← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 8463

المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة

ابن قدامة

Полный текст (5 009 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْوَلِيِّ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ لِلْمَالِكِ التَّبَرُّعَ وَالْإِبْرَاءَ وَمَا لَا حَظَّ لَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ. [فَصْلٌ كَانَ لِلصَّبِيِّ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ] (٤٠٤٢) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوَلِيُّ، فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ رَخِيصًا، أَوْ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ لِشِرَاءِ الْعَقَارِ، لَزِمَ وَلِيَّهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ لَهُ، وَالْأَخْذَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، فَإِذَا أَخَذَ بِهَا، ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلصَّبِيِّ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْضَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْهَا، فَلَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ بِهَا، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِهَا الصَّبِيُّ إذَا كَبِرَ. وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ جُعِلَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ، فَمَلَكَهُ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ قِيَاسِهِ فِيمَا مَضَى. فَإِنْ تَرَكَهَا الْوَلِيُّ مَعَ الْحَظِّ فَلِلصَّبِيِّ الْأَخْذُ بِهَا إذَا كَبِرَ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ لِذَلِكَ غُرْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ تَحْصِيلَ مَالَهُ الْحَظُّ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ شِرَاءَ الْعَقَارِ لَهُ مَعَ الْحَظِّ فِي شِرَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ غِبْنَ، أَوْ كَانَ فِي الْأَخْذِ بِهَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَرْهَنَ مَالَ الصَّبِيِّ، فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِعْلَ مَا لَا حَظَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ. فَإِنْ أَخَذَ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ، وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ الْمَبِيعَ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تُؤْخَذُ بِحَقِّ الشَّرِكَةِ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْوَلِيِّ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْأَخْذَ لِنَفْسِهِ، لَمْ يَصِحَّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ بَاطِلًا، وَلَا يَصِحُّ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا كَذَا هَاهُنَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَصِحُّ الْأَخْذُ لِلصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَالْحَظُّ يَخْتَلِفُ وَيَخْفَى، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، لِزِيَادَةِ قِيمَةِ مِلْكِهِ وَالشِّقْصِ الَّذِي يَشْتَرِيه بِزَوَالِ الشَّرِكَةِ، أَوْ لِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِأَخْذِهِ كَثِيرٌ، فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْحَظِّ بِنَفْسِهِ لِخَفَائِهِ، وَلَا بِكَثْرَةِ الثَّمَنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَصَحَّ الْبَيْعُ. [فَصْلٌ بَاعَ وَصِيُّ الْأَيْتَامِ فَبَاعَ لِأَحَدِهِمْ نَصِيبًا فِي شَرِكَةِ آخَرِ] (٤٠٤٣) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ وَصِيُّ الْأَيْتَامِ، فَبَاعَ لِأَحَدِهِمْ نَصِيبًا فِي شَرِكَةِ آخَرَ، كَانَ لَهُ الْأَخْذُ لِلْآخَرِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالشِّرَاءِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ شَرِيكًا لِمَنْ بَاعَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي بَيْعِهِ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ. وَلَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ نَصِيبَهُ، كَانَ لَهُ الْأَخْذُ لِلْيَتِيمِ بِالشُّفْعَةِ، إذَا كَانَ لَهُ الْحَظُّ فِيهَا؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِهِ، لِكَوْنِ الْمُشْتَرِي لَا يُوَافِقُهُ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ حَاصِلٌ لَهُ مِنْ

стр. 2137

الْمُشْتَرِي، كَحُصُولِهِ مِنْ الْيَتِيمِ، بِخِلَافِ بَيْعِهِ مَالَ الْيَتِيمِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَقْلِيلُ الثَّمَنِ لِيَأْخُذَ الشِّقْصَ بِهِ، فَإِذَا رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ، فَبَاعَ عَلَيْهِ، فَلِلْوَصِيِّ الْأَخْذُ حِينَئِذٍ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْوَصِيِّ أَبٌ، فَبَاعَ شِقْصَ الصَّبِيِّ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ مَالَ وَلَدِهِ، لِعَدَمِ التُّهْمَةِ. وَإِنْ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ حَمْلٍ، لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ بِغَيْرِ الْوَصِيَّةِ. وَإِذَا وُلِدَ الْحَمْلُ ثُمَّ كَبِرَ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، كَالصَّبِيِّ إذَا كَبِرَ. [فَصْلٌ عَفَا وَلِي الصَّبِيِّ عَنْ شُفْعَتِهِ الَّتِي لَهُ فِيهَا حَظٌّ ثُمَّ أَرَادَ الْأَخْذَ بِهَا] (٤٠٤٤) فَصْلٌ: وَإِذَا عَفَا وَلِي الصَّبِيِّ عَنْ شُفْعَتِهِ الَّتِي لَهُ فِيهَا حَظٌّ، ثُمَّ أَرَادَ الْأَخْذَ بِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الصَّبِيُّ الْأَخْذَ بِهَا إذَا كَبِرَ، وَلَوْ سَقَطَتْ لَمْ يَمْلِكْ الْأَخْذَ بِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْأَخْذَ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ عَلَى التَّرَاخِي، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى. وَيُخَالِفُ أَخْذَ الصَّبِيِّ بِهَا إذَا كَبِرَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَجَدَّدُ لَهُ عِنْدَ كِبَرِهِ، فَلَا يَمْلِكُ تَأْخِيرَهُ حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْغَائِبِ بِهَا إذَا قَدِمَ. فَأَمَّا إنْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا، ثُمَّ أَرَادَ الْأَخْذَ بِهَا، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ كَمَا لَمْ يَمْلِكْهُ ابْتِدَاءً. وَإِنْ صَارَ فِيهَا حَظٌّ، أَوْ كَانَ مُعْسِرًا عِنْدَ الْبَيْعِ فَأَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى سُقُوطِهَا بِذَلِكَ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ، وَلِلصَّبِيِّ الْأَخْذُ بِهَا إذَا كَبِرَ. فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا فِيهِ الْحَظُّ، وَإِنْ قُلْنَا: تَسْقُطُ. فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ سَقَطَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَفَا الْكَبِيرُ عَنْ شُفْعَتِهِ. (٤٠٤٥) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الْمَجْنُونِ الْمُطْبَقِ كَالْحُكْمِ فِي الصَّبِيِّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ، وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَائِبِ وَالْمَجْنُونِ يُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ. وَأَمَّا الْمُفْلِسُ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَالْعَفْوُ عَنْهَا، وَلَيْسَ لِغُرَمَائِهِ الْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ فِي أَمْلَاكِهِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا، وَلَا إجْبَارُهُ عَلَى الْأَخْذِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ. وَلَيْسَ لَهُمْ إجْبَارُهُ عَلَى الْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ. وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَيْسَ بِمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ، لَكِنْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ دَفْعِ مَالِهِ فِي ثَمَنِهَا؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِهِمْ بِمَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ شِقْصًا غَيْرَ هَذَا. وَمَتَى مَلَكَ الشِّقْصَ الْمَأْخُوذَ بِالشُّفْعَةِ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ بِرِضَاهُمْ أَوْ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَسَبَهُ. وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ، فَلَهُ الْأَخْذُ وَالتَّرْكُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ. فَأَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ الْعَبِيدِ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الشِّرَاءِ، وَإِنْ عَفَا عَنْهَا لَمْ يَنْفُذْ عَفْوُهُ؛

стр. 2138

لِأَنَّ الْمِلْكَ لِسَيِّدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي إبْطَالِ حُقُوقِهِ. وَإِنْ أَسْقَطَهَا السَّيِّدُ، سَقَطَتْ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ أَسْقَطَهُ مُسْتَحِقُّهُ، فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ. [فَصْلٌ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ] (٤٠٤٦) فَصْلٌ: وَإِذَا بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلِلْعَامِلِ الْأَخْذُ بِهَا إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِلْكُهُ. وَلَا يَنْفُذُ عَفْوُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَنْفُذْ عَفْوُهُ، كَالْمَأْذُونِ لَهُ. وَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ شِقْصًا فِي شَرِكَةِ رَبِّ الْمَالِ، فَهَلْ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ شُفْعَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ شَفِيعَهُ، وَلَا رِبْحَ فِي الْمَالِ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ، وَقُلْنَا: لَا يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ. فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ. فَفِيهِ وَجْهَانِ كَرَبِّ الْمَالِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ بَاعَ الْمُضَارِبُ شِقْصًا فِي شَرِكَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فَأَشْبَهَ شِرَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ. [فَصْلٌ لَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ] (٤٠٤٧) فَصْلٌ: وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِيَانِ؛ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو يَعْلَى، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ، كَالْمُجَاوِرِ وَغَيْرِ الْمُنْقَسِمِ، وَلِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا: هُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ. فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَالِكٍ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَمْلُوكٌ. فَمِلْكُهُ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إبَاحَةَ التَّصَرُّفِ فِي الرَّقَبَةِ، فَلَا يَمْلِكُ بِهِ مِلْكًا تَامًّا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنَّ قُلْنَا: هُوَ مَمْلُوكٌ. وَجَبَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِيعَ فِي شَرِكَتِهِ شِقْصٌ، فَوَجَبَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ كَالطَّلْقِ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِالشُّفْعَةِ كَالطَّلْقِ، فَوَجَبَتْ فِيهِ، كَوُجُوبِهَا فِي الطَّلْقِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بَيْعٌ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. [مَسْأَلَة بِنَاءُ الْمُشْتَرِي وَغَرْسُهُ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ] (٤٠٤٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا بَنَى الْمُشْتَرِي أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنَائِهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ بِنَاءَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَخْذِهِ ضَرَرٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ الْمُشْتَرِي وَغَرْسُهُ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا، أَنْ يُظْهِرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وُهِبَ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الشَّفِيعَ مِنْ الْأَخْذِ بِهَا، فَيَتْرُكُهَا وَيُقَاسِمُهُ، ثُمَّ يَبْنِي الْمُشْتَرِي وَيَغْرِسُ فِيهِ.

стр. 2139

وَمِنْهَا، أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَيُقَاسِمَهُ وَكِيلُهُ، أَوْ صَغِيرًا فَيُقَاسِمَهُ وَلِيُّهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْدَمُ الْغَائِبُ، أَوْ يَبْلُغُ الصَّغِيرُ، فَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا، فَطَالَبَ الْمُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ، فَقَاسَمَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ، فَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ غَرْسِ الْمُشْتَرِي وَبِنَائِهِ، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي قَلْعَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ، إنْ اخْتَارَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَإِذَا قَلَعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَلَا نَقْصِ الْأَرْضِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَرَسَ وَبَنَى فِي مِلْكِهِ، وَمَا حَدَثَ مِنْ النَّقْصِ إنَّمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُقَابِلُهُ ثَمَنٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي قَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ عَدَمَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ تَخْلِيصِ مِلْكِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ كَسَرَ مِحْبَرَةَ غَيْرِهِ لِإِخْرَاجِ دِينَارِهِ مِنْهَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّقْصَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ. لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ بِالْقَلْعِ إنَّمَا هُوَ فِي مِلْكِ الشَّفِيعِ. فَأَمَّا نَقْصُ الْأَرْضِ الْحَاصِلُ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ. فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْمُشْتَرِي الْقَلْعَ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ تَرْكِ الشُّفْعَةِ، وَبَيْنَ دَفْعِ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكُهُ مَعَ الْأَرْضِ، وَبَيْنَ قَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، وَيَضْمَنُ لَهُ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَسَوَّارٌ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُكَلِّفُ الْمُشْتَرِي الْقَلْعَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَنَى فِيمَا اسْتَحَقَّ غَيْرُهُ أَخْذَهُ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ، وَلِأَنَّهُ بَنَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهُمَا إلَّا بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِهِ الَّذِي تَمَلَّكَ بَيْعَهُ، فَلَمْ يُكَلَّفْ قَلْعَهُ مَعَ الْإِضْرَارِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْفُوعًا. وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عِرْقٌ ظَالِمٌ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّهُ غَيْرُ ظَالِمٍ، فَيَكُونُ لَهُ حَقٌّ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ قِيمَتِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْبَقَاءِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَلَا قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا لَمَلَكَ قَلْعَهُ، وَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ إذَا قَلَعَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا كَيْفِيَّةَ وُجُوبِ الْقِيمَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَرْضَ تُقَوَّمُ وَفِيهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ، ثُمَّ تُقَوَّمُ خَالِيَةً مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا قِيمَةَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، فَيَدْفَعُهُ الشَّفِيعُ إلَى الْمُشْتَرِي إنْ أَحَبَّ، أَوْ مَا نَقَصَ مِنْهُ إنْ اخْتَارَ الْقَلْعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي زَادَ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَوَّمَ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ مُسْتَحِقًّا لِلتَّرْكِ بِالْأُجْرَةِ أَوْ لِأَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ إذَا امْتَنَعَا مِنْ قَلْعِهِ، فَإِنْ كَانَ لِلْغَرْسِ وَقْتٌ يُقْلَعُ فِيهِ فَيَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ قُلِعَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، أَوْ تَكُونُ قِيمَتُهُ قَلِيلَةً، فَاخْتَارَ الشَّفِيعُ قَلْعَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ فَيَجْبُرُ

стр. 2140

بِهِ ضَرَرَ الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ كَثُرَ النَّقْصُ أَوْ قَلَّ، وَيَعُودُ ضَرَرُ كَثْرَةِ النَّقْصِ عَلَى الشَّفِيعِ، وَقَدْ رَضِيَ بِاحْتِمَالِهِ. وَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مَعَ الشَّفِيعِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي الْمُشَاعِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ، فَالْحُكْمُ فِي أَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي أَخْذِ جَمِيعِهِ بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ. [فَصْلٌ زَرَعَ فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَة] (٤٠٤٩) فَصْلٌ: وَإِنْ زَرَعَ فِي الْأَرْضِ، فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَيَبْقَى زَرْعُ الْمُشْتَرِي إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَتَبَاقَى، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَهُ فِي مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ اشْتَرَى الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعِ، فَكَانَ لَهُ مُبْقًى إلَى الْحَصَادِ بِلَا أُجْرَةٍ، كَغَيْرِ الْمَشْفُوعِ. وَإِنْ كَانَ فِي الشَّجَرِ ثَمَرٌ ظَاهِرٌ، أَثْمَرَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ لَهُ مُبْقًى إلَى الْجُذَاذِ، كَالزَّرْعِ. [فَصْلٌ نَمَا الشِّقْص الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي الشُّفْعَة] (٤٠٥٠) فَصْلٌ: وَإِذَا نَمَا الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ نَمَاءً مُتَّصِلًا، كَالشَّجَرِ إذَا كَثُرَ، أَوْ ثَمَرَةٍ غَيْرِ ظَاهِرَةٍ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِزِيَادَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ. فَتَبِعَتْ الْأَصْلَ، كَمَا لَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ فِي نِصْفِهِ زَائِدًا إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ بِالْقِيمَةِ، إذَا فَاتَهُ الرُّجُوعُ بِالْعَيْنِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إذَا لَمْ يَرْجِعْ فِي الشِّقْصِ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْأَصْلِ لِأَجْلِ مَا حَدَثَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِذَا أَخَذَ الْأَصْلَ تَبِعَهُ نَمَاؤُهُ الْمُتَّصِلُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفُسُوخِ كُلِّهَا. الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، كَالْغَلَّةِ، وَالْأُجْرَةِ، وَالطَّلْعِ الْمُؤَبَّرِ، وَالثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، لَا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مُبَقَّاةً فِي رُءُوسِ النَّخْلِ إلَى الْجُذَاذِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي شِرَاءٌ ثَانٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ اشْتَرَى بِرِضَاهُ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ وَفِيهِ طَلْعٌ غَيْرُ مُؤَبَّرٍ، فَأَبَرَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ، أَخَذَ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ، وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ وَالنَّخِيلَ بِحِصَّتِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا وَسَيْفًا. [فَصْلٌ تَلِفَ الشِّقْصُ أَوْ بَعْضُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي الشُّفْعَة] (٤٠٥١) فَصْلٌ: وَإِنْ تَلِفَ الشِّقْصُ أَوْ بَعْضُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بَعْدَ تَلَفِ بَعْضِهِ، أَخَذَ الْمَوْجُودَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، وَسَوَاءٌ تَلِفَ بِاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي، كَنَقْضِهِ لِلْبِنَاءِ، أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، مِثْلُ أَنْ انْهَدَمَ. ثُمَّ إنْ

стр. 2141

كَانَتْ الْأَنْقَاضُ مَوْجُودَةً أَخَذَهَا مَعَ الْعَرْصَةِ بِالْحِصَّةِ. وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً أَخَذَ الْعَرْصَةَ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْبِنَاءِ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، كَانْهِدَامِ الْبِنَاءِ بِنَفْسِهِ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ غَرَقٍ، فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ الْبَاقِي إلَّا بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ يَتْرُكُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ النَّقْصُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، رَجَعَ بَدَلُهُ إلَى الْمُشْتَرِي، فَلَا يَتَضَرَّرُ، وَمَتَى كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ الْأَخْذُ مِنْهُ إضْرَارًا بِهِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ. وَلَنَا؛ أَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَى الشَّفِيعِ أَخْذُ الْجَمِيعِ، وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ، فَكَانَ لَهُ بِالْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ سِوَاهُ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ شَفِيعٌ آخَرُ، أَوْ نَقُولُ: أَخَذَ بَعْضَ مَا دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ، فَأَخَذَهُ بِالْحِصَّةِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ. وَأَمَّا الضَّرَرُ فَإِنَّمَا حَصَلَ بِالتَّلَفِ، وَلَا صُنْعَ لِلشَّفِيعِ فِيهِ، وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ يُؤَدِّي ثَمَنَهُ، فَلَا يَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي بِأَخْذِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَأْخُذُ الْأَنْقَاضَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلشُّفْعَةِ كَانَ حَالَ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالِ كَانَ مُتَّصِلًا اتِّصَالًا لَيْسَ مَآلُهُ إلَى الِانْفِصَالِ، وَانْفِصَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الشُّفْعَةِ. وَيُفَارِقُ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ إذَا تَأَبَّرَتْ، فَإِنَّ مَآ لَهَا إلَى الِانْفِصَالِ وَالظُّهُورِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ فَقَدْ انْفَصَلَتْ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الشُّفْعَةِ. وَإِنْ نَقَصَتْ الْقِيمَةُ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الْمَبِيعِ، مِثْلُ أَنْ انْشَقَّ الْحَائِطُ، وَاسْتَهْدَمَ الْبِنَاءَ، وَشَعِثَ الشَّجَرُ، وَبَارَتْ الْأَرْضُ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْأَخْذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ التَّرْكُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي لَا يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنَائِهِ، وَلَوْ زَادَ الْمَبِيعُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، دَخَلَتْ فِي الشُّفْعَةِ. [مَسْأَلَة كَانَ الشِّرَاءُ وَقَعَ بِعَيْنِ أَوْ وَرِقٍ الْأَرْض فِي الشُّفْعَة] (٤٠٥٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ وَقَعَ بِعَيْنٍ، أَوْ وَرِقٍ، أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا، أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: هُوَ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ» . رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي " كِتَابِهِ ". وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالثَّمَنِ، كَالْمُشْتَرِي.

стр. 2142

فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِغَيْرِ رِضَى مَالِكِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ، كَالْمُضْطَرِّ يَأْخُذُ طَعَامَ غَيْرِهِ. قُلْنَا: الْمُضْطَرُّ اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِسَبَبِ حَاجَةٍ خَاصَّةٍ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي بَدَلِهِ إلَى قِيمَتِهِ، وَالشَّفِيعُ اسْتَحَقَّهُ لِأَجْلِ الْبَيْعِ، وَلِهَذَا لَوْ انْتَقَلَ بِهِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ الشُّفْعَةَ، وَإِذَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْعِوَضِ الثَّابِتِ بِالْبَيْعِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّا نَنْظُرُ فِي الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بِقِيمَةِ الثَّمَنِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُ الرَّأْي، وَالشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَسَوَّارٍ، أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، وَهَذَا لَا مِثْلَ لَهُ فَتَعَذَّرَ الْأَخْذُ، فَلَمْ يَجِبْ، كَمَا لَوْ جَهِلَ الثَّمَنَ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الثَّمَنِ، فَجَازَ أَنْ تَثْبُتَ بِهِ الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ، كَالْمِثْلِيِّ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ يَكُونُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْقِيمَةِ. كَبَدَلِ الْمُتْلِفِ، فَإِمَّا إنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ غَيْرِ الْأَثْمَانِ، كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَهُوَ كَالْأَثْمَانِ. وَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُ الرَّأْي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مِثْلٌ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْمُمَاثِلِ فِي إحْدَاهُمَا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلُ الثَّمَنِ، فَكَانَ مِثْلَهُ، كَبَدَلِ الْقَرْضِ وَالْمُتْلَفِ. [فَصْلٌ اسْتِحْقَاق الشَّفِيع الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ] (٤٠٥٣) فَصْلٌ: وَيَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَلَوْ تَبَايَعَا بِقَدْرٍ، ثُمَّ غَيَّرَاهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، ثَبَتَ ذَلِكَ التَّغْيِيرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ حَالَ اسْتِحْقَاقِهِ، وَلِأَنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَالتَّغْيِيرُ يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى اخْتِيَارِهِمَا فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي حَالِ الْعَقْدِ. فَأَمَّا إذَا انْقَضَى الْخِيَارُ، وَانْبَرَمَ الْعَقْدُ، فَزَادَا أَوْ نَقَصَا، لَمْ يَلْحَقْ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَهُ هِبَةٌ يُعْتَبَرُ لَهَا شُرُوطُ الْهِبَةِ، وَالنَّقْصُ إبْرَاءٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَثْبُتُ النَّقْصُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ دُونَ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَا عِنْدَهُ مُلْحَقَانِ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَضُرُّ الشَّفِيعَ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا، بِخِلَافِ النَّقْصِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ بَقِيَ مَا يَكُونُ ثَمَنًا أَخَذَ بِهِ، وَإِنْ حَطَّ الْأَكْثَرَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ. وَلَنَا، أَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ، كَالزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ قَبْلَ التَّغْيِيرِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ التَّغْيِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ، كَالزِّيَادَةِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْعُذْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَحِقَ الْعَقْدَ لَزِمَ الشَّفِيعَ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ، كَالزِّيَادَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلِأَنَّهُ حَطٌّ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ حَطَّ الْجَمِيعِ أَوْ الْأَكْثَرِ عِنْدَ مَالِكٍ.

стр. 2143

[فَصْلٌ كَانَ الثَّمَنُ مِمَّا تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي الشُّفْعَة] (٤٠٥٤) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِمَّا تَجِبُ قِيمَتُهُ، فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَا اعْتِبَارَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ، اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ حِينَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ وَاسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْمُحَاكَمَةِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ وَقْتُ الْعَقْدِ، وَمَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، فَلَا يَقُومُ لِلْمُشْتَرِي، وَمَا نَقَصَ فَمِنْ مَالِ الْبَائِعِ، فَلَا يَنْقُصُ بِهِ حَقُّ الْمُشْتَرِي. [فَصْلٌ كَانَ الثَّمَنُ الْمُشْتَرَى بِهِ مُؤَجَّلًا فِي الشُّفْعَة] فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِذَلِكَ الْأَجَلِ، إنْ كَانَ مَلِيئًا، وَإِلَّا أَقَامَ ضَمِينًا مَلِيئًا وَأَخَذَ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِالنَّقْدِ حَالًّا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِثَمَنِ حَالٍ، أَوْ يَنْتَظِرُ مُضِيَّ الْأَجَلِ ثُمَّ يَأْخُذُ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ بِالْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِي قَبُولَ ذِمَّةِ الشَّفِيعِ، وَالذِّمَمُ لَا تَتَمَاثَلُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِمِثْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمِثْلِهِ حَالًّا، لِئَلَّا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي، وَلَا بِسِلَعِهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ إلَى الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَالسِّلْعَةُ لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا التَّخْيِيرُ. وَلَنَا، أَنَّ الشَّفِيعَ تَابِعٌ لِلْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ، وَالتَّأْجِيلُ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلِأَنَّ فِي الْحُلُولِ زِيَادَةً عَلَى التَّأْجِيلِ، فَلَمْ يَلْزَمْ الشَّفِيعَ، كَزِيَادَةِ الْقَدْرِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ اخْتِلَافِ الذِّمَمِ، فَإِنَّنَا لَا نُوجِبُهَا حَتَّى تُوجَدَ الْمُلَاءَةُ فِي الشَّفِيعِ، أَوْ فِي ضَمِينِهِ، بِحَيْثُ يَنْحَفِظُ الْمَالُ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِسِلْعَةٍ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمَا. وَمَتَى أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَجَلِ، فَمَاتَ الشَّفِيعُ أَوْ الْمُشْتَرِي، وَقُلْنَا: يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْمَوْتِ. حَلَّ الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ حُلُولِهِ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَّ بِمَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ. [فَصْلٌ بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا وَمَعَهُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ كَالسَّيْفِ وَالثَّوْبِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ] (٤٠٥٦) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا، وَمَعَهُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ، كَالسَّيْفِ وَالثَّوْبِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ دُونَ مَا مَعَهُ، فَيُقَوَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا، فَمَا يَخُصُّ الشِّقْصَ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الشُّفْعَةُ، لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ الْمُشْتَرِي، وَفِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَ بَعْضِ الشِّقْصِ. وَقَالَ مَالِكٌ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا؛ لِذَلِكَ. وَلَنَا، أَنَّ السَّيْفَ لَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَلَا هُوَ تَابِعٌ لِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالشُّفْعَةِ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ، وَمَا

стр. 2144

يَلْحَقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الضَّرَرِ فَهُوَ أَلْحَقَهُ بِنَفْسِهِ، بِجَمْعِهِ فِي الْعَقْدِ بَيْنَ مَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا تَثْبُتُ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِ الْكُلِّ ضَرَرًا بِالْمُشْتَرِي أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُ فِي إبْقَاءِ السَّيْفِ لَهُ، فَفِي أَخْذِهِ مِنْهُ إضْرَارٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ. [فَصْلٌ بَاعَ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً لِرَجُلِ وَاحِدٍ وَالشَّرِيكُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرُ الشَّرِيكِ فِي الْآخَرِ] (٤٠٥٧) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضَيْنِ، صَفْقَةً وَاحِدَةً، لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَالشَّرِيكُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرُ الشَّرِيكِ فِي الْآخَرِ فَلَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا وَيَقْتَسِمَا الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ. وَإِنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، جَازَ، وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ الَّذِي فِي شَرِكَتِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ، كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا شَرِكَةَ لَهُ فِيهِ، وَلَا هُوَ تَابِعٌ لِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَجَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ وَالسَّيْفِ. وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ فِيهِمَا وَاحِدًا، فَلَهُ أَخْذُهُمَا وَتَرْكُهُمَا؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهِمَا. وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكْ ذَلِكَ، وَمَتَى اخْتَارَهُ سَقَطَتْ الشُّفْعَة فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَخْذُ الْمَبِيعِ كُلِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ بَعْضِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ شِقْصًا وَاحِدًا. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِسَبَبِ غَيْرِ الْآخَرِ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ الْوَاحِدِ لَوَجَبَ إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فَتَرَك أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ أَنْ يَكُونَ لِلْآخَرِ أَخْذُ الْكُلِّ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ. [فَصْلٌ لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّمَنِ] (٤٠٥٨) فَصْلٌ: وَلَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِدُونِ دَفْعِ الثَّمَنِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ. فَإِنْ أَحْضَرَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الثَّمَنِ ضَرَرًا، فَلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَرَادَ تَأْخِيرَ ثَمَنٍ حَالٍ. فَإِنْ بَذَلَ عِوَضًا عَنْ الثَّمَنِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ؛ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا. وَإِذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا سَلَّمَهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ فِي الْحَالِ، قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: يُنْظَرُ الشَّفِيعُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، بِقَدْرِ مَا يَرَى الْحَاكِمُ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ فَلَا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُنْظَرُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهَا آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ، فَإِنْ أَحْضَرَ الثَّمَنَ، وَإِلَّا فَسَخَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِهَا حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلَّا بِإِحْضَارِ عِوَضِهِ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ. وَلَنَا، أَنَّهُ تَمَلُّكٌ لِلْمَبِيعِ بِعِوَضٍ، فَلَا يَقِفُ عَلَى إحْضَارِ الْعِوَضِ، كَالْبَيْعِ، وَأَمَّا التَّسْلِيمُ فِي الْبَيْعِ

стр. 2145

، فَالتَّسْلِيمُ فِي الشُّفْعَةِ مِثْلُهُ، وَكَوْنُ الْأَخْذِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي الصِّحَّةِ، فَإِذَا أَجَّلْنَاهُ مُدَّةً، فَأَحْضَرَ الثَّمَنَ فِيهَا، وَإِلَّا فَسَخَ الْحَاكِمُ الْأَخْذَ وَرَدَّهُ إلَى الْمُشْتَرِي. وَهَكَذَا لَوْ هَرَبَ الشَّفِيعُ بَعْدَ الْأَخْذِ. وَالْأَوْلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الْأَخْذِ، وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَى الْبَائِعِ الْوُصُولُ إلَى الثَّمَنِ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ، كَغَيْرِ مَنْ أُخِذَتْ الشُّفْعَةُ مِنْهُ، وَكَمَا لَوْ أَفْلَسَ الشَّفِيعُ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَقِفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَا يَقِفُ فَسْخُ الْأَخْذِ بِهَا عَلَى الْحَاكِمِ، كَفَسْخِ غَيْرِهَا مِنْ الْبُيُوعِ، وَكَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلِأَنَّ وَقْفَ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ بِالْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إثْبَاتُ مَا يَدَّعِيهِ، وَقَدْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ لِبُعْدِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يُشْرَعُ فِيهَا مَا يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى الْحَاكِمِ، لَمْ يَمْلِكْ الْأَخْذَ إلَّا بَعْدَ إحْضَارِ الثَّمَنِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى هَذَا الضَّرَرِ. وَإِنْ أَفْلَسَ الشَّفِيعُ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ، كَالْبَائِعِ إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي. [فَصْل الِاحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ] (٤٠٥٩) فَصْلٌ: لَا يَحِلُّ الِاحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَسْقُطْ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الْحِيلَةِ فِي إبْطَالِ الشُّفْعَةِ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الْحِيَلِ فِي ذَلِكَ، وَلَا فِي إبْطَالِ حَقِّ مُسْلِمٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنْ يَخْدَعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ. وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: أَنَّهُمْ لَيُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ صَبِيًّا، لَوْ كَانُوا يَأْتُونَ الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ، كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ. وَمَعْنَى الْحِيلَةِ أَنْ يُظْهِرُوا فِي الْبَيْعِ شَيْئًا لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ، وَيَتَوَاطَئُونَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِهِ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ شِقْصًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ يَقْضِيَهُ عَنْهَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَيَقْضِيَهُ عَنْهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ، أَوْ يَشْتَرِيَ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يَبِيعَهُ الشِّقْصَ بِالْأَلْفِ، أَوْ يَشْتَرِيَ شِقْصًا بِأَلْفٍ، ثُمَّ يُبْرِئَهُ الْبَائِعُ مِنْ تِسْعِمِائَةٍ، أَوْ يَشْتَرِيَ جُزْءًا مِنْ الشِّقْصِ بِمِائَةٍ، ثُمَّ يَهَبَ لَهُ الْبَائِعُ بَاقِيَهُ، أَوْ يَهَبَ الشِّقْصَ لِلْمُشْتَرِي، وَيَهَبَ الْمُشْتَرِي لَهُ الثَّمَنَ، أَوْ يُعْقَدَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَجْهُولِ الْمِقْدَارِ، كَحَفْنَةِ قُرَاضَةٍ، أَوْ جَوْهَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مَوْصُوفَةٍ، أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلُؤْلُؤَةٍ، وَأَشْبَاهِ هَذَا. فَهَذَا كُلُّهُ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ تَحَيُّلٍ سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ. وَإِنْ تَحَيَّلَا بِهِ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، لَمْ تَسْقُطْ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ. وَفِي الثَّانِيَةِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ قِيمَتِهَا ذَهَبًا. وَفِي الثَّالِثَةِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ. وَفِي الرَّابِعَةِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، وَهُوَ الْمِائَةُ الْمَقْبُوضَةُ. وَفِي الْخَامِسَةِ يَأْخُذُ الْجُزْءَ الْمَبِيعَ مِنْ الشِّقْصِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛

стр. 2146

لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ بَقِيَّةَ الشِّقْصِ عِوَضًا عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ جُزْءًا مِنْ الشِّقْصِ. وَفِي السَّادِسَةِ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الْمَوْهُوبِ. وَفِي سَائِرِ الصُّوَرِ الْمَجْهُولِ ثَمَنُهَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَوْجُودًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَيْنُهُ، دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الشِّقْصِ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَشْيَاءِ بِقِيمَتِهَا. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ، يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَتَسْقُطُ بِهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِمَا وَقَعَ الْبَيْعَ بِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةٌ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَإِنْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، فَجَعَلَ إدْخَالَ الْفَرَسِ الْمُحَلَّلِ قِمَارًا، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ إبَاحَةَ إخْرَاجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ جَعْلًا، مَعَ عَدَمِ مَعْنَى الْمُحَلَّلِ فِيهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ بِحَالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ سَبَقَيْهِمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِ كُلِّ حِيلَةٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا إلَّا إبَاحَةَ الْمُحَرَّمِ. مَعَ عَدَمِ الْمَعْنَى فِيهَا. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَرْكَبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ.» وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَّلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الْمُخَادِعِينَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] . وَالْحِيلَةُ مُخَادَعَةٌ، وَقَدْ مَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ قِرَدَةً بِحِيلَتِهِمْ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَحْفِرُ جِبَابًا، وَيُرْسِلُ الْمَاءَ إلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا جَاءَتْ الْحِيتَانُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَعَتْ فِي الشِّبَاكِ وَالْجِبَابِ، فَيَدَعُونَهَا إلَى لَيْلَةِ الْأَحَدِ، فَيَأْخُذُونَهَا، وَيَقُولُونَ: مَا اصْطَدْنَا يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا، فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِحِيَلِهِمْ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] قِيلَ: يَعْنِي بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . أَيْ لِتَتَّعِظَ بِذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَجْتَنِبُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمُعْتَدُونَ. وَلِأَنَّ الْحِيلَةَ خَدِيعَةٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الْخَدِيعَةُ لِمُسْلِمٍ» . وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَلَوْ سَقَطَتْ بِالتَّحَيُّلِ، لَلَحِقَ الضَّرَرُ، فَلَمْ تَسْقُطْ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَهَا الْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ. وَفَارَقَ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّحَيُّلُ، لِأَنَّهُ لَا خِدَاعَ فِيهِ، وَلَا قُصِدَ بِهِ إبْطَالُ حَقٍّ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. فَإِنْ اخْتَلَفَا هَلْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا حِيلَةً، أَوْ لَا؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَحَالِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْغَرَرَ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِشِرَائِهِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً بِمِائَةٍ، وَمَا يُسَاوِي

стр. 2147

مِائَةَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا، فَرُبَّمَا طَالَبَهُ بِذَلِكَ، فَلَزِمَهُ، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ. وَفِي الثَّالِثَةِ الْغَرَرُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً بِأَلْفٍ. وَفِي الرَّابِعَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى شِقْصًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ بِأَلْفٍ. وَكَذَلِكَ فِي الْخَامِسَةِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بَعْضَ الشِّقْصِ بِثَمَنِ جَمِيعِهِ. وَفِي السَّادِسَةِ عَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا بِالْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَهَبُ لَهُ الْآخَرُ شَيْئًا، فَإِنْ خَالَفَ أَحَدُهُمَا مَا تَوَاطَآ عَلَيْهِ، فَطَالَبَ صَاحِبَهُ بِمَا أَظْهَرَاهُ، لَزِمَهُ، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْبَيْعَ مَعَ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ مُخْتَارًا، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ غَرَّ صَاحِبَهُ الْأَخْذُ بِخِلَافِ مَا تَوَاطَآ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ لِلتَّوَاطُؤِ، فَمَعَ فَوَاتِهِ لَا يَتَحَقَّقُ الرِّضَى بِهِ. [اخْتَلَفَ الشَّفِيعَ وَالْمُشْتَرِيَ فِي الثَّمَنِ] (٤٠٦٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الشَّفِيعَ وَالْمُشْتَرِيَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته بِمِائَةٍ. فَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلْ بِخَمْسِينَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ، فَهُوَ أُعْرَفُ بِالثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ، فَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ بِالدَّعْوَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ: الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَمُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ وَالْمُتْلِفِ وَالضَّامِنِ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ إذَا أَعْتَقَ؟ قُلْنَا: الشَّفِيعُ لَيْسَ بِغَارِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَمْلِكَ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ، بِخِلَافِ الْغَاصِبِ وَالْمُتْلِفِ وَالْمُعْتِقِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا، وَاسْتُغْنِيَ عَنْ يَمِينِهِ، وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَهِدَ لِلشَّفِيعِ كَانَ مُتَّهَمًا، لِأَنَّهُ يَطْلُبُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ خَوْفًا مِنْ الدَّرْكِ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، احْتَمَلَ تَعَارُضَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَتَنَازَعَانِ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا. وَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ. وَيَقْتَضِيه مَذْهَبُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ عِنْدَهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَالشَّفِيعُ هُوَ الْخَارِجُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تَتَرَجَّحُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ الشَّفِيعِ، وَيُخَالِفُ الْخَارِجَ وَالدَّاخِلَ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنِدَةً إلَى يَدِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْبَيِّنَةُ تَشْهَدُ عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، كَشَهَادَةِ بَيِّنَةِ الشَّفِيعِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا بَيِّنَتَانِ تَعَارَضَتَا، فَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عِنْدَ عَدَمِهَا، كَالدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَتَنَازَعَانِ فِي الْعَقْدِ، وَلَا يَدَ لَهُمَا عَلَيْهِ، فَصَارَا كَالْمُتَنَازِعِينَ عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا.

стр. 2148

[فَصْلٌ قَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَعْلَمُ مَبْلَغَ الثَّمَنِ فِي الشُّفْعَة] فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَعْلَمُ مَبْلَغَ الثَّمَنِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مُمْكِنٌ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ جُزَافًا، أَوْ بِثَمَنٍ نَسِيَ مَبْلَغَهُ، وَيَحْلِفُ، فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ بَذْلٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا لَا يَدَّعِيهِ. فَإِنْ ادَّعَى أَنَّك فَعَلْت ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ. [فَصْل اشْتَرَى شِقْصًا بِعَرْضِ وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ] (٤٠٦٢) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَرْضٍ، وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عَرَضَاهُ عَلَى الْمُقَوِّمِينَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ. وَإِنْ ادَّعَى جَهْلَ قِيمَتِهِ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا ادَّعَى جَهْلَ ثَمَنِهِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فِي الشِّقْصِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا أَحْدَثْته. وَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ. [فَصْلٌ ادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَى بَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَنَّك اشْتَرَيْت نَصِيبَك فَلِي أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ] (٤٠٦٣) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَى بَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَنَّك اشْتَرَيْت نَصِيبَك، فَلِي أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيرِ دَعْوَاهُ، فَيُحَدِّدُ الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ الشِّقْصُ، وَيَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ وَالثَّمَنَ، وَيَدَّعِي الشُّفْعَةَ فِيهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، سُئِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَرَّ، لَزِمَهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ، وَقَالَ: إنَّمَا اتَّهَبْته أَوْ وَرِثْته، فَلَا شُفْعَةَ لَك فِيهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ غَيْرِ شُفْعَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَى شُفْعَةٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى حَسَبِ قَوْلِهِ فِي الْإِنْكَارِ. وَإِذَا نَكَلَ، وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالشُّفْعَةِ، عَرَضَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ. فَإِنْ أَخَذَهُ دَفَعَ إلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَسْتَحِقُّهُ. فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يُقَرُّ فِي يَدِ الشَّفِيعِ إلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ الْمُشْتَرِي، فَيَدْفَعَ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ فَأَنْكَرَهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَهُ الْحَاكِمُ، فَيَحْفَظَهُ لِصَاحِبِهِ إلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ الْمُشْتَرِي، وَمَتَى ادَّعَاهُ دُفِعَ إلَيْهِ. وَالثَّالِثُ، يُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ، كَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ إذَا جَاءَهُ الْمُكَاتَبُ بِمَالِ الْمُكَاتَبَةِ، فَادَّعَى أَنَّهُ حَرَامٌ. اخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي. وَهَذَا مُفَارِقٌ لِلْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ يُطَالِبُهُ بِالْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الَّذِي أَتَاهُ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى سَيِّدِهِ تَحْرِيمَ مَا أَتَاهُ بِهِ، وَهَذَا لَا يَطْلُبُ الشَّفِيعَ بِشَيْءٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكَلَّفَ إبْرَاءَ مِمَّا لَا يَدَّعِيه. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 2149

[فَصْلٌ قَالَ اشْتَرَيْته لِفُلَانِ وَكَانَ حَاضِرًا وَقْتَ الشُّفْعَة] (٤٠٦٤) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ اشْتَرَيْته لِفُلَانٍ. وَكَانَ حَاضِرًا، اسْتَدْعَاهُ الْحَاكِمُ، وَسَأَلَهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ، كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَالشُّفْعَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا مِلْكِي، وَلَمْ أَشْتَرِهِ. انْتَقَلَتْ الْخُصُومَةُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، حَكَمَ بِالشِّرَاءِ لِمَنْ اشْتَرَاهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ غَائِبًا، أَخَذَهُ الْحَاكِمُ، وَدَفَعَهُ إلَى الشَّفِيعِ، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ؛ لِأَنَّنَا لَوْ وَقَفْنَا الْأَمْرَ فِي الشُّفْعَةِ إلَى حُضُورِ الْمُقَرِّ لَهُ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ، لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ يَدَّعِي أَنَّهُ لَغَائِبٍ. وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْته لِابْنِي الطِّفْلِ. أَوْ لِهَذَا الطِّفْلِ. وَلَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلطِّفْلِ، وَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ بِإِقْرَارِ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالٍ صَغِيرٍ، بِإِقْرَارِ وَلِيِّهِ. وَالثَّانِي، تَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لَهُ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ فِيهِ، كَمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِعَيْبٍ فِي مَبِيعِهِ. فَأَمَّا إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ شُفْعَةً فِي شِقْصٍ، فَقَالَ: هَذَا لِفُلَانٍ الْغَائِبِ. أَوْ لِفُلَانٍ الطِّفْلِ. ثُمَّ أَقَرَّ بِشِرَائِهِ لَهُ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، إلَّا أَنْ تَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغَ الطِّفْلُ، فَيُطَالِبَهُمَا بِهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُمَا بِإِقْرَارِهِ بِهِ، فَإِقْرَارُهُ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ إقْرَارٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً: لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُمَا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ الْمُثْبِتِ لِلشُّفْعَةِ، فَثَبَتَا جَمِيعًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ، لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِبَيَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالشِّرَاءِ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ شُفْعَةٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا. [فَصْلٌ دَارٌ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ فَادَّعَى الْحَاضِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقّهُ بِالشُّفْعَةِ فَصَدَّقَهُ] (٤٠٦٥) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ عَلَى مَنْ فِي يَدِهِ نَصِيبُ الْغَائِبِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقّهُ بِالشُّفْعَةِ، فَصَدَّقَهُ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ يُصَدَّقُ فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِأَصْلِ مِلْكِهِ، وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّك بِعْت نَصِيبَ الْغَائِبِ بِإِذْنِهِ، وَأَقَرَّ لَهُ الْوَكِيلُ، كَانَ كَإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْبَيْعِ. فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ الْبَيْعَ. أَوْ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَنْتَزِعُ الشِّقْصَ، وَيُطَالِبُ بِأَجْرِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ، فَإِنْ طَالَبَ الْوَكِيلَ، رَجَعَ عَلَى الشَّفِيعِ، وَإِنْ طَالَبَ الشَّفِيعَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْوَكِيلِ، أَنَّك اشْتَرَيْت الشِّقْصَ الَّذِي فِي يَدِكَ. فَأَنْكَرَ، وَقَالَ: إنَّمَا أَنَا وَكِيلٌ فِيهِ، أَوْ مُسْتَوْدَعٌ لَهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ،

стр. 2150

وَالشَّافِعِيُّ، مَعَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا عَلَى الْحَاضِرِ بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْقَاقِ انْتِزَاعِ الشِّقْصِ مِنْ يَدِهِ، وَحَصَلَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ ضِمْنًا. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَطَالَبَ الشَّفِيعُ بِيَمِينِهِ، فَنَكَلَ عَنْهَا، احْتَمَلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقُضِيَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا نَكَلَ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا إقْرَارِ مَنْ الشِّقْصُ فِي يَدِهِ. [فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ شُفْعَةً فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ فَقَالَ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ فِي شَرِكَتِي] (٤٠٦٦) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ شُفْعَةً فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ فِي شَرِكَتِي. فَعَلَى الشَّفِيعِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ شَرِيكٌ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا كَانَ فِي يَدِهِ، اسْتَحَقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ. وَلَنَا، أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ، لَمْ تَثْبُتْ، وَمُجَرَّدُ الظَّاهِرِ لَا يَكْفِي، كَمَا لَوْ ادَّعَى وَلَدَ أَمَةٍ فِي يَدِهِ. فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ شَرِيكٌ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، فَكَانَ عَلَى الْعِلْمِ، كَالْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ دَيْنِ الْمَيِّتِ. فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ نَكَلَ، قُضِيَ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ أَنَّك اشْتَرَيْت نَصِيبَك مِنْ عَمْرو فَلِي شُفْعَتُهُ] (٤٠٦٧) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ، أَنَّك اشْتَرَيْت نَصِيبَك مِنْ عَمْرٍو، فَلِي شُفْعَتُهُ. فَصَدَّقَهُ عَمْرٌو، فَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ، وَقَالَ: بَلْ وَرِثْته مِنْ أَبِي. فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ عَمْرٍو، لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَثْبُتُ، وَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ وَتَأْخُذَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّهُ إلَى الْبَائِعِ، فَيَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْمِلْكِ لِعَمْرٍو، فَكَأَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْبَيْعِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا بِالْبَيْعِ، وَإِقْرَارُ عَمْرٍو عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْبَيْعِ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ الشُّفْعَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْبَائِعِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنِّي مَا اشْتَرَيْت الدَّارَ، فَقَالَ مَنْ كَانَتْ الدَّارُ مِلْكًا لَهُ: أَنَا بِعْته إيَّاهَا. لَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهِ فِي الْحِنْثِ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ، وَالشِّقْصُ فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ مُقِرٌّ بِهَا لِلشَّفِيعِ، وَلَا مُنَازَعَ لَهُ فِيهَا سِوَاهُ، وَهَا هُنَا مَنْ الدَّارُ فِي يَدِهِ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ، وَالْمُقِرُّ بِالْبَيْعِ لَا شَيْءَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ الشِّقْصِ، فَافْتَرَقَا. [فَصْلٌ دَارٌ بَيْن رَجُلَيْنِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدَيْهِ بِالشُّفْعَةِ] (٤٠٦٨) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدَيْهِ بِالشُّفْعَةِ، سَأَلْنَاهُمَا: مَتَى مَلَكْتُمَاهَا؟ فَإِنْ قَالَا: مَلَكْنَاهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً. فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِمِلْكٍ

стр. 2151

سَابِقٍ فِي مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ بَعْدَهُ، وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: مِلْكِي سَابِقٌ. وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ، قُضِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قَدَّمْنَا أَسْبَقَهُمَا تَارِيخًا، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبْقِ مِلْكِهِ، وَتَجَدُّدِ مِلْكِ صَاحِبِهِ، تَعَارَضَتَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ نَظَرْنَا إلَى السَّابِقِ بِالدَّعْوَى، فَقَدَّمْنَا دَعْوَاهُ، وَسَأَلْنَا خَصْمَهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، فَإِنْ حَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْوَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ تُسْمَعُ دَعْوَى الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَحَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ، فَنَكَلَ الثَّانِي عَنْ الْيَمِينِ، قَضَيْنَا عَلَيْهِ، وَلَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ قَدْ اسْتَحَقَّ مِلْكَهُ. وَإِنْ حَلَفَ الثَّانِي، وَنَكَلَ الْأَوَّلُ، قَضَيْنَا عَلَيْهِ. [فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي ثَمَنِ الشُّفْعَة] (٤٠٦٩) فَصْلٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ أَلْفٌ. فَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ، أَخَذَهُمَا مِنْ الْمُشْتَرِي. وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقَرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ بِأَلْفٍ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِأَلْفَيْنِ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ بَطَلَ قَوْلُهُ، وَثَبَتَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ. وَلَنَا، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ بِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ كَاذِبَةٌ، وَأَنَّهُ ظَلَمَهُ بِأَلْفٍ، فَلَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِهَا لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَذِّبُهَا. فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: صَدَقَتْ الْبَيِّنَةُ، وَكُنْتُ أَنَا كَاذِبًا أَوْ نَاسِيًا. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ. وَالثَّانِي، يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ فِي الْمُرَابَحَةِ بِثَمَنٍ، ثُمَّ قَالَ: غَلِطْت. وَالثَّمَنُ أَكْثَرُ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِكَذِبِهِ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْ الْكَذِبِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْبَائِعِ بَيِّنَةٌ، فَتَحَالَفَا، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَأَخْذِهِ بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَقْضِي إلَى إلْزَامِ الْعَقْدِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ. فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِأَخْذِهِ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، جَازَ، وَمَلَكَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ الْفَسْخِ قَدْ زَالَ. فَإِنْ عَادَ الْمُشْتَرِي فَصَدَّقَ الْبَائِعَ، وَقَالَ: الثَّمَنُ أَلْفَانِ، وَكُنْت غَالِطًا. فَهَلْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ. [فَصْلٌ اشْتَرَى شِقْصًا لَهُ شَفِيعَانِ فَادَّعَى عَلَى أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ أَنَّهُ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّفِيعُ الْآخَر] (٤٠٧٠) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا لَهُ شَفِيعَانِ، فَادَّعَى عَلَى أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ أَنَّهُ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّفِيعُ

стр. 2152

الْآخَرُ، قَبْلَ عَفْوِهِ عَنْ شُفْعَتِهِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَهُوَ تَوَفُّرُ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ. فَإِذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ، ثُمَّ أَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةِ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ، فَلَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ زَوَالِهَا، كَشَهَادَةِ الْفَاسِقِ إذَا رُدَّتْ ثُمَّ تَابَ وَأَعَادَهَا، لَمْ تُقْبَلْ. وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ حَتَّى عَفَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَعَ شَهَادَتِهِ. وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى الشَّفِيعَيْنِ مَعًا، فَحَلَفَا، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، نَظَرْنَا فِي الْحَالِفِ؛ فَإِنْ صَدَّقَ شَرِيكَهُ فِي الشُّفْعَةِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْفُ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى يَمِينٍ، وَكَانَتْ الشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ إذَا سَقَطَتْ شُفْعَةُ شَرِيكِهِ. وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ عَفَا، فَنَكَلَ، قُضِيَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا. وَسَوَاءٌ وَرِثَا الشُّفْعَةَ أَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ. وَإِنْ شَهِدَ أَجْنَبِيٌّ بِعَفْوِ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ، وَاحْتِيجَ إلَى يَمِينٍ مَعَهُ قَبْلَ عَفْوِ الْآخَرِ، حَلَفَ، وَأَخَذَ الْكُلَّ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي، وَسَقَطَتْ الشُّفْعَةُ. وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ شُفَعَاءَ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الثَّالِثِ بِالْعَفْوِ بَعْدَ عَفْوِهِمَا، قُبِلَتْ، وَإِنْ شَهِدَا، قَبْلَهُ، رُدَّتْ. وَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ عَفْوِ أَحَدِهِمَا وَقَبْلَ عَفْوِ الْآخَرِ، رُدَّتْ شَهَادَةُ غَيْرِ الْعَافِي، وَقُبِلَتْ شَهَادَةُ الْعَافِي. وَإِنْ شَهِدَ الْبَائِعُ بِعَفْوِ الشَّفِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ. وَالثَّانِي، لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ ذَلِكَ لِيُسَهِّلَ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُهُ مِنْ الشَّفِيعِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ، أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْوَفَاءُ لِفَلْسِهِ، فَيَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَ الْمَبِيعِ. وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ بِعَفْوِ شَفِيعِهِ، أَوْ شَهِدَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ لِمُكَاتَبِهِ فِيهِ شُفْعَةٌ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدُهُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، كَمُدَبَّرِهِ، وَلِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لِلْمُكَاتَبِ يَنْتَفِعُ بِهِ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَجَزَ صَارَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ سَهُلَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ لَهُ. وَإِنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَلَدِهِ. [مَسْأَلَة الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ إذَا أَخَذَهُ الشُّفَعَاءُ] (٤٠٧١) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ بَيْنَ النَّفْسَيْنِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمَا) الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ إذَا أَخَذَهُ الشُّفَعَاءُ، قُسِمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَسَوَّارٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ،

стр. 2153

وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ. اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ لَاسْتَحَقَّ الْجَمِيعَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَسَاوَوْا، كَالْبَنِينَ فِي الْمِيرَاثِ، وَكَالْمُعْتَقِينَ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، فَكَانَ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ، كَالْغَلَّةِ، وَدَلِيلُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالِابْنِ وَالْأَبِ أَوْ الْجَدِّ، وَبِالْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَبِالْفُرْسَانِ مَعَ الرَّجَّالَةِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَأَصْحَابِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا، إذَا نَقَصَ مَالُهُ عَنْ دَيْنِ أَحَدِهِمْ، أَوْ الثُّلُث عَنْ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمْ. وَفَارَقَ الْأَعْيَانَ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ، وَالْإِتْلَافُ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، كَالنَّجَاسَةِ تُلْقَى فِي مَائِعٍ. وَأَمَّا الْبَنُونَ، فَإِنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي التَّسَبُّبِ، وَهُوَ الْبُنُوَّةُ، فَتَسَاوَوْا فِي الْإِرْثِ بِهَا، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا تَسَاوِي الشُّفَعَاءِ فِي سِهَامِهِمْ، فَعَلَى هَذَا نَنْظُرُ مَخْرَجَ سِهَامِ الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ، فَنَأْخُذُ مِنْهَا سِهَامَ الشُّفَعَاءِ، فَإِذَا عَلِمْت عِدَّتَهَا، قَسَّمْت السَّهْمَ الْمَشْفُوعَ عَلَيْهَا، وَيَصِيرُ الْعَقَارُ بَيْنَ الشُّفَعَاءِ عَلَى تِلْكَ الْعِدَّةِ، كَمَا يُفْعَلُ فِي مَسَائِلِ الرَّدِّ سَوَاءً، فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، مَخْرَجُ سِهَامِ الشُّرَكَاءِ سِتَّةٌ، فَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ، فَسِهَامُ الشُّفَعَاءِ ثَلَاثَةٌ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَيَصِيرُ الْعَقَارُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثَاهُ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ، كَانَتْ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ أَرْبَاعًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلِلْآخَرِ رُبْعُهُ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ السُّدُسِ، كَانَتْ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ أَخْمَاسًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلِلْآخَرِ خُمُسَاهُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يُقَسَّمُ الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ، قُسِّمَ النِّصْفُ بَيْنَ شَرِيكَيْهِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ الرُّبْعُ، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ، وَلِلْآخَرِ رُبْعٌ وَسُدُسٌ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ، صَارَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ السُّدُسِ، فَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعٌ وَسُدُسٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ وَرِثَ أَخَوَانِ دَارًا هِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ الشُّفْعَة] (٤٠٧٢) فَصْلٌ: وَلَوْ وَرِثَ أَخَوَانِ دَارًا، أَوْ اشْتَرَيَاهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَعَمِّهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي

стр. 2154

الْجَدِيدِ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: إنَّ أَخَاهُ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ أَخَصُّ بِشَرِكَتِهِ مِنْ الْعَمِّ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ حَالَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ مَلَكُوا كُلُّهُمْ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ عَلَى شُرَكَائِهِ بِسَبَبِ شَرِكَتِهِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْكُلِّ. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ فِي مَوْضِعٍ، وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّرِكَةِ لَا بِسَبَبِهَا. وَهَلْ تُقْسَمُ بَيْنَ الْعَمِّ وَابْنِ أَخِيهِ نِصْفَيْنِ، أَوْ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَهَكَذَا لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ دَارٍ، ثُمَّ اشْتَرَى ابْنَاهُ نِصْفَهَا الْآخَرَ، أَوْ وَرِثَاهُ، أَوْ اتَّهَبَاهُ، أَوْ وَصَلَ إلَيْهِمَا بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ. أَوْ لَوْ وَرِثَ ثَلَاثَةٌ دَارًا، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ اثْنَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَّفَ ابْنَتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ، فَبَاعَتْ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ نَصِيبَهَا، أَوْ إحْدَى الِابْنَتَيْنِ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ. وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأَرْضًا، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُ الْعَمَّيْنِ نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَابْنَيْ أَخِيهِ. وَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لِاثْنَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُ الِابْنَيْنِ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ شُرَكَائِهِ كُلِّهِمْ. وَلِمُخَالِفِينَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ اخْتِلَافٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ. [فَصْلٌ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فِي الشِّقْص] (٤٠٧٣) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا، فَلِلشَّفِيعِ الْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْبَتِّيِّ: لَا شُفْعَةَ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ، وَهَذَا شَرِكَتُهُ مُتَقَدِّمَةٌ، فَلَا ضَرَرَ فِي شِرَائِهِ. وَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ هَؤُلَاءِ، أَنَّ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي. وَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهَا عَلَى نَفْسِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ، فَتَسَاوَيَا فِي الشُّفْعَةِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَجْنَبِيٌّ، بَلْ الْمُشْتَرِي أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَحْصُلُ بِشِرَاءِ هَذَا السَّهْمِ الْمَشْفُوعِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُشْتَرِي، وَقَدْ حَصَلَ شِرَاؤُهُ. وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّنَا لَا نَقُولُ إنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ نَفْسِهِ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الشَّرِيكَ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ بِالشُّفْعَةِ، فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى عَلَى عَبْدٍ آخَرَ لِسَيِّدِهِ، ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ؛ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا مَا تَعَلَّقَ بِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ لِلشَّرِيكِ الْمُشْتَرِي أَخْذَ قَدْرِ نَصِيبِهِ لَا غَيْرُ أَوْ الْعَفْوَ. وَإِنْ قَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: قَدْ أَسْقَطْت شُفْعَتِي، فَخُذْ

стр. 2155

الْكُلَّ، أَوْ اُتْرُكْ. لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ اسْتَقَرَّ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّفِيعَيْنِ إذَا أَخَذَا بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ عَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ. وَكَذَلِكَ إذَا حَضَرَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ، فَأَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ، فَلَهُ أَخْذُ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ الْأَوَّلُ: خُذْ الْكُلَّ أَوْ دَعْ، فَإِنِّي قَدْ أَسْقَطْت شُفْعَتِي. لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَبْعِيضٌ لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي. قُلْنَا: هَذَا التَّبْعِيضُ اقْتَضَاهُ دُخُولُهُ فِي الْعَقْدِ، فَصَارَ كَالرِّضَى مِنْهُ بِهِ، كَمَا قُلْنَا فِي الشَّفِيعِ الْحَاضِرِ إذَا أَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا. [مَسْأَلَةٌ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ] (٤٠٧٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الشِّقْصُ بَيْنَ شُفَعَاءَ، فَتَرَكَ بَعْضُهُمْ، فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ إلَّا أَخْذُ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكُ الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُ الْبَعْضِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ، خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَمُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ، فَإِذَا أَخَذَ بَعْضَ الشِّقْصِ، لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهُ الضَّرَرُ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِمُخَالَفَةِ الْأَصْلِ، فَلَا تَثْبُتُ. وَلَوْ كَانَ الشَّفِيعُ وَاحِدًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ بَعْضِ الْمَبِيعِ؛ لِذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ، فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهَا، سَقَطَ جَمِيعُهَا، كَالْقِصَاصِ. وَإِنْ وَهَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْ الشُّفْعَةِ بَعْضَ شُرَكَائِهِ أَوْ غَيْرَهُ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَفْوٌ، وَلَيْسَ بِهِبَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ. [فَصْلٌ كَانَ الشُّفَعَاءُ غَائِبِينَ] (٤٠٧٥) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الشُّفَعَاءُ غَائِبِينَ، لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ؛ لِمَوْضِعِ الْعُذْرِ. فَإِذَا قَدِمَ أَحَدُهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْكُلَّ، أَوْ يَتْرُكَ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ مُطَالِبًا سِوَاهُ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِهِ الْبَعْضَ تَبْعِيضًا لِصَفْقَةِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ حَقِّهِ إلَى أَنْ يَقْدَمَ شُرَكَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي. فَإِذَا أَخَذَ الْجَمِيعَ، ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ، قَاسَمَهُ، إنْ شَاءَ أَوْ عَفَا فَيَبْقَى لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُمَا. فَإِنْ قَاسَمَهُ، ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ، قَاسَمَهُمَا إنْ أَحَبَّ أَوْ عَفَا فَيَبْقَى لِلْأَوَّلَيْنِ، فَإِنْ نَمَا الشِّقْصُ فِي يَدِ الْأَوَّلِ نَمَاءً مُنْفَصِلًا، لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ فِي مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَصَلَ فِي يَدَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الثَّانِي، فَنَمَا فِي يَدِهِ نَمَاءً مُنْفَصِلًا، لَمْ يُشَارِكْهُ الثَّالِثُ فِيهِ.

стр. 2156

وَإِنْ خَرَجَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا، فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي، يَرْجِعُ الثَّلَاثَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِ؛ فَإِنَّ الْأَخْذَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّائِبِ عَنْ الْمُشْتَرِي فِي الدَّفْعِ إلَيْهِمَا وَالنَّائِبِ عَنْهُمَا فِي دَفْعِ الثَّمَنِ إلَيْهِ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ لَهُمْ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَإِنْ امْتَنَعَ الْأَوَّلُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبَاهُ، أَوْ قَالَ: آخُذُ قَدْرَ حَقِّي. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَبْطُلُ حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ وَتَرَكَهُ، فَأَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ. وَالثَّانِي، لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ، وَهُوَ خَوْفُ قُدُومِ الْغَائِبِ، فَيَنْتَزِعُهُ مِنْهُ، وَالتَّرْكُ لِعُذْرٍ لَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَظْهَرَ الْمُشْتَرِي ثَمَنًا كَثِيرًا، فَتَرَكَ لِذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ. فَإِنْ تَرَكَ الْأَوَّلُ شُفْعَته تَوَفَّرَتْ الشُّفْعَةُ عَلَى صَاحِبَيْهِ، فَإِذَا قَدِمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فَلَهُ أَخْذُ الْجَمِيعِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَوَّلِ. فَإِنْ أَخَذَ الْأَوَّلُ بِهَا، ثُمَّ رَدَّ مَا أَخَذَهُ بِعَيْبِ، فَكَذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا لَا تَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا أَخْذُ نَصِيبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْفُ، وَإِنَّمَا رَدَّ نَصِيبَهُ لِأَجْلِ الْعَيْبِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ إلَى الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ. وَلَنَا أَنَّ الشَّفِيعَ فَسَخَ مِلْكَهُ، وَرَجَعَ إلَى الْمُشْتَرِي بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ لِشَرِيكِهِ أَخْذُهُ، كَمَا لَوْ عَفَا. وَيُفَارِقُ عَوْدَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ عَادَ غَيْرَ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ. [فَصْلٌ حَضَرَ الثَّانِي بَعْدَ أَخْذِ الْأَوَّلِ فَأَخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ مِنْهُ وَاقْتَسَمَا ثُمَّ قَدِمَ الثَّالِثُ فَطَالِبَ بِالشُّفْعَةِ] (٤٠٧٦) فَصْلٌ: وَإِذَا حَضَرَ الثَّانِي بَعْدَ أَخْذِ الْأَوَّلِ، فَأَخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ مِنْهُ، وَاقْتَسَمَا، ثُمَّ قَدِمَ الثَّالِثُ، فَطَالَبَ بِالشُّفْعَةِ، وَأَخَذَ بِهَا، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّالِثَ إذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، كَانَ كَأَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي حَالِ الْقِسْمَةِ، لِثُبُوتِ حَقِّهِ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ، كَانَ لَهُ إبْطَالُ الْبَيْعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصِحُّ الْقِسْمَةُ، وَشَرِيكُهُمَا الثَّالِثُ غَائِبٌ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَكَّلَ فِي الْقِسْمَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، أَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، أَوْ يَكُونَ الشَّرِيكَانِ رَفَعَا ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ، وَطَالَبَاهُ بِالْقِسْمَةِ عَنْ الْغَائِبِ، فَقَاسَمَهُمَا، وَبَقِيَ الْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصِحُّ مُقَاسَمَتُهُمَا لِلشِّقْصِ، وَحَقُّ الثَّالِثِ ثَابِتٌ فِيهِ؟ قُلْنَا: ثُبُوتُ حَقِّ الشُّفْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَغَيْرُهُمَا، وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ إبْطَالَهُ، كَذَا هَاهُنَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الثَّالِثَ إذَا قَدِمَ فَوَجَدَ أَحَدَ شَرِيكَيْهِ غَائِبًا، أَخَذَ مِنْ الْحَاضِرِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ، ثُمَّ إنْ قَضَى لَهُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ، أَخَذَ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ لَهُ، انْتَظَرَ الْغَائِبَ حَتَّى يَقْدَمَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ عُذْرٍ.

стр. 2157

[فَصْلٌ أَخَذَ الْأُوَلُ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِالشُّفْعَةِ فَقَدِمَ الثَّانِي فَقَالَ لَا آخُذُ مِنْك نِصْفَهُ بَلْ أَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِي] (٤٠٧٧) فَصْلٌ: إذَا أَخَذَ الْأَوَّلُ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِالشُّفْعَةِ، فَقَدِمَ الثَّانِي، فَقَالَ: لَا آخُذُ مِنْك نِصْفَهُ، بَلْ أَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِي وَهُوَ الثُّلُثُ. فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَجَازَ، كَتَرْكِ الْكُلِّ فَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الثَّانِي ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، فَيُضِيفَهُ إلَى مَا فِي يَدِ الْأَوَّلِ، وَيَقْتَسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ، فَتَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الثَّانِي ثُلُثَ الثُّلُثِ، وَمَخْرَجُهُ تِسْعَةٌ، فَضَمَّهُ إلَى الثُّلُثَيْنِ وَهِيَ سِتَّةٌ، صَارَتْ تِسْعَةً ثُمَّ قَسَمَا التِّسْعَةَ نِصْفَيْنِ، لَا تَنْقَسِمُ، فَاضْرِبْ اثْنَيْنِ فِي تِسْعَةٍ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِلثَّانِي أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَرِيكَيْهِ سَبْعَةٌ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ تَرَكَ سُدُسًا كَانَ لَهُ أَخْذُهُ، وَحَقُّهُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، وَهُوَ التِّسْعُ، فَتَوَفَّرَ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكَيْهِ فِي الشُّفْعَةِ، فَلِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَنْ يَقُولَا: نَحْنُ سَوَاءٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنَّا شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ، فَنَجْمَعُ مَا مَعَنَا فَنَقْسِمُهُ، فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ قَالَ الثَّانِي: أَنَا آخُذُ الرُّبْعَ. فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا، فَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ، أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ سُدُسٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ، فَضَمَّهُ إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، وَهِيَ تِسْعَةٌ، يَصِيرُ الْجَمِيعُ عَشْرَةً فَيَقْتَسِمَانِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةٌ، وَلِلثَّانِي سَهْمَانِ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ. [فَصْلٌ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ شِقْصًا فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ] (٤٠٧٨) فَصْلٌ: إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ شِقْصًا، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ الْمُشْتَرِي. وَلَنَا، أَنَّ عَقْدَ الِاثْنَيْنِ مَعَ وَاحِدٍ عَقْدَانِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكَهُ بِثَمَنٍ مُفْرَدٍ، فَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ بِعَقْدٍ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ. وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ نَصِيبَ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْأُخْرَى: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ تَتَبَعَّضُ صَفْقَةُ الْبَائِعِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا مُشْتَرِيَانِ، فَجَازَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا نُسَلِّمُهُ، عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْآخَرَ أَخَذَ نَصِيبَهُ، فَلَا يَكُونُ تَبْعِيضًا. فَإِنْ بَاعَ اثْنَانِ مِنْ اثْنَيْنِ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الْكُلِّ، أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُمَا. [فَصْلٌ بَاعَ شِقْصًا لِثَلَاثَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً] (٤٠٧٩) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ شِقْصًا لِثَلَاثَةٍ، دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الثَّلَاثَةِ. وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ كُلِّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ، فَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَخْذُ بِهِ عَلَى الْأَخْذِ بِمَا فِي الْعَقْدِ

стр. 2158

الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً. فَإِذَا أَخَذَ نَصِيبَ وَاحِدٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرَيْنِ مُشَارَكَتُهُ فِي الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُمَا لَمْ يَسْبِقْ مِلْكَ مَنْ أَخَذَ نَصِيبَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إلَّا بِمِلْكٍ سَابِقٍ. فَأَمَّا إنْ بَاعَ نَصِيبَهُ لِثَلَاثَةٍ، فِي ثَلَاثَةِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ، فَلَهُ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذَ الثَّلَاثَةَ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا شَاءَ مِنْهَا؛ فَإِنْ أَخَذَ نَصِيبَ الْأَوَّلِ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرَيْنِ مُشَارَكَتُهُ فِي شُفْعَتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مِلْكٌ حِينَ بَيْعِهِ، وَإِنْ أَخَذَ نَصِيبَ الثَّانِي وَحْدَهُ، لَمْ يَمْلِكْ الثَّالِثُ مُشَارَكَتَهُ لِذَلِكَ، وَيُشَارِكُهُ الْأَوَّلُ فِي شُفْعَتِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ سَابِقٌ لِشِرَاءِ الثَّانِي، فَهُوَ شَرِيكٌ حَالَ شِرَائِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَالَ شِرَاءِ الثَّانِي يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا فِي اسْتِحْقَاقِهَا. وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الثَّالِثِ وَعَفَا عَنْ الْأَوَّلَيْنِ، فَفِي مُشَارَكَتِهِمَا لَهُ وَجْهَانِ. وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الثَّلَاثَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَمْلَاكَهُمْ قَدْ اسْتَحَقَّهَا بِالشُّفْعَةِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِهَا شُفْعَةً. وَالثَّانِي، يُشَارِكُهُ الثَّانِي فِي شُفْعَةِ الثَّالِثِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا مِلْكًا صَحِيحًا حَالَ شِرَاءِ الثَّالِثِ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ مُشَارَكَتَهُ إذَا عَفَا عَنْ شُفْعَتِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْفُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ بِالْمِلْكِ الَّذِي صَارَ بِهِ شَرِيكًا، لَا بِالْعَفْوِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الشَّفِيعِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى بَاعَ نَصِيبَهُ: فَلَهُ أَخْذُ نَصِيبِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَخْذُ نَصِيبِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي. وَعَلَى هَذَا يُشَارِكُهُ الْأَوَّلُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ جَمِيعًا. فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِثَلَاثَةٍ، فِي ثَلَاثَةِ عُقُودٍ، فِي كُلِّ عَقْدٍ سُدُسًا، فَلِلشَّفِيعِ السُّدُسُ الْأَوَّلُ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّانِي وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الثَّالِثِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ رُبْعُ السُّدُسِ الثَّانِي وَخُمْسُ الثَّالِثِ، وَلِلْمُشْتَرِي الثَّانِي خُمْسُ الثَّالِثِ فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا، لِلشَّفِيعِ الْأَوَّلِ مِائَةٌ وَسَبْعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلثَّانِي تِسْعَةٌ، وَلِلثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ. فَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ نِصْفُ السُّدُسِ الثَّانِي وَثُلُثُ الثَّالِثِ، وَلِلثَّانِي ثُلُثُ الثَّالِثِ وَهُوَ نِصْفُ التُّسْعِ، فَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، لِلشَّفِيعِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَلِلثَّانِي خَمْسَةٌ، وَلِلثَّالِثِ سَهْمَانِ. [فَصْل دَارٌ بَيْن أَرْبَعَةٍ أَرْبَاعًا بَاعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ شَرِيكُهُمْ وَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ] (٤٠٨٠) فَصْلٌ: دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ أَرْبَاعًا، بَاعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ شَرِيكُهُمْ، وَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلِلَّذِي

стр. 2159

لَمْ يَبِعْ الشُّفْعَةُ فِي الْجَمِيعِ. وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ الشُّفْعَةَ فِيمَا بَاعَهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَكَذَلِكَ هَلْ يَسْتَحِقُّ الثَّالِثُ الشُّفْعَةَ فِيمَا بَاعَهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَهَلْ يَسْتَحِقُّ مُشْتَرِي الرُّبْعِ الْأَوَّلِ الشُّفْعَةَ فِيمَا بَاعَهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ؟ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الثَّانِي شُفْعَةَ الثَّالِثِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يَسْتَحِقَّانِ؛ لِأَنَّهُمَا مَالِكَانِ حَالَ الْبَيْعِ. وَالثَّانِي، لَا حَقَّ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُمَا مُتَزَلْزِلٌ يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، فَلَا تَثْبُتُ بِهِ. وَالثَّالِثُ إنْ عَفَا عَنْهُمَا أَخَذَا، وَإِلَّا فَلَا. فَإِذَا قُلْنَا: يَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ. فَلِلَّذِي لَمْ يَبِعْ ثُلُثُ كُلِّ رُبْعٍ؛ لِأَنَّ لَهُ شَرِيكَيْنِ، فَصَارَ لَهُ الرُّبْعُ مَضْمُومًا إلَى مِلْكِهِ، فَكَمُلَ لَهُ النِّصْفُ، وَلِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الثُّلُثُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي شُفْعَةٍ. وَلِلْبَائِعِ الثَّانِي وَالْمُشْتَرِي الثَّانِي السُّدُسُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي شُفْعَةِ بَيْعٍ وَاحِدٍ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ. [فَصْلٌ بَاعَ الشَّرِيكُ نِصْفَ الشِّقْصِ لِرَجُلِ ثُمَّ بَاعَهُ بَقِيته فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ] (٤٠٨١) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ الشَّرِيكُ نِصْفَ الشِّقْصِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بَقِيَّتَهُ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ فَلَهُ أَخْذُ الْمَبِيعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَلَهُ أَخْذُ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ لِكُلِّ عَقْدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَخَذَ الْأَوَّلَ، لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَتِهِ أَحَدٌ، وَإِنْ أَخَذَ الثَّانِي، فَهَلْ يُشَارِكُهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ بِنَصِيبِهِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يُشَارِكُهُ فِيهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ وَقْتَ الْبَيْعِ الثَّانِي، يَمْلِكُهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ أَوَّلًا. وَالثَّانِي، لَا يُشَارِكُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَسْتَقِرَّ، لِكَوْنِ الشَّفِيعِ يَمْلِكُ أَخْذَهُ. وَالثَّالِثُ، إنْ عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ الْأَوَّلِ شَارَكَهُ فِي الثَّانِي، وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا جَمِيعًا لَمْ يُشَارِكْهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَفَا عَنْهُ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ، فَشَارَكَ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ. فَإِنْ قُلْنَا: يُشَارِكُ فِي الشُّفْعَةِ. فَفِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، ثُلُثَهُ. وَالثَّانِي، نِصْفَهُ. بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قِسْمَةِ الشُّفْعَةِ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ أَوْ عَدَدِ الرُّءُوسِ. فَإِذَا قُلْنَا: يُشَارِكُهُ. فَعَفَا لَهُ عَنْ الْأَوَّلِ، صَارَ لَهُ ثُلُثُ الْعَقَارِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ، وَبَاقِيه لِشَرِيكِهِ. وَإِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْ الْأَوَّلِ، فَلَهُ نِصْفُ سُدُسِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ ثُمْنُهُ، وَالْبَاقِي لِشَرِيكِهِ. وَإِنْ بَاعَهُ الشَّرِيكُ الشِّقْصَ فِي ثَلَاثِ صَفَقَاتٍ مُتَسَاوِيَةٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَاعَهُ لِثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ. وَيَسْتَحِقُّ مَا يَسْتَحِقُّونَ. وَلِلشَّفِيعِ هَاهُنَا مِثْلُ مَا لَهُ مَعَ الثَّلَاثَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2160

[فَصْلٌ دَارٌ بَيْن ثَلَاثَةٍ فَوَكَّلَ أَحَدُهُمْ شَرِيكَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ فَبَاعِهِمَا لِرَجُلِ وَاحِدٍ] (٤٠٨٢) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمْ شَرِيكَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ، فَبَاعِهِمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلِشَرِيكِهِمَا الشُّفْعَةُ فِيهِمَا. وَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ اثْنَانِ، فَهُمَا بَيْعَانِ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ تَوَلَّيَا الْعَقْدَ. وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ، وَفِي أَخْذِ أَحَدِهِمَا تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلِ وَاحِدٍ. وَإِنْ وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي شِرَاءِ نِصْفِ نَصِيبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ، فَاشْتَرَى الشِّقْصَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ، فَلِشَرِيكِهِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِيَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَلِيَا الْعَقْدَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، أَنَّ أَخْذَ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ لَا يُفْضِي إلَى تَبْعِيضِ صَفْقَةِ الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى شَرِكَةَ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ وَاحِدٌ. [مَسْأَلَة عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ] (٤٠٨٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ) يَعْنِي أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا أَخَذَ الشِّقْصَ، فَظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، فَرُجُوعُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ. وَإِنْ وَجَدَهُ مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ أَخْذُ أَرْشِهِ مِنْهُ، وَالْمُشْتَرِي يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ، أَوْ يَأْخُذُ الْأَرْشَ مِنْهُ، سَوَاءٌ قَبَضَ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ الْبَائِعِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لَهُ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ، فَكَانَ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ، كَالْمُشْتَرِي. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إذَا أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ تَعَذَّرَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي، فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، فَكَانَ الشَّفِيعُ آخِذًا مِنْ الْبَائِعِ مَالِكًا مِنْ جِهَتِهِ، فَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَحُصُولِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَزُولُ الْمِلْكُ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الشَّفِيعِ بِالثَّمَنِ. فَكَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ بِبَيْعٍ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَمَلَكَ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ، كَالْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ. وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فِي جَعْلِ عُهْدَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ مِنْ الْبَائِعِ، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ. وَأَمَّا إذَا أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ، فَالْبَائِعُ نَائِبٌ عَنْ الْمُشْتَرِي فِي التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ. وَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ، بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ بِهِ.

стр. 2161

[فَصْلٌ حُكْمُ الشَّفِيعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ] (٤٠٨٤) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الشَّفِيعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، حُكْمُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ عَلَمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّفِيعُ، فَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي. أَوْ أَخْذُ أَرْشِهِ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي شَيْءٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الشَّفِيعُ أَخْذَ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَإِذَا أَخَذَ الْأَرْشَ، فَمَا أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَإِنْ عَلِمَ الشَّفِيعُ دُونَ الْمُشْتَرِي، فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ، كَالْمُشْتَرِي إذَا عَلِمَ الْعَيْبَ، وَالْمُشْتَرِي قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ الرَّدِّ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَبِيعِ، وَحُصُولِ الثَّمَنِ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْأَرْشَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَّامَتَهُ، وَرَجَعَ إلَيْهِ جَمِيعُ ثَمَنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ مِنْ الْمَبِيعِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَبِيعِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَفِيزَيْنِ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَأَخَذَ الْآخَرَ. فَعَلَى هَذَا، مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْأَرْشِ يَسْقُطُ عَنْ الشَّفِيعِ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ الْأَرْشَ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ مِنْهُ. وَإِنْ عَلِمَا جَمِيعًا، فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَرَضِيَ بِبَذْلِ الثَّمَنِ فِيهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا، فَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ الشَّفِيعُ، فَلَا يَرُدُّهُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا. وَإِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ أَرْشَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَلِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ مِنْ الْبَائِعِ. وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَهُ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. فَإِذَا أَخَذَهُ، فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ لَمْ يُسْقِطْهُ عَنْ الْمُشْتَرِي، سَقَطَ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَسُكُوتُهُ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ عَنْ الْمُشْتَرِي، تَوَفَّرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ زَادَهُ عَلَى الثَّمَنِ بِاخْتِيَارِهِ. فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ، فَيَكُونُ كَأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، أَنَّهُ يَبْرَأُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَدَلَّسَهُ، وَاشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِاشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى شِرَائِهِ، فَصَارَ كَمُشْتَرٍ ثَانٍ اشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ عَلِمَهُ الْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ. [مَسْأَلَة الشُّفْعَةُ لَا تُورَثُ] (٤٠٨٥) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالشُّفْعَةُ لَا تُورَثُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ طَالَبَ بِهَا)

стр. 2162

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْأَخْذِ بِهَا، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الطَّلَبِ بِهَا، فَتَسْقُطُ، وَلَا تَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: الْمَوْتُ يَبْطُلُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ؛ الشُّفْعَةُ، وَالْحَدُّ إذَا مَاتَ الْمَقْذُوفُ، وَالْخِيَارُ إذَا مَاتَ الَّذِي اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ. هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا هِيَ بِالطَّلَبِ، فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ، فَلَيْسَ تَجِبُ، إلَّا أَنْ يُشْهِدَ أَنِّي عَلَى حَقِّي مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قَدْ طَلَبْته، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ، كَانَ لِوَارِثِهِ الطَّلَبُ بِهِ. وَرُوِيَ سُقُوطُهُ بِالْمَوْتِ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ: يُورَثُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ، فَيُورَثُ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ ثَبَتَ لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ، فَلَمْ يُورَثْ، كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ خِيَارٍ جُعِلَ لِلتَّمْلِيكِ، أَشْبَهَ خِيَارَ الْقَبُولِ. فَأَمَّا خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَإِنَّهُ لِاسْتِدْرَاكِ جُزْءٍ فَاتَ مِنْ الْمَبِيعِ. الْحَالُ الثَّانِي، إذَا طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ مَاتَ. فَإِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ، قَوْلًا وَاحِدًا. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَقَرَّرُ بِالطَّلَبِ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الْأَخْذِ بَعْدَهُ، وَقَبْلَهُ يَسْقُطُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِيرُ الشِّقْصُ مِلْكًا لِلشَّفِيعِ بِنَفْسِ الْمُطَالَبَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُ هَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ مِلْكًا لِلشَّفِيعِ، لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا، كَمَا لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ الْأَخْذِ بِهَا. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْحَقَّ يَنْتَقِلُ إلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ، لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ مَوْرُوثٌ، فَيَنْتَقِلُ إلَى جَمِيعِهِمْ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: الشُّفْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ، أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مِنْ مَوْرُوثِهِمْ. فَإِنْ تَرَكَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ حَقَّهُ، تَوَفَّرَ الْحَقُّ عَلَى سَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إلَّا الْكُلَّ، أَوْ يَتْرُكُوا، كَالشُّفَعَاءِ إذَا عَفَا بَعْضُهُمْ عَنْ شُفْعَتِهِ؛ لِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا أَخْذَ بَعْضِ الشِّقْصِ الْمَبِيعِ، تَبَعَّضَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَهَذَا ضَرَرٌ فِي حَقِّهِ. [فَصْلٌ أَشْهَدَ الشَّفِيعُ عَلَى مُطَالَبَتِهِ بِهَا لِلْعُذْرِ ثُمَّ مَاتَ] (٤٠٨٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَشْهَدَ الشَّفِيعُ عَلَى مُطَالَبَتِهِ بِهَا لِلْعُذْرِ، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ تَبْطُلْ، وَكَانَ لِلْوَرَثَةِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الطَّلَبِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ بِالْمَوْتِ بَعْدَهُ، كَنَفْسِ الطَّلَبِ.

стр. 2163

[فَصْلٌ بِيعَ شِقْصٌ لَهُ شَفِيعَانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْهَا وَطَالَبَ الْآخَرُ بِهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُطَالِبُ فَوَرِثَهُ الْعَافِي] (٤٠٨٧) فَصْلٌ: وَإِذَا بِيعَ شِقْصٌ لَهُ شَفِيعَانِ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْهَا، وَطَالَبَ الْآخَرُ بِهَا، ثُمَّ مَاتَ الْمُطَالِبُ، فَوَرِثَهُ الْعَافِي، فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ وَارِثٌ لِشَفِيعٍ مُطَالِبٍ بِالشُّفْعَةِ، فَمَلَكَ الْأَخْذَ بِهَا، كَالْأَجْنَبِيِّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ رَجُلٌ أُمَّهُمَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا، فَطَالَبَ الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ، فَوَرِثَهُ الْعَافِي، ثَبَتَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِالنِّيَابَةِ عَنْ أَخِيهِ الْمَيِّت، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِقَذْفِهَا. [فَصْلٌ مَاتَ مُفْلِسٌ وَلَهُ شِقْصٌ فَبَاعَ شَرِيكُهُ] (٤٠٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ مُفْلِسٌ، وَلَهُ شِقْصٌ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ الشُّفْعَةُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا شُفْعَةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَى الْغُرَمَاءِ. وَلَنَا، أَنَّهُ بَيْعٌ فِي شَرِكَةِ مَا خَلَّفَهُ مَوْرُوثُهُمْ مِنْ شِقْصٍ، فَكَانَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِشُفْعَتِهِ كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّرِكَةَ انْتَقَلَتْ إلَى الْغُرَمَاءِ، بَلْ هِيَ لِلْوَرَثَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ تَمَّتْ أَوْ زَادَ ثَمَنُهَا، لَحُسِبَ عَلَى الْغُرَمَاءِ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِمْ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الشُّفْعَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَرَجُلٍ شِقْصٌ مَرْهُونٌ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهِ. وَلَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ دَارٌ، فَبِيعَ بَعْضُهَا فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ لَهُمْ، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ الشُّفْعَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ شَرِيكًا لِلْمَوْرُوثِ، فَبِيعَ نَصِيبُ الْمَوْرُوثِ فِي دَيْنِهِ، فَلَا شُفْعَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمَوْرُوثِ انْتَقَلَ بِمَوْتِهِ إلَى الْوَارِثِ، فَإِذَا بِيعَ فَقَدْ بِيعَ مِلْكُهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ عَلَى نَفْسِهِ. [فَصْلٌ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا وَوَصِيّ بِهِ ثُمَّ مَاتَ] (٤٠٨٩) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا، وَوَصَى بِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ مِنْ حَقِّ الْمُوصِيَ لَهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ، دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْوَرَثَةِ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ ذَهَبَ، فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، لَهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُوصَى لَهُ بَدَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوصَ لَهُ إلَّا بِالشِّقْصِ، وَقَدْ فَاتَ بِأَخْذِهِ. وَلَوْ وَصَّى رَجُلٌ لَإِنْسَانٍ بِشِقْصٍ ثُمَّ مَاتَ، فَبِيعَ فِي تَرِكَتِهِ شِقْصٌ قَبْلَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ، فَالشُّفْعَةُ لِلْوَرَثَةِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ لَا يَصِيرُ لِلْوَصِيِّ إلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصَى إذَا قُلْنَا: إنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ. فَإِذَا قَبِلَ الْوَصِيَّةَ، اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لَهُ، فَكَانَ الْمَبِيعُ فِي شَرِكَتِهِ. وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ قَبْلَ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِقَبُولِهِ، فَإِنْ قَبِلَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ. وَإِنْ رَدَّ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْوَرَثَةِ. وَلَا تَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ الْمُطَالَبَةَ أَيْضًا؛ لِذَلِكَ.

стр. 2164

وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ الْمُطَالَبَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبُولِ، وَبَقَاءُ الْحَقِّ لَهُمْ. وَيُفَارِقُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبُولِ مِنْهُ. وَالثَّانِي، أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْبَلَ ثُمَّ يُطَالِبَ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ؛ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى فِعْلِ مَا يَعْلَمُ بِهِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ. فَإِذَا طَالَبُوا، ثُمَّ قَبِلَ الْوَصِيُّ الْوَصِيَّةَ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ لَهُ، وَيَفْتَقِرُ إلَى الطَّلَبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ الْأَوَّلَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ. وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَطَالَبَ الْوَرَثَةُ بِالشُّفْعَةِ، فَلَهُمْ الْأَخْذُ بِهَا. وَإِنْ قَبِلَ الْوَصِيُّ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمُوصَى بِهِ، دُونَ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ الْمُوصَى بِهِ إنَّمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَخْذَ بِشُفْعَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ بِهَا الْمُوصِي فِي حَيَاتِهِ. وَإِنْ لَمْ يُطَالِبُوا بِالشُّفْعَةِ حَتَّى قَبِلَ الْمُوصِي لَهُ، فَلَا شُفْعَةَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَحُصُولِ شَرِكَتِهِ. وَفِي ثُبُوتِهَا لِلْوَرَثَةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ بَاعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ. [فَصْلٌ اشْتَرَى رَجُلٌ شِقْصًا ثُمَّ ارْتَدَّ فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ] (٤٠٩٠) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ شِقْصًا، ثُمَّ ارْتَدَّ فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالشِّرَاءِ، وَانْتِقَالُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ لَا يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ، أَوْ صَارَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، لِعَدَمِ وَرَثَتِهِ، وَالْمُطَالِبُ بِالشُّفْعَةِ وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ. [فَصْلٌ اشْتَرَى الْمُرْتَدُّ شِقْصًا] (٤٠٩١) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى الْمُرْتَدُّ شِقْصًا، فَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا، تَبَيَّنَّا أَنَّ شِرَاءَهُ بَاطِلٌ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ، تَبَيَّنَّا صِحَّتَهُ، وَثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَصَرُّفُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِرِدَّتِهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ عَادَ إلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ: تَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ فِي الْحَالَيْنِ، وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ. وَمَبْنَى الشُّفْعَةِ هَاهُنَا عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ، وَيُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنْ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ الْمُرْتَدِّ، وَكَانَ الْمُشْتَرِي كَافِرًا، فَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، انْبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ لِلشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَأَشْبَهَ شِرَاءَهُ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ ارْتَدَّ الشَّفِيعُ الْمُسْلِمُ، وَقُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا، انْتَقَلَ مَالُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ، انْتَقَلَتْ أَيْضًا إلَى الْمُسْلِمِينَ، يَنْظُرُ فِيهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ. وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ طَلَبِهَا، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى إسْلَامِهِ. وَلَوْ مَاتَ الشَّفِيعُ الْمُسْلِمُ، وَلَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا سِوَى بَيْتِ الْمَالِ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ مَاتَ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَإِلَّا فَلَا.

стр. 2165

[مَسْأَلَة أَذِنَ الشَّرِيكُ فِي الْبَيْعِ ثُمَّ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْبَيْعِ] (٤٠٩٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ أَذِنَ الشَّرِيكُ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْبَيْعِ، فَلَهُ ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَقَالَ: قَدْ أَذِنْت فِي الْبَيْعِ، أَوْ قَدْ أَسْقَطْت شُفْعَتِي. أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ تَسْقُطْ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا مَتَى وُجِدَ الْبَيْعُ. هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْبَتِّيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَسْقُطُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ رَبْعَةٌ، فَأَرَادَ بَيْعَهَا، فَلْيَعْرِضْهَا عَلَيْهِ» . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: " وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ ". إذَا كَانَتْ الشُّفْعَةُ ثَابِتَةً لَهُ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ الشُّفْعَةُ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ، فَقَالَ مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ. وَقَالَ مَرَّةً: لَا تَبْطُلُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي أَرْضٍ؛ رَبْعَةٍ، أَوْ حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» . وَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ ". فَلَا يَكُونُ لِتَرْكِهِ مَعْنَى. وَمَفْهُومِ قَوْلِهِ: " فَإِنْ بَاعَ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ " أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِإِذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ. وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي مَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ يَأْخُذُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ رِضَائِهِ، وَيُجْبِرُهُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ بِهِ، لِدُخُولِهِ مَعَ الْبَائِعِ فِي الْعَقْدِ، الَّذِي أَسَاءَ فِيهِ بِإِدْخَالِهِ الضَّرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَتَرْكِهِ الْإِحْسَانَ إلَيْهِ فِي عَرْضِهِ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ، وَامْتِنَاعُهُ مِنْ أَخْذِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الضَّرَرِ فِي حَقِّهِ بِبَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَهُوَ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْمُطَالَبَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَبْرَأْهُ مِمَّا يَجِبُ لَهُ، أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ. وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَرْضَ عَلَيْهِ، لِيَبْتَاعَ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ، فَتَخِفُّ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ، وَيَكْتَفِيَ بِأَخْذِ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ، لَا إسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ شُفْعَتِهِ. [فَصْلٌ تَوَكَّلَ الشَّفِيع فِي الْبَيْعِ] (٤٠٩٣) فَصْلٌ: إذَا تَوَكَّلَ الشَّفِيعُ فِي الْبَيْعِ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلَ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي. ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.

стр. 2166

وَقَالَ الْقَاضِي، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ كَانَ وَكِيلَ الْبَائِعِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِي الْبَيْعِ، لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ لِيَأْخُذَ بِهِ، بِخِلَافِ وَكِيلِ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا شُفْعَةَ لِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ وَكِيلٌ، فَلَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ، كَالْآخَرِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ. إنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكَّلِ، ثُمَّ لَوْ انْتَقَلَ إلَى الْوَكِيلِ لِمَا ثَبَتَتْ فِي مِلْكِهِ، إنَّمَا يَنْتَقِلُ فِي الْحَالِ إلَى الْمُوَكَّلِ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا التُّهْمَةُ فَلَا تُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ وَكَّلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِثُبُوتِ شُفْعَتِهِ، رَاضِيًا بِتَصَرُّفِهِ مَعَ ذَلِكَ، فَلَا يُؤَثِّرُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ فِي الشِّرَاءِ مِنْ نَفْسِهِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ: بِعْ نِصْفَ نَصِيبِي مَعَ نِصْفِ نَصِيبِك. فَفَعَلَ، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَبِيعِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ. وَعِنْدَ الْقَاضِي تَثْبُتُ فِي نَصِيبِ الْوَكِيلِ، دُونَ نَصِيبِ الْمُوَكَّلِ. [فَصْلٌ ضَمِنَ الشَّفِيعُ الْعُهْدَةَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ شَرَطَ لَهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ] (٤٠٩٤) فَصْلٌ: وَإِنْ ضَمِنَ الشَّفِيعُ الْعُهْدَةَ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ شَرَطَ لَهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّ بِهِ، فَأَشْبَهَ الْبَائِعَ إذَا بَاعَ بَعْضَ نَصِيبِ نَفْسِهِ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا سَبَبُ سَبْقِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ الشُّفْعَةُ، كَالْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْبَيْعِ. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَقِفُ عَلَى الضَّمَانِ، وَيَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا، فَإِنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ بِهِ، وَتَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ. [فَصْلِ دَارٌ بَيْن ثَلَاثَةٍ فَقَارَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَحَدَ شَرِيكَيْهِ بِأَلْفِ فَاشْتَرَى بِهِ نِصْفَ نَصِيبِ الثَّالِثِ] (٤٠٩٥) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، فَقَارَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَحَدَ شَرِيكَيْهِ بِأَلْفٍ، فَاشْتَرَى بِهِ نِصْفَ نَصِيبِ الثَّالِثِ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ شُفْعَةٌ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ رَبُّ الْمَالِ، وَالْآخَرَ الْعَامِلُ، فَهُمَا كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَتَاعِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ شُفْعَةً. وَإِنْ بَاعَ الثَّالِثُ بَاقِي نَصِيبِهِ لِأَجْنَبِيٍّ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةً بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا، لِرَبِّ الْمَالِ خُمْسَاهَا، وَلِلْعَامِلِ خُمْسَاهَا، وَلِمَالِ الْمُضَارَبَةِ خُمْسُهَا بِالسُّدُسِ الَّذِي لَهُ، فَيُجْعَلُ مَالُ الْمُضَارَبَةِ كَشَرِيكٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. [فَصْلٌ دَارٌ بَيْن ثَلَاثَةٍ فَاشْتَرَى أَجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ فَطَالَبَهُ أَحَدُهُمْ بِالشُّفْعَةِ فَقَالَ إنَّمَا اشْتَرَيْته لِشَرِيكِك] (٤٠٩٦) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَثْلَاثًا، فَاشْتَرَى أَجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ، فَطَالَبَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِالشُّفْعَةِ، فَقَالَ: إنَّمَا اشْتَرَيْته لِشَرِيكِك. لَمْ تُؤَثِّرْ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَيْنِ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا الْأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ. وَإِنْ تَرَكَ الْمُطَالِبُ بِالشُّفْعَةِ

стр. 2167

حَقَّهُ مِنْهَا، بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ. وَإِنْ أَخَذَ نِصْفَ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُ الْمُشْتَرِي، وَعَفَا الشَّرِيكُ عَنْ شُفْعَتِهِ، فَلَهُ أَخْذُ نَصِيبِهِ مِنْ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى أَخْذِ النِّصْفِ بُنِيَ عَلَى خَبَرِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَاسْتَحَقَّ أَخْذَ الْبَاقِي لِعَفْوِ شَرِيكِهِ عَنْهُ. وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِ الْبَاقِي، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَبْعِيضَ صَفْقَةِ الْمُشْتَرِي. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهُ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ، وَلَا يَبْطُلَ أَخْذُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي أَقَرَّ بِمَا تَضَمَّنَ اسْتِحْقَاقَهُ لِذَلِكَ، فَلَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ. وَإِنْ أَنْكَرَ الشَّرِيكُ كَوْنِ الشِّرَاءِ لَهُ وَعَفَا عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَصَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْإِقْرَارِ لِلشَّرِيكِ بِهِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى النِّصْفِ؛ لِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي لَهُ بِاسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ. [فَصْلٌ قَالَ أُحُد الشَّفِيعَيْنِ لِلْمُشْتَرِي شِرَاؤُك بَاطِلٌ] (٤٠٩٧) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ لِلْمُشْتَرِي: شِرَاؤُك بَاطِلٌ. وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ صَحِيحٌ. فَالشُّفْعَةُ كُلُّهَا لِلْمُعْتَرِفِ بِالصِّحَّةِ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: مَا اشْتَرَيْته، إنَّمَا اتَّهَبْته. وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ، فَالشُّفْعَةُ لِلْمُصَدِّقِ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ مُسْقِطُ لِحَقِّهِ بِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا بَيْعَ صَحِيحٌ. وَلَوْ احْتَالَ الْمُشْتَرِي عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بِحِيلَةٍ لَا تُسْقِطُهَا، فَقَالَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ: قَدْ أَسْقَطْت الشُّفْعَةُ. تَوَفَّرَتْ عَلَى الْآخَرِ، لِاعْتِرَافِ صَاحِبِهِ بِسُقُوطِهَا. وَلَوْ تَوَكَّلَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ، أَوْ ضَمِنَ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ، أَوْ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَقَالَ: لَا شُفْعَةَ لِي. كَذَلِكَ تَوَفَّرَتْ عَلَى الْآخَرِ. وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ شُفْعَةً، وَطَالَبَ بِهَا، فَارْتَفَعَا إلَى حَاكِمٍ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ تَوَفَّرَتْ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهَا سَقَطَتْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَتْ بِإِسْقَاطِ الْمُسْتَحِقِّ. [فَصْلٌ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخِرَ ثُلُثَ دَارِهِ فَأَنْكَرَهُ ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْ دَعْوَاهُ بِثُلُثِ دَارٍ أُخْرَى] (٤٠٩٨) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ ثُلُثَ دَارِهِ، فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْ دَعْوَاهُ بِثُلُثِ دَارٍ أُخْرَى، صَحَّ، وَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِي الثُّلُثِ الْمُصَالَحِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي دَعْوَاهُ، وَأَنَّ مَا أَخَذَهُ عِوَضٌ عَنْ الثُّلُثِ الَّذِي ادَّعَاهُ، فَلَزِمَهُ حُكْمُ دَعْوَاهُ وَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ، وَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْمُنْكِرِ فِي الثُّلُثِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَزُلْ، وَإِنَّمَا دَفَعَ ثُلُثَ دَارِهِ إلَى الْمُدَّعِي اكْتِفَاءً لِشَرِّهِ، وَدَفْعًا لِضَرَرِ الْخُصُومَةِ وَالْيَمِينِ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ فِيهِ شُفْعَةٌ. وَإِنْ قَالَ الْمُنْكِرُ لِلْمُدَّعِي: خُذْ الثُّلُثَ الَّذِي تَدَّعِيه بِثُلُثِ دَارِكَ. فَفَعَلَ، فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْمُدَّعِي فِيمَا أَخَذَهُ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الشُّفْعَةُ فِي الثُّلُثِ الَّذِي أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ الثَّابِتِ لَهُ. وَقَالَ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الثُّلُثِ الَّذِي أَخَذَهُ الْمُدَّعِي أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا مُعَاوَضَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِشِقْصَيْنِ، فَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ مُقِرَّيْنِ.

стр. 2168

وَلَنَا، أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّ مَا أَخَذَهُ كَانَ مِلْكًا لَهُ قَبْلَ الصُّلْحِ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ، وَإِنَّمَا اسْتَنْقَذَهُ بِصُلْحِهِ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ شُفْعَةٌ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ. [فَصْلٌ دَارٌ بَيْن ثَلَاثَةٍ فَاشْتَرَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ ثُمَّ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ] (٤٠٩٩) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَثْلَاثًا، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَ أَحَدِ شَرِيكَيْهِ، ثُمَّ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْعَقْدَيْنِ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهِمَا. فَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدِ الثَّانِي، أَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي يَدِ مُشْتَرِيه؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شُفْعَتِهِ. وَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِالثَّانِي، أَخَذَ نِصْفَ الْمَبِيعِ، وَهُوَ السُّدُسُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرِيكُهُ فِي شُفْعَتِهِ، وَيَأْخُذُ نِصْفَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَنِصْفَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَمَّا اشْتَرَى الثُّلُثَ، كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، فَإِذَا بَاعَ الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ، وَفِي يَدِهِ ثُلُثَانِ، فَقَدْ بَاعَ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَالشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ مَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ السُّدُسُ، فَصَارَ مُنْقَسِمًا فِي يَدَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ، وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِرُبْعِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ، لِلشَّفِيعِ نِصْفُ الدَّارِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ الرُّبْعُ. وَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدَيْنِ، أَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي يَدِ الثَّانِي، وَرُبْعَ مَا فِي يَدِ الْأَوَّلِ، فَصَارَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدَّارِ، وَلِشَرِيكِهِ الرُّبْعُ، وَيَدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ نِصْفَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَيَدْفَعُ إلَى الثَّانِي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثَّانِي، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِرُبْعِ الثَّمَنِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ مَا اشْتَرَاهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ السُّدُسُ، فَيَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَ الثَّمَنِ لِذَلِكَ، وَقَدْ صَارَ نِصْفُ هَذَا النِّصْفِ فِي يَدِ الثَّانِي، وَهُوَ رُبْعُ مَا فِي يَدِهِ، فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِثَمَنِهِ، وَبَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا اشْتَرَاهُ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَدَفَعَ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي هُوَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لَا يَخْتَلِفُ. وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَرْبَاعًا لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا، وَلِلْآخَرَيْنِ نِصْفُهَا بَيْنَهُمَا، فَاشْتَرَى صَاحِبُ النِّصْفِ مِنْ أَحَدِ شَرِيكَيْهِ رُبْعَهُ، ثُمَّ بَاعَ رُبْعًا مِمَّا فِي يَدِهِ لِأَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ فَأَخَذَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي، أَخَذَ جَمِيعَهُ، وَدَفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَهُ. وَإِنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ، أَخَذَ ثُلُثَ الْمَبِيعِ، وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ كُلَّهُ رُبْعٌ، فَثُلُثُهُ نِصْفُ سُدُسٍ، يَأْخُذُ ثُلُثَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَثُلُثَهُ مِنْ الثَّانِي، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، النِّصْفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعَةٌ، فَلَمَّا اشْتَرَى صَاحِبُ النِّصْفِ تِسْعَةً، كَانَتْ شُفْعَتُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ أَثْلَاثًا، لِشَرِيكِهِ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةٌ، فَلَمَّا بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، حَصَلَ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُلُثُهَا، وَهُوَ سَهْمٌ بَقِيَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنْهَا سَهْمَانِ، فَتُرَدُّ الثَّلَاثَةُ إلَى الشَّرِيكِ، وَيَصِيرُ فِي يَدِهِ اثْنَا عَشَرَ، وَهِيَ الثُّلُثُ، وَيَبْقَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ثَمَانِيَةٌ، وَهِيَ تُسْعَانِ، وَفِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ

стр. 2169

أَتْسَاعٍ، وَيَدْفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَيْهِ بِتُسْعِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ تُسْعَ مَبِيعِهِ. وَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدَيْنِ، أَخَذَ مِنْ الثَّانِي جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ، وَأَخَذَ مِنْ الْأَوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ، وَهُوَ سَهْمَانِ، مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، فَيَصِيرُ فِي يَدِهِ عِشْرُونَ سَهْمًا، وَهِيَ خَمْسَةُ أَتْسَاعٍ، وَيَبْقَى فِي يَدِ الْأَوَّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِ ثُلُثَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَيَدْفَعُ إلَى الثَّانِي ثَمَانِيَةَ أَتْسَاعِ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِتُسْعِ الثَّمَنِ الثَّانِي. (٤١٠٠) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِزَيْدٍ نِصْفُهَا، وَلِعَمْرٍو ثُلُثُهَا، وَلِبَكْرٍ سُدُسُهَا، فَاشْتَرَى بَكْرٌ مِنْ زَيْدٍ ثُلُثَ الدَّارِ، ثُمَّ بَاعَ عَمْرًا سُدُسَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ عَمْرٌو بِشِرَاهُ لِلثُّلُثِ، ثُمَّ عَلِمَ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ مِنْ شُفْعَةِ الثُّلُثِ، وَهُوَ ثُلُثَاهُ، وَذَلِكَ تُسْعَا الدَّارِ، فَيَأْخُذُ مِنْ بَكْرٍ ثُلُثَيْ ذَلِكَ، وَقَدْ حَصَلَ ثُلُثُهُ الْبَاقِي فِي يَدِهِ بِشِرَائِهِ لِلسُّدُسِ، فَيَفْسَخُ بَيْعَهُ فِيهِ، وَيَأْخُذُهُ بِشُفْعَةِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَيَبْقَى مِنْ مَبِيعِهِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ، لِزَيْدٍ ثُلُثُ شُفْعَتِهِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ سَهْمًا، الثُّلُثُ الْمَبِيعُ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ سَهْمًا، لِعَمْرٍو ثُلُثَاهَا بِشُفْعَتِهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ سَهْمًا، يَأْخُذُ ثُلُثَيْهَا مِنْ بَكْرٍ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا، وَثُلُثُهَا فِي يَدِهِ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا، وَالسُّدُسُ الَّذِي اشْتَرَاهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ بِالشُّفْعَةِ، بَقِيَ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، لَهُ ثُلُثَاهَا عَشَرَةٌ، وَيَأْخُذُ مِنْهَا زَيْدٌ خَمْسَةً، فَحَصَلَ لِزَيْدٍ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سَهْمًا، وَلِبَكْرٍ ثَلَاثُونَ سَهْمًا، وَلِعَمْرٍو مِائَةُ سَهْمٍ، وَذَلِكَ نِصْفُ الدَّارِ وَتُسْعُهَا وَنِصْفُ تُسْعِ تُسْعِهَا، وَيَدْفَعُ عَمْرٌو إلَى بَكْرٍ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ وَعَلَى زَيْدٍ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ الثَّمَنِ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. وَإِنْ عَفَا عَمْرٌو عَنْ شُفْعَةِ الثُّلُثِ، فَشُفْعَةُ السُّدُسِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدٍ أَثْلَاثًا، وَيَحْصُلُ لِعَمْرٍو أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِ الدَّارِ، وَلَزَيْدً تُسْعَاهَا، وَلِبَكْرٍ ثُلُثُهَا، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ، وَإِنْ بَاعَ بَكْرٌ السُّدُسَ لِأَجْنَبِيٍّ، فَهُوَ كَبَيْعِهِ إيَّاهُ لِعَمْرٍو، إلَّا أَنَّ لِعَمْرٍو الْعَفْوَ عَنْ شُفْعَتِهِ فِي السُّدُسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهَا. وَإِنْ بَاعَ بَكْرٌ الثُّلُثَ لِأَجْنَبِيٍّ، فَلِعَمْرٍو ثُلُثَا شُفْعَةِ الْمَبِيعِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ التُّسْعَانِ، يَأْخُذُ ثُلُثَهُمَا مِنْ بَكْرٍ، وَثُلُثَهُمَا مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَذَلِكَ تُسْعٌ ثُلُثُ تُسْعٍ، يَبْقَى فِي يَدِ الثَّانِي سُدُسٌ وَسُدُسُ تُسْعٍ، وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ بَيْنَ عَمْرٍو وَزَيْدٍ أَثْلَاثًا. وَتَصِحُّ أَيْضًا مِنْ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ، وَيَدْفَعُ عَمْرٌو إلَى بَكْرٍ ثُلُثَيْ ثَمَنِ مَبِيعِهِ، وَيَدْفَعُ هُوَ وَزَيْدٌ إلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي ثَمَنَ خَمْسَةِ أَسْبَاعِ مَبِيعِهِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى بَكْرٍ بِثَمَنِ أَرْبَعَةِ أَتْسَاعِ مَبِيعِهِ.

стр. 2170

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَمْرٌو حَتَّى بَاعَ مِمَّا فِي يَدِهِ سُدْسًا، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ، فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا. الثَّانِي تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ كُلُّهَا. وَالثَّالِثُ، تَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا بَاعَ، وَتَبْقَى فِيمَا لَمْ يَبِعْ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَ هَذِهِ الْوُجُوهِ. فَأَمَّا شُفْعَةُ مَا بَاعَهُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا بَيْنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَزَيْدٍ وَبَكْرٍ أَرْبَاعًا، لِلْمُشْتَرِي نِصْفُهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبْعُهَا، عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ حِينَ بَيْعِهِ. وَالثَّانِي، أَنَّهَا بَيْنَ زَيْدٍ وَبَكْرٍ، عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، لِزَيْدِ تِسْعَةٌ، وَلِبَكْرٍ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ لِزَيْدٍ السُّدُسَ، وَلِبَكْرٍ سُدُسٌ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِهِ بِالشُّفْعَةِ، فَيَبْقَى مَعَهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ السُّدُسِ، مِلْكُهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهَا، فَأَضَفْنَاهُ إلَى سُدُسِ زَيْدٍ، وَقَسَمْنَا الشُّفْعَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ نُعْطِ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ وَلَا بَكْرًا بِالسِّهَامِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالشُّفْعَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عَلَيْهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ. وَالثَّالِثُ، إنْ عَفَا لَهُمْ عَنْ الشُّفْعَةِ، اسْتَحَقُّوا بِهَا. وَإِنْ أُخِذَتْ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَسْتَحِقُّوا بِهَا شَيْئًا. وَإِنْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، اسْتَحَقَّ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ بِسِهَامِهِ دُونَ غَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ. وَمَا بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ فِيهِ بِبَيْعِ عَمْرٍو، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، فَيُخَرَّجُ فِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ. وَلَوْ اسْتَقْصَيْنَا فُرُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَسْطِ، لَطَالَ، وَخَرَجَ إلَى الْإِمْلَالِ. [فَصْلٌ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ اشْتَرَى اثْنَانِ مِنْهُمْ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ] (٤١٠١) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ أَرْبَاعًا، فَاشْتَرَى اثْنَانِ مِنْهُمْ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ، اسْتَحَقَّ الرَّابِعُ الشُّفْعَةَ عَلَيْهِمَا، وَاسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ الشُّفْعَةَ عَلَى صَاحِبِهِ. فَإِنْ طَالَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشُفْعَتِهِ، قُسِّمَ الْمَبِيعُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَصَارَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ. وَإِنْ عَفَا الرَّابِعُ وَحْدَهُ، قُسِّمَ الْمَبِيعُ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ نِصْفَيْنِ. وَكَذَلِكَ إنْ عَفَا الْجَمِيعُ عَنْ شُفْعَتِهِمْ، فَيَصِيرُ لَهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدَّارِ، وَلِلرَّابِعِ الرُّبْعُ بِحَالِهِ وَإِنْ طَالَبَ الرَّابِعُ وَحْدَهُ، أَخَذَ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ مِنْ الْمِلْكِ مِثْلُ مَا لِلْمُطَالِبِ، فَشُفْعَةُ مَبِيعِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَفِيعِهِ نِصْفَيْنِ، فَيَحْصُلُ لِلرَّابِعِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الدَّارِ، وَبَاقِيهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ. وَإِنْ طَالَبَ الرَّابِعُ وَحْدَهُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، قَاسَمَهُ الثَّمَنَ نِصْفَيْنِ، فَيَحْصُلُ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الرَّابِعِ وَالْآخَرِ نِصْفَيْنِ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ

стр. 2171

وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ، وَلَمْ يَعْفُ الْآخَرُ وَلَا الرَّابِعُ، قُسِّمَ مَبِيعُ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّابِعِ نِصْفَيْنِ، وَمَبِيعُ الْآخَرِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَيَحْصُلُ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ عَنْهُ رُبْعُ وَثُلُثُ ثُمُنٍ، وَذَلِكَ سُدُسٌ وَثُمُنٌ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ. وَإِنْ عَفَا الرَّابِعُ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَعْفُ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ ثُلُثَ الثَّمَنِ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَكُونُ الرَّابِعُ كَالْعَافِي فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَتَصِحُّ أَيْضًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ. وَإِنْ عَفَا الرَّابِعُ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَلَمْ يَعْفُ الْآخَرُ، فَلِغَيْرِ الْعَافِي رُبْعٌ وَسُدُسٌ، وَالْبَاقِي بَيْن الْعَافِيَيْنِ نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسٌ وَثُمُنٌ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ. وَمَا يُفَرَّعُ مِنْ الْمَسَائِلِ فَهُوَ عَلَى مَسَاقِ مَا ذَكَرْنَا. [مَسْأَلَة لَا شُفْعَةَ لِكَافِرِ عَلَى مُسْلِمٍ] (٤١٠٢) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا بَاعَ شَرِيكُهُ شِقْصًا لِمُسْلِمِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ عَلَيْهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالشِّرَاءِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، فِي كِتَابِ " الْعِلَلِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» . وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ مَا احْتَجُّوا بِهِ. وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُمْلَكُ بِهِ، يَتَرَتَّبُ عَلَى وُجُودِ مِلْكٍ مَخْصُوصٍ، فَلَمْ يَجِبْ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، كَالزَّكَاةِ. وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَخْتَصُّ الْعَقَارَ، فَأَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ فِي الْبُنْيَانِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ لِلْمُسْلِمِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ مِلْكِهِ، فَقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِهِ عَلَى دَفْعِ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِ دَفْعِ ضَرَرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الذِّمِّيِّ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ أَرْجَحُ، وَرِعَايَتَهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فِي مَحِلِّ الْإِجْمَاعِ، عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، رِعَايَةٌ لِحَقِّ الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ فِي مَعْنَى الْمُسْلِمِ، فَيَبْقَى فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ، وَلِأَنَّهَا إذَا ثَبَتَتْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ، وَرِعَايَةِ حَقِّهِ، فَلَأَنْ تَثْبُتَ عَلَى الذِّمِّيِّ مَعَ دَنَاءَتِهِ، أَوْلَى وَأَحْرَى. [فَصْل الشُّفْعَة لِلذِّمِّيِّ عَلَى الذِّمِّيِّ] (٤١٠٣) فَصْلٌ: وَتَثْبُتُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدِّينِ وَالْحُرْمَةِ، فَتَثْبُتُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، كَالْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.

стр. 2172

وَإِنْ تَبَايَعُوا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِذَلِكَ، لَمْ يُنْقَضْ مَا فَعَلُوهُ. وَإِنْ كَانَ التَّقَابُضُ جَرَى بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ دُونَ الشَّفِيعِ، وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا، لَمْ نَحْكُمْ لَهُ بِالشُّفْعَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ تَبَايَعُوا بِخَمْرٍ، وَقُلْنَا: هِيَ مَالٌ لَهُمْ. حَكَمْنَا لَهُمْ بِالشُّفْعَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْرًا؛ لِأَنَّهَا مَالٌ لَهُمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَايَعُوا بِدَرَاهِمَ، لَكِنْ إنْ كَانَ الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ. وَلَنَا أَنَّهُ بَيْعٌ عُقِدَ بِخَمْرٍ، فَلَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ بِثَمَنٍ مُحَرَّمٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ بِالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ لَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ، كَمَا حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَاعْتِقَادُهُمْ حِلَّهُ لَا يَجْعَلُهُ مَالًا كَالْخِنْزِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَضْ عَقْدُهُمْ إذَا تَقَابَضُوا، لِأَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِمَا فَعَلُوهُ مِمَّا يَعْتَقِدُونَهُ فِي دِينِهِمْ، مَا لَمْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا قَبْلَ تَمَامِهِ، وَلَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا قَبْلَ التَّقَابُضِ لَفَسَخْنَاهُ. [فَصْل أَصْحَاب الْبِدَعِ هَلْ لَهُمْ شُفْعَةٌ] (٤١٠٤) فَصْلٌ: فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، فَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَلَهُ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَتَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ، كَالْفَاسِقِ بِالْأَفْعَالِ؛ وَلِأَنَّ عُمُومَ الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا لِكُلِّ شَرِيكٍ، فَيَدْخُلُ فِيهَا. وَقَدْ رَوَى حَرْبٌ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ، هَلْ لَهُمْ شُفْعَةٌ، وَيُرْوَى عَنْ إدْرِيسَ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِلرَّافِضَةِ شُفْعَةٌ فَضَحِكَ، وَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُمْ الشُّفْعَةَ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْغُلَاةِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا مَنْ غَلَا، كَالْمُعْتَقِدِ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فِي الرِّسَالَةِ فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَى عَلِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَمَنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِنْ الدُّعَاةِ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى. [فَصْل الشُّفْعَةُ لِلْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ وَلِلْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ] (٤١٠٥) فَصْلٌ: وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَلِلْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْبَتِّيُّ: لَا شُفْعَةَ لِمَنْ لَمْ يَسْكُنْ الْمِصْرَ. وَلَنَا عُمُومُ الْأَدِلَّةِ، وَاشْتِرَاكُهُمَا فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ. [فَصْلٌ الشُّفْعَة فِي أَرْضِ السَّوَادِ] (٤١٠٦) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا نَرَى فِي أَرْضِ السَّوَادِ شُفْعَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَرْضَ السَّوَادِ مَوْقُوفَةٌ، وَقَفَهَا عُمَرُ ﵁ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَالشُّفْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْبَيْعِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ الَّتِي وَقَفَهَا عُمَرُ ﵁ وَهِيَ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً، فِي زَمَنِهِ، وَلَمْ يُقَسِّمْهَا، كَأَرْضِ الشَّامِ، وَأَرْضِ مِصْرَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَلَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِ ذَلِكَ حَاكِمٌ، أَوْ يَفْعَلَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَتَى حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِشَيْءِ، نَفَذَ حُكْمُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2173

[كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ] ِ الْمُسَاقَاةُ: أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ شَجَرَهُ إلَى آخَرَ، لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ، وَعَمَلِ سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مُسَاقَاةً لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ مِنْ السَّقْيِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ أَكْثَرُ حَاجَةِ شَجَرِهِمْ إلَى السَّقْيِ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْ الْآبَارِ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ. وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. ﵁ قَالَ: «عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَعَنْ آبَائِهِ: «عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إلَى الْيَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ. وَهَذَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فِي مُدَّةِ خِلَافَتِهِمْ» ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَاوِيَ حَدِيثِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ، قَدْ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ» وَهَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ، وَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لِرُجُوعِهِ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ إلَى حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. قُلْنَا: لَا يَجُوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، وَلَا حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُعَامِلُ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ يُخَالِفُهُ؟ أَمْ كَيْفَ يُعْمَلُ بِذَلِكَ فِي عَصْرِ الْخُلَفَاءِ وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ مَنْ سَمِعَ النَّهْيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَهُمْ، وَعَالِمٌ بِفِعْلِهِمْ، فَلَمْ يُخْبِرْهُمْ، فَلَوْ صَحَّ خَبَرُ رَافِعٍ لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ السُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ خَبَرِ رَافِعٍ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ: كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا تُسَمَّى لِسَيِّدِ الْأَرْضِ، فَرُبَّمَا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الْأَرْضُ، وَرُبَّمَا تُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. وَرُوِيَ تَفْسِيرُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ غَيْرِ هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ جِدًّا. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَارَعَةِ فَقَالَ: رَافِعٌ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا ضُرُوبٌ. كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يُوهِنُ حَدِيثَهُ. وَقَالَ طَاوُسٌ: إنَّ أَعْلَمَهُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: «لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ

стр. 2174

يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَأَنْكَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ حَدِيثَ رَافِعٍ عَلَيْهِ. فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ يَفْعَلُهُ، ثُمَّ أَجْمَعَ عَلَيْهِ خُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ بَعْدَهُ، بِخَبَرٍ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ، وَرُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ إلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي فَسَّرَهَا رَافِعٌ فِي حَدِيثِهِ وَأَمَّا غَيْرُ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى رَافِعٍ، وَلَمْ يَقْبَلْ حَدِيثَهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ غَلِطَ فِي رِوَايَتِهِ. وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النَّخِيلِ وَالشَّجَرِ يَعْجِزُونَ عَنْ عِمَارَتِهِ وَسَقْيِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا شَجَرَ لَهُمْ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى الثَّمَرِ، فَفِي تَجْوِيزِ الْمُسَاقَاةِ دَفْعٌ لِلْحَاجَتَيْنِ، وَتَحْصِيلٌ لِمَصْلَحَةِ الْفِئَتَيْنِ، فَجَازَ ذَلِكَ، كَالْمُضَارَبَةِ بِالْأَثْمَانِ. [مَسْأَلَةٌ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ، يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ. هَذَا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ دَاوُد: لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخِيلِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِهَا فِيهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخِيلِ وَالْكَرْمِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي ثَمَرَتِهِمَا، وَفِي سَائِرِ الشَّجَرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي نَمَائِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ: لَا تَجُوزُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ، أَوْ إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ مَجْهُولَةٍ، أَشْبَهَ إجَارَةَ نَفْسِهِ بِثَمَرَةٍ غَيْرِ الشَّجَرِ الَّذِي يَسْقِيه. وَلَنَا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَلَا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا خَالَفَهُمَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا إجَارَةٌ. غَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا هُوَ عَقْدٌ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَالِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ، فَهِيَ كَالْمُضَارَبَةِ، وَيَنْكَسِرُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْمُضَارَبَةِ؛ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِي الْمَالِ بِنَمَائِهِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ، وَقَدْ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ ثُمَّ قَدْ جَوَّزَ الشَّارِعُ الْعَقْدَ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ لِلْحَاجَةِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ عَلَى الثَّمَرَةِ الْمَعْدُومَةِ لِلْحَاجَةِ، مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يَكُونُ فِي إلْحَاقِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، أَوْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا فِي إبْطَالِ نَصٍّ، وَخَرْقِ إجْمَاعٍ بِقِيَاسِ نَصٍّ آخَرَ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالنَّخِيلِ، أَوْ بِهِ وَبِالْكَرْمِ، فَيُخَالِفُ عُمُومَ قَوْلِهِ: «عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ» . وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ ثَمَرٍ، وَلَا تَكَادُ بَلْدَةٌ ذَاتُ أَشْجَارٍ تَخْلُو مِنْ شَجَرٍ غَيْرِ النَّخِيلِ، وَقَدْ جَاءَ فِي لَفْظِ بَعْضِ الْأَخْبَارِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ» ، وَلِأَنَّهُ شَجَرٌ يُثْمِرُ كُلَّ حَوْلٍ، فَأَشْبَهَ النَّخِيلَ وَالْكَرْمَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ، كَالنَّخْلِ وَأَكْثَرِ؛ لِكَثْرَتِهِ، فَجَازَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ كَالنَّخْلِ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ لَيْسَ مِنْ الْعِلَّةِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْمُسَاقَاةِ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي مَا ذَكَرْنَاهُ.

стр. 2175

[فَصْلٌ الْمُسَاقَاة فِي مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ] (٤١٠٨) فَصْلٌ: وَأَمَّا مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ، كَالصَّفْصَافِ وَالْجَوْزِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ، كَالصَّنَوْبَرِ وَالْأَرْزِ، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ،، وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَهَذَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقْصَدُ وَرَقُهُ أَوْ زَهْرُهُ كَالتُّوتِ وَالْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرِ، لِأَنَّهُ نَمَاءٌ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ بِجُزْءِ مِنْهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ حُكْمِهِ. [فَصْل سَاقَاهُ عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ] (٤١٠٩) فَصْلٌ: وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجُوزُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا إذَا جَازَتْ فِي الْمَعْدُومَةِ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ فِيهَا، فَمَعَ وُجُودِهَا وَقِلَّةِ الْغَرَرِ فِيهَا أَوْلَى. وَإِنَّمَا تَصِحُّ إذَا بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ مَا يُسْتَزَادُ بِهِ الثَّمَرَةُ، كَالتَّأْبِيرِ وَالسَّقْيِ، وَإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ بَقِيَ مَا لَا تَزِيدُ بِهِ الثَّمَرَةُ، كَالْجُذَاذِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَجُزْ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَالثَّانِيَةُ لَا تَجُوزُ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ بِالْعَقْدِ عِوَضًا مَوْجُودًا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ عَنْ رَبِّ الْمَالِ إلَى الْمُسَاقِي. فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَالِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ ظُهُورِ النَّمَاءِ، كَالْمُضَارَبَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا يَجْعَلُ الْعَقْدَ إجَارَةً بِمَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ أَقَلُّ غَرَّرَا قُلْنَا: قِلَّةُ الْغَرَرِ لَيْسَتْ مِنْ الْمُقْتَضِي لِلْجَوَازِ، وَلَا كَثْرَتُهُ الْمَوْجُودَةُ فِي مَحِلِّ النَّصِّ مَانِعَةً، فَلَا تُؤَثِّرُ قِلَّتُهُ شَيْئًا، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ فِيهِ عِوَضًا مَوْجُودًا. وَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِنْ مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ النَّمَاءُ الْمَوْجُودُ عَلَى مِلْكِهِمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ هَذَا الْمَوْضُوعِ، وَلَا إثْبَاتُ عَقْدٍ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ إلْحَاقًا بِهِ، كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، كَالْمُضَارَبَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ. [فَصْلٌ الْمُسَاقَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ مُشَاعٍ] (٤١١٠) فَصْلٌ: فَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ ". فَيَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ مُشَاعٍ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، لِحَدِيثِ
следующие страницы →