← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

شمس الدين الأصبهاني شارح المحصول: محمد بن محمود بن محمد بن عباد السلماني العلامة، قدم دمشق بعد الخمسين وستمائة، وناظر الفقهاء واشتهرت فضائله، وسمع الحديث وشرح المحصول للرازي، وصنف القواعد في أربعة فنون، أصول الفقه، وأصول الدين، والمنطق، والخلاف. وله معرفة جيدة في المنطق والنحو والأدب، وقد رحل إلى مصر فدرس بمشهد الحسين والشافعي وغيرهما، ورحل إليه الطلبة، توفي في العشرين من رجب في القاهرة عن ثنتين وسبعين سنة. الشمس محمد بن العفيف سليمان بن علي بن عبد الله بن علي التلمساني، الشاعر المطبق، كانت وفاته في حياة أبيه فتألم له ووجد عليه وجدا شديدا، ورثاه بأشعار كثيرة، توفي يوم الأربعاء الرابع عشر من رجب (١)، وصلي عليه بالجامع، ودفن بالصوفية. فمن رائق شعره قوله: وإن ثناياه نجوم لبدره … وهن لعقد الحسن فيه فرائد وكم يتجافى خصره وهو ناحل … وكم يتحلى ثغره وهو بارد وله يذم الحشيشة: ما للحشيشة فضل عند آكلها … لكنه غير مصروف إلى رشده صفراء في وجهه خضراء في فمه … حمراء في عينه سوداء في كبده ومن شعره أيضا: بدا وجهه من فوق ذابل خده … وقد لاح من سود الذوائب في جنح فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجا … وقد طلعت شمس النهار على رمح وله من جملة أبيات: ما أنت عندي والقضيب … اللدن في حد سوى هذاك حركه الهواء … وأنت حركت الهوى الملك المنصور شهاب الدين محمود بن الملك الصالح إسماعيل بن العادل، توفي يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان (٢)،

стр. 5182

وصلي عليه بالجامع، ودفن من يومه بتربة جده، وكان ناظرها، وقد سمع الحديث الكثير، وكان يحب أهله، وكان فيه لطف وتواضع. الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي، شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة، وشيخ الصدرية، كان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وزهادة وعبادة، ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وتوفي في رجب منها. ثم دخلت سنة تسع وثمانين وستمائة فيها كانت وفاة الملك المنصور قلاوون، وكان الخليفة الحاكم العباسي، ونائب مصر حسام الدين طرقطاي (١)، ونائب الشام حسام الدين لاجين، وقضاة الشام شهاب الدين بن الخوي الشافعي، وحسام الدين الحنفي، ونجم الدين بن شيخ الجبل، وجمال الدين الزواوي المالكي، وجاء البريد يطلب شمس الدين سنقر الأشقر إلى الديار المصرية، فأكرمه السلطان وقواه وشد يده وأمره باستخلاص الأموال، وزاده مشد الجيوش، والكلام على الحصون إلى البيرة وكختا وغير ذلك، فقويت نفسه وزاد تجبره ولكن كان يرجع إلى مروءة وستر وينفع من ينتمي إليه، وذلك مودة في الدنيا في أيام قلائل، وفي جمادى الآخرة جاء البريد بالكشف على ناصر الدين المقدسي وكيل بيت المال، وناظر الخاص، فظهرت عليه مخازي من أكل الأوقاف وغيرها، فرسم عليه بالعذراوية وطولب بتلك الأموال وضيق عليه، وعمل فيه سيف الدين أبو العباس السامري قصيدة يتشفى فيها لما كان أسدى إليه من الظلم والايذاء، مع أنه راح إليه وتغمم له وتمازحا هنالك، ثم جاء البريد بطلبه إلى الديار المصرية فخاف النواب من ذهابه، فأصبح يوم الجمعة (٢) وهو مشنوق بالمدرسة العذراوية، فطلبت القضاة والشهود فشاهدوه كذلك، ثم جهز وصلي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر الصوفية عند أبيه، وكان مدرسا بالرواحية وتربة أم الصالح، مع الوكالتين والنظر. وجاء البريد بعمل مجانيق لحصار عكا فركب الأعسر (٣) إلى أراضي بعلبك لما هنالك من

стр. 5183

الأخشاب العظيمة التي لا يوجد مثلها بدمشق، وهي تصلح لذلك، فكثرت الجنايات والجبايات والسخر، وكلفوا الناس تكليفا كثيرا، وأخذوا أخشاب الناس، وحملت إلى دمشق بكلفة عظيمة وشدة كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفاة الملك المنصور قلاوون بينما الناس في هذا الهم والمصادرات وأمثال ذلك إذ وردت بريدية فأخبروا بوفاة الملك المنصور يوم السبت سادس ذي القعدة من هذه السنة، بالمخيم (١) ظاهر القاهرة، ثم حمل إلى قلعة الجبل ليلا وجلس بعده ولده الملك الأشرف خليل بولاية العهد له، وحلف له جميع الامراء، وخطب له على المنابر، وركب في أبهة الملك، والعساكر كلهم في خدمته مشاة من قلعة الجبل إلى الميدان الأسود الذي هو سوق الخيل، وعلى الامراء والمقدمين الخلع، وعلى القضاة والأعيان، ولما جاءت الاخبار بذلك حلف له الامراء بالشام، وقبض على حسام الدين طرقطاي (٢) نائب أبيه وأخذ منه أموالا جزيلة أنفق منها على العساكر. وفيها ولي خطابة دمشق زين الدين عمر بن مكي بن المرحل عوضا عن جمال الدين بن عبد الكافي وكان ذلك بمساعدة الأعسر، وتولى نظر الجامع الرئيس وجيه الدين بن المنجى الحنبلي، عوضا عن ناصر الدين بن المقدسي، وثمر وقفه وعمره وزاد مائة وخمسين ألفا. وفيها احترقت دار صاحب حماه، وذلك أنه وقع فيها نار في غيبته فلم يتجاسر أحد يدخلها، فعملت النار فيها يومين فاحترقت واحترق كل ما فيها. وفي شوال درس بتربة أم الصالح بعد ابن المقدسي القاضي إمام الدين القونوي، وفيها باشر الشرف حسين بن أحمد بن الشيخ أبي عمر قضاء الحنابلة عوضا عن ابن عمه نجم الدين بن شيخ الجبل، عن مرسوم الملك المنصور قبل وفاته. وحج بالناس في هذه السنة من الشام الأمير بدر الدين بكتوت الدوباسي، وحج قاضي القضاة شهاب الدين بن الخوي، وشمس الدين بن السلعوس ومقدم الركب الأمير عتبة، فتوهم منه أبو نمي، وكان بينهما عداوة، فأغلق أبواب مكة ومنع الناس من دخولها فأحرق الباب وقتل جماعة ونهب بعض الأماكن، وجرت خطوب فظيعة، ثم أرسلوا القاضي ابن الخوي ليصلح بين الفريقين، ولما استقر عند أبي نمي رحل الركوب وبقي هو في الحرم وحده وأرسل معه أبو نمي من ألحقه بهم سالما معظما. وجاء الخبر بموت المنصور إلى

стр. 5184

الناس وهم بعرفات وهذا شئ عجيب. وجاء كتاب يستحث الوزير ابن السلعوس في المسير إلى الديار المصرية، وبين الأسطر بخط الملك الأشرف: يا شقيريا وجه الخير أحضر لتستلم الوزارة. فساق إلى القاهرة فوصلها يوم الثلاثاء عاشر المحرم، فتسلم الوزارة كما قال السلطان. وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان الملك المنصور قلاوون ابن عبد الله التركي الصالحي الألفي، اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، بألفي دينار، وكان من أكابر الامراء عنده وبعده، ولما تزوج الملك السعيد بن الظاهر بابنته غازية خاتون، عظم شأنه جدا عند الظاهر، وما زال يترفع في الدولة حتى صار أتابك سلامش بن الظاهر، ثم رفعه من البين واستقل بالملك في سنة أربع وثمانين، وفتح طرابلس سنة ثمان وثمانين، وعزم على فتح عكا وبرز إليها فعاجلته المنية في السادس والعشرين (١) من ذي القعدة، ودفن بتربته بمدرسته الهائلة التي أنشأها بين القصرين، التي ليس بديار مصر ولا بالشام مثلها. وفيها دار حديث ومارستان. وعليها أوقاف دارة كثيرة عظيمة، مات عن قريب من ستين (٢) سنة، وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة (٣) سنة، وكان حسن الصورة مهيبا، عليه أبهة السلطنة ومهابة الملك، تام القامة حسن اللحية عالي الهمة شجاعا وقورا سامحه الله. الأمير حسام الدين طرقطاي (٤) نائب السلطنة المنصورية بمصر، أخذه الأشرف فسجنه في قلعة الجبل، ثم قتله (٥) وبقي ثمانية أيام لا يدرى به، ثم لف في حصير وألقي على مزبلة، وحزن عليه بعض الناس، فكفن كآحاد الفقراء بعد النعيم الكثير، والدنيا المتسعة، والكلمة النافذة، وقد أخذ السلطان من حواصله ستمائة ألف دينار وسبعين قنطارا بالمصري فضة، ومن الجواهر شيئا كثيرا، سوى الخيل والبغال والجمال والأمتعة والبسط الجياد، والأسلحة المثمنة، وغير ذلك من الحواصل والأملاك

стр. 5185

بمصر والشام، وترك ولدين أحدهما أعمى، وقد دخل هذا الأعمى على الأشرف فوضع المنديل على وجهه وقال شئ لله وذكر له أن لهم أياما لا يجدون شيئا يأكلونه، فرق له وأطلق لهم الأملاك يأكلون من ريعها، فسبحان الله المتصرف في خلقه بما يشاء، يعز من يشاء ويذل من يشاء. الشيخ الإمام العلامة رشيد الدين عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي الشافعي، مدرس الظاهرية، توفي بها وقد جاوز التسعين، وجد مخنوقا في المحرم، ودفن بالصوفية، وقد سمع الحديث وكان منفردا في فنون من العلوم كثيرة، منها علم النحو والأدب وحل المترجم والكتابة والانشاء وعلم الفلك والنجوم وضرب الرمل والحساب وغير ذلك، وله نظم حسن. الخطيب جمال الدين أبو محمد عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي، توفي بدار الخطابة وحضر الناس الصلاة عليه يوم السبت سلخ جمادى الأولى، وحمل إلى السفح فدفن إلى جانب الشيخ يوسف الفقاعي. فخر الدين أبو الظاهر إسماعيل ابن عز القضاة أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الواحد بن أبي اليمن، الشيخ الزاهد المتقلل من متاع الدنيا، توفي في العشرين من رمضان، وصلي عليه في الجامع، ودفن بتربة بني الزكي بقاسيون محبة في محيي الدين بن عربي، فإنه كان يكتب من كلامه كل يوم ورقتين، ومن الحديث ورقتين وكان مع هذا يحسن الظن به، وكان يصلي مع الأئمة كلهم بالجامع، وقد أخبر عنه بعض العلماء أنه رأى بخطه. وفي كل شئ له آية … تدل على أنه عينه وقد صحح على " عينه " وإنما الصحيح المروي عمن أنشد هذا الشعر • تدل على أنه واحد * وله شعر فمنه: والنهر مذ جن في الغصون هوى (١) … فراح في قلبه يمثلها فغار منه النسيم عاشقها … فجاء عن وصله يميلها

стр. 5186

وله أيضا: لما تحقق بالامكان فوقكم … وقد بدا حكمه في عالم الصور فميز الجمع عنه وهو متخذ … فلاح فرقكم في عالم الصور وله: لي سادة لا أرى سواهم … هم عين معناي وعين جوفي لقد أحاطوا بكل جزء … مني وعزوا عن درك طرفي هم نظروا في عموم فقري … وطول ذلي وفرط ضعفي فعاملوني ببحت جود … وصرف بر ومحض لطف فلا تلم إن جررت ذيلي … فخرا بهم أو ثنيت عطفي وله: مواهب ذي الجلال لدي تتري … فقد أخرستني ونطقن شكرا فنعمى إثر نعمى إثر نعمى … وبشرى بعد بشرى بعد بشرى لها بدء وليس لها انتهاء … يعم مزيدها دنيا وأخرى الحاج طيبرس بن عبد الله علاء الدين الوزير، صهر الملك الظاهر، كان من أكابر الامراء ذوي الحل والعقد، وكان دينا كثير الصدقات، له خان بدمشق أوقفه، وله في فكاك الاسرى وغير ذلك، وأوصى عند موته بثلاثمائة ألف تصرف على الجند بالشام ومصر، فحصل لكل جندي خمسون درهما، وكانت وفاته في ذي الحجة، ودفن بتربته بسفح المقطم. قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس [أحمد] (١) بن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر المقدسي، توفي ثاني عشر رجب بسوا، وكان فاضلا بارعا خطيبا مدرسا بأكثر المدارس، وهو شيخ الحنابلة وابن شيخهم، وتولى بعده القضاء الشيخ شرف الدين حسين (٢) بن عبد الله بن أبي عمر، والله أعلم. ثم دخلت سنة تسعين وستمائة من الهجرة فيها فتحت عكا وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مدد متطاولة، ولم يبق لهم فيها حجر واحد ولله الحمد والمنة.

стр. 5187

استهلت هذه السنة والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس العباسي، وسلطان البلاد الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، ونائبه بمصر وأعمالها بدر الدين بيدرا، ووزيره ابن السلعوس الصاحب شمس الدين، ونائبه بالشام حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها، وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول، وصاحب مكة نجم الدين أبو نمي محمد بن إدريس بن علي بن قتادة الحسيني، وصاحب المدينة عز الدين جماز بن شيحة الحسيني، وصاحب الروم غياث الدين كيخسرو، وهو ابن ركن الدين قلج أرسلان السلجوقي، وصاحب حماة تقي الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمد، وسلطان بلاد العراق وخراسان وتلك النواحي أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكيزخان. وكان أول هذه السنة يوم الخميس وفيه تصدق عن الملك المنصور بأموال كثيرة جدا من الذهب والفضة، وأنزل السلطان إلى تربته في ليلة الجمعة فدفن بها تحت القبة، ونزل في قبره بدر الدين بيدرا، وعلم الدين الشجاعي، وفرقت صدقات كثيرة حينئذ، ولما قدم الصاحب شمس الدين بن السلعوس من الحجاز خلع عليه للوزارة، وكتب تقليده بها القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب الانشا بيده، وركب الوزير في أبهة الوزارة إلى داره، وحكم. ولما كان يوم الجمعة (١) قبض على شمس الدين سنقر الأشقر وسيف الدين بن جرمك الناصري، وأفرج عن الأمير زين الدين كتبغا وكان قد قبض عليه مع طرقطاي (٢)، ورد عليه أقطاعه، وأعيد التقي توبة إلى وزارة دمشق مرة أخرى. وفيها أثبت ابن الخوي محضرا يتضمن أن يكون تدريس الناصرية للقاضي الشافعي وانتزعها من زين الدين الفارقي. فتح عكا وبقية السواحل وفيها جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق الغزاة في سبيل الله إلى عكا، وقد كان أهل عكا في هذا الحين عدوا على من عندهم من تجار المسلمين فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأبرزت المناجيق إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة والمتطوعة يجرون في العجل حتى الفقهاء والمدرسين والصلحاء، وتولى ساقها الأمير علم الدين الدويداري، وخرجت العساكر بين يدي نائب الشام، وخرج هو في آخرهم، ولحقه صاحب حماه الملك المظفر وخرج الناس من كل صوب، واتصل بهم عسكر طرابلس، وركب الأشرف من

стр. 5188

الديار المصرية بعساكره قاصدا عكا، فتوافت الجيوش هنالك، فنازلها يوم الخميس رابع (١) ربيع الآخر ونصبت عليها المناجيق (٢) من كل ناحية يمكن نصبها عليها، واجتهدوا غاية الاجتهاد في محاربتها والتضييق على أهلها، واجتمع الناس بالجوامع لقراءة صحيح البخاري، فقرأه الشيخ شرف الدين الفزاري، فحضر القضاة والفضلاء والأعيان. وفي أثناء محاصرة عكا وقع تخبيط من نائب الشام حسام الدين لاجين، فتوهم أن السلطان يريد مسكه، وكان قد أخبره بذلك الأمير الذي يقال له أبو خرص (٣)، فركب هاربا فرده علم الدين الدويداري بالمسا به وجاء به إلى السلطان فطيب قلبه وخلع عليه ثم أمسكه بعد ثلاثة أيام وبعثه إلى قلعة صفد واحتاط على حواصله، ورسم على أستاذ داره بدر الدين بكداش، وجرى ما لا يليق وقوعه هنالك، إذ الوقت وقت عسر وضيق وحصار. وصمم السلطان على الحصار فرتب الكوسات ثلاثمائة حمل، ثم زحف يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى (٤) ودقت الكوسات جملة واحدة عند طلوع الشمس، وطلع المسلمون على الأسوار مع طلوع الشمس، ونصبت السناجق الاسلامية فوق أسوار البلد، فولت الفرنج عند ذلك الادبار، وركبوا هاربين في مراكب التجار، وقتل منهم عدد لا يعلمه إلا الله تعالى، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئا كثيرا جدا، وأمر السلطان بهدمها وتخريبها، بحيث لا ينتفع بها بعد ذلك، فيسر الله فتحها نهار جمعة، كما أخذتها الفرنج من المسلمين في يوم الجمعة (٥)، وسلمت صور وصيدا قيادتهما إلى الأشرف، فاستوثق الساحل للمسلمين، وتنظف من الكافرين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. وجاءت البطاقة إلى دمشق بذلك ففرح المسلمون، ودقت البشائر في سائر الحصون، وزينت البلاد ليتنزه فيها الناظرون والمتفرجون، وأرسل السلطان إلى صور أميرا فهدم أسوارها وعفا آثارها. وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وأما عكا فقد كان الملك الناصر يوسف بن أيوب أخذها من أيدي الفرنج، ثم إن الفرنج جاؤوا فأحاطوا بها بجيوش كثيرة، ثم جاء صلاح الدين ليمانعهم عنها مدة سبعة وثلاثين شهرا، ثم آخر ذلك استملكوها وقتلوا من كان فيها من المسلمين، كما تقدم ذلك. ثم إن السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون سار من عكا قاصدا دمشق في أبهة

стр. 5189

الملك وحرمة وافرة، وفي صحبته وزيره ابن السلعوس والجيوش المنصورة، وفي هذا اليوم استناب بالشام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وسكن بدار السعادة، وزيد في إقطاعه حرستا ولم تقطع لغيره، وإنما كانت لمصالح حواصل القلعة، وجعل له في كل يوم ثلاثمائة على دار الطعام، وفوض إليه أن يطلق من الخزانة ما يريد من غير مشاورة ولا مراجعة، وأرسله السلطان إلى صيدا لأنه كان قد بقي بها برج عصي، ففتحه ودقت البشائر بسببه، ثم عاد سريعا إلى السلطان فودعه، وسار السلطان نحو الديار المصرية في أواخر رجب، وبعثه إلى بيروت ليفتحها فسار إليها ففتحها في أقرب وقت، وسلمت عثلية (١) وانطرطوس وجبيل. ولم يبق بالسواحل ولله الحمد معقل للفرنج إلا بأيدي المسلمين، وأراح الله منهم البلاد والعباد، ودخل السلطان إلى القاهرة في تاسع شعبان في أبهة عظيمة جدا، وكان يوما مشهودا. وأفرج عن بدر الدين بيسرى بعد سجن سبع سنين. ورجع علم الدين سنجر الشجاعي نائب دمشق إلى دمشق في سابع عشرين الشهر المذكور، وقد نظف السواحل من الفرنج بالكلية، ولم يبق لهم بها حجر. وفي رابع رمضان أفرج عن حسام الدين لاجين من قلعة صفد ومعه جماعة أمراء، ورد عليهم إقطاعاتهم، وأحسن إليهم وأكرمهم (٢). وفي أوائل رمضان طلب القاضي بدر الدين بن جماعة من القدس الشريف وهو حاكم به، وخطيب فيه، على البريد إلى الديار المصرية فدخلها في رابع عشرة، وأفطر ليلتئذ عند الوزير ابن السلعوس وأكرمه جدا واحترمه، وكانت ليلة الجمعة، فصرح الوزير بعزل تقي الدين ابن بنت الأعز وتولية ابن جماعة بالديار المصرية قضاء القضاة، وجاء القضاة إلى تهنئته وأصبح الشهود بخدمته (٣)، ومع القضاء خطابة الجامع الأزهر، وتدريس الصالحية، وركب في الخلعة والطرحة ورسم لبقية القضاة أن يستمروا بلبس الطرحات، وذهب فخطب بالجامع الأزهر، وانتقل إلى الصالحية ودرس بها في الجمعة الأخرى وكان درسا حافلا، ولما كان يوم الجمعة رسم السلطان للحاكم بأمر الله أن يخطب هو بنفسه الناس يومئذ وأن يذكر في خطبته أنه قد ولى السلطنة للأشرف

стр. 5190

خليل بن المنصور، فلبس خلعة سوداء وخطب الناس بالخطبة التي كان خطب بها في الدولة الظاهرية، وكانت من إنشاء الشيخ شرف الدين المقدسي في سنة ستين وستمائة، فيكون بين الخطبتين أزيد من ثلاثين سنة، وذلك بجامع قلعة الجبل، ثم استمر ابن جماعة يخطب بالقلعة عند السلطان، وكان يستنيب في الجامع الأزهر. وأما ابن بنت الأعز فناله من الوزير إخراق ومصادرة وإهانة بالغة، ولم يترك له من مناصبه شيئا، وكان بيده سبعة عشر منصبا، منها القضاء والخطابة ونظر الأحباس (١) ومشيخة الشيوخ، ونظر الخزانة وتداريس كبار، وصادره بنحو من أربعين ألف، غير مراكبه وأشياء كثيرة، ولم يظهر منه استكانة له ولا خضوع، ثم عاد فرضي عنه وولاه تدريس الشافعي، وعملت ختمة عند قبر المنصور في ليلة الاثنين رابع ذي القعدة وحضرها القضاة والامراء، ونزل السلطان ومعه الخليفة إليهم وقت السحر، وخطب الخليفة بعد الختمة خطبة بليغة، حرض الناس على غزو بلاد العراق واستنقاذها من أيدي التتر، وقد كان الخليفة قبل ذلك محتجبا فرآه الناس جهرة، وركب في الأسواق بعد ذلك. وعمل أهل دمشق ختمة عظيمة بالميدان الأخضر إلى جانب القصر الأبلق، فقرئت ختمات كثيرة ثم خطب الناس بعدها الشيخ عز الدين القاروني، ثم ابن البزوري، ثم تكلم من له عادة بالكلام وجاءت البريدية بالتهيؤ لغزو العراق، ونودي في الناس بذلك، وعملت سلاسل عظام بسبب الجسورة على دجلة بغداد، وحصلت الأجور على المقصود وإن لم يقع المقصود، وحصل لبعض الناس أذى بسبب ذلك. وفيها نادى نائب الشام الشجاعي أن لا تلبس امرأة عمامة كبيرة، وخرب الأبنية التي على نهر بانياس والجداول كلها والمسالح والسقايات التي على الأنهار كلها، وأخرب جسر الزلابية وما عليه من الدكاكين، ونادى أن لا يمشي أحد بعد العشاء الآخرة، ثم أطلق لهم هذه فقط، وأخرب الحمام الذي كان بناه الملك السعيد ظاهر باب النصر، ولم يكن بدمشق أحسن منه، ووسع الميدان الأخضر من ناحية الشمال مقدار سدسه، ولم يترك بينه وبين النهر إلا مقدارا يسيرا، وعمل هو بنفسه والامراء بحيطانه. وفيها حبس جمال الدين آقوش الأفرم المنصوري وأميرا آخر معه في القلعة. وفيها حمل الأمير علم الدين الدويداري إلى الديار المصرية مقيدا. وقد نظم الشيخ شهاب

стр. 5191

الدين محمود (١) قصيدة في فتح عكا: الحمد لله زالت (٢) دولة الصلب … وعز الترك دين المصطفى العربي هذا الذي كانت الآمال لو طلبت … رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب ما بعد عكا وقد هدت قواعدها … في البحر للترك (٣) عند البر من أرب لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت … في البحر والبر وما ينجي سوى الهرب أم الحروب فكم قد أنشأت فتنا … شاب الوليد بها هولا ولم تشب يا يوم عكا لقد أنسيت ما سبقت … به الفتوح وما قد خط في الكتب لم يبلغ النطق حد الشكر فيك فما … عسى يقوم به ذو الشعر والأدب أغضبت عباد عيسى إذ أبدتهم … لله أي رضى في ذلك الغضب (٤) وأشرف الهادي المصطفى البشير على … ما أسلف الأشرف السلطان من قرب فقر عينا لهذا الفتح وابتهجت … ببشره الكعبة الغراء في الحجب وسار في الأرض سيرا قد سمعت به (٥) … فالبر في طرب، والبحر في حرب وهي طويلة جدا، وله ولغيره في فتح عكا أشعار كثيرة. ولما رجع البريد أخبر بأن السلطان لما عاد إلى مصر خلع على وزيره ابن السلعوس جميع ملابسه التي كانت عليه، ومركوبه الذي كان تحته، فركبه ورسم له بثمانية وسبعين ألفا من خزانة دمشق، ليشتري له بها قرية قرحتا من بيت المال. وفي هذه السنة انتهت عمارة قلعة حلب بعد الخراب الذي أصابها من هولاكو وأصحابه عام ثمان وخمسين. وفيها في شوال شرع في عمارة قلعة دمشق وبناء الدور السلطانية والطارمة (٦) والقبة الزرقاء، حسب ما رسم به السلطان الأشرف خليل بن قلاوون لنائبه علم الدين سنجر الشجاعي. وفيها في رمضان أعيد إلى نيابة القلعة الأمير أرجواش وأعطي إقطاعات سنية. وفيها أرسل الشيخ الرجيحي من ذرية الشيخ يونس مضيقا عليه محصورا إلى القاهرة، وفيها درس عز الدين القاروني بالمدرسة النجيبية عوضا عن كمال الدين بن خلكان، وفي ذلك اليوم درس نجم الدين مكي بالرواحية عوضا عن ناصر الدين بن المقدسي، وفيه درس كمال الدين الطبيب

стр. 5192

بالمدرسة الدخوانية الطبية، وفي هذا الشهر درس جلال الدين الخبازي بالخاتونية البرانية (١)، وجمال الدين بن الناصر بقي بالفتحية، وبرهان الدين الإسكندري بالقوصية التي بالجامع، والشيخ نجم الدين الدمشقي بالشريفية عند حارة الغرباء. وفيها أعيدت الناصرية إلى الفارقي وفيه درس بالامينية القاضي نجم الدين بن صصرى بعد ابن الزملكاني، وأخذت منه العادلية الصغيرة لكمال الدين بن الزملكاني. وممن توفي فيها من الأعيان: أرغون بن أبغا ملك التتار كان شهما شجاعا سفاكا للدماء، قتل عمه السلطان أحمد بن هولاكو، فعظم في أعين المغول فلما كان في هذه السنة مات من شراب شربه فيه سهم، فاتهمت المغول اليهود به - وكان وزيره سعد الدولة بن الصفي يهوديا - فقتلوا من اليهود خلقا كثيرا، ونهبوا منهم أموالا عظيمة جدا في جميع مدائن العراق، ثم اختلفوا فيمن يقيمونه بعده، فمالت طائفة إلى كيختو فأجلسوه على سرير المملكة، فبقي مدة، قيل سنة وقيل أقل من ذلك، ثم قتلوه وملكوا بعده بيدرا. وجاء الخبر بوفاة أرغون إلى الملك الأشرف وهو محاصر عكا ففرح بذلك كثيرا، وكانت مدة ملك أرغون ثمان سنين (٢)، وقد وصفه بعض مؤرخي العراق بالعدل والسياسة الجيدة. المسند المعمر الرحالة فخر الدين بن النجار (٣) وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المعروف بابن النجار (٣)، ولد في سلخ أو مستهل سنة ست وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير ورحل مع أهله، وكان رجلا صالحا عابدا زاهدا ورعا ناسكا، تفرد بروايات كثيرة لطول عمره، وخرجت له مشيخات وسمع منه الخلق الكثير والجم الغفير، وكان منصوبا لذلك حتى كبر وأسن وضعف عن الحركة، وله شعر حسن، منه قوله: تكررت السنون علي حتى … بليت وصرت من سقط المتاع وقل النفع عندي غير أني … أعلل بالرواية والسماع

стр. 5193

فإن يك خالصا فله جزاء … وإن يك مالقا فإلى ضياع وله أيضا: إليك اعتذاري من صلاتي قاعدا … وعجزي عن سعي إلى الجمعات وتركي صلاة الفرض في كل مسجد … تجمع فيه الناس للصلوات فيا رب لا تمقت صلاتي ونجني … من النار واصفح لي عن الهفوات توفي ضحى نهار الأربعاء ثاني ربيع الآخر (١) من هذه السنة، عن خمس وتسعين سنة، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن عند والده الشيخ شمس الدين أحمد بن عبد الواحد بسفح قاسيون. الشيخ تاج الدين الفزاري عبد الرحمن (٢) بن سباع بن ضياء الدين أبو محمد الفزاري، الإمام العلامة العالم، شيخ الشافعية في زمانه، حاز قصب السبق دون أقرانه، وهو والد شيخنا العلامة برهان الدين. كان مولد الشيخ تاج الدين في سنة ثلاثين (٣) وستمائة، وتوفي ضحى الاثنين خامس جمادى الآخرة، بالمدرسة البادرائية وصلي عليه بعد الظهر بالأموي، تقدم للصلاة عليه قاضي القضاة شهاب الدين بن الخوي، ثم صلي عليه عند جامع جراح الشيخ زين الدين الفارقي، ودفن عند والده بباب الصغير، وكان يوما شديد الزحام. وقد كان ممن اجتمع فيه فنون كثيرة من العلوم النافعة، والأخلاق اللطيفة، فصاحة المنطق، وحسن التصنيف، وعلو الهمة، وفقه النفس، وكتابه الأقليد الذي جمع على أبواب التنبيه وصل فيه إلى باب الغصب، دليل على فقه نفسه وعلو قدره، وقوة همته ونفوذ نظره، واتصافه بالاجتهاد الصحيح في غالب ما سطره، وقد انتفع به الناس، وهو شيخ أكابر مشايخنا هو ومحيي الدين النووي، وله اختصار الموضوعات لابن الجوزي، وهو عندي بخطه، وقد سمع الحديث الكثير وحضر عند ابن الزبيدي صحيح البخاري، وسمع من ابن الليثي (٤) وابن الصلاح واشتغل عليه، وعلى ابن عبد السلام وانتفع بهما، وخرج له الحافظ علم الدين البرزالي أحد تلاميذه مشيخة في عشرة أجزاء عن مائة شيخ فسمعها عليه الأعيان: وله شعر جيد فمنه: لله أيام جمع الشمل ما برحت … بها الحوادث حتى أصبحت سمرا

стр. 5194

ومبتدأ الحزن من تاريخ مسألتي … عنكم، فلم ألق لا عينا ولا أثرا يا راحلين قدرتم فالنجاة لكم … ونحن للعجز لا نستعجز القدرا وقد ولي الدرس بعده بالبادرائية والحلقة والفتيا بالجامع ولده شيخنا برهان الدين، فمشى على طريقة والده وهديه وسمته ﵀. وفي ثالث شعبان توفي: الطبيب الماهر عز الدين إبراهيم بن محمد بن طرخان السويدي الأنصاري، ودفن بالسفح عن تسعين سنة، وروى شيئا من الحديث، وفاق أهل زمانه في صناعة الطب، وصنف كتبا في ذلك (١)، وكان يرمى بقلة الدين وترك الصلوات وانحلال في العقيدة، وإنكار أمور كثيرة مما يتعلق باليوم الآخر، والله يحكم فيه وفي أمثاله بأمره العدل الذي لا يجوز ولا يظلم. وفي شعره ما يدل على قلة عقله ودينه وعدم إيمانه، واعتراضه على تحريم الخمر، وأنه قد طال رمضان عليه في تركها وغير ذلك. الشيخ الإمام العلامة علاء الدين أبو الحسن علي بن الإمام العلامة كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف الأنصاري الزملكاني، وقد درس بعد أبيه المذكور بالأمينية، وكانت وفاة والده هذا ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الآخر بالأمينية، ودفن بمقابر الصوفية عند والده الأمير الكبير بدر الدين علي بن عبد الله الناصري، ناظر الرباط بالصالحية، عن وصية أستاذه، وهو الذي ولى الشيخ شرف الفزاري مشيخة الرباط بعد ابن الشريشي جمال الدين، وقد دفن بالتربة الكبيرة داخل الرباط المذكور. الشيخ الإمام أبو حفص عمر بن يحيى بن عمر الكرخي صهر الشيخ تقي الدين بن الصلاح، وأحد تلاميذه، ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ومات يوم الأربعاء ثاني ربيع الآخر من هذا السنة، ودفن إلى جانب ابن الصلاح. الملك العادل بدر الدين سلامش بن الظاهر الذي كان قد بويع بالملك بعد أخيه الملك السعيد، وجعل الملك المنصور قلاوون أتابكه،

стр. 5195

ثم استقل قلاوون بالملك، وأرسلهم إلى الكرك ثم أعادهم إلى القاهرة ثم سفرهم الأشرف خليل في أول دولته إلى بلاد الأشكري من ناحية اصطنبول، فمات سلامش هناك وبقي أخوه نجم الدين خضر وأهلوهم بتلك الناحية، وقد كان سلامش من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظرا، وقد افتتن به خلق كثير، واللوطية الذين يحبون المردان، وشبب به الشعراء وكان عاقلا رئيسا مهيبا وقورا. العفيف التلمساني أبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن علي بن يس العابدي الكومي ثم التلمساني الشاعر المتقن المتفنن في علوم منها النحو والأدب والفقه والأصول، وله في ذلك مصنفات، وله شرح مواقف النفر وشرح أسماء الله الحسنى، وله ديوان مشهور، ولولده محمد ديوان آخر، وقد نسب هذا الرجل إلى عظائم في الأقوال والاعتقاد في الحلول والاتحاد والزندقة والكفر المحض، وشهرته تغني عن الاطناب في ترجمته، توفي يوم الأربعاء خامس رجب ودفن بالصوفية، ويذكر عنه أنه عمل أربعين خلوة كل خلوة أربعين يوما متتابعة فالله أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وستمائة فيها فتحت قلعة الروم. وسلطان البلاد من دنقلة إلى مصر إلى أقصى بلاد الشام بكماله وسواحله بلاد حلب وغير ذلك الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور قلاوون، ووزيره شمس الدين بن السلعوس، وقضاته بالشام ومصرهم المذكور ون في التي قبلها، ونائب مصر بدر الدين بيدرا ونائب الشام علم الدين سنجر الشجاعي، وسلطان التتر بيدار بن أرغون ابن أبغا، [وفي رابع صفر وقع حريق في بعض] (١) الخزائن [بقلعة الجبل] (٢) أتلف شيئا كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب. وفي التاسع والعشرين من ربيع الأول خطب الخليفة الحاكم وحث في خطبته على الجهاد والنفير، وصلى بهم الجمعة وجهر بالبسملة. وفي ليلة السبت ثالث عشر صفر جئ بهذا الجرز الأحمر الذي بباب البرادة من عكا، فوضع في مكانه. وفي ربيع الأول كمل بناء الطارمة وما عندها من الدور والقبة الزرقاء، وجاءت في غاية الحسن والكمال والارتفاع. وفي يوم الاثنين ثاني جمادى الأولى ذكر الدرس بالظاهرية الشيخ صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي، عوضا عن علاء الدين ابن بنت الأعز، وفي هذا اليوم درس بالدولعية كمال الدين بن

стр. 5196

الزكي. وفي يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة درس بالنجيبية الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الطوسي، بمقتضى نزول الفارقي له عنها. والله أعلم بالصواب. فتح قلعة الروم وفي ربيع الأول منها توجه السلطان الأشرف بالعساكر نحو الشام فقدم دمشق ومعه وزيره ابن السلعوس فاستعرض الجيوش وأنفق فيهم أموالا جزيلة، ثم سار بهم نحو بلاد حلب، ثم سار إلى قلعة الروم فافتتحها بالسيف قهرا في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق، وزينت البلد سبعة أيام وبارك الله لجيش المسلمين في سعيهم، وكان يوم السبت إلبا على أهل يوم الأحد، وكان الفتح بعد حصار عظيم جدا، مدة ثلاثين يوما (١)، وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقا (٢)، واستشهد من الامراء شرف الدين بن الخطير، وقد قتل من أهل البلد خلق كثير وغنم المسلمون منها شيئا كثيرا، ثم عاد السلطان إلى دمشق وترك الشجاعي بقلعة الروم يعمرون ما وهى من قلعتها بسبب رمي المنجنيقات عليها وقت الحصار، وكان دخوله إلى دمشق بكرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان، فاحتفل الناس لدخوله ودعوا له وأحبوه، وكان يوما مشهودا بسط له كما يبسط له إذا قدم من الديار المصرية، وإنما كان ذلك بإشارة ابن السلعوس، فهو أول من بسط له، وقد كسر أبوه التتر على حمص ولم يبسط له، وكذلك الملك الظاهر كسر التتر والروم على البلستين، وفي غير موطن ولم يبسط له، وهذه بدعة شنعاء قد أحدثها هذا الوزير للملوك، وفيها إسراف وضياع مال وأشر وبطر ورياء وتكليف للناس، وأخذ أموال ووضعها في غير مواضعها، والله سبحانه سائله عنها، وقد ذهب وتركها يتوارثها الملوك والناس عنه، وقد حصل للناس بسبب ذلك ظلم عظيم، فليتق العبد ربه ولا يحدث في الاسلام بسبب هواه ومراد نفسه ما يكون سبب مقت الله له، وإعراضه عنه، فإن الدنيا لا تدوم لاحد، ولا يدوم أحد فيها والله سبحانه أعلم. وكان ملك قلعة الروم مع السلطان أسيرا، وكذلك رؤس أصحابه، فدخل بهم دمشق وهم يحملون رؤوس أصحابهم على رؤوس الرماح، وجهز السلطان طائفة من الجيش نحو جبل كسروان والجزر بسبب ممالاتهم للفرنج قديما على المسلمين، وكان مقدم العساكر بيدرا (٣) وفي صحبته سنقر الأشقر، وقراسنقر المنصوري الذي كان نائب حلب فعزله عنه السلطان وولى مكانه

стр. 5197

سيف الدين بلبان البطاحي (١) المنصوري، وجماعة آخرون من الامراء الكبار، فلما أحاطوا بالجبل ولم يبق إلا دمار أهليه حملوا في الليل إلى بيدرا حملا كثيرا ففتر في قضيتهم، ثم انصرف بالجيوش عنهم وعادوا إلى السلطان، فتلقاهم السلطان وترجل السلطان إلى الأمير بيدرا وهو نائبه على مصر، ثم ابن السلعوس نبه السلطان على فعل بيدرا فلامه وعنفه، فمرض من ذلك مرضا شديدا أشفى به على الموت حتى قيل إنه مات، ثم عوفي فعمل ختمة عظيمة بجامع دمشق حضرها القضاة والأعيان، وأشغل الجامع نظير ليلة النصف من شعبان، وكان ذلك ليلة العشر الأول من رمضان، وأطلق السلطان أهل الحبوس وترك بقية الضمان عن أرباب الجهات السلطانية، وتصدق عنه بشئ كثير، ونزل هو عن ضمانات كثيرة كان قد حاف فيها على أربابها، وقد امتدح الشهاب محمود (٢) الملك الأشرف خليل على فتحه قلعة الروم بقصيدة هائلة فاضلة أولها: لك الراية الصفراء يقدمها النصر … فمن كيقباد إن رآها وكيخسرو إذا خفقت في الأفق هدت بنورها (٣) … هوى الشرك واستعلى الهدى وانجلى الثغر وإن نشرت مثل الاصائيل في الوغى … جلى النقع من لالاء طلعتها البدر وإن يممت زرق العدى سار تحتها … كتائب خضر دوحها البيض والسمر كأن مثار النقع ليل وخفقها … بروق وأنت البدر والفلك الحتر (٤) وفتح أتى في إثر فتح كأنما … سماء بدت تترى كواكبها الزهر فكم فطنت طوعا وكرها معاقلا … مضى الدهر عنها وهي عانسة بكر بذلت لها عزما فلولا مهابة … كساها الحيا جاءتك تسعى ولا مهر قصدت حمى من قلعة الروم لم يتح … لغيرك إذ غرتهم المغل فاغتروا ووالوهم سرا ليخفوا أذاهم … وفي آخر الامر استوى السر والجهر صرفت إليهم همة لو صرفتها … إلى البحر لاستولى على مده الجزر وما قلعة الروم التي حزت فتحها … وإن عظمت إلا إلى غيرها جسر طليعة ما يأتي من الفتح بعدها … كما لاح قبل الشمس في الأفق الفجر فصبحتها بالجيش كالروض بهجة … صوارمه أنهاره والقنا الزهر وأبعدت بل كالبحر والبيض موجه … وجرد المزاكي السفن والخود الذر وأغربت بل كالليل عوج سيوفه … أهلته والنبل أنجمه الزهر

стр. 5198

ولحظات لا بل كالنهار شموسه … محياك (١) والآصال راياتك الصفر ليوث من الأتراك آجامها القنا … لها كل يوم في ذرى ظفر ظفر فلا الريح يجري بينهم لاشتباكها … عليهم ولا ينهل من فوقهم قطر عيون إذا الحرب العوان تعرضت … لخطابها بالنفس لم يغلها مهر ترى الموت معقودا بهدب نبالهم … إذا ما رماها القوس والنظر الشزر ففي كل سرح غصن بان مهفهف … وفي كل قوس مده ساعد بدر إذا صدموا شم الجبال تزلزلت … وأصبح سهلا تحت خيلهم الوعر ولو وردت ماء الفرات خيولهم … لقيل هنا قد كان فيما مضى نهر أداروا بها سورا فأضحت كخاتم … لدى خنصر أو تحت منطقه خصر وأرخوا إليها من أكف بحارهم (٢) … سحاب ردى لم يخل من قطره قطر كأن المجانيق التي قمن حولها … رواعد سخط وبلها النار والصخر أقامت صلاة الحرب ليلا صخورها … فأكثرها شفع وأكبرها وتر ودارت بها تلك النقوب فأسرفت … وليس عليها في الذي فعلت حجر فأضحت بها كالصب يخفى غرامه … حذار أعاديه وفي قلبه جمر وشبت بها النيران حتى تمزقت … وباحت بما أخفته وانهتك الستر فلاذوا بذيل العفو منك فلم تجب … رجاءهم لو لم يشب قصدهم مكر وما كره المغل اشتغالك عنهم … بها عندما فروا ولكنهم سروا فأحرزتها بالسيف قهرا وهكذا … فتوحك فيما قد مضى كله قسر وأضحت بحمد الله ثغرا ممنعا … تبيد الليالي. العدى وهو مفتر فيا أشرف الأملاك فزت بغزوة … تحصل منها الفتح والذكر والاجر ليهنيك عند المصطفى أن دينه … توالى له في يمن دولتك النصر وبشراك أرضيت المسيح وأحمدا … وإن غضب اليعفور من ذاك والكفر فسر حيث ما تختار فالأرض كلها … تطيعك والأمصار أجمعها مصر ودم وابق للدنيا ليحيى بك الهدى … ويزهى على ماضي العصور بك العصر حذفت منها أشياء كثيرة. وفيها تولى خطابة دمشق الشيخ عز الدين أحمد الفاروثي الواسطي بعد وفاة زين الدين بن المرحل وخطب واستسقى بالناس فلم يسقوا، ثم خطب مرة ثانية بعد ذلك بأيام عند مسجد القدم،

стр. 5199

فلم يسقوا ثم ابتهل الناس من غير دعاية واستسقاية فسقوا، ثم عزل الفاروثي بعد أيام بالخطيب موفق الدين أبي المعالي محمد بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن حسن المهراني الحموي، كان خطيب حماه ثم نقل إلى دمشق في هذه السنة، فقام وخطب وتألم الفاروثي لذلك ودخل على السلطان واعتقد أن الوزير عزله من غير علمه، فإذا هو قد شعر لذلك واعتذر بأنه إنما عزله لضعفه، فذكر له أنه يصلي ليلة النصف مائة ركعة بمائة قل هو الله أحد، فلم يقبلوا واستمروا بالحموي. وهذه دناءة وقلة عقل وعدم إخلاص من الفاروثي، وأصاب السلطان في عزله. وفي هذا اليوم قبض السلطان على الأمير سنقر الأشقر وغيره فهرب هو والأمير حسام الدين لاجين السلحداري، فنادت عليه المنادية بدمشق من أحضره فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق، وركب السلطان ومماليكه في طلبه، وصلى الخطيب بالناس في الميدان الأخضر، وعلى الناس كآبة بسبب تفرق الكلمة، واضطراب الجيش، واختبط الناس، فلما كان سادس شوال أمسكت العرب سنقر الأشقر فردوه على السلطان فأرسله مقيدا إلى مصر. وفي هذا اليوم ولى السلطان نيابة دمشق لعز الدين أيبك الحموي، عوضا عن الشجاعي، وقدم الشجاعي من الروم ثاني يوم عزله فتلقاه الفاروثي فقال: قد عزلنا من الخطابة، فقال ونحن من النيابة، فقال الفاروثي (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) فلما بلغ ابن السلعوس تغضب عليه وكان قد عين له القيمرية فترك ذلك، وسافر السلطان عاشر شوال إلى مصر فدخلها في أبهة الملك، وفي يوم دخوله أقطع قراسنقر مائة فارس بمصر عوضا عن نيابة حلب، وفي هذه السنة اشترى الأمير سيف الدين طغاي الأشقري قيسارية القطن المعروفة بإنشاء الملك المعظم بن العادل من بيت المال، بمرسوم من السلطان، وكان حظيا عنده، ونقل سوق الحريريين تلك المدة إليها، وكان السلطان قد أفرج عن علم الدين الدويداري بعد رجوعه من قلعة الروم واستحضره إلى دمشق وخلع عليه واستصحبه معه إلى القاهرة، وأقطعه مائة فارس، وولاه مشد الدواوين مكرها. وفي ذي القعدة استحضر السلطان سنقر الأشقر وطقصوا (١) فعاقبهما فاعترفا بأنهما أرادا قتله، فسألهما عن لاجين فقالا: لم يكن معنا ولا علم له بهذا، فخنقهما وأطلقه بعد ما جعل الوتر في حلقه، وكان قد بقي له مدة لا بد أن يبلغها، وقد ملك بعد ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي ذي الحجة عقد الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين عقده على بنت قاضي القضاة شهاب الدين الخويي بالبادرائية، وكان حافلا. وفيها دخل الأمير سنقر الأعسر على بنت الوزير شمس الدين بن السلعوس على صداق ألف دينار، وعجل لها خمسمائة، وفيها قفز جماعة من التتر نحوا من ثلاثمائة إلى الديار المصرية فأكرموا.

стр. 5200

وممن توفي فيها من الأعيان: الخطيب زين الدين أبو حفص عمر بن مكي بن عبد الصمد الشافعي المعروف بابن المرحل، وهو والد الشيخ صدر الدين ابن الوكيل، سمع الحديث وبرع في الفقه وفي علوم شتى، منها علم الهيئة وله فيه مصنف، تولى خطابة [الجامع الأموي ب] (١) دمشق ودرس وأفتى، توفي ليلة السبت الثالث والعشرين من ربيع الأول، وصلي عليه من الغد بباب الخطابة. الشيخ عز الدين الفاروثي ولي الخطابة قليلا ثم عزل ثم مات ودفن بباب الصغير عفا الله عنا وعنه. الصاحب فتح الدين أبو عبد الله محمد بن محيي الدين بن عبد الله بن عبد الظاهر، كاتب الاسرار في الدولة المنصورية بعد ابن لقمان وكان ماهرا في هذه الصناعة، وحظي عند المنصور وكذا عند ابنه الأشرف، وقد طلب منه ابن سلعوس أن يقرأ عليه كل ما يكتبه، فقال: هذا لا يمكن فإن أسرار الملوك لا يطلع عليها غيرهم، وأبصروا لكم غيري يكون معكم بهذه المثابة، فلما بلغ ذلك الأشرف أعجبه منه وازدادت عنده منزلته، توفي يوم السبت نصف رمضان، وأخرجت في تركته قصيدة قد رثا بها تاج الدين بن الأثير (٢) وكان قد شوش فاعتقد أنه يموت فعوفي فبقيت بعده، وتولى ابن الأثير بعده ورثاه تاج الدين كما رثاه وتوفي ابن الأثير بعده بشهر وأربعة أيام. يونس بن علي بن رضوان بن برقش الأمير عماد الدين، كان أحد الامراء بطبلخانة في الدولة الناصرية، ثم حمل وبطل الجندية بالكلية في الدولة المظفرية وهلم جرا إلى هذه السنة، وكان الظاهر يكرمه، توفي في شوال ودفن عند والده بتربة الخزيميين ﵏. جلال الدين الخبازي عمر بن محمد بن عمر أبو محمد الخجندي أحد مشايخ الحنفية الكبار، أصله من بلاد ما

стр. 5201

وراء النهر من بلد يقال لها خجندة، واشتغل ودرس بخوارزم، وأعاد ببغداد، ثم قدم دمشق فدرس بالعزية والخاتونية البرانية، وكان فاضلا بارعا منصفا مصنفا في فنون كثيرة، توفي لخمس بقين من ذي الحجة منها، وله ثنتان وستون سنة، ودفن بالصوفية. الملك المظفر قرا أرسلان الإفريقي، صاحب ماردين (١)، توفي وله ثمانون سنة وقام بعده ولده شمس الدين داود ولقب بالملك السعيد والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وستمائة في تاريخ ظهير الدين الكازروني ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في هذه السنة نظير ما كان في سنة أربع وخمسين على صفتها، إلا أن هذه النار كان يعلو لهيبها كثيرا، وكانت تحرق الصخر ولا تحرق السعف، واستمرت ثلاثة أيام. استهلت هذه السنة والخليفة الحاكم العباسي وسلطان البلاد الملك الأشرف بن المنصور ونائبه بمصر بدر الدين بيدرا، وبالشام عز الدين أيبك الحموي، وقضاة مصر والشام هم الذين كانوا في التي قبلها، والوزير شمس الدين بن السلعوس. وفي جمادى الآخرة قدم الأشرف دمشق فنزل في القصر الأبلق والميدان الأخضر، وجهز الجيوش وتهيأ لغزو بلاد سيس، وقدم في غضون ذلك رسل صاحب بلاد سيس يطلبون الصلح، فشفع الامراء فيهم فسلموا بهسنا (٢) وتل حمدون (٣). ومرعش (٤)، وهي أكبر بلادهم وأحسنها وأحصنها، وهي في فم الدربند، ثم ركب السلطان في ثاني رجب نحو سلمية بأكثر الجيش صورة أنه يريد أن يصيب الأمير حسام الدين لاجين، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى، فلما انقضت الضيافة أمسك له حسام الدين لاجين، وكان عنده، فجاء به فسجنه في قلعة دمشق وأمسك مهنا بن عيسى وولى مكانه محمد بن علي بن حديثة (٥) ثم أرسل السلطان جمهور الجيش بين يديه إلى الديار المصرية صحبة نائبه بيدرا، ووزيره ابن السلعوس، وتأخر هو في خاصكيته ثم لحقهم.

стр. 5202

وفي المحرم منها حكم القاضي حسام الدين الرازي الحنفي بالتشريك بين العلويين والجعفريين في الدباغة التي كانوا يتنازعونها من مدة مائتي سنة، وكان ذلك يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرم، بدار العدل، ولم يوافقه ابن الخويي ولا غيره، وحكم للاعناكيين بصحة نسبهم إلى جعفر الطيار. وفيها رسم الأشرف بتخريب قلعة الشوبك فهدمت (١)، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها وأنفعها، وإنما خربها عن رأي عتبة العقبى، ولم ينصح للسلطان فيها ولا للمسلمين، لأنها كانت شجى في حلوق الاعراب الذين هناك. وفيها أرسل السلطان الأمير علم الدين الدويداري إلى صاحب القسطنطينية وإلى أولاد بركة ومع الرسول تحفا كثيرة جدا، فلم يتفق خروجه حتى قتل السلطان فعاد إلى دمشق. وفي عاشر جماد الأولى درس القاضي إمام الدين القزويني بالطاهرية البرانية. وحضر عنده القضاة والأعيان. وفي الثاني والعشرين من ذي الحجة يوم الاثنين طهر الملك الأشرف أخاه الملك الناصر محمد وابن أخيه الملك المعظم مظفر الدين موسى بن الصالح علي بن المنصور، وعمل مهم عظيم ولعب الأشرف بالقبق وتمت لهم فرحة هائلة، كانت كالوداع لسلطنته من الدنيا. وفي أول المحرم درس الشيخ شمس الدين بن غانم بالعصرونية، وفي مستهل صفر درس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بالرواحية عوضا عن نجم الدين بن مكي بحكم انتقاله إلى حلب وإعراضه عن المدرسة المذكورة، ودخل الركب الشامي في آخر صفر، وكان ممن حج في هذه السنة الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀، وكان أميرهم الباسطي ونالهم في معان ريح شديدة جدا مات بسببها جماعة، وحملت الريح جمالا عن أماكنها، وطارت العمائم عن الرؤوس، واشتغل كل أحد بنفسه. وفي صفر منها وقع بدمشق برد عظيم أفسد شيئا كثيرا من المغلات بحيث بيع القمح كل عشرة أواق بدرهم، ومات شئ كثير من الدواب، وفيه زلزلت ناحية الكرك وسقط من تلفيتا أماكن كثيرة. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الأرموي (٢) الشيخ الصالح القدوة العارف أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الصالح أبي محمد عبد الله يوسف (٣) بن يونس بن إبراهيم بن سلمان الأرموي، المقيم بزاويته بسفح قاسيون، كان فيه عبادة

стр. 5203

وانقطاع وله أوراد وأذكار، وكان محببا إلى الناس، توفي بالمحرم ودفن عند والده بالسفح. ابن الأعمى صاحب المقامة الشيخ ظهير الدين محمد (١) بن المبارك بن سالم بن أبي الغنائم الدمشقي المعروف بابن الأعمى، ولد سنة عشر وستمائة، وسمع الحديث وكان فاضلا بارعا، له قصائد يمتدح بها رسول الله ﷺ ، سماها الشفعية، عدد كل قصيدة اثنان وعشرون بيتا. قال البرزالي: سمعته وله المقامة البحرية المشهورة، توفي في المحرم ودفن بالصوفية. الملك الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص ابن ناصر الدين محمد ابن الملك المعظم، توفي ببستانه عن ثمانين سنة، وصلي عليه بالجامع المظفري، ودفن بتربته بالسفح، وكان دينا كثير الصلاة في الجامع، وله إجازة من المؤيد الطوسي وزينب الشعرية وأبي روح وغيرهم. توفي في جمادي الآخرة. الشيخ تقي الدين الواسطي أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي ثم الدمشقي الحنبلي، شيخ الحديث بالظاهرية بدمشق، توفي يوم الجمعة آخر النهار رابع عشرين جمادى الآخرة عن تسعين سنة، وكان رجلا صالحا عابدا، تفرد بعلو الرواية، ولم يخلف بعده مثله، وقد تفقه ببغداد ثم رحل إلى الشام ودرس بالصالحية مدة عشرين سنة، وبمدرسة أبي عمر، وولي في آخر عمره مشيخة الحديث بالظاهرية بعد سفر الفاروثي، وكان داعية إلى مذهب السلف والصدر الأول، وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان من خيار عباد الله تعالى ﵀. وقد درس بعده بالصالحية الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القوي المرداوي، وبدار الحديث الظاهرية شرف الدين عمر بن خواجا إمام الجامع المعروف بالناصح. ابن صاحب حماه الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، توفي بدمشق وصلي عليه بجامعها، وخرج به من باب

стр. 5204

الفراديس محمولا إلى مدينة أبيه وتربتهم بها، وهو والد الأميرين الكبيرين بدر الدين حسن وعماد الدين إسماعيل الذي تملك حماة بعد مدة (١). ابن عبد الظاهر محيي الدين عبد الله بن رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن علي بن نجدة السعدي، كاتب الانشاء بالديار المصرية، وآخر من برز في هذا الفن على أهل زمانه، وسبق سائر أقرانه، وهو والد الصاحب فتح الدين النديم، وقد تقدم ذكر وفاته قبل والده، وقد كانت له مصنفات منها سيرة الملك الظاهر، وكان ذا مروءة، وله النظم الفائق والنثر الرائق. توفي يوم الثلاثاء رابع رجب وقد جاوز السبعين، ودفن بتربته التي أنشأها بالقرافة. الأمير علم الدين سنجر الحلبي الذي كان نائب قطز على دمشق فلما جاءته بيعة الظاهر دعا لنفسه فبويع وتسمى بالملك المجاهد ثم حوصر وهرب إلى بعلبك فحوصر فأجاب إلى خدمة الظاهر فسجنه مدة وأطلقه وسجنه المنصور مدة وأطلقه الأشرف، واحترمه وأكرمه، بلغ الثمانين سنة، وتوفي في هذه السنة. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة في أولها كان مقتل الأشرف، وذلك أنه خرج إلى الصيد في ثالث المحرم، فلما كان بأرض تروجة (٢) بالقرب من الإسكندرية ثاني عشر (٣) المحرم، حمل عليه جماعة من الامراء الذين اتفقوا على قتله حين انفرد عن جمهور الجيش، فأول من صوبه نائبه بيدرا، وتمم عليه لاجين المنصوري، ثم اختفى إلى رمضان، ثم ظهر يوم العيد، وكان ممن اشترك في قتل الأشرف بدر الدين بيسرى وشمس الدين قراسنقر المنصوري، فلما قتل الأشرف اتفق الامراء على تمليك بيدرا، وسموه الملك القاهر أو الأوحد، فلم يتم له ذلك، فقتل في اليوم الثاني بأمر كتبغا، ثم اتفق زين الدين كتبغا، وعلم الدين سنجر الشجاعي على أن يملكوا أخاه محمد الملك الناصر بن

стр. 5205

قلاوون، وكان عمره إذ ذاك ثمان سنين وشهورا (١)، فأجلسوه على سرير المملكة يوم الرابع عشر (٢) من المحرم، وكان الوزير ابن السلعوس بالإسكندرية، وكان قد خرج في صحبة السلطان وتقدم هو إلى الإسكندرية فلم يشعر إلا وقد أحاط به البلاء، وجاءه العذاب من كل ناحية، وذلك أنه كان يعامل الامراء الكبار معاملة الصغار، فأخذوه وتولى عقوبته من بينهم الشجاعي فضرب ضربا عظيما، وقرر على الأموال ولم يزالوا يعاقبونه حتى كانت وفاته في عاشر صفر (٣) بعد أن احتيط على حواصله كلها. وأحضر جسد الأشرف فدفن بتربته، وتألم الناس لفقده وأعظموا قتله، وقد كان شهما شجاعا عالي الهمة حسن المنظر، كان قد عزم على غزو العراق واسترجاع تلك البلاد من أيدي التتار، واستعد لذلك ونادى به في بلاده، وقد فتح في مدة ملكه - وكانت ثلاث سنين (٤) - عكا وسائر السواحل، ولم يترك للفرنج فيها معلما ولا حجرا، وفتح قلعة الروم وبهسنا وغيرها. فلما جاءت بيعة الناصر إلى دمشق خطب له بها على المنابر، واستقر الحال على ذلك، وجعل الأمير كتبغا أتابكه، والشجاعي مشاورا كبيرا، ثم قتل بعد أيام بقلعة الجبل، وحمل رأسه إلى كتبغا فأمر أن يطاف به في البلد، ففرح الناس بذلك وأعطوا الذين حملوا رأسه مالا، ولم يبق لكتبغا منازع، ومع هذا كان يشاور الامراء تطييبا لقلوبهم. وفي صفر بعد موت ابن السلعوس عزل بدر الدين بن جماعة عن القضاء وأعيد تقي الدين ابن بنت الأعز واستمر ابن جماعة مدرسا بمصر في كفاية ورياسة، وتولى الوزارة بمصر الصاحب تاج الدين بن الحنا، وفي ظهر يوم الأربعاء الحادي والعشرين من صفر رتب إمام بمحراب الصحابة، وهو كمال الدين عبد الرحمن بن القاضي محيي الدين بن الزكي، وصلى بعدئذ بعد الخطيب، ورتب بالمكتب الذي بباب الناطفانيين إمام أيضا، وهو ضياء الدين بن برهان الدين الإسكندري، وباشر نظر الجامع الشريف زين الدين حسين ين محمد بن عدنان، وعاد سوق الحريريين إلى سوقه، وأخلوا قيسارية القطن الذي كان نواب طغجي ألزموهم بسكناها، وولي خطابة دمشق الشيخ العلامة شرف الدين أحمد بن جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد المقدسي، بعد عزل موفق الدين الحموي دعوه إلى حماة فخطب المقدسي يوم الجمعة نصف رجب، وقرئ تقليده وكانت ولايته بإشارة تاج الدين بن الحنا الوزير بمصر، وكان فصيحا بليغا عالما بارعا.

стр. 5206

وفي أواخر رجب حلف الامراء للأمير زين الدين كتبغا مع الملك الناصر محمد بن قلاوون وسارت البيعة بذلك في سائر المدن والمعامل. واقعة عساف النصراني كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي ﷺ ، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافا حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم - يعني النصراني - فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافا ووقعت خبطة قوية فأرسل النائب فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما في العذراوية وقدم النصراني فأسلم وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريبا من مدينة رسول الله ﷺ ، قتله ابن أخيه هنالك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية في هذه الواقعة كتابه الصارم المسلول على ساب الرسول. وفي شعبان (١) منها ركب الملك الناصر في أبهة الملك وشق القاهرة، وكان يوما مشهودا، وكان هذا أول ركوبه، ودقت البشائر بالشام وجاء المرسوم من جهته، فقرئ على المنبر بالجامع فيه الامر بنشر العدل وطي الظلم، وإبطال ضمان الأوقاف والأملاك إلا برضى أصحابها. وفي اليوم الثاني والعشرين من شعبان درس بالمسرورية القاضي جمال الدين القزويني، أخو إمام الدين، وحضر أخوه وقاضي القضاة شهاب الدين الخويي، والشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان درسا حافلا. قال البرزالي: وفي شعبان اشتهر أن في الغيطة بجسرين تنينا عظيما ابتلع رأسا من المعز كبيرا صحيحا. وفي أواخر رمضان (٢) ظهر الأمير حسام الدين لاجين، وكان مختفيا منذ قتل الأشرف فاعتذر له عند السلطان فقبله وخلع عليه وأكرمه، ولم يكن قتله باختياره. وفي شوال منها اشتهر أن مهنا بن عيس خرج عن طاعة السلطان الناصر، وانحاز إلى التتر. وفي يوم الأربعاء ثامن ذي القعدة درس بالغزالية الخطيب شرف الدين المقدسي عوضا عن قاضي القضاة شهاب الدين بن الخويي، توفي وترك الشامية البرانية، وقدم على قضاء الشام

стр. 5207

القاضي بدر الدين أحمد بن جماعة يوم الخميس الرابع عشر من ذي الحجة، ونزل العادلية وخرج نائب السلطنة والجيش بكماله لتلقيه، وامتدحه الشعراء، واستناب تاج الدين الجعبري نائب الخطابة وباشر تدريس الشامية البرانية، عوضا عن شرف الدين المقدسي، الشيخ زين الدين الفاروثي، وانتزعت من يده الناصرية فدرس بها ابن جماعة، وفي العادلية في العشرين من ذي الحجة، وفي هذا الشهر أخرجوا الكلاب من دمشق إلى الفلاة بأمر واليها جمال الدين اقياي، وشدد على الناس والبوابين بذلك. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك الأشرف خليل بن قلاوون المنصور. وبيدرا والشجاعي، وشمس الدين بن السلعوس. الشيخ الإمام العلامة تاج الدين موسى بن محمد بن مسعود المراغي، المعروف بأبي الجواب الشافعي، درس بالاقبالية وغيرها وكان من فضلاء الشافعية، له يد في الفقه والأصول والنحو وفهم جيد، توفي فجأة يوم السبت، ودفن بمقابر باب الصغير، وقد جاوز السبعين. الخاتون مؤنس بنت السلطان العادل أبي بكر بن أيوب وتعرف بدار القطبية، وبدار إقبال، ولدت سنة ثلاث وستمائة، وروت الإجازة عن عفيفة الفارقانية، وعن عين الشمس بنت أحمد بن أبي الفرج الثقفية، توفيت في ربيع الآخر بالقاهرة، ودفنت بباب زويلة. الصاحب الوزير فخر الدين أبو إسحاق إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد البناني المصري رأس الموقعين، وأستاذ الوزراء المشهورين، ولد سنة ثنتي عشرة وستمائة، وروى الحديث، توفي في آخر جمادى الآخرة في القاهرة. الملك الحافظ غياث الدين بن محمد الملك السعيد معين الدين بن الملك الأمجد بهرام شاه بن المعز عز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب، وكان فاضلا بارعا، سمع الحديث وروى البخاري، وكان يحب العلماء

стр. 5208

والفقراء، توفي يوم الجمعة سادس شعبان، ودفن عند جده لامه ابن المقدم، ظاهر باب الفراديس. قاضي القضاة شهاب الدين بن الخويي أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة شمس الدين أبي العباس أحمد بن خليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى بن محمد الشافعي، أصلهم من خوي، اشتغل وحصل علوما كثيرة، وصنف كتبا كثيرة منها كتاب فيه عشرون فنا، وله نظم علوم الحديث وكفاية المتحفظ وغير ذلك، وقد سمع الحديث الكثير، وكان محبا له ولأهله، وقد درس وهو صغير بالدماغية، ثم ولي قضاء القدس، ثم بهسنا، ثم ولي قضاء حلب، ثم عاد إلى المحلة، ثم ولي قضاء القاهرة، ثم قدم على قضاء الشام مع تدريس العادلية والغزالية وغيرهما، وكان من حسنات الزمان وأكابر العلماء الأعلام، عفيفا نزها بارعا محبا للحديث وعلمه وعلمائه، وقد خرج له شيخنا الحافظ المزي أربعين حديثا متباينة الاسناد، وخرج له تقي الدين بن عتبة الأسودي الاسعردي مشيخة على حروف المعجم، اشتملت على مائتين وستة وثلاثين شيخا. قال البرزالي: وله نحو ثلاثمائة شيخ لم يذكروا في هذا المعجم، توفي يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان، عن سبع وستين سنة، وصلي عليه ودفن من يومه بتربة والده بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. الأمير علاء الدين الأعمى ناظر القدس وباني كثيرا من معالمه اليوم، وهو الأمير الكبير علاء الدين أيدكين بن عبد الله الصالحي النجمي، كان من أكابر الامراء، فلما أضر أقام بالقدس الشريف وولي نظره معمره ومثمره وكان مهيبا لا تخالف مراسيمه، وهو الذي بنى المطهرة قريبا من مسجد النبي ﷺ ، فانتفع الناس بها بالوضوء وغيره، ووجد بها الناس تيسيرا، وابتنى بالقدس ربطا كثيرة، وآثارا حسنة، وكان يباشر الأمور بنفسه، وله حرمة وافرة، توفي في شوال منها. الوزير شمس الدين محمد بن عثمان ابن أبي الرجا (١) التنوخي، المعروف بابن السلعوس، وزير الملك الأشرف، مات تحت الضرب الذي جاوز ألف مقرعة، في عاشر صفر من هذه السنة، ودفن بالقرافة، وقيل إنه نقل إلى الشام بعد ذلك. وكان ابتداء أمره تاجرا، ثم ولي الحسبة بدمشق بسفارة تقي الدين بن توبة، ثم كان يعامل الملك الأشرف قبل السلطنة فظهر منه على عدل وصدق، فلما ملك بعد أبيه

стр. 5209

المنصور استدعاه من الحج فولاه الوزارة، وكان يتعاظم على أكابر الامراء ويسميهم بأسمائهم، ولا يقوم لهم، فلما قتل أستاذه الأشرف تسلموه بالضرب والإهانة وأخذ الأموال، حتى أعدموه حياته، وصبروه وأسكنوه الثرى، بعد أن كان عند نفسه قد بلغ الثريا، ولكن حقا على الله أنه ما رفع شيئا إلا وضعه. ثم دخلت سنة أربع وتسعين وستمائة استهلت والخليفة الحاكم بأمر الله وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن قلاوون وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة وأشهرا، ومدبر الممالك وأتابك العساكر الأمير زين الدين كتبغا، ونائب الشام الأمير عز الدين أيبك الحموي، والوزير بدمشق تقي الدين توبة التكريتي، وشاد الدواوين شمس الدين الأعسر، وقاضي الشافعية ابن جماعة، والحنفية حسام الدين الرازي، والمالكية جمال الدين الزواوي، والحنابلة شرف الدين حسن، والمحتسب شهاب الدين الحنفي، ونقيب الاشراف زين الدين بن عدنان، ووكيل بيت المال وناظر الجامع تاج الدين الشيرازي، وخطيب البلد شرف الدين المقدسي. فلما كان يوم عاشوراء نهض جماعة من مماليك الأشرف وخرقوا حرمة السلطان وأرادوا الخروج عليه، وجاؤوا إلى سوق السلاح فأخذوا ما فيه، ثم احتيط عليهم، فمنهم من صلب ومنهم من شنق، وقطع أيدي آخرين منهم وألسنتهم، وجرت خبطة عظيمة جدا، وكانوا قريبا من ثلاثمائة أو يزيدون. سلطنة الملك العادل كتبغا وأصبح الأمير كتبغا في الحادي عشر (١) من المحرم فجلس على سرير المملكة، وخلع الملك الناصر محمد بن المنصور، وألزمه بيت أهله، وأن لا يخرج منه، وبايعه الامراء على ذلك، وهنئوه ومد سماطا حافلا، وسارت البريدية بذلك إلى الأقاليم، فبويع له وخطب له مستقلا وضربت السكة باسمه، وتم الامر وزينت البلاد، ودقت البشائر، ولقب بالملك العادل، وكان عمره إذ ذاك نحوا من خمسين سنة، فإنه من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في أيام الملك الظاهر بعد وقعة عين جالوت، وكان من الغويرانية، وهم طائفة من التتر، واستناب في مصر الأمير حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري، وكان بين يديه مدير المماليك. وقد ذكر الجزري في تاريخه عن بعض الامراء أنه شهد هولاكو خان قد سأل منجمه أن يستخرج له من هؤلاء المقدمين في

стр. 5210

عسكره الذي يملك الديار المصرية، فضرب وحسب وقال له: أجد رجلا يملكها اسمه كتبغا فظنه كتبغا نوين، وهو صهر هولاكو، فقدمه على العساكر فلم يكن هو، فقتل في عين جالوت كما ذكرنا، وأن الذي ملك مصر هذا الرجل وهو من خيار الامراء وأجودهم سيرة ومعدلة، وقصدا في نصرة الاسلام. وفي يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول ركب كتبغا في أبهة الملك، وشق القاهرة ودعا له الناس وعزل الصاحب تاج الدين بن الحنا عن الوزارة وولى فخر الدين بن الخليلي (١)، واستسقى الناس بدمشق عند مسجد القدم، وخطب بهم تاج الدين صالح الجعبري نيابة عن مستخلفه شرف الدين المقدسي، وكان مريضا فعزل نفسه عن القضاء، وخطب الناس بعد ذلك، وذلك يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى، فلم يسقوا ثم استسقوا مرة أخرى يوم السبت سابع جمادى الآخرة بالمكان المذكور، وخطب بهم شرف الدين المقدسي، وكان الجمع أكثر من أول، فلم يسقوا. وفي رجب حكم جمال الدين بن الشريشي نيابة عن القاضي بدر الدين بن جماعة، وفيه درس بالمعظمية لقاضي شمس الدين بن العز، انتزعها من علاء الدين بن الدقاق. وفيه ولي القدس والخليل للك الأوحد بن الملك الناصر داود بن المعظم. وفي رمضان رسم للحنابلة أن يصلوا قبل الامام كبير وذلك أنهم كانوا يصلون بعده فلما أحدث لمحراب الصحابة إمام كانوا يصلون جميعا في وقت حد، فحصل تشويش بسبب ذلك، فاستقرت القاعدة على أن يصلوا قبل الإمام الكبير، في ت صلاة مشهد علي بالصحن عند محرابهم في الرواق الثالث الغربي. قلت: وقد تغيرت هذه القاعدة بعد العشرين وسبعمائة كما سيأتي وفي أواخر رمضان قدم القاضي نجم الدين بن صصرى من الديار المصرية على قضاء العساكر بالشام، وفي ظهر يوم الخميس خامس شوال صلى القاضي بدر الدين بن جماعة بمحراب لجامع إماما وخطيبا عوضا عن الخطيب المدرس شرف الدين المقدسي، ثم خطب من الغد شكرت خطبته وقراءته، وذلك مضاف إلى ما بيده من القضاء وغيره. وفي أوائل شوال قدمت من الديار المصرية تواقيع شتى منها تدريس الغزالية لابن صصرى عوضا عن الخطيب المقدسي، وتوقيع بتدريس الأمينية لامام الدين القزويني عوضا عن نجم الدين بن صصرى، ورسم لأخيه جلال الدين بتدريس الظاهرية البرانية عوضا عنه. وفي شوال كملت عمارة الحمام الذي أنشأه عز الدين الحموي بمسجد القصب، وهو من أحسن الحمامات، وباشر مشيخة دار الحديث النورية الشيخ علاء الدين بن العطار عوضا عن شرف الدين المقدسي. وحج

стр. 5211

فيها الملك المجاهد أنس بن الملك العادل كتبغا، وتصدقوا بصدقات كثيرة في الحرمين وغيرهما ونودي بدمشق في يوم عرفة أن لا يركب أحد من أهل الذمة خيلا ولا بغالا، ومن رأى من المسلمين أحدا من أهل الذمة قد خالف ذلك فله سلبه. وفي أواخر هذه السنة والتي تليها حصل بديار مصر غلاء شديد هلك بسببه خلق كثير، هلك في شهر ذي الحجة نحو من عشرين ألفا (١). وفيها ملك التتار قازان بن أرغون بن أبغا بن تولى بن جنكيزخان فأسلم وأظهر الاسلام على يد الأمير توزون ﵀، ودخلت التتار أو أكثرهم في الاسلام ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس يوم إسلامه، وتسمى بمحمود، وشهد الجمعة والخطبة، وخرب كنائس كثيرة، وضرب عليهم الجزية ورد مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد، وظهرت السبح والهياكل مع التتار والحمد لله وحده. وفيها توفي من الأعيان: الشيخ أبو الرجال المنيني الشيخ الصالح الزاهد العابد أبو الرجال بن مري بن بحتر المنيني (٢)، كانت له أحوال ومكاشفات وكان أهل دمشق والبلاد يزورونه في قرية منين، وربما قدم هو بنفسه إلى دمشق فيكرم ويضاف وكانت له زاوية ببلده، وكان بريئا من هذه السماعات الشيطانية، وكان تلميذ الشيخ جندل، وكان شيخه الشيخ جندل من كبار الصالحين سالكا طريق السلف أيضا، وقد بلغ الشيخ أبو الرجال ثمانين سنة، وتوفي بمنين في منزله في عاشر المحرم، وخرج الناس من دمشق إلى جنازته فمنهم من أدركها ومن الناس من لم يدرك فصلى على القبر ودفن بزاويته ﵀. وفيها في أواخر ربيع الأول جاء الخبر بأن عساف بن أحمد بن حجى الذي كان قد أجار ذلك النصراني الذي سب الرسول قتل ففرح الناس بذلك. الشيخ الصالح العابد الزاهد الورع بقية السلف جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن الحرستاني ابن قاضي القضاة، وخطيب الخطباء، عماد الدين عبد الكريم بن جمال الدين عبد الصمد، سمع الحديث وناب عن أبيه في

стр. 5212

الإمامة وتدريس الغزالية، ثم ترك المناصب والدنيا، وأقبل على العبادة، وللناس فيه اعتقاد حسن صالح، يقبلون يده ويسألونه الدعاء، وقد جاوز الثمانين، ودفن بالسفح عند أهله في أواخر ربيع الآخر. الشيخ محب الدين الطبري المكي (١) الشافعي، سمع الكثير وصنف في فنون كثيرة، من ذلك كتاب الأحكام في مجلدات كثيرة مفيدة، وله كتاب على ترتيب جامع المسانيد أسمعه لصاحب اليمن، وكان مولده يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة منها (٢)، ودفن بمكة، وله شعر جيد فمنه قصيدته في المنازل التي بين مكة والمدينة تزيد على ثلاثمائة بيت، كتبها عنه الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه. الملك المظفر صاحب اليمن يوسف بن المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول، أقام في مملكة اليمن بعد أبيه سبعا وأربعين سنة، وعمر ثمانين سنة، وكان أبوه قد ولي أزيد من مدة عشرين سنة بعد الملك أقسيس ابن الكامل محمد، وكان عمر بن رسول مقدم عساكر أقسيس، فلما مات أقسيس وثب على الملك فتم له الامر وتسمى بالملك المنصور، واستمر أزيد من عشرين سنة، ثم ابنه المظفر سبعا وأربعين سنة، ثم قام من بعده في الملك ولده الملك الأشرف ممهد الدين فلم يمكث سنة (٣) حتى مات، ثم قام أخوه المؤيد عز الدين داود بن المظفر فاستمر في الملك مدة، وكانت وفاة الملك المظفر المذكور في رجب من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وكان يحب الحديث وسماعه، وقد جمع لنفسه أربعين حديثا. شرف الدين المقدسي الشيخ الامام الخطيب المدرس المفتي، شرف الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسي الشافعي، ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة، وسمع الكثير وكتب حسنا وصنف فأجاد وأفاد، وولي القضاء نيابة بدمشق

стр. 5213

والتدريس والخطابة بدمشق، وكان مدرس الغزالية (١) ودار الحديث النورية مع الخطابة، ودرس في وقت بالشامية البرانية (٢) وأذن في الافتاء من الفضلاء منهم الشيخ الإمام العلامة شيخ الاسلام أبو العباس بن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويفرح به ويقول: أنا أذنت لابن تيمية بالافتاء، وكان يتقن فنونا كثيرة من العلوم، وله شعر حسن، وصنف كتابا في أصول الفقه جمع فيه شيئا كثيرا، وهو عندي بخطه الحسن، توفي يوم الأحد سابع عشر رمضان وقد جاوز السبعين، ودفن بمقابر باب كيسان عند والده ﵀ ورحم أباه. وقد خطب بعده يوم العيد الشيخ شرف الدين الفزاري خطيب جامع جراح ثم جاء المرسوم لابن جماعة بالخطابة. ومن شعر الخطيب شرف الدين بن المقدسي: أحجج إلى الزهر لتسعى به … وارم جمار الهم مستنفرا من لم يطف بالزهر في وقته … من قبل أن يحلق قد قصرا واقف الجوهرية الصدر نجم الدين أبو بكر محمد بن عياش بن أبي المكارم التميمي الجوهري، واقف الجوهرية على الحنفية بدمشق توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر شوال، ودفن بمدرسته وقد جاوز الثمانين، وكانت له خدم على الملوك، فمن دونهم. الشيخ الإمام العالم المفتي الخطيب الطبيب، مجد الدين أبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن أبي الفتح بن سحنون التنوخي الحنفي، خطيب النيرب ومدرس الدماغية للحنفية، وكان طبيبا ماهرا حاذقا، توفي بالنيرب وصلي عليه بجامع الصالحية، وكان فاضلا وله شعر حسن، وروى شيئا من الحديث، توفي ليلة السبت خامس ذي القعدة عن خمس وسبعين سنة. الفاروثي الشيخ الامام العابد الزاهد الخطيب عز الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ محيي الدين إبراهيم بن عمر بن الفرج (٣) بن

стр. 5214

سابور بن علي بن غنيمة الفاروثي (١) الواسطي، ولد سنة أربع عشرة (٢) وستمائة، وسمع الحديث ورحل فيه، وكانت له فيه يد جيدة، وفي التفسير والفقه والوعظ والبلاغة، وكان دينا ورعا زاهدا، قدم إلى دمشق في دولة الظاهر فأعطى تدريس الجاروضية وإمام مسجد ابن هشام، ورتب له فيه شئ على المصالح، وكان فيه إيثار وله أحوال صالحة، ومكاشفات كثيرة، تقدم يوما في محراب ابن هشام ليصلي بالناس فقال - قبل أن يكبر للاحرام والتفت عن يمينه - فقال: اخرج فاغتسل، فلم يخرج أحد، ثم كرر ذلك ثانية وثالثة، قلم يخرج أحد، فقال: يا عثمان أخرج فاغتسل، فخرج رجل من الصف فاغتسل ثم عاد وجاء إلى الشيخ يعتذر إليه، وكان الرجل صالحا في نفسه، ذكر أنه أصابه فيض من غير أن يرى شخصا، فاعتقد أنه لا يلزمه غسل، فلما قال الشيخ ما قال اعتقد أنه يخاطب غيره، فلما عينه باسمه علم أنه المراد. ثم قال الفاروثي مرة أخرى في أواخر أيام المنصور قلاوون فخطب بجامع دمشق مدة شهور، ثم عزل بموفق الدين الحموي، وتقدم ذكر ذلك، وكان قد درس بالنجيبية وبدار الحديث الظاهرية، فترك ذلك كله وسافر إلى وطنه، فمات بكرة يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة، وكان يوم موته يوما مشهودا بواسط، وصلى عليه بدمشق وغيرهما ﵀، وكان قد لبس خرقة التصوف من السهروردي، وقرأ القراءات العشرة وخلف ألفي مجلد ومائتي مجلدا، وحدث بالكثير، وسمع منه البرزالي كثيرا صحيح البخاري وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة، ومسند الشافعي، ومسند عبد بن حميد، ومعجم الطبراني الصغير، ومسند الدارمي وفضائل القرآن لأبي عبيد، وثمانين جزء وغير ذلك. الجمال المحقق أحمد بن عبد الله بن الحسين الدمشقي، اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي، وبرع فيه وأفتى وأعاد، وكان فاضلا في الطب، وقد ولي مشيخة الدخوارية لتقدمه في صناعة الطب على غيره، وعاد المرضى بالمارستان النوري على قاعدة الأطباء، وكان مدرسا للشافعية بالفرخشانية، ومعيدا بعدة مدارس، وكان جيد الذهن مشاركا في فنون كثيرة سامحه الله. الست خاتون بنت الملك الأشرف موسى بن العادل زوجة ابن عمها المنصور بن الصالح إسماعيل بن العادل، وهي التي أثبت سفهها زمن المنصور قلاوون حتى اشترى منها حزرما وأخذت الزنبقية من زين الدين السامري (٣).

стр. 5215

الصدر جمال الدين يوسف بن علي بن مهاجر التكريتي أخو الصاحب تقي الدين توبة، ولي حسبة دمشق في وقت ودفن بتربة أخيه بالسفح، وكانت جنازته حافلة، وكان له عقل وافر وثروة ومروءة، وخلف ثلاث بنين: شمس الدين محمد، وعلاء الدين علي، وبدر الدين حسن. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وستمائة استهلت وخليفة الوقت الحاكم بأمر الله العباس أحمد العباسي، وسلطان البلاد الملك العادل زين الدين كتبغا، ونائبه بمصر الأمير حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري، ووزيره فخر الدين بن الخليلي، وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها، ونائب الشام عز الدين الحموي، ووزيره تقي الدين توبة، وشاد الدواوين الأعسر، وخطيب البلد وقاضيها ابن جماعة. وفي المحرم ولي نظر الأيتام برهان الدين بن هلال عوضا عن شرف الدين بن الشيرجي. وفي مستهل هذه السنة كان الغلاء والفناء بديار مصر شديدا جدا، وقد تفانى الناس إلا القليل، وكانوا يحفرون الحفيرة فيدفنون فيها الفئام من الناس، والأسعار في غاية الغلاء، والأقوات في غاية القلة والغلاء، والموت عمال، فمات بها في شهر صفر مائة ألف ونحو من ثلاثين ألفا (١)، ووقع غلاء بالشام فبلغت الغرارة إلى مائتين (٢)، وقدمت طائفة من التتر العويراتية (٣) لما بلغهم سلطنة كتبغا إلى الشام لأنه منهم، فتلقاهم الجيش بالرحب والسعة، ثم سافروا إلى الديار المصرية مع الأمير قراسنقر المنصوري، وجاء الخبر باستداد الغلاء والفناء بمصر حتى قيل إنه بيع الفروج بالإسكندرية بستة وثلاثين درهما، وبالقاهرة بتسعة عشر، والبيض كل ثلاثة بدرهم، وأفنيت الحمر والخيل والبغال والكلاب من أكل الناس لها، ولم يبق شئ من هذه الحيوانات يلوح إلا أكلوه. وفي يوم السبت الثاني عشر من جمادى الأولى ولي قضاء القضاة بمصر الشيخ العلامة تقي الدين بن دقيق العيد عوضا عن تقي الدين ابن بنت الأعز، ثم وقع الرخص بالديار المصرية وزال الضر والجوع في جمادى الآخرة ولله الحمد.

стр. 5216

وفي يوم الأربعاء ثاني شهر رجب درس القاضي إمام الدين بالقيمرية عوضا عن صدر الدين ابن رزين الذي توفي. قال البرزالي: وفيها وقعت صاعقة على قبة زمزم فقتلت الشيخ علي بن محمد بن عبد السلام مؤذن المسجد الحرام، كان يؤذن على سطح القبة المذكورة، وكان قد روى شيئا من الحديث. وفيها قدمت امرأة الملك الظاهر أم سلامش من بلاد الأشكري إلى دمشق في أواخر (١) رمضان فبعث إليها نائب البلد بالهدايا والتحف ورتبت لها الرواتب والإقامات، وكان قد نفاهم خليل بن المنصور لما ولي السلطنة. قال الجزري: وفي رجب درس كمال الدين بن القلانسي عوضا عن جلال الدين القزويني. وفي يوم الأربعاء سابع عشر شعبان درس الشيخ الإمام العلامة شيخ الاسلام تقي الدين بن تيمية الحراني بالمدرسة الحنبلية عوضا عن الشيخ زين الدين بن المنجى توفي إلى رحمة الله، ونزل ابن تيمية عن حلقة العماد بن المنجا لشمس الدين بن الفخر البعلبكي. وفي آخر شوال ناب القاضي جمال الدين الزرعي الذي كان حاكما بزرع، وهو سليمان بن عمر بن سالم الأزرعي عن ابن جماعة بدمشق، فشكرت سيرته. وفيها خرج السلطان كتبغا من مصر قاصدا الشام في أواخر شوال (٢)، ولما جاء البريد بذلك ضربت البشائر بالقلعة ونزلوا بالقلعة السلطان ونائبه لاجين ووزيره ابن الخليلي. وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة ولي قضاء الحنابلة الشيخ تقي الدين سليمان بن حمزة المقدسي عوضا عن شرف الدين (٣) مات ﵀، وخلع عليه وعلى بقية الحكام وأرباب الولايات الكبار وأكابر الامراء، وولي نجم الدين بن أبي الطيب وكالة بيت المال عوضا عن ابن الشيرازي وخلع عليه مع الجماعة، ورسم على [سنقر] (٤) الأعسر وجماعة من أصحابه وخلق من الكتبة والولاة وصودروا بمال كثير، واحتيط على أموالهم وحواصلهم، وعلى بنت ابن السلعوس وابن عدنان وخلق، وجرت خبطة عظيمة، وقدم ابنا الشيخ علي الحريري حسن وشيث من بسر لزيارة السلطان فحصل لهما منه رفد وإسعاف وعادا إلى بلادهما، وضيفت القلندرية السلطان بسفح جبل المزة، فأعطاه نحوا من عشرة آلاف، وقدم صاحب حماة (٥) إلى خدمة السلطان ولعب معه الكرة بالميدان، واشتكت الاشراف من نقيبهم زين الدين بن عدنان، فرفع الصاحب يده عنهم وجعل أمرهم إلى القاضي الشافعي، فلما كان يوم الجمعة الثاني

стр. 5217

والعشرين (١) من ذي القعدة صلى السلطان الملك العادل كتبغا بمقصورة الخطابة، وعن يمينه صاحب حماة، وتحته بدر الدين أمير سلاح، وعن يساره أولاد الحريري حسن أخواه، وتحتهم نائب المملكة حسام الدين لاجين، وإلى جانبه نائب الشام عز الدين الحموي، وتحته بدر الدين بيسرى، وتحته قراسنقر وإلى جانبه الحاج بهادر، وخلفهم أمراء كبار، وخلع على الخطيب بدر الدين بن جماعة خلعة سنية. ولما قضيت الصلاة سلم على السلطان وزار السلطان المصحف العثماني. ثم أصبح يوم السبت فلعب الكرة بالميدان. وفي يوم الاثنين ثاني ذي الحجة عزل الأمير عز الدين الحموي عن نيابة الشام وعاتبه السلطان عتابا كثيرا على أشياء صدرت منه، ثم عفا عنه وأمره بالمسير معه إلى مصر، واستناب الشام الأمير سيف الدين غرلو العادلي، وخلع على المولى وعلى المعزول، وحضر السلطان دار العدل وحضر عنده الوزير القضاة والامراء، وكان عادلا كما سمي، ثم سافر السلطان في ثاني عشر ذي الحجة نحو بلاد حلب فاجتاز على حرستا، ثم أقام بالبرية أياما ثم عاد فنزل حمص، وجاء إليه نواب البلاد وجلس الأمير غرلو نائب دمشق بدار العدل فحكم وعدل، وكان محمود السيرة سديد الحكم رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ زين الدين بن منجى الامام العالم العلامة مفتي المسلمين، الصدر الكامل، زين الدين أبو البركات بن المنجى ابن الصدر عز الدين أبي عمر عثمان بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المتوكل التنوخي، شيخ الحنابلة وعالمهم، ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث وتفقه، فبرع في فنون من العلم كثيرة من الأصول والفروع والعربية والتفسير وغير ذلك، وانتهت إليه رياسة المذهب، وصنف في الأصول، وشرح المقنع، وله تعاليق في التفسير، وكان قد جمع له بين حسن السمت والديانة والعلم والوجاهة وصحة الذهن والعقيدة والمناظرة وكثرة الصدقة، ولم يزل يواظب على الجامع للاشتغال متبرعا حتى توفي في يوم الخميس رابع شعبان، وتوفيت معه زوجته أم محمد ست البها بنت صدر الدين الخجندي، وصلي عليهما بعد الجمعة بجامع دمشق، وحملا جميعا إلى سفح قاسيون شمالي الجامع المظفري تحت الروضة فدفنا في تربة واحدة رحمهما الله تعالى. وهو والد قاضي القضاة علاء الدين، وكان شيخ المسمارية ثم وليها بعده ولداه شرف الدين وعلاء الدين، وكان شيخ الحنبلية فدرس بها بعده الشيخ تقي الدين بن تيمية كما ذكرنا ذلك في الحوادث.

стр. 5218

المسعودي صاحب الحمام بالمزة أحد كبار الامراء، هو الأمير الكبير بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله المسعودي، أحد الامراء المشهورين بخدمة الملوك، توفي ببستانه بالمزه يوم السبت سابع عشرين شعبان، ودفن صبح يوم الأحد بتربته بالمزة، وحضر نائب السلطنة جنازته، وعمل عزاؤه تحت النسر بجامع دمشق. الشيخ الخالدي هو الشيخ الصالح إسرائيل بن علي بن حسين الخالدي، له زاوية خارج باب السلامة، كان يقصد فيها للزيارة، وكان مشتملا على عبادة وزهادة، وكان لا يقوم لاحد، ولو كان من كان، وعنده سكون وخشوع ومعرفة بالطريق، وكان لا يخرج من منزله إلا إلى الجمعة، حتى كانت وفاته بنصف رمضان ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى. الشرف حسين المقدسي (١) هو قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسين بن الإمام الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد الله بن الشيخ أبي عمر المقدسي، سمع الحديث وتفقه وبرع في الفروع واللغة، وفيه أدب وحسن محاضرة، مليح الشكل، تولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة سبع وثمانين، ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، توفي ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال، وقد قارب الستين (٢)، ودفن من الغد بمقبرة جده بالسفح، وحضر نائب السلطنة والقضاة والأعيان جنازته، وعمل من الغد عزاؤه بجامع المظفري، وباشر القضاء بعده تقي الدين سليمان بن حمزة، وكذا مشيخة دار الحديث الأشرفية بالسفح، وقد وليها شرف الدين الغابر الحنبلي النابلسي مدة شهور، ثم صرف عنها واستقرت بيد التقي سليمان المقدسي. الشيخ الامام العالم الناسك أبو محمد بن أبي حمزة المغربي المالكي، توفي بالديار المصرية في ذي القعدة، وكان قوالا بالحق، أمارا بالمعروف ونهاءا عن المنكر.

стр. 5219

الصاحب محيي الدين بن النحاس أبو عبد الله محمد بن بدر الدين يعقوب بن إبراهيم بن عبد الله (١) بن طارق بن سالم بن النحاس الأسدي الحلبي الحنفي، ولد سنة أربع عشرة وستمائة بحلب، واشتغل وبرع وسمع الحديث وأقام بدمشق مدة، ودرس بها بمدارس كبار، منها الظاهرية والريحانية (٢)، وولي قضاء بحلب والوزارة بدمشق، ونظر الخزانة ونظر الدواوين والأوقاف، ولم يزل مكرما معظما معروفا بالفضيلة والانصاف في المناظرة، محبا للحديث وأهله على طريقة السلف، وكان يحب الشيخ عبد القادر وطائفته، توفي بالمزة عشية الاثنين سلخ ذي الحجة، وقد جاوز الثمانين، ودفن يوم الثلاثاء مستهل سنة ست وتسعين بمقبرة له بالمزة، وحضر جنازته نائب السلطنة والقضاة. قاضي القضاة تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب بن القاضي الأعز أبي القاسم خلف بن بدر العلائي الشافعي، توفي في جمادى الأولى ودفن بالقرافة بتربتهم. ثم دخلت سنة ست وتسعين وستمائة استهلت والخليفة والسلطان ونائب مصر ونائب الشام والقضاة هم المذكورون في التي قبلها والسلطان الملك العادل كتبغا في نواحي حمص يتصيد، ومعه نائب مصر لاجين وأكابر الامراء، ونائب الشام بدمشق وهو الأمير سيف الدين غرلو العادلي. فلما كان يوم الأربعاء ثاني المحرم دخل السلطان كتبغا إلى دمشق وصلى الجمعة بالمقصورة وزار قبر هود وصلى عنده، وأخذ من الناس قصصهم بيده، وجلس دار العدل في يوم السبت ووقع على القصص هو ووزيره فخر الدين الخليلي. وفي هذا الشهر حضر شهاب الدين بن محيي الدين بن النحاس في مدرستي أبيه الريحانية (٢) والظاهرية وحضر الناس عنده، ثم حضر السلطان دار العدل يوم الثلاثاء وجاء يوم الجمعة فصلى الجمعة بالمقصورة ثم صعد في هذا اليوم إلى مغارة الدم لزيارتها، ودعا هنالك وتصدق بجمله من المال، وحضر الوزير الخليلي ليلة الأحد ثالث عشر المحرم إلى الجامع بعد العشاء فجلس عند شباك الكاملية وقرأ القراؤن بين يديه، ورسم بأن يكمل داخل الجامع بالفرش

стр. 5220

ففعلوا ذلك، واستمر ذلك نحوا من شهرين ثم عاد إلى ما كان عليه. وفي صبيحة هذا اليوم درس القاضي شمس الدين بن الحريري بالقيمازية عوضا عن ابن النحاس باتفاق بينهم، وحضر عنده جماعة، ثم صلى السلطان الجمعة الأخرى بالمقصورة ومعه وزيره ابن الخليلي وهو ضعيف من مرض أصابه، وفي سابع عشر المحرم أمر للملك الكامل بن الملك السعيد بن الصالح إسماعيل بن العادل بطبلخانة (١) ولبس الشربوش، ودخل القلعة ودقت له الكوسات على بابه، ثم خرج السلطان العادل كتبغا بالعساكر من دمشق بكرة الثلاثاء ثاني عشرين المحرم، وخرج بعده الوزير فاجتاز بدار الحديث، وزار الأثر النبوي، وخرج إليه الشيخ زين الدين الفارقي وشافهه بتدريس الناصرية، وترك زين الدين تدريس الشامية البرانية فوليها القاضي كمال الدين بن الشريشي، وذكر أن الوزير أعطى الشيخ شيئا من حطام الدنيا فقبله، وكذلك أعطى خادم الأثر وهو المعين خطاب. وخرج الأعيان والقضاة مع الوزير لتوديعه. ووقع في هذا اليوم مطر جيد استشفى الناس به وغسل آثار العساكر من الأوساخ وغيرها، وعاد التقي توبة من توديع الوزير وقد فوض إليه نظر الخزانة وعزل عنها شهاب الدين بن النحاس، ودرس الشيخ ناصر الدين بالناصرية الجوانية عوضا عن القاضي بدر الدين بن جماعة في يوم الأربعاء آخر يوم من المحرم. وفي هذا اليوم تحدث الناس فيما بينهم بوقوع تخبيط بين العساكر، وخلف وتشويش، فغلق باب القلعة الذي يلي المدينة، ودخل الصاحب شهاب الدين إليها من ناحية الخوخة، وتهيأ النائب والامراء وركب طائفة من الجيش على باب النصر وقوفا، فلما كان وقت العصر وصل السلطان الملك العادل كتبغا إلى القلعة في خمسة أنفس أو ستة من مماليكه، فدخل القلعة فجاء إليه الامراء وأحضر ابن جماعة وحسام الدين الحنفي، وجددوا الحلف للأمراء ثانية فحلفوا، وخلع عليهم، وأمر بالاحتياط على نواب الأمير حسام الدين لاجين وحواصله، وأقام العادل بالقلعة هذه الأيام، وكان الخلف الذي وقع بينهم بوادي فحمة يوم الاثنين التاسع والعشرين من المحرم، وذلك أن الأمير حسام الدين لاجين كان قد واطأ جماعة من الامراء في الباطن على العادل، وتوثق منهم وأشار على العادل حين خرجوا من دمشق أن يستصحب معه الخزانة، وذلك لئلا يبقى بدمشق شئ من المال يتقوى به العادل إن فاتهم ورجع إلى دمشق، ويكون قوة له هو في الطريق على ما عزم عليه من الغدر، فلما كانوا بالمكان المذكور قتل لاجين الأمير سيف الدين بيحاص (٢) وبكتوت الأزرق
следующие страницы →