← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 8463

المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة

ابن قدامة

Полный текст (5 009 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وَلَوْ ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ إنْسَانٌ، فَأُلْحِقَ نَسَبُهُ بِهِ، لِانْفِرَادِهِ بِالدَّعْوَى، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَادَّعَاهُ، لَمْ يَزُلْ نَسَبُهُ عَنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ، فَلَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ، لَحِقَ بِهِ، وَانْقَطَعَ عَنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ، وَيَزُولُ بِهَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، كَالشَّهَادَةِ. [فَصْلٌ ادَّعَى نَسُبّ اللَّقِيط اثْنَانِ فَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا] (٤٥٧٨) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَاهُ اثْنَانِ، فَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، لَحِقَ بِهِمَا، وَكَانَ ابْنَهُمَا، يَرِثُهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ، وَيَرِثَانِهِ جَمِيعًا مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ ﵄. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُلْحَقُ بِهِمَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَالِدٍ، فَإِذَا أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا سَقَطَ قَوْلُهُمَا، وَلَمْ يُحْكَمْ لَهُمَا. وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ الْقَافَةَ قَالَتْ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْت. وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَإِذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، تَبَيَّنَّا كَذِبَهُمَا، فَسَقَطَ قَوْلُهُمَا، كَمَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ بِأُمَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَيْنِ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَثْبُتْ، وَلَوْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، سَقَطَتَا، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمَا، لَثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَأُلْحِقَ بِهِمَا عِنْدَ تَعَارُضِ بَيِّنَتِهِمَا. وَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ ": ثنا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَرَ، فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ، فَقَالَ الْقَائِفُ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا. فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: وَعَلِيٌّ يَقُولُ: هُوَ ابْنُهُمَا، وَهُمَا أَبَوَاهُ، يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ. وَرَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ، جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا، وَقَابُوسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ، فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبِهُهُمَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوهُ، فَقَالُوا: نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا. فَأَلْحَقَهُ بِهِمَا، وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ. قَالَ سَعِيدٌ: عَصَبَتُهُ الْبَاقِي مِنْهُمَا. وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ عُمَرَ لَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَإِنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَ الْقَافَةِ لَأَمْرٍ آخَرَ، إمَّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِمَا، وَإِمَّا لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِمَا وَاخْتِلَافِهِمَا مَا يُوجِبُ تَرَكَهُ، فَلَا يَنْحَصِرُ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِمَا فِي أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِيهِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، وَرِثَهُمَا وَوَرِثَاهُ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، وَنَسَبُهُ مِنْ الْأَوَّلِ قَائِمٌ، لَا يُزِيلُهُ شَيْءٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " هُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ يَرِثُهُ مِيرَاثَ أَبٍ كَامِلٍ، كَمَا أَنَّ الْجَدَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ أَخَذَتْ مَا يَأْخُذُهُ الْجَدَّاتُ، وَالزَّوْجَةُ تَأْخُذُ وَحْدَهَا مَا يَأْخُذُهُ جَمِيعُ الزَّوْجَاتِ. [فَصْلٌ ادَّعَى نَسُبّ اللَّقِيط أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَلْحَقَتْهُ بِهِمْ الْقَافَةُ] (٤٥٧٩) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ، فَأَلْحَقَتْهُ بِهِمْ الْقَافَةُ، فَنَصَّ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، أَنَّهُ يُلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ وَإِنْ كَثُرُوا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ.

стр. 2452

وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّا صِرْنَا إلَى ذَلِكَ لِلْأَثَرِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا. وَلَنَا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَحِقَ بِاثْنَيْنِ، مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُلْحَقَ مِنْ اثْنَيْنِ، جَازَ أَنْ يُلْحَقَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إلْحَاقَهُ بِالِاثْنَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِي غَيْرِهِ، فَيَجِبُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ، كَمَا أَنَّ إبَاحَةَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ أُبِيحَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى ذَلِكَ مَالُ غَيْرِهِ، وَالصَّيْدُ الْحَرَمِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، لِوُجُودِ الْمَعْنَى، وَهُوَ إبْقَاءُ النَّفْسِ، وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الْهَلَاكِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِثَلَاثَةِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، فَتَحَكُّمٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلَا عَدَّى الْحُكْمَ إلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى، وَلَا نَعْلَمُ فِي الثَّلَاثَةِ مَعْنًى خَاصًّا يَقْتَضِي إلْحَاقَ النَّسَبِ بِهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ. [فَصْلٌ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ أَوْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا أَوْ وُجِدَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ فِي نَسَبِ اللَّقِيطِ] (٤٥٨٠) فَصْلٌ: وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ، أَوْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا، أَوْ تَعَارَضَتْ أَقْوَالُهَا، أَوْ وُجِدَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ، لَمْ يُرَجَّحْ أَحَدُهُمَا بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُرَجَّحُ بِهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، سِوَى الِالْتِقَاطِ فِي الْمَالِ وَاللَّقِيطِ، وَيَضِيعُ نَسَبُهُ. هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ. وَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ، ﵀، فِي رَجُلَيْنِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، إلَى أَنَّ الِابْنَ يُخَيَّرُ أَيَّهُمَا أَحَبَّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، قَالَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيَنْتَسِبُ إلَى مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: حَتَّى يُمَيِّزَ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: وَالِ أَيَّهمَا شِئْت. وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ بِطَبْعِهِ إلَى قَرِيبِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ نَسَبُهُ، أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِقْرَارِ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَجَبَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ. وَلَنَا أَنَّ دَعْوَاهُمَا تَعَارَضَتَا، وَلَا حُجَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَمْ تَثْبُتْ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا رِقَّهُ. وَقَوْلُهُمْ: يَمِيلُ بِطَبْعِهِ إلَى قَرَابَتِهِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَمِيلُ إلَى قَرَابَتِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهَا قَرَابَتُهُ، فَالْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ سَبَبُ الْمَيْلِ، وَلَا سَبَبَ قَبْلَهُ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَمِيلُ إلَى قَرَابَتِهِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى مَنْ أَحْسَنِ إلَيْهِ، فَإِنْ الْقُلُوبَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنِ إلَيْهَا، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إلَيْهَا، وَقَدْ يَمِيلُ إلَيْهِ لِإِسَاءَةِ الْآخَرِ إلَيْهِ، وَقَدْ يَمِيلُ إلَى أَحْسَنِهِمَا خُلُقًا أَوْ أَعْظَمِهِمَا قَدْرًا أَوْ جَاهًا أَوْ مَالًا، فَلَا يَبْقَى لِلْمَيْلِ أَثَرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى النَّسَبِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ صَدَّقَ الْمُقِرَّ بِنَسَبِهِ. قُلْنَا: لَا يَحِلُّ لَهُ تَصْدِيقُهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيه. وَهَذَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَلْعُونًا بِتَصْدِيقِهِ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا انْفَرَدَ، فَإِنَّ الْمُنْفَرِدَ يَثْبُتُ النَّسَبُ

стр. 2453

بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: وَالِ مِنْ شِئْت. فَلَمْ يَثْبُتْ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْمُوَلَّاةِ، لَا بِالِانْتِسَابِ. وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ لَهُ الِانْتِسَابَ إلَى أَحَدِهِمَا، لَوْ انْتَسَبَ إلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ عَادَ وَانْتَسَبَ إلَى الْآخَرِ، وَنَفَى نَسَبَهُ مِنْ الْأَوَّلِ، أَوْ لَمْ يَنْتَسِبْ إلَى وَاحِدٍ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى مُنْفَرِدٌ نَسَبَهُ ثُمَّ أَنْكَرَهُ، وَيُفَارِقُ الصَّبِيَّ الَّذِي يُخَيَّرُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَيَخْتَارُ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ يَرُدُّ الْآخَرَ، إذَا اخْتَارَهُ، فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِ الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا تَبِعَ اخْتِيَارَهُ وَشَهْوَتَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَهَى طَعَامًا فِي يَوْمٍ، ثُمَّ اشْتَهَى غَيْرَهُ فِي يَوْمٍ آخَر. وَإِنْ قَامَتْ لِلْآخَرِ بِنَسَبِهِ بَيِّنَةٌ، عُمِلَ بِهَا، وَبَطَلَ انْتِسَابُهُ؛ لِأَنَّهَا تُبْطِلُ قَوْلَ الْقَافَةِ، الَّذِي هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِانْتِسَابِ، فَلَأَنْ تُبْطِلَ الِانْتِسَابَ أَوْلَى. وَإِنْ وُجِدَتْ قَافَةٌ بَعْدَ انْتِسَابِهِ، فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِ، بَطَلَ انْتِسَابُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى، فَبَطَلَ بِهِ الِانْتِسَابُ كَالْبَيِّنَةِ مَعَ قَوْلِ الْقَافَةِ. [فَصْلٌ ادَّعَتْ امْرَأَتَانِ نَسَبَ وَلَدٍ لَقِيطًا] (٤٥٨١) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَتَانِ نَسَبَ وَلَدٍ، فَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَبُولِ دَعْوَاهُمَا، فَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمَا، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُمَا. وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مِمَّنْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا دُونَ الْأُخْرَى، فَهُوَ ابْنُهَا، كَالْمُنْفَرِدَةِ بِهِ. وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِمَّنْ تُسْمَعُ دَعْوَتُهُمَا، فَهُمَا فِي إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ كَوْنِهِ يَرَى الْقَافَةَ مَعَ عَدَمِهَا كَالرَّجُلَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فِي يَهُودِيَّةٍ وَمُسْلِمَةٍ وَلَدَتَا، فَادَّعَتْ الْيَهُودِيَّةُ وَلَدَ الْمُسْلِمَةِ، فَتَوَقَّفَ، فَقِيلَ: يُرَى الْقَافَة؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَهُ. وَلِأَنَّ الشَّبَه يُوجَدُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِهَا، كَوُجُودِهِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَابْنِهِ، بَلْ أَكْثَرَ، لِاخْتِصَاصِهَا بِحَمْلِهِ وَتَغْذِيَتِهِ، وَالْكَافِرَةُ وَالْمُسْلِمَةُ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، فِي الدَّعْوَى وَاحِدَةٌ، كَمَا قُلْنَا فِي الرَّجُلِ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ بِقَبُولِ دَعْوَاهَا. وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأُمَّيْنِ، لَمْ يُلْحَقْ بِهِمَا، وَبَطَلَ قَوْلُ الْقَافَةِ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ خَطَأَهُ يَقِينًا. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُلْحَقُ بِهِمَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الْأُمَّ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَجَازَ أَنْ يُلْحَقَ بِاثْنَيْنِ، كَالْآبَاءِ. وَلَنَا أَنْ كَوْنَهُ مِنْهُمَا مُحَالٌ يَقِينًا. فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُمَا أَوْ مِثْلَهُمَا، وَفَارَقَ الرَّجُلَيْنِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ مِنْهُمَا مُمْكِنٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ النُّطْفَتَيْنِ لِرَجُلَيْنِ فِي رَحِمِ امْرَأَةٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُمَا وَلَدٌ، كَمَا يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَائِفُ لِعُمَرَ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِمَنْ يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مِنْهُ، إلْحَاقُهُ بِمَنْ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ مِنْهُ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ إلْحَاقِهِ بِمَنْ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ إلْحَاقُهُ بِأَصْغَرَ مِنْهُ. [فَصْلٌ ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيط رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ] فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى نَسَبَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ كَانَ بَيْنَهُمَا،

стр. 2454

أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فَيُلْحَقَ بِهِمَا جَمِيعًا، وَيَكُونَ ابْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمَا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّعْوَى. وَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ: هَذَا ابْنِي مِنْ زَوْجَتِي. وَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ، وَادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى، فَهُوَ ابْنُ الرَّجُلِ، وَهَلْ تُرَجَّحُ زَوْجَتُهُ عَلَى الْأُخْرَى؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا تُرَجَّحُ؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا أَبُوهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أُمُّهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَسَاوَيَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَتْ، لَأُلْحِقَ بِهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا تَسَاوَتَا. [فَصْل وَلَدَتْ امْرَأَتَانِ ابْنًا وَبِنْتًا فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّ الِابْنَ وَلَدُهَا دُونَ الْبِنْتِ] (٤٥٨٣) فَصْلٌ: وَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتَانِ ابْنًا وَبِنْتًا، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّ الِابْنَ وَلَدُهَا دُونَ الْبِنْتِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَرَى الْمَرْأَتَيْنِ الْقَافَةُ مَعَ الْوَلَدَيْنِ، فَيُلْحَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ آخَرُ. وَالثَّانِي أَنْ نَعْرِضَ لِبَنِيهِمَا عَلَى أَهْلِ الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الْأُنْثَى فِي طَبْعِهِ وَزِنَتِهِ، وَقَدْ قِيلَ: لَبَنُ الِابْنِ ثَقِيلٌ، وَلَبَنُ الْبِنْتِ خَفِيفٌ، فَيُعْتَبَرَانِ بِطَابَعِهِمَا وَوَزْنِهِمَا، وَمَا يَخْتَلِفَانِ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَمَنْ كَانَ لَبَنُهَا لَبَنَ الِابْنِ، فَهُوَ وَلَدُهَا، وَالْبِنْتُ لِلْأُخْرَى. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ، اعْتَبَرْنَا اللَّبَنَ خَاصَّةً. وَإِنْ تَنَازَعَا أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ، وَهُمَا جَمِيعًا ذَكَرَانِ أَوْ أُنْثَيَانِ، عُرِضُوا عَلَى الْقَافَةِ. كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ ابْنِي وَقَالَ الْآخَرُ هُوَ ابْنَتِي] (٤٥٨٤) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ ابْنِي. وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ ابْنَتِي. نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ ابْنًا فَهُوَ لِمُدَّعِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتًا فَهِيَ لِمُدَّعِيهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ مَا ادَّعَاهُ. وَإِنْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلًا، أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّعْوَى؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْكَاذِبِ مِنْهُمَا كَاذِبَةٌ، وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَالْأُخْرَى صَادِقَةٌ، فَيَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ بِهَا. [فَصْلٌ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَطْئًا يَلْحَقُ النَّسَبُ بِمِثْلِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدِ] (٤٥٨٥) فَصْلٌ: وَإِذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَطْئًا يَلْحَقُ النَّسَبُ بِمِثْلِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، مِثْلَ أَنْ يَطَآ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فِي طُهْرٍ، أَوْ يَطَأَ رَجُلٌ امْرَأَةَ آخَرَ أَوْ أَمَتَهُ بِشُبْهَةٍ، فِي الطُّهْرِ الَّذِي وَطِئَهَا زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا فِيهِ، بِأَنْ يَجِدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَظُنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ يَدْعُوَ زَوْجَتَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَتُجِيبَهُ زَوْجَةُ آخَرَ أَوْ جَارِيَتُهُ، أَوْ يَتَزَوَّجَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا، أَوْ يَكُونَ نِكَاحُ أَحَدِهِمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ فَاسِدًا، مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَيَنْكِحَهَا آخَرُ فِي عِدَّتِهَا وَوَطِئَهَا، أَوْ يَبِيعَ جَارِيَةً

стр. 2455

فَيَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يُرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقُوهُ لَحِقَ. وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي اللَّقِيطِ. [فَصْلٌ ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ مُدَّعٍ] (٤٥٨٦) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ مُدَّعٍ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ الدَّارِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَيُفَارِقُ دَعْوَى النَّسَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ دَعْوَى النَّسَبِ لَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَدَعْوَى الرِّقِّ مُخَالِفَةٌ لَهُ. وَالثَّانِي، أَنْ دَعْوَى النَّسَبِ نُثْبِتُ بِهَا حَقًّا لِلَّقِيطِ، وَدَعْوَى الرِّقِّ تُثْبِتُ حَقًّا عَلَيْهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا، كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّ غَيْرِ اللَّقِيطِ. فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، سَقَطَتْ الدَّعْوَى. وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، لَمْ تَخْلُ إمَّا أَنْ تَشْهَدَ بِالْيَدِ أَوْ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْوِلَادَةِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْيَدِ، لَمْ تُقْبَلْ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْوِلَادَةِ، قُبِلَ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، ثُمَّ نَنْظُرُ؛ فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُلْتَقِطِ، لَمْ يَثْبُتْ بِهَا مِلْكٌ؛ لِأَنَّنَا عَرَفْنَا سَبَبَ يَدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ، حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْمِلْكِ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ، فَقَالَتْ: نَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مَمْلُوكُهُ. حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكِ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ. فَإِنْ شَهِدَتْ بِأَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، حُكِمَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ لَا تَلِدُ فِي مِلْكِهِ إلَّا مُلْكَهُ. وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ، أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ، وَلَمْ تَقُلْ: فِي مِلْكِهِ. احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهَا فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ مِلْكُهُ، فَنَمَاؤُهَا مِلْكُهُ، كَسِمَنِهَا. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَلِدَهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهَا، فَلَا تَكُونُ لَهُ وَهُوَ ابْنُ أَمَتِهِ. [فَصْلٌ ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ بَعْدَ بُلُوغِهِ] (٤٥٨٧) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُدَّعٍ، كُلِّفَ إجَابَتَهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ قَدْ تَصَرَّفَ قِبَلِ ذَلِكَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَأَقَرَّ بِالرِّقِّ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ اعْتَرَفَ لِنَفْسِهِ بِالْحُرِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ، لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِي إبْطَالِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَرَفَ بِالْحُرِّيَّةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقْبَلُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْحَالِ، أَقَرَّ بِالرِّقِّ، فَيُقْبَلُ، كَمَا لَوْ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِالرِّقِّ. وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَوَاتَ نَفْسِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحُرِّيَّةِ الْمَحْكُومِ بِهَا،

стр. 2456

فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحُرِّيَّةِ، وَلِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الطِّفْلَ الْمَنْبُوذَ لَا يَعْلَمُ رِقَّ نَفْسِهِ، وَلَا حُرِّيَّتَهَا، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ حَالٌ يَعْرِفُ بِهِ رِقَّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ رِقٌّ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ، فَكَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَلِلشَّافِعِي وَجْهَانِ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ. صَارَتْ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ الْعَبِيدِ فِيمَا عَلَيْهِ دُونَ مَالَهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَقًّا لَهُ وَحَقًّا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ مَا عَلَيْهِ دُونَ مَا لَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلِي عِنْدَهُ رَهْنٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ فِي الْجَمِيعِ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مَا عَلَيْهِ، فَيَثْبُتُ مَا لَهُ، كَالْبَيِّنَةِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَبَعٌ لِلرِّقِّ، فَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ، ثَبَتَ التَّبَعُ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ، تَثْبُتُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا لَهَا. وَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ ابْتِدَاءً لِرَجُلٍ، فَصَدَّقَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ جَوَابًا. وَإِنْ كَذَّبَهُ؛ بَطَلَ إقْرَارُهُ. ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ آخَرَ، جَازَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يُسْمَعَ إقْرَارُهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ تَضَمَّنَ الِاعْتِرَافَ بِنَفْيِ مَالِكٍ لَهُ سِوَى هَذَا الْمُقِرِّ، فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بِرَدِّ الْمُقِرِّ لَهُ، بَقِيَ الِاعْتِرَافُ بِنَفْيِ مَالِكٍ لَهُ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِمَا نَفَاهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْحُرِّيَّةِ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالرِّقِّ. وَلَنَا أَنَّهُ إقْرَارٌ لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُقِرُّ لَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ إقْرَارَهُ ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِثَوْبٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِآخَرَ بَعْدَ رَدِّ الْأَوَّلِ. وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّ إقْرَارَهُ بِهَا لَمْ يَبْطُلْ وَلَمْ يُرَدَّ. [فَصْلٌ إقْرَارُ اللَّقِيط بِالرِّقِّ بَعْدَ نِكَاحِهِ] (٤٥٨٨) فَصْلٌ: إذَا قَبِلْنَا إقْرَارَهُ بِالرِّقِّ بَعْدَ نِكَاحِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَسَدَ نِكَاحُهُ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ عَبْدٌ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَسَدَ نِكَاحُهُ أَيْضًا، وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ جَمِيعُهُ، لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ. فَإِذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ، لَزِمَتْهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ تَابِعٌ لِأُمِّهِ. وَإِنْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِأَمَةٍ، فَوَلَدُهُ لِسَيِّدِهَا، وَيَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَاتِهِ، وَيَفْدِيه سَيِّدُهُ أَوْ يُسَلِّمُهُ. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ كَسْبٌ، اسْتَوْفَى الْمَهْرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إقْرَارُهُ بِهِ لِسَيِّدِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى امْرَأَتِهِ، فَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّهَا مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ؛ لِكَوْنِهِ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى خُمُسَاهُ. وَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ أُنْثَى، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِإِقْرَارِهَا بِفَسَادِ نِكَاحِهَا، وَأَنَّهَا أَمَةٌ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، وَالنِّكَاحُ

стр. 2457

الْفَاسِدُ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ فِيهِ إلَّا بِالدُّخُولِ. وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا، وَلِسَيِّدِهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ أَقَلَّ، فَالزَّوْجُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ مَهْرَ الْمِثْلِ، فَهِيَ وَسَيِّدُهَا يُقِرَّانِ بِفَسَادِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْهُ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَيَجِبُ هَا هُنَا الْمُسَمَّى، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لِاعْتِرَافِ الزَّوْجِ بِوُجُوبِهِ. وَأَمَّا الْأَوْلَادُ، فَأَحْرَارٌ، وَلَا تَجِبُ قِيمَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ بِقَوْلِهَا، وَلَا يَجِبُ بِقَوْلِهَا حَقٌّ عَلَى غَيْرِهَا، وَلَا يَثْبُتُ الرِّقُّ فِي حَقِّ أَوْلَادِهَا بِإِقْرَارِهَا. فَأَمَّا بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَيُقَالُ لِلزَّوْجِ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا أَمَةٌ، وَلَدُهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا، فَإِنْ اخْتَرْت الْمُقَامَ عَلَى ذَلِكَ فَأَقِمْ، وَإِنْ شِئْت فَفَارِقْهَا. وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ، وَأَفْسَدْنَا نِكَاحَهُ، لَكَانَ إفْسَادًا لِلْعَقْدِ جَمِيعِهِ بِقَوْلِهَا؛ لِأَنَّ شُرُوطَ نِكَاحِ الْأَمَةِ لَا تُعْتَبَرُ فِي اسْتِدَامَةِ الْعَقْدِ، إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي ابْتِدَائِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَبِلْتُمْ قَوْلَهَا فِي أَنَّهَا أَمَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الزَّوْجِ. قُلْنَا: لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي إيجَابِ حَقٍّ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيُمْكِنُ إيفَاءُ حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الرِّقُّ عَلَيْهَا، بِأَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ، أَوْ يُقِيمُ عَلَى نِكَاحِهَا، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ سَيِّدِهَا. فَإِنْ طَلَّقَهَا اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ حَقٌّ لِلزَّوْجِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالدُّخُولِ، وَسَبَبُهَا النِّكَاحُ السَّابِقُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي تَنْقِيصِهَا. وَإِنْ مَاتَ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهَا. وَمَنْ قَالَ بِقَبُولِ قَوْلِهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَهَذِهِ أَمَةٌ قَدْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، فَنِكَاحُهَا فَاسِدٌ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا. وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، وَجَبَ لَهَا مَهْرُ أَمَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ. وَهَلْ ذَلِكَ مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ الْمُسَمَّى؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَتَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَأَوْلَادُهُ أَحْرَارٌ؛ لِاعْتِقَادِهِ حُرِّيَّتَهَا، فَإِنَّهُ مَغْرُورٌ بِحُرِّيَّتِهَا، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ الْوَضْعِ. وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا، لَمْ تَجِبْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ. [فَصْلٌ تَصَرُّفِ اللَّقِيط بِبَيْعِ أَوْ شِرَاءِ] (٤٥٨٩) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، فَتَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْأَثْمَانِ يُؤَدَّى مِمَّا فِي يَدَيْهِ، وَمَا فَضَلَ عَلَيْهِ فَفِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ مُعَامِلَهُ لَا يَعْتَرِفُ بِرِقِّهِ. وَمَنْ قَالَ بِقَبُولِ إقْرَارِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، قَالَ بِفَسَادِ عُقُودِهِ كُلِّهَا، وَأَوْجَبَ رَدَّ الْأَعْيَانِ إلَى أَرْبَابِهَا إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، وَجَبَتْ قِيمَتُهَا فِي رَقَبَتِهِ، إنْ قُلْنَا: إنَّ مَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ اسْتِدَانَةَ الْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ، فَهَذَا كَذَلِكَ، وَيَتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ رِضَى صَاحِبِهِ. [فَصْلٌ جَنَى اللَّقِيط جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ] (٤٥٩٠) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ قَدْ جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، حُرًّا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ عَبْدًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ

стр. 2458

بِالرِّقِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَوَدِ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا أَوْ حُرًّا، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ فِيهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً، تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ بِهِ. فَإِنْ كَانَ أَرْشُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَكَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ. وَقِيلَ: تَجِبُ الزِّيَادَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِهِ. وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ، وَكَانَ الْجَانِي حُرًّا، سَقَطَ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقَادُ مِنْهُ لِلْعَبْدِ، وَقَدْ أَقَرَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ. وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِمَالٍ يَقِلُّ بِالرِّقِّ، وَجَبَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ. وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ، وَجَبَ، وَيَدْفَعُ الْوَاجِبَ إلَى سَيِّدِهِ. وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ يَكْثُرُ لِكَوْنِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ حُرًّا، لَمْ يَجِبْ إلَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ. وَمَنْ قَبِلَ قَوْلَهُ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا، أَوْجَبَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ. وَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إذَا كَانَ حُرًّا، سَقَطَ عَنْ الْعَاقِلَةِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالرِّقِّ يَتَضَمَّنُ إقْرَارَهُ بِالسُّقُوطِ عَنْ الْعَاقِلَةِ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي إيجَابِهِ عَلَى الْجَانِي، فَسَقَطَ. وَقِيلَ: لَا يَتَحَوَّلُ عَنْ الْعَاقِلَةِ. وَمَنْ قَالَ: لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا. أَوْجَبَ الْأَرْشَ عَلَى الْجَانِي.

стр. 2459

[كِتَابُ الْوَصَايَا] الْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ، مِثْلُ الْعَطَايَا جَمْعُ عَطِيَّةٍ. وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَرَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: «جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَبِالشَّطْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَبِالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] . وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ. [فَصَلِّ عَلَى مِنْ تجب الْوَصِيَّة] (٤٥٩١) فَصْل: وَلَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ يُوصِي بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ، وَطَرِيقُهُ فِي هَذَا الْبَابِ الْوَصِيَّةُ، فَتَكُونُ مَفْرُوضَةً عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَأَمَانَةٌ بِغَيْرِ إشْهَادٍ، إلَّا طَائِفَةً شَذَّتْ فَأَوْجَبَتْهَا. رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ الْوَصِيَّةَ حَقًّا مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَقِيلَ لِأَبِي مِجْلَزٍ: عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ وَصِيَّةٌ؟ قَالَ: إنْ تَرَكَ خَيْرًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: هِيَ وَاجِبَةٌ لِلْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ. وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد. وَحُكِيَ ذَلِكَ

стр. 2460

عَنْ مَسْرُوقٍ، وَطَاوُسٍ، وَإِيَاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ جَرِيرٍ. وَاحْتَجُّوا بِالْآيَةِ، وَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالُوا: نَسَخَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ، وَبَقِيَتْ فِيمَنْ لَا يَرِثُ مِنْ الْأَقْرَبِينَ. وَلَنَا، أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ وَصِيَّةٌ، وَلَمْ يُنْقَلْ لِذَلِكَ نَكِيرٌ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخِلُّوا بِذَلِكَ، وَلَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا ظَاهِرًا، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَا تَجِبُ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَعَطِيَّةِ الْأَجَانِبِ. فَأَمَّا الْآيَةُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] (٤) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ. وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَرَى نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، إلَى أَنَّهَا نُسِخَتْ بُقُولِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ. [فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا] (٤٥٩٢) فَصْلٌ: وَتُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] . فَنُسِخَ الْوُجُوبُ، وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَرِثُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا ابْنَ آدَمَ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكِ حِينَ أَخَذْت بِكَظْمِك، لِأُطَهِّركَ وَأُزَكِّيَكَ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ» . رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ، فَلَمْ يَجُرْ، وَلَمْ يَحُفَّ، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لَوْ أَعْطَاهَا وَهُوَ صَحِيحٌ. وَأَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ مُحْتَاجُونَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] «. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ: إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . وَقَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِك، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» . وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ: إنَّك لَنْ تَدَعَ طَائِلًا، إنَّمَا تَرَكْت شَيْئًا يَسِيرًا، فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ. وَعَنْهُ: أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ لَيْسَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ الْوَرَثَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهَا: لِي ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ، أَفَأُوصِي؟ فَقَالَتْ: اجْعَلْ الثَّلَاثَةَ لِلْأَرْبَعَةِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ تَرَكَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وَصِيَّةٌ. وَقَالَ عُرْوَةُ: دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى صَدِيقٍ لَهُ يَعُودُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] ، وَإِنَّك إنَّمَا تَدَعُ شَيْئًا يَسِيرًا، فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا تُسْتَحَبُّ لِمَالِكِهِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: إذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ. وَعَنْ عَلِيٍّ، أَرْبَعمِائَةِ دِينَارٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَا يُوصِي. وَقَالَ: مَنْ

стр. 2461

تَرَكَ سِتِّينَ دِينَارًا، مَا تَرَكَ خَيْرًا. وَقَالَ طَاوُسٌ: الْخَيْرُ ثَمَانُونَ دِينَارًا. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَلِيلُ أَنْ يُصِيبَ أَقَلُّ الْوَرَثَةِ سَهْمًا خَمْسُونَ دِرْهَمًا. وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي، أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لَا يَفْضُلُ عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ، فَلَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً» . وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْأَجْنَبِيِّ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ، كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِغَيْرِهِمْ، فَعِنْدَ هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ، وَغِنَاهُمْ وَحَاجَتِهِمْ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا مِنْ مَالٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ مَالٍ يَتْرُكُهُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ، يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنْ النَّاسِ. [فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ] (٤٥٩٣) فَصْلٌ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ كَثِيرٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: إنْ كَانَ غَنِيًّا اُسْتُحِبَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِسَعْدٍ: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . مَعَ إخْبَارِهِ إيَّاهُ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، وَقِلَّةِ عِيَالِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " إنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَتِي ". وَرَوَى سَعِيدٌ ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «مَرِضْت مَرَضًا، فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: أَوْصَيْت؟ . فَقُلْت: نَعَمْ. أَوْصَيْت بِمَالِي كُلِّهِ لِلْفُقَرَاءِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوْصِ بِالْعُشْرِ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مَالِيَ كَثِيرٌ. وَوَرَثَتِي أَغْنِيَاءُ. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاقِصُنِي وَأُنَاقِصُهُ، حَتَّى قَالَ: أَوْصِ بِالثُّلُثِ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا يَبْلُغُ فِي وَصِيَّتِهِ الثُّلُثَ حَتَّى يَنْقُصَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأَفْضَلُ لِلْغَنِيِّ الْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ. وَنَحْوَ هَذَا يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ السَّلَفِ، وَعُلَمَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَهُ شَيْخٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَمَالِي كَثِيرٌ، وَيَرِثُنِي أَعْرَابٌ مَوَالِي كَلَالَةً، مَنْزُوحٌ نَسَبُهُمْ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَحُطُّ حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: السُّنَّةُ الرُّبُعُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا يَعْرِفُ فِي مَالِهِ حُرْمَةَ شُبُهَاتٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَلَهُ اسْتِيعَابُ الثُّلُثِ.

стр. 2462

وَلَنَا، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَوْصَى بِالْخُمُسِ. وَقَالَ: رَضِيت بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ. يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا ﵄، أَوْصَيَا بِالْخُمُسِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الرُّبُعِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: صَاحِبُ الرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ، وَصَاحِبُ الْخُمْسِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ الرُّبُعِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ الْخُمْسُ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ الثُّلُثِ، فَهُوَ مُنْتَهَى الْجَامِحِ. وَعَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: أَوْصَى أَبِي أَنْ أَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ، أَيُّ الْوَصِيَّةِ أَعْدَلُ؟ فَمَا تَتَابَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ وَصِيَّتُهُ، فَتَتَابَعُوا عَلَى الْخُمُسِ. [فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ] (٤٥٩٤) فَصْلٌ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ وَصِيَّتَهُ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلِمْت فِي ذَلِكَ، إذَا كَانُوا ذَوِي حَاجَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْوَارِثُونَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَبَقِيَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَهُمْ. وَأَقَلُّ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧] فَبَدَأَ بِهِمْ وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلُ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ. فَإِنْ أَوْصَى لَغَيْرِهِمْ وَتَرَكَهُمْ، صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ سَالِمٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي. وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى، أَنَّهُمْ قَالُوا: يُنْزَعُ عَنْهُمْ، وَيُرَدُّ إلَى قَرَابَتِهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: لِلَّذِي أَوْصَى لَهُ ثُلُثَ الثُّلُثِ، وَالْبَاقِي يُرَدُّ إلَى قَرَابَةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لَجَازَ مِنْهُ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي رُدَّ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَأَقَارِبُهُ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّةِ كَالْوَرَثَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ كُلِّهِ. وَلَنَا، مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً. فَأَجَازَ» الْعِتْقَ فِي ثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ، فَجَازَتْ لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ، كَالْعَطِيَّةِ فِي الْحَيَاةِ.

стр. 2463

[مَسْأَلَةٌ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ] (٤٥٩٥) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا وَصَّى لِوَارِثِهِ بِوَصِيَّةٍ، فَلَمْ يُجِزْهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، لَمْ تَصِحَّ. بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا. وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ مِنْ عَطِيَّةِ بَعْضِ وَلَدِهِ، وَتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَقُوَّةِ الْمِلْكِ، وَإِمْكَانِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ بِإِعْطَاءِ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ بَيْنَهُمْ، فَفِي حَالِ مَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، وَضَعْفِ مِلْكِهِ، وَتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهِ، وَتَعَذُّرِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، أَوْلَى وَأَحْرَى. وَإِنْ أَجَازَهَا، جَازَتْ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، إلَّا أَنْ يُعْطُوهُ عَطِيَّةً مُبْتَدَأَةً. أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ". وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِهَا. وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ، وَالْخَبَرُ قَدْ رُوِيَ فِيهِ «إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ» . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَلَوْ خَلَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا وَصِيَّةَ نَافِذَةَ أَوْ لَازِمَةَ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، أَوْ يُقَدَّرُ فِيهِ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً، فَإِجَازَةُ الْوَرَثَةِ تَنْفِيذٌ وَإِجَازَةٌ مَحْضَةٌ، يَكْفِي فِيهَا قَوْلُ الْوَارِثِ: أَجَزْت، أَوْ أَمْضَيْت، أَوْ نَفَّذْت. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، لَزِمَتْ الْوَصِيَّةُ. وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً، كَانَتْ الْإِجَازَةُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً، تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، مِنْ اللَّفْظِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، كَالْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ. وَلَوْ رَجَعَ الْمُجِيزُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ، صَحَّ رُجُوعُهُ. [فَصْلٌ أَسْقَطَ عَنْ وَارِثِهِ دَيْنًا أَوْ أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ] (٤٥٩٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْقَطَ عَنْ وَارِثِهِ دَيْنًا، أَوْ أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا عَنْ زَوْجِهَا، أَوْ عَفَا عَنْ جِنَايَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ، فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ. وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا. سَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ. وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ. سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَوَجَبَ الْمَالُ. وَإِنْ عَفَا عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ، سَقَطَ مُطْلَقًا. وَإِنْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ. وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ لَهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ.

стр. 2464

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ وَصِيَّةٌ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَتُسْتَوْفَى دُيُونُهُ مِنْهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ وَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِمَنْ عَادَتُهُ الْإِحْسَانُ إلَى وَارِثِهِ. وَإِنْ وَصَّى لِوَلَدِ وَارِثِهِ، صَحَّ، فَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ نَفْعَ الْوَارِثِ، لَمْ يَجُزْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ طَاوُسٌ، فِي قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢] قَالَ: أَنْ يُوصِيَ لِوَلَدِ ابْنَتِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ ابْنَتَهُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجَنَفُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِضْرَارُ فِيهَا مِنْ الْكَبَائِرِ. [فَصْلٌ وَصَّى لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ] فَصْلٌ (٤٥٩٧) : وَإِنْ وَصَّى لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ، كَرَجُلٍ خَلَّفَ ابْنًا وَبِنْتًا، وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَجَارِيَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ، فَوَصَّى لِابْنِهِ بِعَبْدِهِ، وَلِابْنَتِهِ بِأَمَتِهِ، احْتَمَلَ أَنْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَاوَضَ الْمَرِيضُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا بِجَمِيعِ مَالِهِ، صَحَّ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِنْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ الْمَالِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ تَقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْأَعْيَانِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَكَمَا لَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّ الْوَارِثِ فِي قَدْرِ حَقِّهِ، لَا يَجُوزُ مِنْ عَيْنِهِ. [فَصْل مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ] (٤٥٩٨) فَصْلٌ: وَإِذَا مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، عَتَقَ وَوَرِثَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَحَكَاهُ الْخَبْرِيُّ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ فِي أَنَّهُ إذَا مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ، أَنَّهُ يَعْتِقُ وَيَرِثُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ حَمَّلَهُ الثُّلُثَ، عَتَقَ وَوَرِثَ، وَإِلَّا سَعَى فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرِثْ. وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف، وَمُحَمَّدٌ: يُحْتَسَبُ مِيرَاثُهُمْ مِنْ قِيمَتِهِمْ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَخَذَهُ، وَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ سَعَوْا فِيهِ. وَلَنَا، أَنَّ الْمَرِيضَ لَمْ يَضَعْ فِيهِمْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا تَعَاطَى سَبَبَ مِلْكِهِمْ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَسْتَقِرَّ، وَزَالَ بِغَيْرِ إزَالَتِهِ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ مِنْ ثُلُثِهِ، كَمَا لَوْ اتَّهَبَ شَيْئًا فَرَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فِيهِ غِبْطَةٌ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَفَسَخَ الْبَائِعُ، أَوْ وَجَدَ بِالثَّمَنِ عَيْبًا فَفَسَخَ الْبَيْعَ، أَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ فَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةٌ تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ مِنْ الثُّلُثِ، لَمْ يُمْنَعْ الْمِيرَاثُ، كَمَا لَوْ مَلَكِهِ بِالْمِيرَاثِ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَهُ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ، كَالشِّرَاءِ، فَحَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَعْتِقُ وَيَرِثُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ ": إنْ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ، وَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ وَوَرِثَ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ الْخَبْرِيُّ: وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَحَكَى غَيْرَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَلَا يَرِثُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ

стр. 2465

إعْتَاقُهُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهُ، وَيَبْطُلُ مِيرَاثُهُ، لِبُطْلَانِ عِتْقِهِ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ، فَصَحَّحْنَا عِتْقَهُ وَلَمْ نُوَرِّثْهُ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى ذَلِكَ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي هَذَا، كَمَذْهَبِهِمْ فِيمَا إذَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَلَنَا، عَلَى إعْتَاقِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ» . وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ وُجِدَ مَعَهُ مَا يُنَافِيهِ، فَبَطَلَ، كَمِلْكِ النِّكَاحِ مَعَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، أَعْنِي فِيمَا إذَا اشْتَرَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ. وَإِذَا عَتَقَ وَرِثَ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ الْمِيرَاثِ عَرِيًّا عَنْ الْمَوَانِعَ، فَوَرِثَ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ عِتْقَهُ وَصِيَّةٌ. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِعْلُهُ، وَالْعِتْقُ هَاهُنَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَا إرَادَتِهِ، وَلِأَنَّ رَقَبَةَ الْمُعْتَقِ لَا تَحْصُلُ لَهُ، وَإِنَّمَا تَتْلَفُ مَالِيَّتُهُ وَتَزُولُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ كَتَلَفِهِ بِقَتْلِ بَعْضِ رَقِيقِهِ، أَوْ كَإِتْلَافِ بَعْضِ مَالِهِ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ، مِثَالُ ذَلِكَ: مَرِيضٌ وُهِبَ لَهُ ابْنُهُ، فَقَبِلَهُ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ، وَخَلَفَ ابْنًا آخَرِ وَمِائَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ، وَيُقَاسِمُ أَخَاهُ الْمِائَتَيْنِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا حَكَى عَنْهُ غَيْرُ الْخَبْرِيِّ، يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ شَيْئًا. وَعِنْد صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، يُعْتَقُ وَلَهُ نِصْفُ التَّرِكَةِ، فَيُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ وَيَبْقَى لَهُ خَمْسُونَ. وَإِنْ كَانَ بَاقِي التَّرِكَةِ خَمْسِينَ، فَعِنْدَنَا يُعْتَقُ، وَلَهُ نِصْفُ الْخَمْسِينَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، يُعْتَقُ نِصْفُهُ، وَيَسْعَى فِي بَاقِيهِ، وَالْخَمْسُونَ كُلُّهَا لِأَخِيهِ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: يُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فِي قَوْلِ غَيْرِ الْخَبْرِيِّ، يُعْتَقُ نِصْفُهُ، وَيُرَقُّ نِصْفُهُ، وَنِصْفُهُ الرَّقِيقُ وَالْخَمْسُونَ كُلُّهَا لِأَخِيهِ. وَإِنْ كَانَ بَاقِي التَّرِكَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَعِنْدَنَا يُعْتَقُ وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ شَيْئًا. وَعِنْد صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، يُعْتَقُ وَلَهُ مِائَةٌ. فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى ابْنَهُ بِمِائَةٍ، وَمَاتَ، وَخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ وَمِائَةً أُخْرَى، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، يُعْتَقُ وَيُقَاسِمُ أَخَاهُ الْمِائَةَ الْبَاقِيَةَ. وَعَلَى مَا حَكَاهُ الْقَاضِي، يُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، وَيَرِثُ أَرْبَعِينَ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا يَرِثُ بِذَلِكَ الْجُزْءِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ، وَلَا يَرِثُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ، وَيَسْعَى فِي بَاقِيهِ، وَلَا يَرِثُ. وَعِنْد صَاحِبَيْهِ، يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَلَا يَرِثُ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَدَّقَ قَبْلَ ذَلِكَ بِثُلُثِهِ، أَوْ حَابَى بِهِ، لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ قَدْ ذَهَبَ. [فَصْلٌ مَلَكَ مِنْ وَرَثَتِهِ مَنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَبَنِي عَمِّهِ فَأَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ] (٤٥٩٩) فَصْلٌ: وَإِنْ مَلَكَ مِنْ وَرَثَتِهِ مَنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، كَبَنِي عَمِّهِ، فَأَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ، فَعِتْقُهُمْ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَحُكْمُهُمْ فِي الْعِتْقِ حُكْمُ الْأَجَانِبِ، إنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ عَتَقُوا، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقُوا وَلَا يَرِثُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ وَرِثُوا لَكَانَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهُمْ، ثُمَّ يَبْطُلُ مِيرَاثُهُمْ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي رَجُلٍ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ: عَتَقَ،

стр. 2466

وَلَمْ يَرِثْ. وَهَذَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَوَارِثٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَمَنَعْنَا مِيرَاثَهُ لِيُقْبَلَ إقْرَارُهُ لَهُ بِالْإِعْتَاقِ. [فَصْلٌ مَرِيضٌ اشْتَرَى أَبَاهُ بِأَلْفٍ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ] (٤٦٠٠) فَصْلٌ: مَرِيضٌ اشْتَرَى أَبَاهُ بِأَلْفٍ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْخَبْرِيِّ، يُعْتَقُ كُلُّهُ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُعْتَقُ ثُلُثُهُ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى ابْنِهِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَسْعَى لِلِابْنِ فِي ثُلُثَيْهِ. وَعَلَى قَوْلِ صَاحِبَيْهِ، يُعْتَقُ سُدُسُهُ، وَيَسْعَى فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِهِ. وَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: يُفْسَخُ الشِّرَاءُ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الِابْنُ عِتْقَهُ. وَقِيلَ: يُعْتَقُ ثُلُثُهُ. وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ. وَإِنْ خَلَّفَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ، عَتَقَ، وَوَرِثَ سُدُسَهُمَا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَفِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ، يُعْتَقُ نِصْفُهُ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ نِصْفِهِ. [فَصْل وَهَبَ الْإِنْسَانَ أَبُوهُ أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِ] (٤٦٠١) فَصْل: وَإِذَا وَهَبَ الْإِنْسَانَ أَبُوهُ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَلَمْ يَجِبْ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعْتَاقًا لِأَبِيهِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ مَالٍ. وَلَنَا، أَنَّهُ اسْتِجْلَابُ مِلْكٍ عَلَى الْأَبِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ بُذِلَ لَهُ بِعِوَضٍ، أَوْ كَمَا لَوْ بَذَلَ لَهُ ابْنُهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَرَرٌ بِلُحُوقِ الْمِنَّةِ بِهِ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ. [فَصْلٌ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِهِ فَأَجَازَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَصِيَّةَ الْوَارِثِ] (٤٦٠٢) فَصْلٌ: إذَا وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِهِ، فَأَجَازَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَصِيَّةَ الْوَارِثِ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ وَصَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُمَا الثُّلُثُ، فَأَجَازَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَصِيَّةَ الْوَارِثِ، جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا. وَإِنْ رَدُّوا بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلِلْأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ فِي الْأُولَى، وَالْمُعَيَّنُ الْمُوصَى لَهُ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَغَيْرِهِمْ. وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّتَانِ بِثُلُثَيْ مَالِهِ، فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ لَهُمَا. جَازَتْ لَهُمَا. وَإِنْ عَيَّنُوا نَصِيبَ الْوَارِثِ بِالرَّدِّ وَحْدَهُ، فَلِلْأَجْنَبِيِّ الثُّلُثُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُمْ خَصُّوا الْوَارِثَ بِالْإِبْطَالِ، فَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَسَقَطَتْ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوصِ لَهُ. وَإِنْ أَبْطَلُوا الزَّائِدَ عَنْ الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، فَالثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَارِثَ يُزَاحِمُ الْأَجْنَبِيَّ، إذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ، فَإِذَا أَبْطَلُوا نِصْفَهُمَا بِالرَّدِّ، كَانَ الْبُطْلَانُ رَاجِعًا إلَيْهِمَا، وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ تَلِفَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الرَّدِّ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الثُّلُثَ جَمِيعَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ. وَحُكِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إبْطَالِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ إذَا كَانَ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ جَعَلْنَا

стр. 2467

الْوَصِيَّةَ بَيْنَهُمَا لَمَلَكُوا إبْطَالَ مَا زَادَ عَلَى السُّدُسِ، فَإِنْ صَرَّحَ الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: أَجَزْنَا الثُّلُثَ لَكُمَا، وَرَدَدْنَا مَا زَادَ عَلَيْهِ فِي وَصِيَّتِكُمَا. أَوْ قَالُوا: رَدَدْنَا مِنْ وَصِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نِصْفَهَا، وَبَقِينَا لَهُ نِصْفَهَا. كَانَ ذَلِكَ آكَدَ فِي جَعْلِ السُّدُسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِتَصْرِيحِهِمْ بِهِ، وَإِنْ قَالُوا: أَجَزْنَا وَصِيَّةَ الْوَارِثِ كُلَّهَا، وَرَدَدْنَا نِصْفَ وَصِيَّةِ الْأَجْنَبِيِّ. فَهُوَ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لَهُمَا وَيَرُدُّوا عَلَيْهِمَا، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لِأَحَدِهِمَا وَيَرُدُّوا عَلَى الْآخَرِ. وَإِنْ أَجَازُوا لِلْأَجْنَبِيِّ جَمِيعَ وَصِيَّتِهِ، وَرَدُّوا عَلَى الْوَارِثِ نِصْفَ وَصِيَّتِهِ جَازَ، كَمَا قُلْنَا. وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَنْقُصُوا الْأَجْنَبِيَّ عَنْ نِصْفِ وَصِيَّتِهِ، لَمْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَجَازُوا لِلْوَارِثِ أَوْ رَدُّوا عَلَيْهِ. فَإِنْ رَدُّوا جَمِيعَ وَصِيَّةِ الْوَارِثِ، وَنِصْفَ وَصِيَّةِ الْأَجْنَبِيِّ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا الثُّلُثَ لَهُمَا، فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، ثُمَّ إذَا رَجَعُوا فِيمَا لِلْوَارِثِ، لَمْ يُرَدَّ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى مَا كَانَ لَهُ فِي حَالَةِ الْإِجَازَةِ لِلْوَارِثِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْتَقَصُ مِنْهُ بِمُزَاحَمَةِ الْوَارِثِ، فَإِذَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ، وَجَبَ تَوْفِيرُ الثُّلُثِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِهِ. وَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، وَوَصَّى لَهُمَا بِثُلُثَيْ مَالِهِ، وَلِأَجْنَبِيٍّ بِالثُّلُثِ، فَرَدَّا الْوَصِيَّةَ. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عِنْدِي لِلْأَجْنَبِيِّ الثُّلُثُ كَامِلًا. وَعِنْدَ الْقَاضِي، لَهُ التُّسْعُ. وَيَجِيءُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا. [فَصْلٌ وَصَّى بِثُلُثِهِ لَوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ وَقَالَ إنْ رَدُّوا وَصِيَّةَ الْوَارِثِ فَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ] (٤٦٠٣) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِثُلُثِهِ لَوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ، وَقَالَ: إنْ رَدُّوا وَصِيَّةَ الْوَارِثِ فَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ.، كَمَا وَصَّى. وَإِنْ أَجَازُوا لِلْوَارِثِ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ. وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَفُلَانٍ بِثُلُثِي، فَإِنْ مَاتَ قَبْلِي فَهُوَ لِفُلَانٍ. صَحَّ. وَإِنْ قَالَ: وَصَّيْت بِثُلُثِي لَفُلَانٍ، فَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ الْغَائِبُ فَهُوَ لَهُ. صَحَّ، فَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، صَارَ هُوَ الْوَصِيَّ، وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ عَادَ إلَى الْغَيْبَةِ أَوْ لَمْ يَعُدْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ شَرْطُ انْتِقَالِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْحَاضِرِ، سَوَاءٌ قَدِمَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَبَتَتْ لِوُجُودِ شَرْطِهَا، فَلَمْ تُنْقَلْ عَنْهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْدُمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْغَائِبَ إنْ قَدِمَ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لَهُ بِشَرْطِ قُدُومِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ. [فَصْلٌ وَصَّى لَوَارِثٍ فَأَجَازَ بَعْضُ بَاقِي الْوَرَثَةِ الْوَصِيَّةَ دُونَ الْبَعْضِ] (٤٦٠٤) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لَوَارِثٍ، فَأَجَازَ بَعْضُ بَاقِي الْوَرَثَةِ الْوَصِيَّةَ دُونَ الْبَعْضِ، نَفَذَ فِي نَصِيبِ مَنْ أَجَازَ، دُونَ مَنْ لَمْ يُجِزْ. وَإِنْ أَجَازُوا بَعْضَ الْوَصِيَّةِ دُونَ بَعْضٍ، نَفَذَتْ فِيمَا أَجَازُوا دُونَ مَا لَمْ يُجِيزُوا. فَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْوَصِيَّةِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ جَمِيعَهَا، أَوْ رَدَّهَا، فَهُوَ عَلَى مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ. فَلَوْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَعَبْدًا، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، فَوَصَّى بِهِ لِأَحَدِهِمْ، أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَجَازَهُ لَهُ أَخَوَاهُ، فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ

стр. 2468

أَجَازَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، فَلَهُ ثُلُثَاهُ، وَإِنْ أَجَازَا لَهُ نِصْفَ الْعَبْدِ، فَلَهُ نِصْفُهُ، وَلَهُمَا نِصْفُهُ، وَإِنْ أَجَازَا أَحَدُهُمَا لَهُ نِصْفَ نَصِيبِهِ، وَرَدَّ الْآخَرُ، فَلَهُ النِّصْفُ كَامِلًا؛ الثُّلُثُ نَصِيبُهُ، وَالسُّدُسُ مِنْ نَصِيبِ الْمُجِيزِ، وَإِنْ أَجَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ نِصْفَ نَصِيبِهِ، كَمَّلَ لَهُ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ أَجَازَ لَهُ أَحَدُهُمَا نِصْفَ نَصِيبِهِ، وَالْآخَرُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ نَصِيبِهِ، كَمَّلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ. وَإِنْ وَصَّى بِالْعَبْدِ لِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا، فَلِلثَّالِثِ أَنْ يُجِيزَ لَهُمَا، أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا، أَوْ يُجِيزَ لَهُمَا بَعْضَ وَصِيَّتِهِمَا، إنْ شَاءَ مُتَسَاوِيًا، وَإِنْ شَاءَ مُتَفَاضِلًا، أَوْ يَرُدَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَيُجِيزَ لِلْآخَرِ وَصِيَّتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ يُجِيزَ لِأَحَدِهِمَا جَمِيعَ وَصِيَّتِهِ، وَلِلْآخَرِ بَعْضَهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَكَيْفَمَا شَاءَ فَعَلَ فِيهِ. [مَسْأَلَةٌ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ] (٤٦٠٥) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا، رُدَّ إلَى الثُّلُثِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ الْوَارِثِ تَلْزَمُ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهِمْ، فَإِنْ أَجَازُوهُ جَازَ، وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَلَ. فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِالنِّصْفِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . وَقَوْلُهُ ﵇: «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ مَمَاتِكُمْ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْمَمْلُوكِينَ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ الْمَرِيضُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا، يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيمَا عَدَا الثُّلُثَ، إذَا لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَيَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ. وَالْقَوْلُ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ، كَالْقَوْلِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَهَلْ إجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ أَوْ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ. وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهِ، أَوْ الْعَطِيَّةَ لَهُ، فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، صَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِجَازَةِ، أَوْ بَاطِلَةٌ؟ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَأَنَّ الْإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ مُجَرَّدٌ، لَا يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ الْمُجِيزِ: أَجَزْت ذَلِكَ. أَوْ أَنْفَذْتُهُ. أَوْ نَحْوَهُ مِنْ الْكَلَامِ، وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ. وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ سِوَاهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ، فَأَعْتَقُوهُ بِوَصِيَّتِهِ، فَقَدْ نَفَذَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثِهِ وَوَقَفَ عِتْقُ بَاقِيهِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ، عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَاخْتَصَّ عُصُبَاتُ الْمَيِّتِ بِوَلَائِهِ كُلِّهِ، إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ إعْتَاقِهِ وَوَصِيَّتِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَاطِلَةٌ، وَالْإِجَازَةُ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ. اخْتَصَّ عُصُبَاتُ الْمَيِّتِ بِثُلُثِ وَلَائِهِ، وَكَانَ

стр. 2469

ثُلُثَاهُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ بَاشَرُوهُ بِالْإِعْتَاقِ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَ، أَوْ وَصَّى بِالْإِعْتَاقِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ أَوْصَى لِابْنِ وَارِثِهِ بَعْدَ تَبَرُّعِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ أَعْطَاهُ عَطِيَّةً فِي مَرَضِهِ، فَأَجَازَ أَبُوهُ وَصِيَّتَهُ وَعَطِيَّتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيمَا أَجَازَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إنْ قُلْنَا: هِيَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ. وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا إجَازَةٌ مُجَرَّدَةٌ. وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَةَ عَمِّهِ، فَأَوْصَتْ لَهُ بِوَصِيَّةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا، ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْهُ وَأَبَاهُ، فَأَجَازَ أَبُوهُ وَصِيَّتَهُ وَعَطِيَّتَهُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ وَقَفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ، فَأَجَازُوا الْوَقْفَ، صَحَّ إنْ قُلْنَا: إجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ. وَلَمْ يَصِحَّ إنْ قُلْنَا: هِيَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ. وَلِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ وَاقِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَلَا فَرْقَ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْن الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ، وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَوْصَى فِي الْمَرَضِ فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَا شَاءَ. يَعْنِي بِهِ الْعَطِيَّةَ. قَالَهُ الْقَاضِي. أَمَّا الْوَصِيَّةُ فَإِنَّهَا عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَجُوزُ مِنْهَا إلَّا الثُّلُثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. [فَصْلٌ لَا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَصِيَّةِ وَإِجَازَتُهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي] (٤٦٠٦) فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ الرَّدُّ وَالْإِجَازَةُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلَوْ أَجَازُوا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَدُّوا، أَوْ أَذِنُوا لِمَوْرُوثِهِمْ فِي حَيَاتِهِ بِالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ بِالْوَصِيَّةِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فَرَدُّوا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَهُمْ الرَّدُّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَازَةُ فِي صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْوَرَثَةِ، فَإِذَا رَضُوا بِتَرْكِهِ سَقَطَ حَقُّهُمْ، كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَذِنُوا لَهُ فِي صِحَّتِهِ، فَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ، وَحِينَ يُحْجَبُ عَنْ مَالِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ. وَلَنَا، أَنَّهُمْ أَسْقَطُوا حُقُوقَهُمْ فِيمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ، كَالْمَرْأَةِ إذَا أَسْقَطَتْ صَدَاقَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، أَوْ أَسْقَطَ الشَّفِيعُ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهَا حَالَةٌ لَا يَصِحُّ فِيهَا رَدُّهُمْ لِلْوَصِيَّةِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا إجَازَتُهُمْ، كَمَا قَبْلَ الْوَصِيَّةِ. [فَصْلٌ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَأَجَازَ الْوَارِثُ] (٤٦٠٧) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، فَأَجَازَ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ، وَقَالَ: إنَّمَا أَجَزْتهَا ظَنًّا أَنَّ الْمَالَ قَلِيلٌ، فَبَانَ كَثِيرًا. فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُوصِي بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِاعْتِرَافِهِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْمَالِ، أَوْ كَانَ الْمَالُ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْإِجَازَةُ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ. فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فِي مِثْلِهِ. وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ، فَلَا يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ،

стр. 2470

وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْجَهْلِ بِهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَ عَقْدًا لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ، فَبَطَلِ خِيَارُهُ، كَمَا لَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ. وَإِنْ أَوْصَى بِمُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، فَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: ظَنَنْت الْمَالَ كَثِيرًا تَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَبَانَ قَلِيلًا، أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ أَعْلَمْهُ. لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَحُ بِذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ، فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ، لَحِقَهُ الضَّرَرُ فِي الْإِجَازَةِ فَمَلَكَ الرُّجُوعَ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. [فَصْلٌ لَا تَصِحُّ إجَازَةُ الْوَصِيَّةِ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ] (٤٦٠٨) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ. فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ، فَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ، كَالْهِبَةِ. وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلْسِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِجَازَةُ هِبَةٌ. لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ هِبَةُ مَالِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَنْفِيذٌ صَحَّتْ. [مَسْأَلَةٌ أُوصِيَ لَهُ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ فَلَمْ يَمُتْ الْمُوصِي حَتَّى صَارَ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ وَارِثٍ] (٤٦٠٩) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَلَمْ يَمُتْ الْمُوصِي حَتَّى صَارَ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ وَارِثٍ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ ثَابِتَةٌ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ، فَلَوْ أَوْصَى لِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ لَهُ مُتَفَرِّقِينَ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ وَلَدٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ، إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَإِنْ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ، إذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ الْوَصِيَّةُ الثُّلُثَ. وَإِنْ وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ، جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ وَأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ، فَيَكُونُ لَهُمَا ثُلُثَا الْمُوصَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَارِثٌ. وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَغَيْرُهُمْ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. وَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ، وَلَهُ ابْنٌ، فَمَاتَ ابْنُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَلَا لِأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ، وَجَازَتْ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ. فَإِنْ مَاتَ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ، لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَارِثًا. [فَصْلٌ أَوْصَى لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ أَوْصَتْ لَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا] (٤٦١٠) فَصْلٌ: وَلَوْ أَوْصَى لِامْرَأَةِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أَوْصَتْ لَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُمَا إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَإِنْ أَوْصَى أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، إلَّا أَنَّهُ إنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ طَلَّقَهَا لِيُوصِلَ إلَيْهَا مَالَهُ بِالْوَصِيَّةِ، فَلَمْ يُنَفَّذْ لَهَا ذَلِكَ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَرِثُ.

стр. 2471

[فَصْلٌ أَعْتَقَ أَمَتَهُ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ] (٤٦١١) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ، صَحَّ، وَوَرِثَتْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وَإِنْ أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا تُعْتَقُ وَتَرِثُ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ نِكَاحُهَا صَحِيحٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهَا مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ، وَهِيَ الرِّقُّ وَالْقَتْلُ وَاخْتِلَافُ الدِّينِ، فَتَرِثُ، كَمَا لَوْ كَانَ أَعْتَقَهَا فِي صِحَّتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُعْتَقُ وَلَا تَرِثُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَرِثَتْ لَكَانَ إعْتَاقُهَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهَا إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إبْطَالَ عِتْقِهَا، فَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا ثُمَّ يَبْطُلُ إرْثُهَا، فَكَانَ إبْطَالُ الْإِرْثِ وَحْدَهُ وَتَصْحِيحُ الْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ أَوْلَى. [فَصْل أَعْتَقَ أَمَةً لَا يَمْلِكْ غَيْرهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا] (٤٦١٢) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ. فَإِنْ مَاتَ، وَلَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا آخَرَ، تَبَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَهَا بَاطِلٌ، وَيَسْقُطُ مَهْرُهَا إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَيُعْتَقُ مِنْهَا ثُلُثُهَا، وَيُرَقُّ ثُلُثَاهَا. فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَمَهْرُهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا، عَتَقَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا، وَيَرِقُّ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهَا. وَحِسَابُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: عَتَقَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَهَا بِصَدَاقِهَا نِصْفُ شَيْءٍ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيُجْمَعُ ذَلِكَ فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ وَنِصْفًا، نَبْسُطُهَا فَتَكُونُ سَبْعَةً، لَهَا مِنْهَا ثَلَاثَةٌ، وَلَهُمْ أَرْبَعَةٌ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَيِّتِ سِوَاهَا، فَنَجْعَلُ لِنَفْسِهَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهَا يَكُونُ حُرًّا وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ. وَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهَا حِصَّتَهَا مِنْ مَهْرِهَا، وَهُوَ سُبْعَاهُ، وَيُعْتَقُ مِنْهَا سُبْعَاهَا وَيَسْتَرِقُّوا خَمْسَةَ أَسْبَاعِهَا، فَلَهُمْ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحْسَبُ مَهْرُهَا مِنْ قِيمَتِهَا، وَلَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي، وَتَسْعَى فِيمَا بَقِيَ وَهُوَ ثُلُثُ قِيمَتِهَا. فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَعَ الْجَارِيَةِ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَتِهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، عَتَقَ مِنْهَا نِصْفُهَا، وَرَقَّ نِصْفُهَا؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا هُوَ ثُلُثُ الْمَالِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، عَتَقَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا، وَإِنَّمَا قَلَّ الْعِتْقُ فِيهَا لِأَنَّهَا لَمَّا أَخَذَتْ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا، نَقَصَ الْمَالُ بِهِ، فَيُعْتَقُ مِنْهَا ثُلُثُ الْبَاقِي، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا. وَحِسَابُهَا أَنْ تَقُولَ: عَتَقَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَهَا بِمَهْرِهَا نِصْفُ شَيْءٍ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، يَعْدِلُ ذَلِكَ الْجَارِيَةَ وَنِصْفَ قِيمَتِهَا، فَالشَّيْءُ سُبْعَاهَا وَسُبْعَا نِصْفِ قِيمَتِهَا وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ، فَهُوَ الَّذِي عَتَقَ مِنْهَا، وَتَأْخُذْ نِصْفَ ذَلِكَ مِنْ الْمَالِ بِمَهْرِهَا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ. فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَعَهَا مِثْلَ قِيمَتِهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، عَتَقَ ثُلُثَاهَا، وَرَقَّ ثُلُثُهَا، وَبَطَلَ نِكَاحُهَا. وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا عَتَقَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهَا، وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ قِيمَتِهَا، وَذَلِكَ يَعْدِلُ مِثْلَيْ مَا عَتَقَ مِنْهَا. وَحِسَابُهَا أَنْ

стр. 2472

تَجْعَلَ السَّبْعَةَ الْأَشْيَاءِ مُعَادِلَةً لَهَا وَلِقِيمَتِهَا، فَيُعْتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ سُبْعَيْ الْجَمِيعِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهَا، وَتَسْتَحِقُّ سُبُعَ الْجَمِيعِ بِمَهْرِهَا، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا. وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَعَهَا مِثْلَيْ قِيمَتِهَا، عَتَقَتْ كُلُّهَا، وَصَحَّ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ أَسْقَطَتْ مَهْرَهَا، وَإِنْ أَبَتْ أَنْ تُسْقِطَهُ، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهَا، وَبَطَلَ نِكَاحُهَا، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِعِتْقِهَا وَنِكَاحِهَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ إيجَابَهُ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِهِ وَإِسْقَاطِ عِتْقِهَا وَنِكَاحِهَا، فَإِسْقَاطُهُ وَحْدَهُ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، عَمِلْنَا فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَيُعْتَقُ سِتَّةُ أَسْبَاعِهَا، وَلَهَا سِتَّةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا، وَيَبْطُلُ عِتْقُ سُبُعِهَا وَنِكَاحُهَا. وَلَوْ أَعْتَقَهَا، وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا، وَوَطِئَهَا، كَانَ الْعَمَلُ فِيهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ الْأَخِيرَةِ، مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ عِتْقِهَا وَنِكَاحِهَا، مَعَ وُجُوبِ مَهْرِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً قِيمَتُهَا مِائَةٌ، وَأَصْدَقَهَا مِائَتَيْنِ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا: يَصِحُّ الْعِتْقُ وَالصَّدَاقُ وَالنِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَتَزْوِيجُ الْمَرِيضِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ صَحِيحٌ نَافِذٌ. وَهَذَا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا. وَلَوْ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْمِائَتَيْنِ، أَوْ أَصْدَقَهُمَا لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَمَاتَ، وَلَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا، لَبَطَلَ عِتْقُ ثُلُثَيْ الْأَمَةِ، فَإِذَا أَخَذَتْهُمَا هِيَ، كَانَ أَوْلَى فِي بُطْلَانِهِ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا تَرَكَ مِثْلَيْ قِيمَتِهَا، وَكَانَ مَهْرُهَا نِصْفَ قِيمَتِهَا: تُعْطَى مَهْرَهَا وَثُلُثَ الْبَاقِي، بِحَسَبِ ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَهُوَ نِصْفُهَا وَثُلُثُهَا، فَيُعْتَقُ ذَلِكَ، وَتَسْعَى فِي سُدُسِهَا الْبَاقِي، وَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا. فَأَمَّا إنْ خَلَفَ أَرْبَعَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهَا، صَحَّ عِتْقُهَا وَنِكَاحُهَا وَصَدَاقُهَا، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، وَتَرِثُ مِنْ الْبَاقِي فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَرِثُ. وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَرِثَتْ لَكَانَ عِتْقُهَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَاعْتِبَارُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ. [فَصْل مَرِيضَة أَعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَته عَشْرَةٌ وَتَزَوَّجَهَا بِعَشْرَةِ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَفَتْ مِائَةً] (٤٦١٣) فَصْلٌ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَرِيضَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، وَتَزَوَّجَهَا بِعَشْرَةٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ، وَخَلَفَتْ مِائَةً. اقْتَضَى قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنْ تُضَمَّ الْعَشَرَةُ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْمِائَةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ هُوَ التَّرِكَةُ، وَيَرِثَ نِصْفَ ذَلِكَ وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: تُحْسَبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَيْضًا، وَتُضَمُّ إلَى التَّرِكَةِ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ سِتُّونَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرِثُ شَيْئًا، وَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَشَرَةِ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ إعْتَاقُهُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ. وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْل تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً صَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ فَأَصْدَقَهَا عَشْرَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ثُمَّ مَاتَ وَوَرِثَتْهُ] (٤٦١٤) فَصْلٌ: وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً صَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ، فَأَصْدَقَهَا عَشْرَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، ثُمَّ مَاتَ، وَوَرِثَتْهُ،

стр. 2473

بَطَلَتْ الْمُحَابَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَلَهَا صَدَاقُهَا وَرُبُعُ الْبَاقِي بِالْمِيرَاثِ. وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ، صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ، وَيَدْخُلُهَا الدَّوْرُ، فَنَقُولُ: لَهَا مَهْرُهَا وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ يَبْقَى لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ نِصْفُ مَالِهَا، وَهُوَ دِينَارَانِ، وَنِصْفُ شَيْءٍ، صَارَ لَهُمْ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ، يَتَبَيَّنْ أَنَّ الشَّيْءَ ثَلَاثَةٌ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ، وَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ. وَإِنْ خَلَفَتْ مَعَ ذَلِكَ دِينَارَيْنِ، عَادَ إلَى الزَّوْجِ مِنْ مِيرَاثِهَا ثَلَاثَةٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ، صَارَ لَهُ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً وَخُمُسَيْنِ، فَصَارَ لِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، وَلِوَرَثَتِهَا خَمْسَةٌ وَخُمُسٌ. [فَصْل أَوْصَى بِجَارِيَةِ لِزَوْجِهَا الْحُرِّ فَقَبِلَهَا] (٤٦١٥) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِزَوْجِهَا الْحُرِّ، فَقَبِلَهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ مِلْكِ الْيَمِينِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ إذَا قَبِلَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمُوصِي، فَتَبَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمُوصِي، فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِ حِينَ الْوَصِيَّةِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَوْصَى، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكُونُ مُوصًى بِهِ مَعَهَا؛ لِأَنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا، وَلِهَذَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَلَهُ، وَإِذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مُنْفَرِدًا، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مَعَ أُمِّهِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا فَأَوْصَى بِهِمَا جَمِيعًا. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْحُكْمُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ، كَأَنَّهُ حَدَثَ حِينَئِذٍ. فَعَلَى هَذَا إنْ انْفَصَلَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، فَهُوَ لَهُ، كَسَائِرِ كَسْبِهَا، وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْد مَوْتِهِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْدَهُ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ. الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ تَحْمِلَ بِهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَضَعَهُ بَعْد سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ أَوْصَى؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا حَمَلَتْهُ بَعْدَهَا فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْحَمْلِ حَالَ الْوَصِيَّةِ، فَلَا نُثْبِتُهُ بِالشَّكِّ، فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي إنْ وَلَدَتْهُ فِي حَيَاتِهِ. وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَهُ، وَقُلْنَا: لِلْحَمْلِ حُكْمٌ. فَكَذَلِكَ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لَهُ. فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ إنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَلَا بَيِّنَةَ إنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَهُ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الْوَلَدُ لِلْمُوصَى لَهُ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُهُ، وَعَلَيْهِ وَلَاءٌ لِأَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، وَأُمُّهُ أَمَةٌ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِالْمِلْكِ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَقْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ. الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ تَحْمِلَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ أَيْضًا، فَهُوَ لِلْوَارِثِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا ثَبَتَ لِلْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ. وَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ الْقَبُولِ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ

стр. 2474

الظَّاهِرَ أَنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا، فَيَكُونُ حَادِثًا عَنْ مِلْكِ الْوَارِثِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُون حُرًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، لِكَوْنِهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الْقَبُولِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ قَرِيبٌ مِمَّا قُلْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا وَضَعَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ وَتَلْزَمُ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْرِيَ إلَى الْوَلَدِ، كَالِاسْتِيلَادِ. وَلَنَا، أَنَّهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ حَادِثَةٌ بَعْدَ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ، فَلَا تَدْخُلُ فِيهَا، كَالْكَسْبِ، وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ جَارِيَةٍ فَوَلَدَتْ. وَتُفَارِقُ الِاسْتِيلَادَ؛ لِأَنَّ لَهُ تَغْلِيبًا وَسِرَايَةً. وَهَذَا التَّفْرِيعُ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، مَلَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ بَعْضِهَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ، كَمِلْكِ جَمِيعهَا. وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الْوَلَدُ فِيهِ لِأَبِيهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنْهُ هَا هُنَا بِقَدْرِ مَا مَلَكَ مِنْ أُمِّهِ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا مَلَكَ وَحْدَهُ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ. فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ هَا هُنَا. سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، كَمَا إذَا اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ. قَالَ الْقَاضِي: تَصِيرُ مِنْهَا أُمُّ وَلَدٍ بِقَدْرِ مَا مَلَكَ مِنْهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. [مَسْأَلَة مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي] (٤٦١٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، ﵁. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَكُونُ لِوَلَدِ الْمُوصَى لَهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إذَا عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ، وَلَمْ يَحْدُثْ فِيمَا أَوْصَى بِهِ شَيْئًا، فَهُوَ لِوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ، فَيَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ. وَلَنَا، أَنَّهَا عَطِيَّةٌ صَادَفَتْ الْمُعْطِي مَيِّتًا، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ وَهَبَ مَيِّتًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ أَيْضًا. وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّتَهَا، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ صَادَفَتْ حَيًّا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. [فَصْل الْوَصِيَّةُ لِمَيِّتِ] (٤٦١٧) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمَيِّتٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَهِيَ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ قَضَاءِ دُيُونِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ نَفْعُهُ بِهَا، وَبِهَذَا يَحْصُلُ لَهُ النَّفْعُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَيًّا.

стр. 2475

وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْصَى لِمَنْ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ، فَلَمْ تَصِحَّ إذَا عَلِمَ، كَالْبَهِيمَةِ. وَفَارَقَ الْحَيَّ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ لَهُ فِي الْحَالَيْنِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَلَمْ يَصِحّ لِلْمَيِّتِ، كَالْهِبَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ، أَوْ بِمِائَةٍ لِاثْنَيْنِ حَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَوْتَ الْمَيِّتِ أَوْ جَهِلَهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَالْبَصْرِيِّينَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إذَا قَالَ: هَذِهِ الْمِائَةُ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَهِيَ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا. وَإِنْ قَالَ: بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَوَافَقْنَا الثَّوْرِيَّ فِي أَنَّ نِصْفَهَا لِلْحَيِّ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عِنْدِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ مَيِّتًا، فَالْجَمِيعُ لِلْحَيِّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ مَيِّتًا، فَلِلْحَيِّ النِّصْفُ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا أَوْصَى لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمِائَةٍ، فَبَانَ أَحَدُهُمَا مَيِّتًا، فَلِلْحَيِّ خَمْسُونَ. فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ إذَا قَالَ: ثُلُثِي لِفُلَانٍ وَلِلْحَائِطِ، أَنَّ الثُّلُثَ كُلَّهُ لِفُلَانٍ؟ فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُشْبِهُ هَذَا، الْحَائِطَ لَهُ مِلْكٌ، فَعَلَى هَذَا إذَا شَرَكَ بَيْنَ مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَمَنْ لَا تَصِحُّ، مِثْل أَنْ يُوصِيَ لِفُلَانٍ وَلِلْمِلْكِ وَلِلْحَائِطِ، أَوْ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ، فَالْمُوصَى بِهِ كُلُّهُ لِمَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَكَ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْوَصِيَّةِ كُلِّهَا مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ، فَلِمَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ نِصْفُهَا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إيصَالَ نِصْفِهَا إلَيْهِ، وَإِلَى الْآخَرِ النِّصْفَ الْآخَرَ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، صَحَّتْ فِي حَقِّ الْآخَرِ بِقِسْطِهِ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ لِاثْنَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدُهُمَا جَمِيعَهَا، كَمَا لَوْ كَانَا مِمَّنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ. فَأَمَّا إنْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ حَيَّيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَكَذَلِكَ لَوْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا؛ لِرَدِّهِ لَهَا. أَوْ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِنِصْفِ الثُّلُثِ، أَوْ بِنِصْفِ الْمِائَةِ، أَوْ بِخَمْسِينَ. لَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْوَصِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ شَرِيكُهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ وَصِيَّتَهُ فِي النِّصْفِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِيمَا سِوَاهُ. [مَسْأَلَة رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي] (٤٦١٨) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ، بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) لَا يَخْلُو إذَا رَدَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَرُدَّهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ، فَأَشْبَهَ رَدَّ الْمَبِيعِ قَبْلَ إيجَابِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلْقَبُولِ، فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلرَّدِّ، كَمَا قَبْلَ الْوَصِيَّةِ.

стр. 2476

وَالثَّانِيَةُ، أَنْ يَرُدَّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَيَصِحُّ الرَّدُّ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي حَالٍ يَمْلِكُ قَبُولَهُ وَأَخْذَهُ، فَأَشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عَنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ. وَالثَّالِثَةُ، أَنْ يَرُدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ رَدَّهُ لِسَائِرِ مِلْكِهِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ، فَتَكُونَ هِبَةً مِنْهُ لَهُمْ تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ. وَالرَّابِعَةُ، أَنْ يَرُدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ، فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، صَحَّ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَأَشْبَهَ رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَالْمَقْبُوضِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ الرَّدُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ الرَّدُّ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا مَلَكُوا الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، مَلَكُوا الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْوَصِيِّ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَصَحَّ رَدُّهُ، كَمَا قَبْلَ الْقَبُولِ. وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ. [فَصْل الْوَصِيَّة تَبْطُلُ بِالرَّدِّ وَتَرْجِعُ إلَى التَّرِكَة] (٤٦١٩) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ فِيهِ، فَإِنْ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بِالرَّدِّ، وَتَرْجِعُ إلَى التَّرِكَةِ، فَتَكُونُ لِلْوُرَّاثِ جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا خَرَجَ بِالْوَصِيَّةِ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، رَجَعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، كَأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تُوجَدْ. وَلَوْ عَيَّنَ بِالرَّدِّ وَاحِدًا، وَقَصَدَ تَخْصِيصَهُ بِالْمَرْدُودِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لِجَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ تَمَلُّكِهِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ دَفْعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ، فَلَمْ يَمْلِكْ دَفْعَهُ إلَى وَارِثٍ يَخُصُّهُ بِهِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدًا مِنْ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ هِبَةٍ، وَيَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ، فَمَلَكَ دَفْعَهُ إلَى وَارِثٍ. فَلَوْ قَالَ: رَدَدْت هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لِفُلَانٍ. قِيلَ لَهُ: مَا أَرَدْت بِقَوْلِكَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا، وَتَخْصِيصَهُ بِهَا. فَقَبِلَهَا، اخْتَصَّ بِهَا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت رَدَّهَا إلَى جَمِيعِهِمْ، لِيَرْضَى فُلَانٌ. عَادَتْ إلَى جَمِيعِهِمْ إذَا قَبِلُوهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَلِمَنْ قَبِلَ حِصَّتُهُ مِنْهَا. [فَصْل يَحْصُلُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ رَدَدْت الْوَصِيَّةَ] (٤٦٢٠) فَصْلٌ: وَيَحْصُلُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ: رَدَدْت الْوَصِيَّةَ. وَقَوْلِهِ: لَا أَقْبَلُهَا. وَمَا أَدَّى هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: لَا أَقْبَلُهَا. فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ. يَعْنِي لِوَرَثَةِ الْمُوصِي.

стр. 2477

[مَسْأَلَة مَوْت الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي] (٤٦٢١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ أَوْ يَرُدَّ، قَامَ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ، إذَا كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَذَهَبَ الْخِرَقِيِّ إلَى أَنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَوْرُوثِ فَثَبَتَ لِلْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» . وَكَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْقَبُولُ قَبْلَهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ، كَالْهِبَةِ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ، فَبَطَلَ بِالْمَوْتِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَخِيَارِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَلْزَمُ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ، وَتَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا بِغَيْرِ قَبُولٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ لَزِمَتْ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِلْمُوصَى لَهُ، فَإِذَا مَاتَ، بَطَلَ خِيَارُهُ، وَدَخَلَ فِي مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَهُ، فَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهِ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ، أَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، كَعَقْدِ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ إذَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوجِبِ لَهُ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْآخَرِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا. وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبُولِ، مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَهُوَ أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوجِبِ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْخِيَارَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْطُلُ الْخِيَارُ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَنَا، عَلَى إبْطَالِ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِ الْمُتَمَلِّكِ، فَلَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْقَبُولِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى لَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ مَاتَ عَنْهُ الْمُسْتَحِقُّ فَلَمْ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، قَامَ الْوَارِثُ فِيهِ مَقَامَهُ. فَعَلَى هَذَا، إنْ رَدَّ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ بَطَلَتْ، وَإِنْ قَبِلَهَا صَحَّتْ، وَثَبَتَ الْمِلْكُ بِهَا. وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ جَمَاعَةً، اُعْتُبِرَ الْقَبُولُ أَوْ الرَّدُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ، فَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ وَقَبِلَ بَعْضٌ، ثَبَتَ لِلْقَابِلِ حِصَّتُهُ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ رَدَّ. فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إلَّا مَا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْحَظُّ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا كَانَ الْحَظُّ فِي قَبُولِهَا فَرَدَّهَا، لَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ، وَكَانَ لَهُ قَبُولُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي رَدَّهَا فَقَبِلَهَا، لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَا لَهُ الْحَظُّ فِيهِ. فَلَوْ أَوْصَى لِصَبِيٍّ بِذِي رَحِمٍ لَهُ يُعْتَقُ بِمِلْكِهِ لَهُ، وَكَانَ عَلَى الصَّبِيِّ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَةُ الْمُوصَى بِهِ، لِكَوْنِهِ فَقِيرًا لَا كَسْبَ لَهُ، وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ مُوسِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِكَوْنِ

стр. 2478

الْمُوصَى بِهِ ذَا كَسْبٍ، أَوْ كَوْنِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَقِيرًا لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، تَعَيَّنَ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَفْعًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، لِعِتْقِ قَرَابَتِهِ، وَتَحْرِيرِهِ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل لَا يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ إلَّا بِالْقَبُولِ] (٤٦٢٢) فَصْلٌ: وَلَا يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ إلَّا بِالْقَبُولِ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، إذَا كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ يُمْكِنُ الْقَبُولُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَالٍ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ مُتَعَيِّنٍ، فَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ، كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ. قَالَ أَحْمَدُ: الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَاحِدٌ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ، كَبَنِي هَاشِمٍ وَتَمِيمٍ، أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ كَمَسْجِدٍ أَوْ حَجٍّ، لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَبُولٍ، وَلَزِمَتْ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقَبُولِ مِنْ جَمِيعِهِمْ مُتَعَذِّرٌ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ، كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيُكْتَفَى بِقَبُولِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مِنْ الْمُوصَى بِهِ، مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ بِعَبْدٍ لِلْفُقَرَاءِ وَأَبُوهُ فَقِيرٌ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُوصَى لَهُمْ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَبْضِ، فَيَقُومُ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبُولِهِ. أَمَّا الْآدَمِيُّ الْمُعَيَّنُ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ، فَيُعْتَبَرُ قَبُولُهُ، لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ، بَلْ يُجْزِئُ مَا قَامَ مَقَامَهُ مِنْ الْأَخْذِ وَالْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الرِّضَى، كَقَوْلِنَا فِي الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ. وَيَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي. وَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ. فَإِذَا قَبِلَ، ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ إذَا قَبِلَ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ حِينَ مَوْتِ الْمُوصِي. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ انْتِقَالُهُ بِالْقَبُولِ، وَجَبَ انْتِقَالُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُوجِبِ عِنْدَ الْإِيجَابِ، كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] . (١) وَلِأَنَّ الْإِرْثَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَبْقَى لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ جَمَادًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ، وَيُحْكَمُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْقَبُولِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَلَنَا، أَنَّهُ تَمَلُّكُ عَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَلَمْ يَسْبِقْ الْمِلْكُ الْقَبُولَ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ مِنْ تَمَامِ السَّبَبِ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا أَوْ جُزْءًا مِنْ السَّبَبِ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ وَلَا شَرْطَهُ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ. ثُمَّ مَاتَ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ بِهِ الْوَقْتُ الَّذِي يَقَع فِيهِ الطَّلَاقُ. وَلَوْ قَالَ إذَا مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ. لَمْ يَصِحَّ. وَأَمَّا انْتِقَالُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُوجِبِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ،

стр. 2479

فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا، غَيْرَ أَنَّ مَا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ثَمَّ يَسِيرٌ، لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوُرَّاثِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] . قُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ وَصِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ لَكَانَ مِلْكًا لِلْوَارِثِ، وَقَبْلَ قَبُولِهَا فَلَيْسَتْ مَقْبُولَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء: ١٢] . أَيْ لَكُمْ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ. فَلَا يَمْنَعُ هَذَا ثُبُوتَ الْمِلْكِ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي التَّرِكَةِ، وَهُوَ آكَدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى مِلْكًا لِلْمَيِّتِ، كَمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يَبْقَى لَهُ مِلْكٌ. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّهُ يَبْقَى مِلْكُهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ، وَقَضَاءِ دُيُونِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ فِي دَيْنِهِ إذَا قَبِلَ، وَفِيمَا إذَا نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِحَيْثُ تُقْضَى دُيُونُهُ، وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ، وَيُجَهَّزُ إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ، فَهَذَا يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، لِتَعَذُّرِ انْتِقَالِهِ إلَى الْوَارِثِ مِنْ أَجْلِ الْوَصِيَّةِ، وَامْتِنَاعِ انْتِقَالِهِ إلَى الْوَصِيِّ قَبْلَ تَمَامِ السَّبَبِ، فَإِنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ، أَوْ قَبِلَ، انْتَقَلَ حِينَئِذٍ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفِيدُ إبَاحَةَ التَّصَرُّفِ، كَثُبُوتِهِ فِي الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ، فَلَوْ بَاعَ الْمُوصَى بِهِ، أَوْ رَهَنَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَنْفُذْ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ. وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ ابْنًا لِلْمُوصَى بِهِ، مِثْلَ أَنْ تَمْلِكَ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا الَّذِي لَهَا مِنْهُ ابْنٌ، فَتُوصِي بِهِ لِأَجْنَبِيٍّ، فَإِذَا مَاتَتْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهِ إلَى ابْنِهِ إلَى حِينِ الْقَبُولِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2480

[فَصْل حَدَثَ لِلْمُوصَى بِهِ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ] (٤٦٢٣) فَصْلٌ: فِيمَا يَخْتَلِفُ مِنْ الْفُرُوعِ بِاخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَدَثَ لِلْمُوصَى بِهِ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبْلَ الْقَبُولِ، كَالثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ وَالْكَسْبِ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ. وَلَوْ أَوْصَى بِأَمَةٍ لِزَوْجِهَا، فَأَوْلَدَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِلْوَارِثِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَكُونُ حُرَّ الْأَصْلِ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، فَلِوَارِثِهِ قَبُولُهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا، مَلَكَ الْجَارِيَةَ وَوَلَدَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتِقُ الْوَلَدُ عَلَيْهِ عَتَقَ، وَلَمْ يَرِثْ مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، تَكُونُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ، وَيَرِثُ الْوَلَدُ أَبَاهُ، فَإِنْ كَانَ يَحْجُبُ الْوَارِثَ الْقَابِلَ حَجَبَهُ. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَرِثُ الْوَلَدُ هَا هُنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يَمْنَعُ قَوْلَ الْقَابِلِ وَارِثًا، فَيَبْطُلُ قَبُولُهُ، فَيُفْضِي إلَى الدَّوْرِ، وَإِلَى إبْطَالِ مِيرَاثِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ الْمِيرَاثِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْإِقْرَارِ مَا يَدْفَعُ هَذَا، وَأَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ يَرِثُ، فَكَذَا هَا هُنَا. وَيُعْتَبَرُ قَبُولُ مَنْ هُوَ وَارِثٌ فِي حَالِ اعْتِبَارِ الْقَبُولِ، كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ إقْرَارُ مَنْ هُوَ وَارِثٌ حَالَ الْإِقْرَارِ. وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَمِنْ ذَلِكَ، لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِأَبِيهِ، فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ ابْنُهُ، صَحَّ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْجَدُّ، وَلَمْ يَرِثْ مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ إنَّمَا حَدَثَتْ حِينَ الْقَبُولِ بَعْدَ أَنْ صَارَ الْمِيرَاثُ لِغَيْرِهِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، تَثْبُتُ حُرِّيَّتُهُ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمُوصِي، فَيَرِثُ مِنْ ابْنِهِ السُّدُسَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَرِثُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ قَبُولِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اعْتِبَارُهُ، لَمْ يُعْتَقْ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ. وَهَذَا فَاسِدٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِمُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَوَرِثَ، مَعَ أَنَّهُ يَخْرُجُ الْمُقِرُّونَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِمْ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ، فَقَبِلَ وَارِثُهُ، لَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْوَارِثِ الْقَابِلِ ابْتِدَاءً مِنْ جِهَةِ الْمُوصِيَةُ، لَا مِنْ جِهَةِ مَوْرُوثِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْمُوصَى لَهُ شَيْءٌ، فَحِينَئِذٍ لَا تُقْضَى دُيُونُهُ، وَلَا تَنْفُذُ وَصَايَاهُ، وَلَا يُعْتَقُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى الْوَارِثِ، عَتَقَ عَلَيْهِ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ دُونَ الْمُوصَى لَهُ. وَعَلَى، الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا لِلْمُوصَى لَهُ، وَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى وَارِثِهِ، فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، فَتُقْضَى دُيُونُهُ، وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ، وَيُعْتَقُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، يَخْتَصُّ بِهِ الذُّكُورُ مِنْ وَرَثَتِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الْمُوصَى بِهِ لَوْ كَانَ أَمَةً، فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ، فَأَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهَا حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي مِلْكِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِلْمُوصَى لَهُ إذَا قَبِلَهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَضَيْتُمْ بِعِتْقِهَا هَا هُنَا، وَهِيَ لَا تُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهَا؟ قُلْنَا: الِاسْتِيلَادُ أَقْوَى، وَلِذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ، وَالرَّاهِنِ، وَالْأَبِ، وَالشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُمْ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَكُونُ وَلَدُهُ رَقِيقًا، وَالْأَمَةُ بَاقِيَةً عَلَى الرِّقِّ. وَإِنْ وَطِئَهَا الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ قَبُولِهَا، كَانَ ذَلِكَ قَبُولًا لَهَا، وَثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْمِلْكِ، فَإِقْدَامُهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ الْمِلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ الرَّجْعَةُ الرَّجْعِيَّةَ، أَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ، أَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ امْرَأَتَهُ. [فَصْل الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَة وَمُقَيَّدَة] (٤٦٢٤) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً، فَالْمُطْلَقَةُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتّ فَثُلُثِي لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ لِزَيْدٍ. وَالْمُقَيَّدَةُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ فِي سَفَرِي هَذَا، فَثُلُثِي لِلْمَسَاكِينِ. فَإِنْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ، أَوْ خَرَجَ مِنْ الْبَلْدَةِ، ثُمَّ مَاتَ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ الْمُقَيَّدَةُ، وَبَقِيَتْ الْمُطْلَقَةُ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ وَصَّى وَصِيَّةً إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا أَوْ مِنْ سَفَرِهِ هَذَا، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَلَيْسَ لَهُ وَصِيَّةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ قَوْلًا، وَلَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا، فَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا، ثُمَّ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، وَأَقَرَّ الْكِتَابَ، فَوَصِيَّتُهُ بِحَالِهَا، مَا لَمْ يَنْقُضْهَا. وَلَنَا، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا، فَبَطَلَتْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا، أَوْ كَمَا لَوْ وَصَّى لِقَوْمٍ

стр. 2481

فَمَاتُوا قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ قَيَّدَ وَصِيَّتَهُ بِقَيْدٍ، فَلَا يَتَعَدَّاهُ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ قَالَ لِأَحَدِ عَبْدَيْهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ مِتّ فِي مَرَضِي هَذَا. فَمَاتَ فِي مَرَضِهِ، فَالْعَبْدَانِ سَوَاءٌ فِي التَّدْبِيرِ. وَإِنْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، بَطَلَ تَدْبِيرُ الْمُقَيَّدِ، وَبَقِيَ تَدْبِيرُ الْمُطْلَقِ بِحَالِهِ. وَلَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِهِ، وَقَالَ: إنْ مِتّ قَبْلِي فَهُوَ لِعَمْرٍو. صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ.» [مَسْأَلَة الْوَصِيَّة بِسَهْمِ] (٤٦٢٥) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ، أُعْطِيَ السُّدُسَ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀ رِوَايَةٌ أُخْرَى، يُعْطَى سَهْمًا مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْفَرِيضَةُ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀، فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِسَهْمٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسَ. وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، ﵄. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَالثَّوْرِيُّ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يُعْطَى سَهْمًا مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْفَرِيضَةُ، فَيُنْظَرُ؛ كَمْ سَهْمًا صَحَّتْ مِنْهُ الْفَرِيضَةُ، فَيُزَادُ عَلَيْهَا مِثْلُ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِهَا لِلْمُوصَى لَهُ. وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ قَالَ: تُرْفَعُ السِّهَامُ، فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ فَإِنْ زَادَ السَّهْمُ عَلَى السُّدُسِ، فَلَهُ السُّدُسُ؛ لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: سَهْمًا. يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى سِهَامِ فَرِيضَتِهِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ مِنْهَا، فَيَنْصَرِفُ السَّهْمُ إلَيْهَا، فَكَانَ وَاحِدًا مِنْ سِهَامِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: فَرِيضَتِي كَذَا وَكَذَا سَهْمًا، لَك مِنْهَا سَهْمٌ. وَقَالَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ: لَهُ أَقَلُّ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَثْرَمِ: إذَا أَوْصَى لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ، يُعْطَى سَهْمًا مِنْ الْفَرِيضَةِ. قِيلَ: لَهُ نَصِيبُ رَجُلٍ، أَوْ نَصِيبُ امْرَأَةٍ؟ قَالَ: أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّهَامِ. قَالَ الْقَاضِي: مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ، فَيَكُونَ لَهُ الثُّلُثُ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ، أَنَّ سِهَامَ الْوَرَثَةِ أَنْصِبَاؤُهُمْ، فَيَكُونُ لَهُ أَقَلُّهَا؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، فَإِنْ زَادَ عَلَى السُّدُسِ دُفِعَ إلَيْهِ السُّدُسُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ سَهْمٍ يَرِثُهُ ذُو قَرَابَةٍ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُعْطَى سَهْمًا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ أُصُولِ الْفَرَائِضِ، فَالسَّهْمُ مِنْهَا أَقَلُّ السِّهَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُعْطِيهِ الْوَرَثَةَ مَا شَاءُوا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّهْمِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ: لَا شَيْءَ لَهُ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «، أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَهْمٍ مِنْ الْمَالِ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ السُّدُسَ» . وَلِأَنَّ السَّهْمَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ

стр. 2482

السُّدُسُ، قَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: السَّهْمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السُّدُسُ. فَتَنْصَرِفُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَفِظَ بِهِ. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ السُّدُسَ أَقَلُّ سَهْمٍ مَفْرُوضٍ يَرِثُهُ ذُو قَرَابَةٍ، فَتَنْصَرِفُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ السُّدُسَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ سُدُسٍ مَفْرُوضٍ. فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ كَامِلَةَ الْفُرُوضِ، أُعِيلَتْ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَائِلَةً، زَادَ عَوْلُهَا بِهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ أَوْ كَانُوا عَصَبَةً، أُعْطِيَ سُدُسًا كَامِلًا. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَحَرْبٍ: إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ، يُعْطَى السُّدُسَ، إلَّا أَنْ تَعُولَ الْفَرِيضَةُ، فَيُعْطَى سَهْمًا مَعَ الْعَوْلِ. فَكَأَنَّ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ، أَوْصَيْت لَك بِسَهْمِ مَنْ يَرِثُ السُّدُسَ. فَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِسَهْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتٌ، كَانَ لَهُ السَّبُعُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا جَدَّةٌ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ أُمٌّ وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجٌ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ تِسْعَةٍ، وَلِلْمُوصَى لَهُ الْعُشْرُ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، فَلِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. وَإِنْ كَانُوا زَوْجًا وَأَبَوَيْنِ وَابْنَيْنِ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَتَعُولُ بِسُدُسٍ آخَرَ، فَتَصِيرُ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ. وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْخَلَّالِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ سِهَامِ الْوَرَثَةِ سُدُسٌ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَكُونُ لِلْوَصِيِّ سَهْمٌ وَاحِدٌ، يُزَادُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَتَصِيرُ سِتَّةَ عَشَرَ. وَإِنْ كَانُوا زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ وَابْنًا، فَالْفَرِيضَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَتَعُولُ بِالسُّدُسِ الْمُوصَى بِهِ إلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، يُزَادُ عَلَيْهَا سَهْمٌ وَاحِدٌ لِلْمُوصَى لَهُ، فَتَكُونُ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ. وَعَلَى قَوْلِ الْخَلَّالِ: يُزَادُ عَلَيْهَا مِثْلُ سَهْمِ الزَّوْجَةِ، فَتَكُونُ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ. وَإِنْ كَانُوا خَمْسَةَ بَنِينَ فَلِلْوَصِيِّ السُّدُسُ كَامِلًا، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ، صَحَّتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَرْبَعِينَ، فَتَزِيدُ عَلَيْهَا سَهْمًا لِلْوَصِيِّ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ، تَصِيرُ أَحَدًا وَأَرْبَعِينَ. وَعَلَى قَوْلِ الْخَلَّالِ، تَزِيدُ مِثْلَ نَصِيبِ الزَّوْجَةِ، فَتَصِيرُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، نَزِيدُ عَلَيْهَا مِثْلُ سُدُسِهَا، وَلَا سُدُسَ لَهَا، فَنَضْرِبُهَا فِي سِتَّةٍ، ثُمَّ نَزِيدُ عَلَيْهَا سُدُسَهَا، تَكُونُ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، لِلْوَصِيِّ أَرْبَعُونَ، وَلِلزَّوْجَةِ ثَلَاثُونَ، وَلِكُلِّ ابْنٍ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ. وَلَوْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ وَابْنَيْنِ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِسُدُسِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِسَهْمٍ، جَعَلْت ذَا السَّهْمِ كَالْأُمِّ، وَأَعْطَيْت صَاحِبَ السُّدُسِ سُدُسًا كَامِلًا، وَقَسَمْت الْبَاقِيَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ عَلَى سَبْعَةٍ فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، لِصَاحِبِ السُّدُسِ سَبْعَةٌ، وَلِصَاحِبِ السَّهْمِ خَمْسَةٌ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْطَى ذُو السَّهْمِ السُّبُعَ كَامِلًا، كَأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ أُخْرَى، فَيَكُونُ لَهُ سِتَّةٌ وَيَبْقَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ عَلَى سِتَّةٍ لَا تَنْقَسِمُ، فَنَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، تَكُونُ مِائَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ. [فَصْل أَوْصَى بِجُزْءِ أَوْ حَظٍّ أَوْ نَصِيبٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ] (٤٦٢٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ أَوْ نَصِيبٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا. لَا أَعْلَمُ

стр. 2483

فِيهِ خِلَافًا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُزْءٌ وَنَصِيبٌ وَحَظٌّ وَشَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ مَالِي، أَوْ اُرْزُقُوهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرْعِ، فَكَانَ عَلَى إطْلَاقِهِ. [مَسْأَلَة أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ] (٤٦٢٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ مَا لِأَقَلِّهِمْ نَصِيبًا كَأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ. وَهُمْ ابْنٌ وَأَرْبَعُ زَوْجَاتٍ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، لِلزَّوْجَاتِ الثُّمُنُ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، وَمَا بَقِيَ فَلِلِابْنِ، فَزِدْ فِي سِهَامِ الْفَرِيضَةِ مِثْلَ حَظِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَتَصِيرُ الْفَرِيضَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ امْرَأَةٍ سَهْمٌ، وَمَا بَقِيَ فَلِلِابْنِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، غَيْرَ مُسَمًّى، فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ يَتَسَاوَوْنَ فِي الْمِيرَاثِ كَالْبَنِينَ، فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، مُزَادًا عَلَى الْفَرِيضَةِ، وَيُجْعَلُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ زَادَ فِيهِمْ. وَإِنْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ، كَمَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ، فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَقَلِّهِمْ مِيرَاثًا، يُزَادُ عَلَى فَرِيضَتِهِمْ. وَإِنْ أَوْصَى بِنَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ، فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِهِ مُزَادًا عَلَى الْفَرِيضَةِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَزُفَرُ، وَدَاوُد: يُعْطَى مِثْلَ نَصِيبِ الْمُعَيَّنِ، وَمِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، إذَا كَانُوا يَتَسَاوَوْنَ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ، غَيْرَ مَزِيدٍ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْوَارِثِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ فَلَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ، فَالْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ، فَالْوَصِيَّةُ بِالنِّصْفِ. وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، فَالْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ، نُظِرَ إلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، فَأُعْطِيَ سَهْمًا مِنْ عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ أَنْصِبَائِهِمْ لِتَفَاضُلٍ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ رُءُوسِهِمْ. وَلَنَا، أَنَّهُ جَعَلَ وَارِثَهُ أَصْلًا وَقَاعِدَةً حَمَلَ عَلَيْهِ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ وَجَعَلَهُ مِثْلًا لَهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَمَتَى أَعْطَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ، فَمَا أَعْطَى مِثْلَ نَصِيبِهِ وَلَا حَصَلَتْ التَّسْوِيَةُ، وَالْعِبَارَةُ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ مِثْلَ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ، وَقَوْلُهُ: " يُعْطَى سَهْمًا مِنْ عَدَدِهِمْ ". خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْمُوصِي؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَصِيبٍ لِأَحَدِ وَرَثَتِهِ وَلَفْظُهُ إنَّمَا اقْتَضَى نَصِيبَ أَحَدِهِمْ وَتَفَاضُلُهُمْ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ نَصِيبِ الْأَقَلِّ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ فَيَصْرِفُهُ إلَى الْوَصِيِّ، لِقَوْلِ الْمُوصِي، وَعَمَلًا بِمُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ. وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ اخْتِرَاعِ شَيْءٍ لَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْمُوصِي أَصْلًا. وَقَوْلُهُ: تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بُقُولِ الْمُوصِي. غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ بِمَا قُلْنَاهُ، ثُمَّ لَوْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ، لَمَا جَازَ أَنْ يُوجِبَ فِي مَالِهِ حَقًّا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ. وَقَدْ مَثَّلَ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ تَمْثِيلِهَا. وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت بِمِثْلِ نَصِيبِ أَقَلِّهِمْ مِيرَاثًا. كَانَ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ، وَكَانَ ذَلِكَ

стр. 2484

تَأْكِيدًا وَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْت بِمِثْلِ نَصِيبِ أَكْثَرِهِمْ مِيرَاثًا. فَلَهُ ذَلِكَ مُضَافًا إلَى الْمَسْأَلَةِ، فَيَكُونُ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، تُضَمُّ إلَى الْفَرِيضَةِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ سِتِّينَ سَهْمًا. (٤٦٢٨) فَصْلٌ وَإِنْ أَوْصَى بِنَصِيبِ وَارِثٍ، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَصِيَّةِ بِمِثْلِ نَصِيبِهِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزُفَرَ، وَدَاوُد. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرِهِ الْقَاضِي. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِمَا هُوَ حَقٌّ لِلِابْنِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ: بِدَارِ ابْنِي، أَوْ بِمَا يَأْخُذُهُ ابْنِي. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ وَصِيَّتِهِ يُحْتَمَلُ لَفْظُهُ عَلَى مَجَازِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ، أَوْ أَعْتَقَ. وَبَيَانُ إمْكَانِ التَّصْحِيحِ، أَنَّهُ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ حَذْفِ الْمُضَافِ، وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ، أَيْ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثِي. وَلِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ، صَحَّ، وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْوَصِيَّةَ بِنَصِيبِ وُرَّاثِهِ كُلِّهِمْ. [فَصْل قَالَ أَوْصَيْت لَك بِضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِي] (٤٦٢٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِي. فَلَهُ مِثْلَا نَصِيبِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: الضِّعْفُ الْمِثْلُ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أَيْ مِثْلَيْنِ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] . أَيْ مِثْلَيْنِ، وَإِذَا كَانَ الضِّعْفَانِ مِثْلَيْنِ، فَالْوَاحِدُ مِثْلٌ. وَلَنَا، أَنَّ الضِّعْفَ مِثْلَانِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥] . وَقَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: ٣٧] . وَقَالَ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] . وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أَضْعَفَ الزَّكَاةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ عَشَرَةً. وَقَالَ لِحُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: لَوْ أَضْعَفْت عَلَيْهَا لَاحْتَمَلَتْ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الضِّعْفُ الْمِثْلُ فَمَا فَوْقَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الضِّعْفَيْنِ الْمِثْلَانِ. فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّحْوِيِّ قَالَ: الْعَرَبُ تَتَكَلَّمُ بِالضِّعْفِ مُثَنَّى، فَتَقُولُ: إنْ أَعْطَيْتنِي دِرْهَمًا فَلَكَ ضِعْفَاهُ.

стр. 2485

أَيْ مِثْلَاهُ. وَإِفْرَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنَّ التَّثْنِيَةَ أَحْسَنُ. يَعْنِي أَنَّ الْمُفْرَدَ وَالْمُثَنَّى فِي هَذَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكِلَاهُمَا يُرَادُ بِهِ الْمِثْلَانِ، وَإِذَا اسْتَعْمَلُوهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّيْ: ضِعْفُ الشَّيْءِ هُوَ مِثْلُهُ، وَضِعْفَاهُ هُوَ مِثْلَاهُ، وَثَلَاثَةُ أَضْعَافِهِ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ، وَعَلَى هَذَا. [فَصْل قَالَ أَوْصَيْت لَك بِضِعْفَيْ نَصِيبِ ابْنِي] (٤٦٣٠) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِضِعْفَيْ نَصِيبِ ابْنِي. فَلَهُ مِثْلَا نَصِيبِهِ. وَإِنْ قَالَ ثَلَاثَةِ أَضْعَافِهِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ. هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدِي. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ أَوْصَى بِضِعْفَيْهِ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ. وَإِنْ أَوْصَى بِثَلَاثَةِ أَضْعَافِهِ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ وَعَلَى هَذَا كُلَّمَا زَادَهُ ضِعْفًا زَادَ مَرَّةً. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَاحْتَجُّوا بُقُولِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: ضِعْفَاهُ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ، وَثَلَاثَةُ أَضْعَافِهِ سِتَّةُ أَمْثَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلَاهُ، فَتَثْنِيَتُهُ مِثْلَا مُفْرَدِهِ، كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] . قَالَ عِكْرِمَةُ: تَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ عَطَاءٌ: أَثْمَرَتْ فِي سَنَةٍ مِثْلَ ثَمَرَةِ غَيْرِهَا سَنَتَيْنِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا عَلِمْت فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَرَّتَيْنِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] . وَمُحَالٌ أَنْ يَجْعَلَ أَجْرَهَا عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَرَّتَيْنِ وَعَذَابَهَا عَلَى الْفَاحِشَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا يُرِيدُ تَضْعِيفَ الْحَسَنَاتِ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَهَذَا الْمَعْهُودُ مِنْ كَرَمِهِ وَفَضْلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ، وَأَنْكَرُوا قَوْلَهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أُحِبُّ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] . فَأَعْلَمَ أَنَّ لَهَا مِنْ هَذَا حَظَّيْنِ، وَمِنْ هَذَا حَظَّيْنِ. وَقَدْ نَقَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ النَّحْوِيُّ، عَنْ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِالضِّعْفِ مُثَنًّى وَمُفْرَدًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَمُوَافَقَةُ الْعَرَبِ عَلَى لِسَانِهِمْ، مَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الْعَزِيزِ وَأَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، مَعَ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ وَنِسْبَةُ الْخَطَأِ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، فَظَاهِرُ الْفَسَادِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالْعَرَبِ وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلنَّقْلِ، فَقَدْ يَشِذُّ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ كَلِمَاتٌ تُؤْخَذُ نَقْلًا بِغَيْرِ قِيَاسٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ] فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِنَصِيبِ ابْنِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ لِكَوْنِهِ رَقِيقًا أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِهِ، أَوْ بِنَصِيبِ أَخِيهِ وَهُوَ مَحْجُوبٌ عَنْ مِيرَاثِهِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ، فَمِثْلُهُ لَا شَيْءَ لَهُ.

стр. 2486

[فَصْل أَوْصَى لِرَجُلِ بِثُلُثِ وَلِآخَرَ بِرُبْعِ وَلِآخَرَ بِخَمْسِ وَلِآخَرَ بِمِثْلِ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمْ] (٤٦٣٢) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثٍ، وَلِآخَرَ بِرُبُعٍ، وَلِآخَرَ بِخُمُسٍ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الْخُمُسُ. وَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَشْرَةٍ وَلِآخَرَ بِسِتَّةٍ وَلِآخَرَ بِأَرْبَعَةٍ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ. وَإِنْ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكُهُمْ. فَلَهُ خُمُسُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَإِنْ وَصَّى لِأَحَدِهِمْ بِمِائَةٍ، وَلِآخَرَ بِدَارٍ، وَلِآخَرَ بِعَبْدٍ، ثُمَّ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكُهُمْ. فَلَهُ نِصْفُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. ذَكَرَهَا الْخَبْرِيُّ؛ لِأَنَّهُ هَا هُنَا يُشَارِكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا، وَالشَّرِكَةُ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ النِّصْفُ، بِخِلَافِ الْأُولَيَيْنِ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُشْتَرِكُونَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ الرُّبُعُ فِي الْجَمِيعِ. [فَصْل أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ] (٤٦٣٣) فَصْلٌ وَلَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ لَوْ كَانَ، فَقَدِّرْ الْوَارِثَ مَوْجُودًا، وَانْظُرْ مَا لِلْمُوصَى لَهُ مَعَ وُجُودِهِ، فَهُوَ لَهُ مَعَ عَدَمِهِ. فَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ثَالِثٍ، فَلِلْمُوصَى لَهُ الرُّبْعُ. وَلَوْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ خَامِسٍ لَوْ كَانَ، فَلِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ. وَعَلَى هَذَا أَبَدًا. وَلَوْ خَلَّفَتْ زَوْجًا وَأُخْتًا، وَأَوْصَتْ بِمِثْلِ نَصِيبِ أُمٍّ لَوْ كَانَتْ. فَلِلْمُوصَى لَهُ الْخُمُسُ؛ لِأَنَّ لِلْأُمِّ الرُّبُعَ لَوْ كَانَتْ، فَيَجْعَلُ لَهَا سَهْمًا مُضَافًا إلَى أَرْبَعَةٍ، يَكُنْ خُمْسًا، فَقِسْ عَلَى هَذَا. [مَسْأَلَة خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى لِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ] (٤٦٣٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَأَوْصَى لِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ الرُّبُعُ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ، لِلْمُوصَى لَهُ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْبَنِينَ. وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِهِ. وَلَوْ خَلَّفَ ابْنًا وَاحِدًا، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ النِّصْفُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ، وَالثُّلُثُ فِي حَالِ الرَّدِّ. وَعِنْدَ مَالِكٍ، لِلْمُوصَى لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ جَمِيعُ الْمَالِ. [فَصْل خَلَّفَ بِنْتًا وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهَا] (٤٦٣٥) فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهَا، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ كَانَ ابْنًا عِنْدَ مَنْ يَرَى الرَّدَّ؛ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ الْمَالَ كُلَّهُ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ، وَمَنْ لَا يَرَى الرَّدَّ يَقْتَضِي قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثُ، وَلَهَا نِصْفُ الْبَاقِي، وَمَا بَقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ. وَيَقْتَضِي قَوْلُ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصَى لَهُ النِّصْفُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ وَلَهَا نِصْفُ الْبَاقِي، وَمَا بَقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ خَلَّفَ ابْنَتَيْنِ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ إحْدَاهُمَا، فَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةٍ عِنْدَنَا. وَيَقْتَضِي قَوْلُ مَنْ لَا يَرَى الرَّدَّ أَنَّهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ لِبَيْتِ الْمَالِ الرُّبُعُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُبُعُهُ. وَيَقْتَضِي قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الثُّلُثَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَلِلْبِنْتَيْنِ ثُلُثَا مَا بَقِيَ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ. وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ. فَإِنْ خَلَّفَ جَدَّةً وَحْدَهَا،

стр. 2487

وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهَا، فَقِيَاسُ قَوْلِنَا أَنَّ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى الرَّدَّ أَنَّهَا مِنْ سَبْعَةٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّبُعُ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ. وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسَ، وَلِلْجَدَّةِ سُدُسُ مَا بَقِيَ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ. [فَصْل خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأُوصِي لِثَلَاثَةِ بِمِثْلِ أَنْصِبَائِهِمْ] فَصْلٌ وَإِذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَأَوْصَى لِثَلَاثَةٍ بِمِثْلِ أَنْصِبَائِهِمْ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ إنْ أَجَازُوا، وَإِنْ رَدُّوا فَمِنْ تِسْعَةٍ، لِلْمُوصَى لَهُمْ الثُّلُثُ ثَلَاثَةٌ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ. فَإِنْ أَجَازُوا لَوَاحِدٍ وَرَدُّوا عَلَى اثْنَيْنِ، فَلِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِمَا التُّسْعَانِ اللَّذَانِ كَانَا لَهُمَا فِي حَالِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْمُجَازِ لَهُ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ السُّدُسُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لِلْجَمِيعِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَابْنِ شُرَيْحٍ، فَيَأْخُذُ السُّدُسَ وَالتُّسْعَيْنِ مِنْ مَخْرَجِهِمَا، وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، يَبْقَى أَحَدَ عَشَرَ بَيْنَ الْبَنِينَ، عَلَى ثَلَاثَةٍ لَا يَصِحُّ، فَيُضْرَبُ عَدَدُهُمْ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ، لِلْمُجَازِ لَهُ السُّدُسُ تِسْعَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ سِتَّةٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ أَحَدَ عَشَرَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنْ يُضَمَّ الْمُجَازُ لَهُ إلَى الْبَنِينَ، وَيُقْسَمَ الْبَاقِي بَعْدَ التُّسْعَيْنِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ، لَا تَنْقَسِمُ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي تِسْعَةٍ، تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْآخَرِينَ، أَتَمُّوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَمَامَ سُدُسِ الْمَالِ، فَيَصِيرَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَسْدَاسًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَضُمُّونَ مَا حَصَلَ لَهُمْ، وَهُوَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، إلَى مَا حَصَلَ لَهُمَا وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ، وَلَا يَصِحُّ، فَتَضْرِبُ خَمْسَةً فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، تَكُنْ مِائَةً وَثَمَانِينَ، وَمِنْهَا تَصِحُّ. وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُ الْبَنِينَ لَهُمْ، وَرَدَّ الْآخَرَانِ عَلَيْهِمْ، فَلِلْمُجِيزِ السُّدُسُ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلِلَّذَيْنِ لَمْ يُجِيزَا أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ، ثَمَانِيَةٌ، تَبْقَى سَبْعَةٌ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ، اضْرِبْهَا فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ. وَإِنْ أَجَازَ وَاحِدٌ لَوَاحِدٍ، دَفَعَ إلَيْهِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْفَضْلِ، وَهُوَ ثُلُثُ سَهْمٍ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ. وَاَللَّه أَعْلَمُ. [فَصْل وَصَّى لِرَجُلِ بِجُزْءِ مُقَدَّرٍ وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ] (٤٦٣٧) فَصْلٌ وَإِذَا وَصَّى لِرَجُلٍ بِجُزْءٍ مُقَدَّرٍ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُعْطَى الْجُزْءُ لِصَاحِبِهِ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ، كَأَنَّهُ ذَلِكَ الْوَارِثَ إنْ أَجَازُوا. وَإِنْ رَدُّوا، قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ لَهُمَا فِي حَالِ الْإِجَازَةِ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنْ يُعْطَى صَاحِبُ النَّصِيبِ مِثْلَ نَصِيبِ الْوَارِثِ، كَأَنْ لَا وَصِيَّةَ سِوَاهَا. وَهَذَا قَوْلُ

стр. 2488

يَحْيَى بْنِ آدَمَ مِثَالُهُ: رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ الثُّلُثُ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْبَنِينَ وَالْوَصِيِّ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ، فَإِنْ رَدُّوا فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثُ، وَلِلْآخَرِ الرُّبْعُ إنْ أُجِيزَ لَهُمَا، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِمَا، قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ، وَالثُّلُثَانِ لِلْوَرَثَةِ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ. وَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، مِثْلُ إنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِالنِّصْفِ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ، فَفِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ لِصَاحِبِ النَّصِيبِ نَصِيبَهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ، وَهُوَ رُبُعُهَا؛ لِأَنَّ الثُّلُثَيْنِ حَقُّ الْوَرَثَةِ، لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمَا شَيْءٌ إلَّا بِإِجَازَتِهِمْ وَرِضَاهُمْ، فَيَكُونُ صَاحِبُ النَّصِيبِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَا تَنْقُصُ مِنْ السُّدُسِ شَيْئًا إلَّا بِإِجَازَتِهِ. فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِصَاحِبِ الْجُزْءِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرِ وَالْبَنِينَ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ إنْ أَجَازُوا، وَإِنْ رَدُّوا قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى خَمْسَةٍ، وَالثُّلُثَيْنِ بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، لِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ الرُّبُعُ وَيَبْقَى الرُّبُعُ بَيْنَ الْبَنِينَ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، وَإِنْ رَدُّوا فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَإِنْ رَدُّوا، فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ. وَإِنْ أَوْصَى لِصَاحِبِ الْجُزْءِ بِالثُّلُثَيْنِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبُعُ الثُّلُثِ، سَهْمٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرِ إنْ أَجَازُوا، وَإِنْ رَدُّوا قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى تِسْعَةٍ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، يَكُونُ لَهُ الرُّبُعُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ، وَفِي حَالِ الرَّدِّ يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ، يَكُونُ لَهُ السُّدُسُ فِي الْإِجَازَةِ، وَفِي الرَّدِّ يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى خَمْسَةٍ. وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لَا يَصِحُّ لِلْوَصِيِّ الْآخَرِ شَيْءٌ فِي إجَازَةٍ وَلَا رَدٍّ. وَعَلَى الثَّانِي، يَقْسِمُ الْوَصِيَّانِ الْمَالَ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ فِي الْإِجَازَةِ، وَالثُّلُثَ عَلَى خَمْسَةٍ فِي الرَّدِّ. وَعَلَى الثَّالِثِ، يَقْتَسِمَانِ الْمَالَ عَلَى سَبْعَةٍ فِي الْإِجَازَةِ، وَالثُّلُثَ عَلَى سَبْعَةٍ فِي الرَّدِّ. [فَصْل أَوْصَى لِرَجُلِ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ وَلَلْآخَرَ بِجُزْءِ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ] (٤٦٣٨) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ، وَلَلْآخَرَ بِجُزْءٍ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ فَفِيهَا أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يُعْطَى صَاحِبُ النِّصْفِ مِثْلَ نَصِيبِ الْوَارِثِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَصِيَّةٌ أُخْرَى. وَالثَّانِي أَنْ يُعْطَى مِثْلَ نَصِيبِهِ مِنْ ثُلُثَيْ الْمَالِ. وَالثَّالِثُ، أَنْ يُعْطَى مِثْلَ نَصِيبِهِ بَعْدَ أَخْذِ صَاحِبِ الْجُزْءِ وَصِيَّتَهُ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَدْخُلُهَا الدُّورُ،

стр. 2489

وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ. وَمِثَالُهُ، رَجُلٌ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَلِآخَرَ بِنِصْفِ بَاقِي الْمَالِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ الرُّبُعُ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي، وَمَا بَقِيَ لِلْبَنِينَ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ. وَعَلَى الثَّانِي لَهُ السُّدُسُ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ. وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لِوُضُوحِهِمَا. وَأَمَّا عَلَى الثَّالِثِ فَيَدْخُلُهَا الدُّورُ، وَلِعَمَلِهَا طُرُقٌ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَأْخُذَ مَخْرَجَ النِّصْفِ، فَتُسْقِطَ مِنْهُ سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ، فَهُوَ النَّصِيبُ، ثُمَّ تَزِيدُ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا، تَصِيرُ أَرْبَعَةً، فَتَضْرِبُهَا فِي الْمَخْرَجِ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً، تَنْقُصُهَا سَهْمًا، يَبْقَى سَبْعَةٌ، فَهِيَ الْمَالُ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ سَهْمٌ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ سَهْمٌ. طَرِيقٌ آخَرُ، أَنْ تَزِيدَ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ، وَتَضْرِبَهَا فِي الْمَخْرَجِ، تَكُنْ سَبْعَةً. طَرِيقٌ ثَالِثٌ، وَيُسَمَّى الْمَنْكُوسَ، أَنْ تَأْخُذَ سِهَامَ الْبَنِينَ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ، فَتَقُولُ: هَذِهِ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ نِصْفُهُ، فَإِذَا أَرَدْت تَكْمِيلَهُ فَزِدْ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، ثُمَّ زِدْ عَلَيْهَا مِثْلَ سَهْمِ ابْنٍ، تَكُنْ سَبْعَةً. طَرِيقٌ رَابِعٌ، أَنْ تَجْعَلَ الْمَالَ سَهْمَيْنِ وَنَصِيبًا، وَتَدْفَعَ النَّصِيبَ إلَى صَاحِبِهِ، وَإِلَى الْآخَرِ سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ لِلْبَنِينَ يَعْدِلُ ثُلُثَهُ، فَالْمَالُ كُلُّهُ سَبْعَةٌ. وَبِالْجَبْرِ تَأْخُذُ مَالًا فَتُلْقِي مِنْهُ نَصِيبًا، يَبْقَى مَالٌ إلَّا نَصِيبًا، وَتَدْفَعُ نِصْفَ الْبَاقِي إلَى الْوَصِيِّ الْآخَرِ، يَبْقَى نِصْفُ مَالٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ، فَاجْبُرْهُ بِنِصْفِ نَصِيبٍ، وَزِدْهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ، يَبْقَى نِصْفًا كَامِلًا، يَعْدِلُ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا، فَالْمَالُ كُلُّهُ سَبْعَةٌ. [فَصْلٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِنِصْفِ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُث] (٤٦٣٩) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِنِصْفِ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ، أَخَذْت مَخْرَجَ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ، وَهُوَ سِتَّةٌ، نَقَصْت مِنْهَا وَاحِدًا، يَبْقَى خَمْسَةٌ، فَهِيَ النَّصِيبُ ثُمَّ تَزِيدُ وَاحِدًا عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ، وَتَضْرِبُهَا فِي الْمَخْرَجِ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ تَنْقُصُهَا ثَلَاثَةً، يَبْقَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، فَهُوَ الْمَالُ فَتَدْفَعُ إلَى صَاحِبِ النَّصِيبِ خَمْسَةً، يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ، تَدْفَعُ مِنْهُمَا سَهْمًا إلَى الْوَصِيِّ الْآخَرِ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، لِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ. وَبِالطَّرِيقِ الثَّانِي، تَزِيدُ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ نِصْفًا، وَتَضْرِبُهَا فِي الْمَخْرَجِ، تَكُنْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ. وَبِالثَّالِثِ، تَعْمَلُ كَمَا عَمِلْت فِي الْأُولَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعَةً ضَرَبْتهَا فِي ثَلَاثَةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِنِصْفِ الثُّلُثِ. وَبِالرَّابِعِ، تَجْعَلُ الثُّلُثَ سَهْمَيْنِ وَنَصِيبًا، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إلَى صَاحِبِهِ، وَإِلَى الْآخَرِ سَهْمًا، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ وَنَصِيبَانِ، تَدْفَعُ نَصِيبَيْنِ إلَى ابْنَيْنِ، يَبْقَى خَمْسَةٌ لِلثَّالِثِ، فَهِيَ النَّصِيبُ، فَإِذَا بَسَطْتهَا كَانَتْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ، وَبِالْجَبْرِ،

стр. 2490

تَأْخُذُ مَالًا فَتُلْقِي مِنْهُ ثُلُثَهُ نَصِيبًا، وَتَدْفَعُ إلَى الْآخَرِ نِصْفَ بَاقِي الثُّلُثِ، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، اُجْبُرْهُ بِنِصْفِ نَصِيبٍ، وَزِدْهُ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ، يَصِيرُ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا، تَعْدِلُ خَمْسَةَ أَسْدَاسٍ، أَقْلِبْ وَحَوِّلْ، يَصِيرُ النَّصِيبُ خَمْسَةً، وَكُلُّ سَهْمٍ سِتَّةً تَكُنْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ. [فَصْلٌ أَوْصَى لِثَالِثِ بِرُبْعِ الْمَال الْمُوصِي] (٤٦٤٠) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْصَى لِثَالِثٍ بِرُبُعِ الْمَالِ، فَخُذْ الْمَخَارِجَ، وَهِيَ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ، وَاضْرِبْ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا، تَصِرْ أَرْبَعَةً، وَاضْرِبْهَا فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، تَكُنْ سِتَّةً وَتِسْعِينَ، اُنْقُصْ مِنْهَا ضَرْبَ نِصْفِ سَهْمٍ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ، فَهِيَ الْمَالُ، ثُمَّ اُنْظُرْ الْأَرْبَعَةَ وَعِشْرِينَ، فَانْقُصْ مِنْهَا سُدُسَهَا لِأَجْلِ الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَرُبُعَهَا لِأَجْلِ الْوَصِيَّةِ الثَّالِثَةِ، يَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَهِيَ النَّصِيبُ، فَادْفَعْهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ، ثُمَّ ادْفَعْ إلَى الثَّانِي نِصْفَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ، وَهُوَ سَبْعَةٌ، وَإِلَى الثَّالِثِ رُبُعَ الْمَالِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ، يَبْقَى اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ، لِكُلِّ ابْنٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَبِالطَّرِيقِ الثَّانِي، تَزِيدُ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ، وَتَضْرِبُ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ. وَبِالطَّرِيقِ الثَّالِثِ، تَعْمَلُ فِي هَذِهِ كَمَا عَمِلْت فِي الَّتِي قَبْلَهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ، ضَرَبْتهَا فِي أَرْبَعَةٍ مِنْ أَجْلِ الرُّبُعِ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ. وَبِطَرِيقِ النَّصِيبِ تَفْرِضُ الْمَالَ سِتَّةَ أَسْهُمٍ، وَثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ، تَدْفَعُ نَصِيبًا إلَى صَاحِبِ النَّصِيبِ، وَإِلَى الْآخَرِ سَهْمًا، وَإِلَى صَاحِبِ الرُّبُعِ سَهْمًا وَنِصْفًا وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ نَصِيبٍ، وَيَبْقَى مِنْ الْمَالِيَّةِ نَصِيبٌ وَرُبُعٌ وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ لِلْوَرَثَةِ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ، فَأَسْقِطْ نَصِيبًا وَرُبْعًا بِمِثْلِهَا، يَبْقَى ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، يَعْدِلُ نَصِيبًا وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ، فَالنَّصِيبُ إذًا سَهْمَانِ، فَابْسُطْ الثَّلَاثَةَ الْأَنْصِبَاءَ، تَكُنْ سِتَّةً، فَصَارَ الْمَالُ اثْنَيْ عَشَرَ، وَمِنْهَا يَصِحُّ، لِصَاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمَانِ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ بَاقِي الثُّلُثِ سَهْمٌ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلَاثَةٌ، تَبْقَى سِتَّةٌ، لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ. وَهَذَا أَخْصَرُ وَأَحْسَنُ. وَبِالْجَبْرِ، تَأْخُذُ مَالًا تَدْفَعُ مِنْهُ نَصِيبًا، يَبْقَى مَالٌ إلَّا نَصِيبًا، تَدْفَعُ نِصْفَ بَاقِي ثُلُثِهِ، وَهُوَ سُدُسٌ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، تَدْفَعُ مِنْهَا رُبُعَ الْمَالِ، يَبْقَى ثُلُثُ الْمَالِ وَرُبُعُهُ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَقَلِّبْ وَحَوِّلْ، يَكُنْ النَّصِيبُ سَبْعَةً، وَالْمَالُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ تَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ، لِيَزُولَ الْكَسْرُ، يَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ. [فَصْلٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِرُبْعِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْوَصِيَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ] (٤٦٤١) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِرُبُعِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْوَصِيَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَاعْمَلْهَا بِطَرِيقِ النَّصِيبِ، كَمَا ذَكَرْنَا، يَبْقَى مَعَك ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ سَهْمٍ تَعْدِلُ نَصِيبًا وَنِصْفًا، اُبْسُطْهُمَا أَرْبَاعًا، تَكُنْ السِّهَامُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْأَنْصِبَاءُ سِتَّةً، تُوَافِقُهُمَا وَتَرُدُّهُمَا إلَى وَفْقَيْهِمَا، تَصِيرُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، تَعْدِلُ نَصِيبَيْنِ، اقْلِبْ وَاجْعَلْ
следующие страницы →