← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 8463

المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة

ابن قدامة

Полный текст (5 009 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا - إِلا قِيلا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] . وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَقَالَ آخَرُ: عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إلَّا أُوَارِي لَأَيًّا مَا أُبَيِّنُهَا وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيه لَوْلَاهُ. وَقِيلَ: هُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنْ ثَنَيْت فُلَانًا عَنْ رَأْيِهِ. إذَا صَرَفْته عَنْ رَأْيٍ كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ. وَثَنَيْت عِنَانَ دَابَّتِي. إذَا صَرَفْتهَا بِهِ عَنْ وِجْهَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَذْهَبُ إلَيْهَا. وَغَيْرُ الْجِنْسِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْكَلَامِ، فَإِذَا ذَكَرَهُ، فَمَا صَرَفَ الْكَلَامَ عَنْ صَوْبِهِ، وَلَا ثَنَاهُ عَنْ وَجْهِ اسْتِرْسَالِهِ، فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْرَاكٌ. " وَإِلَّا " هَاهُنَا بِمَعْنَى " لَكِنْ ". هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَحَكَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. وَالِاسْتِدْرَاكُ لَا يَأْتِي إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ إلَّا بَعْدَ النَّفْيِ، وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ الْإِثْبَاتُ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَلَا مَدْخَلَ لِلِاسْتِدْرَاكِ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْمُقِرِّ بِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ الِاسْتِدْرَاكَ بَعْدَهُ كَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ جُمْلَةٍ كَأَنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لِي عَلَيْهِ. فَيَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ مُدَّعِيًا لَشَيْءٍ سِوَاهُ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ، وَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الكهف: ٥٠] فَإِنَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ غَيْرَهُمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمَا كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ، وَلَا عَاصِيًا بِتَرْكِهِ، وَلَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . وَلَا قَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا فَلِمَ أَنْكَسَهُ اللَّهُ وَأَهْبَطَهُ وَدَحَرَهُ؟ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِالسُّجُودِ إلَّا الْمَلَائِكَةَ. فَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَدْ تَنَاوَلَ الْأَمْرُ الْمَلَائِكَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَدَخَلَ إبْلِيسُ فِي الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ مَعَهُمْ. قُلْنَا: قَدْ سَقَطَ اسْتِدْلَالُكُمْ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ إبْلِيسُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ، فَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْجِنْسِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ أَنْصَفَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَعَلَى هَذَا، مَتَى قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا. لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَسَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، لَكِنْ لِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ.

стр. 1997

(٣٨٢٠) الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ؛ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَاخْتَارَ الْخِرَقِيِّ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّ قَدْرَ أَحَدِهِمَا مَعْلُومٌ مِنْ الْآخَرِ، وَيُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، فَإِنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا، وَآخَرُونَ يُسَمُّونَ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا، فَإِذَا اسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْبِيرَ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فِي مَوْضِعٍ يُعَبِّرُ فِيهِ بِالدِّينَارِ عَنْ تِسْعَةٍ، كَانَ مَعْنَاهُ: لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً. وَمَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، لَمْ يَجُزْ إلْغَاؤُهُ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، فَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْآخَرِ، أَوْ يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنْهُ، وَرِوَايَةِ الْبُطْلَانِ عَلَى مَا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ ذَكَرَ نَوْعًا مِنْ جِنْسٍ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فِي الْإِقْرَارِ] (٣٨٢١) فَصْلٌ: وَلَوْ ذَكَرَ نَوْعًا مِنْ جِنْسٍ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا، إلَّا ثَلَاثَةً تَمْرًا مَعْقِلِيًّا. لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَيُخَالِفُ الْعَيْنَ وَالْوَرِقَ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُهُ؛ لِتَقَارُبِ الْمَقَاصِدِ مِنْ النَّوْعَيْنِ، فَهُمَا كَالْعَيْنِ وَالْوَرِقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ غَيْرُ ذَلِكَ. [فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ] (٣٨٢٢) فَصْلٌ: فَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَا دَخَلَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَجَائِزٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . وَقَالَ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الشَّهِيدِ: «يُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ.» وَهَذَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرٌ، وَفِي سَائِرِ كَلَامِ الْعَرَبِ. فَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ، كَانَ مُقِرًّا بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا عَشْرَةً. كَانَ مُقِرًّا بِتِسْعِينَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِي اللَّفْظِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ لَمَا أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْعَشَرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَمَا قُبِلَ مِنْهُ إنْكَارُهَا. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . إخْبَارٌ بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ،

стр. 1998

فَالِاسْتِثْنَاءُ بَيَّنَ أَنَّ الْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَاةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ، كَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ. كَانَ مُقِرًّا بِمَا سِوَى الْبَيْتِ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَّا ثُلُثَهَا، أَوْ رُبُعَهَا. صَحَّ، وَكَانَ مُقِرًّا بِالْبَاقِي بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ لِي. صَحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، لِكَوْنِهِ أَخْرَجَ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ إلَّا هَذَا. صَحَّ، وَكَانَ مُقِرًّا بِمَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ. وَإِنْ قَالَ: إلَّا وَاحِدًا. صَحَّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَصِحُّ مَجْهُولًا، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وَيُرْجَعُ فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَثْنَى إلَيْهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بِهِ. وَإِنْ عَيَّنَ مَنْ عَدَا الْمُسْتَثْنَى، صَحَّ، وَكَانَ الْبَاقِي لَهُ. فَإِنْ هَلَكَ الْعَبِيدُ إلَّا وَاحِدًا، فَذَكَرَ أَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى، قُبِلَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُقْبَلُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُرْفَعُ بِهِ الْإِقْرَارُ كُلُّهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ فِي حَيَاتِهِمْ لِمَعْنًى هُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَقُبِلَ كَحَالَةِ حَيَاتِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا رَفْعًا لِلْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُقَرّ بِهِ لِتَلَفِهِ، لَا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى التَّفْسِيرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَيَّنَهُ فِي حَيَاتِهِمْ، فَتَلِفَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ. وَإِنْ قُتِلَ الْجَمِيعُ إلَّا وَاحِدًا، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالْبَاقِي، وَجْهًا وَاحِدًا. وَإِنْ قُتِلَ الْجَمِيعُ، فَلَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ، وَيُرْجَعُ فِي التَّفْسِيرِ إلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُك هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إلَّا وَاحِدًا. فَهَلَكُوا إلَّا وَاحِدًا؛ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَسْتَحِقُّ قِيمَةَ الْهَالِكِينَ، فَلَا يُفْضِي التَّفْسِيرُ بِالْبَاقِي إلَى سُقُوطِ الْإِقْرَارِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا فَصْلٌ (٣٨٢٣) : وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ بِسَائِرِ أَدَوَاتِهِ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ، أَوْ لَيْسَ دِرْهَمًا، أَوْ خَلَا دِرْهَمًا، أَوْ عَدَا دِرْهَمًا، أَوْ مَا خَلَا أَوْ مَا عَدَا دِرْهَمًا، أَوْ لَا يَكُونُ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَ دِرْهَمٍ. بِفَتْحِ الرَّاءِ، كَانَ مُقِرًّا بِتِسْعَةٍ. وَإِنْ قَالَ: غَيْرُ دِرْهَمٍ، بِضَمِّ رَائِهَا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، كَانَ مُقِرًّا بِعَشْرَةٍ، لِأَنَّهَا تَكُونُ صِفَةً لِلْعَشَرَةِ الْمُقَرِّ بِهَا، وَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً. فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ اسْتِثْنَاءً كَانَتْ مَنْصُوبَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 1999

مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ لَكِنَّهُ رَفَعَهَا جَهْلًا مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَا قَصْدًا لِلصِّفَةِ. [فَصْلٌ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ] (٣٨٢٤) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ، فَإِنْ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، أَوْ فَصَلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى بِكَلَامِ أَجْنَبِيٍّ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَكَتَ أَوْ عَدَلَ عَنْ إقْرَارِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ مَا أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَيَنْتَظِرُ مَا يَتِمُّ بِهِ كَلَامُهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْعَطْفِ وَالْبَدَلِ وَنَحْوِهِ. [فَصْل اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ فِي الْإِقْرَار] (٣٨٢٥) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ رَفَعَ الْكُلَّ، فَلَوْ صَحَّ صَارَ الْكَلَامُ كُلُّهُ لَغْوًا غَيْرَ مُفِيدٍ، فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا. أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَدِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. أَوْ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفًا، أَوْ إلَّا دِرْهَمًا. أَوْ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ إلَّا خَمْسَةً. لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَزِمَهُ جَمِيعُ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ، وَتَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، عَادَ إلَى جَمِيعِهَا، كَقَوْلِنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَادَ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ، فَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَمْ تُخْرِجْ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ جُمْلَتَيْنِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ إحْدَاهُمَا جَمِيعًا، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا فِي كَلَامِهِمْ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَجْعَلُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَغْوًا، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ شَيْئًا بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ، ثُمَّ رَفَعَهُ كُلَّهُ، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِنْهَا وَهِيَ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلَى بَعْضِهَا، فَأَمَّا الْآيَةُ وَالْخَبَرُ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَرْفَعْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ، إنَّمَا أَخْرَجَ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، فَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَالَ لِلْبَوَّابِ: مَنْ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فَأْذَنْ لَهُ، وَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، إلَّا فُلَانًا. وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا مَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا عَمْرًا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْجُمْلَةَ الْأُولَى كُلَّهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا زَيْدًا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَاسِدٌ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.

стр. 2000

[فَصْلٌ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ وَعَطَفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْإِقْرَار] (٣٨٢٦) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ، وَعَطَفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، كَانَ مُضَافًا إلَيْهِ. فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، وَإِلَّا دِرْهَمَيْنِ. كَانَ مُسْتَثْنِيًا لِخَمْسَةِ مُبْقِيًا لِخَمْسَةٍ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَوَّلِ، كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، قَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] . فَإِذَا كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ إثْبَاتًا، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ نَفْيًا وَالثَّانِي إثْبَاتًا، فَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً ثَالِثًا، كَانَ نَفْيًا يَعُودُ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ الْكَلَامِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا. كَانَ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عَشْرَةً، ثُمَّ نَفَى مِنْهَا ثَلَاثَةً وَأَثْبَتَ دِرْهَمًا، وَبَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَنْفِيَّةِ دِرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ، فَيَبْقَى مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، وَسَنَزِيدُ لِهَذَا الْفَصْلِ فُرُوعًا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ هَذِهِ الدَّارُ هِبَةً أَوْ سُكْنَى أَوْ عَارِيَّة فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ] (٣٨٢٧) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ هِبَةً، أَوْ سُكْنَى، أَوْ عَارِيَّةٌ كَانَ إقْرَارًا بِمَا أَبْدَلَ بِهِ كَلَامَهُ، وَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِالدَّارِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بِآخِرِ كَلَامِهِ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي أَوَّلِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِجُمْلَةٍ وَاسْتَثْنَى بَعْضَهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذَا وَجْهًا، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ هَذَا اسْتِثْنَاءً، إنَّمَا هَذَا بَدَلٌ، وَهُوَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبَدَلِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، وَهُوَ أَنْ يُبْدِلَ مِنْ الشَّيْءِ بَعْضَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . فَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى ﵇، أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] . أَيْ أَنْسَانِي ذِكْرَهُ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ ثُلُثُهَا. أَوْ قَالَ: رُبْعُهَا. صَحَّ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِالْجُزْءِ الَّذِي أَبْدَلَهُ، وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاسْتِثْنَاءٍ. وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] . وَلَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، فِي كَوْنِهِ يُخْرِجُ مِنْ الْكَلَامِ بَعْضَ مَا يَدْخُلُ فِيهِ لَوْلَاهُ، وَيُفَارِقُهُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْدَلَ الْمُسْتَطِيعَ لِلْحَجِّ مِنْ النَّاسِ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِمْ، وَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ غَيْرُهُ؟ وَمَتَى قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ سُكْنَى أَوْ عَارِيَّةٌ ثَبَتَ فِيهَا حُكْمُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ لَا يُسْكِنَهُ إيَّاهَا، وَأَنْ يَعُودَ فِيمَا أَعَارَهُ. [مَسْأَلَة اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَالَ قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْته] (٣٨٢٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إقْرَارًا)

стр. 2001

حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِغَيْرِ هَذَا. وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْحَقِّ، مُدَّعٍ لِقَضَائِهِ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالْقَضَاءِ؛ وَإِلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وَأَخَذَ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ بِكَلَامِ مُنْفَصِلٍ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ جَمِيعَ مَا أَثْبَتَهُ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ. وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ، يُمْكِنُ صِحَّتُهُ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ، وَفَارَقَ الْمُنْفَصِلَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ قَدْ اسْتَقَرَّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بَعْضُهُ بِاسْتِثْنَاءِ وَلَا غَيْرِهِ، فَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ دَعْوَى الْقَضَاءِ يَكُونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لَا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةِ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ فَمُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. (٣٨٢٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ، وَقَضَيْتُهُ مِنْهَا خَمْسِينَ. فَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا قَالَ: وَقَضَيْتهَا. وَإِنْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ: لِي عَلَيْك مِائَةٌ. فَقَالَ: قَضَيْتُك مِنْهَا خَمْسِينَ. فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهَا فِي كَلَامِهِ مَا تَمْنَعُ بَقَاءَهَا، وَهُوَ دَعْوَى الْقَضَاءِ، وَبَاقِي الْمِائَةِ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَقَوْلُهُ: مِنْهَا. يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا مِمَّا يَدَّعِيه، وَيَحْتَمِلُ مِمَّا عَلَيَّ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِكَلَامٍ مُحْتَمِلٍ. وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَلْزَمَهُ الْخَمْسُونَ الَّتِي ادَّعَى قَضَاءَهَا؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ دَعْوَى الْقَضَاءِ إقْرَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. [فَصْلٌ قَالَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَسَكَتَ فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ] (٣٨٣٠) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ. وَسَكَتَ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْحَالِ، إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَجَازَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، فَلَا يَثْبُتْ فِي الْحَالِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَرْفَعُهُ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ تَنَازَعَا دَارًا، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ، حُكِمَ بِهَا لَهُ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا إنْ عَادَ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إقْرَارِهِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيه. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْته إيَّاهَا فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ] (٣٨٣١) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، قَضَيْته إيَّاهَا. لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْقَضَاءِ.

стр. 2002

وَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ مَا أَثْبَتَهُ بِدَعْوَى الْقَضَاءِ مُتَّصِلًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَضَيْته. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ. لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ. وَلَوْ قَالَ: قَضَيْت بَعْضَهُ. قُبِلَ مِنْهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ. لِكَوْنِهِ رَفَعَ جَمِيعَ مَا هُوَ ثَابِتٌ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ قَدْ قَضَاهُ، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي بَقَاءَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَاسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ، وَقَضَاؤُهُ يَقْتَضِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَتَحْرِيمَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي رَفْعَهُ، وَهَذَانِ ضِدَّانِ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَضَيْته. فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهِمَا فِي زَمَانَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْتَفِعَ مَا كَانَ ثَابِتًا، وَيَقْضِيَ مَا كَانَ دَيْنًا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا فِي الْجَمِيعِ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْبَعْضِ؛ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ أَلْفٍ عَلَيْهِ وَقَدْ قَضَى بَعْضَهُ، وَيُفَارِقُ الِاسْتِثْنَاءَ؛ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ. أَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّمَا يَرْفَعُ جُزْءًا كَانَ ثَابِتًا، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ. [فَصْلٌ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ] فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ، فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ اشْتَرَيْته فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ، أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَاسِدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ. لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ. فَفَسَّرَهُ بِرَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ كُلَّ مَا اعْتَرَفَ بِهِ. وَقَالَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَزَا إقْرَارَهُ إلَى سَبَبِهِ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ عَزَاهُ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَالصُّورَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا، وَكَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي. أَوْ يَقُولُ: دَفَعَ جَمِيعَ مَا أَقَرَّ بِهِ. فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ. وَغَيْرُ خَافٍ تَنَاقُضُ كَلَامِهِ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَلْفٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَإِقْرَارُهُ إخْبَارٌ بِثُبُوتِهِ، فَيَتَنَافَيَانِ، وَإِنْ سَلَّمَ ثُبُوتَ الْأَلْفِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ. [فَصْلٌ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ] (٣٨٣٢) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ، إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى، يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ.

стр. 2003

فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. فَإِذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، لَا بَلْ لِعَمْرٍو. أَوْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى مَيِّتٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَصَدَّقَهُ ابْنُهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ عَمْرٌو، فَصَدَّقَهُ، حُكِمَ بِهِ لِزَيْدٍ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ غَرَامَتُهُ لِعَمْرٍو. وَهَذَا ظَاهِرُ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شَيْئًا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْحُكْمُ مِنْ قَبُولِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ مِلْكِهِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ غُرْمُهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ إلَى الْبَحْرِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ. وَإِنْ قَالَ: غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ، لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو. أَوْ غَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ، وَغَصَبَهَا زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو. حُكِمَ بِهَا لِزَيْدِ، وَلَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ، وَيَغْرَمُهَا لِعَمْرٍو. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَضْمَنُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَالرَّدِّ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ مَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ: اسْتَوْدَعْتُك هَذَا الثَّوْبَ. قَالَ: صَدَقْت، ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْدَعَنِيهِ رَجُلٌ آخَرِ. فَالثَّوْبُ لِلْأَوَّلِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِلْآخَرِ. وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ بِكَلَامِ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ. [فَصْلٌ قَالَ غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ وَمِلْكُهَا لِعَمْرِو فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ] (٣٨٣٣) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو. لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى زَيْدٍ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي يَدِهِ بِحَقٍّ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ زَيْدٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَلَا يَغْرَمُ لِعَمْرِو شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ. وَفَارَقَ هَذَا مَا إذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، بَلْ لِعَمْرِو؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِلثَّانِيَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ، فَكَانَ الثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ؛ لِتَعَارُضِهِمَا، وَهَا هُنَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ إقْرَارَيْهِ. وَإِنْ قَالَ: مِلْكُهَا لِعَمْرٍو، وَغَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ. فَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَى عَمْرٍو، وَيَغْرَمُهَا لِزَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهَا لِعَمْرٍو أَوَّلًا، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالْيَدِ لِزَيْدِ. وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: هَذَا الْأَلْفُ دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ، وَهُوَ لِعَمْرٍو. أَوْ قَالَ: هُوَ لِعَمْرٍو دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ. فَكَذَلِكَ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ. [فَصْلٌ قَالَ غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ هِيَ لِأَحَدِهِمَا] (٣٨٣٤) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتهَا مِنْ أَحَدِهِمَا. أَوْ هِيَ لِأَحَدِهِمَا. صَحَّ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ، فَيَصِحُّ لِلْمَجْهُولِ،

стр. 2004

وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا دُفِعَتْ إلَيْهِ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ إنْ ادَّعَاهَا، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ. وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا. فَصَدَّقَاهُ، نُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَكَانَا خَصْمَيْنِ فِيهَا، وَإِنْ كَذَّبَاهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَتُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ. فَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ. وَإِنْ بَيَّنَ الْغَاصِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكَهَا، قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ بَيَّنَهُ ابْتِدَاءً. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ، فَإِنْ حَلَفَ لَأَحَدِهِمَا، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى تَعْيِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُمَا جَمِيعًا، فَسُلِّمَتْ إلَى أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَزِمَهُ غُرْمُهَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهَا وَحْدَهُ. [فَصْلٌ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ فَقَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ لِزَيْدِ] (٣٨٣٥) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ، فَقَالَ: أَحَدُ هَذَيْنِ لِزَيْدٍ. طُولِبَ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَصَدَّقَهُ زَيْدٌ أَخَذَهُ. وَإِنْ قَالَ: هَذَا لِي، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِزَيْدٍ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ. وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ: إنَّمَا لِي الْعَبْدُ الْآخَرُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ، وَلَا يَدْفَعُ إلَى زَيْدٍ الْعَبْدَ الْمُقَرَّ بِهِ وَلَكِنْ يُقَرُّ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ، لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَيَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مَعْرُوفٌ، فَأَشْبَهَ مِيرَاثَ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَارِثُهُ. فَإِنْ أَبَى التَّعْيِينَ، فَعَيَّنَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَقَالَ: هَذَا عَبْدِي. طُولِبَ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَعْيِينِهِ لِلْآخَرِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ يُقْضَى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، فَهُوَ كَتَعْيِينِهِ. [فَصْلٌ أَقَرَّ لِرَجُلِ بِعَبْدِ ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ] (٣٨٣٦) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ. فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ هَذَا، إنَّمَا هُوَ آخَرُ. فَعَلَى الْمُقِرِّ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سِوَاهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ هَذَا إلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه. وَإِنْ قَالَ: هَذَا لِي، وَلِي عِنْدَك آخَرُ. سَلَّمَ إلَيْهِ هَذَا، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ. وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِلْكٍ، فَكَذَّبَهُ، بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ مِلْكٌ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ. وَفِي الْمَالِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ، فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي، يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالِكٌ. وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فَيُحْفَظُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالِكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه أَحَدٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا. فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَكَذَّبَ نَفْسَهُ، دُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيه، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَذَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، نَفْسَهُ، فَرَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ، وَادَّعَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا بِتَلَفٍ أَوْ إبَاقٍ وَنَحْوِهِ، بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ يَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ بِتَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ،

стр. 2005

كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا. فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ. بِتَعَدِّيهِ، وَوَجَبَ لَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخَرِ، إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَعَدٍّ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة أَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِم ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ] (٣٨٣٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ، دَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا أَوْ صِغَارًا أَوْ إلَى شَهْرٍ. كَانَتْ عَشَرَةً جِيَادًا وَافِيَةً حَالَّةً) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، وَأَطْلَقَ، اقْتَضَى إقْرَارُهُ الدَّرَاهِمَ الْوَافِيَةَ، وَهِيَ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ، كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، وَكُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ جِيَادًا، حَالَّةً، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَأَطْلَقَ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ كَذَلِكَ. فَإِذَا سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، أَوْ أَخَذَ فِي كَلَامٍ غَيْرِ مَا كَانَ فِيهِ، اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. فَإِنْ عَادَ، فَقَالَ: زُيُوفًا. يَعْنِي رَدِيئَةً. أَوْ صِغَارًا. وَهِيَ الدَّرَاهِمُ النَّاقِصَةُ، مِثْلُ دَرَاهِمَ طَبَرِيَّةَ، كَانَ كُلُّ دِرْهَمٍ مِنْهَا أَرْبَعَةَ دَوَانِقَ، وَذَلِكَ ثُلُثَا دِرْهَمٍ. أَوْ إلَى شَهْرٍ. يَعْنِي مُؤَجَّلَةً، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَيَرْفَعُهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِهَا دَيْنًا، أَوْ وَدِيعَةً، أَوْ غَصْبًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي سَلَامَتَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِغَصْبِ عَبْدٍ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ مَعِيبًا. وَلَنَا، أَنَّ إطْلَاقَ الِاسْمِ يَقْتَضِي الْوَازِنَةَ الْجِيَادَ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، كَالدَّيْنِ، وَيُفَارِقُ الْعَبْدَ؛ فَإِنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إنْ وَصَفَهَا بِذَلِكَ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، أَوْ سَكَتَ لِلتَّنَفُّسِ، أَوْ اعْتَرَضَتْهُ سَعْلَةٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ وَصَفَهَا بِذَلِكَ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، قُبِلَ مِنْهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ التَّأْجِيلُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيّ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ قَضَيْته إيَّاهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالنَّاقِصَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ نَاقِصَةٌ. قُبِلَ قَوْلُهُ. وَإِنْ قَالَ: صِغَارًا. وَلِلنَّاسِ دَرَاهِمُ صِغَارٌ، قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ صِغَارٌ لَزِمَهُ وَازِنَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: دُرَيْهِمٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَازِنٌ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَلَنَا، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ بِكَلَامِ مُتَّصِلٍ، فَقُبِلَ مِنْهُ، كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْوَازِنَةِ وَالنَّاقِصَةِ، وَالزُّيُوفِ وَالْجَيِّدَةِ، وَكَوْنُهَا عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ الْحُلُولَ وَالتَّأْجِيلَ، فَإِذَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ، تَقَيَّدَتْ بِهِ، كَمَا لَوْ وَصَفَ الثَّمَنَ بِهِ، فَقَالَ: بِعْتُك بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، مُؤَجَّلَةٍ نَاقِصَةٍ. وَثُبُوتُهَا عَلَى غَيْرِ

стр. 2006

هَذِهِ الصِّفَةِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ تَقْيِيدِهَا بِهِ، كَالثَّمَنِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهَا. لَيْسَ بِصَحِيحِ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهُ، فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ الْمُؤَجَّلَ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لَمْ تَقْتَضِ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ سَدَّ بَابِ الْإِقْرَارِ بِهَا عَلَى صِفَتِهَا. وَعَلَى مَا ذَكَرُوهُ، لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْإِقْرَارِ بِهَا إلَّا عَلَى وَجْهٍ يُؤَاخَذُ بِغَيْرِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَيَفْسُدُ بَابُ الْإِقْرَارِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ " صِغَارًا " يَنْصَرِفُ إلَى الْمِقْدَارِ. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِسَاحَةَ الدَّرَاهِمِ لَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّرْعِ وَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِمِسَاحَةٍ مُقَدَّرَةٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ وَالْكِبَرُ فِي الْوَزْنِ، فَيَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْمُقِرِّ، فَأَمَّا إنْ قَالَ: زُيُوفًا. وَفَسَّرَهَا بِمَغْشُوشَةٍ، أَوْ مَعِيبَةٍ عَيْبًا يَنْقُصُهَا، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ، أَوْ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ دَرَاهِمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِهِ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ. [فَصْلٌ أَقَرَّ بِدَرَاهِم وَأَطْلَقَ فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ] (٣٨٣٨) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ، فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ، كَطَبَرِيَّةَ، كَانَ دِرْهَمُهُمْ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ، وَخُوَارِزْمَ كَانَ دِرْهَمُهُمْ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ وَنِصْفًا، وَمَكَّةَ دِرْهَمُهُمْ نَاقِصٌ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ، أَوْ فِي بَلَدٍ دَرَاهِمُهُمْ مَغْشُوشَةٌ، كَمِصْرِ وَالْمَوْصِلِ، أَوْ بِدَنَانِيرَ فِي بَلَدٍ دَنَانِيرُهُمْ مَغْشُوشَةٌ. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَوَّلُهُمَا، يَلْزَمُهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِمْ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْأَثْمَانِ. وَالثَّانِي، تَلْزَمُهُ الْوَازِنَةُ الْخَالِصَةُ مِنْ الْغِشِّ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ بِهَا تَقْدِيرَ نُصُبِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِ الدِّيَاتِ، فَكَذَلِكَ إطْلَاقُ الشَّخْصِ. وَفَارَقَ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهُ إيجَابٌ فِي الْحَالِ، فَاخْتَصَّ بِدَرَاهِمِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمَا فِيهِ، وَالْإِقْرَارُ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ فَانْصَرَفَ إلَى دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ. [فَصْلٌ أَقَرَّ بِدَرَاهِم وَأَطْلَقَ ثُمَّ فَسَّرَهَا بِسِكَّةِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهَا فِيهِ] (٣٨٣٩) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، وَأَطْلَقَ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِسِكَّةِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهَا فِيهِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِسِكَّةٍ غَيْرِ سِكَّةِ الْبَلَدِ أَجْوَدَ مِنْهَا، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ مِثْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى مِنْ سِكَّةِ الْبَلَدِ، لَكِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ فِي الْوَزْنِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَقْتَضِي دَرَاهِمَ الْبَلَدِ وَنَقْدَهُ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دُونَهَا، كَمَا لَا يُقْبَلُ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهَا نَاقِصَةُ الْقِيمَةِ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِهَا، كَالنَّاقِصَةِ وَزْنًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ. وَفَارَقَ النَّاقِصَةَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّرْعِ الدَّرَاهِمَ، لَا يَتَنَاوَلُهَا، بِخِلَافِ هَذِهِ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ مِقْدَارُ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ، وَفَارَقَ الثَّمَنَ؛ فَإِنَّهُ إيجَابٌ فِي الْحَالِ، وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ.

стр. 2007

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ] (٣٨٤٠) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ كَبِيرٌ فِي الْعُرْفِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دُرَيْهِمٌ. فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ قَدْ يَكُونُ لِصِغَرِهِ فِي ذَاتِهِ، أَوْ لِقِلَّةِ قَدْرِهِ عِنْدَهُ وَتَحْقِيرِهِ، وَقَدْ يَكُون لِمَحَبَّتِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: بِذَيَّالِك الْوَادِي أَهِيمُ وَلَمْ أَقُلْ ... بِذَيَّالِك الْوَادِي وَذُيَّاكَ مِنْ زُهْدِ وَلَكِنْ إذَا مَا حُبَّ شَيْءٌ تَوَلَّعَتْ ... بِهِ أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا. لَزِمَتْهُ عَشْرَةٌ مَعْدُودَةٌ وَازِنَةٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ يَقْتَضِي وَازِنَةً، وَذِكْرُ الْعَدَدِ لَا يُنَافِيهَا، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ، أَوْ دَرَاهِمُهُمْ مَغْشُوشَةٌ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ. [فَصْلٌ أَقَرَّ بِدِرْهَمِ ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمِ] (٣٨٤١) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسَ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَرَّرَ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ، كَمَا كَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَبَرَ عَنْ إرْسَالِهِ نُوحًا وَهُودًا وَصَالِحًا وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَلَمْ يَكُنْ الْمَذْكُورُ فِي قِصَّةٍ غَيْرَ الْمَذْكُورِ فِي أُخْرَى، كَذَا هَاهُنَا. فَإِنْ وَصَفَ أَحَدَهُمَا وَأَطْلَقَ الْآخَرَ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمَوْصُوفَ، أَطْلَقَهُ فِي حَالٍ وَوَصَفَهُ فِي حَالٍ. وَإِنْ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَرَّتَيْنِ، كَانَ تَأْكِيدًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ وَصَفَهُ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ مَا وَصَفَهُ فِي الْأُخْرَى، فَقَالَ: دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ. ثُمَّ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ ثَوْبٍ. ثُمَّ قَالَ: دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ. أَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ قَالَ: دِرْهَمٌ أَسْوَدُ. فَهُمَا دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ. [فَصْل قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ] (٣٨٤٢) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ. أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، فِيمَا إذَا قَالَ: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ. وَقَالَ: أَرَدْت: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لَازِمٌ لِي. أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ. وَلَنَا، أَنَّ الْفَاءَ أَحَدُ حُرُوفِ الْعَطْفِ الثَّلَاثَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْوَاوَ وَثُمَّ، وَلِأَنَّهُ عَطَفَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ

стр. 2008

بِالْفَاءِ، فَاقْتَضَى ثُبُوتَهُمَا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ. وَقَدْ سَلَّمَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ الصِّفَةِ بَعِيدٌ، لَا يُفْهَمُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ الدَّرَاهِمَ الْمُطْلَقَةَ بِأَنَّهَا زُيُوفٌ أَوْ صِغَارٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمَانِ. لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ، أَوْ فَدِينَارٌ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ. لَزِمَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ. لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ. وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَرَدْت بِالثَّالِثِ تَأْكِيدَ الثَّانِي وَبَيَانَهُ. أَنَّهُ يُقْبَلُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ فِي لَفْظِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ غَيْرَ الثَّانِي، كَمَا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَقْتَضِي تَأْكِيدًا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعَدَدِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ. لَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ مُغَايِرٌ لِلثَّانِي، لِاخْتِلَافِ حَرْفَيْ الْعَطْفِ الدَّاخِلَيْنِ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يَحْتَمِلْ التَّأْكِيدَ. [فَصْل قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنَّ دِرْهَمَانِ] (٣٨٤٣) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ، أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنْ دِرْهَمَانِ. لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ زُفَرُ وَدَاوُد تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ " بَلْ " لِلْإِضْرَابِ، فَلَمَّا أَقَرَّ بِدِرْهَمِ وَأَضْرَبَ عَنْهُ، لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَلَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ اللَّذَانِ أَقَرَّ بِهِمَا. وَلَنَا، أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدٍ، وَأَثْبَتَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ أَكْثَرُ. فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ، أَوْ لَكِنْ دِرْهَمٌ. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ: إنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً. وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ عَلَيَّ دِرْهَمٌ. وَ " لَكِنْ " لِلِاسْتِدْرَاكِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى " بَلْ " إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ، إلَّا أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ. وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ زُفَرَ وَدَاوُد؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْإِضْرَابِ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ غَيْرَ الدِّرْهَمِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ الِاثْنَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ. وَلِأَنَّ " بَلْ " مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ،

стр. 2009

وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَا جَمِيعًا، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ. وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ إلَّا دِرْهَمًا، جَعَلْنَا كَلَامَهُ لَغْوًا، وَإِضْرَابَهُ عَنْهُ غَيْرَ مُفِيدٍ، وَالْأَصْلُ فِي كَلَامِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا. وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهُ، وَلَا بَعْضَهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ أَوْ دِينَارَانِ. أَوْ: لَهُ عَلَيَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بَلْ قَفِيزُ شَعِيرٍ. أَوْ: هَذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذَانِ. لَزِمَهُ الْجَمِيعُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَ وَلَا بَعْضَهُ، فَكَانَ مُقِرًّا، بِهِمَا، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُمَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ جُمْلَتَيْنِ أَقَرَّ بِإِحْدَاهُمَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأُخْرَى، لَزِمَاهُ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ، بَلْ دِرْهَمٌ. أَوْ عَشْرَةٌ، بَلْ تِسْعَةٌ. لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنْ وَاحِدٍ، وَنَفَاهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ نَفْيُهُ لَهُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي شَيْئًا أَقَرَّ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذَا قَالَ: عَشْرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا. كَانَ مَعْنَاهُ تِسْعَةً. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ] (٣٨٤٤) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ. وَإِنْ قَالَ: قَبْلَهُ دِرْهَمٌ وَبَعْدَهُ دِرْهَمٌ. لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ " قَبْلُ " وَ " بَعْدُ " تُسْتَعْمَلُ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْوُجُوبِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ، أَوْ تَحْتَ دِرْهَمٍ، أَوْ مَعَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ مَعَ دِرْهَمٍ. فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ فَوْقَ دِرْهَمٍ فِي الْجَوْدَةِ، أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ لِي، وَكَذَلِكَ تَحْتَ دِرْهَمٍ. وَقَوْلُهُ: مَعَهُ دِرْهَمٌ. يَحْتَمِلُ مَعَهُ دِرْهَمٌ لِي وَكَذَلِكَ مَعَ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ بِالِاحْتِمَالِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَجْرِي مَجْرَى الْعَطْفِ، لِكَوْنِهِ يَقْتَضِي ضَمَّ دِرْهَمٍ آخَرَ إلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إقْرَارٌ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: " عَلَيَّ " يَقْتَضِي فِي ذِمَّتِي، وَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا فَوْقَهُ، وَلَا تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إنْ قَالَ: فَوْقَ دِرْهَمٍ. لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّ " فَوْقَ " تَقْتَضِي فِي الظَّاهِرِ الزِّيَادَةَ. وَإِنْ قَالَ: تَحْتَ دِرْهَمٍ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ " تَحْت " تَقْتَضِي النَّقْصَ. وَلَنَا، إنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى مَعْنَى الْعَطْفِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الصِّفَةِ لِلدِّرْهَمِ الْمُقَرِّ بِهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا، سَوَاءٌ ذَكَرَهُ بِمَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْجَوْدَةِ أَوْ نَقْصَهَا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِينَارٌ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ، أَوْ مَعَهُ، أَوْ فَوْقَهُ، أَوْ تَحْتَهُ، أَوْ مَعَ ذَلِكَ. فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي الدِّرْهَمِ سَوَاءٌ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ مَا عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ] (٣٨٤٥) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ مَا عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ. لَزِمَتْهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَا بَيْنَهُمَا. وَإِنْ قَالَ: مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛

стр. 2010

أَحَدُهَا، تَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ. وَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَأَوَّلُ الْغَايَةِ مِنْهَا، وَ " إلَى " لِانْتِهَائِهَا، فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَالثَّانِي، تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَالْعَاشِرَ حَدَّانِ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْإِقْرَارِ، وَلَزِمَهُ مَا بَيْنَهُمَا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَالثَّالِثُ، تَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ، فَيَدْخُلُ فِيهَا كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ. فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِيِّ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ. مَجْمُوعَ الْأَعْدَادِ كُلِّهَا، أَيْ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ إلَى الْعَشَرَةِ، لَزِمَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا. وَاخْتِصَارُ حِسَابِهِ أَنْ تَزِيدَ أَوَّلَ الْعَدَدِ وَهُوَ الْوَاحِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ، فَيَصِيرَ أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ تَضْرِبَهَا فِي نِصْفِ الْعَشَرَةِ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ الْجَوَابُ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ] (٣٨٤٦) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ. لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ. لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ، أَوْ وَافِرَةٌ، أَوْ عَظِيمَةٌ. لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِدُونِ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ جَمْعِ الْكَثْرَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الْغِنَى، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ. وَلَنَا، أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْعَظَمَةَ لَا حَدَّ لَهَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَتَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَاتِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ، فَالثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ مِمَّا دُونَهَا وَأَقَلُّ مِمَّا فَوْقَهَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْيَسِيرَ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُقِرَّ أَرَادَ كَثِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا، أَوْ كَثِيرَةً فِي نَفْسِهِ، فَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ بِالِاحْتِمَالِ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي عَشَرَةٍ وَقَالَ أَرَدْت الْحِسَابَ] (٣٨٤٧) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي عَشَرَةٍ. وَقَالَ: أَرَدْت الْحِسَابَ. لَزِمَهُ عِشْرُونَ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ مَعَ عَشَرَةٍ. وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْحِسَابَ، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَزِمَهُ اثْنَا عَشَرَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْحِسَابِ اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِهِ لِمَعَانِيهَا فِي اصْطِلَاحِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اصْطِلَاحَ الْعَامَّةِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ فِي عَشَرَةٍ لِي. لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا يَقُولُ. وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمَانِ فِي دِينَارٍ. لَمْ يَحْتَمِلْ الْحِسَابَ، وَسُئِلَ عَنْ مُرَادِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْعَطْفَ أَوْ مَعْنَى مَعَ. لَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ وَالدِّينَارُ. وَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْتُهُمَا فِي دِينَارٍ. فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ؛ بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ سَلْمَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَبَطَلَ قَوْلُهُ فِي دِينَارٍ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي ثَوْبٍ. وَفَسَّرَهُ بِالسَّلْمِ، أَوْ قَالَ: فِي ثَوْبٍ اشْتَرَيْته مِنْهُ إلَى سَنَةٍ.

стр. 2011

فَصَدَّقَهُ، بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، بَطَلَ السَّلْمُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَالْمُقِرُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ. وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَهُ الدِّرْهَمَانِ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ أَوْ فِي كِيسٍ] (٣٨٤٨) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ، أَوْ فِي كِيسٍ، أَوْ زَيْتٌ فِي جَرَّةٍ، أَوْ تِبْنٌ فِي غِرَارَةٍ، أَوْ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ، أَوْ كِيسٌ فِي صُنْدُوقٍ. أَوْ قَالَ: غَصَبْت مِنْهُ ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ، أَوْ زَيْتًا فِي زِقٍّ. فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَكُونُ مُقِرًّا بِالْمَظْرُوفِ دُون الظَّرْفِ. هَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الظَّرْفَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي ظَرْفٍ لِلْمُقِرِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ. وَالثَّانِي، يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: عِنْدِي عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَصْبِ: يَلْزَمُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْمِنْدِيلَ يَكُونُ ظَرْفًا لِلثَّوْبِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ فِي حَالِ الْغَصْبِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: غَصَبْت ثَوْبًا وَمِنْدِيلًا. وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمِنْدِيلُ لِلْغَاصِبِ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلثَّوْبِ، فَيَقُولُ: غَصَبْت ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ لِي. وَلَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ، فَإِذَا أَطْلَقَ، كَانَ مُحْتَمِلًا لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: غَصَبْت دَابَّةً فِي إصْطَبْلِهَا. أَوْ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِي مِنْدِيلٍ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي جَرَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ، أَوْ جِرَابٌ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ قِرَابٌ فِيهِ سِكِّينٌ. فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ خَاتَمٌ فِيهِ فَصُّ. فَكَذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ بِفَصِّهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْفَصَّ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَاتَمِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِيهِ عَلَمٌ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ. وَأَطْلَقَ، لَزِمَهُ الْخَاتَمُ بِفَصِّهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَاتَمِ يَجْمَعُهُمَا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ. لَزِمَهُ الثَّوْبُ بِطِرَازِهِ. [فَصْل قَالَ لَهُ عِنْدِي دَارٌ مَفْرُوشَةٌ أَوْ دَابَّةٌ مُسْرِجَة أَوْ عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ] (٣٨٤٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دَارٌ مَفْرُوشَةٌ، أَوْ دَابَّةٌ مُسْرَجَةٌ، أَوْ عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ. فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَلْزَمُهُ عِمَامَةُ الْعَبْدِ دُونَ الْفَرْشِ أَوْ السَّرْجِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَدُهُ عَلَى عِمَامَتِهِ، وَيَدُهُ كَيَدِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَدَ لِلدَّابَّةِ وَالدَّارِ.

стр. 2012

وَلَنَا، أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ سَرْجَ الدَّابَّةِ لِصَاحِبِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ سَرْجًا عَلَى دَابَّةِ أَحَدِهِمَا، كَانَ لِصَاحِبِهَا، فَصَارَ كَعِمَامَةِ الْعَبْدِ. فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دَابَّةٌ بِسَرْجِهَا، أَوْ دَارٌ بِفَرْشِهَا، أَوْ سَفِينَةٌ بِطَعَامِهَا. كَانَ مُقِرًّا بِهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تُعَلِّقُ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ أَوْ إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِينَارٌ] (٣٨٥٠) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، أَوْ دِينَارٌ. أَوْ: إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِينَارٌ. كَانَ مُقِرًّا بِأَحَدِهِمَا، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ " أَوْ " وَ " إمَّا " فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ، وَتَقْتَضِي أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ لَا جَمِيعَهُمَا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِرْهَمَانِ. كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ، وَالثَّانِي مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشَّكِّ. [مَسْأَلَة أَقَرَّ بِشَيْءِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ] (٣٨٥١) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، أُخِذَ بِالْكُلِّ، وَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا) . لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ. وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ النَّحْوِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمْ: يَصِحُّ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ الْكُلَّ، فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدٌ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] . وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . فَاسْتَثْنَى فِي مَوْضِعٍ الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ، وَفِي مَوْضِعٍ الْعِبَادَ مِنْ الْغَاوِينَ، وَأَيُّهُمَا كَانَ الْأَكْثَرَ فَقَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ. وَأَنْشَدُوا: أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ... ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّامًا فَاسْتُثْنِيَ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَمُشَبَّهٌ بِهِ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْبَعْضَ، فَجَازَ، كَاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، فَجَازَ فِي الْأَكْثَرِ، كَالتَّخْصِيصِ وَالْبَدَلِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْأَقَلِّ، وَقَدْ أَنْكَرُوا اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ عِيًّا مِنْ الْكَلَامِ وَلُكْنَةً. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: يُقَالُ: صُمْت الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا. وَلَا يُقَالُ:

стр. 2013

صُمْت الشَّهْرَ إلَّا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَيُقَالُ: لَقِيت الْقَوْمَ جَمِيعَهُمْ إلَّا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: لَقِيت الْقَوْمَ إلَّا أَكْثَرَهُمْ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِي الْكَلَامِ، لَمْ يَرْتَفِعْ بِهِ مَا أَقَرَّ بِهِ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ. وَكَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، بَلْ خَمْسَةٌ. فَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ التَّنْزِيلِ، فَإِنَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى اسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهُمْ الْأَقَلُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وَفِي الْأُخْرَى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ وَهُمْ الْأَقَلُّ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ الْعِبَادِ، وَهُمْ غَيْرُ غَاوِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] . وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] مُبْقًى عَلَى عُمُومِهِ، لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . أَيْ لَكِنْ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ فَإِنَّهُمْ غَوَوْا بِاتِّبَاعِك. وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى لِأَتْبَاعِهِ ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] . وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ. وَأَمَّا الْبَيْتُ فَقَالَ ابْنُ فَضَالٍ النَّحْوِيُّ: هُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ، لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْعَرَبِ. عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَهُ كَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَالْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ: ثُمَّ نُعَارِضُهُ بِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ، أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي الْأَقَلِّ وَحَسَّنَتْهُ، وَنَفَتْهُ فِي الْأَكْثَرِ وَقَبَّحَتْهُ، فَلَمْ يَجُزْ قِيَاسُ مَا قَبَّحُوهُ عَلَى مَا جَوَّزُوهُ وَحَسَّنُوهُ. [فَصْلٌ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ فِي الْإِقْرَار] (٣٨٥٢) فَصْلٌ: وَفِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْإِبْطَالَ بِمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ، فَجَازَ كَالْأَقَلِّ. وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِهِمْ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ، وَالنِّصْفُ لَيْسَ بِقَلِيلٍ. . [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا سَبْعَةً إلَّا خَمْسَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ] (٣٨٥٣) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، إلَّا سَبْعَةً، إلَّا خَمْسَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ. صَحَّ، وَكَانَ مُقِرًّا بِسِتَّةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى الْكُلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ سَقَطَ إنْ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَصَلَهُ بِاسْتِثْنَاءِ آخَر اسْتَعْمَلْنَاهُ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ

стр. 2014

مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَمَّا بَقِيَ، فَإِنَّ خَمْسَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ، اسْتَثْنَاهَا مِنْ سَبْعَةٍ، بَقِيَ أَرْبَعَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عَشَرَةٍ، بَقِيَ مِنْهَا سِتَّةٌ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَمَانِيَةٌ، إلَّا أَرْبَعَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ، إلَّا دِرْهَمًا. بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى النِّصْفَ. وَصَحَّ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، فَلَزِمَهُ خَمْسَةٌ. وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ، إلَّا خَمْسَةً، إلَّا ثَلَاثَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ، إلَّا دِرْهَمًا. بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّ فِي الْآخَرِ، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِسَبْعَةٍ. وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةٌ، إلَّا سِتَّةً، إلَّا أَرْبَعَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ. فَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ مُقِرٌّ بِسِتَّةٍ. وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ. إلَّا دِرْهَمًا. كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ، إلَّا ثَلَاثَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ. بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، فَبَطَلَ فَإِذَا بَطَلَ الثَّانِي بَطَلَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا يَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَطَلَ، لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ، فَبَطَلَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ. وَالثَّانِي، يَصِحُّ، وَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لَمَّا بَطَلَ، جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مِنْ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَهُ لِبُطْلَانِ مَا بَيْنَهُمَا. وَالثَّالِثُ، يَصِحُّ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَيَبْقَى مِنْهَا دِرْهَمٌ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِقْرَارِ، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ عِنْدَهُمْ صَحِيحٌ. وَوَافَقَهُمْ الْقَاضِي فِي هَذَا الْوَجْهِ. وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ، إلَّا دِرْهَمًا. بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ. وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ مِثْلُ مَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ] (٣٨٥٤) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ. فَالْمُسْتَثْنَى دَرَاهِمُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَثْنِي فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، إلَّا خَمْسِينَ دِرْهَمًا. فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ كَذَلِكَ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ الْأَلْفُ مُبْهَمًا، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُمَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلِأَنَّ لَفْظَهُ فِي الْأَلْفِ مُبْهَمٌ وَالدِّرْهَمُ لَمْ يُذْكَرْ تَفْسِيرًا لَهُ، فَيَبْقَى عَلَى إبْهَامِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ، فَمَتَى عُلِمَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ عُلِمَ أَنَّ الْآخَرَ مِنْ جِنْسِهِ، كَمَا لَوْ عُلِمَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ، وَعِلَّتُهُ تَلَازُمُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْجِنْسِ، فَمَا ثَبَتَ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ فِي الْآخَرِ، فَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْجِنْسِ، بَطَلَ

стр. 2015

الِاسْتِثْنَاءُ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمَا يُنْظَرُ فِي الْمُسْتَثْنَى، إنْ كَانَ مِثْلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، بَطَلَ، وَإِلَّا صَحَّ. وَعِنْدَ الْقَاضِي يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الْأَلْفِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، إذَا كَانَ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنْهُ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا] (٣٨٥٥) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا. فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَإِنْ قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا. فَكَذَلِكَ. وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا إلَّا لِمَا يَلِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَأَلْفُ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفٌ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ مِائَةٌ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا؛ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ الْمُفَسَّرَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْجُمَلِ الْمُبْهَمَةِ وَجِنْسِ الْعَدَدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ عَنْتَرَةُ: فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الْغُرَابِ الْأَسْحَمِ وَلِأَنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَكَانَ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ، وَهُوَ صَالِحٌ لِتَفْسِيرِهَا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَوْلِهِ: أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَسَائِر الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجْعَلُ الْمُجْمَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا. لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. [فَصْل قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ] (٣٨٥٦) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ، أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ. فَالْمُجْمَلُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةٌ، أَوْ أَلْفُ ثَوْبٍ وَعِشْرُونَ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنِ حَامِدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ إلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يُعْطَفُ عَلَى جِنْسِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . وَلِأَنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ فَرُجِعَ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى الْمُقِرِّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهَا.

стр. 2016

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ عَطَفَ عَلَى الْمُبْهَمِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ، وَإِنْ عَطَفَ مَذْرُوعًا أَوْ مَعْدُودًا، لَمْ يَكُنْ تَفْسِيرًا؛ لِأَنَّ عَلَيَّ لِلْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ عَطَفَ عَلَيْهِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ كَقَوْلِهِ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا. وَلَنَا، أَنَّ الْعَرَبَ تَكْتَفِي بِتَفْسِيرِ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] . وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ مُبْهَمًا مَعَ مُفَسَّرٍ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَكَانَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمُبْهَمَ يَحْتَاجُ إلَى التَّفْسِيرِ، وَذِكْرُ التَّفْسِيرِ فِي الْجُمْلَةِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ يَصْلُحُ أَنْ يُفَسِّرَهُ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ، أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . فَإِنَّهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْعَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْعَشْرَ بِغَيْرِ هَاءٍ عَدَدٌ لِلْمُؤَنَّثِ، وَالْأَشْهَرُ مُذَكَّرَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّ بِغَيْرِهَا. الثَّانِي، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَشْهُرًا لَقَالَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. بِالتَّرْكِيبِ، لَا بِالْعَطْفِ، كَمَا قَالَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] . وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ. قُلْنَا قَدْ قَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفْسِيرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ. عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا. فَالدِّرْهَمُ ذُكِرَ لِلتَّفْسِيرِ، وَلِهَذَا لَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَدَدُ، فَصَلَحَ تَفْسِيرُ الْجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَإِنَّهُ ذَكَرَ الدِّرْهَمَ لِلْإِيجَابِ، لَا لِلتَّفْسِيرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ زَادَ بِهِ الْعَدَدَ. قُلْنَا: هُوَ صَالِحٌ لِلْإِيجَابِ وَالتَّفْسِيرِ مَعًا، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى التَّفْسِيرِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ، صِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُقِرِّ عَنْ الْإِلْبَاسِ وَالْإِبْهَامِ، وَصَرْفًا لَهُ إلَى الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ. وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ. قُلْنَا: فَمَتَى عُطِفَ مَا يَجِبُ بِهَا عَلَى مَا يَجِبُ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا وَالْآخَرُ مُفَسَّرًا، وَأَمْكَنَ تَفْسِيرُهُ بِهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ، مِثْلُ أَنْ يُعْطَفَ عَدَدُ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ، وَيَبْقَى الْمُبْهَمُ عَلَى إبْهَامِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وَعَشْرٌ. [مَسْأَلَة قَالَ لَهُ عِنْدِيّ عَشَرَةُ دَرَاهِم ثُمَّ قَالَ وَدِيعَةٌ] (٣٨٥٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةٌ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ)

стр. 2017

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَقَالَ: لَهُ عِنْدِي دَرَاهِمُ. فُسِّرَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ فَسَّرَهُ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَقْتَضِيه، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ. وَفَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ، بِحَيْثُ لَوْ ادَّعَى تَلَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ رَدَّهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَإِنْ فَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، قُبِلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ رَدَدْتهَا إلَيْهِ. أَوْ تَلِفَتْ. لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْإِقْرَارِ، وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ، فَإِنَّ الْأَلْفَ الْمَرْدُودَ وَالتَّالِفَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ أَصْلًا، وَلَا هِيَ وَدِيعَةٌ، وَكُلُّ كَلَامٍ يُنَاقِضُ الْإِقْرَارَ وَيُحِيلُهُ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا. وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا قَالَ: لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ دَفَعْتهَا إلَيْك. صُدِّقَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ، أَوْ رَدَّهَا، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ. وَإِنْ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي، وَظَنَنْت أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، ثُمَّ عَرَفْت أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ هَلَكَتْ. فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. [مَسْأَلَة قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ثُمَّ قَالَ وَدِيعَةً] (٣٨٥٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ. ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةً. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ كَذَا. ثُمَّ فَسَّرَهُ الْوَدِيعَةِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، فَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ هَذَا تَلَفَهَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ، وَإِذَا ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ تَلَفِهَا، قُبِلَ مِنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَرَدُّهَا، فَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ. وَفَسَّرَهَا بِذَلِكَ، احْتَمَلَ صِدْقَهُ، فَقُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ وَصَلَهُ بِكَلَامِهِ، فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِيعَةً. وَلِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ " عَلَيَّ " بِمَعْنَى " عِنْدِي " كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى ﵇، أَنَّهُ قَالَ ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] . أَيْ عِنْدِي. وَلَنَا، أَنَّ " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَيَّ. كَانَ ضَامِنًا لَهُ، الْوَدِيعَةُ لَيْسَتْ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا هِيَ عَلَيْهِ، إنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مَجَازٌ، طَرِيقُهُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ، أَوْ إقَامَةُ حَرْفٍ مَقَامَ حَرْفٍ، وَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ. لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَنْ اثْنَيْنِ، وَعَنْ وَاحِدٍ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] . وَمَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ. وَقَالَ:

стр. 2018

أَرَدْت نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَحَذَفْت الْمُضَافَ وَأَقَمْت الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ. لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ. وَلَوْ قَالَ: لَك مِنْ مَالِي أَلْفٌ. قَالَ: صَدَقْت، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت أَنَّ عَلَيْك مِنْ مَالِي أَلْفًا، وَأَقَمْت اللَّامَ مَقَامَ " عَلَيَّ " كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] . لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَلَوْ قُبِلَ فِي الْإِقْرَارِ مُطْلَقُ الِاحْتِمَالِ، لَسَقَطَ، وَلَقُبِلَ فِي تَفْسِيرِ الدَّرَاهِمِ بِالنَّاقِصَةِ وَالزَّائِفَةِ وَالْمُؤَجَّلَةِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ. ثُمَّ قَالَ: كَانَ وَدِيعَةً فَتَلِفَ. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ. وَقَدْ سَبَقَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا. [فَصْلٌ قَالَ لَك عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَحْضَرَهَا وَقَالَ هَذِهِ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا وَهِيَ وَدِيعَةٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي] (٣٨٥٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَك عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ. ثُمَّ أَحْضَرَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا، وَهِيَ وَدِيعَةٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي. فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هَذِهِ وَدِيعَةٌ، وَاَلَّتِي أَقْرَرْت بِهَا غَيْرُهَا، وَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْك. فَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْوَجْهَيْنِ، وَتَعْلِيلُهُمَا مَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ كَانَ قَالَ فِي إقْرَارِهِ: لَك عَلَيَّ مِائَةٌ فِي ذِمَّتِي. فَإِنَّ الْقَاضِيَ وَافَقَ هَاهُنَا فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَيْنٌ لَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ. قَالَ: وَقَدْ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ: فِي ذِمَّتِي أَدَاؤُهَا. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ تَعَدَّى فِيهَا، فَكَانَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ وَجْهَانِ. فَأَمَّا إنْ وَصَلَ ذَلِكَ بِكَلَامِهِ، فَقَالَ: لَك عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً. قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَصَحَّ. كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ نَاقِصَةٌ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً دَيْنًا، أَوْ مُضَارَبَةً دَيْنًا. صَحَّ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ يَتَعَدَّى فِيهَا، فَتَكُونُ دَيْنًا. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا. لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِذَلِكَ دَيْنًا. وَإِنْ قَالَ: عِنْدَهُ مِائَةٌ وَدِيعَةً، شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا. لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَصِيرُ بِالشَّرْطِ مَضْمُونَةً. وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ عَارِيَّةً. لَزِمَتْهُ، وَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، سَوَاءٌ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَارِيَّةِ فِي الدَّرَاهِمِ أَوْ بِفَسَادِهَا؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ضُمِنَ فِي الْفَاسِدِ. وَإِنْ قَالَ: أَوْدَعَنِي مِائَةً، فَلَمْ أَقْبِضْهَا. أَوْ أَقْرَضَنِي مِائَةً، فَلَمْ آخُذْهَا. قُبِلَ قَوْلُهُ مُتَّصِلًا، وَلَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا. وَهَكَذَا إذَا قَالَ: نَقَدَنِي مِائَةً، فَلَمْ أَقْبِضْهَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. [فَصْل قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ أَوْ لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ] (٣٨٦٠) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ. أَوْ: لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ. طُولِبَ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ قَالَ: نَقَدَ عَنِّي أَلْفًا فِي ثَمَنِهِ. كَانَ قَرْضًا، وَإِنْ قَالَ: نَقَدَ فِي ثَمَنِهِ أَلْفًا. قُلْنَا: بَيِّنْ كَمْ ثَمَنُ الْعَبْدِ، وَكَيْفَ كَانَ الشِّرَاءُ؟ فَإِنْ قَالَ:

стр. 2019

إيجَابٌ وَاحِدٌ، وَزَنَ أَلْفًا وَوَزَنْت أَلْفًا. كَانَ مُقِرًّا بِنِصْفِ الْعَبْدِ، وَإِنْ قَالَ: وَزَنْت أَنَا أَلْفَيْنِ. كَانَ مُقِرًّا بِثُلُثِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ قَدْرَ مَا ذَكَرَهُ، أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْبِنُ وَقَدْ يُغْبَنُ. وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْنَاهُ بِإِيجَابَيْنِ. قِيلَ: فَكَمْ اشْتَرَى مِنْهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نِصْفًا، أَوْ ثُلُثًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ. قُبِلَ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَافَقَ الْقِيمَةَ أَوْ خَالَفَهَا. وَإِنْ قَالَ: وَصَّى لَهُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِهِ. وَصُرِفَ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ أَلْفٌ. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا مِنْ مَالِهِ، مِنْ غَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِي ثَمَنِهِ. وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ مِنْ جِنَايَةٍ جَنَاهَا الْعَبْدُ فَتَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ، قُبِلَ ذَلِكَ، وَلَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ، وَدَفْعُ الْأَلْفِ مِنْ ثَمَنِهِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ بِأَلْفٍ. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الذِّمَّةِ. وَالثَّانِي، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ، فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ، كَالْجِنَايَةِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ جَمِيعِهِ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ فِي مَالِيِّ هَذَا أَلْفٌ أَوْ مِنْ مَالِيِّ أَلْفٌ وَفَسَّرَهُ بِدَيْنِ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ] (٣٨٦١) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي مَالِي هَذَا أَلْفٌ، أَوْ مِنْ مَالِي أَلْفٌ. وَفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ، قُبِلَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ هُوَ لِغَيْرِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: فِي مَالِي. وَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ مَالًا بَعْضُهُ لِغَيْرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ مَالَ غَيْرِهِ إلَيْهِ، لِاخْتِصَاصٍ لَهُ بِهِ، أَوْ يَدٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ وِلَايَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي النِّسَاءِ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . وَقَالَ لِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَلَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ مَعَ احْتِمَالِ صِحَّتِهِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت هِبَةً. قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ. وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيضِهَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِيهَا لَا تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ فِي دَارِي هَذِهِ نِصْفُهَا، أَوْ مِنْ دَارِي بَعْضُهَا، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي مَنْ قَالَ: نِصْفُ عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ. لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُهُ. وَإِنْ قَالَ: نِصْفُ مَالِي هَذَا لِفُلَانٍ. لَا أَعْرِفُ هَذَا. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إذَا قَالَ: فَرَسِي هَذِهِ لِفُلَانٍ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ. فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْإِقْرَارِ.

стр. 2020

فَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نِصْفُهُ، أَوْ لَهُ نِصْفُ هَذِهِ الدَّارِ. فَهُوَ إقْرَارٌ صَحِيحٌ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ أَلْفٌ. صَحَّ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ. فَهُوَ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ عَلَى التَّرِكَةِ. وَإِنْ قَالَ: فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي. وَقَالَ: أَرَدْت هِبَةً. قُبِلَ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَى أَبِيهِ، فَمُقْتَضَاهُ مَا خَلَّفَهُ، فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُقَرِّ بِهِ فِيهِ، وَإِذَا أَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَى نَفْسِهِ، فَمَعْنَاهُ مَا وَرِثْته وَانْتَقَلَ إلَيَّ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِذَا أَضَافَ إلَيْهِ مِنْهُ جُزْءًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِكَةٌ] (٣٨٦٢) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِكَةٌ. صَحَّ إقْرَارُهُ، وَلَهُ تَفْسِيرُهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مُقِرًّا بِنِصْفِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] . فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ، كَذَا هَاهُنَا. وَلَنَا، أَنَّ أَيَّ جُزْءٍ كَانَ لَهُ مِنْهُ، فَلَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، فَكَانَ لَهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا شَاءَ، كَالنِّصْفِ، وَلَيْسَ إطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ مَجَازًا، وَلَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، وَالْآيَةُ تُثْبِتُ التَّسْوِيَةَ فِيهَا بِدَلِيلٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا. [فَصْلٌ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ] (٣٨٦٣) فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ: وَإِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ. أَوْ كَذَا. صَحَّ إقْرَارُهُ، وَلَزِمَهُ تَفْسِيرُهُ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَيُفَارِقُ الدَّعْوَى، حَيْثُ لَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً؛ لِكَوْنِ الدَّعْوَى لَهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ مَعَ الْجَهَالَةِ دُونَ مَالِهِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا لَمْ يُصَحِّحْ دَعْوَاهُ، فَلَهُ دَاعٍ إلَى تَحْرِيرِهَا، وَالْمُقِرُّ لَا دَاعِيَ لَهُ إلَّا التَّحْرِيرُ، وَلَا يُؤْمَنُ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ، فَيَضِيعُ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ، فَأَلْزَمْنَاهُ إيَّاهُ مَعَ الْجَهَالَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ، حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْعَلُ نَاكِلًا، وَيُؤْمَرُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ بَيَّنَ شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ، ثَبَتَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيَانِ، قِيلَ لَهُ: إنْ بَيَّنْت، وَإِلَّا جَعَلْنَاك نَاكِلًا، وَقَضَيْنَا عَلَيْك. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنْ بَيَّنْت وَإِلَّا حَلَّفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيه، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَيْك. فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا أَحَلَفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَى الْمُقِرِّ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ، فَيُحْبَسُ بِهِ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ مَتَى عَيَّنَهُ الْمُدَّعِي وَادَّعَاهُ، فَنَكَلَ الْمُقِرُّ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ. وَإِنْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، أُخِذَ وَرَثَتُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَى مَوْرُوثِهِمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ وَقَدْ صَارَتْ إلَى الْوَرَثَةِ، فَيَلْزَمُهُمْ مَا لَزِمَ مَوْرُوثَهُمْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحَقُّ مُعَيَّنًا. وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ الْمَيِّتُ تَرِكَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَرَثَةِ. وَمَتَى فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ وَثَبَتَ، إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَيَدَّعِيَ جِنْسًا آخَرَ، أَوْ لَا يَدَّعِيَ شَيْئًا، فَيَبْطُلَ إقْرَارُهُ.

стр. 2021

وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً، كَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ، أَوْ قِشْرَةِ بَاذِنْجَانَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ اعْتِرَافٌ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ثَابِتٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ. وَكَذَلِكَ إنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ فِي الشَّرْعِ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ، لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ، وَتَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، فَالْإِيجَابُ يَتَنَاوَلُهُ. وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا يَجِبُ ضَمَانُهُ، وَهَذَا لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَبَّةِ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ وَنَحْوِهَا، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً عَلَى انْفِرَادِهِ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَدِّ قَذْفٍ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى مَالٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ عَلَيَّ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَيَئُولُ إلَى الْمَالِ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ، أَوْ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ، فَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ. وَهَذَا الْإِقْرَارُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ تَفْسِيرُهُ بِهِ، إذَا أَرَادَ أَنَّ حَقًّا عَلَيَّ رَدُّ سَلَامِهِ إذَا سَلَّمَ، وَتَشْمِيتُهُ إذَا عَطَسَ؛ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا: يَرُدُّ سَلَامَهُ، وَيُشَمِّتُ عَطْسَتَهُ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ» . وَإِنْ قَالَ: غَصَبْته شَيْئًا. وَفَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ، قُبِلَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْغَصْبِ يَقَعُ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ: غَصَبْته نَفْسَهُ. لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْفَصْلُ أَكْثَرُهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلْ تَفْسِيرُ إقْرَارِهِ بِغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الشَّيْءُ فِي الْإِقْرَارِ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَصَحَّ التَّفْسِيرُ كَالْمَكِيلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ. [فَصْل الْإِقْرَار بِمَالِ] (٣٨٦٤) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ [الذاريات: ١٩] . وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ؛

стр. 2022

أَحَدُهَا، كَقَوْلِنَا. وَالثَّانِي؛ لَا يُقْبَلُ إلَّا أَوَّلُ نِصَابٍ مِنْ نُصُبِ الزَّكَاةِ، مِنْ نَوْعِ أَمْوَالِهِمْ. وَالثَّالِثُ، مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ، وَيَصِحُّ مَهْرًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . وَلَنَا، أَنَّ غَيْرَ مَا ذَكَرُوهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، وَيَتَمَوَّلُ عَادَةً، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ، كَاَلَّذِي وَافَقُوا عَلَيْهِ. وَأَمَّا آيَةُ الزَّكَاةِ فَهِيَ عَامَّةٌ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ [الذاريات: ١٩] . لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، ثُمَّ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . وَالتَّزْوِيجُ جَائِزٌ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ، وَبِمَا دُونَ النِّصَابِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ كَثِيرٌ، أَوْ جَلِيلٌ، أَوْ خَطِيرٌ. جَازَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَالٌ. لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ، وَيَكُونُ صَدَاقًا عِنْدَهُ. وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَبِهِ قَالَ صَاحِبَاهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَالِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ أَقَلَّ زِيَادَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَدْرَ الدِّيَةِ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: اثْنَانِ وَسَبْعُونَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥] . وَكَانَتْ غَزَوَاتُهُ وَسَرَايَاهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ. قَالُوا: وَلِأَنَّ الْحَبَّةَ لَا تُسَمَّى مَالًا عَظِيمًا وَلَا كَثِيرًا. وَلَنَا، أَنَّ مَا فُسِّرَ بِهِ الْمَالُ فُسِّرَ بِهِ الْعَظِيمُ، كَاَلَّذِي سَلَّمُوهُ، وَلِأَنَّ الْعَظِيمَ وَالْكَثِيرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا فِي اللُّغَةِ، وَلَا الْعُرْفِ، وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْقَلِيلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَحْتَقِرُ الْكَثِيرَ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَى تَفْسِيرِهِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ مَالٍ إلَّا وَهُوَ عَظِيمٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَظِيمًا عِنْدَهُ؛ لِفَقْرِ نَفْسِهِ وَدَنَاءَتِهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ لِلْكَثِيرِ، وَكَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ كَثِيرًا لَا يَمْنَعُ الْكَثْرَةَ فِيمَا دُونَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] . فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] . فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ. وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَالَ: عَظِيمٌ جِدًّا، أَوْ عَظِيمٌ عَظِيمٌ. كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْهُ؛ لِمَا قَرَّرْنَاهُ.

стр. 2023

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ فَفَسَّرَهُ بِأَكْثَر مِنْهُ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا] (٣٨٦٥) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ. فَفَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا، لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَتُفَسَّرُ الزِّيَادَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ أَرَادَ، وَلَوْ حَبَّةً أَوْ أَقَلَّ. وَإِنْ قَالَ مَا عَلِمْت لِفُلَانٍ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا. وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَكْثَر مِنْهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَبْلَغَ الْمَالِ حَقِيقَةً لَا يُعْرَفُ فِي الْأَكْثَرِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَيَمْلِكُ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُقِرُّ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ إلَى مَا اعْتَقَدَهُ الْمُقِرُّ مَعَ يَمِينِهِ، إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَالِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِمَالِهِ، لَمْ يَقْبَلْ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَالَ فُلَانٍ أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرُهُ، أَوْ قَالَهُ عَقِيبَ الشَّهَادَةِ بِقَدْرِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ بَقَاءً أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ بَرَكَةً، لِكَوْنِهِ مِنْ الْحَلَالِ، أَوْ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ. فَقَالَ: لَك عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ مُبْهَمَةٌ، لِاحْتِمَالِهَا مَا ذَكَرْنَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهُ فُلُوسًا، أَوْ حَبَّ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دَخَنٍ، فَرَجَعَ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي الْعَدَدِ، أَوْ فِي الْقَدْرِ، وَتَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ مَا أُضِيفَ أَكْثَرُ إلَيْهِ، لَا يُفْهَمُ فِي الْإِطْلَاقِ غَيْرُ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ [غافر: ٨٢] . وَأَخْبَرَ عَنْ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا﴾ [الكهف: ٣٤] ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا﴾ [سبأ: ٣٥] . وَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ دُونَ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ جِيَادًا صِحَاحًا وَازِنَةً حَالَّةً. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ. لَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهَا الْوَدِيعَةِ. وَلَوْ رَجَعَ إلَى مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ لَسَقَطَ الْإِقْرَارُ. وَاحْتِمَالُ مَا ذَكَرُوهُ أَبْعَدُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي لَمْ يَقْبَلُوا تَفْسِيرَهُ بِهَا، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا. [فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا شَيْئًا] (٣٨٦٦) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، إلَّا شَيْئًا. قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يَحْتَمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَّا قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ مُبْهَمٌ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: إلَّا شَيْئًا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مُعْظَمُ أَلْفٍ، أَوْ جُلُّ أَلْفٍ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفٍ. لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ، وَيَحْلِفُ عَلَى الزِّيَادَةِ إنْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ.

стр. 2024

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا] (٣٨٦٧) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا. فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: (٣٨٦٨) أَحَدُهَا، أَنْ يَقُولَ: كَذَا. بِغَيْرِ تَكْرِيرٍ وَلَا عَطْفٍ. الثَّانِيَةُ، أَنْ يُكَرِّرَ بِغَيْرِ عَطْفٍ. الثَّالِثَةُ، أَنْ يَعْطِفَ، فَيَقُولَ: كَذَا وَكَذَا. فَأَمَّا الْأُولَى، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ. لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ. بِالرَّفْعِ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ. وَتَقْدِيرُهُ شَيْءٌ هُوَ دِرْهَمٌ، فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ بَدَلًا مِنْ كَذَا. الثَّانِي، أَنْ يَقُولَ: دِرْهَمٍ. بِالْجَرِّ، فَيَلْزَمُهُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، أَوْ بَعْضُ دِرْهَمٍ. وَيَكُونُ كَذَا كِنَايَةً عَنْهُ. الثَّالِثُ، أَنْ يَقُولَ: دِرْهَمًا. بِالنَّصْبِ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ، وَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى التَّفْسِيرِ، وَهُوَ التَّمْيِيزُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ، كَأَنَّهُ قَطَعَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِدِرْهَمٍ. وَهَذَا عَلَى قَوْلِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ. الرَّابِعُ، أَنْ يَذْكُرَهُ بِالْوَقْفِ، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَ حَرَكَةَ الْجَرِّ لِلْوَقْفِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَلَنَا، أَنَّ " كَذَا " اسْمٌ مُبْهَمٌ فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ فِي حَالِ الْجَرِّ وَالْوَقْفِ. (٣٨٦٩) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، إذَا قَالَ: كَذَا كَذَا. بِغَيْرِ عَطْفٍ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي " كَذَا " بِغَيْرِ تَكْرَارٍ سَوَاءٌ، لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ. وَلَا يَقْتَضِي تَكْرِيرُهُ الزِّيَادَةَ، كَأَنَّهُ قَالَ: شَيْءٌ شَيْءٌ. وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَهُ بِالْجَرِّ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَضَافَ جُزْءًا إلَى جُزْءٍ، ثُمَّ أَضَافَ الْجُزْءَ الْآخَرَ إلَى الدِّرْهَمِ، فَقَالَ: نِصْفَ تُسْعِ دِرْهَمٍ. وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا كَذَا. لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ دِرْهَمٍ، وَنَحْوَهُ. (٣٨٧٠) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، إذَا عَطَفَ، فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٌ. بِالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهُمَا دِرْهَمًا، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: هُمَا دِرْهَمٌ. وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمًا. بِالنَّصْبِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّ " كَذَا " يَحْتَمِلُ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُمَا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، جَازَ، وَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا. وَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، فَإِذَا فَسَّرَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ عَادَ التَّفْسِيرُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، كَقَوْلِهِ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا. يَعُودُ التَّفْسِيرُ إلَى الْعِشْرِينَ، وَكَذَا هَاهُنَا. وَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ.

стр. 2025

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ، يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ. وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه، فَيَلْزَمُهُ بِهَا دِرْهَمٌ، وَالْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى إبْهَامِهَا، فَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ. وَهَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ التَّمِيمِيِّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا قَالَ: كَذَا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ. وَإِنْ قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ. وَإِنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ عُطِفَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ يُفَسَّرُ بِذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ. بِالْجَرِّ لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُضَافُ إلَى الْوَاحِدِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ إذَا قَالَ: كَذَا كَذَا، أَوْ كَذَا وَكَذَا. يَلْزَمُهُ بِهِمَا أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قُلْنَا، وَيَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دَرَاهِمُ. لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَلَا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْأَمْرَيْنِ، جَازَ التَّفْسِيرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ مُوجِبًا لِأَكْثَرَ مِنْ الْمُكَرَّرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْمُفْرَدِ عِشْرُونَ، وَبِالْمُكَرَّرِ أَحَدَ عَشَرَ، وَلَا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَنَاوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ بِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ بِمُكَرَّرِهِ. [فَصْل قَالَ غَصَبْتُكَ أَوْ غَبَنْتُك] (٣٨٧١) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُك، أَوْ غَبَنْتُك. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ، وَيَغِبْنَهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ. وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُك شَيْئًا. وَفَسَّرَهُ بِغَصْبِ نَفْسِهِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مَفْعُولَيْنِ، فَجَعَلَهُ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ وَشَيْئًا الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَالٍ، قُبِلَ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، أَوْ سِرْجِينٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْهَرُهُ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ، أَوْ بِمَا لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ أَخْذَ ذَلِكَ لَيْسَ بِغَصْبٍ. [فَصْل الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ] (٣٨٧٢) فَصْلٌ: وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ صَحِيحٌ، وَمَا كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ، كَالْمَعْلُومِ. [مَسْأَلَة قَالَ لَهُ عِنْدِيّ رَهْنٌ فَقَالَ الْمَالِكُ وَدِيعَةٌ] (٣٨٧٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي رَهْنٌ. فَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ) . إنَّمَا قَدَّمَ قَوْلَ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ ثَبَتَتْ لَهُ بِالْإِقْرَارِ، وَادَّعَى الْمُقَرُّ دَيْنًا لَا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَالٍ لِغَيْرِهِ، وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بِهِ تَعَلُّقًا، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ.

стр. 2026

وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ، وَقَالَ: اسْتَأْجَرْتهَا. أَوْ بِثَوْبٍ وَادَّعَى أَنَّهُ قَصَّرَهُ، أَوْ خَاطَهُ بِأَجْرٍ يَلْزَمُ الْمُقَرَّ لَهُ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقًّا، فَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ، وَلِي سُكْنَاهَا سَنَةً. [فَصْلٌ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ] (٣٨٧٤) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ. فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَلْ لِي عَلَيْك أَلْفٌ، وَلَا شَيْءَ لَك عِنْدِي. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْأَلْفِ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مَبِيعًا، فَأَشْبَهَ مَا إذَا قَالَ: هَذَا رَهْنٌ. فَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ. أَوْ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلِي عِنْدَهُ مَبِيعٌ لَمْ أَقْبِضْهُ. وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ فِي مُقَابَلَةِ حَقٍّ لَهُ، وَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَالَهُ، لَمْ يُسَلِّمْ لِلْمُقَرِّ لَهُ مَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ. قَالَ: بَلْ مَلَّكْتنِيهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَفَارَقَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ: عِنْدِي رَهْنٌ. فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ وَدِيعَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّهْنِ. وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: بِعْتُك نَفْسَك بِأَلْفٍ. فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ. عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَنْفَكُّ عَنْ الثَّمَنِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَمْ أَقْبِضْهُ مُنْفَصِلًا أَوْ مُتَّصِلًا. فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ. ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهُ. فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ تَعَلَّقَ بِالْمَبِيعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَبْضِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ. فَأَمَّا إنْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ. ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ. لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُ وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَمْ يُقْبَلْ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ. ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: مُؤَجَّلٌ. [فَصْلٌ قَالَ بِعْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ قَالَ بَلْ زَوَّجْتنِيهَا] (٣٨٧٥) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: بِعْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ. قَالَ: بَلْ زَوَّجْتنِيهَا. فَلَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الِاسْتِيلَادِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اعْتِرَافِ الْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا لِمُدَّعِي الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا، وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيَدَّعِي حِلَّهَا لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَيَثْبُتُ الْحِلُّ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا تُرَدُّ إلَى الْبَائِعِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَ الِاسْتِيلَادِ، فَالْبَائِعُ يُقِرُّ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُهَا حُرٌّ، وَأَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهُ، وَيَدَّعِي الثَّمَنَ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ؛ لِإِقْرَارِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَلَا تُرَدُّ الْأَمَةُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُهَا إلَّا قَدْرَ الْمَهْرِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُوبِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي

стр. 2027

سَبَبِهِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَحَالَفَانِ، وَلَا يَجِبُ مَهْرٌ وَلَا ثَمَنٌ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ عَلَى الْبَائِعِ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْيَمِينَ فِي إنْكَارِ النِّكَاحِ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ عَلَى زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا سَيِّدٌ، وَكِلَاهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: نَفَقَتُهَا فِي كَسْبِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ؛ لِأَنَّنَا أَزَلْنَا عَنْهَا مِلْكَ السَّيِّدِ، وَأَثْبَتْنَا لَهَا حُكْمَ الِاسْتِيلَادِ. فَإِنْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ مَالًا، فَلِلْبَائِعِ قَدْرُ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَهُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَهَا، وَتَرِكَتُهَا لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ لِلْبَائِعِ بِهَا، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيهِ. وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهِيَ مِلْكُهُ، وَتَرِكَتُهَا كُلَّهَا لَهُ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيه، وَبَقِيَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ. وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ، فَقَدْ مَاتَتْ حُرَّةً، فَمِيرَاثُهَا لِوَلَدِهَا وَوَرَثَتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ، فَمِيرَاثُهَا مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الثَّمَنَ عَلَى الْوَاطِئِ، وَلَيْسَ مِيرَاثُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَهَا. وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ، فَعِنْدِي أَنَّهَا تُقَرُّ فِي يَدِ الزَّوْجِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى حِلِّهَا لَهُ، وَاسْتِحْقَاقِهِ إمْسَاكَهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ. وَلَا تُرَدُّ إلَى السَّيِّدِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ. وَلِلْبَائِعِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْمَهْرِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ. وَالْأَمْرُ فِي الْبَاطِنِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ صَادِقًا، فَالْأُمَّةُ حَلَالٌ لِزَوْجِهَا بِالْبَيْعِ. وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ. وَالْقَدْرُ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ، إنْ كَانَ السَّيِّدُ صَادِقًا، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ ثَمَنًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ مَهْرًا. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ، وَلَا يَحْتَاجُ السَّيِّدُ إلَى الْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ فِيهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَتَحَالَفَانِ مَعًا، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مَا ثَبَتَ، وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَدَّعِيهِ، وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ إلَى سَيِّدِهَا، وَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَرْجِعُ إلَيْهِ، فَيَمْلِكُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَمَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي السِّلْعَةِ عِنْدَ فَلْسِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ هَاهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ، فَيَحْتَاجُ السَّيِّدُ أَنْ يَقُولَ: فَسَخْت الْبَيْعَ. وَتَعُودُ إلَيْهِ مِلْكًا. وَالثَّانِي، تَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ مَعَ إمْكَانِهِ. فَعَلَى هَذَا يَبِيعُهَا الْحَاكِمُ وَيُوَفِّيه ثَمَنَهَا، فَإِنْ كَانَ وَفْقَ حَقِّهِ، فَحَسَنٌ. وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، أَخَذَهُ، وَإِنْ زَادَ، فَالزِّيَادَةُ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُقِرُّ بِهَا لِلْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَهَلْ تُقَرُّ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. فَإِنْ رَجَعَ الْبَائِعُ، وَقَالَ: صَدَقَ خَصْمِي، مَا بِعْته إيَّاهَا، بَلْ زَوَّجْته. لَمْ يُقْبَلْ فِي إسْقَاطِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَلَا فِي اسْتِرْجَاعِهَا إنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَقُبِلَ فِي إسْقَاطِ الثَّمَنِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ، وَأَخْذِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، وَاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهَا وَمِيرَاثِ وَلَدِهَا. وَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجُ، ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ.

стр. 2028

[فَصْلٌ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ] (٣٨٧٦) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، أَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ لِغَيْرِهِمَا فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا مِنْ سَيِّدِهِ، عَتَقَ فِي الْحَالِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ حُرٌّ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِرِقِّهِ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي اسْتِنْقَاذًا وَاسْتِخْلَاصًا، فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ، حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ؛ لِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَرَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا، فَدَفَعَا إلَى الزَّوْجِ عِوَضًا لِيَخْلَعَهَا، صَحَّ، وَكَانَ فِي حَقِّهِ خُلْعًا صَحِيحًا، وَفِي حَقِّهِمَا اسْتِخْلَاصًا، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ: مَا أَعْتَقْته. وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: مَا أَعْتَقْته. وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: مَا أَعْتَقَهُ إلَّا الْبَائِعُ وَأَنَا اسْتَخْلَصْته. فَإِنْ مَاتَ وَخَلَّفَ مَالًا، فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ قَوْلِهِ، فَالْمَالُ لَهُ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ، لِأَنَّ الرَّاجِعَ إنْ كَانَ الْبَائِعَ، فَقَالَ: صَدَقَ الْمُشْتَرِي، كُنْت أَعْتَقْته. فَالْوَلَاءُ لَهُ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِعُ الْمُشْتَرِيَ، قُبِلَ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ، وَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ رَجَعَا مَعًا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوقَفَ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَأَحَدِهِمَا، وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقَرُّ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِذَلِكَ. [فَصْلٌ أَقَرَّ لِرَجُلِ بِعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ] (٣٨٧٧) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت لَك بِهِ. قَالَ: بَلْ هُوَ غَيْرُهُ. لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه، وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَبْدٌ سِوَاهُ. فَإِنْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ، فَادَّعَاهُ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ. وَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: صَدَقْت، هَذَا لِي الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ آخَرُ لِي عِنْدَك. لَزِمَهُ تَسْلِيمُ هَذَا، وَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ. [مَسْأَلَة مَاتَ فَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ] (٣٨٧٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ، فَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ، لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْوَارِثَيْنِ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ ثَالِثٍ، مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ الْمُنْكِرِ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْكِرٌ، وَلَمْ تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ، وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُشَارِكُهُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى

стр. 2029

يُقِرُّوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، فَلَا يَرِثُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ مَالٍ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ، فَلَزِمَهُ الْمَالُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، فَأَنْكَرَ الْآخَرُ. وَفَارَقَ مَا إذَا أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ؛ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِبُطْلَانِهِ. وَلِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهُ بِمَالٍ يَدَّعِيه الْمُقَرُّ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ، أَوْ أَقَرَّ لَهُ وَصِيَّةً، فَأَنْكَرَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَهُ فَضْلُ مَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيرَاثِهِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَشَرِيكٌ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَ اثْنَانِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ، لَزِمَهُ دَفْعُ نِصْفِ مَا فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ، لَزِمَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ، فَصَارَ كَالْغَاصِبِ، فَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ غَصَبَ بَعْضَ التَّرِكَةِ أَجْنَبِيٌّ. وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ التَّرِكَةِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِهَا، فَإِذَا هَلَكَ بَعْضُهَا، أَوْ غُصِبَ، تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِبَاقِيهَا، وَاَلَّذِي فِي يَدِ الْمُنْكِرِ كَالْمَغْصُوبِ، فَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَجْنَبِيٌّ. وَلَنَا، أَنَّ التَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا فِي يَدِهِ إلَّا الثُّلُثَ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ. وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِ وَحِصَّةِ أَخِيهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَخُصُّهُ، كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ، وَكَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ بِدَيْنٍ. وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَهُ بِالنَّسَبِ أَجْنَبِيٌّ ثَبَتَ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا، لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَالْوَصِيَّةِ. وَفَارَقَ مَا إذَا غَصَبَ بَعْضَ التَّرِكَةِ وَهُمَا اثْنَانِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ، وَهَا هُنَا يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مِنْ كُلّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ صَادِقًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ نَصِيبَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ. وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ أَوْ ثُلُثَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. [فَصْلٌ إقْرَار جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِنَسَبِ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي الْمِيرَاثِ] (٣٨٧٩) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِنَسَبِ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي الْمِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَرَثَةُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي مِيرَاثِهِ، وَدُيُونِهِ، وَالدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَبَيِّنَاتِهِ، وَدَعَاوِيهِ، وَالْأَيْمَانِ الَّتِي لَهُ وَعَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي النَّسَبِ. وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إذَا قَدِمْت مَكَّةَ أَنْ أَنْظُرَ إلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، وَأَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْنُهُ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ لَك

стр. 2030

يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . فَقَضَى بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ. وَقَالَ " احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ". وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ النَّسَبَ عَلَى غَيْرِهِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالشَّهَادَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالدَّيْنِ. وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْعَدَدُ فِيهِ، كَإِقْرَارِ الْمَوْرُوثِ، وَاعْتِبَارِهِ بِالشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ وَلَا الْعَدَالَةُ، وَيَبْطُلُ بِالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ. [فَصْلٌ شُرُوطِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ] (٣٨٨٠) فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِوَلَدٍ، اُعْتُبِرَ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَجْهُولَ النَّسَبِ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَسَبَهُ الثَّابِتَ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيه. الثَّانِي، أَنْ لَا يُنَازِعَهُ فِيهِ مُنَازِعٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَازَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ تَعَارَضَا، فَلَمْ يَكُنْ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. الثَّالِثُ، أَنْ يُمْكِنَ صِدْقُهُ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُولَدَ لِمِثْلِهِ. الرَّابِعُ، أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا قَوْلَ لَهُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، أَوْ يُصَدِّقَ الْمُقِرَّ إنْ كَانَ ذَا قَوْلٍ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُهُ. فَإِنْ كَبِرَ وَعَقَلَ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ ادَّعَى مِلْكَ عَبْدٍ صَغِيرٍ فِي يَدِهِ، وَثَبَتَ بِذَلِكَ مِلْكُهُ، فَلَمَّا كَبِرَ جَحَدَ ذَلِكَ. وَلَوْ طَلَبَ إحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ عَادَ فَجَحَدَ النَّسَبَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَإِنْ اعْتَرَفَ إنْسَانٌ بِأَنَّ هَذَا أَبُوهُ، فَهُوَ كَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ. فَأَمَّا إنْ كَانَ إقْرَارًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، كَإِقْرَارٍ بِأَخٍ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ، وَشَرْطٌ خَامِسٌ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُقِرِّ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً لَا وَارِثَ مَعَهُمَا، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ الْإِمَامُ مَعَهُ، ثَبَتَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُسْلِمِينَ، فِي مُشَارَكَةِ الْوَارِثِ وَأَخْذِ الْبَاقِي. وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ بِنْتًا أَوْ أُخْتًا أَوْ أُمًّا أَوْ ذَا فَرْضٍ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ، كَالِابْنِ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الرَّدَّ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ. وَلَهُمْ فِيمَا إذَا وَافَقَهُ الْإِمَامُ فِي الْإِقْرَارِ وَجْهَانِ. وَهَذَا مِنْ فُرُوعِ الرَّدِّ، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَأُخْتٌ، أَوْ أُخْتٌ وَزَوْجٌ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَأْخُذَانِ الْمَالَ كُلَّهُ. وَإِذَا أَقَرَّ بِابْنِ ابْنِهِ، وَابْنُهُ مَيِّتٌ، اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِعَمٍّ وَهُوَ ابْنُ جَدِّهِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

стр. 2031

(٣٨٨١) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ غَيْرَ وَارِثٍ، لِكَوْنِهِ رَقِيقًا، أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِ مَوْرُوثِهِ، أَوْ قَاتِلًا، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَرِثُ، شَارَكَ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ، لِوُجُودِ أَحَدِ الْمَوَانِعِ فِيهِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَرِثْ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقِرُّ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. [فَصْل كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَأَقَرَّ الْمُكَلَّفُ بِأَخٍ ثَالِثٍ] (٣٨٨٢) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَأَقَرَّ الْمُكَلَّفُ بِأَخٍ ثَالِثٍ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ. فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، فَأَقَرَّا بِهِ أَيْضًا، ثَبَتَ نَسَبُهُ؛ لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَنْكَرَ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ. وَإِنْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ. وَلَوْ كَانَ الْوَارِثَانِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ، فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ وَوَرِثَهُ الْمُقِرُّ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَرِيكُهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ وَارِثٌ. وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، لَمْ يَثْبُت النَّسَبُ بِقَوْلِ الْبَاقِي مِنْهُمَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّ الْوَرَثَةِ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ الثَّانِي مَقَامَهُ، فَإِذَا وَافَقَ الْمُقِرَّ فِي إقْرَارِهِ ثَبَتَ النَّسَبُ، وَإِنْ خَالَفَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَالْمَوْرُوثِ. وَإِنْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ، وَخَلَّفَ ابْنًا، فَأَقَرَّ بِاَلَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُوهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ؛ لِإِقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ؛ لِإِنْكَارِ الْمَيِّتِ لَهُ. [فَصْلٌ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ] (٣٨٨٣) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ، كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، وَأَخٍ مِنْ أَبٍ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، وَابْنِ ابْنٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَوَرِثَ وَسَقَطَ الْمُقِرُّ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ. فَسَقَطَ، بَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَخَرَجَ الْمُقَرُّ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا، فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ، وَيَسْقُطُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ وَتَوْرِيثُهُ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إسْقَاطِ نَسَبِهِ وَتَوْرِيثِهِ، فَأَثْبَتْنَا النَّسَبَ دُونَ الْمِيرَاثِ. وَلَنَا، أَنَّهُ ابْنٌ ثَابِتُ النَّسَبِ، لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ أَحَدُ مَوَانِعِ الْإِرْثِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] .

стр. 2032

أَيْ فَيَرِثُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ سَبَبٌ لِلْمِيرَاثِ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ حُكْمِهِ عَنْهُ، وَلَا يُوَرَّثُ مَحْجُوبٌ بِهِ مَعَ وُجُودِهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ. وَمَا احْتَجُّوا بِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ كَوْنِ الْمُقِرِّ وَارِثًا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُقَرِّ بِهِ، وَخُرُوجُهُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ الْإِرْثِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِابْنَ إذَا أَقَرَّ بِأَخٍ فَإِنَّهُ يَرِثُ، مَعَ كَوْنِهِ يَخْرُجُ بِإِقْرَارِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ بِهِ، فَصَارَ إقْرَارًا مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ طِفْلًا أَوْ مَجْنُونًا، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ، فَقَدْ أَقَرَّ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ. قُلْنَا: وَمِثْلُهُ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْقَوْلِ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ فَأَقَرَّ الْبَالِغُ بِأَخٍ آخَر، لَمْ يُقْبَلْ، وَلَمْ يَقُولُوا: أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَتُهُ، كَذَا هَاهُنَا. وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ إنْسَانٍ عَبْدٌ مَحْكُومٌ لَهُ بِمِلْكِهِ، فَأَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ، ثَبَتَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ يَخْرُجُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ كَوْنِهِ مَالِكًا، كَذَا هَاهُنَا. [فَصْلٌ خَلَّفَ ابْنًا فَأَقَرَّ بِأَخٍ] (٣٨٨٤) فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا، فَأَقَرَّ بِأَخٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِثَالِثٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ. فَإِنْ قَالَ الثَّالِثُ: الثَّانِي لَيْسَ بِأَخٍ لَنَا. فَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ نَسَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ وَارِثٌ مُنْكِرٌ لِنَسَبِ الثَّانِي، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ نَسَبُهُ ثَابِتًا قَبْلَ الثَّانِي. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرِ: لَا يَسْقُطُ نَسَبُهُ وَلَا مِيرَاثُهُ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ، فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ لَوْ أَنْكَرَ الثَّالِثَ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُ نَسَبِ مَنْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِقَوْلِهِ، كَالْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ. [فَصْلٌ أَقَرَّ الِابْنُ بِأَخَوَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً] (٣٨٨٥) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الِابْنُ بِأَخَوَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا. وَإِنْ تَكَاذَبَا، فَفِيهِمَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ. وَالثَّانِي، يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ الْإِقْرَارُ بِهِ مِنْ ثَابِتِ النَّسَبِ، هُوَ كُلَّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُصَدِّقُ صَاحِبَهُ دُونَ الْآخَرِ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَفِي الْآخَرِ وَجْهَانِ.

стр. 2033

وَإِنْ كَانَا تَوْأَمَيْنِ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا، وَلَمْ يَلْتَفِت إلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ تَجَاحَدَا مَعًا، أَوْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ كَذِبَهُمَا، فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ. وَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِنَسَبِ أَحَدِهِمَا، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي النَّسَبِ. وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرَيْنِ، دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ نَسَبُ الْكَبِيرَيْنِ الْمُتَجَاحِدَيْنِ. وَهَلْ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ، وَلَمْ يَجْحَدْهُ أَحَدٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ. وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَارِثٌ، وَلَمْ يُقِرَّ بِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ كُلُّ الْوَرَثَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، وَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْمِيرَاثِ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ أَوْ لَمْ نَقُلْ؛ لِأَنَّهُ مُقَرٌّ بِهِ. [فَصْلٌ خَلَّفَ امْرَأَةً وَأَخًا فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِابْنِ لِلْمَيِّتِ وَأَنْكَرَ الْأَخُ] (٣٨٨٦) فَصْلٌ: إذَا خَلَّفَ امْرَأَةً وَأَخًا، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ. وَأَنْكَرَ الْأَخُ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَدَفَعَتْ إلَيْهِ ثُمْنَ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ الْفَضْلَةُ الَّتِي فِي يَدِ الزَّوْجَةِ عَنْ مِيرَاثِهَا. وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ وَحْدَهُ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ الْمَالِ. فَإِنْ خَلَّفَ اثْنَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِامْرَأَةٍ لِأَبِيهِ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ، وَيَدْفَعُ إلَيْهَا نِصْفَ الْمِيرَاثِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ زَالَتْ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُقَرُّ بِهِ حَقُّهَا مِنْ الْمِيرَاثِ. وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ: لَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَ هَذَا، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَيُقِرَّ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ بِأَخٍ لِلْمَيِّتِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، أَوْ مِنْ أَبٍ، أَوْ مِنْ أُمٍّ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ. وَإِنْ أَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ، دَفَعَ إلَيْهِمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تُسْعٌ، وَفِي يَدِهِ سُدْسٌ، وَهُوَ تُسْعٌ وَنِصْفُ تُسْعٍ، فَيَفْضُلُ فِي يَدِهِ نِصْفُ تُسْعٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ. [فَصْلٌ شَهِدَ مِنْ الْوَرَثَةِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبِ مُشَارِك لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ] (٣٨٨٧) فَصْل: وَإِذَا شَهِدَ مِنْ الْوَرَثَةِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ إذَا لَمْ يَكُونَا مُتَّهَمَيْنِ. وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِ الْمَيِّتِ بِهِ. وَإِنْ كَانَا مُتَّهَمَيْنِ، كَأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ يَشْهَدَانِ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتَانِ مِنْ أَبَوَيْنِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ الْعَوْلَ، فَيَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمَا الثُّلُثُ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا بِأَخٍ مِنْ أَبٍ، فِي مَسْأَلَةٍ مَعَهُمَا أُمٌّ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ، لَمْ تُقْبَلْ

стр. 2034

شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ أُخْتَهُ، فَيَذْهَبُ الْعَوْلُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَثَبَتَ النَّسَبُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ. [فَصْلٌ أَقَرَّ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبِ مُشَارِك لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ وَثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا] (٣٨٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ، وَثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُمَا بَيِّنَةٌ. وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ النَّسَبُ، كَالْوَاحِدِ. وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَالَةُ وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالْإِقْرَارُ بِخِلَافِهِ. [فَصْل أَقَرَّ بِنَسَبِ مَيِّتٍ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ] (٣٨٨٩) فَصْلٌ: إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ مَيِّتٍ، صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَوَرِثَهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ دُونَ مِيرَاثِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَصْدِ أَخْذِ مِيرَاثِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا إرْثُهُ؛ لِذَلِكَ. وَلَنَا، أَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ فِي حَيَاتِهِ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَثْبُتُ بِهِ، كَحَالَةِ الْحَيَاةِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ حَيًّا مُوسِرًا، أَوْ الْمُقِرُّ فَقِيرًا، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَيَمْلِكُ الْمُقِرُّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ، وَإِيقَافَهُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا عَاقِلًا، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ، أَشْبَهَ الصَّغِيرَ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْمُكَلَّفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ الْمُكَلَّفِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُقِرُّ، ثُمَّ صَدَّقَهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَدَّقَهُ فِي حَيَاتِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ، أَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجُهَا، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُقَرَّ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرِثَهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مَعًا. [فَصْلٌ خَلَّفَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَابْنًا مِنْ غَيْرِهَا فَأَقَرَّ الِابْنُ بِأَخٍ لَهُ] (٣٨٩٠) فَصْلٌ: وَإِذَا خَلَّفَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَابْنًا مِنْ غَيْرِهَا، فَأَقَرَّ الِابْنُ بِأَخٍ لَهُ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ. وَهَلْ يَتَوَارَثَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَتَوَارَثَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَى صَاحِبِهِ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمَا. وَالثَّانِي، لَا يَتَوَارَثَانِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَثْبُتْ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَارِثٌ غَيْرَ صَاحِبِهِ، لَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنَازَعٌ فِي الْمِيرَاثِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ.

стр. 2035

[فَصْلٌ ثَبَتَ النَّسَبُ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ] (٣٨٩١) فَصْلٌ: وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ بِالْإِقْرَارِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ فَلَمْ يَزُلْ بِإِنْكَارِهِ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِالْفِرَاشِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، أَوْ مُكَلَّفًا، فَصَدَّقَ الْمُقِرُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ نَسَبُ الْمُكَلَّفِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمَا، فَزَالَ بِرُجُوعِهِمَا، كَالْمَالِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، فَأَشْبَهَ نَسَبَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ. وَفَارَقَ الْمَالَ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ. [فَصْلٌ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِوَلَدِ وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا نَسَبٍ] (٣٨٩٢) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ، وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا نَسَبٍ، قُبِلَ إقْرَارُهَا. وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، فَهَلْ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ، أَوْ إلْحَاقًا لِلْعَارِ بِهِ بِوِلَادَةِ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَالثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا شَخْصٌ أَقَرَّ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَقُبِلَ كَالرَّجُلِ. وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنُ مَنْصُورٍ، فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: فَإِنْ كَانَ لَهَا إخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ابْنُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَافِعٌ فَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ ذَاتَ أَهْلٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ وِلَادَتُهَا، فَمَتَى ادَّعَتْ وَلَدًا لَا يَعْرِفُونَهُ، فَالظَّاهِرُ كَذِبُهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ دَعْوَاهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ. [فَصْلٌ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ وَمَعَهَا طِفْلٌ فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ] (٣٨٩٣) فَصْلٌ: وَلَوْ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، وَمَعَهَا طِفْلٌ، فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ، لَحِقَهُ؛ لِوُجُودِ الْإِمْكَانِ، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ أَرْضَهُمْ، أَوْ دَخَلَتْ هِيَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَوَطِئَهَا، وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ غَيْبَتِهِ، لَحِقَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قُدُومٌ إلَيْهَا، وَلَا عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا. [فَصْلٌ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ] (٣٨٩٤) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْحُرِّيَّةِ، كَانَ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّتِهَا؛ لِأَنَّ أَنْسَابَ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْوَالَهُمْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ مِنْهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ. وَلَنَا، أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَيْسَتْ مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَلَا مَضْمُونِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً
следующие страницы →