← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

فأخذوا معها نابلس، فأرسل إليهم الصالح أيوب جيشا مع فخر الدين ابن الشيخ فكسرهم على الصلت وأجلاهم عن تلك البلاد، وحاصر الناصر بالكرك وأهانه غاية الإهانة، وقدم الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية فدخل دمشق في أبهة عظيمة، وأحسن إلى أهلها، وتصدق على الفقراء والمساكين، وسار إلى بعلبك وإلى بصرى وإلى صرخد، فتسلمها من صاحبها عز الدين أيبك المعظمي، وعوضه عنها ثم عاد إلى مصر مؤيدا منصورا. وهذا كله في السنة الآتية. وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار لعنهم الله، فكسرهم المسلمون كسرة عظيمة وفرقوا شملهم، وهزموا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم ولم يتبعوهم، خوفا من غائلة مكرهم وعملا بقوله ﷺ " اتركوا الترك ما تركوكم " (١). وفي هذه السنة ظهر ببلاد خوزستان على شق جبل داخله من الأبنية الغريبة العجيبة ما يحار فيه الناظر، وقد قيل إن ذلك من بناء الجن، وأورد صفته ابن الساعي في تاريخه. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: الشيخ تقي الدين ابن (٢) الصلاح عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الإمام العلامة، مفتي الشام ومحدثها، الشهرزوري ثم الدمشقي، سمع الحديث ببلاد الشرق وتفقه هنالك بالموصل وحلب وغيرها، وكان أبوه مدرسا بالأسدية التي بحلب، وواقفها أسد الدين شيركوه بن شادي، وقدم هو الشام وهو في عداد الفضلاء الكبار. وأقام بالقدس مدة ودرس بالصلاحية، ثم تحول منه إلى دمشق، ودرس بالرواحية ثم بدار الحديث الأشرفية، وهو أول من وليها من شيوخ الحديث، وهو الذي صنف كتاب وقفها، ثم بالشامية الجوانية، وقد صنف كتبا كثيرة مفيدة في علوم الحديث والفقه [وله] تعاليق حسنة على الوسيط وغيره من الفوائد التي يرحل إليها. وكان دينا زاهدا ورعا ناسكا، على طريق السلف الصالح، كما هو طريقة متأخري أكثر المحدثين، مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة، ولم يزل على طريقة جيدة حتى كانت وفاته بمنزله في دار الحديث الأشرفية ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وصلي عليه بجامع دمشق وشيعه الناس إلى داخل باب الفرج، ولم يمكنهم البروز لظاهره لحصار الخوارزمية، وما صحبه إلى جبانة الصوفية إلا نحو العشرة ﵀ وتغمده برضوانه. وقد أثنى عليه القاضي شمس الدين بن خلكان، وكان من شيوخه. قال السبط أنشدني الشيخ تقي الدين من لفظه ﵀:

стр. 5007

احذر من الواوات أربعة … فهن من الحتوف واو الوصية والوديعة … والوكالة والوقوف وحكى ابن خلكان عنه أنه قال: ألهمت في المنام هؤلاء الكلمات: ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك فإن لكل يوم رزقا جديدا، والالحاح في الطلب يذهب البهاء، وما أقرب الصنيع من الملهوف، وربما كان العسر نوعا من آداب الله، والحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمرة قبل أن تدرك، فإنك ستنالها في أوانها، ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعا، ويغشاك القنوط. ابن النجار الحافظ صاحب التاريخ محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن بن النجار، أبو عبد الله البغدادي الحافظ الكبير، سمع الكثير ورحل شرقا وغربا، ولد (١) سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وشرع في كتابة التاريخ وعمره خمس عشرة (٢) سنة، والقراءات وقرأ بنفسه على المشايخ كثيرا حتى حصل نحوا من ثلاثة آلاف شيخ، من ذلك نحو من أربعمائة امرأة، وتغرب ثمانيا وعشرين سنة، ثم جاء إلى بغداد وقد جمع أشياء كثيرة، من ذلك القمر المنير في المسند الكبير، يذكر لكل صحابي ما روى. وكنز الأيام (٣) في معرفة السنن والاحكام، والمختلف والمؤتلف، والسابق واللاحق، والمتفق والمفترق، وكتاب الألقاب، ونهج الإصابة في معرفة الصحابة، والكافي في أسماء الرجال، وغير ذلك مما لم يتم أكثره وله كتاب الذيل على تاريخ مدينة السلام، في ستة عشر مجلدا كاملا، وله أخبار مكة والمدينة وبيت المقدس، وغرر الفوائد في خمس مجلدات، وأشياء كثيرة جدا سردها ابن الساعي في ترجمته، وذكر أنه لما عاد إلى بغداد عرض عليه الإقامة في المدارس فأبى وقال: معي ما أستغني به عن ذلك فأشتري جارية وأولدها وأقام برهة ينفق مدة على نفسه من كيسه، ثم احتاج إلى أن نزل محدثا في جماعة المحدثين بالمدرسة المستنصرية حين وضعت، ثم مرض شهرين وأوصى إلى ابن الساعي في أمر تركته وكانت وفاته يوم الثلاثاء الخامس من شعبان من هذه السنة، وله من العمر خمس وسبعون سنة وصلي عليه بالمدرسة النظامية، وشهد جنازته خلق كثير، وكان ينادى حول جنازته هذا حافظ حديث رسول الله ﷺ ، الذي كان ينفي الكذب عنه. ولم يترك وارثا، وكانت تركته عشرين دينارا وثياب بدنه، وأوصى أن يتصدق بها، ووقف خزانتين من الكتب بالنظامية تساوي ألف دينار، فأمضى ذلك الخليفة المستعصم، وقد أثنى عليه الناس ورثوه بمراث كثيرة، سردها ابن الساعي في آخر ترجمته.

стр. 5008

الحافظ ضياء الدين المقدسي ابن الحافظ محمد بن عبد الواحد [بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل] (١) سمع الحديث الكثير وكتب كثيرا وطوف وجمع وصنف وألف كتبا مفيدة حسنة كثيرة الفوائد، من ذلك كتاب الأحكام ولم يتمه، وكتاب المختارة وفيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من مستدرك الحاكم لو كمل، وله فضائل الأعمال وغير ذلك من الكتب الحسنة الدالة على حفظه واطلاعه وتضلعه من علوم الحديث متنا وإسنادا. وكان ﵀ في غاية العبادة والزهادة والورع والخير، وقد وقف كتبا كثيرة عظيمة لخزانة المدرسة الضيائية التي وقفها على أصحابهم من المحدثين والفقهاء، وقد وقفت عليها أوقاف أخر كثيرة بعد ذلك (٢). الشيخ علم الدين أبو الحسن السخاوي (٣) علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمذاني المصري، ثم الدمشقي شيخ القراء بدمشق، ختم عليه ألوف من الناس، وكان قد قرأ على الشاطبي وشرح قصيدته، وله شرح المفصل وله تفاسير وتصانيف كثيرة، ومدائح في رسول الله ﷺ ، وكانت له حلقة بجامع دمشق، وولي مشيخة الأقراء بتربة أم الصالح، وبها كان مسكنه وبه توفي ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. وذكر القاضي ابن خلكان أن مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وذكر من شعره قوله: قالوا غدا نأتي ديار الحمى … وينزل الركب بمغناهم وكل من كان مطيعا لهم … أصبح مسرورا بلقياهم قلت فلي ذنب فما حيلتي … بأي وجه أتلقاهم قالوا أليس العفو من شأنهم … لا سيما عمن ترجاهم ربيعة خاتون بنت أيوب أخت السلطان صلاح الدين، زوجها أخوها أولا بالأمير سعد الدين مسعود بن معين الدين وتزوج هو بأخته عصمة الدين خاتون، التي كانت زوجة الملك نور الدين واقفة الخاتونية الجوانية،

стр. 5009

والخانقاه البرانية، ثم لما مات الأمير سعد الدين زوجها من الملك مظفر الدين صاحب إربل، فأقامت عنده بإربل أزيد من أربعين سنة حتى مات، ثم قدمت دمشق فسكنت بدار العقيقي حتى كانت وفاتها في هذه السنة وقد جاوزت الثمانين، ودفنت بقاسيون، وكانت في خدمتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف بنت الناصح الحنبلي، وكانت فاضلة، ولها تصانيف، وهي التي أرشدتها إلى وقف المدرسة بسفح قاسيون على الحنابلة، ووقفت أمة اللطيف على الحنابلة مدرسة أخرى وهي الآن شرقي الرباط الناصري، ثم لما ماتت الخاتون وقعت العالمة بالمصادرات وحبست مدة ثم أفرج عنها وتزوجها الأشرف صاحب حمص، وسافرت معه إلى الرحبة وتل راشد، ثم توفيت في سنة ثلاث وخمسين، ووجد لها بدمشق ذخائر كثيرة وجواهر ثمينة، تقارب ستمائة ألف درهم، غير الأملاك والأوقاف رحمها الله تعالى. معين الدين الحسن بن شيخ الشيوخ (١) وزير الصالح نجم الدين أيوب، أرسله إلى دمشق فحاصرها مع الخوارزمية أول مرة حتى أخذها من يد الصالح إسماعيل، وأقام بها نائبا من جهة الصالح أيوب، ثم مالا الخوارزمية مع الصالح إسماعيل عليه فحصروه بدمشق، ثم كانت وفاته في العشر الاخر من رمضان هذه السنة، عن ست وخمسين سنة، فكانت مدة ولايته بدمشق أربعة أشهر ونصف. وصلي عليه بجامع دمشق، ودفن بقاسيون إلى جانب أخيه عماد الدين. وفيها كانت وفاة القليجية للحنفية. وهو الأمير: سيف الدين بن قلج ودفن بتربته التي بمدرسته المذكورة، التي كانت سكنه بدار فلوس تقبل الله تعالى منه. وخطيب الجبل شرف الدين عبد الله بن الشيخ أبي عمر ﵀. والسيف أحمد بن عيسى بن الإمام موفق الدين بن قدامة (٢) وفيها توفي إمام الكلاسة الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن أبي جعفر (٣) مسند وقته، وشيخ الحديث في زمانه رواية وصلاحا رحمه الله تعالى. والمحدثان الكبيران

стр. 5010

الحافظان المفيدان شرف الدين أحمد بن الجوهري (١) وتاج الدين عبد الجليل الأبهري. ثم دخلت سنة أربع وأربعين وستمائة فيها كسر المنصور الخوارزمية عند بحيرة حمص واستقرت يد نواب الصالح أيوب على دمشق وبعلبك وبصرى، ثم في جمادى الآخرة كسر فخر الدين بن الشيخ الخوارزمية على الصلت كسرة فرق بقية شملهم، ثم حاصر الناصر بالكرك ورجع عنه إلى دمشق. وقدم الصالح أيوب إلى دمشق في ذي القعدة فأحسن إلى أهلها وتسلم هذه المدن المذكورة، وانتزع صرخد من يد عز الدين أيبك، وعوضه عنها، وأخذ الصلت من الناصر داود بن المعظم وأخذ حصن الصبية من السعيد بن العزيز بن العادل، وعظم شأنه جدا، وزار في رجوعه بيت المقدس وتفقد أحواله وأمر بإعادة أسواره أن تعمر كما كانت في الدولة الناصرية، فاتح القدس، وأن يصرف الخراج وما يتحصل من غلات بيت المقدس في ذلك، وإن عاز شيئا صرفه من عنده. وفيها قدمت الرسل من عند البابا الذي للنصارى تخبر بأنه قد أباح دم الا بدور ملك الفرنج لتهاونه في قتال المسلمين، وأرسل طائفة من عنده ليقتلوه، فلما انتهوا إليه كان استعد لهم وأجلس مملوكا له على السرير فاعتقدوه الملك فقتلوه، فعند ذلك أخذهم الا بدور فصلبهم على باب قصره بعد ما ذبحهم وسلخهم وحشى جلودهم تبنا، فلما بلغ ذلك البابا أرسل إليه جيشا كثيفا لقتاله فأوقع الله الخلف بينهم بسبب ذلك، وله الحمد والمنة. وفيها هبت رياح عاصفة شديدة بمكة في يوم الثلاثاء من عشر ربيع الآخر، فألقت ستارة الكعبة المشرفة، وكانت قد عتقت، فإنها من سنة أربعين لم تجدد لعدم الحج في تلك السنين من ناحية الخليفة، فما سكنت الريح إلا والكعبة عريانة قد زال عنها شعار السواد، وكان هذا فألا على زوال دولة بني العباس، ومنذرا بما سيقع بعد هذا من كائنة التتار لعنهم الله تعالى. فاستأذن نائب اليمن عمر بن سول شيخ الحرم العفيف بن منعة في أن يكسو الكعبة، فقال لا يكون هذا إلا من مال الخليفة، ولم يكن عنده مال فاقترض ثلاثمائة دينار واشترى ثياب قطن وصبغها سوادا وركب عليها طرازاتها العتيقة وكسى بها الكعبة ومكثت الكعبة ليس عليها كسوة إحدى وعشرين ليلة. وفيها فتحت دار الكتب التي أنشأها الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقمي بدار الوزارة، وكانت في نهاية الحسن، ووضع فيها من الكتب النفيسة والنافعة شئ كثير، وامتدحها الشعراء بأبيات وقصائد حسانا وفي أواخر ذي الحجة طهر الخليفة المستعصم بالله ولديه الأميرين أبا العباس أحمد، وأبا الفضائل عبد الرحمن، وعملت ولائم فيها كل أفراح ومسرة، لا يسمع بمثلها من

стр. 5011

أزمان متطاولة، وكان ذلك وداعا لمسرات بغداد وأهلها في ذلك الزمان. وفيها احتاط الناصر داود صاحب الكرك على الأمير عماد الدين داود بن موسك بن حسكو، وكان من خيار الامراء الأجواد، واصطفى أمواله كلها وسجنه عنده في الكرك، فشفع فيه فخر الدين بن الشيخ لما كان محاصره في الكرك فأطلقه، فخرجت في حلقه جراحة فبطها فمات ودفن عند قبر جعفر والشهداء بمؤتة (١) رحمه الله تعالى. وفيها توفي ملك الخوارزمية قبلا بركات خان لما كسرت أصحابه عند بحيرة حمص كما تقدم ذكره وفيها توفي: الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص بدمشق، بعد أن سلم بعلبك للصالح أيوب، ونقل إلى حمص، وكان نزوله أولا ببستان أسامة (٢)، فلما مرض (٣) حمل إلى الدهشة بستان الأشرف بالنيرب فمات فيه. وفيها توفي: الصائن محمد بن حسان ابن رافع العامري الخطيب، وكان كثير السماع مسندا، وكانت وفاته بقصر حجاج رحمه الله تعالى. وفيها توفي: الفقيه العلامة محمد بن محمود بن عبد المنعم المرامي (٤) الحنبلي وكان فاضلا ذا فنون، أثنى عليه أبو شامة. قال: صحبته قديما ولم يترك بعده بدمشق مثله في الحنابلة، وصلي عليه بجامع دمشق ودفن بسفح قاسيون ﵀. والضياء عبد الرحمن الغماري المالكي الذي ولي وظائف الشيخ أبي عمرو بن الحاجب حين خرج من دمشق سنة ثمان

стр. 5012

وثلاثين وجلس في حلقته ودرس مكانه بزاوية المالكية والفقيه تاج الدين إسماعيل بن جميل بحلب، وكان فاضلا دينا سليم الصدر ﵀. ثم دخلت سنة خمس وأربعين وستمائة فيها كان عود السلطان الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل من الشام إلى الديار المصرية، وزار في طريقه بيت المقدس وفرق في أهله أموالا كثيرة، وأمر بإعادة سوره كما كان في أيام عم أبيه الملك الناصر فاتح القدس. ونزل الجيوش لحصار الفرنج ففتحت طبرية في عاشر صفر وفتحت عسقلان في أواخر جمادى الآخرة، وفي رجب عزل الخطيب عماد الدين داود بن خطيب بيت الابار عن الخطابة بجامع الأموي، وتدريس الغزالية، وولي ذلك للقاضي عماد الدين بن عبد الكريم بن الحرستاني شيخ دار الحديث بعد ابن الصلاح. وفيها أرسل الصالح أيوب يطلب جماعة من أعيان الدماشقة اتهموا بممالاة الصالح إسماعيل، منهم القاضي محيي الدين بن الزكي، وبنو صصرى وابن العماد الكاتب، والحليمي مملوك الصالح إسماعيل، والشهاب غازي والي بصرى، فلما وصلوا إلى مصر لم يكن إليهم شئ من العقوبات والإهانة، بل خلع على بعضهم وتركوا باختيارهم مكرمين. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين بن الحسين بن علي ابن حمزة العلوي الحسيني، أبو عبد الله الأفساسي النقيب قطب الدين، أصله من الكوفة وأقام ببغداد، وولي النقابة، ثم اعتقل بالكوفة، وكان فاضلا أديبا شاعرا مطبقا، أورد له ابن الساعي أشعارا كثيرة ﵀. الشلوبين (١) النحوي هو عمر بن محمد بن عبد الله الأزدي، أبو علي الأندلسي الإشبيلي، المعروف بالشلوبين. وهو بلغة الأندلسيين الأبيض الأشقر. قال ابن خلكان: ختم به أئمة النحو، وكان فيه تغفل، وذكر له شعرا ومصنفات منها شرح الجزولية وكتاب التوطئة. وأرخ وفاته بهذه السنة. وقد جاوز الثمانين رحمه الله تعالى وعفا عنه.

стр. 5013

الشيخ علي المعروف بالحريري (١) أصله من قرية بسر شرقي ذرع، وأقام بدمشق مدة يعمل صنعة الحرير، ثم ترك ذلك وأقبل يعمل الفقيري على يد الشيخ علي المغربل، وابتنى له زاوية على الشرف القبلي، وبدرت منه أفعال أنكرها عليه الفقهاء، كالشيخ عز الدين بن عبد السلام، والشيخ تقي الدين بن الصلاح، والشيخ أبي عمرو بن الحاجب شيخ المالكية وغيرهم، فلما كانت الدولة الأشرفية حبس في قلعة عزتا مدة سنين ثم أطلقه الصالح إسماعيل واشترط عليه أن لا يقيم بدمشق، فلزم بلده بسر مدة حتى كانت وفاته في هذه السنة، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الذيل: وفي رمضان أيضا توفي الشيخ علي المعروف بالحريري المقيم بقرية بسر في زاويته، وكان يتردد إلى دمشق، وتبعه طائفة من الفقراء وهم المعروفون بأصحاب الحريري أصحاب المنافي للشريعة، وباطنهم شر من ظاهرهم، إلا من رجع إلى الله منهم، وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة والتهاون فيها من إظهار شعائر أهل الفسوق والعصيان شئ كثير، وانفسد بسببه جماعة كبيرة من أولاد كبراء دمشق وصاروا على زي أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغنا الدائم والرقص والمردان، وترك الانكار على أحد فيما يفعله، وترك الصلوات وكثرت النفقات، فأضل خلقا كثيرا وأفسد جما غفيرا، ولقد أفتى في قتله مرارا جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح الله تعالى منه. هذا لفظه بحروفه. واقف العزيه الأمير عز الدين أيبك أستاذ دار المعظم، كان من العقلاء الأجواد الأمجاد، استنابه المعظم على صرخد وظهرت منه نهضة وكفاية وسداد، ووقف العزيتين الجوانية والبرانية، ولما أخذ منه الصالح أيوب صرخد عوضه عنها وأقام بدمشق ثم وشي عليه بأنه يكاتب الصالح إسماعيل فاحتيط عليه وعلى أمواله وحواصله فمرض وسقط إلى الأرض، وقال: هذا آخر عهدي. ولم يتكلم حتى مات ودفن بباب النصر بمصر رحمه الله تعالى، ثم نقل إلى تربته التي فوق الوراقة. وإنما أرخ السبط وفاته في سنة سبع وأربعين فالله أعلم. الشهاب غازي بن العادل صاحب ميافارقين وخلاط وغيرهما من البلدان، كان من عقلاء بني أيوب وفضلائهم، وأهل الديانة منهم، ومما أنشد قوله:

стр. 5014

ثم دخلت سنة ست وأربعين وستمائة فيها قدم السلطان الصالح نجم الدين من الديار المصرية إلى دمشق وجهز الجيوش والمجانيق إلى حمص، لأنه كان صاحبها الملك الأشرف بن موسى بن المنصور بن أسد الدين قد قايض بها إلى تل باشر لصاحب حلب الناصر يوسف بن العزيز، ولما علمت الحلبيون بخروج الدماشقة برزوا أيضا في جحفل عظيم ليمنعوا حمص منهم، واتفق الشيخ نجم الدين البادزاي (١) مدرس النظامية ببغداد في رسالة فأصلح بين الفريقين، ورد كلا من الفئتين إلى مستقرها ولله الحمد. وفيها قتل مملوك تركي شاب صبي لسيده علي دفعه عنه لما أراد به من الفاحشة، فصلب الغلام مسمرا، وكان شابا حسنا جدا فتأسف الناس له لكونه صغيرا ومظلوما وحسنا، ونظموا فيه قصائد، وممن نظم فيه الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الذيل، وقد أطال قصته جدا، وفيها سقطت قنطرة رومية قديمة البناء بسوق الدقيق من دمشق، عند قصر أم حكيم، فتهدم بسببها شئ كثير من الدور والدكاكين، وكان سقوطها نهارا. وفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من رجب وقع حريق بالمنارة الشرقية فأحرق جميع حشوها، وكانت سلالمها سقالات من خشب، وهلك للناس ودائع كثيرة كانت فيها، وسلم الله الجامع وله الحمد. وقدم السلطان بعد أيام إلى دمشق فأمر بإعادتها كما كانت، قلت: ثم احترقت وسقطت بالكلية بعد سنة أربعين وسبعمائة وأعيدت عمارتها أحسن مما كانت ولله الحمد. وبقيت حينئذ المنارة البيضاء الشرقية بدمشق كما نطق به الحديث في نزول عيسى ﵇ عليها، كما سيأتي بيانه وتقريره في موضعه إن شاء الله تعالى. ثم عاد السلطان الصالح أيوب مريضا في محفة إلى الديار المصرية وهو ثقيل مدنف، شغله ما هو فيه عن أمره بقتل أخيه العادل أبي بكر بن الكامل الذي كان صاحب الديار المصرية بعد أبيه، وقد كان سجنه سنة استحوذ على مصر، فلما كان في هذه السنة في شوالها أمر بخنقه فخنق بتربة شمس الدولة، فما عمر بعده إلا إلى النصف من شعبان في العام القابل في أسوأ حال، وأشد مرض، فسبحان من له الخلق والامر. وفيها كانت وفاة قاضي القضاة بالديار المصرية:

стр. 5015

فضل الدين الخونجي (١) الحكيم المنطقي البارع في ذلك، وكان مع ذلك جيد السيرة في أحكامه. قال أبو شامة: أثنى عليه غير واحد. علي بن يحيى جمال الدين أبو الحسن المحرمي كان شابا فاضلا أديبا شاعرا ماهرا، صنف كتابا مختصرا وجيزا جامعا لفنون كثيرة في الرياضة والعقل وذم الهوى، وسماه نتائج الأفكار. قال فيه من الكلم المستفادة الحكمية: السلطان إمام متبوع، ودين مشروع، فإن ظلم جارت الحكام لظلمه، وإن عدل لم يجر أحد في حكمه، من مكنه الله في أرضه وبلاده وأئتمنه على خلقه وعباده، وبسط يده وسلطانه، ورفع محله ومكانه، فحقيق عليه أن يؤدي الأمانة، ويخلص الديانة، ويجمل السريرة، ويحسن السيرة، ويجعل العدل دأبه المعهود، والاجر غرضه المقصود، فالظلم يزل القدم، ويزيل النعم، ويجلب الفقر، ويهلك الأمم. وقال أيضا: معارضة الطبيب توجب التعذيب، رب حيلة أنفع من قبيلة، سمين الغضب مهزول، ووالي الغدر معزول، قلوب الحكماء تستشف الاسرار من لمحات الابصار، أرض من أخيك في ولايته بعشر ما كنت تعهده في مودته، التواضع من مصائد الشرف، ما أحسن حسن الظن لولا أن فيه العجز. ما أقبح سوء الظن لولا أن فيه الحزم. وذكر في غضون كلامه: أن خادما لعبد الله بن عمر أذنب فأراد ابن عمر أن يعاقبه على ذنبه فقال: يا سيدي أما لك ذنب تخاف من الله فيه؟ قال: بلى، قال بالذي أمهلك لما أمهلتني، ثم أذنب العبد ثانيا فأراد عقوبته فقال له مثل ذلك فعفا عنه، ثم أذنب الثالثة فعاقبه وهو لا يتكلم فقال له ابن عمر: ما لك لم تقل مثل ما قلت في الأولتين؟ فقال: يا سيدي حياء من حلمك مع تكرار جرمي. فبكى ابن عمر وقال: أنا أحق بالحياء من ربي، أنت حر لوجه الله تعالى. ومن شعره يمدح الخليفة: يا من إذا بخل السحاب بمائه … هطلت يداه على البرية عسجدا جورت كسرى يا مبخل حاتم … فغدت بنو الآمال نحوك سجدا وقد أورد له ابن الساعي أشعارا كثيرة حسنة رحمه الله تعالى.

стр. 5016

الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الرويني ثم المصري، العلامة أبو عمرو شيخ المالكية كان أبوه صاحبا (١) للأمير عز الدين موسك الصلاحي، واشتغل هو بالعلم فقرأ القراءات وحرر النحو تحريرا بليغا، وتفقه وساد أهل عصره، ثم كان رأسا في علوم كثيرة، منها الأصول والفروع والعربية والتصريف والعروض والتفسير وغير ذلك. وقد كان استوطن دمشق في سنة سبع عشرة وستمائة، ودرس بها للمالكية بالجامع حتى كان خروجه بصحبة الشيخ عز الدين بن عبد السلام في سنة ثمان وثلاثين، فصارا إلى الديار المصرية حتى كانت وفاة الشيخ أبي عمرو في هذه السنة بالإسكندرية، ودفن بالمقبرة التي بين المنارة والبلد. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وكان من أذكى الأئمة قريحة، وكان ثقة حجة متواضعا عفيفا كثير الحياء منصفا محبا للعلم وأهله، ناشرا له محتملا للأذى صبورا على البلوى، قدم دمشق مرارا آخرها سنة سبع عشرة، فأقام بها مدرسا للمالكية وشيخا للمستفيدين عليه في علمي القراءات والعربية، وكان ركنا من أركان الدين في العلم والعمل، بارعا في العلوم متقنا لمذهب مالك بن أنس رحمه الله تعالى. وقد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا، وذكر أنه جاء إليه في أداء شهادة حين كان نائبا في الحكم بمصر وسأله عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط، إذا قال: إن أكلت إن شربت فأنت طالق، لم كان يقع الطلاق حين شربت أولا؟ وذكر أنه أجاب عن ذلك في تؤدة وسكون. قلت ومختصره في الفقه من أحسن المختصرات، انتظم فيه فوائد ابن شاش، ومختصره في أصول الفقه، استوعب فيه عامة فوائد الاحكام لسيف الدين الآمدي، وقد من الله تعالى علي بحفظه وجمعت كراريس في الكلام على ما أودعه فيه من الأحاديث النبوية، ولله الحمد. وله شرح المفصل والأمالي في العربية والمقدمة المشهورة في النحو، اختصر فيها مفصل الزمخشري وشرحها، وقد شرحها غيره أيضا، وله التصريف وشرحه، وله عروض على وزن الشاطبية ﵀ ورضي عنه. ثم دخلت سنة سبع وأربعين وستمائة فيها كانت وفاة الملك الصالح أيوب (٢)، وقتل ابنه توران شاه (٣) وتولية المعز عز الدين أيبك التركماني (٤). وفي رابع المحرم يوم الاثنين توجه الملك الصالح من دمشق إلى الديار المصرية في

стр. 5017

محفة. قاله ابن السبط. وكان قد نادى في دمشق: من له عندنا شئ فليأت، فاجتمع خلق كثير بالقلعة، فدفعت إليهم أموالهم وفي عاشر صفر دخل إلى دمشق نائبها الأمير جمال الدين بن يغمور من جهة الصالح أيوب فنزل بدرب الشعارين داخل باب الجابية، وفي جمادى الآخرة أمر النائب بتخريب الدكاكين المحدثة وسط باب البريد، وأمر أن لا يبقى فيها دكان سوى ما في جانبيه إلى جانب الخياطين القبلي والشامي، وما في الوسط يهدم. قال أبو شامة: وقد كان العادل هدم ذلك ثم أعيد ثم هدمه ابن يغمور، والمرجو استمراره على هذه الصفة. وفيها توجه الناصر داود من الكرك إلى حلب فأرسل الصالح أيوب إلى نائبه بدمشق جمال الدين بن يغمور بخراب دار أسامة المنسوبة إلى الناصر بدمشق، وبستانه الذي بالقابون، وهو بستان القصر، وأن تقلع أشجاره ويخرب القصر، وتسلم الصالح أيوب الكرك من الأمجد حسن بن الناصر، وأخرج من كان بها من بيت المعظم (١)، واستحوذ على حواصلها وأموالها، فكان فيها من الذهب ألف ألف دينار، وأقطع الصالح الأمجد هذا إقطاعا جيدا. وفيها طغى الماء ببغداد حتى أتلف شيئا كثيرا من المحال والدور الشهيرة، وتعذرت الجمع في أكثر الجوامع بسبب ذلك سوى ثلاث جوامع، ونقلت توابيت جماعة من الخلفاء إلى الترب من الرصافة خوفا عليهم من أن تغرق محالهم، منهم المقتصد بن الأمير أبي أحمد المتوكل، وذلك بعد دفنه بنيف وخمسين سنة وثلاثمائة سنة، وكذا نقل ولده المكتفي وكذا المقتفي بن المقتدر بالله رحمهم الله تعالى. وفيها هجمت الفرنج على دمياط فهرب من كان فيها من الجند والعامة (٢) واستحوذ الفرنج على الثغر وقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين، وذلك في ربيع الأول منها، فنصب السلطان المخيم تجاه العدو بجميع الجيش، وشنق خلقا ممن هرب من الفرنج، ولامهم على ترك المصابرة قليلا ليرهبوا عدو الله وعدوهم، وقوي المرض وتزايد بالسلطان جدا، فلما كانت ليلة النصف من شعبان توفي إلى رحمة الله تعالى بالمنصورة، فأخفت جاريته أم خليل المدعوة شجرة الدر موته، وأظهرت أنه مريض مدنف لا يوصل إليه، وبقيت تعلم عنه بعلامته سواء. وأعلمت إلى أعيان الامراء فأرسلوا إلى ابنه الملك المعظم توران شاه وهو بحصن كيفا،

стр. 5018

فأقدموه إليهم سريعا، وذلك بإشارة أكابر الامراء منهم فخر الدين بن الشيخ، فلما قدم عليهم ملكوه عليهم وبايعوه أجمعين، فركب في عصائب الملك وقاتل الفرنج فكسرهم وقتل منهم ثلاثين ألفا ولله الحمد. وذلك في أول السنة الداخلة. ثم قتلوه بعد شهرين من ملكه، ضربه بعض الامراء وهو عز الدين أيبك التركماني، فضربه في يده فقطع بعض أصابعه فهرب إلى قصر من خشب في المخيم فحاصروه فيه وأحرقوه عليه، فخرج من بابه مستجيرا برسول الخليفة فلم يقبلوا منه، فهرب إلى النيل فانغمر فيه ثم خرج فقتل سريعا شر قتلة وداسوه بأرجلهم ودفن كالجيفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان فيمن ضربه البندقداري على كتفه فخرج السيف من تحت إبطه الآخر وهو يستغيث فلا يغاث. وممن قتل في هذه السنة: فخر الدين يوسف بن الشيخ بن حمويه وكان فاضلا دينا مهيبا وقورا خليقا بالملك، كانت الامراء تعظمه جدا، ولو دعاهم إلى مبايعته بعد الصالح لما اختلف عليه اثنان، ولكنه كان لا يرى ذلك حماية لجانب بني أيوب، قتلته الداوية من الفرنج شهيدا قبل قدوم المعظم توران شاه إلى مصر، في ذي القعدة، ونهبت أمواله وحواصله وخيوله، وخربت داره ولم يتركوا شيئا من الافعال الشنيعة البشعة إلا صنعوه به، مع أن الذين تعاطوا ذلك من الامراء كانوا معظمين له غاية التعظيم. ومن شعره: عصيت هوى نفسي صغيرا فعندما … رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر أطعت الهوى عكس القضية ليتني … خلقت كبيرا ثم عدت إلى الصغر ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وستمائة في ثالث المحرم يوم الأربعاء كان كسر المعظم توران شاه للفرنج على ثغر دمياط، فقتل منهم ثلاثين ألفا وقيل مائة ألف، وغنموا شيئا كثيرا ولله الحمد. ثم قتل جماعة من الامراء الذين أسروا، وكان فيمن أسر ملك الفرنسيس وأخوه، وأرسلت غفارة ملك الافرنسيس إلى دمشق فلبسها نائبها في يوم الموكب، وكانت من سقرلاط تحتها فروسنجاب، فأنشد في ذلك جماعة من الشعراء فرحا بما وقع، ودخل الفقراء كنيسة مريم فأقاموا بها فرحا لما نصر الله تعالى على النصارى، وكادوا أن يخربوها وكانت النصارى ببعلبك فرحوا حين أخذت النصارى دمياط، فلما كانت هذه الكسرة عليهم سخموا وجوه الصور، فأرسل نائب البلد فجناهم وأمر اليهود فصفعوهم، ثم لم يخرج شهر المحرم (١) حتى قتل الامراء ابن أستاذهم توران شاه، ودفنوه إلى

стр. 5019

جانب النيل من الناحية الأخرى رحمه الله تعالى ورحم أسلافه بمنه وكرمه. المعز عز الدين أيبك التركماني يملك مصر بعد بني أيوب لما قتل الامراء البحرية وغيرهم من الصالحية ابن أستاذهم المعظم غياث الدين توران شاه بن الصالح أيوب بن الكامل بن العادل أبي بكر بن نجم الدين أيوب، وكان ملكه بعد أبيه بشهرين كما تقدم بيانه، ولما انفصل أمره بالقتل نادوا فيما بينهم لا بأس لا بأس، واستدعوا من بينهم الأمير عز الدين أيبك التركماني، فملكوه عليهم وبايعوه ولقبوه بالملك المعز، وركبوا إلى القاهرة، ثم بعد خمسة (١) أيام أقاموا لهو صبيا من أيوب ابن عشر سنين (٢) وهو الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الناصر يوسف بن المسعود إقسيس بن الكامل، وجعلوا المعز أتابكه فكانت السكة والخطبة بينهما، وكاتبوا أمراء الشام بذلك، فما تم لهم الامر بالشام، بل خرج عن أيديهم ولم تستقر لهم المملكة إلا على الديار المصرية، وكل ذلك عن أمر الخاتون شجرة الدر أم خليل حظية الصالح أيوب، فتزوجت بالمعز، وكانت الخطبة والسكة لها، يدعى لها على المنابر أيام الجمع بمصر وأعمالها، وكذا تضرب السكة باسمها أم خليل (٣)، والعلامة على المناشير والتواقيع بخطها واسمها، مدة ثلاثة أشهر قبل المعز، ثم آل أمرها إلى ما سنذكره من الهوان والقتل. الناصر بن العزيز بن الظاهر صاحب حلب بملك دمشق لما وقع بالديار المصرية من قتل الامراء للمعظم توران شاه بن الصالح أيوب ركب الحلبيون معهم ابن أستاذهم الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن الناصر يوسف فاتح بيت المقدس، ومن كان عندهم من ملوك بني أيوب منهم الصالح إسماعيل بن العادل، وكان أحق الموجودين بالملك، من حيث السن والتعدد والحرمة والرياسة، ومنهم الناصر داود بن المعظم بن العادل، والأشرف موسى بن المنصور إبراهيم بن أسد الدين شيركوه، الذي كان صاحب حمص

стр. 5020

وغيرهم، فجاؤوا إلى دمشق فحاصرها فملكوها سريعا، ونهبت دار ابن يغمور وحبس في القلعة وتسلموا ما حولها كبعلبك وبصرى والصلت وصرخد، وامتنعت عليهم الكرك والشوبك بالملك المغيث عمر بن العادل بن الكامل، كان قد تغلب عليهما في هذه الفتنة حين قتل المعظم توران شاه، فطلبه المصريون ليملكوه عليهم فخاف مما حل بابني عمه، فلم يذهب إليهم ولما استقرت يد الحلبيين على دمشق وما حولها جلس الناصر في القلعة وطيب قلوب الناس، ثم ركبوا إلى غزة ليتسلموا الديار المصرية، فبرز إليهم الجيش المصري فاقتتلوا معهم أشد القتال، فكسر المصريون أولا بحيث إنه خطب للناصر في ذلك بها، ثم كانت الدائرة على الشاميين فانهزموا وأسروا من أعيانهم خلقا كثيرا، وعدم من الجيش الصالح إسماعيل رحمه الله تعالى، وقد أنشد هنا الشيخ أبو شامة لبعضهم: ضيع إسماعيل أموالنا … وخرب المغنى بلا معنى وراح من جلق هذا جزاء … من أفقر الناس وما استغنى شئ من ترجمة الصالح إسماعيل واقف تربة الصالح وقد كان الصالح ﵀ ملكا عاقلا حازما تتقلب به الأحوال أطوارا كثيرة، وقد كان الأشرف أوصى له بدمشق من بعده، فملكها شهورا ثم انتزعها منه أخوه الكامل، ثم ملكها من يد الصالح أيوب خديعة ومكرا، فاستمر فيها أزيد من أربع سنين، ثم استعادها منه الصالح أيوب عام الخوارزمية سنة ثلاث وأربعين، واستقرت بيده بلداه بعلبك وبصرى، ثم أخذتا منه كما ذكرنا، ولم يبق به بلد يأوي إليه، فلجأ إلى المملكة الحلبية في جوار الناصر يوسف صاحبها، فلما كان في هذه السنة ما ذكرنا عدم بالديار المصرية في المعركة فلا يدرى ما فعل به والله تعالى أعلم. وهو واقف التربة والمدرسة ودار الحديث والأقراء بدمشق ﵀ بكرمه. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: الملك المعظم توران شاه بن الصالح أيوب ابن الكامل بن العادل، كان أولا صاحب حصن كيفا في حياة أبيه، وكان أبوه يستدعيه في أيامه فلا يجيبه، فلما توفي أبوه كما ذكرنا استدعاه الامراء فأجابهم وجاء إليهم فملكوه عليهم، ثم قتلوه كما ذكرنا، وذلك يوم الاثنين السابع والعشرين من المحرم (١)، وقد قيل إنه كان متخلفا لا يصلح للملك، وقد رئي أبوه في المنام بعد قتل ابنه وهو يقول:

стр. 5021

قتلوه شر قتله … صار للعالم مثله لم يراعوا فيه إلا (١) … لا ولا من كان قبله ستراهم عن قريب … لأقل الناس أكله فكان كما ذكرنا من اقتتال المصريين والشاميين. وممن عدم فيما بين الصفين من أعيان الامراء والمسلمين فمنهم الشمس لؤلؤ مدبر ممالك الحلبيين، وكان من خيار عباد الله الصالحين الآمرين بالمعروف وعن المنكر ناهين. وفيها كانت وفاة: الخاتون ارغوانية الحافظية سميت الحافظية لخدمتها وتربيتها الحافظ، صاحب قلعة جعبر، وكانت امرأة عاقلة مدبرة عمرت دهرا ولها أموال جزيلة عظيمة، وهي التي كانت تصلح الأطعمة للمغيث عمر بن الصالح أيوب، فصادرها الصالح إسماعيل فأخذ منها أربعمائة صندوق من المال، وقد وقفت دارها بدمشق على خدامها، واشترت بستان النجيب ياقوت الذي كان خادم الشيخ تاج الدين الكندي، وجعلت فيه تربة ومسجدا، ووقفت فيها عليها أوقافا كثيرة جيدة رحمها الله. واقف الأمينية التي ببعلبك: أمين الدولة أبو الحسن غزال المتطبب وزير الصالح إسماعيل أبي الجيش الذي كان مشؤما على نفسه، وعلى سلطانه، وسببا في زوال النعمة عنه وعن مخدومه، وهذا هو وزير السوء، وقد اتهمه السبط بأنه كان مستهترا بالدين، وأنه لم يكن له في الحقيقة دين، فأراح الله تعالى منه عامة المسلمين، وكان قتله في هذه السنة لما عدم الصالح إسماعيل بديار مصر، عمد من عمد من الامراء إليه وإلى ابن يغمور فشنقوهما وصلبوهما على القلعة بمصر متنا وحين. وقد وجد لأمين الدولة غزال هذا من الأموال والتحف والجواهر والأثاث ما يساوي ثلاثة آلاف ألف دينار، وعشرة آلاف مجلد بخط منسوب وغير ذلك من الخطوط النفيسة الفائقة. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وستمائة فيها عاد الملك الناصر صاحب حلب إلى دمشق وقدمت عساكر المصريين فحكموا على بلاد السواحل إلى حد الشريعة، فجهز لهم الملك الناصر جيشا فطردوهم حتى ردوهم إلى الديار

стр. 5022

المصرية، وقصروهم عليها، وتزوجت في هذه السنة أم خليل شجرة الدر بالملك المعز عز الدين أيبك التركماني (١)، مملوك زوجها الصالح أيوب. وفيها نقل تابوت الصالح أيوب إلى تربته بمدرسته، ولبست الأتراك ثياب العزاء، وتصدقت أم خليل عنه بأموال جزيلة. وفيها خربت الترك دمياط (٢) ونقلوا الأهالي إلى مصر وأخلوا الجزيرة أيضا خوفا من عود الفرنج. وفيها كمل شرح الكتاب المسمى بنهج البلاغة في عشرين مجلدا مما ألفه عبد الحميد بن داود بن هبة الله بن أبي الحديد المدائني، الكاتب للوزير مؤيد الدين بن العلقمي، فأطلق له الوزير مائة دينار وخلعة وفرسا، وامتدحه عبد الحميد بقصيدة، لأنه كان شيعيا معتزليا. وفي رمضان استدعى الشيخ سراج الدين عمر بن بركة النهر قلي مدرس النظامية ببغداد فولي قضاء القضاة ببغداد مع التدريس المذكور، وخلع عليه. وفي شعبان ولي تاج الدين عبد الكريم بن الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي حسبة بغداد بعد أخيه عبد الله الذي تركها تزهدا عنها، وخلع عليه بطرحة، ووضع على رأسه غاشية، وركب الحجاب في خدمته. وفي هذه السنة صليت صلاة العيد يوم الفطر بعد العصر، وهذا اتفاق غريب. وفيها وصل إلى الخليفة كتاب من صاحب اليمن صلاح الدين بن يوسف بن عمر بن رسول يذكر فيه أن رجلا باليمن خرج فادعى الخلافة، وأنه أنفذ إليه جيشا فكسروه وقتلوا خلقا من أصحابه وأخذ منهم صنعاء وهرب هو بنفسه في شرذمة ممن بقي من أصحابه. وفيها أرسل الخليفة إليه بالخلع والتقليد وفيها كانت وفاة: بهاء الدين علي بن هبة الله بن سلامة الحميري (٣) خطيب القاهرة، رحل في صغره إلى العراق فسمع بها وغيرها، وكان فاضلا قد أتقن معرفة مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وكان دينا حسن الأخلاق واسع الصدر كثير البر، قل أن يقدم عليه أحد إلا أطعمه شيئا، وقد سمع الكثير على السلفي وغيره، وأسمع الناس شيئا كثيرا من مروياته، وكانت وفاته في ذي الحجة من هذه السنة، وله تسعون سنة، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها: القاضي أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام ابن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إبراهيم اللمعاني الحنفي من بيت العلم والقضاء، درس

стр. 5023

بمشهد أبي حنيفة وناب عن قاضي القضاة ابن فضلان الشافعي، ثم عن قاضي القضاة أبي صالح نصر بن عبد الرزاق الحنبلي، ثم عن قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطي، ثم بعد وفاته في سنة ثلاث وثلاثين استقل القاضي عبد الرحمن اللمعاني بولاية الحكم ببغداد، ولقب أقضى القضاة، ولم يخاطب بقاضي القضاة، ودرس للحنفية بالمستنصرية في سنة خمس وثلاثين، وكان مشكور السيرة في أحكامه ونقضه وإبرامه. ولما توفي تولى بعده قضاء القضاة ببغداد شيخ النظامية سراج الدين النهرقلي رحمهما الله تعالى وتجاوز عنهما بمنه وكرمه آمين. ثم دخلت سنة خمسين وستمائة هجرية فيها وصلت التتار إلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد، فقتلوا وسبوا ونهبوا وخربوا فإنا لله وإنا إليه راجعون. ووقعوا بسنجار يسيرون بين حران ورأس العين، فأخذوا منهم ستمائة حمل سكر ومعمول من الديار المصرية، وستمائة ألف دينار، وكان عدة من قتلوا في هذه السنة من أهل الجزيرة نحوا من عشرة آلاف قتيل، وأسروا من الولدان والنساء ما يقارب ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال السبط: وفيها حج الناس من بغداد، وكان لهم عشر سنين لم يحجوا من زمن المستنصر. وفيها وقع حريق بحلب احترق بسببه ستمائة دار (١)، ويقال إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيه قصدا. وفيها أعاد قاضي القضاة عمر بن علي النهرقلي أمر المدرسة التاجية التي كان قد استحوذ عليها طائفة من العوام، وجعلوها كالقيسارية يبتاعون فيها مدة طويلة، وهي مدرسة جيدة حسنة قريبة الشبه من النظامية، وقد كان بانيها يقال له تاج الملك، وزير ملك شاه السلجوقي، وأول من درس بها الشيخ أبو بكر الشاشي. وفيها كانت وفاة: جمال الدين بن مطروح (٢) وقد كان فاضلا رئيسا كيسا شاعرا من كبار المتعممين، ثم استنابه الملك الصالح أيوب في وقت على دمشق فلبس لبس الجند. قال السبط: وكان لا يليق في ذلك. ومن شعره في الناصر داود صاحب الكرك لما استعاد القدس من الفرنج حين سلمت إليهم في سنة ست وثلاثين في الدولة الكاملية فقال هذا الشاعر، وهو ابن مطروح ﵀: المسجد الأقصى له عادة … سارت فصارت مثلا سائرا

стр. 5024

إذا غدا للكفر مستوطنا … أن يبعث الله له ناصرا فناصر طهره أولا … وناصر طهره آخرا ولما عزله الصالح من النيابة أقام خاملا وكان كثير البر بالفقراء والمساكين، وكانت وفاته بمصر وفيها توفي: شمس الدين محمد بن سعد المقدسي الكاتب الحسن الخط، كان كثير الأدب، وسمع الحديث كثيرا، وخدم السلطان الصالح إسماعيل والناصر داود، وكان دينا فاضلا شاعرا له قصيدة (١) ينصح فيها السلطان الصالح إسماعيل وما يلقاه الناس من وزيره وقاضيه وغيرهما، من حواشيه. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد العزيز بن علي ابن عبد الجبار المغربي، أبوه ولد ببغداد، وسمع بها الحديث، وعني بطلب العلم وصنف كتابا في مجلدات على حروف المعجم في الحديث، وحرر فيه حكاية مذهب الامام مالك رحمه الله تعالى. الشيخ أبو عبد الله محمد بن غانم بن كريم الأصبهاني، قدم بغداد وكان شابا فاضلا، فتتلمذ للشيخ شهاب الدين السهروردي، وكان حسن الطريقة، له يد في التفسير، وله تفسير على طريقة التصوف، وفيه لطافة، ومن كلامه في الوعظ: العالم كالذرة في فضاء عظمته، والذرة كالعالم في كتاب حكمته، الأصول فروع إذا تجلى جمال أوليته، والفروع أصول إذا طلعت من مغرب نفي الوسائط شمس أخريته، أستار الليل مسدولة، وشموع الكواكب مشعولة، وأعين الرقباء عن المشتاقين مشغولة، وحجاب الحجب عن أبواب الوصل معزولة ما هذه الوقعة والحبيب قد فتح الباب؟ ما هذه الفترة والمولى قد خرق حاجب الحجاب؟ وقوفي بأكناف العقيق عقوق … إذا لم أرد والدمع فيه عقيق

стр. 5025

وإذ لم أمت شوقا إلى ساكن الحمى … فما أنا فيما أدعيه صدوق أيا ربع ليلى ما المحبون في الهوى … سواء، ولا كل الشراب رحيق ولا كل من تلقاه يلقاك قلبه … ولا كل من يحنو إليك مشوق تكاثرت الدعوى على الحب فاستوى … أسير صبابات الهوى وطليق أيها الآمنون، هل فيكم من يصعد إلى السماء؟ أيها المحبوسون في مطامير مسمياتهم، هل فيكم سليم في الفهم يفهم رموز الوحوش والأطيار؟ هل فيكم موسوي الشوق يقول بلسان شوقه أرني أنظر إليك، فقد طال الانتظار؟ ولما استسقى الناس قال بعد الاستسقاء: لما صعدت إلى الله نفس المشتاق بكت آماق الآفاق، وجادت بالدر مرضعة السحاب، وامتص لبن الرحمة رضيع التراب وخرج من أخلاف الغمام نطاف الماء النمير، فاهتزت به الهامدة، وقرت عيون المدر، وتزينت الرياض بالسندس الأخضر، فحبر الصبغ حبرها أحسن تحبير، وانفلق بأنملة الصبا أكمام الأنوار، وانشقت بنفحات أنفاسه جيوب الأزهار، ونطقت أجزاء الكائنات بلغات صفاتها، وعادات عبرها: أيها النائمون تيقظوا، أيها المبعدون تعرضوا (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى إنه عليه كل شئ قدير) [الروم: ٥٠]. أبو الفتح نصر الله بن هبة الله ابن عبد الباقي بن هبة الله بن الحسين بن يحيى بن صاقعة الغفاري الكناني المصري ثم الدمشقي كان من أخصاء الملك المعظم، وولده الناصر داود، وقد سافر معه إلى بغداد في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكان أديبا مليح المحاضرة رحمه الله تعالى. ومن شعره قوله: ولما أبيتم سادتي عن زيارتي … وعوضتموني بالبعاد عن القرب ولم تسمحوا بالوصل في حال يقظتي … ولم يصطبر عنكم لرقته قلبي نصبت لصيد الطيف جفني حبالة … فأدركت خفض العيش بالنوم والنصب ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وستمائة فيها دخل الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة بين صاحب مصر وصاحب الشام، وأصلح بين الجيشين، وكانوا قد اشتد الحرب بينهم ونشبت، وقد مالا الجيش المصري الفرنج ووعدهم أن يسلموا إليهم بيت المقدس إن نصروهم على الشاميين، وجرت خطوب كثيرة، فأصلح بينهم وخلص جماعة من بيوت الملوك من الديار المصرية، منهم أولاد الصالح إسماعيل، وبنت الأشرف وغيرهم من أولاد صاحب حمص وغيرهم، جزاه الله خيرا. وفيها فيما ذكر ابن الساعي كان رجل ببغداد على رأسه زبادي قابسي فزلق فتكسرت ووقف يبكي، فتألم الناس له

стр. 5026

لفقره وحاجته، وأنه لم يكن يملك غيرها، فأعطاه رجل من الحاضرين دينارا، فلما أخذه نظر فيه طويلا ثم قال: والله هذا الدينار أعرفه، وقد ذهب مني في جملة دنانير عام أول، فشتمه بعض الحاضرين فقال له ذلك الرجل: فما علامة ما قلت؟ قال زنة هذا كذا وكذا، وكان معه ثلاثة وعشرون دينارا، فوزنوه فوجدوه كما ذكر، فأخرج له الرجل ثلاثة وعشرين دينارا، وكان قد وجدها كما قال حين سقطت منه، فتعجب الناس لذلك. قال: ويقرب من هذا أن رجلا بمكة نزع ثيابه ليغتسل من ماء زمزم وأخرج من عضده دملجا زنته خمسون مثقالا (١) فوضعه مع ثيابه، فلما فرغ من اغتساله لبس ثيابه ونسي الدملج ومضى، وصار إلى بغداد وبقي مدة سنتين بعد ذلك وأيس منه، ولم يبق معه شئ إلا يسير فاشترى به زجاجا وقوارير ليبيعها ويتكسب بها، فبينما هو يطوف بها إذ زلق فسقطت القوارير فتكسرت فوقف يبكي واجتمع الناس عليه يتألمون له، فقال في جملة كلامه والله يا جماعة لقد ذهب مني من مدة سنتين دملج من ذهب زنته خمسون دينارا، ما باليت لفقده كما باليت لتكسير هذه القوارير، وما ذاك إلا لأن هذه كانت جميع ما أملك، فقال له رجل من الجماعة: فأنا والله لقيت ذلك الدملج، وأخرجه من عضده فتعجب الناس والحاضرون. والله أعلم بالصواب. وممن توفي فيها من الأعيان (٢) ..

стр. 5027

ثم دخلت سنة اثنين وخمسين وستمائة قال سبط ابن الجوزي في كتابه مرآة الزمان: فيها وردت الاخبار من مكة شرفها الله تعالى بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها بحيث إنه يطير شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في أثناء النهار، فما شكوا أنها النار التي ذكر النبي ﷺ أنها تظهر في آخر الزمان، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات (١). وفيها قدم الفارس أقطاي من الصعيد ونهب أموال المسلمين وأسر بعضهم، ومعه جماعة من البحرية المفسدين في الأرض، وقد بغوا وطغوا وتجبروا، ولا يلتفتون إلى الملك المعز أيبك التركماني، ولا إلى زوجته شجرة الدر. فشاور المعز زوجته شجرة الدر في قتل أقطاي، فأذنت له، فعمل عليه حتى قتله في هذه السنة بالقلعة المنصورة بمصر، فاستراح المسلمون من شره (٢). وفيها درس الشيخ عز الدين بن عبد السلام بمدرسة الصالح أيوب بين القصرين. وفيها قدمت بنت ملك الروم (٣) في تجمل عظيم وإقامات هائلة إلى دمشق زوجة لصاحبها الناصر بن العزيز بن الظاهر بن الناصر، وجرت أوقات حافلة بدمشق بسببها. وممن توفي فيها من المشاهير: عبد الحميد بن عيسى الشيخ شمس الدين بن الخسروشاهي، أحد مشاهير المتكلمين، وممن اشتغل على الفخر الرازي في الأصول وغيرها، ثم قدم الشام فلزم الملك الناصر داود بن المعظم وحظي عنده. قال أبو شامة: وكان شيخا مهيبا فاضلا متواضعا حسن الظاهر رحمه الله تعالى. قال السبط: وكان متواضعا كيسا محضر خير، لم ينقل عنه أنه آذى أحدا فإن قدر على نفع وإلا سكت، توفي بدمشق ودفن بقاسيون على باب تربة الملك المعظم رحمه الله تعالى. الشيخ مجد الدين بن تيمية صاحب الاحكام [عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الحنبلي، جد الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ولد في حدود سنة تسعين وخمسمائة وتفقه في صغره على عمه الخطيب فخر الدين، وسمع الكثير ورحل إلى البلاد وبرع في الحديث والفقه وغيره، ودرس وأفتى وانتفع به الطلبة ومات يوم الفطر بحران] (٤).

стр. 5028

الشيخ كمال الدين بن طلحة الذي ولي الخطابة بدمشق بعد الدولعي، ثم عزل وصار إلى الجزيرة فولي قضاء نصيبين، ثم صار إلى حلب فتوفي بها في هذه السنة. قال أبو شامة: وكان فاضلا عالما طلب أن يلي الوزارة فامتنع من ذلك، وكان هذا من التأييد رحمه الله تعالى. السيد (١) بن علان آخر من روى عن الحافظ ابن عساكر سماعا بدمشق. الناصح فرج بن عبد الله الحبشي كان كثير السماع مسندا خيرا صالحا مواظبا على سماع الحديث وإسماعه إلى أن مات بدار الحديث النورية بدمشق ﵀. النصرة بن صلاح الدين يوسف بن أيوب توفي بحلب في هذه السنة. وآخرون ﵏ أجمعين. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وستمائة قال السبط: فيها عاد الناصر داود من الأنبار إلى دمشق، ثم عاد وحج من العراق وأصلح بين العراقيين، وأهل مكة، ثم عاد معهم إلى الحلة. قال أبو شامة: وفيها في ليلة الاثنين ثامن عشر صفر توفي بحلب الشيخ الفقيه: ضياء الدين صقر بن يحيى بن سالم وكان فاضلا دينا، ومن شعره قوله رحمه الله تعالى: من ادعى أن له حالة … تخرجه عن منهج الشرع

стр. 5029

فلا تكونن له صاحبا … فإنه ضر بلا نفع وهو واقف القوصية. أبو العز إسماعيل بن حامد ابن عبد الرحمن الأنصاري القوصي، واقف داره بالقرب من الرحبة على أهل الحديث وبها قبره، وكان مدرسا بحلقة جمال الاسلام تجاه البدارة (٢)، فعرفت به، وكان ظريفا مطبوعا حسن المحاضرة، وقد جمع له معجما حكى فيه عن مشايخه أشياء كثيرة مفيدة. قال أبو شامة: وقد طالعته بخطه فرأيت فيه أغاليط وأوهاما في أسماء الرجال وغيرها، فمن ذلك أنه انتسب إلى سعد بن عبادة بن دلم فقال سعد بن عبادة بن الصامت وهذا غلط، وقال في شدة خرقة التصوف فغلط وصحف حييا أبا محمد حسينا. قال أبو شامة: رأيت ذلك بخطه، توفي يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول من هذه السنة ﵀. وقد توفي الشريف المرتضى نقيب الاشراف بحلب، وكانت وفاته بها، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه الذيل وشرحه، واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها، وهذا محرر في كتاب: دلائل النبوة من السيرة النبوية، في أوائل هذا الكتاب ولله الحمد والمنة. وملخص ما أورده أبو شامة أنه قال: وجاء إلى دمشق كتب من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة من هذه السنة، وكتبت الكتب في خامس رجب، والنار بحالها، ووصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمائة كتب من مدينة رسول الله ﷺ ، فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى " فأخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. قال وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكان في دار كل واحد منا سراج، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله ". قال أبو شامة: وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة فيها.

стр. 5030

" لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقوف والأخشاب والأبواب، ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات، وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد مدت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، وقد سدت الحرة طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجئ إلينا، ورجعت تسيل في الشرق فخرج من وسطها سهود وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه (إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر) [المرسلات: ٣٢] وقد أكلت الأرض، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمائة والنار في زيادة ما تغيرت، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريق عير الحاج العراقي إلى الحرة كلها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج. وأما أم النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر، والام الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، وقد زادت وما عاد الناس يدرون أي شئ يتم بعد ذلك، والله يجعل العاقبة إلى خير، فما أقدر أصف هذه النار ". قال أبو شامة: " وفي كتاب آخر فظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ووقع في شرقي المدينة المشرفة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم: انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقفت وعادت إلى الساعة، ولا ندري ماذا نفعل، ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم ﵊ مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، وهذه دلائل القيامة ". قال " وفي كتاب آخر: لما كان يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة وقع بالمدينة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور تعقب الصوت الذي كنا نسمعه زلازل، فلما كان يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله ﷺ ، وهي برأي العين من المدينة، نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر، كما قال الله تعالى، وهي بموضع يقال له أجيلين (١) وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربع فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه قامة ونصف، وهي تجري على وجه الأرض ويخرج منها أمهاد وجبال صغار، وتسير على وجه الأرض وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك. فإذا جمد صار أسود، وقبل الجمود لونه

стр. 5031

احمر، وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها ". قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: " ومن كتاب شمس الدين بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني قاضي المدينة إلى بعض أصحابه: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة حدث بالمدينة بالثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، وباتت باقي تلك الليلة تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات، والله لقد زلزلت مرة ونحن حول حجرة رسول الله ﷺ اضطرب لها المنبر إلى أن أوجسنا منه [إذ سمعنا] صوتا للحديد الذي فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف، وتمت الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوي مثل دوي الرعد القاصف، ثم طلع يوم الجمعة في طريق الحرة في رأس أجيلين نار عظيمة مثل المدينة العظيمة، وما بانت لنا إلا ليلة السبت وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما، وطلعت إلى الأمير كلمته وقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله تعالى، فأعتق كل مماليكه ورد على جماعة أموالهم، فلما فعل ذلك قلت: اهبط الساعة معنا إلى النبي ﷺ ، فهبط وبتنا ليلة السبت والناس جميعهم والنسوان وأولادهم، وما بقي أحد لا في النخيل ولا في المدينة إلا عند النبي ﷺ ، ثم سار منها نهر من نار، وأخذ في وادي أجيلين وسد الطريق ثم طلع إلى بحرة الحاج وهو بحر نار يجري، وفوقه جمر يسير إلى أن قطعت الوادي وادي الشفا، وما عاد يجئ في الوادي سيل قط لأنها حضرته نحو قامتين وثلث علوها، والله يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدرة والمدينة قد تاب جميع أهلها، ولا بقي يسمع فيها رباب ولا دف ولا شرب، وتمت النار تسيل إلى أن سدت بعض طريق الحاج وبعض بحرة الحاج، وجاء في الوادي إلينا منها يسير وخفنا أنه يجيئنا فاجتمع الناس ودخلوا على النبي ﷺ وتابوا عنده جميعهم ليلة الجمعة، وأما قتيرها الذي مما يلينا فقد طفئ بقدرة الله وأنها إلى الساعة وما نقصت إلا ترى مثل الجمال حجارة ولها دوي ما يدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب، وما أقدر أصف لك عظمها ولا ما فيها من الأهوال، وأبصرها أهل ينبع وندبوا قاضيهم ابن أسعد وجاء وعدا إليها، وما صبح يقدر يصفها من عظمها، وكتب الكتاب يوم خامس رجب، وهي على حالها، والناس منها خائفون، والشمس والقمر من يوم ما طلعت ما يطلعان إلا كاسفين، فنسأل الله العافية ". قال أبو شامة: وبان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، وكنا حيارى من ذلك إيش هو؟ إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار. قلت: وكان أبو شامة قد أرخ قبل مجئ الكتب بأمر هذه النار، فقال: وفيها في ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أول الليل، وكان شديد الحمرة ثم انجلى، وكسفت الشمس، وفي غده احمرت وقت طلوعها وغروبها وبقيت كذلك أياما متغيرة اللون ضعيفة النور، والله على كل شئ قدير، ثم قال: واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد، واستبعده أهل النجامة.

стр. 5032

ثم قال أبو شامة: " ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني بالمدينة يقول فيه: وصل إلينا في جمادى الآخرة نجابة من العراق وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرق عظيم حتى طفح الماء من أعلى أسوار بغداد إليها، وغرق كثير منها، ودخل الماء دار الخلافة وسط البلد، وانهدمت دار الوزير وثلاثمائة وثمانون دارا، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك من خزانة السلاح شئ كثير، وأشرف الناس على الهلاك وعادت السفن تدخل إلى وسط البلدة، وتخترق أزقة بغداد. قال وأما نحن فإنه جرى عندنا أمر عظيم: لما كان بتاريخ ليلة الأربعاء الثالث من جمادى الآخرة ومن قبلها بيومين، عاد الناس يسمعون صوتا مثل صوت الرعد، فانزعج لها الناس كلهم، وانتبهوا من مراقدهم وضج الناس بالاستغفار إلى الله تعالى، وفزعوا إلى المسجد وصلوا فيه، وتمت ترجف بالناس ساعة بعد ساعة إلى الصبح، وذلك اليوم كله يوم الأربعاء وليلة الخميس كلها وليلة الجمعة، وصبح يوم الجمعة ارتجت الأرض رجة قوية إلى أن اضطرب منار المسجد بعضه ببعض، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم، وأشفق الناس من ذنوبهم، وسكنت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة إلى قبل الظهر، ثم ظهرت عندنا بالحرة وراء قريظة على طريق السوارقية بالمقاعد مسيرة من الصبح إلى الظهر نار عظيمة تنفجر من الأرض، فارتاع لها الناس روعة عظيمة، ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، فيصل إلى قبل مغيب الشمس من يوم الجمعة، ثم ظهرت النار لها ألسن تصعد في الهواء إلى السماء حمراء كأنها القلعة، وعظمت وفزع الناس إلى المسجد النبوي وإلى الحجرة الشريفة، واستجار الناس بها وأحاطوا بالحجرة وكشفوا رؤوسهم وأقروا بذنوبهم وابتهلوا إلى الله تعالى واستجاروا بنبيه ﵊، وأتى الناس إلى المسجد من كل فج ومن النخل، وخرج النساء من البيوت والصبيان، واجتمعوا كلهم وأخلصوا إلى الله، وغطت حمرة النار السماء كلها حتى بقي الناس في مثل ضوء القمر، وبقيت السماء كالعلقة، وأيقن الناس بالهلاك أو العذاب، وبات الناس تلك الليلة بين مصل وتال للقرآن وراكع وساجد، وداع إلى الله ، ومتنصل من ذنوبه ومستغفر وتائب، ولزمت النار مكانها وتناقص تضاعفها ذلك ولهيبها، وصعد الفقيه والقاضي إلى الأمير يعظونه، فطرح المكس وأعتق مماليكه كلهم وعبيده، ورد علينا كل ما لنا تحت يده، وعلى غيرنا، وبقيت تلك النار على حالها تلتهب التهابا، وهي كالجبل العظيم [ارتفاعا و] كالمدينة عرضا، يخرج منها حصى يصعد في السماء ويهوي فيها ويخرج منها كالجبل العظيم نار ترمي كالرعد. وبقيت كذلك أياما ثم سالت سيلانا إلى وادي أجيلين تنحدر مع الوادي إلى الشظا، حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرة الحاج، والحجارة معها تتحرك وتسير حتى كادت تقارب حرة العريض، ثم سكنت ووقفت أياما، ثم عادت ترمي بحجارة خلفها وأمامها، حتى بنت لها جبلين وما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياما، ثم إنها عظمت وسناءها إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون، ولها كل يوم صوت عظيم في آخر الليل إلى ضحوة، ولها عجائب ما أقدر أن أشرحها لك على الكمال، وإنما هذا طرف يكفي. والشمس والقمر كأنهما

стр. 5033

منكسفان إلى الآن. وكتب هذا الكتاب ولها شهر وهي في مكانها ما تتقدم ولا تتأخر ". وقد قال فيها بعضهم أبياتا: يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا … لقد أحاطت بنا يا رب بأساء (١) نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها … حملا ونحن بها حقا أحقاء زلازل تخشع الصم الصلاب لها … وكيف يقوى على الزلزال شماء (٢) أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت … عن منظر منه عين الشمس عشواء (٣) بحر من النار تجري فوقه سفن … من الهضاب لها في الأرض أرساء كأنما فوقه الأجبال طافية … موج عليه لفرط البهج وعثاء ترمي لها شررا كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت … رعبا وترعد مثل السعف أضواء منها تكاثف في الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منه وهي دهماء قد أثرت سفعة (٤) في البدر لفحتها … فليلة التيم بعد النور ليلاء تحدث النيرات السبع ألسنها … بما يلاقي بها تحت الثرى الماء وقد أحاط لظاها بالبروج إلى … أن كاد يلحقها بالأرض إهواء فيا لها آية من معجزات رسول … الله يعقلها القوم الألباء (٥) فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت … منا الذنوب وساء القلب أسواء فاسمح وهب وتفضل وامح واعف وجد … واصفح فكل لفرط الجهل خطأ فقوم يونس لما آمنوا كشف … العذاب عنهم وعم القوم نعماء ونحن أمة هذا المصطفى ولنا … منه إلى عفوك المرجو دعاء هذا الرسول الذي لولاه ما سلكت … محجة في سبيل الله بيضاء فارحم وصل على المختار ما خطبت … على علا منبر الأوراق ورقاء قلت: والحديث الوارد في أمر هذه النار مخرج في الصحيحين من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ أعناق الإبل ببصرى " (٦) وهذا لفظ البخاري.

стр. 5034

وقد وقع هذا في هذه السنة - أعني سنة أربع وخمسين وستمائة - كما ذكرنا، وقد أخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم التميمي الحنفي الحاكم بدمشق في بعض الأيام في المذاكرة، وجرى ذكر هذا الحديث وما كان من أمر هذه النار في هذه السنة فقال: سمعت رجلا من الاعراب يخبر والدي ببصرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في أرض الحجاز. قلت: وكان مولده في سنة ثنتين وأربعين وستمائة، وكان والده مدرسا للحنفية ببصرى وكذلك كان جده، وهو قد درس بها أيضا ثم انتقل إلى دمشق فدرس بالصادرية وبالمعدمية، ثم ولي قضاء القضاة الحنفية، وكان مشكور السيرة في الاحكام، وقد كان عمره حين وقعت هذه النار بالحجاز ثنتا عشرة سنة، ومثله ممن يضبط ما يسمع من الخبر أن الأعرابي أخبر والده في تلك الليالي، وصلوات الله وسلامه على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ومما نظمه بعض الشعراء في هذه النار الحجازية وغرق بغداد قوله: سبحان من أصبحت مشيئته … جارية في الورى بمقدار أغرق بغداد بالمياه كما … أحرق أرض الحجاز بالنار قال أبو شامة: والصواب أن يقال: في سنة أغرق العراق وقد … أحرق أرض الحجاز بالنار وقال ابن الساعي في تاريخ سنة أربع وخمسين وستمائة: في يوم الجمعة ثامن عشر رجب - يعني من هذه السنة - كنت جالسا بين يدي الوزير فورد عليه كتاب من مدينة الرسول ﷺ صحبة قاصد يعرف بقيماز العلوي الحسني المدني، فناوله الكتاب فقرأه وهو يتضمن أن مدينة الرسول ﷺ زلزلت يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة حتى ارتج القبر الشريف النبوي، وسمع صرير الحديد، وتحركت السلاسل، وظهرت نار على مسيرة أربع فراسخ من المدينة، وكانت ترمي بزبد كأنه رؤوس الجبال، ودامت خمسة عشر يوما. قال القاصد: وجئت ولم تنقطع بعد، بل كانت على حالها، وسأله إلى أي الجهات ترمي؟ فقال: إلى جهة الشرق، واجتزت عليها أنا ونجابة اليمن ورمينا فيها سعفة فلم تحرقها، بل كانت تحرق الحجارة وتذيبها. وأخرج قيماز المذكور شيئا من الصخر المحترق وهو كالفحم لونا وخفة. قال وذكر في الكتاب وكان بخط قاضي المدينة أنهم لما زلزلوا دخلوا الحرم وكشفوا رؤوسهم واستغفروا وأن نائب المدينة أعتق جميع مماليكه، وخرج من جميع المظالم، ولم يزالوا مستغفرين حتى سكنت الزلزلة، إلا أن النار التي ظهرت لم تنقطع. وجاء القاصد المذكور ولها خمسة عشر يوما وإلى الآن. قال ابن الساعي: وقرأت بخط العدل محمود بن يوسف بن الا معاني شيخ حرم المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، يقول: إن هذه النار التي ظهرت بالحجاز آية عظيمة، وإشارة صحيحة دالة على اقتراب الساعة، فالسعيد من انتهز الفرصة قبل الموت، وتدارك أمره بإصلاح حاله مع الله قبل الموت. وهذه النار في أرض ذات حجر لا شجر فيها ولا نبت،

стр. 5035

وهي تأكل بعضها بعضا إن لم تجد ما تأكله، وهي تحرق الحجارة وتذيبها، حتى تعود كالطين المبلول، ثم يضربه الهواء حتى يعود كخبث الحديد الذي يخرج من الكير، فالله يجعلها عبرة للمسلمين ورحمة للعالمين، بمحمد وآله الطاهرين. قال أبو شامة: وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة (١) احترق مسجد المدينة على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، ابتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة (٢) إلى خزانة ثم ومعه نار فعلقت في الأبواب ثم، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، وأخذت قبلة فأعجلت الناس عن قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه وذاب رصاصها، وكل ذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقف الحجرة النبوية ووقع ما وقع منه في الحجرة، وبقي على حاله حتى شرع في عمارة سقفه وسقف المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وأصبح الناس فعزلوا موضعا للصلاة، وعد ما وقع من تلك النار الخارجة وحريق المسجد من جملة الآيات، وكأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات على ما سنذكره. هذا كلام الشيخ شهاب الدين أبي شامة. وقد قال أبو شامة: في الذي وقع في هذه السنة وما بعدها شعرا وهو قوله: بعد ست من المئين والخمسين … لذي أربع جرى في العام نار أرض الحجاز مع حرق المسجد … معه تغريق دار السلام ثم أخذ التتار بغداد في أول … عام، من بعد ذاك وعام لم يعن أهلها وللكفر أعوان … عليهم، يا ضيعة الاسلام وانقضت دولة الخلافة منها … صار مستعصم بغير اعتصام فحنانا على الحجاز ومصر … وسلاما على بلاد الشآم رب سلم وصن وعاف بقايا … المدن، يا ذا الجلال والاكرام وفي هذه السنة كملت المدرسة الناصرية الجوانية داخل باب الفراديس، وحضر فيها الدرس واقفها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غياث الدين غازي بن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي فاتح بيت المقدس، ودرس فيها قاضي البلد صدر الدين بن سناء الدولة، وحضر عنده الامراء والدولة والعلماء وجمهور أهل الحل والعقد بدمشق. وفيها أمر بعمارة الرباط الناصري بسفح قاسيون. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

стр. 5036

الشيخ عماد الدين عبد الله بن الحسن بن النحاس ترك الخلائق وأقبل على الزهادة والتلاوة والعبادة والصيام المتتابع والانقطاع بمسجده بسفح قاسيون نحوا من ثلاثين سنة، وكان من خيار الناس. ولما توفي دفن عند مسجده بتربة مشهورة به، وحمام ينسب إليه في مساريق الصالحية، وقد أثنى عليه السبط، وأرخوا وفاته كما ذكرت (١). يوسف بن الأمير حسام الدين قزاوغلي بن عبد الله عتيق الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة الحنبلي رحمه الله تعالى. الشيخ شمس الدين. أبو المظفر الحنفي البغدادي ثم الدمشقي، سبط ابن الجوزي، أمه رابعة بنت الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي الواعظ، وقد كان حسن الصورة طيب الصوت حسن الوعظ كثير الفضائل والمصنفات، وله مرآة الزمان في عشرين مجلدا من أحسن التواريخ، نظم فيه المنتظم لجده وزاد عليه وذيل إلى زمانه، وهو من أبهج التواريخ، قدم دمشق في حدود الستمائة وحظي عند ملوك بني أيوب، وقدموه وأحسنوا إليه، وكان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار عند السارية التي تقوم عندها الوعاظ اليوم عند باب مشهد علي بن الحسين زين العابدين، وقد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع ويتركون البساتين في الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذاكرون ما قاله من الفوائد والكلام الحسن، على طريقة جده. وقد كان الشيخ تاج الدين الكندي، وغيره من المشايخ، يحضرون عنده تحت قبة يزيد، التي عند باب المشهد، ويستحسنون ما يقول. ودرس بالعزية البرانية التي بناها الأمير عز الدين أيبك المعظمي، أستاذ دار المعظم، وهو واقف العزية الجوانية التي بالكشك أيضا، وكانت قديما تعرف بدور ابن منقذ. ودرس السبط أيضا بالشبلية التي بالجبل عند جسر كحيل، وفوض إليه البدرية التي قبالتها، فكانت سكنه، وبها توفي ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وحضر جنازته سلطان البلد الناصر بن العزيز فمن دونه. وقد أثنى عليه الشيخ شهاب الدين أبو شامة في علومه وفضائله ورياسته وحسن وعظه وطيب صوته ونضارة وجهه، وتواضعه وزهده وتودده، لكنه قال: وقد كنت مريضا ليلة وفاته فرأيت وفاته في المنام قبل اليقظة، ورأيته في حالة منكرة، ورآه غيري أيضا، فنسأل الله العافية. ولم أقدر على حضور جنازته، وكانت جنازته حافلة حضره السلطان والناس، ودفن هناك. وقد كان فاضلا عالما ظريفا منقطعا منكرا على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات، وقد كان مقتصدا في لباسه مواظبا على المطالعة والاشتغال والجمع والتصنيف، منصفا لأهل العلم والفضل، مباينا لأولي الجهل، وتأتي الملوك وأرباب

стр. 5037

المناصب إليه زائرين وقاصدين، وربي في طول زمانه في حياة طيبة وجاه عريض عند الملوك والعوام نحو خمسين سنة، وكان مجلس وعظه مطربا، وصوته فيما يورده حسنا طيبا، رحمه الله تعالى ورضي عنه. وقد سئل في يوم عاشوراء زمن الملك الناصر صاحب حلب أن يذكر للناس شيئا من مقتل الحسين فصعد المنبر وجلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه وبكى شديدا ثم أنشأ يقول وهو يبكي: ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصور في نشر الخلائق ينفخ لا بد أن ترد القيامة فاطم … وقميصها بدم الحسين ملطخ ثم نزل عن المنبر وهو يبكي وصعد إلى الصالحية وهو كذلك ﵀. واقف مرستان الصالحية الأمير الكبير سيف الدين أبو الحسن يوسف بن أبي الفوارس بن موسك القيمري الكردي، أكبر أمراء القيمرية، كانوا يقفون بين يديه كما تعامل الملوك، ومن أكبر حسناته وقفه المارستان الذي بسفح قاسيون، وكانت وفاته ودفنه بالسفح في القبة التي تجاه المارستان المذكور، وكان ذا مال كثير وثروة ﵀. مجير الدين يعقوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب دفن عند والده بتربة العادلية (١). الأمير مظفر الدين إبراهيم ابن صاحب صرخد عز الدين أيبك أستاذ دار المعظم واقف المعزيتين البرانية والجوانية على الحنفية، ودفن عند والده بالتربة تحت القبة عند الوراقة رحمهما الله تعالى. الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي الفقيه الشافعي مدرس الرواحية بعد شيخه تقي الدين بن الصلاح، ودفن بالصوفية أيضا، وكانت له جنازة حافلة ﵀. قال أبو شامة، وكثر في هذه السنة موت الفجأة. فمات خلق كثير بسبب ذلك، وممن توفي

стр. 5038

فيها زكي الدين أبو الغورية أحد المعدلين بدمشق. وبدر الدين بن السني أحد رؤسائها. وعز الدين عبد العزيز بن أبي طالب بن عبد الغفار الثعلبي أبي الحسين، وهو سبط القاضي جمال الدين بن الحرستاني، رحمهم الله تعالى وعفا عنهم أجمعين. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وستمائة فيها أصبح الملك المعظم صاحب مصر عز الدين أيبك بداره ميتا وقد ولي الملك بعد أستاذ الصالح نجم الدين أيوب بشهور. كان فيها ملك توران شاه المعظم بن الصالح، ثم خلفته شجرة الدر أم خليل مدة ثلاثة أشهر ثم أقيم هو في الملك، ومعه الملك الأشرف موسى بن الناصر يوسف بن أقسيس بن الكامل مدة، ثم استقل بالملك بلا منازعة، وكسر الناصر لما أراد أخذ الديار المصرية وقتل الفارس إقطاي في سنة ثنتين وخمسين، وخلع بعده الأشرف واستقل بالملك وحده، ثم تزوج بشجرة الدر أم خليل. وكان كريما شجاعا حييا دينا، ثم كان موته في يوم الثلاثاء (١) الثالث والعشرين من ربيع الأول، وهو واقف المدرسة المعزية بمصر ومجازها من أحسن الأشياء، وهي من داخل ليست بتلك الفائقة. وقد قال بعضهم: هذه مجاز لا حقيقة له. ولما قتل ﵀ فاتهم مماليكه زوجته أم خليل شجرة الدر به، وقد كان عزم على تزوج ابنة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، فأمرت جواريها أن يمسكنه لها فما زالت تضربه بقباقيبها والجواري يعركن في معاربه حتى مات وهو كذلك (٢)، ولما سمعوا مماليكه أقبلوا بصحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز، فقتلوها وألقوها على مزبلة غير مستورة العورة، بعد الحجاب المنيع والمقام الرفيع، وقد علمت على المناشير والتواقيع، وخطب الخطباء باسمها، وضربت السكة برسمها، فذهبت فلا تعرف بعد ذلك بعينها ولا رسمها (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شئ قدير) [آل عمران: ٢٦] وأقامت الأتراك بعد أستاذهم عز الدين أيبك التركماني، بإشارة أكبر مماليكه الأمير سيف الدين قطز، ولده نور الدين عليا (٣) ولقبوه الملك المنصور، وخطب له على المنابر وضربت السكة باسمه وجرت الأمور على ما يختاره برأيه ورسمه. وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة، فنهب الكرخ ودور الرافضة حتى

стр. 5039

دور قرابات الوزير ابن العلقمي، وأن ذلك من أقوى الأسباب في ممالاته للتتار. وفيها دخلت الفقراء الحيدرية الشام، ومن شعارهم لبس الراحي والطراطير ويقصون لحاهم ويتركون شواربهم، وهو خلاف السنة، تركوها لمتابعة شيخهم حيدر حين أسره الملاحدة فقصوا لحيته وتركوا شواربه، فاقتدوا به في ذلك، وهو معذور مأجور. وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وليس لهم في شيخهم قدوة. وقد بنيت لهم زاوية بظاهر دمشق قريبا من العونية. وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة المباركة عمل عزاء واقف البادرائية بها الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد البادرائي (١) البغدادي مدرس النظامية، ورسول الخلافة إلى ملوك الآفاق في الأمور المهمة، وإصلاح الأحوال المدلهمة، وقد كان فاضلا بارعا رئيسا وقورا متواضعا، وقد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة مكان دار الأمير أسامة، وشرط على المقيم بها العزوبة وأن لا يكون الفقيه في غيرها من المدارس، وإنما أراد بذلك توفر خاطر الفقيه وجمعه على طلب العلم، ولكن حصل بذلك خلل كثير وشر لبعضهم كبير وقد كان شيخنا الإمام العلامة شيخ الشافعية بالشام وغيرها برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ تاج الدين الفزاري مدرس هذه المدرسة وابن مدرسها، يذكر أنه لما حضر الواقف في أول يوم درس بها وحضر عنده السلطان الناصري، قرأ كتاب الوقف وفيه ولا تدخلها امرأة. فقال السلطان ولا صبي؟ فقال الواقف: يا مولانا السلطان ربنا ما يضرب بعصاتين. فإذا ذكر هذه الحكاية تبسم عندها رحمه الله تعالى. وكان هو أول من درس بها ثم ولده كمال الدين من بعده، وجعل نظرها إلى وجيه الدين بن سويد، ثم صار في ذريته إلى الآن. وقد نظر فيه بعض الأوقات القاضي شمس الدين بن الصائغ ثم انتزع منه حيث أثبت لهم النظر، وقد أوقف البادرائي على هذه المدرسة أوقافا حسنة دارة، وجعل فيها خزانة كتب حسنة نافعة، وقد عاد إلى بغداد في هذه السنة فولي بها قضاء القضاة كرها منه، فأقام فيه سبعة عشر يوما ثم توفي إلى رحمة الله تعالى في مستهل ذي الحجة من هذه السنة. ودفن بالشونيزية رحمه الله تعالى. وفي ذي الحجة من هذه السنة بعد موت البادرائي بأيام قلائل نزلت التتار على بغداد مقدمة لملكهم هولاكو بن تولى بن جنكيزخان عليهم لعائن الرحمن، وكان افتتاحهم لها وجنايتهم عليها في أول السنة الآتية على ما سيأتي بيانه وتفصيله - وبالله المستعان. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان البادرائي واقف البادرائية التي بدمشق كما تقدم بيانه رحمه الله تعالى.

стр. 5040

والشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني (١) بها في ثامن ربيع الأول ودفن فيها، وكان شيخا صالحا مشتغلا بالحديث سماعا وكتابة وإسماعا، إلى أن توفي وله نحو مائة سنة. قلت: وأكثر كتبه ومجاميعه التي بخطه موقوفة بخزانة الفاضلية من الكلاسة، وقد رأى في المنام رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله ما أنا رجل جيد؟ قال: بلى أنت رجل جيد، ﵀ وأكرم مثواه. الشيخ شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسي، وكان شيخا فاضلا متقنا محققا للبحث كثير الحج، له مكانة عند الأكابر، وقد اقتنى كتبا كثيرة، وكان أكثر مقامه بالحجاز، وحيث حل عظمه رؤساء تلك البلدة وكان مقتصدا في أموره وكانت وفاته ﵀ بالذعقة بين العريش والداروم في منتصف ربيع الأول من هذه السنة ﵀. المشد الشاعر الأمير سيف الدين علي بن عمر بن قزل مشد الديوان بدمشق، وكان شاعرا مطبقا له ديوان مشهور، وقد رآه بعضهم بعد موته فسأله عن حاله فأنشده: نقلت إلى رمس القبور وضيقها … وخوفي ذنوبي أنها بي تعثر فصادفت رحمانا رؤوفا وأنعما … حباني بها سقيا لما كنت أحذر ومن كان حسن الظن في حال موته … جميلا بعفو الله فالعفو أجدر بشارة بن عبد الله الأرمني الأصل بدر الدين الكاتب مولى شبل الدولة المعظمي، سمع الكندي وغيره، وكان يكتب خطا جيدا، وأسند إليه مولاه النظر في أوقافه وجعله في ذريته، فهم إلى الآن ينظرون في الشبليتين، وكانت وفاته في النصف من رمضان من هذه السنة. القاضي تاج الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة جمال الدين المصري ناب عن أبيه ودرس بالشامية، وله شعر فمنه قوله:

стр. 5041

صيرت فمي لفيه باللثم لثام … عمدا ورشفت من ثناياه مدام فأزور وقال أنت في الفقه إمام … ريقي خمر وعندك الخمر حرام الملك الناصر داود بن المعظم عيسى بن العادل، ملك دمشق بعد أبيه، ثم انتزعت من يده وأخذها عمه الأشرف واقتصر على الكرك ونابلس، ثم تنقلت به الأحوال وجرت له خطوب طوال حتى لم يبق معه شئ من المحال، وأودع وديعة تقارب مائة ألف دينار عند الخليفة المستنصر فأنكره إياها ولم يردها عليه، وقد كان له فصاحة وشعر جيد، ولديه فضائل جمة، واشتغل في علم الكلام على الشمس الخسر وشاهي تلميذ الفخر الرازي، وكان يعرف علوم الأوائل جدا، وحكوا عنه أشياء تدل إن صحت على سوء عقيدته فالله أعلم. وذكر أنه حضر أول درس ذكر بالمستنصرية في سنة ثنتين وثلاثين وستمائة، وأن الشعراء أنشدوا المستنصر مدائح كثيرة، فقال بعضهم في جملة قصيدة له: لو كنت في يوم السقيفة شاهدا … كنت المقدم والامام الأعظما فقال الناصر داود للشاعر: اسكت فقد أخطأت، قد كان جد أمير المؤمنين العباس شاهدا يومئذ، ولم يكن المقدم، وما الامام الأعظم إلا أبو بكر الصديق ﵁، فقال الخليفة: صدقت فكان هذا من أحسن ما نقل عنه رحمه الله تعالى، وقد تقاصر أمره إلى أن رسم عليه الناصر بن العزيز بقرية البويضا لعمه مجد الدين يعقوب حتى توفي بها في هذه السنة، فاجتمع الناس بجنازته، وحمل منها فصلي عليه ودفن عند والده بسفح قاسيون. الملك المعز عز الدين أيبك التركماني، أول ملوك الأتراك، كان من أكبر مماليك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وكان دينا صينا عفيفا كريما، مكث في الملك نحوا من سبع سنين (١) ثم قتلته زوجته شجرة الدر أم خليل، وقام في الملك من بعده ولده نور الدين علي، ولقب بالملك المنصور، وكان مدير مملكته مملوك أبيه سيف الدين قطز، ثم عزله واستقل بالملك بعده نحوا من سنة وتلقب بالمظفر، فقدر الله كسرة التتار على يديه بعين جالوت. وقد بسطنا هذا كله في الحوادث فيما تقدم وما سيأتي.

стр. 5042

شجرة الدر بنت عبد الله أم خليل التركية، كانت من حظايا الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان ولدها منه خليل من أحسن الصور، فمات صغيرا، وكانت تكون في خدمته لا تفارقه حضرا ولا سفرا من شدة محبته لها وقد ملكت الديار المصرية بعد مقتل ابن زوجها المعظم توران شاه، فكان يخاطب لها وتضرب لسكة باسمها وعلمت على المناشير (١) مدة ثلاثة أشهر، ثم تملك المعز كما ذكرنا، ثم تزوجها بعد تملكه الديار المصرية بسنوات، ثم غارت عليه لما بلغها أنه يريد أن يتزوج بنت صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ فعملت عليه حتى قتلته كما تقدم ذكره، فتمالا عليها مماليكه المعزية فقتلوها (٢) وألقوها على مزبلة ثلاثة أيام، ثم نقلت إلى تربة لها (٣) بالقرب من قبر السيدة نفيسة رحمها الله تعالى، وكانت قوية النفس، لما علمت أنه قد أحيط بها أتلفت شيئا كثيرا من الجواهر النفيسة واللآلئ المثمنة، كسرته في الهاون لا لها ولا لغيرها، وكان وزيرها في دولتها الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليمان المعروف بابن حنا وهو أول مناصبه. الشيخ الأسعد هبة الله بن صاعد شرف الدين الفائزي لخدمته قديما الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل، وكان نصرانيا فأسلم، وكان كثير الصدقات والبر والصلات، استوزره المعز وكان حظيا عنده جدا، لا يفعل شيئا إلا بعد مراجعته ومشاورته، وكان قبله في الوزارة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز (٤)، وقبله القاضي بدر الدين السنجاري (٥)، ثم صارت بعد ذلك كله إلى هذا الشيخ الأسعد المسلماني، وقد كان الفائزي يكاتبه المعز بالمملوك، ثم لما قتل المعز أهين الأسعد حتى صار شقيا، وأخذ الأمير سيف الدين قطز خطه بمائة ألف دينار، وقد هجاه بهاء الدين زهير بن علي، فقال: لعن الله صاعدا … وأباه، فصاعدا

стр. 5043

وبنيه فنازلا … واحدا ثم واحدا ثم قتل بعد ذلك كله ودفن بالقرافة، وقد رثاه القاضي ناصر الدين ابن المنير، وله فيه مدائح وأشعار حسنة فصيحة رائقة. ابن أبي الحديد الشاعر العراقي عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين أبو حامد بن أبي الحديد عز الدين المدائني، الكاتب الشاعر المطبق الشيعي الغالي، له شرح نهج البلاغة في عشرين مجلدا، ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمائة، ثم صار إلى بغداد فكان أحد الكتاب والشعراء بالديوان الخليفتي، وكان حظيا عند الوزير ابن العلقمي، لما بينهما من المناسبة والمقاربة والمشابهة في التشيع والأدب والفضيلة، وقد أورد له ابن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه وأشعاره الفائقة الرائقة، وكان أكثر فضيلة وأدبا من أخيه أبي المعالي موفق الدين بن هبة الله، وإن كان الآخر فاضلا بارعا أيضا، وقد ماتا في هذه السنة رحمهما الله تعالى. ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها. استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكو خان، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفا على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله شيئا، كما ورد في الأثر " لن يغني حذر عن قدر " وكما قال تعالى (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر) [نوح: ٤] وقال تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) [الرعد: ١١] وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعا شديدا، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة - وكان قدوم هلاكو خان بجنوده كلها، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل - إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الامر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه، وهو

стр. 5044

أن هلاكو لما كان أول بروزه من همدان متوجها إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم فخذل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير أيبك وغيره، وقالوا إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعث بشئ يسير، فأرسل شيئا من الهدايا فاحتقرها هلاكو خان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دويداره المذكور، وسليمان شاه، فلم يبعثهما إليه ولا بالا به حتى أزف قدومه، ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم وبقية الجيش، كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الاسلام وأهله، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير، فاشتد حنقه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الاسلام وأهله ما وقع من الامر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد، وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هلاكو خان لعنه الله، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤس الامراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكو خان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هلاكو فسأله عن أشياء كثيرة فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خوجه نصير الدين الطوسي، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيرا من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملا من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الامر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت، وانتزعها من أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيرا لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي، وانتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هولاكو وتهيب من قتل الخليفة هون عليه الوزير ذلك فقتلوه رفسا، وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شئ من دمه، خافوا أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل بل خنق،

стр. 5045

ويقال بل أغرق فالله أعلم، فباؤوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والامراء وأولي الحل والعقد ببلاده - وستأتي ترجمة الخليفة في الوفيات - ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا، بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف مقاتل، منهم من الامراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعا منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضة وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتيين، والله غالب على أمره، وقد رد كيده في نحره، وأذله بعد العزة القعساء، وجعله حوشكاشا للتتار بعد ما كان وزيرا للخلفاء، واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء. وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريب مما جرى على أهل بغداد كما قص الله تعالى علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا) الآيات [الاسراء: ١٧ - ٢٢]. وقد قتل من بني إسرائيل خلق من الصلحاء وأسر جماعة من أولاد الأنبياء، وخرب بيت المقدس بعد ما كان معمورا بالعباد والزهاد والأحبار والأنبياء، فصار خاويا على عروشه واهي البناء. وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة. فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما، وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء
следующие страницы →