منصور بن صدقة أخا دبيس وولده، ورفعهما إلى القلعة، فعند ذلك آذى دبيس تلك الناحية ونهب البلاد، وجز شعره ولبس السواد، ونهبت أموال الخليفة أيضا، فنودي في بغداد للخروج لقتاله، وبرز الخليفة في الجيش وعليه قباء أسود وطرحة، وعلى كتفيه البردة وبيده القضيب، وفي وسطه منطقة حرير صيني، ومعه وزيره نظام الدين أحمد بن نظام الملك، ونقيب النقباء علي بن طراد الزينبي، وشيخ الشيوخ صدر الدين بن إسماعيل، وتلقاه آقسنقر البرشقي ومعه الجيش فقبلوا الأرض ورتب البرشقي الجيش، ووقف القراء بين يدي الخليفة، وأقبل دبيس وبين يديه الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي، والتقى الفريقان، وقد شهر الخليفة سيفه وكبر واقترب من المعركة، فحمل عنتر بن أبي العسكر على ميمنة الخليفة فكسرها وقتل أميرها ثم حمل مرة ثانية فكشفهم كالأولى فحمل عليه عماد الدين زنكي بن آقسنقر فأسر عنتر وأسر معه بديل (١) بن زائدة، ثم انهزم عسكر دبيس وألقوا أنفسهم في الماء، فغرق كثير منهم، فأمر الخليفة بضرب أعناق الأسارى صبرا بين يديه، وحصل نساء دبيس وسراريه تحت الأسر، وعاد الخليفة إلى بغداد فدخلها في يوم عاشوراء من السنة الآتية، وكانت غيبته عن بغداد ستة عشر يوما، وأما دبيس فإنه نجا بنفسه وقصد غزية ثم إلى المنتفق فصحبهم إلى البصرة فدخلها ونهبها وقتل أميرها، ثم خاف من البرشقي فخرج منها وسار على البرية والتحق بالفرنج، وحضر معهم حصار حلب، ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل أخي السلطان محمود. وفيها ملك السلطان سهام (٢) الدين تمراش بن إيلغازي ابن أرتق قلعة ماردين بعد وفاة أبيه، وملك أخوه سليمان ميافارقين. وفيها ظهر معدن نحاس بديار بكر قريبا من قلعة ذي القرنين. وفيها دخل جماعة من الوعاظ إلى بغداد فوعظوا بها، وحصل لهم قبول تام من العوام. وحج بالناس قطز الخادم.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
عبد الله بن أحمد
ابن عمر بن أبي الأشعث، أبو محمد السمرقندي، أخو أبي القاسم، وكان من حفاظ الحديث، وقد زعم أن عنده منه ما ليس عند أبي زرعة الرازي، وقد صحب الخطيب مدة وجمع وألف وصنف ورحل إلى الآفاق، توفي يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول (٣) بها عن ثمانين سنة (٤).
стр. 4622
علي بن أحمد السميري
نسبة إلى قرية بأصبهان، كان وزير السلطان محمود، وكان مجاهرا بالظلم والفسق، وأحدث على الناس مكوسا، وجددها بعد ما كانت قد أزيلت من مدة متطاولة، وكان يقول: قد استحييت من كثرة ظلم من لا ناصر له، وكثرة ما أحدثت من السنن السيئة، ولما عزم على الخروج إلى همذان أحضر المنجمين فضربوا له تخت رمل لساعة خروجه ليكون أسرع لعودته، فخرج في تلك الساعة وبين يديه السيوف المسلولة، والمماليك الكثيرة بالعدد الباهرة، فما أغنى عنه ذلك شيئا، بل جاءه باطني فضربه فقتله، ثم مات الباطني بعده، ورجع نساؤه بعد أن ذهبن بين يديه على مراكب الذهب، حاسرات عن وجوههن، قد أبدلهن الله الذل بعد العز، والخوف بعد الامن، والحزن بعد السرور والفرح، جزاء وفاقا، وذلك يوم الثلاثاء سلخ صفر، وما أشبه حالهن بقول أبي العتاهية في الخيزران وجواريها حين مات المهدي:
رحن في الوشي عليهن المسوح … كل بطاح من الناس له يوم يطوح
لتموتن ولو عمرت ما عمر نوح … فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح
الحريري صاحب المقامات
القاسم بن علي بن محمد بن محمد بن عثمان، فخر الدولة أبو محمد الحريري. مؤلف المقامات التي سارت بفصاحتها الركبان، وكاد يربو فيها على سحبان، ولم يسبق إلى مثلها ولا يلحق، ولد سنة ست وأربعين وأربعمائة وسمع الحديث واشتغل باللغة والنحو، وصنف في ذلك كله، وفاق أهل زمانه، وبرز على أقرانه، وأقام ببغداد وعمل صناعة الانشاء مع الكتاب في باب الخليفة، ولم يكن ممن تنكر بديهته ولا تتعكر فكرته وقريحته. قال ابن الجوزي: صنف وقرأ الأدب واللغة، وفاق أهل زمانه بالذكاء والفطنة والفصاحة، وحسن العبارة، وصنف المقامات المعروفة التي من تأملها عرف ذكاء منشئها، وقدره وفصاحته، وعلمه. توفي في هذه السنة بالبصرة. وقد قيل إن أبا زيد والحارث بن همام المطهر لا وجود لهما، وإنما جعل هذه المقامات من باب الأمثال، ومنهم من يقول أبو زيد بن سلام السروجي كان له وجود، وكان فاضلا، وله علم ومعرفة باللغة فالله أعلم. وذكر ابن خلكان أن أبا زيد كان اسمه المطهر بن سلام (١)، وكان بصريا فاضلا في النحو واللغة، وكان يشتغل عليه الحريري بالبصرة، وأما الحارث بن همام فإنه غني بنفسه، لما جاء في الحديث كلكم حارث وكلكم همام. كذا قال ابن خلكان. وإنما اللفظ المحفوظ " أصدق الأسماء حارث وهمام " لان كل أحد
стр. 4623
إما حارث وهو الفاعل، أو همام من الهمة وهو العزم والخاطر، وذكر أن أول مقامة عملها الثامنة والأربعون وهي الحرامية، وكان سببها أنه دخل عليهم في مسجد البصرة رجل ذو طمرين فصيح اللسان، فاستسموه، فقال: أبو زيد السروجي، فعمل فيه هذه المقامة، فأشار عليه وزير الخليفة المسترشد جلال الدين عميد الدولة أبو علي الحسن بن أبي المعز بن صدقة، أن يكمل عليها تمام خمسين مقامة. قال ابن خلكان: كذا رأيته في نسخة بخط المصنف، على حاشيتها، وهو أصح من قول من قال إنه الوزير شرف الدين أبو نصر أنوشروان بن محمد بن خالد بن محمد القاشاني، وهو وزير المسترشد أيضا، ويقال إن الحريري كان قد عملها أربعين مقامة، فلما قدم بغداد ولم يصدق في ذلك لعجز الناس عن مثلها، فامتحنه بعض الوزراء أن يعمل مقامة فأخذ الدواة والقرطاس وجلس ناحية فلم يتيسر له شئ، فلما عاد إلى بلده عمل عشرة أخرى فأتمها خمسين مقامة، وقد قال فيه أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر، وكان من جملة المكذبين له فيها:
شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان كما … رماه وسط الديوان بالخرس
ومعنى قوله بالمشان هو مكان بالبصرة، وكان الحريري صدر ديوان المشان، ويقال إنه كان ذميم الخلق، فاتفق أن رجلا رحل إليه فلما رآه ازدراه ففهم الحريري ذلك فأنشأ يقول:
ما أنت أول سار غره قمر … ورائدا أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل … مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني
ويقال إن المعيدي اسم حصان جواد كان في العرب ذميم الخلق والله أعلم.
البغوي المفسر
الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، صاحب التفسير وشرح السنة والتهذيب في الفقه، والجمع بين الصحيحين والمصابيح في الصحاح والحسان، وغير ذلك، اشتغل على القاضي حسين وبرع في هذه العلوم، وكان علامة زمانه فيها، وكان دينا ورعا زاهدا عابدا صالحا. توفي في شوال منها وقيل في سنة عشر فالله أعلم. ودفن مع شيخه القاضي حسين بالطالقان. والله أعلم.
ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة
في يوم عاشوراء منها عاد الخليفة من الحلة إلى بغداد مؤيدا منصورا من قتال دبيس. وفيها عزم الخليفة على طهور أولاد أخيه، وكانوا اثني عشر ذكرا، فزينت بغداد سبعة أيام بزينة لم ير مثلها. وفي
стр. 4624
شعبان منها قدم أسعد المهيتي مدرسا بالنظامية ببغداد، وناظرا عليها، وصرف الباقرجي عنها، ووقع بينه وبين الفقهاء فتنة بسبب أنه قطع منهم جماعة، واكتفى بمائتي طالب منهم، فلم يهن ذلك على كثير منهم. وفيها سار السلطان محمود إلى بلاد الكرج وقد وقع بينهم وبين القفجاق خلف فقاتلهم فهزمهم، ثم عاد إلى همدان. وفيها ملك طغتكين صاحب دمشق مدينة حماه بعد وفاة صاحبها قراجا (١)، وقد كان ظالما غاشما. وفيها عزل نقيب العلويين وهدمت داره وهو علي بن أفلح، لأنه كان عينا لدبيس، وأضيف إلى علي بن طراد نقابة العلويين مع نقابة العباسيين.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن محمد
ابن علي (٢) بن صدقة، التغلبي، المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي، الكاتب، له ديوان شعر مشهور. قال ابن عساكر ختم به شعر الشعراء بدمشق، شعره جيد حسن، وكان مكثرا لحفظ الاشعار المتقدمة وأخبارهم، وأورد له ابن خلكان قطعة جيدة من شعره من قصيدته التي لو لم يكن له سواها لكفته وهي التي يقول فيها (٣):
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه (٤) … فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه … متى هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي، لو أحببتما لعلمتما … محل الهوى من مغرم القلب صبه
أتذكر والذكرى تشوق وذو الهوى … يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه … وشوق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوي الضلوع على جوى … متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة … تضمن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض … وفي القلب من أعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنة … حذارا وخوفا (٥) أن تكون لحبه
توفي في رمضان منها عن سبع وتسعين (٦) سنة بدمشق.
стр. 4625
ثم دخلت سنة ثمان عشر وخمسمائة
فيها ظهرت الباطنية بآمد فقاتلهم أهلها فقتلوا منهم سبعمائة. وفيها ردت شحنكية بغداد إلى سعد الدولة يرنقش الزكوي وسلم إليه منصور بن صدقة أخو دبيس ليسلمه إلى دار الخلافة، وورد الخبر بأن دبيسا قد التجأ إلى طغرلبك وقد اتفقا على أخذ بغداد، فأخذ الناس بالتأهب إلى قتالهما، وأمر آقسنقر بالعود إلى الموصل، فاستناب على البصرة عماد الدين زنكي بن آقسنقر. وفي ربيع الأول دخل الملك حسام تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب حلب، وقد ملكها بعد ملكها بلك بن بهرام، وكان قد حاصر قلعة منبج فجاءه سهم في حلقه فمات، فاستناب تمرتاش بحلب، ثم عاد إلى ماردين فأخذت منه بعد ذلك، أخذها آقسنقر مضافة إلى الموصل، وفيها أرسل الخليفة القاضي أبا سعد الهروي ليخطب له ابنة السلطان سنجر، وشرع الخليفة في بناء دار على حافة دجلة لأجل العروس. وحج بالناس جمال الدولة إقبال المسترشدي.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن علي بن برهان
أبو الفتح، ويعرف بابن الحمامي، تفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وبرع في مذهب الإمام أحمد، ثم نقم عليه أصحابه أشياء، فحمله ذلك على الانتقال إلى مذهب الشافعي، فاشتغل على الغزالي والشاشي، وبرع وساد وشهد عند الزينبي فقبله، ودرس في النظامية شهرا. توفي في جمادى ودفن بباب إبرز.
عبد الله بن محمد بن جعفر
أبو علي الدامغاني، سمع الحديث وشهد عند أبيه وناب في الكرخ عن أخيه، ثم ترك ذلك كله، وولي حجابة باب النوبي، ثم عزل ثم أعيد. توفي في جمادى.
أحمد بن محمد
ابن إبراهيم أبو الفضل الميداني (١)، صاحب كتاب الأمثال، ليس له مثله في بابه، له شعر جيد، توفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من رمضان والله سبحانه أعلم.
стр. 4626
ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة
فيها قصد دبيس والسلطان طغرل بغداد ليأخذاها من يد الخليفة، فلما اقتربا منها برز إليهما الخليفة في جحفل عظيم، والناس مشاة بين يديه إلى أول منزلة، ثم ركب الناس بعد ذلك، فلما أمست الليلة التي يقتتلون في صبيحتها، ومن عزمهم أن ينهبوا بغداد، أرسل الله مطرا عظيما، ومرض السلطان طغرل في تلك الليلة، فتفرقت تلك الجموع ورجعوا على أعقابهم خائبين خائفين، والتجأ دبيس وطغرل إلى الملك سنجر وسألاه الأمان من الخليفة، والسلطان محمود، فحبس دبيسا في قلعة ووشى واش أن الخليفة يريد أن يستأثر بالملك، وقد خرج من بغداد إلى اللان لمحاربة الأعداء، فوقع في نفس سنجر من ذلك وأضمر سوء، مع أنه قد زوج ابنته من الخليفة. وفيها قتل القاضي أبو سعد بن نصر بن منصور الهروي بهمدان، قتلته الباطنية، وهو الذي أرسله الخليفة إلى سنجر ليخطب ابنته. وحج بالناس قطز الخادم.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
آقسنقر البرشقي (١)
صاحب حلب، قتلته الباطنية - وهم الفداوية - في مقصورة جامعها يوم الجمعة، وقد كان تركيا جيد السيرة، محافظا على الصلوات في أوقاتها، كثير البر والصدقات إلى الفقراء، كثير الاحسان إلى الرعايا، وقام في الملك بعده ولده السلطان عز الدين مسعود، وأقره السلطان محمود على عمله.
بلال (٢) بن عبد الرحمن
ابن شريح بن عمر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سليمان بن بلال بن رباح، مؤذن رسول الله ﷺ ، رحل وجال في البلاد، وكان شيخا جهوري الصوت، حسن القراءة، طيب النغمة توفي في هذه السنة بسمرقند ﵀.
القاضي أبو سعد الهروي
أحمد (٣) بن نصر، أحد مشاهير الفقهاء، وسادة الكبراء، قتلته الباطنية بهمذان فيها.
стр. 4627
ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة
فيها تراسل السلطان محمود والخليفة على السلطان سنجر، وأن يكونا عليه، فلما علم بذلك سنجر كتب إلى ابن أخيه محمود ينهاه ويستميله إليه، ويحذره من الخليفة، وأنه لا تؤمن غائلته، وأنه متى فرغ مني دار إليك فأخذك، فأصغى إلى قول عمه ورجع عن عزمه، وأقبل ليدخل بغداد عامه ذلك، فكتب إليه الخليفة ينهاه عن ذلك لقلة الأقوات بها، فلم يقبل منه، وأقبل إليه، فلما أزف قدومه خرج الخليفة من داره وتجهز إلى الجانب الغربي فشق عليه ذلك وعلى الناس، ودخل عيد الأضحى فخطب الخليفة الناس بنفسه خطبة عظيمة بليغة فصيحة جدا، وكبر وراءه خطباء الجوامع، وكان يوما مشهودا. وقد سردها ابن الجوزي بطولها ورواها عن من حضرها، مع قاضي القضاة الزينبي، وجماعة من العدول، ولما نزل الخليفة عن المنبر ذبح البدنة بيده، ودخل السرادق وتباكى الناس ودعوا للخليفة بالتوفيق والنصر، ثم دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم الثلاثاء الثامن عشر (١) من ذي الحجة، فنزلوا في بيوت الناس وحصل للناس منهم أذى كثير في حريمهم، ثم إن السلطان راسل الخليفة في الصلح فأبى ذلك الخليفة، وركب في جيشه وقاتل الأتراك ومعه شرذمة قليلة من المقاتلة، ولكن العامة كلهم معه، وقتل من الأتراك خلقا، ثم جاء عماد الدين زنكي في جيش كثيف من واسط في سفن إلى السلطان نجدة، فلما استشعر الخليفة ذلك دعا إلى الصلح، فوقع الصلح بين السلطان والخليفة، وأخذ الملك يستبشر بذلك جدا، ويعتذر إلى الخليفة مما وقع، ثم خرج في أول السنة الآتية إلى همذان لمرض حصل له. وفيها كان أول مجلس تكلم فيه ابن الجوزي على المنبر يعظ الناس، وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، وحضره الشيخ أبو القاسم علي بن يعلى العلوي البلخي، وكان نسيبا، علمه كلمات ثم أصعده المنبر فقالها، وكان يوما مشهودا. قال ابن الجوزي: وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفا، والله أعلم. وفيها اقتتل طغتكين صاحب دمشق وأعداؤه من الفرنج فقتل منهم خلقا كثيرا، وغنم منهم أموالا جزيلة ولله الحمد والمنة.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن محمد بن محمد
أبو الفتح الطوسي الغزالي، أخو أبي حامد الغزالي، كان واعظا مفوها، ذا حظ من الكلام والزهد وحسن التأني، وله نكت جيدة، ووعظ مرة في دار الملك محمود فأطلق له ألف دينار، وخرج فإذا على الباب فرس الوزير بسرجها الذهب، وسلاحها وما عليها من الحلى، فركبها، فبلغ ذلك
стр. 4628
الوزير فقال: دعوه ولا يرد علي الفرس، فأخذها الغزالي، وسمع مرة ناعورة تئن فألقى عليها رداءه فتمزق قطعا قطعا. قال ابن الجوزي: وقد كانت له نكت إلا أن الغالب على كلامه التخليط والأحاديث الموضوعة المصنوعة، والحكايات الفارغة، والمعاني الفاسدة، ثم أورد ابن الجوزي أشياء منكرة من كلامه فالله أعلم، من ذلك أنه كان كلما أشكل عليه شئ رأى رسول الله ﷺ في اليقظة فسأله عن ذلك فدله على الصواب، وكان يتعصب إلى بليس ويعتذر له، وتكلم فيه ابن الجوزي بكلام طويل كثير. قال ونسب إلى محبة المردان والقول بالمشاهدة فالله أعلم بصحة ذلك. قال ابن خلكان: كان واعظا مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه ودرس بالنظامية نيابة عن أخيه لما تزهد، واختصر إحياء علوم الدين في مجلد سماه " لباب الإحيا " وله: " الذخيرة في علم البصيرة "، وطاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه، وكان مائلا إلى الانقطاع والعزلة والله أعلم بحاله.
أحمد بن علي (١)
ابن محمد الوكيل، المعروف بابن برهان، أبو الفتح الفقيه الشافعي، تفقه على الغزالي وعلى الكيا الهراسي، وعلى الشاشي، وكان بارعا في الأصول، وله كتاب الذخيرة في أصول الفقه، وكان يعرف فنونا جيدة، بعينها. وولي تدريس النظامية ببغداد دون شهر.
بهرام بن بهرام
أبو شجاع البيع، سمع الحديث وبنى مدرسة لأصحاب أحمد بكلواذي، ووقف قطعة من أملاكه على الفقهاء بها.
صاعد بن سيار
ابن محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو الأعلا الإسحاقي الهروي الحافظ، أحد المتقنين، سمع الحديث وتوفي بعتورج قرية على بابه هراة.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
استهلت هذه السنة والخليفة والسلطان محمود متحاربان والخليفة في السرادق في الجانب
стр. 4629
الغربي، فلما كان يوم الأربعاء رابع المحرم توصل جماعة من جند السلطان إلى دار الخلافة فحصل فيها ألف مقاتل عليهم السلاح، فنهبوا الأموال، وخرج الجواري وهن حاسرات يستغثن حتى دخلن دار الخاتون. قال ابن الجوزي: وأنا رأيتهن كذلك، فلما وقع ذلك ركب الخليفة في جيشه وجئ بالسفن وانقلبت بغداد بالصراخ حتى كأن الدنيا قد زلزلت، وثارت العامة مع جيش الخليفة فكسروا جيش السلطان وقتلوا خلقا من الامراء، وأسروا آخرين ونهبوا دار السلطان ودار وزيره ودار طبيبه أبي البركات، وأخذوا ما كان في داره من الودائع، ومرت خبطة عظيمة جدا، حتى أنهم نهبوا الصوفية، برباط نهر جور، وجرت أمور طويلة، ونالت العامة من السلطان، وجعلوا يقولون له: يا باطني تترك الفرنج والروم وتقاتل الخليفة، ثم إن الخليفة انتقل إلى داره في سابع المحرم، فلما كان في يوم عاشوراء تماثل الحال وطلب السلطان من الخليفة الأمان والصلح، فلان الخليفة إلى ذلك، وتباشر الناس بالصلح، فأرسل إليه الخليفة نقيب النقباء وقاضي القضاة، وشيخ الشيوخ وبضعا وثلاثين شاهدا، فاحتبسهم السلطان عنده ستة أيام فساء ذلك الناس، وخافوا من فتنة أخرى أشد من الأولى، وكان برنقش الزكوي شحنة بغداد يغري السلطان بأهل بغداد لينهب أموالهم، فلم يقبل منه، تم أدخل لأولئك الجماعة فأدخلوا عليه وقت المغرب فصلى بهم القاضي وقرأوا عليه كتاب الخليفة، فقام قائما، وأجاب الخليفة إلى جميع ما اقترح عليه، ووقع الصلح والتحليف، ودخل جيش السلطان وهم في غاية الجهد من قلة الطعام عندهم في العسكر، وقالوا: لو لم يصلح لمتنا جوعا، وظهر من السلطان حلم كثير عن العوام، وأمر الخليفة برد ما نهب من دور الجند، وأن من كتم شيئا أبيح دمه. وبعث الخليفة علي بن طراد الزينبي النقيب إلى السلطان سنجر ليبعد عن بابه دبيسا، وأرسل معه الخلع والاكرام، فأكرم سنجر رسول الخليفة، وأمر بضرب الطبول على بابه في ثلاثة أوقات، وظهر منه طاعة كثيرة، ثم مرض السلطان محمود ببغداد فأمره الطبيب بالانتقال عنها إلى همذان، فسار في ربيع الآخر فوضع شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي، فلما وصل السلطان إلى همذان بعث على شحنكية بغداد مجاهد الدين بهروز، وجعل إليه الحلة وبعث عماد الدين زنكي إلى الموصل وأعمالها. وفيها درس الحسن بن سليمان بالنظامية ببغداد. وفيها ورد أبو الفتوح الأسفراييني فوعظ ببغداد، فأورد أحاديث كثيرة منكرة جدا، فاستتيب منها وأمر بالانتقال منها إلى غيرها فشد معه جماعة من الأكابر وردوه إلى ما كان عليه، فوقع بسببه فتن كثيرة بين الناس، حتى رجمه بعض العامة بالأسواق، وذلك لأنه كان يطلق عبارات لا يحتاج إلى إيرادها، فنفرت منه قلوب العامة وأبغضوه، وجلس الشيخ عبد القادر الجيلي فتكلم على الناس فأعجبهم، وأحبوه وتركوا ذاك. وفيها قتل السلطان سنجر من الباطنية اثنا عشر ألفا (١). وحج بالناس قطز الخادم.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
стр. 4630
محمد بن عبد الملك
ابن إبراهيم بن أحمد، أبو الحسن بن أبي الفضل الهمذاني الفرضي، صاحب التاريخ من بيت الحديث. وذكر ابن الجوزي عن شيخه عبد الوهاب أنه طعن فيه. توفي فجأة في شوال، ودفن إلى جانب ابن شريح.
فاطمة بنت الحسين بن الحسن ابن فضلويه
سمعت الخطيب وابن المسلمة وغيرها، وكانت واعظة لها رباط تجتمع فيه الزاهدات، وقد سمع عليها ابن الجوزي مسند الشافعي وغيره.
أبو محمد عبد الله بن محمد
ابن السيد البطليوسي (١)، ثم التنيسي صاحب المصنفات في اللغة وغيرها، جمع المثلث في مجلدين، وزاد فيه على قطرب شيئا كثيرا جدا، وله شرح سقط الزند لأبي العلاء، أحسن من شرح المصنف وله شرح أدب الكاتب لابن قتيبة، ومن شعره الذي أورده له ابن خلكان:
أخو العلم حي خالد بعد موته … وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى … يظن من الاحياء وهو عديم
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
في أولها قدم رسول سنجر إلى الخليفة يسأل منه أن يخطب له على منابر بغداد، وكان يخطب له في كل جمعة بجامع المنصور. وفيها مات ابن صدقة وزير الخليفة، وجعل مكانه نقيب النقباء. وفيها اجتمع السلطان محمود بعمه سنجر واصطلحا بعد خشونة، وسلم سنجر دبيسا إلى السلطان محمود على أن يسترضي عنه الخليفة ويعزل زنكي عن الموصل، ويسلم ذلك إلى دبيس، واشتهر في ربيع الأول ببغداد أن دبيسا أقبل إلى بغداد في جيش كثيف، فكتب الخليفة إلى السلطان محمود: لئن لم تكف دبيسا عن القدوم إلى بغداد وإلا خرجنا إليه ونقضنا ما بيننا وبينك من العهود والصلح. وفيها
стр. 4631
ملك الاتابك زنكي بن آقسنقر مدينة حلب وما حولها من البلاد. وفيها ملك تاج الملوك بوري بن طغتكين مدينة دمشق بعد وفاة أبيه، وقد كان أبوه من مماليك ألب أرسلان، وكان عاقلا حازما عادلا خيرا، كثير الجهاد في الفرنج ﵀. وفيها عمل ببغداد مصلى للعيد ظاهر باب الحلية، وحوط عليه، وجعل فيه قبلة. وحج بالناس قطز الخادم المتقدم ذكره.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
الحسن بن علي بن صدقة
أبو علي وزير الخليفة المسترشد (١)، توفي في رجب منها. ومن شعره الذي أورد له ابن الجوزي وقد بالغ في مدح الخليفة فيه وأخطأ:
وجدت الورى كالماء طعما ورقة … وأن أمير المؤمنين زلاله
وصورت معنى العقل شخصا مصورا … وأن أمير المؤمنين مثاله
فلولا مكان الشرع والدين والتقى … لقلت من الأعظام ﷻ
الحسين بن علي
ابن أبي القاسم اللامتني (٢)، من أهل سمرقند، روى الحديث وتفقه، وكان يضرب به المثل في المناظرة، وكان خيرا دينا على طريقة السلف، مطرحا للتكلف أمارا بالمعروف. قدم من عند الخاقان ملك ما وراء النهر في رسالة إلى دار الخلافة، فقيل له ألا تحج عامك هذا؟ فقال: لا أجعل الحج تبعا لرسالتهم، فعاد إلى بلده فمات في رمضان من هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة ﵀.
طغتكين الاتابك
صاحب دمشق التركي، أحد غلمان تتش، كان من خيار الملوك وأعدلهم وأكثرهم جهادا للفرنج، وقام من بعده ولده تاج الملوك بوري.
стр. 4632
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
في المحرم منها دخل السلطان محمود إلى بغداد، واجتهد في إرضاء الخليفة عن دبيس، وأن يسلم إليه بلاد الموصل، فامتنع الخليفة من ذلك وأبى أشد الاباء، هذا وقد تأخر دبيس عن الدخول إلى بغداد، ثم دخلها وركب بين الناس فلعنوه وشتموه في وجهه، وقدم عماد الدين زنكي فبذل للسلطان في كل سنة مائة ألف دينار، وهدايا وتحفا، والتزم للخليفة بمثلها على أن لا يولي دبيسا شيئا وعلى أن يستمر زنكي على عمله بالموصل، فأقره على ذلك وخلع عليه، ورجع إلى عمله فملك حلب وحماه، وأسر صاحبها سونج بن تاج الملوك، فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار. وفي يوم الاثنين سلخ ربيع الآخر خلع السلطان على نقيب النقباء استقلالا، ولا يعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره. وفي رمضان منها جاء دبيس في جيش إلى الحلة فملكها ودخلها في أصحابه، وكانوا ثلاثمائة فارس، ثم إنه شرع في جمع الأموال وأخذ الغلات من القرى حتى حصل نحوا من خمسمائة ألف دينار، واستخدم قريبا من عشرة آلاف مقاتل، وتفاقم الحال بأمره، وبعث إلى الخليفة يسترضيه فلم يرض عليه، وعرض عليه أموالا فلم يقبلها، وبعث إليه السلطان جيشا فانهزم إلى البرية ثم أغار على البصرة فأخذ منها حواصل السلطان والخليفة، ثم دخل البرية فانقطع خبره. وفي هذه السنة قتل صاحب دمشق من الباطنية ستة آلاف، وعلق رؤوس كبارهم على باب القلعة، وأراح الله الشام منهم. وفيها حاصرت الفرنج مدينة دمشق فخرج إليهم أهلها، فقاتلوهم قتالا شديدا، وبعث أهل دمشق عبد الله الواعظ ومعه جماعة من التجار يستغيثون بالخليفة، وهموا بكسر منبر الجامع، حتى وعدهم بأنه سيكتب إلى السلطان ليبعث لهم جيشا يقاتلون الفرنج، فسكنت الأمور، فلم يبعث لهم جيشا حتى نصرهم الله من عنده، فإن المسلمين هزموهم وقتلوا منهم عشر آلاف، ولم يفلت منهم سوى (١) أربعين نفسا ولله الحمد والمنة. وقتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية (٢). وفيها تخبط الناس في الحج حتى ضاق الوقت بسبب فتنة دبيس، حتى حج بهم برنقش الزكوي، وكان اسمه بغاجق.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أسعد بن أبي نصر
الميهني أبو الفتح، أحد أئمة الشافعية في زمانه، تفقه على أبي المظفر السمعاني، وساد أهل
стр. 4633
زمانه وبرع وتفرد من بين أقرانه، وولي تدريس النظامية ببغداد، وحصل له وجاهة عند الخاص والعام وعلق عنه تعليقة في الخلاف. ثم عزل عن النظامية فسار إلى همذان فمات بها في هذه السنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمائة
فيها كانت زلزلة عظيمة بالعراق تهدم بسببها دور كثيرة ببغداد. ووقع بأرض الموصل مطر عظيم فسقط بعضه نارا تأجج فأحرقت دورا كثيرة، وخلقا من ذلك المطر وتهارب الناس. وفيها وجد ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان، فخاف الناس منها خوفا شديدا. وفيها ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند وكان بها محمد بن خاقان. وفيها ملك عماد الدين زنكي بلادا كثيرة من الجزيرة وهما مع الفرنج، وجرت معهم حروب طويلة، نصر عليهم في تلك المواقف كلها ولله الحمد. وقتل خلقا من جيش الروم حين قدموا الشام، ومدحه الشعراء على ذلك.
قتل خليفة مصر
وفي ثاني ذي القعدة قتل الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله بن المستعلي صاحب مصر، قتله الباطنية وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا (١)، وكان هو العاشر من ولد عبيد الله المهدي; ولما قتل تغلب على الديار المصرية غلام من غلمانه أرمني فاستحوذ على الأمور ثلاثة أيام حتى حضر أبو علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي فأقام الخليفة الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر (٢) ; وله من العمر ثمان وخمسون سنة، ولما أقامه استحوذ على الأمور دونه وحصره في مجلسه، لا يدع أحدا يدخل إليه إلا من يريد هو، ونقل الأموال من القصر إلى داره، ولم يبق للحافظ سوى الاسم فقط.
وممن توفي فيها من الأعيان …
إبراهيم بن يحيى (٣) بن عثمان بن محمد
أبو إسحاق الكلبي من أهل غزة، جاوز الثمانين، وله شعر جيد في الأتراك. فمنه:
стр. 4634
في فتية من جيوش الترك ما تركت … للرعد كراتهم صوتا ولا صيتا
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة … حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
وله:
ليت الذي بالعشق دونك خصني … يا ظالمي قسم المحبة بيننا
ألقى الهزبر فلا أخاف وثوبه … ويروعني نظر الغزال إذا دنا
وله:
إنما هذه الحياة متاع … والسفيه الغوي من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب … ولك الساعة التي أنت فيها
وله أيضا:
قالوا: هجرت الشعر قلت: ضرورة … باب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى … منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب (١) أنه لا يشترى … ويخان فيه مع الكساد ويسرق
كانت وفاته في هذه السنة ببلاد بلخ ودفن بها. ومما أنشده ابن خلكان له:
إشارة منك تكفينا وأحسن ما … رد السلام غداة البين بالعنم
حتى إذا طاح عنها المرط من دهش … وانحل بالضم سلك (٢) العقد في الظلم
تبسمت فأضاء الليل (٣) فالتقطت … حبات منتثر في ضوء منتظم
ا لحسين بن محمد
ابن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عبيد الله بن القاسم بن عبد الله بن سليمان ابن وهب الدباس أبو عبد الله الشاعر المعروف البارع، قرأ القراءات وسمع الحديث، وكان عارفا بالنحو واللغة والأدب، وله شعر حسن، توفي في هذه السنة وقد جاوز الثمانين.
محمد بن سعدون بن مرجا
أبو عامر العبدري القرشي الحافظ، أصله من بيروقة (٤) من بلاد المغرب وبغداد، وسمع بها
стр. 4635
على طراد الزينبي والحميدي وغير واحد، وكانت له معرفة جيدة بالحديث، وكان يذهب في الفروع مذهب الظاهرية. توفي في ربيع الآخر في بغداد.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة
فيها ضل دبيس عن الطريق في البرية فأسره بعض أمراء الاعراب بأرض الشام، وحمله إلى ملك دمشق بوري بن طغتكين، فباعه من زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار فلما حصل في يده لم يشك أنه سيهلكه، لما بينهما من العداوة، فأكرمه زنكي وأعطاه أموالا جزيلة وقدمه واحترمه، ثم جاءت رسل الخليفة في طلبه فبعثه معهم، فلما وصل إلى الموصل حبس في قلعتها وفيها وقع بين الأخوين محمود ومسعود، فتواجها للقتال ثم اصطلحا. وفيها كانت وفاة الملك محمود بن ملكشاه فأقيم في الملك مكانه ابنه داود، وجعل له إتابك وزير أبيه وخطب له بأكثر البلاد وممن توفي فيها من الأعيان.
أحمد بن محمد بن عبد القاهر الصوفي (١)
سمع الحديث وتفقه بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان شيخا لطيفا، عليه نور العبادة والتعلم قال ابن الجوزي أنشدني:
على كل حال فاجعل الحزم عدة … تقدمها بين النوائب والدهر
فإن نلت خيرا نلته بعزيمة … وإن قصرت عنك الأمور فعن عذر
قال وأنشدني أيضا:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا … وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا عدتي في كل نائبة … ومن عليه لكشف الضر أعتمد
وقد مددت يدي والضر مشتمل … إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة … فبحر جودك يروي كل من يرد
الحسن بن سليمان
ابن عبد الله بن عبد الغني أبو علي الفقيه مدرس النظامية، وقد وعظ بجامع القصر، وكان
стр. 4636
يقول ما في الفقه منتهى، ولا في الوعظ مبتدى. توفي فيها وغسله القاضي أبو العباس بن الرطبي، ودفن عند أبي إسحاق.
حماد بن مسلم
الرحبي الدباس، كان يذكر له أحوال ومكاشفات واطلاع على مغيبات، وغير ذلك من المقامات، ورأيت ابن الجوزي يتكلم فيه ويقول: كان عريا من العلوم الشرعية، وإنما كان ينفق على الجهال وذكر عن ابن عقيل أنه كان ينفر منه، وكان حماد الدباس يقول: ابن عقيل عدوي، قال ابن الجوزي: وكان الناس ينذرون له فيقبل ذلك، ثم ترك ذلك وصار يأخذ من المنامات وينفق على أصحابه. توفي في رمضان ودفن بالشونيزية.
علي بن المستظهر بالله
أخو الخليفة المسترشد، توفي في رجب منها وله من العمر إحدى وعشرون سنة، فترك ضرب الطبول وجلس الناس للعزاء أياما.
محمد بن أحمد
أبن أبي الفضل الماهاني، أحد أئمة الشافعية، تفقه بإمام الحرمين وغيره، ورحل في طلب الحديث، ودرس وأفتى وناظر. توفي فيها وقد جاوز التسعين، ودفن بقرية ماهان من بلاد مرو.
محمود السلطان بن السلطان ملكشاه
كان من خيار الملوك، فيه حلم وأناة وصلابة، وجلسوا للعزاء به ثلاثة أيام سامحه الله.
هبة الله بن محمد
ابن عبد الواحد بن العباس بن الحصين، أبو القاسم الشيباني، راوي المسند عن علي بن المهذب، عن أبي بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقد سمع قديما لأنه ولد سنة ثنتين وثلاثين وأربعمائة، وباكر به أبوه فأسمعه، ومعه أخوه عبد الواحد، على جماعة من علية المشايخ، وقد روى عنه ابن الجوزي وغير واحد، وكان ثقة ثبتا صحيح السماع، توفي بين الظهر والعصر يوم الأربعاء (١) منها وله ثلاث وتسعون سنة، ﵀، والله سبحانه أعلم.
стр. 4637
ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة
فيها قدم مسعود بن محمد بن ملكشاه بغداد وقدمها قراجا الساقي، وسلجوق شاه بن محمد، وكل منهما يطلب الملك لنفسه، وقدم عماد الدين زنكي لينضم إليهما فتلقاه الساقي فهزمه فهرب منه إلى تكريت، فخدمه نائب قلعتها نجم الدين أيوب والد الملك صلاح الدين يوسف، فاتح بيت المقدس كما سيأتي إن شاء الله، حتى عاد إلى بلاده، وكان هذا هو السبب في مصير نجم الدين أيوب إليه، وهو بحلب، فخدم عنده ثم كان من الأمور ما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم إن الملكين مسعود وسلجوق شاه اجتمعا فاصطلحا (١) وركبا إلى الملك سنجر فاقتتلا معه، وكان جيشه مائة وستين ألفا وكان جيشهما قريبا من ثلاثين ألفا، وكان جملة من قتل بينهما أربعين ألفا، وأسر جيش سنجر قراجا الساقي فقتله صبرا بين يديه، ثم أجلس طغرل بن محمد على سرير الملك، وخطب له على المنابر، ورجع سنجر إلى بلاده، وكتب طغرل إلى دبيس وزنكي ليذهبا إلى بغداد ليأخذاها، فأقبلا في جيش كثيف فبرز إليهما الخليفة فهزمهما، وقتل خلقا من أصحابهما، وأزاح الله شرهما عنه ولله الحمد. وفيها قتل أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ الفاطمي، فنقل الحافظ الأموال التي كان أخذها إلى داره واستوزر بعده أبا الفتح، يأنس الحافظي، ولقبه أمير الجيوش، ثم احتال فقتله واستوزر ولده حسنا وخطب له بولاية العهد. وفيها عزل المسترشد وزيره علي بن طراد الزينبي واستوزر أنوشروان بن خالد بعد تمنع. وفيها ملك دمشق شمس الملوك إسماعيل بن بوري بن طغتكين بعد وفاة أبيه، واستوزر يوسف بن فيروز، وكان خيرا، ملك بلادا كثيرة، وأطاعه إخوته.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن عبيد الله
ابن محمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن غثنة بن يزيد السلمي، ويعرف بابن كادش العكبري، أبو العز البغدادي، سمع الحديث الكثير، وكان يفهمه ويرويه وهو آخر من روى عن الماوردي، وقد أثنى عليه غير واحد، منهم أبو محمد بن الخشاب، وكان محمد بن ناصر يتهمه ويرميه بأنه اعترف بوضع حديث فالله أعلم. وقال عبد الوهاب الأنماطي كان مخلطا، توفي في جمادى الأولى منها.
стр. 4638
محمد بن محمد بن الحسين
ابن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، ولد في شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، سمع أباه وغيره، وتفقه وناظر وأفتى ودرس، وكان له بيت فيه مال فعدي عليه من الليل فقتل وأخذ ماله، ثم أظهر الله على قاتله فقتلوه.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة
في صفر منها دخل السلطان مسعود إلى بغداد فخطب له بها وخلع عليه الخليفة وولاه السلطنة ونثر الدنانير والدراهم على الناس، وخلع على السلطان داود بن محمود. وفيها جمع دبيس جمعا كثيرا بواسط، فأرسل إليه السلطان جيشا فكسروه وفرقوا شمله، ثم إن الخليفة عزم على الخروج إلى الموصل ليأخذها من زنكي، فعرض عليه زنكي من الأموال والتحف شيئا كثيرا ليرجع عنه فلم يقبل، ثم بلغه أن السلطان مسعود قد اصطلح مع دبيس وخلع عليه، فكر راجعا سريعا إلى بغداد سالما معظما. وفيها مات ابن الزاغوني أحد أئمة الحنابلة، فطلب حلقته ابن الجوزي، وكان شابا، فحصلت لغيره، ولكن أذن له الوزير أنوشروان في الوعظ، فتكلم في هذه السنة على الناس في أماكن متعددة من بغداد، وكثرت مجالسه وازدحم عليه الناس. وفيها ملك شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق مدينة حماه، وكانت بيد زنكي. وفي ذي الحجة نهب التركمان مدينة طرابلس وخرج إليهم القومص لعنه الله الفرنجي فهزموه وقتلوا خلقا من أصحابه، وحاصروه فيها مدة طويلة، حتى طال الحصار، فانصرفوا. وفيها تولى قاسم بن أبي فليتة مكة بعد أبيه. وفيها قتل شمس الملوك أخاه سونج، وفيها اشترى الباطنية قلعة حصن القدموس بالشام فسكنوها وحاربوا من جاورهم من المسلمين والفرنج. وفيها اقتتلت الفرنج فيما بينهم قتالا شديدا فمحق الله بسبب ذلك خلقا كثيرا، وغزاهم فيها عماد الدين زنكي فقتل منهم ألف قتيل، وغنم أموالا جزيلة، ويقال لها غزوة أسوار. وحج بالناس فيها قطز الخادم وكذا في التي بعدها وقبلها.
وتوفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن سلامة
ابن عبد الله بن مخلد بن إبراهيم، أبو العباس بن الرطبي، تفقه على أبي إسحاق وابن الصباغ ببغداد، وبأصبهان على محمد بن ثابت الخجندي، ثم تولى الحكم ببغداد بالحريم والحسبة ببغداد، وكان يؤدب أولاد الخليفة، توفي في رجب منها ودفن عند أبي إسحاق.
стр. 4639
أسعد بن أبي نصر بن أبي الفضل
أبو الفضل الميهني مجد الدين أحد أئمة الشافعية، وصاحب الخلاف والمطروقة، وقد درس بالنظامية في سنة سبع عشرة وخمسمائة إلى سنة ثلاث وعشرين فعزل عنها، واستمر أصحابه هنالك وقد تقدم في سنة سبع عشرة أنه وليها، وأنه توفي في سنة ثلاث وعشرين. وقال ابن خلكان: توفي سنة سبع وعشرين.
ابن الزاغوني الحنبلي
علي بن عبد الله (١) بن نصر بن السري الزاغوني، الامام المشهور، قرأ القراءات وسمع الحديث واشتغل بالفقه والنحو واللغة، وله المصنفات الكثيرة في الأصول والفروع، وله يد في الوعظ، واجتمع الناس في جنازته، وكانت حافلة جدا.
الحسن بن محمد
ابن إبراهيم البورباري (٢)، من قراء أصبهان، سمع الحديث ورحل وخرج، وله تاريخ، وكان يكتب حسنا ويقرأ فصيحا، توفي بأصبهان في هذه السنة (٣).
علي بن يعلى
ابن عوض، أبو القاسم العلوي الهروي، سمع مسند أحمد من أبي الحصين، والترمذي من أبي عامر الأزدي، وكان يعظ الناس بنيسابور، ثم قدم بغداد فوعظ بها، فحصل له القبول التام، وجمع أموالا وكتبا. قال ابن الجوزي: وهو أول من سلكني في الوعظ، وتكلمت بين يديه وأنا صغير، وتكلمت عند انصرافه.
محمد بن أحمد (٤)
ابن يحيى أبو عبد الله العثماني الديباجي، وكان ببغداد يعرف بالمقدسي، كان أشعري
стр. 4640
الاعتقاد ووعظ الناس ببغداد، قال ابن الجوزي: سمعته ينشد في مجلسه قوله:
دع دموعي يحق لي أن أنوحا … لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا
أخلقت مهجتي أكف المعاصي … ونعاني المشيب نعيا فصيحا
كلما قلت قد برا جرح قلبي … عاد قلبي من الذنوب جريحا
إنما الفوز والنعيم لعبد … جاء في الحشر آمنا مستريحا
محمد بن محمد
ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف بن حازم بن أبي يعلى بن الفراء، الفقيه ابن الفقيه، ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة، سمع الحديث وكان من الفقهاء الزاهدين الأخيار، توفي في صفر منها.
أبو محمد عبد الجبار
ابن أبي بكر محمد بن حمديس الأزدي الصقلي الشاعر المشهور، أنشد له ابن خلكان أشعارا رائقة فمنها قوله (١):
قم هاتها من كف ذات الوشاح … فقد نعى الليل بشير الصباح
باكر إلى اللذات واركب لها … سوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن نرشف شمس الضحا … ريق الغوادي من ثغور الاقاح
ومن جملة معانيه النادرة:
زادت على كحل الجفون تكحلا … وتسم (٢) نصل السهم وهو قتول
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
فيها اصطلح الخليفة وزنكي. وفيها فتح زنكي قلاعا كثيرة (٣)، وقتل خلقا من الفرنج.
стр. 4641
وفيها فتح شمس الملوك الشقيف تيروت (١)، ونهب بلاد الفرنج. وفيها قدم سلجوق شاه بغداد فنزل بدار المملكة وأكرمه الخليفة وأرسل إليه عشرة آلاف دينار، ثم قدم السلطان مسعود وأكثر أصحابه ركاب على الجمال لقلة الخيل. وفيها تولى إمرة بني عقيل أولاد سليمان بن مهارش العقيلي، إكراما لجدهم. وفيها أعيد ابن طراد إلى الوزارة، وفيها خلع على إقبال المسترشدي خلع الملوك، ولقب ملك العرب سيف الدولة، ثم ركب في الخلع وحضر الديوان. وفيها قوي أمر الملك طغرل وضعف أمر الملك مسعود.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن علي بن إبراهيم
أبو الوفا الفيروزآبادي، أحد مشايخ الصوفية، يسكن رباط الزوزني، وكان كلامه يستحلى، وكان يحفظ من أخبار الصوفية وسيرهم وأشعارهم شيئا كثيرا.
أبو علي الفارقي
الحسن بن إبراهيم بن مرهون أبو علي الفارقي، ولد سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتفقه بها على أبي عبد الله محمد بن بيان الكازروني صاحب المحاملي، ثم على الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ، وسمع الحديث وكان يكرر على المهذب والشامل، ثم ولي القضاء بواسط، وكان حسن السيرة جيد السريرة، ممتعا بعقله وحواسه، إلى أن توفي في محرم هذه السنة عن ست وسبعين (٢) سنة.
عبد الله بن محمد
ابن أحمد بن الحسن، أبو محمد بن أبي بكر الشاشي، سمع الحديث وتفقه على أبيه، وناظر وأفتى وكان فاضلا واعظا فصيحا مفوها، شكره ابن الجوزي في وعظه وحسن نظمه ونثره، ولفظه، توفي في المحرم وقد قارب الخمسين، ودفن عند أبيه.
стр. 4642
محمد بن أحمد
ابن علي بن أبي بكر العطان، ويعرف بابن الحلاج البغدادي، سمع الحديث وقرأ القراءات، وكان خيرا زاهدا عابدا، يتبرك بدعائه ويزار.
محمد بن عبد الواحد (١) الشافعي
أبو رشيد، من أهل آمل طبرستان، ولد سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وحج وأقام بمكة، وسمع من الحديث شيئا يسيرا، وكان زاهدا منقطعا عن الناس مشتغلا بنفسه، ركب مرة مع تجار في البحر فأوفوا على جزيرة. فقال: دعوني في هذه أعبد الله تعالى، فمانعوه فأبى إلا المقام بها. فتركوه وساروا فردتهم الريح إليه فقالوا: إنه لا يمكن المسير إلا بك، وإذا أردت المقام بها فارجع إليها، فسار معهم ثم رجع إليها فأقام بها مدة ثم ترحل عنها ثم رجع إلى بلده آمل فمات بها ﵀، ويقال إنه كان يقتات في تلك الجزيرة بأشياء موجودة فيها، وكان بها ثعبان يبتلع الانسان، وبها عين ماء يشرب منها ويتوضأ منها، وقبره مشهور بآمل يزار.
أم خليفة
المسترشد توفيت ليلة الاثنين بعد العتمة تاسع عشر شوال منها والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة
فيها كانت وفاة المسترشد وولاية الراشد، وكان سبب ذلك أنه كان بين السلطان مسعود وبين الخليفة واقع كبير، اقتضى الحال أن الخليفة أراد قطع الخطبة له من بغداد فاتفق موت أخيه طغرل بن محمد بن ملكشاه، فسار إلى البلاد فملكها، وقوي جأشه، ثم شرع يجمع العساكر ليأخذ بغداد من الخليفة، فلما علم الخليفة بذلك انزعج واستعد لذلك، وقفز جماعة من رؤس الامراء إلى الخليفة خوفا على أنفسهم من سطوة الملك محمود، وركب الخليفة من بغداد في جحافل كثيرة، فيهم القضاة ورؤس الدولة من جميع الأصناف، فمشوا بين يديه أول منزلة حتى وصل إلى السرادق، وبعث بين يديه مقدمة وأرسل الملك مسعود مقدمة عليهم دبيس بن صدقة بن منصور، فجرت خطوب كثيرة، وحاصل الامر أن الجيشين التقيا في عاشر رمضان يوم الاثنين فاقتتلوا قتالا شديدا، ولم يقتل من
стр. 4643
الصفين سوى خمسة أنفس، ثم حمل الخليفة على جيش مسعود فهزمهم، ثم تراجعوا فحملوا على جيش الخليفة فهزموهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا الخليفة، ثم نهبت أموالهم وحواصلهم، من جملة ذلك أربعة آلاف ألف دينار، وغير ذلك من الأثاث والخلع والآنية والقماش، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وطار الخبر في الأقاليم بذلك، وحين بلغ الخبر إلى بغداد انزعج الناس لذلك، وزلزلوا زلزالا شديدا، صورة ومعنى، وجاءت العامة إلى المنابر فكسروها وامتنعوا من حضور الجماعات، وخرج النساء في البلد حاسرات ينحن على الخليفة، وما جرى عليه من الأسر، وتأسى بأهل بغداد في ذلك خلق كثير من أهل البلاد، وتمت فتنة كبيرة وانتشرت في الأقاليم، واستمر الحال على ذلك شهر ذي القعدة والشناعة في الأقاليم منتشرة، فكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يحذره غب ذلك عاقبة ما وقع فيه من الامر العظيم، ويأمره أن يعيد الخليفة إلى مكانه ودار خلافته، فامتثل الملك مسعود ذلك وضرب للخليفة سرادق عظيم، ونصب له فيه قبة عظيمة وتحتها سرير هائل، وألبس السواد على عادته وأركبه بعض ما كان يركبه من مراكبه، وأمسك لجام الفرس ومشى في خدمته، والجيش كلهم مشاة حتى أجلس الخليفة على سريره، ووقف الملك مسعود فقبل الأرض بين يديه وخلع الخليفة عليه، وجئ بدبيس مكتوفا وعن يمينه أميران، وعن يساره أميران، وسيف مسلول ونسعة بيضاء، فطرح بين يدي الخليفة ماذا يرسم تطبيبا لقلبه، فأقبل السلطان فشفع في دبيس وهو ملقى يقول العفو يا أمير المؤمنين، أنا أخطأت والعفو عند المقدرة. فأمر الخليفة بإطلاقه وهو يقول: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. فنهض قائما والتمس أن يقبل يد الخليفة فأذن له فقبلها، وأمرها على وجهه وصدره. وسأل العفو عنه وعما كان منه، واستقر الامر على ذلك، وطار هذا الخبر في الآفاق وفرح الناس بذلك، فلما كان مستهل ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الاحسان إلى الخليفة، وأن يبادر إلى سرعة رده إلى وطنه، وأرسل مع الرسل جيشا ليكونوا في خدمة الخليفة إلى بغداد، فصحب الجيش عشرة (١) من الباطنية، فلما وصل الجيش حملوا على الخليفة فقتلوه في خيمته وقطعوه قطعا، ولم يلحق الناس منه إلا الرسوم، وقتلوا معه أصحابه منهم عبيد الله بن سكينة، ثم أخذ أولئك الباطنية فأحرقوا قبحهم الله، وقيل إنهم كانوا مجهزين لقتله فالله أعلم. وطار هذا الخبر في الآفاق فاشتد حزن الناس على الخليفة المسترشد، وخرجت النساء في بغداد حاسرات عن وجوههن ينحن في الطرقات، قتل على باب مراغة في يوم الخميس (٢) سابع عشر ذي الحجة (٣) وحملت أعضاؤه إلى بغداد، وعمل عزاؤه ثلاثة أيام بعد ما بويع لولده الراشد، وقد
стр. 4644
كان المسترشد، شجاعا مقداما بعيد الهمة فصيحا بليغا، عذب الكلام حسن الايراد، مليح الخط، كثير العبادة محببا إلى العامة والخاصة، وهو آخر خليفة رئي خطيبا، قتل وعمره خمس (١) وأربعون سنة، وثلاثة أشهر، وكانت مدة خلافته (٢) سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين ويوما، وكانت أمه أم ولد من الأتراك، ﵀.
خلافة الراشد بالله
أبي جعفر منصور بن المسترشد، كان أبوه قد أخذ له العهد ثم أراد أن يخلعه فلم يقدر على ذلك لأنه لم يغدر. فلما قتل أبوه بباب مراغة في يوم الخميس السابع عشر من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين وخمسمائة، بايعه الناس والأعيان، وخطب له على المنابر ببغداد، وكان إذ ذاك كبيرا له أولاد، وكان أبيض جسيما حسن اللون، فلما كان يوم عرفة من هذه السنة جئ بالمسترشد وصلى عليه ببيت التوبة، وكثر الزحام، وخرج الناس لصلاة العيد من الغد وهم في حزن شديد على المسترشد، وقد ظهر الرفض قليلا في أول أيام الراشد.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن محمد بن الحسين
ابن عمرو، أبو المظفر بن أبي بكر الشاشي، تفقه بأبيه واخترمته المنية بعد أخيه ولم يبلغ سن الرواية.
إسماعيل بن عبد الله
ابن علي أبو القاسم الحاكم، تفقه بإمام الحرمين، وكان رفيق الغزالي يحترمه ويكرمه، وكان فقيها بارعا، وعابدا ورعا، توفي بطوس ودفن إلى جانب الغزالي.
стр. 4645
دبيس بن صدقة
ابن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد، أبو الأعز الأسدي الأمير من بيت الامرة وسادة الاعراب، كان شجاعا بطلا، فعل الأفاعيل وتمرق في البلاد من خوفه من الخليفة، فلما قتل الخليفة عاش بعده أربعة وثلاثين يوما، ثم اتهم عند السلطان بأنه قد كاتب زنكي ينهاه عن القدوم إلى السلطان، ويحذره منه، ويأمره أن ينجو بنفسه، فبعث إليه السلطان غلاما أرمنيا فوجده منكسا رأسه يفكر في خيمته، فما كلمه حتى شهر سيفه فضربه به فأبان رأسه عن جثته، ويقال بل استدعاه السلطان فقتله صبرا بين يديه فالله أعلم.
طغرل السلطان بن السلطان محمد بن ملكشاه
توفي بهمذان يوم الأربعاء ثالث المحرم منها (١).
علي بن محمد النروجاني
كان عابدا زاهدا، حكى ابن الجوزي عنه أنه كان يقول بأن القدرة تتعلق بالمستحيلات، ثم أنكر ذلك وعذره لعدم تعقله لما يقول، ولجهله.
الفضل أبو منصور
أمير المؤمنين المسترشد، تقدم شئ من ترجمته والله أعلم (٢).
ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمائة
فيها وقع بين الخليفة الراشد وبين السلطان مسعود بسبب أنه أرسل إلى الخليفة يطلب منه ما كان كتبه له والده المسترشد حين أسره (٣)، التزم له بأربعمائة ألف دينار، فامتنع من ذلك وقال:
стр. 4646
ليس بيننا وبينكم إلا السيف، فوقع بينهما الخلف، فاستجاش السلطان بالعساكر، واستنهض الخليفة الامراء، وأرسل إلى عماد الدين زنكي فجاء والتف على الخليفة خلائق، وجاء في غضون ذلك السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه، فخطب له الخليفة ببغداد، وخلع عليه وبايعه على الملك، فتأكدت الوحشة بين السلطان والخليفة جدا، وبرز الخليفة إلى ظاهر بغداد ومشى الجيش بين يديه، كما كانوا يعاملون أباه، وذلك يوم الأربعاء سلخ شعبان، وخرج السلطان داود من جانب آخر، فلما بلغهم كثرة جيوش السلطان محمود حسن عماد الدين زنكي للخليفة أن يذهب معه إلى الموصل، واتفق دخول مسعود إلى بغداد، في غيبتهم يوم الاثنين رابع شوال، فاستحوذ على دار الخلافة بما فيها جميعه، ثم استخلص من نساء الخليفة وحظاياه الحلى والمصاغ والثياب التي للزينة، وغير ذلك، وجمع القضاة والفقهاء، وأبرز لهم خط الراشد أنه متى خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه، فخلع في يوم الاثنين سادس عشر شهر ذي القعدة بحكم الحاكم وفتيا الفقهاء، وكانت خلافته إحدى عشر شهرا وإحدى عشر يوما، واستدعى السلطان بعمه المقتفي بن المستظهر فبويع بالخلافة عوضا عن ابن أخيه الراشد بالله.
خلافة المقتفي لأمر الله
أبي عبد الله بن المستظهر، وأمه صفراء تسمى نسيما، ويقال لها ست السادة، وله من العمر يومئذ أربعون سنة، بويع بالخلافة بعد خلع الراشد بيومين، وخطب له على المنابر يوم الجمعة لعشرين من ذي القعدة، ولقب بالمقتفي لأنه يقال إنه رأى رسول الله ﷺ وهو في المنام وهو يقول له سيصل هذا الامر إليك فاقتف بي، فصار إليه بعد ستة أيام فلقب بذلك.
فائدة حسنة ينبغي التنبه لها
ولي المقتفي والمسترشد الخلافة وكانا أخوين، وكذلك السفاح والمنصور، وكذلك الهادي والرشيد، ابنا المهدي، وكذلك الواثق والمتوكل ابنا المعتصم أخوان، وأما ثلاثة إخوة فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد، والمنتصر والمعتز والمعتمد بنو المتوكل، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمقتفي والمطيع بنو المقتدر، وأما أربعة إخوة فلم يكن إلا في بني أمية وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان، ولما استقر المقتفي بالخلافة استمر الراشد ذاهبا إلى الموصل صحبة صاحبها عماد الدين زنكي، فدخلها في ذي الحجة من هذه السنة.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
стр. 4647
محمد بن حمويه
ابن محمد بن حمويه أبو عبد الله الجويني، روى الحديث وكان صدوقا مشهورا بالعلم والزهد، وله كرامات، دخل إلى بغداد فلما ودعهم بالخروج منها أنشدهم:
لئن كان لي من بعد عود إليكم … نصيب لبانات الفؤاد إليكم
وإن تكن الأخرى وفي الغيب غيره … قضاه وإلا فالسلام عليكم
محمد بن عبد الله
ابن أحمد بن حبيب، أبو بكر العامري، المعروف بابن الخباز (١)، سمع الحديث وكان يعظ الناس على طريق التصوف، وكان ابن الجوزي فيمن تأدب به، وقد أثنى عليه وأنشد عنه من شعره:
كيف احتيالي وهذا في الهوى حالي … والشوق أملك لي من عذل عذالي
وكيف أشكو (٢) وفي حبي له شغل … يحول بين مهماتي وأشغالي
وكانت له معرفة بالفقه والحديث، وقد شرح كتاب الشهاب، وقد ابتنى رباطا، وكان عنده فيه جماعة من المتعبدين والزهاد، ولما احتضر أوصاهم بتقوى الله والاخلاص لله والدين، فلما فرغ شرع في النزع وعرق جبينه فمد يده وقال بيتا لغيره:
ها قد بسطت (٣) يدي إليك فردها … بالفضل لا بشماتة الأعداء
ثم قال: أرى المشايخ بين أيديهم الاطباق وهم ينتظرونني، ثم مات، وذلك ليلة الأربعاء نصف رمضان ودفن برباطه، ثم غرق رباطه وقبره في سنة أربعين وخمسمائة.
محمد بن الفضل
ابن أحمد بن محمد بن أبي العباس أبو عبد الله الصاعدي الفراوي، كان أبوه من ثغر فراوة (٤)، وسكن نيسابور، فولد له بها محمد هذا، وقد سمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ بالآفاق.
стр. 4648
وتفقه وأفتى وناظر ووعظ، وكان ظريفا حسن الوجه جميل المعاشرة كثير التبسم، وأملى أكثر من ألف مجلس، ورحل إليه الطلبة من الآفاق حتى يقال للفراوي ألف راوي، وقيل إن ذلك كان مكتوبا في خاتمه، وقد أسمع صحيح مسلم قريبا من عشرين مرة، توفي في شوال منها عن تسعين سنة.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة
فيها كثر موت الفجأة بأصبهان فمات ألوف من الناس، وأغلقت دور كثيرة. وفيها تزوج الخليفة بالخاتون فاطمة بنت محمد بن ملكشاه على صداق مائة ألف دينار، فحضر أخوها السلطان مسعود العقد وجماعة من أعيان الدولة والوزراء والامراء، ونثر على الناس أنواع النثار. وفيها صام أهل بغداد رمضان ثلاثين يوما ولم يروا الهلال ليلة إحدى وثلاثين، مع كون السماء كان مصحية. قال ابن الجوزي: وهذا شئ لم يقع مثله. وفيها هرب وزير صاحب مصر وهو تاج الدولة بهرام النصراني، وقد كان تمكن في البلاد وأساء السيرة، فتطلبه الخليفة الحافظ حتى أخذه فسجنه ثم أطلقه فترهب وترك العمل، فاستوزر بعده رضوان بن الريحيني ولقبه الملك الأفضل، ولم يلقب وزير قبله بهذا، ثم وقع بينه وبين الخليفة الحافظ، فلم يزل به الخليفة حتى قتله واستقل بتدبير أموره وحده. وفيها ملك عماد الدين زنكي عدة بلدان (١). وفيها طلع بالشام سحاب أسود أظلمت له الدنيا، ثم ظهر بعده سحاب أحمر كأنه نار أضاءت له الدنيا، ثم جاءت ريح عاصف ألقت أشجارا كثيرة، ثم وقع مطر شديد، وسقط برد كبار. وفيها قصد ملك الروم بلاد الشام فأخذ بلادا كثيرة من أيدي الفرنج، وأطاعه ابن ال؟ ون ملك الأرمن.
وممن توفي فيها من الأعيان …
أحمد بن محمد بن ثابت
ابن الحسن أبو سعد (٢) الخجندي، تفقه على والده الامام أبي بكر الخجندي الأصبهاني، وولي تدريس النظامية ببغداد مرارا، ويعزل عنها، وقد سمع الحديث ووعظ، وتوفي في شعبان منها، وقد قار؟ التسعين.
هبة الله بن أحمد
ابن عمر الحريري، يعرف بابن الطير، سمع الكثير وهو آخر من روى عن أبي الحسن ابن
стр. 4649
زوج الحرة، وقد حدث عنه الخطيب، وكان ثبتا كثير السماع، كثير الذكر والتلاوة، ممتعا بحواسه وقواه، إلى أن توفي في جمادى الأولى عن ست وتسعين سنة.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وخمسمائة
فيها قتل الخليفة الراشد المخلوع، وذلك أنه اجتمع معه الملك داود وجماعة من كبار الامراء، فقصدوا قتال مسعود بأرض مراغة فهزمهم وبدد شملهم، وقتل منهم خلقا صبرا، منهم صدقة بن دبيس، وولى أخاه محمدا مكانه على الحلة، وهرب الخليفة الراشد المخلوع، فدخل أصبهان فقتله رجل ممن كان يخدمه من الخراسانية، وكان قد برأ من وجع أصابه، فقتلوه في الخامس والعشرين من رمضان، ودفن بشهرستان ظاهر أصبهان. وقد كان حسن اللون مليح الوجه شديد القوة مهيبا، أمه أم ولد. وفيها كسى الكعبة رجل من التجار يقال له راست (١) الفارسي، بثمانية عشر ألف دينار، وذلك لأنه لم تأتها كسوة في هذا العام لأجل اختلاف الملوك. وفيها كانت زلزلة عظيمة ببلاد الشام والجزيرة والعراق، فانهدم شئ كثير من البيوت، وماتت تحت الهدم خلق كثير. وفيها أخذ الملك عماد الدين زنكي مدينة حمص في المحرم، وتزوج في رمضان بالست زمرد خاتون، أم صاحب دمشق، وهي التي تنسب إليها الخاتونية البرانية. وفيها ملك صاحب الروم مدينة بزاعة، وهي على ستة فراسخ من حلب، فجاء أهلها الذين نجوا من القتل والسبي يستغيثون بالمسلمين ببغداد، فمنعت الخطبة ببغداد، وجرت فتن طويلة. وفيها تزوج السلطان مسعود بسفري بنت دبيس بن صدقة وزينت بغداد لذلك سبعة أيام. قال ابن الجوزي: فحصل بسبب ذلك فساد عريض طويل منتشر، ثم تزوج ابنة عمه فزينت بغداد ثلاثة أيام أيضا. وفيها ولد للسلطان الناصر صلاح يوسف بن أيوب بن شاري بقلعة تكريت.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن محمد
أبو بكر بن أبي الفتح الدينوري الحنبلي، سمع الحديث وتفقه على أبي الخطاب الكلوذاني وأفتى ودرس وناظر، كان أسعد الميهني يقول عنه: ما اعترض أبو بكر الدينوري على دليل أحد إلا ثلمه، وقد تخرج به ابن الجوزي، وأنشد:
تمنيت أن يمسي فقيها مناظرا … بغير عياء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة … تلقيتها، فالعلم كيف يكون؟
стр. 4650
عبد المنعم بن عبد الكريم
ابن هوازن، أبو المظفر القشيري، آخر من بقي منهم، سمع أباه وأبا بكر البيهقي وغيرهما، وسمع منه عبد الوهاب الأنماطي، وأجاز ابن الجوزي، وقارب التسعين.
محمد بن عبد الملك
ابن محمد بن عمر، أبو الحسن الكرخي (١)، سمع الكثير في بلاد شتى، وكان فقيها مفتيا، تفقه بأبي إسحاق وغيره من الشافعية، وكان شاعرا فصيحا، وله مصنفات كثيرة منها الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، يذكر فيه مذاهب السلف في باب الاعتقاد، ويحكي فيه أشياء غريبة حسنة، وله تفسير وكتاب في الفقه، وكان لا يقنت في الفجر، ويقول: لم يصح ذلك في حديث، وقد كان إمامنا الشافعي يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي الحائط. وقد كان حسن الصورة جميل المعاشرة، ومن شعره قوله:
تناءت داره عني ولكن … خيال جماله في القلب ساكن
إذا امتلأ الفؤاد به فماذا … يضر إذا خلت منه الأماكن
توفي وقد قارب التسعين (٢).
الخليفة الراشد
منصور بن المسترشد، قتل بأصبهان بعد مرض أصابه، فقيل إنه سم، وقيل قتلته الباطنية، وقيل قتله الفراشون الذين كانوا يلون أمره فالله أعلم. وقد حكى ابن الجوزي عن أبي بكر الصولي أنه قال: الناس يقولون كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الاسلام لا بد أن يخلع (٣). قال ابن الجوزي: فتأملت ذلك فرأيته عجبا قيام رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم الحسن فخلعه معاوية ثم يزيد ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك، ثم عبد الله بن الزبير فخلع وقتل (٤)، ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام ثم الوليد بن يزيد فخلع
стр. 4651
وقتل، ولم ينتظم لبني أمية بعده أمر حتى قام السفاح العباسي ثم أخوه المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين فخلع وقتل، ثم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر ثم المستعين فخلع ثم قتل، ثم المعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي ثم المقتدر فخلع ثم أعيد فقتل، ثم القاهر والراضي والمتقي والمكتفي والمطيع ثم الطائع فخلع، ثم القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد ثم الراشد فخلع وقتل.
أنو شروان بن خالد (١)
ابن محمد القاشاني القيني، من قرية قين من قاشان، الوزير أبو نصر، وزر للسلطان محمود وللخليفة المسترشد، وكان عاقلا مهيبا عظيم الخلقة، وهو الذي ألزم أبا محمد الحريري بتكميل المقامات، وكان سبب ذلك أن أبا محمد كان جالسا في مسجد بني حرام في محلة من محال البصرة، فدخل عليه شيخ ذو طمرين فقالوا: من أنت؟ قال أنا رجل من سروج، يقال لي: أبو زيد. فعمل الحريري المقامة الحرامية واشتهرت في الناس، فلما طالعها الوزير أنوشروان أعجب بها وكلف أبا محمد الحريري أن يزيد عليها غيرها فزاد عليها غيرها إلى تمام خمسين مقامة، فهي هذه المشهورة المتداولة بين الناس، وقد كان الوزير أنوشروان كريما، وقد مدحه الحريري صاحب المقامات:
ألا ليت شعري والتمني لعله … وإن كان فيه راحة لأخي الكرب
أتدرون أني مذ تناءت دياركم … وشط اقترابي من جنابكم الرحب
أكابد شوقا ما أزال أداره … يقلبني في الليل جنبا على جنب
وأذكر أيام التلاقي فأنثني … لتذكارها بادي الأسى طائر اللب
ولي حنة في كل وقت إليكم … ولا حنة الصادي إلى البارد العذب
فوالله لو أني كتمت هواكم … لما كان مكتوما بشرق ولا غرب
ومما شجا قلبي المعنى وشفه … رضاكم بإهمال الإجابة عن كتبي
وقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة … فقد صرت أخشاها وما لي من ذنب
ولما سرى الوفد العراقي نحوكم … وأعوزني المسرى إليكم مع الركب
جعلت كتابي نائبا عن ضرورتي … ومن لم يجد ماء تيمم بالترب
ويعضد أيضا بضعة من جوارحي … تنبيكم عن سر حالي وتستنبي
ولست أرى أذكاركم بعد خيركم … بمكرمة، حسبي اعتذاركم حسبي
стр. 4652
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة
فيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة جبرت فمات بسببها مائتا ألف وثلاثون ألفا، وصار مكانها ماء أسود عشرة فراسخ في مثلها، وزلزل أهل حلب في ليلة واحدة ثمانين مرة. وفيها وضع السلطان محمود مكوسا كثيرة عن الناس، وكثرت الأدعية له. وفيها كانت وقعة عظيمة بين السلطان سنجر وخوارزم شاه، فهزمه سنجر وقتل ولده في المعركة، فحزن عليه والده حزنا شديدا. وفيها قتل صاحب دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن طغتكين، قتله ثلاثة من خواصه ليلا وهربوا من القلعة، فأدرك اثنان فصلبا وأفلت واحد. وفيها عزل اليهود والنصارى عن المباشرات ثم أعيدوا قبل شهر وحج بالناس فيها قطز الخادم.
وفيها توفي من الأعيان ..
زاهر بن طاهر
ابن محمد، أبو القاسم بن أبي عبد الرحمن بن أبي بكر السحامي (١) المحدث المكثر، الرحال الجوال، سمع الكثير وأملى بجامع نيسابور ألف مجلس، وتكلم فيه أبو سعد السمعاني، وقال: إنه كان يخل بالصلوات. وقد رد ابن الجوزي على السمعاني بعذر المرض ويقال: إنه كان به مرض يكثر بسببه جمع الصلوات فالله أعلم، بلغ خمسا وثمانين سنة توفي بنيسابور في ربيع الآخر، ودفن بمقبرته.
يحيى بن يحيى بن علي
ابن أفلح، أبو القاسم الكاتب، وقد خلع عليه المسترشد ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربعة دور، وكانت له دار إلى جانبهن فهدمهن كلهن واتخذ مكانهن دارا هائلة، طولها ستون ذراعا في عرض أربعين ذراعا، وأطلق له الخليفة أخشابها وآجرها وطرازاتها، وكتب عليها أشعارا حسنة من نظمه ونظم غيره، فمن ذلك ما هو على باب دارها:
إن أعجب الراؤن من ظاهري … فباطني لو علموا أعجب
شد باني من كفه مزنة … يخجل منها العارض الصيب
ورنحت روضة أخلاقه … في ديار نورها مذهب
صدر كسي صدري من نوره … شمسا على الأيام لا تغرب
стр. 4653
وعلى الطرز مكتوب:
ومن المروءة للفتى … ما عاش دار فاخره
فاقنع من الدنيا بها … واعمل لدار الآخرة
هاتيك وافيت بما … وعدت وهاتي باتره
وفي موضع آخر مكتوب:
وناد كأن الجنان الخلد … أعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزمان … أن لا يلم به موبقا
فأضحى ينبئه على كل ما … بنى مغربا كان أو مشرقا
؟؟ ظل الوفود به عكفا … ويمسي الضيوف به طرقا
بقيت له يا جمال الملوك … وذا الفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمان … ووقيت فيه الذي يتقى
فما والله صدقت هذه الأماني، بل عما قريب اتهمه الخليفة بأنه يكاتب دبيسا فأمر بخراب داره تلك فلم يبق فيها جدار، بل صارت خربة بعد ما كانت قرة العيون من أحسن المقام والقرار، وهذه حكمة الله من تقلب الليل والنهار، وما تجري بمشيئة الاقدار، وهي حكمته في كل دار بنيت بالأشر والبطر، وفي كل لباس لبس على التيه والكبر والأشر. وقد أورد له ابن الجوزي أشعارا حسنة من نظمه، وكلمات من نثره فمن ذلك قوله:
دع الهوى لا ناس يعرفون به … قد مارسوا الحب حتى أصعبه
أدخلت نفسك فيما لست تجربه … والشئ صعب على من لا يجربه
أمن اصطبار وإن لم تستطع خلدا … فرب مدرك أمر عز مطلبه
أحن الضلوع على قلب يخيرني … في كل يوم يعييني تقلبه
تأرج الريح من نجد يهيجه … ولامع البرق من نغمات يطربه
وقوله:
هذه الخيف وهاتيك مني … فترفق أيها الحادي بنا
واحبس الركب علينا ساعة … نندب الدار ونبكي الدنا
فلذا الموقف أعددت البكا … ولذا اليوم الدموع تقتني
زماننا كان وكنا جيرة … فأعاد الله ذاك ألزمنا
بيننا يوم ائتلاف نلتقي … كان من غير تراض بيننا
стр. 4654
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
فها حاصر زنكي دمشق فحصنها الأتابك معين الدين بن مملوك طغتكين، فاتفق موت ملكها جمال الدين محمود بن بوري بن طغتكين، فأرسل معين الدين إلى أخيه مجير الدين أتق، وهو ببعلبك فملكه دمشق، فذهب زنكي إلى بعلبك فأخذها واستناب عليها نجم الدين أيوب صلاح الدين. وفيها دخل الخليفة على الخاتون فاطمة بنت السلطان مسعود، وأغلقت بغداد أياما. وفيها نودي للصلاة على رجل صالح فاجتمع الناس بمدرسة الشيخ عبد القادر فاتفق أن الرجل عطس فأفاق، وحضرت جنازة رجل آخر غيره فصلى عليه ذلك الجمع الكثير. وفيها نقصت المياه من سائر الدنيا وفيها ولد صاحب حماه تقي الدين عمر شاهنشاه بن أيوب بن شاري.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن جعفر
ابن الفرج أبو العباس الحربي، أحد العباد الزهاد، سمع الحديث وكانت له أحوال صالحة، حتى كان يقال: إنه كان يرى في بعض السنين بعرفات، ولم يحج في تلك السنة.
عبد السلام بن الفضل
أبو القاسم الجيلي، سمع الحديث وتفقه على الكيا الهراسي، وبرع في الأصول والفروع، وغير ذلك، وولي قضاء البصرة وكان من خيار القضاة.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة
فيها وصلت البردة والقضيب إلى بغداد، وكانا مع المسترشد حين هرب سنة تسع وعشرين، وخمسمائة فحفظهما السلطان سنجر عنده حتى ردهما في هذه السنة. وفيها كملت المدرسة الكمالية المنسوبة إلى كمال الدين، أبي الفتوح حمزة بن طلحة، صاحب المخزن، ودرس فيها الشيخ أبو الحسن الحلي (١)، وحضر عنده الأعيان.
وممن توفي فيها من الأعيان.
стр. 4655
إسماعيل بن محمد
ابن علي، أبو القاسم الطلحي الأصبهاني، سمع الكثير، ورحل وكتب وأملى بأصبهان، قريبا من ثلاثة آلاف مجلس، وكان إماما في الحديث والفقه والتفسير واللغة، حافظا متقنا، توفي ليلة عيد الأضحى وقد قارب الثمانين، ولما أراد الغاسل تنحية الخرقة عن فرجه ردها بيده، وقيل: إنه وضع يده على فرجه.
محمد بن عبد الباقي
ابن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مسجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، سمع الحديث وتفرد عن جماعة من المشايخ، وأملى الحديث في جامع القصر، وكان مشاركا في علوم كثيرة، وقد أسر في صغره في أيدي الروم فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلم منهم خط الروم، وكان يقول من خدم المحابر خدمته المنابر، ومن شعره الذي أورده له ابن الجوزي عنه وسمعه منه قوله:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة … سن ومال، إن سئلت، ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة … بمكفر وبحاسد ومكذب
وقوله:
لي مدة لا بد أبلغها … فإذا انقضت في وقتها مت
لو عاندتني الأسد ضارية … ما ضرني ما لم يجي الوقت
قال ابن الجوزي: بلغ من العمر ثلاثا وتسعين سنة، لم تتغير حواسه ولا عقله، توفي ثاني رجب منها. وحضر جنازته الأعيان وغيرهم، ودفن قريبا من قبر بشر.
يوسف بن أيوب
ابن الحسن بن زهرة، أبو يعقوب الهمذاني، تفقه بالشيخ أبي إسحاق، وبرع في الفقه والمناظرة ثم ترك ذلك واشتغل بالعبادة، وصحب الصالحين، وأقام بالجبال (١)، ثم عاد إلى بغداد فوعظ بها، وحصل له قبول. توفي في ربيع الأول ببعض قرى هراة.
стр. 4656
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة
فيها كانت حروب كثيرة بين السلطان سنجر وخوارزم شاه، فاستحوذ خوارزم على مرو بعد هزيمة سنجر ففتك بها، وأساء التدبير بالنسبة إلى الفقهاء الحنفية الذين بها، وكان جيش خوارزم ثلاثمائة ألف مقاتل. وفيها تحمل عمل دمشق النهروز، وخلع نهروز شحنة بغداد على حباب صباغ الحرير الرومي، وركب هو والسلطان مسعود في سفينة في ذلك النهر، وفرح السلطان بذلك، وكان قد صرف السلطان على ذلك النهر سبعين ألف دينار. وفيها حج كمال الدين طلحة صاحب المخزن، وعاد فتزهد وترك العمل ولزم داره. وفيها عقدت الجمعة بمسجد العباسيين بإذن الخليفة.
وحج بالناس قطز.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
إسماعيل بن أحمد بن عمر
ابن [أبي] (١) الأشعث، أبو القاسم بن أبي بكر السمرقندي الدمشقي ثم البغدادي، سمع الكثير وتفرد بمشايخ، وكان سماعه صحيحا، وأملى بجامع المنصور كثيرة نحو ثلاثمائة مجلس، توفي وقد جاوز الثمانين.
يحيى بن علي
ابن محمد بن علي، أبو محمد بن الطراح المدبر، ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة، سمع الكثير وأسمع، وكان شيخا حسنا مهيبا كثير العبادة، توفي في رمضان منها.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة
فيها ملك عماد الدين زنكي الحديثة، ونقل آل مهارش منها إلى الموصل، ورتب فيها نوابا من جهته.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة
فيها تجهز السلطان مسعود ليأخذ الموصل والشام من زنكي، فصالحه على مائة ألف دينار،
стр. 4657
فدفع إليه منها عشرين ألف دينار، وأطلق له الباقي، وسبب ذلك أن ابنه سيف الدين غازي كان لا يزال في خدمة السلطان مسعود. وفيها ملك زنكي بعض بلاد بكر. وفيها حصر الملك سنجر خوارزم شاه، ثم أخذ منه مالا وأطلقه. وفيها وجد رجل يفسق بصبي فألقي من رأس منارة، وفي ليلة الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي القعدة زلزلت الأرض. وحج بالناس قطز.
وممن توفي فيها من الأعيان ..
عبد الوهاب بن المبارك
ابن أحمد، أبو البركات الأنماطي، الحافظ الكبير، كان ثقة دينا ورعا، طليق الوجه، سهل الأخلاق، توفي في المحرم عن ست وتسعين (١) سنة.
علي بن طراد
ابن محمد الزينبي، الوزير العباسي، أبو القاسم نقيب النقباء على الطائفتين، في أيام المستظهر، ووزر للمسترشد، وتوفي في رمضان عن ست وسبعين سنة.
الزمخشري محمود
ابن عمر بن محمد بن عمر، أبو القاسم الزمخشري، صاحب الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو وغير ذلك من المصنفات المفيدة، وقد سمع الحديث وطاف البلاد، وجاور بمكة مدة، وكان يظهر مذهب الاعتزال ويصرح بذلك في تفسيره، ويناظر عليه، وكانت وفاته بخوارزم ليلة عرفة منها، عن ست (٢) وسبعين سنة.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة
فيها أخذ العماد زنكي الرها وغيرها من حصون الجزيرة من أيدي الفرنج، وقتل منهم خلقا كثيرا وسبى نساء كثيرة، وغنم أموالا جزيلة، وأزال عن المسلمين كربا شديدا. وحج بالناس قطز الخادم وتنافس هو وأمير مكة فنهب الحجيج وهم يطوفون.
стр. 4658
وفيها توفي من الأعيان ..
إبراهيم بن محمد بن منصور
ابن عمر أبو الوليد الكرخي، تفقه بأبي إسحاق وأبي سعد المتولي، حتى صار أوحد زمانه فقها وصلاحا، مات في هذه السنة.
سعد (١) بن محمد
ابن عمر أبو منصور البزار (٢)، سمع الحديث وتفقه بالغزالي والشاشي (٣) والمتولي والكيا، وولي تدريس النظامية، وكان له سمت حسن، ووقار وسكون، وكان يوم جنازته مشهودا، ودفن عند أبي إسحاق.
عمر بن إبراهيم
ابن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشي العلوي، أبو البركات الكوفي، ثم البغدادي، سمع الكثير وكتب كثيرا، وأقام بدمشق مدة، وكان له معرفة جيدة بالفقه والحديث والتفسير واللغة والأدب، وله تصانيف في النحو، وكان خشن العيش، صابرا محتسبا، توفي في شعبان من هذه السنة عن سبع وتسعين سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة
فيها حصر علي بن دبيس أخاه محمدا ولم يزل يحاصره حتى اقتلع من يده الحلة وملكها، وفي رجب منها دخل السلطان مسعود بغداد خوفا من اجتماع عباس صاحب الري، ومحمد شاه بن محمود، ثم خرج منها في رمضان، وحج بالناس أرجوان (٤) مملوك أمير الجيوش بسبب ما كان وقع بين قطز وأمير مكة في السنة الماضية.
стр. 4659
و ممن توفي فيها من الأعيان ..
أحمد بن محمد
ابن الحسين بن علي بن أحمد بن سليمان، أبو سعد الأصبهاني، ثم البغدادي، سمع الحديث وكان على طريقة السلف، حلو الشمائل، مطرح الكلفة، ربما خرج إلى السوق بقميص وقلنسوة. وحج أحد عشر حجة، وكان يملي الحديث ويكثر الصوم، توفي بنهاوند في ربيع الأول من هذه السنة، وقد قارب الثمانين.
علي بن أحمد
ابن الحسين بن أحمد، أبو الحسن اليزدي، تفقه بأبي بكر الشاشي، وسمع الحديث وأسمعه، وكان له ولأخيه قميص واحد، إذا خرج هذا لبسه وجلس الآخر في البيت عريانا، وكذا الآخر.
موهوب بن أحمد
ابن محمد بن الخضر، أبو منصور الجواليقي، شيخ اللغة في زمانه، باشر مشيخة اللغة بالنظامية بعد شيخه أبي زكريا التبريزي، وكان يؤم بالمقتفي، وربما قرأ الخليفة عليه شيئا من الكتب، وكان عاقلا متواضعا في ملبسه، طويل الصمت كثير الفكر، وكانت له حلقة بجامع القصر أيام الجمع، وكان فيه لكنة، وكان يجلس إلى جانبه المغربي معبر المنامات، وكان فاضلا لكنه كان كثير النعاس في مجلسه، فقال فيهما بعض الأدباء:
بغداد عندي ذنبها لن يغفرا … وعيوبها مكشوفة لن تسترا
كون الجواليقي فيها ممليا … لغة وكون المغربي معبرا
ما سور لكنته يقول فصاحة … وليوم يقظته يعبر في الكرا
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة
في ليلة مستهل ربيع الأول منها احترق القصر الذي بناه المسترشد، وكان في غاية الحسن، وكان الخليفة المقتفي قد انتقل بجواريه وحظاياه إليه ليقيم فيه ثلاثة أيام، فما هو إلا أن ناموا احترق عليهم القصر بسبب أن جارية أخذت في يدها شمعة فعلق لهبها ببعض الأخشاب، فاحترق القصر
стр. 4660
وسلم الله والخليفة وأهله، فأصبح فتصدق بأشياء كثيرة، وأطلق خلقا من المحبسين. وفي رجب منها وقع بين الخليفة والسلطان مسعود واقع فبعث الخليفة إلى الجوامع والمساجد فأغلقت ثلاثة أيام، حتى اصطلحا. وفي يوم الجمعة نصف ذي القعدة جلس ابن العبادي الواعظ فتكلم والسلطان مسعود حاضر، وكان قد وضع على الناس في البيع مكسا فاحشا، فقال في جملة وعظه: يا سلطان العالم، أنت تطلق في بعض الأحيان للمغني إذا طربت قريبا مما وضعت على المسلمين من هذه المكس، فهبني مغنيا وقد طربت فهب لي هذا المكس شكرا لنعم الله عليك. فأشار السلطان بيده أن قد فعلت، فضج الناس بالدعاء له، وكتب بذلك سجلات، ونودي في البلد بإسقاط ذلك المكس، ففرح الناس بذلك ولله الحمد والمنة. وفيها قل المطر جدا، وقلت مياه الأنهار، وانتشر جراد عظيم، وأصاب الناس داء في حلوقهم، فمات بذلك خلائق كثيرة فإنا الله وإنا إليه راجعون. وفيها قتل الملك عماد الدين زنكي بن قيم الدولة التركي صاحب الموصل، وحلب وغيرها من البلاد الشامية والجزيرة، وكان محاصرا قلعة جعبر، وفيها شهاب الدين سالم بن ملك العقيلي، فبرطل بعض مماليك زنكي حتى قتلوه في الليلة الخامسة من ربيع الأول (١) من هذه السنة. قال العماد الكاتب: كان سكرانا فالله أعلم. وقد كان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلا، وكان شجاعا مقداما حازما، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة، وقام بالامر من بعده بالموصل ولده سيف الدولة، وبحلب نور الدين محمود، فاستعاد نور الدين هذا مدينة الرها، وكان أبوه قد فتحها. فلما مات عصوا فقهرهم نور الدين. وفيها ملك عبد المؤمن صاحب المغرب وخادم ابن تومرت جزيرة الأندلس، بعد حروب طويلة. وفيها ملكت الفرنج مدينة طرابلس الغرب، وفيها استعاد صاحب دمشق مدينة بعلبك. وفيها جاء نجم الدين أيوب إلى صاحب دمشق فسلمه القلعة وأعطاه أمزبة عنده بدمشق. وفيها قتل السلطان مسعود حاجبه عبد الرحمن بن طغرلبك (٢) وقتل عباسا صاحب الري، وألقى رأسه إلى أصحابه فانزعج الناس ونهبوا خيام عباس هذا، وقد كان عباس من الشجعان المشهورين، قاتل الباطنية مع مخدومه جوهر، فلم يزل يقتل منهم حتى بنى مأذنة من رؤوسهم بمدينة الري. وفيها مات نقيب النقباء ببغداد محمد بن طراد الزينبي، فتولى بعده علي بن طلحة الزينبي. وفيها سقط جدار على ابنة الخليفة، وكانت قد بلغت مبالغ النساء، فماتت فحضر جنازتها الأعيان. وحج بالناس قطز الخادم.
وممن توفي فيها من الأعيان ..