخيرة له يخلفه من بعده وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم إن شاء الله. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد يعني ابن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " كان زكريا نجارا " (٣). وهكذا رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه عن حماد بن سلمة به. وقوله: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) [مريم: ٧]. وهذا مفسر بقوله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)

стр. 449

[آل عمران: ٣٩] فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) [مريم: ٨] أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والأشبه والله أعلم أنه كان أسن (١) من ذلك (وكانت امرأتي عاقرا) يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم. كما قال الخليل: (أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون) [الحجر: ٥٤] وقالت سارة: (يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [هود: ٧٢ - ٧٣] وهكذا أجيب زكريا ﵇ قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه (كذلك قال ربك هو علي هين) أي هذا سهل يسير عليه (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) أي قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وإن كنت شيخا. وقال تعالى: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء: ٩٠] ومعنى اصلاح زوجته: أنها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل كان في لسانها شئ أي بذاءة (٢) (قال رب اجعل لي آية) أي علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به (قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزا وأنت في ذلك سوي الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية. وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والابكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه (فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشيا). والوحي ههنا هو الامر الخفي إما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو إشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة. قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا)، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇ وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه (٣). قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله: (وآتيناه الحكم صبيا) وأما قوله: (وحنانا من لدنا) فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدري ما الحنان. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك (وحنانا من لدنا)

стр. 450

أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد. وعن عكرمة (وحنانا) أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال: (وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا) ثم قال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الانسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير. ولقد أحسن بعض الشعراء. حيث يقول: ولدتك أمك باكيا مستصرخا … والناس حولك يضحكون سرورا فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما، وأما قوله في الآية الأخرى: (وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) [آل عمران: ٣٩] فقيل المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله: (هب لي من لدنك ذرية طيبة) [آل عمران: ٣٨] وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لاحد يقول أنا خير من يونس بن متى " (١). علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة وهو منكر الحديث، وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العباداني عن علي بن زيد بن جدعان به مطولا ثم قال ابن خزيمة وليس على شرطنا. وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قال: موسى كليم الله. وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته. وقال قائل: إبراهيم خليل الله [وهم يذكرون

стр. 451

ذلك] (١) فقال: " أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب " قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا. وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدلس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب: حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا ". فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن ههنا. ثم قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلا. ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق: حدثنا محمد بن الأصبهاني، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال ما أحد إلا يلقى الله بذنب إلا يحيى بن زكريا. ثم تلا: (وسيدا وحصورا) ثم رفع شيئا من الأرض فقال ما كان معه إلا مثل هذا، ثم ذبح ذبحا وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفا صح من رفعه والله أعلم. وأورده ابن عساكر من طرق: عن معمر من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف، عن عثمان بن ساج (٢) عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه. وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى ﵉ " (٣). وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا بن خالة قد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبدا. قال: وما هي يا بن خالة؟ قال امرأة صدمتها. قال والله ما شعرت بها. قال: سبحان الله بدنك معي فأين روحك قال معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمئن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين ". فيه غرابة وهو من الإسرائيليات. وقال إسرائيل: عن أبي حصين، عن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان إليه أين ما جنهما الليل أويا فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى: أوصني قال: لا تغضب قال لا أستطيع إلا أن أغضب قال لا تقتن مالا قال أما هذه فعسى.

стр. 452

وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا ﵇ موتا أو قتل قتلا على روايتين: فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال هرب من قومه فدخل شجرة فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله إليه: لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنتين (١). وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعد إن شاء الله. وروى إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا فأما زكريا فمات موتا فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن النبي ﷺ قال: " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وكان أن يبطئ، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن. فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن؟ فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرا فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتي حصنا حصينا فتحصن فيه وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله . قال: وقال رسول الله ﷺ : " وأنا آمركم بخمس: الله أمرني بهن بالجماعة والسمع

стр. 453

والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الاسلام من عنقه إلا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم قال: يا رسول الله وإن صام وصلى قال: " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله المسلمين المؤمنين عباد الله " (١). وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير به. وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل كلاهما عن أبان بن يزيد العطار به، ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري به. ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام عن أخيه به. ثم قال تفرد به مروان الطاطري عن معاوية بن سلام. قلت وليس كما قال ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة عن أبي نوبة الربيع بن يافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية. ثم روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ذكر لنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم. وقد ذكروا أن يحيى ﵇ كان كثير الانفراد من الناس، إنما كان يأنس إلى البراري ويأكل من ورق الأشجار، ويرد ماء الأنهار، ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان ويقول: من أنعم منك يا يحيى. وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه فوجداه عند بحيرة الأردن فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله . وقال ابن وهب عن مالك، عن حميد بن قيس، عن مجاهد قال كان طعام يحيى بن زكريا العشب وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه. وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: جلست يوما إلى أبي إدريس الخولاني وهو يقص فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال: فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكي على نفسه فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام، وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه فقال يا أبت ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة (٢) لا يقطع إلا بدموع البكائين فقال له إبك يا بني فبكيا جميعا. وهكذا حكاه

стр. 454

وهب بن منبه ومجاهد بنحوه. وروى ابن عساكر عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله . ثم قال كم بين النعيمين وكم بينهما وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه. بيان سبب قتل يحيى ﵇ وذكروا في قتله أسبابا من أشهرها: أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه (١)، أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحيى ﵇ عن ذلك فبقي في نفسها (٢) منه. فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت إلى عندها فيقال إنها هلكت من فورها وساعتها. وقيل بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك فتمنع عليها الملك ثم أجابها إلى ذلك فبعث من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طشت. وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه " المبتدأ " حيث قال: أنبأنا يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه وقال له يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان ولم قتلك بنو إسرائيل. قال: يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه وكان أجملهم وأصبحهم وجها وكان كما قال الله تعالى: (سيدا وحصورا) وكان لا يحتاج إلى النساء فهوته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها فأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون في كل عام وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب. قال فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته وكان بها معجبا ولم تكن تفعله فيما مضى فلما أن شيعته قال الملك سليني فما سألتني شيئا إلا أعطيتك قالت: أريد دم يحيى بن زكريا قال لها: سليني غيره قالت: هو ذاك قال هو لك، قال: فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي وأنا إلى جانبه أصلي قال: فذبح في طشت وحمل رأسه ودمه إليها. قال: فقال رسول الله ﷺ فما بلغ من صبرك قال ما انفتلت من صلاتي قال: فلما حمل رأسه إليها فوضع بين يديها فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل قد غضب إله

стр. 455

زكريا لزكريا فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا قال فخرجوا في طلبي ليقتلوني وجاءني الندير فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي فلما تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني وقالت إلي إلي وانصدعت لي ودخلت فيها. قال وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجا من الشجرة، وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة هذا طرف ردائه دخلها بسحره، فقالوا نحرق هذه الشجرة، فاق إبليس: شقوه بالمنشار شقا. قال فشققت مع الشجرة بالمنشار قال له النبي ﷺ : هل وجدت له مسا أو وجعا قال لا إنما وجدت ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها. هذا سياق غريب جدا. وحديث عجيب ورفعه منكر وفيه ما ينكر على كل حال ولم ير في شئ من أحاديث الاسراء ذكر زكريا ﵇ إلا في هذا الحديث وإنما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الاسراء فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة [فجاء] (١) على قول الجمهور، كما هو ظاهر الحديث فإن أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران. وقيل بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم فيكون يحيى ابن خالة مريم فالله أعلم. ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الأقصى؟ أم بغيره على قولين: فقال الثوري عن الأعمش، عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا ﵇، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قدم بخت نصر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي فسأل عنه فأخبروه فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن. وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وأن قصة بخت نصر كانت بعد المسيح (٢) كما قاله عطاء والحسن البصري فالله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير وفي رواية كأنما قتل الساعة. وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة فالله أعلم.

стр. 456

وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصى في فضائل الأقصى من طريق العباس بن سبع؟؟. عن مروان، عن سعيد بن عبد العزيز، عن قاسم مولى معاوية قال: كان ملك هذه المدينة يعني دمشق هداد بن هداد وكان قد زوجه ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق وهو الصاغة العتيقة قال: وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا. ثم أنه أراد مراجعتها فاستفتى يحيى بن زكريا فقال: لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا وذلك بإشارة أمها فأبى عليها ثم أجابها إلى ذلك وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جيرون من أتاه برأسه في صينية فجعل الرأس يقول له لا تحل له لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها إلى قدميها ثم إلى حقويها وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ثم خسف بها إلى منكبيها فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها ففعل فلفظت الأرض جثتها عند ذلك ووقعوا في الذل والفناء ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بخت نصر فقتل عليه خمسة وسبعين ألفا. قال سعيد بن عبد العزيز وهي دم كل نبي ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا ﵇ فقال أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس فتبعهم إليها فقتل خلقا كثيرا لا يحصون كثرة وسبا منهم ثم رجع عنهم. قصة عيسى بن مريم [عبد الله ورسوله وابن أمته] (١) عليه من الله أفضل الصلاة والسلام قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله، الذين زعموا أن لله ولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله ﷺ فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم ويدعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة وهم الذات المقدسة وعيسى ومريم، على اختلاف فرقهم، فأنزل الله صدر هذه السورة بين فيها أن عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات وأنه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم وقال له كن فكان . وبين أصل ميلاد أمه مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى وكذلك بسط ذلك في سورة مريم كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته فقال تعالى وهو أصدق القائلين: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على

стр. 457

العالمين. ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) [آل عمران: ٣٣ - ٣٧]. يذكر تعالى أنه اصطفى آدم ﵇ والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته، ثم خصص فقال: (وآل إبراهيم) فدخل فيهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق. ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران والمراد بعمران هذا والد مريم ﵍ وقال محمد بن إسحاق وهو عمران بن باشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن موثم بن عزازيا بن أمصيا بن ياوش بن اخريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن إيان بن رحبعام بن سليمان بن داود. وقال أبو القاسم بن عساكر مريم بنت عمران بن ما ثان (١) بن العازر بن اليود بن أخبر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن أمون بن ميشا بن حزقا بن آحاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط بن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود ﵇. وفيه مخالفة كما ذكره محمد بن إسحاق ولا خلاف أنها من سلالة داود ﵇ وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور وقيل زوج خالتها أشياع (٢) فالله أعلم. وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوما طائرا يزق فرخا له فاشتهت الولد فنذرت لله أن حملت لتجعلن ولدها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس قالوا فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم ﵍ (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت) وقرئ بضم التاء: (وليس الذكر كالأنثى) أي في خدمة بيت المقدس وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم وقولها: (وإني سميتها مريم) استدل به على تسمية المولود يوم يولد وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله ﷺ فحنك أخاه وسماه عبد الله. وجاء في حديث الحسن عن سمرة

стр. 458

مرفوعا " كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه " (١) رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وجاء في بعض ألفاظه ويدمى بدل ويسمى وصححه بعضهم والله أعلم. وقولها: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " (٢) ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) (٣) [آل عمران: ٣٦] أخرجاه من حديث عبد الرزاق ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج عن بقية عن عبد الله بن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وقال أحمد: أيضا حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذؤيب، عن عجلان، مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى " (٤). تفرد به من هذا الوجه. ورواه مسلم (٥) عن أبي طاهر عن ابن وهب عن [عمرو] بن الحارث عن أبي يونس [مولى أبي هريرة] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وقال أحمد حدثنا هشيم حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا ما كان من مريم وابنها، ألم تر إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: " ذلك حين يلكزه الشيطان بحضنيه " (٦) وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه. ورواه قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم ومريم " ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) وكذا رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بأصل الحديث. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك، حدثنا المغيرة هو ابن

стр. 459

عبد الله الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب " (١). وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقوله: (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا) ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها. والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها. ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل أن زوجته أختها أو خالتها على القولين. فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الام. قال الله تعالى: (وكفلها زكريا) أي بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى: (ذلك من أنبأ الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) [آل عمران: ٤٤]. قالوا وذلك أن كلا منهم ألقى قلمه معروفا به ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاما لم يبلغ الحنث فأخرج واحدا منها وظهر قلم زكريا ﵇ فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر، فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه في الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء وسارت أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها. إذ كان أحق بها شرعا وقدرا لوجوه عديدة (٢). قال الله تعالى: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) [آل عمران: ٣٧] قال المفسرون اتخذ لها زكريا مكانا شريفا من المسجد لا يدخله سواه، فكانت تعبد الله فيه، وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى أنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها (أنى لك هذا فتقول هو من عند الله) أي رزق رزقنيه الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه وإن كان قد أسن وكبر (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) [آل عمران: ٣٨] قال بعضهم قال يامن يرزق مريم الثمر في

стр. 460

غير أبانه (١) هب لي ولدا وإن كان في غير أوانه فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته. [قال الله تعالى:]: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين. ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون. إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين. قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) [آل عمران: ٤٢ - ٥١]. يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها (٢) بأن اختارها لايجاد ولد منها من غير أب وبشرت بأن يكون نبيا شريفا (يكلم الناس في المهد) أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكذلك في حال كهولته فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلا لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها ﵂ ورحمها ورحم أمها وأباها فقول الملائكة: (يا مريم إن الله اصطفاك) أي اختارك واجتباك (وطهرك) أي من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة (واصطفاك على نساء العالمين). يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى: (إني اصطفيتك على الناس) [الأعراف: ١٤٤] وكقوله عن بني إسرائيل: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) [الدخان: ٣٢] ومعلوم أن إبراهيم ﵇ أفضل من موسى وأن محمدا ﷺ أفضل منهما وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عددا وأفضل علما وأزكى عملا من بني إسرائيل وغيرهم. ويحتمل أن يكون قوله: (واصطفاك على نساء العالمين) محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها ووجد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره
следующие страницы →