المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) [النساء: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤) [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .
أما بعد:
فإن الله أنعم علينا بنعمة الإسلام وأكمل لنا الدين، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وبين أن طريق الخير خير طريق للمؤمنين والدعوة إلى الله على بصيرة أفضل ما يقوم به أهل الفضل والإحسان والدين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) [فصلت: ٣٣] .
ومن تمام نعمته على عباده أن هيأ لهذه الأمة في
стр. 2
مختلف العصور علماء عاملين مخلصين وقفوا حياتهم على خدمة الشريعة ونشرها بين الناس؛ تعليما وتأليفا ودعوة، وصيانة لها من تحريف الغالين وانتحال المبطلين، ويأتي على رأس هؤلاء في عصرنا -ولا نزكي على الله أحدا- سماحة والدنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الذي وقف حياته على العلم والتدريس وقضاء حاجات الناس، فوضع الله له القبول في الأرض، وسرت فتاواه وتوجيهاته في العالمين، وانتشر طلابه في أنحاء العالم الإسلامي ينقلون عنه، ويبثون علمه، فتعلم على يديه خلق عظيم ممن جلس على يديه أو سمع منه أو قرأ له.
ومن أكثر ما نفع الله به من دروس شيخنا وفتاواه: برنامجه الأسبوعي الإذاعي (نور على الدرب) ، حيث يستمع إليه خلق عظيم ويسجلونه ويتناقلونه بينهم، وهذا البرنامج تعرض فيه أسئلة متنوعة، تعالج مشاكل الناس وما يحتاجون إليه في شئون دينهم، وعلاقاتهم مع بعضهم، ومعاملاتهم فيما بينهم، فيجدون في إجابة الشيخ العلاج النافع، والبلسم الشافي الموثق بالدليل من الكتاب والسنة.
ورغبة منا في تعميم فائدة هذا البرنامج؛ ليستفيد منه وينتفع به من لم يتيسر له -وهم كثير- حرصنا على نشره والعناية به وترتيبه.
وقد بذلنا وسعنا، فإن وفقنا فمن الله فله الحمد والمنة، وهذا جزء من حق شيخنا علينا، وإن كانت الأخرى فمن أنفسنا ومن الشيطان، ونستغفر الله ونتوب إليه، ونعتذر من شيخنا اعتذار الابن من أبيه، والتلميذ من شيخه.
стр. 3
نسأل الله بمنه وكرمه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يعلي منزلة شيخنا ويمتعه بالصحة والعافية، ويجمعنا وإياه ووالدينا في جنات النعيم. آمين.
ونرجو صادقين من كل أخ يطلع عليه، وتكون له ملاحظة أو توجيه أن يفيدنا به، وله منا الدعاء بالتوفيق والصلاح والرشاد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب: أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
أبو عبد الله محمد بن موسى الموسى
стр. 4
مصادر التلقي
стр. 5
حكم الاطلاع على الإنجيل والتوراة
س ١: يقول السائل: هل يجوز لي وأنا مسلم أن أطلع على الإنجيل وأقرأ فيه من باب الاطلاع فقط، وليس لأي غرض آخر؟ وهل الإيمان بالكتب السماوية يعني الإيمان بأنها من عند الله أم نؤمن بما جاء فيها؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: على كل مسلم أن يؤمن بها أنها من عند الله: التوراة والإنجيل والزبور، فيؤمن أن الله أنزل الكتب على الأنبياء، وأنزل عليهم صحفا فيها: الأمر والنهي، والوعظ والتذكير، والإخبار عن بعض الأمور الماضية، وعن أمور الجنة والنار ونحو ذلك، لكن ليس له أن يستعملها؛ لأنها دخلها التحريف والتبديل والتغيير، فليس له أن يقتني التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو يقرأ فيها؛ لأن في هذا خطرا؛ لأنه ربما كذب بحق أو صدق بباطل؛ لأن هذه الكتب قد حرفت وغيرت، ودخلها من أولئك اليهود والنصارى وغيرهم التبديل والتحريف والتقديم والتأخير، وقد أغنانا الله عنها بكتابنا العظيم: القرآن الكريم.
وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه «رأى في يد عمر شيئا من التوراة فغضب وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (١) ﵊.
والمقصود: أننا ننصحك وننصح غيرك ألا تأخذوا منها شيئا، لا من التوراة، ولا من الزبور، ولا من الإنجيل، ولا تقتنوا منها شيئا، ولا
стр. 6
تقرءوا فيها شيئا، بل إذا وجد عندكم شيء فادفنوه أو حرقوه؛ لأن الحق الذي فيها قد جاء ما يغني عنه في كتاب الله القرآن، وما دخلها من التغيير والتبديل فهو منكر وباطل، فالواجب على المؤمن أن يتحرز من ذلك، وأن يحذر أن يطلع عليها، فربما صدق بباطل وربما كذب حقا، فطريق السلامة منها إما بدفنها وإما بحرقها.
وقد يجوز للعالم البصير أن ينظر فيها للرد على خصوم الإسلام من اليهود والنصارى، كما دعا النبي ﷺ بالتوراة لما أنكر الرجم اليهود حتى اطلع عليها ﵊، واعترفوا بعد ذلك.
فالمقصود: أن العلماء العارفين بالشريعة المحمدية قد يحتاجون إلى الاطلاع على التوراة أو الإنجيل أو الزبور لقصد إسلامي؛ كالرد على أعداء الله، ولبيان فضل القرآن وما فيه من الحق والهدى، أما العامة وأشباه العامة فليس لهم شيء من هذا، بل متى وجد عندهم شيء من التوراة أو الإنجيل أو الزبور، فالواجب دفنها في محل طيب أو إحراقها حتى لا يضل بها أحد.
стр. 7
هل هناك أجر في قراءة الأحاديث النبوية ؟
س٢: يقول السائل: وردت الأدلة على الأجر في قراءة القرآن الكريم، فهل هناك أجر في قراءة الأحاديث النبوية؟ أفيدونا بارك الله فيكم.
الجواب: نعم قراءة العلم كلها فيها أجر، تعلم العلم، وطلب العلم من طريق القرآن، ومن طريق السنة فيه أجر عظيم، فالعلم يؤخذ من
стр. 8
الكتاب، ويؤخذ من السنة، يقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم العلم وعلمه» (١) وجاء في قراءة القرآن أحاديث كثيرة، منها قول النبي ﷺ : «اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة» (٢) رواه مسلم.
وقال -ذات يوم- ﵊: «أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان -وادي في المدينة - فيأتي بناقتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، فقال: لأن يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (٣) أو كما قال ﵊، فهذا يدل على فضل تعلم القرآن، وقراءة القرآن.
وفي حديث ابن مسعود: «من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها» (٤) .
هكذا السنة إذا تعلمها المؤمن، فقرأ الأحاديث ودرسها يكون له أجر عظيم؛ لأن هذا من تعلم العلم، يقول النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة» (٥) ، وهذا يدل على أن دراسة العلم، وحفظ الأحاديث، والمذاكرة فيها من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، وهكذا قول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (٦) متفق عليه، والتفقه في الدين يكون من طريق الكتاب، ويكون من طريق السنة، والتفقه في السنة من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيرا كما أن التفقه في القرآن دليل على ذلك، والأدلة في هذا كثيرة والحمد لله.
стр. 9
(٢)
أهل السنة والجماعة
стр. 10
كثرة الطوائف الزاعمة أنها الطائفة المنصورة
س ٣: كثرت الطوائف والفرق التي تزعم أنها هي الطائفة المنصورة، واشتبه على كثير من الناس الأمر، فماذا نفعل خاصة أن هناك فرقا تنتسب للإسلام كالصوفية والسلفية ونحو ذلك من الفرق فكيف نميز؟ بارك الله فيكم.
الجواب: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة- يعني: كلها في النار إلا واحدة، وهم أتباع موسى ﵇ وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة- والمعنى: أن كلها في النار إلا واحدة، وهم التابعون لعيسى ﵇ قال: وستفترق هذه الأمة- يعني: أمة محمد ﵊ على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (١) قيل: يا رسول الله، من هي الفرقة الناجية؟ قال: "الجماعة"، وفي لفظ: «ما أنا عليه وأصحابي» (٢) .
هذه هي الفرقة الناجية، الذين اجتمعوا على الحق الذي جاء به الرسول ﷺ واستقاموا عليه، وساروا على نهج الرسول ﷺ ونهج أصحابه، وهم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحديث الشريف السلفيون الذين تابعوا السلف الصالح، وساروا على نهجهم في العمل بالقرآن والسنة، وكل فرقة تخالفهم فهي متوعدة بالنار.
فعليك -أيتها السائلة- أن تنظري في كل فرقة تدعي أنها فرقة ناجية، فتنظري أعمالها؛ فإن كانت أعمالها مطابقة للشرع فهي من الفرقة
стр. 11
الناجية، وإلا فلا.
والمقصود أن الميزان هو القرآن العظيم والسنة المطهرة في حق كل فرقة، فمن كانت أعمالها وأقوالها تسير على كتاب الله وسنة الرسول ﷺ فهذه داخلة في الفرقة الناجية، ومن كانت بخلاف ذلك؛ كالجهمية والمعتزلة والرافضة والمرجئة وغير ذلك، وغالب الصوفية الذين يبتدعون في الدين ما لم يأذن به الله، هؤلاء كلهم داخلون في الفرق التي توعدها الرسول ﷺ بالنار حتى يتوبوا مما يخالف الشرع.
وكل فرقة عندها شيء يخالف الشرع المطهر فعليها أن تتوب منه، وترجع إلى الصواب وإلى الحق الذي جاء به نبينا محمد ﷺ ، وبهذا تنجو من الوعيد، أما إذا بقيت على البدع التي أحدثتها في الدين ولم تستقم على طريقة الرسول ﷺ ، فإنها داخلة في الفرق المتوعدة، وليست كلها كافرة، إنما هي متوعدة بالنار، فقد يكون فيها من هو كافر لفعله شيئا من الكفر، وقد يكون فيها من هو ليس بكافر ولكنه متوعد بالنار، بسبب ابتداعه في الدين، وشرعه في الدين ما لم يأذن به الله .
стр. 12
تفسير حديث: بدأ الإسلام غريبا ..
س ٤: قال الحبيب ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود ... » (١) إلى آخر الحديث. نرجو تفسير هذا الحديث وبيان مدى صحته؟
الجواب: هذا الحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود
стр. 13
غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء» (١) وهو حديث صحيح ثابت عن رسول الله ﵊.
زاد جماعة من أئمة الحديث في رواية أخرى: «قيل: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» (٢)
وفي لفظ آخر: «الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي» (٣) وفي لفظ آخر: «هم النزاع من القبائل» (٤) ، وفي لفظ آخر: «هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير» (٥) .
فالمقصود أن الغرباء هم أهل الاستقامة، وأن الجنة والسعادة للغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، إذا تغيرت الأحوال والتبست الأمور وقل أهل الخير ثبتوا هم على الحق واستقاموا على دين الله ووحدوا الله وأخلصوا له العبادة واستقاموا على الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر أمور الدين، هؤلاء هم الغرباء، وهم الذين قال الله فيهم وفي أشباههم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٦) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٧) ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٨) [فصلت: ٣٠-٣٢] . ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ (٩) أي ما تطلبون.
فالإسلام بدأ قليلا غريبا في مكة لم يؤمن به إلا القليل، وأكثر الخلق عادوه وعاندوا النبي ﷺ وآذوه، وآذوا أصحابه الذين أسلموا، ثم انتقل إلى المدينة مهاجرا وانتقل معه من قدر من أصحابه، وكان غريبا أيضا حتى كثر أهله في المدينة وفي بقية الأمصار، ثم دخل الناس في دين الله
стр. 14
أفواجا بعد أن فتح الله على نبيه مكة ﵊، فأوله كان غريبا بين الناس، وأكثر الخلق على الكفر بالله والشرك بالله وعبادة الأصنام والأنبياء والصالحين والأشجار والأحجار ونحو ذلك.
ثم هدى الله من هدى على يد رسوله محمد ﷺ وعلى يد أصحابه فدخلوا في دين الله وأخلصوا العبادة لله وتركوا عبادة الأصنام والأوثان والأنبياء والصالحين وأخلصوا لله العبادة فصاروا لا يعبدون إلا الله وحده، لا يصلون إلا له، ولا يسجدون إلا له; ولا يتوجهون بالدعاء والاستعانة وطلب الشفاء إلا له ، لا يسألون أصحاب القبور، ولا يطلبون منهم المدد، ولا يستغيثون بهم، ولا يستغيثون بالأصنام والأشجار والأحجار ولا بالكواكب والجن والملائكة، بل لا يعبدون إلا الله وحده ، هؤلاء هم الغرباء.
وهكذا في آخر الزمان هم الذين يستقيمون على دين الله عندما يتأخر الناس عن دين الله، وعندما يكفر الناس، وعندما تكثر معاصيهم وشرورهم يستقيم هؤلاء الغرباء على طاعة الله ودينه، فلهم الجنة والسعادة ولهم العاقبة الحميدة في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 15
حديث: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة
س ٥: يقول السائل: هل الملل والنحل والطرق الموجودة الآن هي التي ينطبق عليها قول الرسول ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) والقول الآخر: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (٢) ؟ أفيدونا بالصواب جزاكم الله خيرا.
стр. 16
الجواب: كل طريقة وكل نحلة يحدثها الناس تخالف شرع الله، فهي داخلة في قول رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) وداخلة في الحديث الصحيح: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة» (٢) .
وفي رواية أخرى: «ما أنا عليه وأصحابي» (٣) فكل طريقة أو عمل أو عبادة يحدثها الناس يتقربون بها إلى الله ويرونها عبادة ويبتغون بها الثواب وهي تخالف شرع الله فإنها تكون بدعة، وتكون داخلة في هذا الذم والعيب الذي بينه رسول الله ﷺ .
فالواجب على جميع أهل الإسلام أن يزنوا أقوالهم وأعمالهم وعباداتهم بما قاله الله ورسوله، وما شرعه الله، وما ثبت عن الرسول ﷺ ، بما وافق الشرع وما جاء في كتابه وما ثبت عن رسوله ﷺ ويعرضوها عليها فهذا هو الحق المقبول، وما خالف كتاب الله، أو خالف السنة من عباداتهم وطرقهم فهو المردود، وهو الداخل في قول الرسول ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤) .
وهذا كله يتعلق بما يتعبد به الناس، وبما يقصد به الناس القربى، أما ما أحدثه الناس من الصنائع والاختراعات كالسلاح، أو من المركوبات أو الملابس أو المآكل فهذا كله غير داخل في هذا، وإنما الحديث يتعلق بالعبادات التي يتعبد بها الناس، ويتقربون بها إلى الله، هذا هو المراد بقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٥) وقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٦) .
ولكن يدخل في هذا الحديث أيضا: العقود المخالفة لشرع الله،
стр. 17
فكل عقد يخالف شرع الله فإنه رد.
стр. 18
دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى التوحيد
س ٦:يقول السائل: فضيلة الشيخ، يسمي بعض الناس عندنا العلماء في المملكة العربية السعودية بالوهابية فهل ترضون بهذه التسمية؟ وما هو الرد على من يسميكم بهذا الاسم؟
الجواب: هذا لقب مشهور لعلماء التوحيد علماء نجد ينسبونهم إلى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه؛ لأنه دعا إلى الله في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، واجتهد في إيضاح التوحيد وبيان الشرك للناس، حتى هدى به الله جما غفيرا، ودخل الناس في توحيد الله، وتركوا ما هم عليه من أنواع الشرك الأكبر، من عبادة أهل القبور، ومن البدع المتعلقة بالقبور، وعبادة الأشجار والأحجار، والغلو في الصالحين.
فصارت دعوته تجديدية إسلامية عظيمة، نفع الله بها المسلمين في الجزيرة العربية وفي غيرها ﵀ رحمة واسعة، وصار أتباعه ومن دعا بدعوته ونشأ على هذه الدعوة في نجد يسمى بالوهابي، وكان هذا اللقب علما لكل من دعا إلى توحيد الله، ونهى عن الشرك وعن التعلق بأهل القبور، أو التعلق بالأشجار والأحجار، وأمر بالإخلاص لله وحده وسمي وهابيا، فهو لقب شريف عظيم يدل على أن من لقب به فهو من أهل التوحيد، ومن أهل الإخلاص لله، وممن ينهى عن الشرك بالله، وعن عبادة القبور والأشجار والأحجار والأصنام والأوثان.
стр. 19
هذا هو أصل هذه التسمية وهذا اللقب، هو نسبة إلى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي الداعي إلى الله ﵀ رحمة واسعة، فقد نشأ في نجد، وتعلم في نجد، ثم سافر إلى مكة والمدينة والعراق والأحساء وأخذ عن علمائها من أهل السنة، ثم رجع إلى نجد فرأى ما الناس فيه من الجهل، وعبادة القبور والغلو فيها، والشرك بالله ، ودعاء الأموات والاستعانة بهم والبناء على قبورهم، فدعا إلى الله، وأرشد الناس ونهاهم عن الشرك، وبين لهم أن التوحيد هو حق لله على عباده، وأنه الذي دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وبين لهم معنى لا إله إلا الله، وأن معناها: لا معبود حق إلا الله، يعني أنها نفي وإثبات، تنفي الإلهية عن غير الله وتثبت العبادة لله وحده ، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) [الحج: ٦٢] . وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) [الفاتحة: ٥] . وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) [الأنبياء: ٢٥] . وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) [الإسراء: ٢٣] . وقال : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) [غافر: ١٤] . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٦) [البينة: ٥] .
فالشيخ ﵀ محمد بن عبد الوهاب - قام بهذه الدعوة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، وكان ذلك في العيينة في
стр. 20
بلدة قريبة من الرياض، دعا إلى الله فيها، ونشر التوحيد وصارت عنده حلقة عظيمة في التعليم، ثم انتقل لأسباب معروفة إلى الدرعية، وتلقاه أميرها محمد بن سعود وبايعه على الدعوة إلى الله ، وعلى نشر الإسلام في الدرعية وما حولها فنفع الله بذلك، وتعاون الإمامان: الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود جد العائلة المالكة الآن، فتعاونا في سبيل الدعوة، وكان ذلك في عام ثمان وخمسين ومائة وألف من الهجرة النبوية.
هكذا بدأ الدعوة في الدرعية بعد أن انتقل من العيينة، فانتشر الإسلام هناك، وأزيلت القباب التي على القبور، وانتشر التوحيد بين الناس، وعرفوا حقيقة معنى لا إله إلا الله، ثم قامت دولة آل سعود في بقية الجزيرة، وانتشر أمر التوحيد في أطراف الجزيرة، فنفع الله بهذه الدعوة نفعا عظيما، وظهر بها الحق، وانتصر بها أهل التوحيد، وصارت علما لأهل التوحيد في كل مكان.
ثم انتشرت هذه الدعوة أيضا في اليمن، وفي جهات كثيرة من الهند والشام والعراق ومصر، حيث تلقاها أئمة الهدى وعلماء الحق بالقبول، وساعدوا الشيخ محمدا ﵀ ودعوا بدعوته.
وخالفه آخرون ممن غلب عليهم الجهل أو التقليد والتعصب لآبائهم وأسلافهم، أو غلب عليهم الهوى والتعصب لما هم عليه لئلا يقول الناس: لماذا لم تعلمونا، فعادوا هذه الدعوة، وكتبوا كتابات باطلة ضدها، ولكن الله سبحانه نصر الدعوة وأهلها واستقام أمر التوحيد في الجزيرة، وانتشر أمر الله بحمد الله، فصار أتباع هذه الدعوة
стр. 21
ومن يدعون إلى توحيد الله من علماء التوحيد من علماء نجد وغيرهم يلقبون بالوهابية، فهو لقب معروف شريف وليس بمستنكر، فهو لقب أهل التوحيد والإيمان، من أهل الدعوة إلى الله .
وهكذا انتشر هذا اللقب في كثير من البلدان الخارجية التي لا تنتسب إلى نجد، إذا رأوا من يدعو إلى الله ويبين حقيقة التوحيد، وينهى عن الشرك في إفريقيا أو في اليمن أو في الشام أو في جهات أخرى، إذا رآهم بعض الغلاة وبعض المنحرفين قالوا: هذا وهابي؛ حتى ينفروا الناس عن دعوته، وحتى يظن الناس أن هذه الدعوة دعوة- باطلة، أو دعوة مخالفة للشرع، وهو غلط قبيح ومنكر، بل هي حقيقة ما دعا إليه الرسول كلية، فإن الرسول ﷺ دعا إلى توحيد الله، وهكذا الرسل جميعا كلهم دعوا إلى توحيد الله، ونشروا دين الله -عليهم الصلاة والسلام-، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) [النحل: ٣٦] .
هذه دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- جميعا، وهي دعوة نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ﵊، فإنه دعا إلى توحيد الله وقام في مكة بالدعوة وصار المشركون يسمون من أجاب دعوته صابئا، كما يقال للموحد الآن وهابي، فمن أجاب دعوة محمد ﷺ في مكة قالوا له: صابئ.
وهكذا بعدما هاجر، لكن الله نصر الدعوة وأيد نبيه محمدا ﷺ ، وانتشرت الدعوة في مكة، وفيما حولها، ثم هاجر ﵊ إلى المدينة، وانتصرت الدعوة، وقام سوق الجهاد، وصارت المدينة معقل الإسلام، ومدينة الإسلام، والعاصمة الأولى للإسلام،
стр. 22
والحمد لله.
والمقصود من هذا كله أن هذه الدعوة وهذا اللقب لكل من دعا إلى توحيد الله، وأنكر الشرك يسميه بعض الجهلة وهابيا، لجهلهم للحقيقة وعدم علمهم بها، والحقيقة هي ما ذكرنا أنها دعوة عظيمة إلى توحيد الله وإلى اتباع رسول الله ﷺ وعدم التقليد الأعمى والتعصب المقيت، وعدم البدع والخرافات، وعدم الشرك والتعلق بالأموات وبالأشجار والأحجار، أو بالأنبياء والصالحين أو بالأصنام، فهذه الدعوة تحارب أهل الشرك وتدعو إلى توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بمعنى لا إله إلا الله وتحقيقها، وتحقيق اتباع الرسول ﷺ ، والتمسك بسنته وطريقته، والاستقامة على ذلك، هذه هي دعوة الشيخ محمد ﵀.
стр. 23
الافتراء على الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من قبل المبتدعة
س ٧: إن الذي يؤمن بالكتاب والسنة والرسل في قريتنا أو مدينتنا ولا يعتقد في الأسياد الذين يضربون أنفسهم في الحديد وغيره كما ذكرت في السؤال السابق يقولون عنه: أنت وهابي، ويزعمون أن هذا المذهب لا يعترف حتى بالرسول الكريم محمد ﷺ . أفيدونا جزاكم الله خير الجزاء.
الجواب: هؤلاء مثل ما تقدم جهال أو متعصبون ملبسون على الناس مخادعون، فهم بين جهل وضلال، وبين خداع وتلبيس، فالذي يؤمن
стр. 24
بالله واليوم الآخر ويعلم أن محمدا ﷺ رسول الله ينكر عملهم هذا السيئ فينكر طعنهم أنفسهم بالسلاح، أو إدخال أنفسهم في النار، أو تقربهم إلى أسيادهم بالذبائح والنذور، فكل هذا ينكره أهل العلم بالله، وينكره أصحاب النبي ﷺ كما أنكره الرسول ﵊ وحذر منه؛ لأنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) وليس هذا العمل من أمر الرسول ﷺ ، ولا من أمر الصحابة، ولا من دين الله الذي جاء به نبينا ﷺ ، فهو باطل.
أما الوهابية فهم أتباع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي ﵀، فهو إمام مشهور دعا إلى الله في نجد في القرن الثاني عشر. دعا إلى الله، وإلى التمسك بالإسلام، وإلى تحكيم الشريعة المطهرة، وحذر الناس من الغلو في الأنبياء والصالحين، وعبادة القبور، وعبادة الأشجار والأحجار.
ودعا الولاة في زمانه، والأمراء، والعامة إلى توحيد الله والإخلاص له، واتباع الشريعة وتعظيمها، وإقامة الصلوات في المساجد، والمحافظة على شعائر الله، فيسر الله له الأنصار والأعوان من آل سعود، وقام دين الله بأسباب دعوته في الجزيرة العربية، وظهر الحق، وانتصر الحق، وخذل الله الباطل، وحكمت الشريعة الإسلامية في هذه الجزيرة بأسباب دعوته، ولم تزل بحمد الله في آثارها وفي بقاعها.
نسأل الله أن يثبتنا ويميتنا على الحق والهدى، فالشيخ محمد ﵀ وأتباعه هم من أنصار الحق، ومن دعاة الهدى، وهم الذين نصروا دين الله في وقت الغربة في القرن الثاني عشر، وأعلوا كلمة الله،
стр. 25
وجاهدوا عليها، وحكموا شرع الله في هذه الجزيرة.
وهو يدعو إلى الصلاة على النبي ﷺ ، وإلى تعظيم شريعته واتباع ما جاء به، والناس يكذبون عليه وعلى أتباعه، ويقولون: إنه لا يصلي على النبي، ويقولون: إنه يقول: عصاي أحسن من النبي، وكل هذا من الباطل ومن أكاذيب أعداء الله، فهو يعتقد أن الرسول ﷺ أحب الناس إلى الله، وأنه أفضل الخلق، وأفضل عباد الله، وهو سيد ولد آدم، وهو إنما قام يدعو إلى شريعته وإلى اتباع ما جاء به ﵊، وهو ممن يعظم أمر الله ونهيه، وينادي في بلاده: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله.
ويرى ﵀ أن الصلاة على النبي ﷺ في التحيات في آخر الصلاة ركن من أركان الصلاة، فكيف يقال إنه لا يصلي عليه، إذا كان يرى أن الصلاة عليه ركن من أركان الصلاة في آخر التحيات في آخر الصلاة؟ ! ولكن أعداء الله عندهم الكذب، وعندهم التلبيس، وعندهم البهتان، وعدم المبالاة بأمر الله ورسوله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 26
حكم الطرق في الإسلام
س ٨: تقول السائلة: ما حكم الطرق في الإسلام؟ علما أنني سألت بعض الأساتذة فقال: هذا حرام، وقال البعض الآخر: ليست فرضا ولا حراما. أرجو الإجابة الواضحة على ذلك وفقكم الله؟
الجواب: هذا السؤال عن الطرق مجمل، فإن كانت السائلة تريد الطرق الصوفية فهي منكرة، وبعضها كفر وبعضها بدعة وليس بكفر;
стр. 27
لأن الطريق الذي يجب سلوكه هو طريق نبينا محمد ﷺ .
قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (١) [الأنعام: ١٥٣] . وقال : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢) [الأنعام: ١٥٥] . وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) [الحشر: ٧] .
فالواجب على أهل الإسلام أن يسيروا على نهج محمد ﷺ ، وأن يستقيموا على سيرته ودينه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤) [آل عمران: ٣١] .
فصراط الله المستقيم هو ما جاء به نبينا محمد ﷺ وهو طريق المنعم عليهم المذكورين في قوله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٦) وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٧) [النساء: ٤] .
فهذا هو الطريق السوي، أما طرق الصوفية ففيها الشرك، كعبادة بعض شيوخهم، والاستغاثة ببعض شيوخهم، وكهجر بعضهم لعلوم السنة، وقوله: حدثني قلبي عن ربي، وعدم الاعتراف بالشرع الذي جاء به محمد ﵊، إلى غير هذا من بدعهم الكثيرة.
وكفعل بعضهم مع المريدين، حيث يقول: عليك أن تسلم للشيخ حاله ومراده، وألا تعترض عليه، وأن تكون معه كالميت بين يدي الغاسل، فهذه كلها طرق فاسدة وكلها ضالة.
стр. 28
أما إن أرادت بالطرق- الطرق يعني: الخط في الأرض، كتلك الخطوط الأرضية التي يخطها المشعوذون والرمالون، ويدعون بها علم الغيب، فهذا منكر آخر ولا يجوز، وهو من الشرك الأكبر، فمن فعل خطوطا في الأرض، وزعم أنه يعلم الغيب بذلك، وأنه يخبر بالغيب بهذا العمل، فإن فعله هذا من الشرك الأكبر، ومن دعوى علم الغيب والعياذ بالله، وقد قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) الآية [النمل: ٦٥] .
стр. 29
المذاهب الأربعة
س ٩: سائل يسأل ويقول: الطرائق الأربعة: الأحمدية والشافعية والمالكية والحنفية. هل هذه الطرائق صحيحة؟ وفي أي زمن وجدت؟
الجواب: الأصوب أن يقول المذاهب الأربعة. والأحمدية هم أتباع أحمد بن حنبل ﵀، والشافعية هم أتباع محمد بن إدريس الشافعي ﵀، والمالكية هم أتباع الإمام مالك بن أنس ﵀، والحنفية هم أتباع أبي حنيفة النعمان بن ثابت ﵀، وهذه المذاهب معروفة عند أهل العلم وقد انتشرت في القرون المتأخرة، في القرن الثالث وما بعده، أما مذهب أبي حنيفة فعرف وانتشر في القرن الثاني، وهكذا مذهب الإمام مالك في القرن الثاني.
وأما مذهب الشافعي وأحمد فاشتهر بعد ذلك في القرن الثالث وما بعده، وهم على خير وعلى هدى وعلى حق ﵃ ورحمهم الله، وهم علماء هدى وعلماء خير، ولكن لا يجوز أن يقال إن واحدا
стр. 30
منهم معصوم لا يقع منه خطأ، بل كل واحد له أغلاط حسب ما خفي عليه من السنة، وحسب ما عرفوا من كتاب الله ، فقد يفوت بعضهم شيء من العلم وشيء من السنة، فهذا أمر معلوم يشملهم وغيرهم، كالأوزاعي، وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وغيرهم من الأئمة المعروفين.
فكل واحد منهم قد يفوته بعض العلم؛ لأنه ليس كل واحد يحيط بالسنة ويحيط بالعلم، فقد يفوته بعض الأشياء، لكنهم أئمة الهدى، ولهم أتباع نظموا مذاهبهم، وجمعوا مسائلهم وفتاواهم، وكتبوا في ذلك حتى انتشرت هذه المذاهب وعلمت بسبب أتباعهم الذين ألفوا فيها، وجمعوا فيها مسائل هؤلاء الأئمة وما أفتوا به في ذلك، فقد يقع بعض الأخطاء من بعضهم؛ لأنه لم تبلغه السنة في بعض المسائل فأفتى باجتهاده، قد يقع الخطأ من أجل ذلك، والآخر بلغه الحديث وعرف الحديث فأفتى بالصواب، فهذه تقع لكل واحد منهم في مسائل معدودة ﵏؛ ولهذا قال مالك ﵀: (ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر) يعني: رسول الله ﷺ .
وأما اختيار مذهب معين فهذا في حق طلبة العلم، فطلبة العلم عليهم ألا يقلدوا أحدا، ولكن إذا انتسب إلى أحد المذاهب من باب الانتساب، لأنه رأى قواعده وأصوله توافقه فلا بأس، لكن ليس له أن يقلد الشافعي ولا أحمد ولا مالكا ولا أبا حنيفة، ولا غيرهم، بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا، وعليه أن ينظر في الأدلة، فما رجح في الأدلة من مسائل الخلاف أخذ به، وأما ما أجمع عليه العلماء فليس لأحد أن يخالفه؛ لأن
стр. 31
العلماء لا يجمعون على باطل لقول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» الحديث. فإذا أجمعوا فهذه الطائفة منهم.
لكن يجب على العالم في مسائل الخلاف أن ينظر في الأدلة، فإذا كان الدليل مع أبي حنيفة أخذ به، وإذا كان مع مالك أخذ به، وإذا كان مع الشافعي أخذ به، وإذا كان مع أحمد أخذ به، وهكذا لو كان مع الأوزاعي أو مع إسحاق بن راهويه أو غيرهما.
فالواجب الأخذ بالدليل وترك ما خالفه؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) [النساء: ٥٩] . ويقول سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) [الشورى: ١٠] .
فالواجب على أهل العلم أن يعرضوا ما تنازع فيه الناس على الأدلة الشرعية فما رجح بالدليل وجب الأخذ به.
أما العامي فيسأل أهل العلم في زمانه، يتخير العالم الطيب الذي يظهر عليه التأسي بالنبي ﷺ ، والورع، ويظهر منه العلم، ويشهد له الناس بالخير، فيتحرى ويسأل، ومذهبه مذهب من أفتاه، لكن عليه أن يتحرى أهل العلم، ويسأل في بلاده أو في غير بلاده عن المعروفين بالعلم، والفضل، واتباع الحق، والمحافظة على الصلوات، والذين يعرفون باتباع السنة، من توفير اللحى، وعدم الإسبال، والبعد عن مواقف التهم، إلى غير هذا من الدلائل على استقامة العالم، فإذا أرشد إلى عالم ظاهره الخير ومعروف بالعلم، سأله عما أشكل عليه والحمد لله. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) [التغابن: ١٦] ، وقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) [الأنبياء: ٧] .
стр. 32
(٣)
الإيمان والإسلام
стр. 33
شروط الإسلام
س ١٠: ما هي شروط الإسلام؟
الجواب: شروط الإسلام شرطان:
الشرط الأول:
الإخلاص لله، وأن تقصد بإسلامك ودخولك في دين الله وأعمالك وجه الله ، هذا لا بد منه؛ لأن كل عمل تعمله وليس لوجه الله سواء كان صلاة أو صدقة أو صياما أو غير هذا لا يكون نافعا ولا مقبولا، حتى الشهادتين لو فعلتهما رياء أو نفاقا لا تقبل ولا تنفعك وتكون من المنافقين.
فلا بد أن يكون قولك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله صدقا من قلبك، تؤمن بالله وحده وأنه المعبود بالحق، وأن محمدا رسول الله صادق، وأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين، وأنه خاتم الأنبياء، فإذا كان ذلك منك صدقا وإخلاصا نفعك ذلك، وهكذا في صلاتك تعبد الله بها وحده، وهكذا صدقاتك، وهكذا قراءتك، وتهليلك، وصومك، وحجك يكون لله وحده.
الشرط الثاني:
الموافقة للشريعة، فلا بد أن تكون أعمالك موافقة للشريعة، وليس من عند رأيك ولا من اجتهادك، بل لا بد أن تتحرى موافقة الشريعة فتصلي كما شرع الله، وتصوم كما شرع الله، وتزكي كما شرع الله،
стр. 34
وتجاهد كما شرع الله وتحج كما شرع الله، وهكذا.
لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) والله يقول في كتابه العظيم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) [الشورى: ٢١] . يعيبهم سبحانه بهذا العمل.
ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٤) [الجاثية: ١٨، ١٩] .
فالواجب اتباع الشريعة التي شرعها الله على يد رسوله محمد ﷺ ، وعدم الخروج عنها في جميع العبادات التي تتقرب بها إلى الله ، وهذه هي شروط الإسلام، وهي شرطان: الأول: الإخلاص لله في العمل، والثاني: الموافقة للشريعة، هذا هو الذي به تنتفع بعباداتك، ويقبل الله منك عباداتك إذا كنت مسلما.
стр. 35
س ١١: تسأل الأخت وتقول: هل الإيمان بالقلب يكفي لأن يكون الإنسان مسلما بعيدا عن الصلاة والصوم والزكاة؟
الجواب: الإيمان بالقلب لا يكفي عن الصلاة وغيرها، بل يجب أن يؤمن بقلبه وأن الله واحد لا شريك له، وأنه ربه وخالقه، ويجب أن يخصه بالعبادة ، ويؤمن بالرسول محمد ﷺ ، وأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين، كل هذا لا بد منه، فهذا أصل الدين وأساسه كما يجب على المكلف أن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله
стр. 36
من أمر الجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك مما دل عليه القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة. ولا بد مع ذلك من النطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله كما أنه لا بد من الصلاة وبقية أمور الدين، فإذا صلى فقد أدى ما عليه، وإن لم يصل كفر، لأن ترك الصلاة كفر.
أما الزكاة والصيام والحج وبقية الأمور الواجبة إذا اعتقدها وأنها واجبة، ولكن تساهل فلا يكفر بذلك، بل يكون عاصيا، ويكون إيمانه ضعيفا ناقصا؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد الإيمان بالطاعات والأعمال الصالحات، وينقص بالمعاصي عند أهل السنة والجماعة.
أما الصلاة وحدها خاصة فإن تركها كفر عند كثير من أهل العلم وإن لم يجحد وجوبها، وهو أصح قولي العلماء، بخلاف بقية أمور العبادات، من الزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، فإن تركها ليس بكفر أكبر على الصحيح، ولكن نقص في الإيمان، وضعف في الإيمان، وكبيرة عظيمة من كبائر الذنوب، فترك الزكاة كبيرة عظيمة، وترك الصيام كبيرة عظيمة، وترك الحج مع الاستطاعة كبيرة عظيمة، ولكن لا يكون كفرا أكبر إذا كان مؤمنا بأن الزكاة حق، وأن الصيام حق، وأن الحج لمن استطاع إليه سبيلا حق، ما كذب بذلك ولا أنكر وجوب ذلك، ولكنه تساهل في الفعل، فلا يكون كافرا بذلك على الصحيح.
أما الصلاة فإنه إذا تركها يكفر في أصح قولي العلماء كفرا أكبر والعياذ بالله وإن لم يجحد وجوبها كما تقدم؛ لقول النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (١) أخرجه مسلم في صحيحه،
стр. 37
وقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١) أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة بإسناد صحيح، والمرأة مثل الرجل في ذلك. نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 38
هل يكون الإنسان مسلما ولو لم يأت بأركان الدين ؟
س ١٢: وتقول السائلة: إن هناك شيئا يتردد بين أوساط الناس حيث يقولون: إن الصلاة يشترط لها الإسلام، والحج يشترط له الإسلام، فالإنسان قد يكون مسلما ولو لم يأت ببقية أركان الإسلام. فنريد تجلية هذا الموضوع. بارك الله فيكم؟
الجواب: نعم. هو مسلم بالشهادتين، فمتى أقر بالشهادتين ووحد الله وصدق رسول الله محمدا ﷺ دخل في الإسلام، ثم ينظر فإن صلى تم إسلامه، وإن لم يصل صار مرتدا، وهكذا لو أنكر الصلاة بعد ذلك صار مرتدا، أو أنكر صيام شهر رمضان صار مرتدا، أو قال الزكاة غير واجبة صار مرتدا، أو قال الحج مع الاستطاعة غير واجب، صار مرتدا، أو استهزأ بالدين أو سب الله أو سب الرسول صار مرتدا.
فهذا الأمر ينبغي أن يكون واضحا، فإذا دخل في الإسلام بالشهادتين حكم له بالإسلام، ثم ينظر بعد ذلك في بقية الأمور فإن استقام على الحق تم إسلامه، وإذا وجد منه ما ينقض الإسلام؛ من سب الدين، أو من تكذيب الرسول ﷺ ، أو من جحد لما أوجبه الله من صلاة وصوم، أو جحد لما حرم الله كما لو قال: الزنا حلال، فإنه يرتد عن الإسلام بهذا، ولو صلى وصام، ولو قال أشهد أن لا إله إلا الله،
стр. 39
وأن محمدا رسول الله.
فلو قال: إن الزنا حلال، وهو يعلم الأدلة وقد أقيمت عليه الحجة، يكون كافرا بالله كفرا أكبر والعياذ بالله، أو قال: الخمر حلال، وقد بينت له الأدلة ووضحت له الأدلة ثم أصر يقول: إن الخمر حلال، يكون ذلك كفرا أكبر، وردة عن الإسلام والعياذ بالله، أو قال مثلا: إن العقوق حلال، يكون ردة عن الإسلام والعياذ بالله، أو قال إن شهادة الزور حلال، يكون هذا ردة عن الإسلام بعد أن تبين له الأدلة الشرعية.
كذلك إذا قال: الصلاة غير واجبة، أو الزكاة غير واجبة، أو صيام رمضان غير واجب، أو الحج مع الاستطاعة غير واجب، كل هذه نواقض من نواقض الإسلام يكون بها كافرا والعياذ بالله.
إنما الخلاف إذا قال: إن الصلاة واجبة، ولكن أنا أتساهل ولا أصلي، فجمهور الفقهاء يقولون: لا يكفر ويكون عاصيا يستتاب فإن تاب وإلا قتل حدا.
وذهب آخرون من أهل العلم وهو المنقول عن الصحابة ﵃ أنه يكفر بذلك كفرا أكبر، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٥] ، فدل ذلك على أن الذي لا يقيم الصلاة لا يخلى سبيله، بل يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢) [التوبة: ١١] ، فدل ذلك على أن الذي لا يقيم الصلاة ولا يصلي ليس بأخ في الدين.
стр. 40
س ١٣: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) [البقرة: ٢٨٤] . وكيف نجمع بين معناها وبين الحديث الشريف الذي معناه: أن الله تعالى تجاوز عن أمة محمد ﷺ ما حدثت به أنفسها ما لم تفعله أو تتكلم به؟
الجواب: هذه الآية الكريمة قد أشكلت على كثير من الصحابة ﵃ لما نزلت، وهي قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) [البقرة: ٢٨٤] ، شق عليهم هذا الأمر، وجاءوا للنبي ﷺ وذكروا أن هذا شيء لا يطيقونه، فقال لهم ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا» (٣) فقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم أنزل الله بعدها قوله سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤) ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٥) [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦] .
فسامحهم الله وعفا ، ونسخ ما دل عليه مضمون هذه الآية، وأنهم لا يؤاخذون إلا بما عملوا أو بما أصروا عليه وثبتوا عليه، وأما ما يخطر من الخطرات في النفوس والقلوب فهذا معفو عنه؛ ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٦) .
فزال هذا الإشكال والحمد لله، وصار المؤمن غير مؤاخذ إلا بما