← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة تقديم الطبعة الثانية ... تقديم الطبعة الثانية كنت أود لهذه الطبعة الثانية من الدراسة أن تكون أكثر اكتمالًا من الطبعة الأولى وبخاصة في القسم الثالث منها الخاص بالمجتمع، وهو قسم أشعر أنه مضغوط في تفاصيله إلى حد كبير بالنسبة للقارئ العام. ولكن ضيق الوقت لا يزال يحول دون التوفر على تحقيق هذا الهدف في الوقت الحالي, وأرجو أن يتيح لي هذا التأخير الذي اضطررت إليه فرصة الانتفاع بما قد يظهر في الموضوعات التي طرقتها في هذا القسم من مناقشات وآراء جديدة. على أني اغتنمت فرصة هذه الطبعة الجديدة لأسد بعض مواطن النقص التي تنبهت إليها في عدد من النقاط أو التي نبهني إليها الأصدقاء من المهتمين بموضوع هذه الدراسة، كما انتفعت في الوقت ذاته ببعض الدراسات الجديدة التي ظهرت في العام الحالي أو الدراسات القديمة التي فاتني الانتفاع بها قبل الآن. وقد وجدت في هذا الصدد أن اللوحة اليونانية "٨ - ب" في الطبعة الأولى لا يبرز وجه المقارنة فيها مع اللوحة اليمنية "٨ - أ" إلا من بعد واحد هو ليونة الحركة، وهو بعد قد لا يظهر بالقدر الكافي للقارئ الذي ليس له اهتمام متخصص بالعناصر الفنية في مجال النحت أو صناعة التماثيل، فاستبدلت بها اللوحة الحالية التي تضم إلى ليونة الحركة بعدين آخرين هما: عنصر الطفولة وعنصر الحوار بين الإنسان والحيوان في عمل فني واحد، كما أضفت لوحتين أخريين هما "٨ - ج" و"٨ - د" لتعميق فكرة المقارنة التي قصدت إليها، كذلك نبهني تلميذي وصديقي الدكتور أحمد غزال، أستاذ الآثار بقسم الحضارة اليونانية والرومانية بجامعة الإسكندرية، إلى تطور ظهر في العملة الأثينية في القرن الخامس ق. م. يكتمل فيه التطابق بينها وبين العملة الحميرية التي ترجع إلى القرن الثالث أو الثاني ق. م. ومن ثم تخدم النقطة التي تعرضت لها في هذا الصدد "الباب الرابع: ٢- ج" بشكل أفضل، كما زودني بالصور الخاصة بهذه العملة فوضعتها بدلا من صور العملة الأثينية التي ترجع إلى القرن السادس ق. م. والتي لم يكن التطابق المطلوب مكتملًا فيها "لوحة ١٥ - ب".

стр. 2

وفيما يخص الحديث عن المصادر الكلاسيكية لهذه الدراسة "الباب السادس: ١ - ج" كان قد فاتني أن أتناول بالعرض والنقد كتابات المؤرخ فلافيوس يوسفوس الذي يعتبر أحد المصادر المهمة عن إحدى مراحل تاريخ الأنباط، وقد بادرت في الطبعة الحالية باستكمال هذا النقص. كذلك انتفعت في الباب الخاص بالشعر الجاهلي "الباب السابع: ٣" كمصدر من مصادر المجتمع العربي القديم، بدراستين قيمتين صدرتا هذا العام لأستاذين صديقين من قسم اللغة العربية بجامعة عين شمس بالقاهرة: إحداهما عن "الشعر الجاهلي" للدكتور إبرهيم عبد الرحمن محمد، وقد تناول في أحد أبوابها التفسير الميثولوجي للشعر الجاهلي، والأخرى عن "قضايا الأدب الجاهلي" للدكتور عفت الشرقاوي، وقد تناول في أحد أبوابها التفسير النفسي لشعر امرئ القيس، وقد أضافت هاتان الدراستان بعدين جديدين لتدعيم قضية هذا الشعر كمصدر رئيسي من مصادر التعرف على مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. وأخيرًا فقد انتفعت في القسم الخاص بالحياة الدينية "الباب التاسع: ٣" بدراسة للأستاذ ف. و. وبنيت F.W.WiNNET العدد ٢٨ من مجلة "THE MOSLEM WORLD" لم أكن قد استطعت الحصول عليها قبل الآن، وفيها يناقش الباحث عددًا من النصوص العربية الشمالية القديمة عن عبادة "الله" قبل الإسلام، كما انتفعت في زيادة استيضاح هذه النقطة بمناقشة قيمة مع المؤرخ الكبير الدكتور قسطنطين زريق الأستاذ بالجامعة الأمريكية في بيروت. ل. ع.ى.

стр. 3

تقديم الطبعة الأولى لا أهدف من هذه الدراسة إلى تقديم عرض شامل أو مفصل لتاريخ العرب في العصر السابق للإسلام، وإنما أردت أن تكون مدخلا حضاريا لهذا التاريخ يمكننا من فهمه في إطاره السليم، لا كحشد من الأحداث والأسماء والأوضاع تسرد كمقدمة مطولة لعصر لاحق، وإنما ككيان تاريخي يمتد عبر ستة عشر قرنًا في الحدود المعروفة لنا حتى الآن والتي تتسع من يوم إلى يوم كلما عثر المنقبون على أثر جديد أو على مجموعة من النقوش، وينتمي إلى عصر له أبعاده المميزة ومقوماته وعلاقاته وتياراته التي تتفق وهذه الأبعاد. وفي حدود هذا الإطار الحضاري سارت الدراسة في خطين متوازيين ومتلازمين. وفيما يخص الخط الأول حاولت أن أجيب على عدد من التساؤلات التي لم تطرح حتى الآن، أو التي طرحت كنوع من الترف الفكري أو الاستكمال الشكلي للموضوع، الذي يكتفي بالتعريف بالمسائل أو بمناقشتها دون أن يوضح موقعها من تاريخ المنطقة ووقعها عليه. وفي هذا الصدد كانت التساؤلات الرئيسية التي طرقتها هي: أين تقف شبه الجزيرة العربية من المسار الحضاري الذي عرفه العالم في العصور القديمة؟ ما هو الأثر الذي تركته الظروف الطبيعية للمنطقة على مواردها الاقتصادية وعلى تكويناتها السياسية وأوضاعها الاجتماعية والدينية؟ ثم متى ظهرت هوية العرب في المجال الدولي؟ وما هو الشكل الذي اتخذته هذه الهوية وسط قوى الشرق والغرب المتصارعة في العالم القديم؟. أما الخط الآخر فهو يخص مصادر الدراسة، وقد هدفت هنا إلى نقل تاريخ العرب قبل الإسلام إلى دائرة الاعتماد على المصادر الجادة الوحيدة

стр. 4

التي يمكن أن نعتمد عليها بشكل علمي، وهي المصادر المعاصرة لهذا التاريخ. وهكذا بدأت بترك ما خلفه لنا كتاب العصر الإسلامي فيما عدا استثناءات قليلة ذكرتها في موضعها. فهؤلاء الكتاب كانوا بكل بساطة يكتبون عن عصر بدأ قبل وقتهم بألف وسبعمائة سنة على الأقل، كما أنهم نحوا فيما كتبوه منحى "القصاص وجروا على أساليبهم ولم يلتزموا فيها الصحة ولا ضمنوا لنا الوثوق بها" على حد تعبير واحد من هؤلاء الكتاب أنفسهم وهو ابن خلدون، ومن ثم "فلا ينبغي التعويل عليها وتترك وشأنها" حسب حكم الكاتب نفسه. وفي هذا المجال فقد اعتمدت على ما وصل إلى أيدينا، وهو كثير، من الآثار والنقوش والكتابات الكلاسيكية "اليونانية واللاتينية" التي عاصر كتابها ما كانوا يكتبون عنه. كما حاولت أن أحسم مسألة الانتفاع العلمي الكامل بمصدرين معاصرين أساسيين، فطرحت للمناقشة قيمة الاعتماد على الشعر الجاهلي كمصدر تاريخي وإلى أي حد يجوز لنا اعتماد ذلك، كما حاولت أن أبين كيفية الاعتماد على آيات القرآن الكريم بشكل علمي لا يزال الانتفاع به حتى الآن أقل من القليل. وتبقى في نهاية الحديث كلمة شكر أوجهها إلى عدد من الذين أسهموا في ظهور هذه الدراسة في شكلها الحالي، فقد شارك تلميذي وزميلي الدكتور إبراهيم بيضون في صياغة عنوان الدراسة بما يتطابق مع مضمونها، كما قام الأستاذ أمين منيمنة برسم الخرائط اللازمة لها وإن كان ما جاء بها من تحديد تقريبي للمواضع قد لا يتفق مع الدقة الجغرافية هو من تسجيل الباحث وعليه تقع مسئوليته. أما عن دار النهضة العربية التي نشرت هذه الدراسة فلها كل التقدير على ما أبداه كل أفرادها من سعة صدر في الالتزام بمتطلباتي التي كثيرًا ما وصلت إلى درجة الإرهاق. وأخيرًا وليس آخرًا, فهناك دائما زوجتي التي ساندت وساعدت وعانت في سبيل إخراج هذه الدراسة ربما أكثر مما بذلت في كتابتها. ل. ع.ى

стр. 5

المحتوى تقديم القسم الأول المنطقة والشعب والأرض الباب الأول: منطقة نشوء الحضارات وشبه جزيرة العرب ١٧ - ٣٩ ١- أبعاد منطقة نشوء الحضارات ١٧ أ- تحديد المنطقة ١٧ ب- المنجزات الحضارية الأولى وهذه المنطقة ٢١ ج- المقارنة الحضارية بين هذه المنطقة والمناطق الأخرى ٢٣ ٢- أسباب نشأة الحضارات الأولى في هذه المنطقة ٢٦ أ- ظرف المناخ ٢٧ ب- ظرف المواصلات السهلة ٢٨ ج- الحدود شبه المانعة للمنطقة ٣٠ ٣- شبه جزيرة العرب ضمن منطقة نشوء الحضارات ٣٣ أ- حول الدور الحضاري لشبه جزيرة العرب ٣٣ ب- مقدمات هذا الدور قبل ظهور الإسلام ٣٥ الباب الثاني: الساميون وشبه الجزيرة والعرب ٤٠ - ٨٧ ١- قضية الساميين أو الشعوب السامية ٤٠ أ- افتراض لوجود عنصر سامي ٤١ ب- رد على هذا الافتراض ٤٤

стр. 6

٢- قضية أصل الساميين وشبه جزيرة العرب ٤٩ أ- ملاحظات مبدئية ٤٩ ب- افتراض أصل إفريقي للساميين ٥٠ ج- افتراضات أصل آسيوي للساميين ٥٤ د- حول أصل الساميين وشبه جزيرة العرب ٥٨ ٣- الساميون والعرب ٧٠ أ- ملاحظات حول فكرة موطن أصلي للساميين ٧١ ب- تصور مطروح حول هذه الفكرة ٧٤ ج- العرب وفكرة الأصل السامي ٨١ الباب الثالث: شبه جزيرة العرب: الملامح العامة ٨٩ - ١١٨ ١- الموقع والسطح والأقسام الطبيعية ٨٩ ٢- المناخ ١٠٤ ٣- النبات والحيوان ١٠٧ القسم الثاني المصادر الباب الرابع: الآثار والنقوش ١٢١ - ١٥٧ ١- قيمة الآثار والنقوش في التأريخ لشبه الجزيرة ١٢٢ ٢- أمثلة من المخلفات الأثرية ١٢٨ أ- الآثار المعمارية ١٢٨ ب- النحت والمخربشات ١٣٦ ج- الفخار والعملة ١٤٠ ٣- النقوش ١٤٧ أ- نقوش عن الأحوال الداخلية لشبه الجزيرة ١٤٧ ب- نقوش عن العلاقات الخارجية لشبه الجزيرة ١٥١ ج- تقويم عام للنقوش ١٥٥

стр. 7

الباب الخامس: المصادر الدينية ١٥٩ - ١٩٤ ١- القرآن الكريم ١٦٠ أ- أمثلة لأقوام شبه الجزيرة في القرآن ١٦١ ب- أمثلة عن الحياة الدينية في شبه الجزيرة ١٧١ ج- مثال لتكوين المجتمع في شبه الجزيرة ١٧٥ ٢- الحديث الشريف ١٧٩ ٣- التوراة والتلمود ١٨٢ الباب السادس: المصادر الكتابية ١٩٥ - ٢٢٤ ١- الكتاب الكلاسيكيون ١٩٦ أ- كتاب المرحلة المبكرة ١٩٦ ب- كتاب العصر المتأغرق ٢٠٣ ج- كتاب العصر الروماني ٢٠٦ د- كتاب المرحلة المتأخرة ٢١٧ ٢- الكتابات العربية في العصر الإسلامي ٢٢٩ أ- صعوبات أمام الاعتماد على هذه الكتابات ٢٢٩ ب- استثناءات ممكنة من هذا التعميم ٢٣٥ الباب السابع: الشعر الجاهلي ١- الشعر كمصدر تاريخي ٢٣٨ - ٢٨٥ ٢- اعتراضات على الشعر الجاهلي كمصدر تاريخي ٢٣٨ ٣- ردود على هذه الاعتراضات ٢٥٢ ٤- حول مجالات الشعر الجاهلي ٢٨٠

стр. 8

القسم الثالث المجتمع الباب الثامن: ٢٨٩ الموارد الاقتصادية ٢٩٠ ١- الرعي ٢٩٢ أ- الرعي والرعاة ٢٩٤ ب- الموارد المكملة لحياة الرعاة ٢٩٤ ٢-الزراعة والمحاصيل الطبيعية ٣٠٤ أ- المورد الزراعي ٣٠٤ ب- المحاصيل الطبيعية ٣٠٦ ٣- التجارة ٣٠٧ أ- أهمية هذا المورد ومظاهر ذلك ٣١٤ ب- طرق التجارة البرية ٣٢٤ ج- النشاط التجاري البحري ٣٣٣ ٤- التعدين والصناعة الباب التاسع: الأوضاع الداخلية ٣٤١ - ٣٩٩ ١- الوضع السياسي ٣٤٢ أ- التكوينات السياسية ٣٤٢ ب- نظام الحكم ٣٥٨ ٢- الوضع الاجتماعي ٣٦٧ أ- عوامل التماسك ٣٦٧ ب- عوامل الانقسام ٣٧٣ ٣- الوضع الديني ٣٧٨ أ- تطور العقائد الدينية وانتشارها ٣٧٩ ب- الظروف المحيطة بالحياة الدينية ٣٩٢

стр. 9

الباب العاشر: العلاقات الخارجية ٤٠٠ - ٤٤٠ ١- المرحلة الأولى: ظهور الهوية العربية ٤٠٠ أ- بدايات غير محددة ٤٠٠ ب- العلاقات مع العبرانيين ٤٠٤ ج- العلاقات مع القوى الشرقية ٤٠٨ ٢- المرحلة الثانية: العلاقات مع القوات الغربية ٤٢٠ أ- الإسكندر الأكبر والدول المتأغرقة ٤٢٠ ب- العلاقات مع الإمبراطورية الرومانية ٤٢٤ ٣- المرحلة الثالثة: العرب بين قوى الشرق والغرب ٤٣٥ أ- الإمارات العربية الحدّية ٤٣٥ ب- الدين والسياسة في الصراع الدولي ٤٣٨

стр. 10

القسم الأول: المنطقة والشعب والأرض الباب الأول: منطقة نشوء الحضارات وشبه جزيرة العرب إبعاد منطقة نشوء الحضارات تحديد المنطقة ... الباب الأول: منطقة نشوء الحضارات وشبه جزيرة العرب ١- أبعاد منطقة نشوء الحضارات: أ- تحديد المنطقة: الحديث عن الحضارات القديمة لا يزال يشكل مجالًا خصبًا لكثير من المناقشات وكثير من التكهنات، سواء من حيث المناطق التي ظهرت فيها هذه الحضارات, أو من حيث توقيت ظهورها ومن ثَمَّ السبق الزمني لكل منها، فالكتابات التاريخية القديمة التي حاول أصحابها أن يقوموا بالتعريف بهذه الحضارات بشكل جدي لم تظهر إلا في فترة متأخرة من العصور القديمة، ومن ثم فإن القدر الأكبر من تاريخ هذه الحضارات لم يعاصره المؤرخون القدماء، وكانت سبيلهم الوحيدة إلى التعرف إليه هي ما استطاعوا أن يحصلوا عليه من أخبار المجتمعات القديمة عن طريق الرواية أو عن طريق المعلومات المتناثرة التي كانت تتأرجح بشكل غير محدد بين الحقيقة والمبالغة والأسطورة. كذلك لم تكن كتابة التاريخ تمارس آنذاك على أساس علمي كما هو الحال في الوقت الحاضر، ومن ثم فإن المؤرخ القديم لم يكن في مقدوره دائمًا أن يقوم بتحقيق المعلومات التي يجمعها، بل إنه في أغلب الأحوال لم يكن يرى من الضروري أساسًا أن يقوم بمثل هذا التحقيق ليميز بين ما هو حقيقي وما هو

стр. 11

غير حقيقي. هذا إلى أن هؤلاء المؤرخين القدماء لم يتناولوا في كتاباتهم إلا أماكن أو مناطق محدودة، هي التي أثارت انتباههم لسبب أو لآخر، أو هي التي استطاعوا أن يصلوا إليها أو يسمعوا عنها؛ ومن هنا فإن هذه الكتابات، حتى إذا تغاضينا عما جاء فيها من عيوب في جمع المعلومات أو تدوينها، لا يمكن أن ننظر إليها على أنها حصر لكافة الحضارات التي ظهرت في العصور القديمة أو لترتيبها الزمني. فإذا انتقلنا إلى علم الآثار الذي يعني بالتنقيب عن المخلفات القديمة وكشفها وتفسير مدلولاتها، نجد أن هذا العلم لم يبدأ إلا منذ فترة وجيزة نسبيًّا لا تزيد في عمومها على قرن ونصف القرن. وفي هذا المجال فإننا إذا تغاضينا عن مجهودات الهواة أو المجهودات الاستطلاعية الفردية أو شبه الفردية، فإننا نجد أن التنقيبات الأثرية التي قامت على أساس منظم ومنتظم تدعمه الإمكانات العلمية والمادية لم يبدأ في مصر، على سبيل المثال، إلا في أواسط القرن الماضي, ولم يبدأ في العراق إلا في أواخره، ولم يبدأ في شبه الجزيرة العربية إلا في أواسط القرن الحالي، وهكذا نجد أنفسنا -مرة أخرى- بعيدين عن ادعاء المعرفة اليقينية بكل الحضارات السالفة أو بالتوقيت الدقيق لظهور ما نعرفه من بينها. وما أكثر ما يؤدي كشف أثري في منطقة أو في أخرى إلى تعديل في تواريخ ظهور الحضارات القديمة قد يصل إلى عدة قرون، أو إلى تسبيق ظهور حضارة على حضارة يؤدي إلى تعديل جذري في ترتيب كان معترفًا به، بكل ما يستتبعه هذا من تغيير في الأبعاد الحضارية من حيث التأثر والتأثير والتأصيل والتفصيل في الجوانب المتعددة التي تتشكل من مجموعها ومن تداخلاتها وتفاعلاتها هذه الحضارات. ومن هنا فمن المرجح، أو على الأقل من المحتمل، أن هناك حضارات أخرى وجدت في فترة أو أخرى من العصور القديمة، غير تلك الحضارات التي وصل إلينا العلم بها، ولكنها لم تكشف إلا في حدود ضيقة أو لم تكشف

стр. 12

إطلاقًا حتى الآن, وربما كانت هذه الحضارات التي نجهلها أو نجهل أغلب مراحل تطورها، محلية في طبيعتها, وربما أثرت في الحضارات التي نعرف عنها ما يمكننا من تتبع تطورها وتسجيل صورة عامة أو متكاملة لها. ومن بين المناطق التي تدخل ضمن هذا الإطار، على سبيل المثال، المنطقة الممتدة في أواسط القارة الآسيوية التي شهدت منذ فترة موغلة في القدم قبل بداية التاريخ المعروف حتى الآن إنجازات حضارية في مجال زراعة الحبوب وتدجين الحيوانات واستخدام المعادن وزخرفة الأواني الفخارية، وهي منطقة آناو ANaU في جنوبي تركستان, التي كشف العالم الأثري بمبللي PUMPeLLI في ١٩٠٧ عن مخلفات أثرية تثبت وجود هذه الإنجازات بها منذ بدايات الألف الخامسة ق. م. على أقل تقدير. وهي إنجازات تشير إلى أن بدايات التطور الحضاري الذي وصل بها إلى هذه المرحلة الحضارية يرجع إلى تاريخ أقدم من هذا بكثير١, ولكن هذه المنطقة شهدت تغيرًا مناخيًّا بدأ فيه الجفاف يزحف عليها بعد أن كانت منطقة أمطار غزيرة تكفي للزراعة والرعي والاستقرار، وعلى أثر هذا الجفاف بدأت الهجرة منها إلى كل الجهات تقريبا، ومن ثم بدأ اختفاء المظاهر الحضارية فيها. ومن بين ما يذكر ضمن هذا الإطار كذلك شذرات عن حضارة قارة أطلانطيس ATLaNTIS التي يتلمس الباحثون شيئًا عن وجودها في حقبة من حقب الماضي السحيق قبل أن تهبط، في حدود الافتراض العلمي السائد الآن، لتستقر في قاع المحيط الأطلسي من شمالي هذا المحيط إلى جنوبيه٢، نتيجة لتحركات جيولوجية، وغير هذه الأحاديث أحاديث

стр. 13

أخرى يرد بعضها, نتيجة لروايات متواترة أو لبقايا أثرية لا تزال قائمة, عن دول وحضارات قديمة سادت في مجموعة جزر بولينيزية بالمحيط الهادي، ثم بادت في وقت من الأوقات٣. وفي ضوء هذه الاعتبارات السابقة فإن أي تحديد للمنطقة التي نشأت فيها أولى الحضارات القديمة لا يمكن، بالضرورة إلا أن يكون تحديدا نسبيا. ومن منطلق هذا التحديد النسبي لنا أن نفترض أن منطقة نشوء الحضارات هي تلك المنطقة التي ظهرت فيها حتى الآن أقدم الحضارات التي عرفنا عنها شيئا متكاملا أو قريبا من التكامل من جهة، والتي كان لها، من جهة أخرى, حتى بعد أن اضمحلت وسقطت، تأثير مستمر على الحضارات التالية لها لتترك بذلك طابعها، بشكل مباشر أو غير مباشر، على المسيرة الحضارية التي تعيش الآن أحدث مراحلها. وفي حدود هذا الإطار فإن مجموعة الحضارات القديمة المتكاملة والمؤثرة بالشكل الذي ذكرته تقع ضمن منطقة حدودها الجغرافية هي خطوط الطول من ١٠ إلى ٧٠ شرقًا، وخطوط العرض من ١٠ إلى ٤٥ شمالًا، وتشمل من

стр. 14

الشرق إلى الغرب "بغض النظر عن الترتيب الزمني لظهور هذه الحضارات": إيران ووادي الرافدين وآسيا الصغرى وسورية "بالمعنى الجغرافي الذي يشمل المنطقة الممتدة من حدود آسيا الصغرى شمالًا إلى حدود مصر عند الحد الشرقي لشبه جزيرة سيناء جنوبا" وبعض مناطق شبه جزيرة العرب -هذا في القارة الآسيوية، ثم مصر في آسيا وإفريقيا، ثم قرطاجة في إفريقيا، ثم بلاد اليونان وشبه جزيرة إيطالية وسواحل شبه جزيرة أيبريه "أسبانية والبرتغال في الوقت الحالي" في القارة الأوروبية، ثم عددًا من الجزر الواقعة في البحر المتوسط أهمها جزيرة كريت٤.

стр. 15

ب- المنجزات الحضارية الأولى وهذه المنطقة: في هذه المنطقة -والحديث هنا هو عن العصور القديمة- ظهرت المنجزات الحضارية الأولى للإنسان, ففي مجال تنظيم المجتمع ظهرت أول مجموعة قانونية متكاملة تنظيم القيم الجماعية والعرف والتقاليد والسوابق وتغطي ثغراتها، في وادي الرافدين على زمن حمورابي "ثم بشكل متطور في فترة متأخرة عند الرومان". وفي مجال العقائد الدينية ظهرت فكرة التوحيد لأول مرة على يد إخناتون في مصر. كذلك ظهرت أولى الرسالات السماوية في سورية "ليعقبها ظهور الرسالتين السماويتين الأخريين مرة في سورية ومرة في شبه الجزيرة العربية". وفي مجال العلوم شهدت المنطقة أولى المحاولات لتحويل المعرفة القائمة على التجربة أو الخبرة إلى نسق علمي في ميادين الفلك والرياضة، لتتطور بعد ذلك إلى نظريات علمية متكاملة عند اليونان، وفي مجال الهندسة المعمارية ظهرت أولى السدود المستخدمة في التحكم في المياه وتخزينها في وادي الرافدين واليمن، كما ظهرت أولى معجزات البناء الذي ترتكز فيه عشرات الآلاف من أطنان الحجر على سقف غرفة صغيرة في أهرام مصر. والشيء

стр. 16

ذاته ينطبق على تحويل الصور المستخدمة للتعبير كتابيا عن الأسماء والأشياء إلى قيم صوتية، ومن ثم إلى أول حروف هجائية يعرفها العالم -توصل إليها المصريون في البداية وإن كانوا لم يضمنوها حروف الحركة "حروف العلة" كما استبقوا في آخر كل كلمة مكتوبة بالحروف الهجائية علامة تخصيص أو تمييز بالطريقة التصويرية القديمة، ثم نقلها الفينيقيون بوضعها الذي لا تظهر فيه حروف الحركة ولكنهم طوروها بتنقيتها من علاقات التخصيص التصويرية فأصبحت حروفا هجائية صرفة، ثم نقلوها إلى اليونان الذين استكملوها بزيادة حروف الحركة إليها. وأخيرا، وليس آخرا، فقد كانت منطقة نشوء الحضارات التي نتحدث عنها هي المنطقة التي عرفت تطور النظم والنظريات السياسية في شكلها الناضج من بداياتها الفردية التي تقوم على المساندة الإلهية أو الحق الإلهي للحاكم حتى وصلت عند اليونان إلى أوسع مراحل هذه النظم والنظريات شعبية، وهي مرحلة الديمقراطية٥.

стр. 17

ولم تكن هذه المنجزات مجرد نشاط حضاري ظهر وانقرض في الحدود المحلية للمنطقة. وإنما كانت منجزات أثرت في غيرها من المناطق واستمر تأثيرها كأساس للتطور الحضاري فيما بعد، فعن منطقة الشرق الأدنى أخذ اليونان دروسهم الأولى وطوروها، ثم أعادوها للشرق الأدنى في أعقاب فتوح الإسكندر كما صدروها للرومان، وعممها هؤلاء في الإمبراطورية الرومانية التي شملت كل حوض البحر المتوسط وجزءًا من منطقة الشرق الأدنى، وعن هذا التراث كله أخذ العرب بعد ظهور الدعوة الإسلامية والفتوح العربية التي أعقبتها وطورها وأضافوا إليها. وعنهم وعما تبقى من التراث اليوناني الروماني أخذت أوروبا في عصر النهضة أو عصر الإحياء "القرن السادس عشر الميلادي"، وفي بدايات العصر الحديث، لتطورها بدورها وتنشرها في العالم الحديث بما فيه الوطن العربي، ليسترد بذلك جزءًا من تراثه القديم في صورته المتطورة الحديثة.

стр. 18

ج- المقارنة الحضارية بين هذه المنطقة والمناطق الأخرى: هذه المنطقة التي اصطلحنا على تسميتها منطقة نشوء الحضارات، مرة أخرى في حدود ما تم اكتشافه حتى الآن من الحضارات القديمة، كانت، كما رأينا، منطقة الحضارات القديمة المؤثرة التي أسهمت في التطور الحضاري المستمر، ونحن نستطيع أن ندرك هذا بشكل واضح إذا ألقينا نظرة مقارنة

стр. 19

سريعة على بقية المناطق الموجودة في العالم القديم. ففي المنطقة الواقعة إلى شمالي هذه المنطقة، نجد بقية القارة الأوروبية والجزر البريطانية، وهي منطقة لم تدخل على مسرح التاريخ الحضاري إلا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية ابتداء من القرن الخامس الميلادي. وحتى بعد ذلك فقد ظلت حتى عصر النهضة في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في شبه انغلاق مظلم على نفسها، بينما ظلت الجزر البريطانية في انعزالها الحضاري حتى أوائل العصر الحديث. والسبب في ذلك هو سلسلة الحواجز الجبلية التي تمتد إلى جنوبي هذه المنطقة وتكاد تفصل بينها وبين حوض البحر المتوسط في حاجز يكاد يكون مستمرًا من غربي أوروبا إلى شرقيها والتي تشكل سياجًا طبيعيًّا مانعًا أو شبه مانع، إذا استثنينا بعض الفجوات أو الممرات التي لا تسمح بأكثر من تسرب حضاري ضئيل وبطيء، ومن ثم غير مؤثر في الأحوال العادية. وإذا كان الرومان قد انطلقوا من خلاله في أواخر العصور القديمة إلى غاله "فرنسا الحالية" وإلى بريطانية، فإن انطلاقهم كان في حالة "غاله" لا يشكل إلا حركة تأمين لحدود الإمبراطورية الرومانية ضد القبائل الكلتية المتبربرة الموجودة في هذه المنطقة، ولا يشكل في حالة بريطانية أكثر من فضول استعماري -وفي كلتا الحالين لم يترك أكثر من بعض الآثار اللغوية في المنطقتين. وباستثناء ذلك فقد بقيت المنطقة الأوروبية الواقعة إلى شمالي منطقة نشوء الحضارات طوال العصر القديم مغلقة على نفسها، ومن ثم منعدمة التأثير من الناحية الحضارية. والشيء ذاته نجده في المنطقة الواقعة إلى جنوبي منطقة نشوء الحضارات والتي يسكنها العنصر الأسود أو الزنجي إلى الجنوب من الصحراء الكبرى التي تمتد عبر القارة الإفريقية من غربها إلى شرقيها. إذ لم تكن هناك طريق لاتصال هذا العنصر بمنطقة نشوء الحضارات إلا نهر النيل والوادي الضيق الذي يحدُّه من الشرق والغرب. ولكن هذه الطريق لم تكن تساعد على أكثر من التسرب البسيط المتقطع لسببين: أولهما أن النيل، كوسيلة للمواصلات، تعترضه

стр. 20

من شمالي السودان وحتى الطرف الجنوبي لمصر مجموعة من الجنادل والشلالات التي تقف حاجزًا في سبيل الملاحة النهرية، والثاني هو انحسار الوادي في أقصى جنوب مصر بحيث تكاد الصحراء تلتصق بمجرى النهر مما يحول دون أي نزوح أو اتصال بشري وحضاري على نطاق واسع. وهكذا فإن هذا الجنوب الزنجي، إذا كانت له منجزات حضارية قديمة، فإنها بقيت مغلقة في أرجائه دون أن تجد سبيلها للانتشار وللتأثير في استمرار التطور الحضاري٦. ونأتي أخيرًا إلى المنطقة المترامية الواقعة إلى الشرق من منطقة نشوء الحضارات والتي يقطن أغلبها الجنس الأصفر أو العنصر المغولي. إن هذه المنطقة لم تظهر فيها الحضارة إلا في وقت متأخر كانت فيه حضارات الشرق الأدنى "وهو جزء من منطقة نشوء الحضارات" قد وصلت إلى درجة كبيرة من التقدم، ففي الصين مثلا، التي كان يعتقد خطأ أنها ذات حضارة بالغة في القدم، نجد أن أول قطعة معدنية تشير إلى استخدام الصينيين للمعادن ترجع إلى القرن الثاني عشر "١٢٠٠" ق. م. أي بعد استخدام المعادن في مصر بنحو ثلاثة آلاف سنة على الأقل، وبعد استخدامها في غربي آسيا بأكثر من ذلك. أما عن الكتابة، فإن أقدم وثيقة مكتوبة باللغة الصينية عثر عليها حتى الآن ترجع إلى القرن الحادي عشر ق. م. أو إلى القرن الذي يسبقه على أكثر تقدير، أي بعد ١٠٠٠ سنة من ظهور الكتابة في منطقة الشرق الأدنى. وفوق هذا فإن قبائل الجنس الأصفر، التي حملتها هجراتها في اتجاهات متعددة بسبب الجفاف والقحط الذي كان دائم الزحف على امتدادات وسط آسيا، حين وصلت عن طريق هذه الهجرات إلى منطقة نشوء الحضارات، كانت الإنجازات الحضارية قد وصلت في هذه المنطقة إلى ذروة نضجها٧.

стр. 21

أسباب نشأة الحضارات الاولى في هذه المنطقة مدخل ... ٢- أسباب نشأة الحضارات الأولى في هذه المنطقة: المنطقة التي نحن بصدد الحديث عنها، إذن، والتي أطلقنا عليها اصطلاحًا اسم منطقة نشوء الحضارات كانت، كما رأينا، أسبق من غيرها في ظهور الإنجازات الحضارية الأولى -مرة أخرى في حدود ما نعرفه من الحضارات القديمة حتى الآن. ولكن ما هي الظروف التي اختصت هذه المنطقة دون غيرها بالسبق الحضاري؟ هل هي الصدفة التاريخية؟ إن الصدفة التاريخية قد تلعب في أحيان غير قليلة دورًا كبيرًا في تحويل مسار الحضارة البشرية، وهو أمر من الطبيعي أن يسوقنا إلى التساؤل عما إذا كانت كذلك قد لعبت دورا في ظهور الحضارة البشرية. ولكن مع ذلك فالحديث عن عامل الصدفة حديث لا يمكن ضبطه أو تقنينه؛ ومن ثم، فرغم كونه واردًا من حيث الاحتمال، إلا أن الخوض فيه يصبح من قبيل الحديث عن الغيبيات التي يمكن أن تؤدي بنا إلى آفاق مجهولة. كذلك هل نستطيع أن نعزو السبق الحضاري لمنطقة نشوء الحضارات إلى أسباب تتعلق بالتفوق العنصري للسكان الذين قطنوا هذه المنطقة منذ أقدم العصور البشرية؟ إن أحدث البحوث الأنثروبولوجية "المتعلقة بعلم الإنسان" قد أثبتت أن التفوق العنصري، فضلًا عن النقاء العنصري أصلا، خرافةً لا تقوم على أسس علمية٨. هذا، فضلا عن أن استقراء الواقع التاريخي منذ أقدم العصور حتى الوقت الحاضر، يثبت بشكل قاطع أن الإنجاز الحضاري لم يكن حكرا على عنصر بشري دون غيره من العناصر؛ ومن ثم يصبح الخوض في الحديث عن التفوق العنصري، هو الآخر، أمرًا لا يرتكز على أسس علمية يمكن أن نثق بنتائجها. هل هناك أسباب أخرى لهذا السبق الحضاري الذي تميزت به المنطقة؟

стр. 22

ربما كانت هناك أسباب متعددة، ولكن يوجد على الأقل سبب واحد لا يمكن أن نتجاهل أثره على المجموعات البشرية. وهذا السبب يكمن في ظروف البيئة الجغرافية في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها. وظروف البيئة أمر أثبت البحث العلمي أثره الفعال على المجموعات البشرية في كل العصور, وبخاصة في العصور القديمة التي لم يكن فيها الإنسان قد سيطر بعد على الطبيعة بالشكل الذي عرفه في العصور التالية والذي نعرفه الآن، ومن ثم كان أكثر تأثرًا وانطباعًا بهذه الظروف, فإما أن تكون ظروف البيئة مواتية للنشاط البشري فيكون هناك انطلاق وإنجاز. وإما ألا تكون مواتية فيكون هناك تقييد وجمود، وقد كان هناك أكثر من ظرف جغرافي ترك أثره بشكل واضح على منطقة نشوء الحضارات.

стр. 23

أ- ظرف المناخ: وقد كان المناخ أحد الظروف الجغرافية الرئيسية التي أثرت على المنطقة, وكان المناخ الذي سادها مواتيا للنشاط البشري بشكل ملحوظ. ونحن نستطيع أن ندرك ذلك بصورة واضحة إذا عرفنا أن الخطوات الأولى التي خطاها الإنسان على طريق الحضارة في العصر الحجري القديم. وهو أول العصور الحضارية للمجموعات البشرية، قد عاصرت الدهر البليستوسيتي، وهو أحدث الدهور الجيولوجية في تاريخ الأرض، وكان ابتداؤه منذ نحو نصف مليون سنة ونهايته في أوائل الألف العاشرة ق. م. تقريبا. لقد شهدت الأرض في هذا الدهر أربع فترات طويلة من الزحف الجليدي على المناطق الشمالية من الكرة الأرضية امتدت كل منها عبر عشرات الآلاف من السنين، كانت تناظرها في المناطق الاستوائية أربع فترات من الأمطار السيلية الغزيرة, وهذه ظروف تجعل الهم الأول والأخير للإنسان أن يتفادى قسوتها, ومن ثم لا يمكن أن تكون مواتية لأي نشاط بشري إيجابي سواء في المنطقة الشمالية أو في المنطقة الاستوائية.

стр. 24

ولكن على عكس ذلك كانت الظروف الجغرافية في منطقة نشوء الحضارات. لقد كانت هذه المنطقة تقع في مكان وسط بين الظروف الجغرافية القاسية, سواء بسبب الزحف الجليدي في المنطقة الشمالية، أو بسبب الهطول المستمر للأمطار السيلية الغزيرة في المنطقة الاستوائية. وهكذا تمتعت بمناخ معتدل نسبيا لا يعوق النشاط الإيجابي للمجموعات البشرية التي تقطنها، ومن ثم كان تحرك هذه المجموعات لا ينصرف كله إلى مجرد الاحتماء من الظروف الجغرافية القاسية، وإنما أصبح المجال مفتوحا لما يمكن أن نسميه الحوار بين هذه المجموعات البشرية وظروف البيئة التي تحيط بها، تتغلب على صعوباتها تارة وتنتفع بميزاتها تارة أخرى؛ ومن ثَمَّ كانت الإنجازات الحضارية الأولى.

стр. 25

ب- ظرف المواصلات السهلة: على أن المناخ الملائم للنشاط الإنساني لم يكن هو الظرف الجغرافي الوحيد الذي يسر لسكان المنطقة سبل التحرك الحضاري المبكر، وإنما كانت هناك ظروف أخرى، من بينها: سهولة المواصلات بين أرجاء المنطقة. وسهولة طرق المواصلات معناها تيسير الالتقاء والتعامل بين المجموعات السكانية في أرجاء المنطقة المختلفة، ومن ثم الانتفاع المتبادل بتجارب كل مجموعة، الأمر الذي يؤدي إلى تطوير الإنجازات البشرية على طريق التقدم. ونحن إذا نظرنا إلى خريطة المنطقة التي أسميناها منطقة نشوء الحضارات, نجد طرق الاتصال بين أقسامها المختلفة ميسرة إلى حد كبير، سواء في ذلك طرق الاتصال البري أو طرق الاتصال عن طريق البحر. فمن إيران في الطرف الشرقي للمنطقة نجد طريقين بريتين توصلان إلى منطقة وادي الرافدين، إحداهما في محاذاة الساحل الجنوبي، والثانية عبر الممرات الموجودة في جبال زاجروس، ومن وادي الرافدين نجد طريقين بريتين توصلان إلى

стр. 26

آسيا الصغرى وإلى المنطقة السورية, ومن المنطقة السورية تمتد طريق برية ساحلية إلى مصر. بينما تخترق شبه الجزيرة العربية عدة طرق، إحداها من اليمن إلى سورية عن طريق مكة، وأخرى من اليمن إلى وادي الرافدين عن طريق نجد والمنطقة الشمالية الشرقية لشبه الجزيرة, وثالثة بين اليمن والمنطقة الشرقية وهكذا. وقد ظهرت آثار هذا الاتصال السهل بشكل واضح في العصور التاريخية في هذه المنطقة سواء من حيث التأثيرات الفنية والأدبية والفكرية والدينية بين أنحاء المنطقة أو من حيث النزاعات العسكرية والعلاقات والاحتكاكات السياسية، ولكن ما يهمنا الآن فيما يخص الخطوات الحضارية الأولى لسكان هذه المنطقة، هو أن التجارب والإنجازات الأولى سواء من ناحية استخدام المعادن وأنواع الأحجار التي قد تتوفر في قسم المنطقة دون قسم آخر أو تنظيم المجموعات البشرية الأولى على هيئة مجتمعات قروية أو طرز الأدوات التي كانوا يستخدمونها أو الأساطير التي كانت تمثل محاولة تغلب الإنسان البدائي على أسرار الكون المحيطة به -كل هذه التجارب كان تبادلها، تأثرا وتأثيرا, أمرًا واضحًا في علاقات المجتمعات التي قامت في المنطقة؛ نتيجة لسهولة هذه المواصلات البرية بين أرجائها. وكما أسلفت، لم تكن هذه المواصلات البرية هي التي تفردت بهذه السهولة، وإنما كانت البحار كذلك عاملًا أسهم إلى حد كبير في هذه السهولة. فالبحر المتوسط، في حقيقة أمره يشكل استمرارًا نحو الغرب لهذه المواصلات السهلة. والبحر المتوسط له ميزات تجعله من أنسب طرق الاتصال المائية التي تشجع الإنسان الأول وتساعده على الحركة والانتقال. وأول هذه الميزات أنه بحر هادئ إلى حد كبير، بل هو في الواقع يكاد يكون بحيرة مغلقة إذا استثنينا المضيق الموجود عند طرفه الغربي والذي أصبح يعرف منذ الفتح العربي باسم مضيق جبل طارق, ومضايق البسفور والدردنيل الواقعة عند طرفه الشرقي، وحتى هذه توصِّل إق بحر مغلق هو البحر الأسود, ومثل هذا الهدوء يعتبر

стр. 27

أكبر عون للإنسان الأول في انتقالاته المائية. كذلك فإن عاملا آخر ييسر إلى حد كبير اتصال المجموعات البشرية الأولى، وهو تقارب شواطئه المطلة على القارات الثلاثة: آسيا وإفريقيا وأوروبا لدرجة تكاد تصل إلى التلاصق في بعض الأحيان، فنحن نجد مثلا هذا التقارب الشديد بين الشاطئ الآسيوي والأوروبي عبر مداخل البحر الأسود، ونلحظه مرة أخرى بين الطرف الجنوبي الغربي لشبه جزيرة إيطالية والطرف الشمالي الشرقي لقرطاجة "تونس الحالية" عبر جزيرة صقلية, في المنطقة الوسطى للبحر المتوسط، ثم نشاهده مرة ثالثة في أقصى الغرب بين الطرف الجنوبي لشبه جزيرة إيبرية الأوروبية وبين الطرف الشمالي الغربي للقارة الإفريقية، وليس هذا كل شيء فبين شبه جزيرة آسيا الصغرى وبين الشواطئ الأوروبية في شبه جزيرة البلقان عدد من الجزر الصغيرة والكبيرة يبلغ عدة مئات تكاد تشكل جسرا متصلا بين القسم الآسيوي والقسم الأوروبي من منطقة نشوء الحضارات، وهوجسر كان له أكبر الأثر في تيسير التحركات البشرية في العصور الأولى للنشاط الحضاري الإنساني. هذا إلى وجود عدد من الجزر الكبيرة التي تمتد من شرقي البحر المتوسط إلى غربيه لتشكل ما يمكن أن نعتبره محطات تساعد الملاح الأول على الانتقال في هذا البحر. من بينها، ابتداء من الشرق إلى الغرب، جزيرة قبرص وجزيرة كريت وجزيرة صقلية وجزيرتا قورصقة وسردينية.

стр. 28

ج- الحدود شبه المانعة للمنطقة: وإذا كانت طرق المواصلات السهلة في منطقة نشوء الحضارات قد ساعدت على تيسير الاتصال ومن ثم التعامل والانتفاع المتبادل بتجارب المجموعات البشرية التي تقطنها، فإن ظرفًا جغرافيًّا آخر قد ساعد على تكثيف هذا الاتصال عن طريق حصره إلى حد كبير في المنطقة. هذا الظرف يتعلق بالحدود شبه المانعة لهذه المنطقة بالشكل الذي يوجه اتصال سكان المنطقة إلى داخلها وليس

стр. 29

إلى خارجها بشكل يكاد يكون تامًّا في العصور القديمة, إذا استثنينا بعض اتصالات بسيطة ومتباعدة وغير منتظمة. ونحن نستطيع أن نلمس ذلك إذا تتبعنا حدود المنطقة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. فعند الطرف الشرقي للهضبة الإيرانية تمتد الجبال المحاذية للشواطئ الغربية لنهر السند من الجنوب لكي تلتحم في أقصى الشمال بجبال الهملايا، وتشكل بذلك، هي والكثافة السكانية الكبيرة إلى شرقيها في الهند، حاجزًا يتوقف عنده التوجيه الحضاري والتاريخي لهضبة إيران. وعلى طول الحدود الشمالية لهذه الهضبة نجد امتدادات آسيا الوسطى بسهولة ومناطقها المقفرة، فإذا اتجهنا غربا نجد مرتفعات أرمينية ثم جبال يونتوس في شمالي شبه جزيرة آسيا الصغرى، حتى إذا تخطينا مداخل البحر الأسود إلى القارة الأوروبية وجدنا سلاسل جبال الكريات والألب الدينارية التي تحد شبه جزيرة البلقان من الشمال، ثم جبال الألب التي تقع إلى شمالي شبه الجزيرة الإيطالية وإلى جنوبي فرنسا، ثم سلسلة جبال البرانس التي تحد شبه جزيرة إيبرية "إسبانية والبرتغال الحاليين" في أقصى الغرب. فإذا انتقلنا إلى جنوبي البحر المتوسط ونظرنا إلى السهل الساحلي الذي يمتد بطول هذا البحر وجدنا جبال أطلس ثم النطاق الصحراوي الذي تشكله الصحراء الإفريقية الكبرى من غربي القارة حتى تعبر وادي النيل في مصر وتستكمل امتدادها شرقا تحت اسم صحراء العرب التي تنتهي عند سلسلة الجبال المحاذية للساحل الغربي للبحر الأحمر. أما وادي النيل الذي يخترق هذه الصحراء من الشمال إلى الجنوب فنجد أنه حين يصل إلى حدود مصر الجنوبية يعترضه حاجزان رئيسيان سبق أن أسلفت الإشارة إليهما وهما: الجنادل والشلالات التي تعترض مجرى النيل، ومن ثم تعترض الملاحة النهرية فيه، ثم انحسار الوادي على جانبي النهر مما لا يسهل أية اتصالات سكانية وحضارية واسعة النطاق مع المنطقة التي تلي ذلك جنوبا. فإذا عبرنا البحر الأحمر إلى شبه الجزيرة العربية وانحدرنا جنوبا إلى الساحل

стр. 30

الجنوبي لها, وجدنا المحيط الهندي، تلك المساحة المائية التي لا تليها أرض إلى الجنوب٩ وحقيقة: إن هذا المحيط قد أصبح في فترة متأخرة نسبيًّا طريق مواصلات سهلة تصل بين منطقة نشوء الحضارات وغيرها، ولكن هذا حدث بعد أن كانت المنطقة قد استقرت على شكلها الحضاري بعد فترة التكوين الحضارية الأولى. في داخل هذه المنطقة بحدودها الجغرافية التي تكاد تعزلها عن المناطق الأخرى المحيطة بها، تركزت التحركات الحضارية الأولى، ومن ثم تطورت وتعمقت التجربة الحضارية بدلًا من أن تتبعثر وتتسطح أو ربما تندثر. وقد ظل هذا الطابع ملازمًا للمنطقة حتى بعد أن تخطت مرحلة الظهور الحضاري إلى المرحلة التاريخية. وهكذا وجدنا التحركات الحضارية، سواء اتخذت شكلا سلميا أو سارت في طريق العنف، تتم داخل المنطقة وفي حدودها. فالهجرات البشرية التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية استقرت على الساحل السوري وفي وادي الرافدين، والهجرات الفينيقية استقرت في قرطاجة والمناطق المحيطة بها على الساحل الإفريقي, وامتدت إلى شواطئ شبه جزيرة إيبرية في "أوروبا" والهجرات اليونانية استقرت في جزر البحر المتوسط وعلى كافة شواطئه، والإمبراطوريات المصرية والآشورية والفارسية, وإمبراطورية الإسكندر الأكبر والإمبراطورية الرومانية، كلها تمت داخل حدود المنطقة باستثناءات لا تكاد تذكر "كان هدفها الأساسي تأمين الحدود". والتراث الفكري والعلمي والأدبي والديني دار داخل المنطقة، منها وإليها, طوال العصور القديمة. وهكذا ينضم هذا الظرف الجغرافي المتصل بحدود المنطقة إلى الظرفين الآخرين المتعلقين بالمناخ وسهولة طرق المواصلات البرية والبحرية ليجعل من

стр. 31

هذه المنطقة أنسب المناطق لنشوء الحضارات: مناخ معتدل أو شبه معتدل يساعد على النشاط الحضاري في وقت لم يكن الإنسان فيه قد تمكن بعد من تذليل مصاعب البيئة وعقباتها، وطرق اتصال سهلة تمكن المجموعات البشرية في داخل المنطقة من تبادل تجاربها الحضارية؛ ومن ثم تطويرها وتنميتها، وحدود شبه مانعة تؤدي إلى تركيز تلك التجارب وتعميقها بدلًا من بعثرتها وتسطيحها.

стр. 32

شبه جزيرة العرب ضمن منطقة نشوء الحضارات حول الدور الحضاري لشبه جزيرة العرب ... ٣- شبه جزيرة العرب ضمن منطقة نشوء الحضارات: أ- حول الدور الحضاري لشبه جزيرة العرب: وفي وسط منطقة نشوء الحضارات التي رأينا أنها تمتد من حدود الإمبراطورية الفارسية عند مشارف الهند شرقًا إلى حدود الإمبراطورية الرومانية عند شواطئ المحيط الأطلسي غربا, تقع شبه الجزيرة العربية في النصف الجنوبي من القسم الأوسط. وقد بدأ أقدم دور حضاري كبير في منطقة نشوء الحضارات فعلا في القسم الأوسط من المنطقة، ولكنه ابتدأ في النصف الشمالي منها، في مصر ووادي الرافدين وسورية، حيث أخذ هذا الدور يظهر بشكل واضح، بعد فترة تمهيدية طويلة، ابتداء من الألف الرابعة ق. م. أما النصف الجنوبي الذي تشغله شبه جزيرة العرب فقد تأخر دوره الحضاري عن ذلك كثيرا. وفي الواقع فإن أقدم أقسام شبه الجزيرة من حيث الظهور الحضاري الملموس في العصور التاريخية القديمة، وهو القسم الجنوبي الغربي، لا نعرف عنه في مجال الإنجاز الحضاري إلا في فترة تعود إلى القرن الثامن ق. م. أو إلى القرن السابق له على أكبر تقدير١٠. وحقيقة إن المخلفات الأثرية في هذه

стр. 33

المنطقة تشير إلى تقدم فن المعمار وإلى تنظيم واضح في مجال الأمور الداخلية للبلاد وإلى معرفة بالكتابة والخط المتطور كما تشير إلى نشاط خارجي تجاري وعسكري وسياسي, وكلها أمور تركت بعض التأثيرات الحضارية في الأماكن التي اتصلت بها هذه المنطقة أو امتد إليها نفوذها، إلا أن الأثر الحضاري الكبير، وهو ما يمكن أن نسميه بالدور الحضاري, لم يظهر سواء في القسم الجنوبي الغربي من شبه جزيرة العرب أو في بقية أنحاء شبه الجزيرة إلا بعد ذلك بما يقرب من خمسة عشر قرنا. لقد بدأ هذا الدور الحضاري المؤثر لشبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي على أثر ظهور الدعوة الإسلامية وانطلاق الفتوح العربية من شبه الجزيرة وعبر عن نفسه في ثلاثة تيارات متواكبة، تركت أثرها واضحًا على المسار التاريخي والحضاري آنذاك, ولا زال هذا الأثر مستمرا حتى الآن. وتمثل أحد هذه التيارات في نشر الدين الإسلامي وانتشاره بين مجموعات بشرية تمثل كل العناصر تقريبا وتنتشر في مناطق تمتد من المحيط الأطلسي غربا إلى جزر أندونيسية شرقا، وهو دين لا يقتصر على الجانب الروحي وإنما يشمل إلى جانبه طرقًا للتعامل تشكل أسلوبًا للحياة يمارسه في الوقت الحاضر أكثر من ٤٥٠ مليون شخص. والتيار الثاني كان حركة التعريب التي انتهت بأن أصبحت اللغة العربية هي لغة الحياة اليومية والرسمية في المناطق التي تمتد عبرها مناطق تضم ما يقرب من مائة مليون شخص. أما التيار الثالث فهو الحركة العلمية والثقافية النشطة التي قام بها العرب أو شجعوا عليها وهيئوا لها الأجواء

стр. 34

المناسبة١١. لقد استوعبت هذه الحركة الحضارات القديمة التي كانت موجودة بالمنطقة المحيطة بشبه الجزيرة في مصر وسورية ووادي الرافدين وبلاد فارس، كما استوعبت الملامح الرئيسية للحضارة اليونانية الرومانية وطورتها في فترة الركود العلمي والثقافي التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، وأسهمت بذلك في إيقاظ أوروبا في عصر النهضة أو عصر الإحياء الذي أسلمها إلى عصر الحضارة الحديثة، وبذلك تفادت المسيرة العلمية والثقافية خطر الانقطاع الذي كان يمكن أن يحدث، ومن ثم يؤثر على الاستمرار الحضاري، إذا أدخلنا في اعتبارنا أن عصر الظلام والركود الأوروبي في العصور الوسطى أعقبه مباشرة عصر ظلام وركود شرقي استمر عدة قرون على عهد الحكم العثماني.

стр. 35

ب- مقدمات هذا الدور قبل ظهور الإسلام: وهنا يجدر بنا أن نتوقف لحظة. فهذا الدور الحضاري الكبير الذي انطلقت بوادره ومقوماته الأولى من شبه الجزيرة العربية ابتدأ في العصر الإسلامي، ومن ثم فهو ليس دورًا قامت به شبه الجزيرة قبل ظهور الدعوة الإسلامية التي تشكل بداية هذا العصر. وهذا صحيح، ولكن أي دور حضاري لا يبدأ من فراغ، وإنما لا بد له من مقدمات تمهد له الطريق وتهيئ له أسباب النجاح. وقد كانت هذه المقدمات متوفرة في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام نتيجة لعدد من الأوضاع التي كانت تسود المنطقة والتي أدت إليها ظروف الرقعة المكانية التي تشغلها شبه الجزيرة, وهي ظروف تتمثل من جهة في الموقع الذي يتوسط خطوط المواصلات بين الشرق والغرب، والتي تتمثل من جهة أخرى في الموضع الذي تفرض طبيعته على سكان المنطقة الحركة

стр. 36

المستمرة رعيا أو تجارة، ثم تتمثل من جهة ثالثة في الطبيعة الصحراوية الغالبة على شبه الجزيرة والتي جعلتها أو جعلت القسم الأكبر منها بمنأى عن أية أطماع جادة من جانب القوى الدولية، ومن ثم أتاحت الفرصة لانتشار العقيدة الجديدة وقيام دولة موحدة في شبه الجزيرة، الأمر الذي يشكل مقدمة مطلوبة تاريخيًّا لبداية الدور الحضاري العربي. وفي هذا المجال فإن شبه الجزيرة العربية كانت تخترقها الخطوط التجارية البرية اتجاهًا نحو الخليج ووادي الرافدين والمنطقة السورية. ومعنى هذا أن الاتصال كان دائما بين السكان الذين يقطنون كل أقسام شبه الجزيرة تقريبا. فإذا أضفنا إلى هذا حياة الرعي التي كانت تفرض على أعداد كبيرة من السكان أن يتنقلوا بشكل دائم أو موسمي سعيًا وراء الكلأ, وعددًا من الهجرات الداخلية التي قد تترتب على هذا "أو على غيره من الأسباب" لأمكن أن نتصور أقسام شبه جزيرة العرب في حالة اتصال مستمر فيما بينها. وهو أمر يؤدي بمرور الوقت إلى قدر غير قليل من التقارب بل التجانس فيما بين سكان هذه الأقسام في أكثر من جانب من جوانب حياتهم. وقد أدى هذا التجانس فعلا إلى ظهور بوادر ملموسة للشخصية أو الهوية الجماعية للعرب رغم التفتت السياسي لشبه الجزيرة في صورة قبائل أو تجمعات قبائل أو إمارات أو دول. ونحن نلمس بوادر هذه الشخصية العربية ابتداء من أواسط القرن التاسع ق. م. في عدة نصوص من سجلات الملوك الآشوريين تصف عددًا من الشخصيات التي احتك بها ملوك دولة آشور بأنهم "عرب" أو أنهم ملوك أو ملكات على "بلاد العرب" -بغض النظر عن الامتداد المكاني أو الشمول الذي تعنيه "صفة بلاد العرب" في هذه السجلات- وهو وصف يشير إلى أن الهوية العربية بدأت تحل، على الأقل في المعاملات الخارجية, محل الهوية العشائرية أو القبلية. كذلك نجد هذه الصفة "العربية" سواء

стр. 37

بالنسبة للسكان أو بالنسبة للبلاد تظهر بشكل محدد ومتواتر في كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوتس herodotos في أواسط القرن الخامس ق. م. وتستمر من بعده سواء عند الكتاب اليونان أو الرومان أو البيزنطيين حتى ظهور الإسلام. كذلك يشير إلى هذا التقارب أو التجانس، ومن ثم إلى الهوية العربية التي مهدت لنجاح الدور العربي التاريخي بعد ظهور الإسلام، بعض ظواهر أخرى: من بينها عدد من المناسبات التي أخذ العرب يعتزون بها كمناسبات عربية بغض النظر عن المنطقة التي حدثت فيها. وأعني بهذه المناسبات ما اصطلح المؤرخون على تسميته بأيام العرب، مثل يوم "ذي قار" وهي الموقعة التي انتصر فيها عرب الحيرة على القوات الفارسية، أو يوم "الفيل" الذي سجل ارتداد أبرهة وجنوده عن هدم الكعبة قبيل ظهور الإسلام. ومن بين هذه الظواهر التي نلمس فيها الشخصية الجماعية العربية كذلك، الأماكن التي كان العرب يتجمعون فيها لإلقاء الشعر بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية، مثل "سوق عكاظ" "شمالي الطائف"، والاتفاق الجماعي على اعتبار المنطقة المحيطة بالكعبة مكانا مقدسا لا تنبغي ملاحقة من يلوذ به، وعلى اعتبار عدد من شهور السنة "أشهرا حرما" لا يجوز الاقتتال في أثنائها بين القبائل العربية حتى يتوفر الأمن الجماعي اللازم لممارسة العرب أسباب حياتهم في شيء من الطمأنينة والاستقرار. كذلك فإن هذا التجانس أو التقارب لا بد أنه ظهر في تقارب اللهجات في المنطقة المختلفة من شبه الجزيرة العربية، وهو تجانس يصل ما يقرب إلى التأكيد إذا تذكرنا أن القرآن نزل بلهجة قبيلة قريش، ومع ذلك فما لبث في خلال عقدين من الزمان أن انتشر بلهجته هذه في كل أرجاء شبه الجزيرة، وفي الواقع فإنه ليس لدينا ما يدعو لافتراض أن بقية قبائل شبه الجزيرة قد

стр. 38

اضطرت إلى تعلم لهجة قريش حتى تفهم آيات القرآن، وإنما تشير كل الملابسات إلى أن معرفتهم بهذه اللهجة كانت شيئا مفروغا منه, الأمر الذي يعزز افتراض التقارب الوثيق بين اللهجات العربية قبل ظهور الإسلام، أو وجود لهجة عامة يعرفها جميع العرب، بغض النظر عن لهجاتهم المحلية. وهكذا يتضح لنا أثر الظروف المكانية في التجانس الكبير بين عرب شبه الجزيرة لتصبح لديهم مقومات الهوية أو الشخصية الجماعية التي تساعد على سرعة انتشار أية حركة تتوفر لها البداية المقنعة لسبب أو لآخر، كما حدث في حال الدعوة الإسلامية. على أن هذا التجانس لم يكن كل ما أسهمت به الطبيعة المكانية لشبه الجزيرة العربية في سرعة انتشار الدعوة الإسلامة بها كبداية للدور الحضاري العربي خارجها, فقد ساعد هذا العامل المكاني في هذه السرعة بطريقة أخرى. لقد بدأ الرسول ﷺ دعوته في مكة. وحين ضيقت قريش الخناق على نشاطه وعلى أتباعه بما قد يؤدي إلى بطء انتشار الدعوة، هاجر هو وصحبه إلى يثرب -المدينة المنورة فيما بعد- وحقيقة إن الرسول كانت له صلة قربى في يثرب، ولكن الحقيقة الأخرى التي تواكبها هي أن يثرب كانت تقع على طريق القوافل التجارية إلى الأسواق السورية في الشمال, ومن يتحكم في موقعها يصبح في يده أن يخنق تجارة قريش إلى الشمال. وفي الواقع إن المتأمل للخط التجاري الذي يصل بين مكة والشمال لا يسعه إلا أن يلاحظ أن أهم غزوات الرسول، إلى جانب ملابساتها الأخرى بطبيعة الحال، كانت تقع على هذا الخط التجاري كما يبدو واضحا في غزوة بدر "جنوبي غربي المدينة في الطريق إلى مكة" ثم في غزوات أحد "على مشارف المدينة" وخيبر وتبوك اتجاهًا نحو الشمال على خط القوافل التجارية إلى سورية. وحين تمت غزوة الفتح وأذعنت مكة لإرادة الرسول ﷺ كان معنى هذا في الحقيقة الاستيلاء على الموقع الذي كانت تسيطر

стр. 39

عليه قبيلة قريش. وهو الموقع الذي كان يتحكم في خطوط القوافل شمالًا إلى سورية وجنوبًا إلى اليمن واتجاهًا نحو الشمال الشرقي إلى وادي الرافدين, الأمر الذي مكن الرسول ﷺ وأتباعه من التصدي لكل من يتعرض للدعوة الإسلامية التي كانت بداية للدور الحضاري التاريخي الذي انطلق من شبه جزيرة العرب.

стр. 40

الباب الثاني: الساميون وشبه الجزيرة والعرب قضية الساميين أو الشعوب السامية مدخل ... الباب الثاني: الساميون وشبه الجزيرة والعرب ١- قضية الساميين أو الشعوب السامية: في وسط المنطقة التي اصطلحنا على تسميتها باسم "منطقة نشوء الحضارات" تقع إذن شبه جزيرة العرب. ولكن هذا الموقف الجغرافي الأوسط بكل ما يفترضه من طرق مواصلات تترتب عليها معاملات اقتصادية وتأثيرات حضارية وتداخلات سياسية لم يكن كل ما يربط شبه الجزيرة بهذه المنطقة. فقد تردد الحديث بين الباحثين على مدى القرنين الأخيرين حول شبه جزيرة العرب والمناطق المتاخمة لها فيما يخص صلة أو رابطة أخرى تربط بين المجموعات البشرية التي اتخذت هذه المناطق موطنا لها في فترة أو أخرى من فترات التاريخ، وعن كنه هذه الصلة ومقوماتها وأسبابها، وكان الحديث الذي دار ولا يزال يدور حول هذه الصلة هو الحديث عن الشعوب التي أطلق عليها هؤلاء الباحثون اسم الساميين١.
следующие страницы →