Полный текст (5 009 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
بَيْنَهُمَا) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةً، يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَمَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا، أَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَهَا، وَلَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا، فَعَلَى زَوْجِهَا الصَّبِيِّ نَفَقَتُهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا نَفَقَةَ لَهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَلَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً أَوْ صَغِيرَةً
وَلَنَا، أَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا، وَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ لِمَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَتْ، أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَإِنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا، وَلَمْ تَبْذُلْ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا يُجْبَرُ الْوَلِيُّ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ يَنُوبُ عَنْهُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ، كَمَا يُؤَدِّي أُرُوشَ جِنَايَاتِهِ، وَقِيَمَ مُتْلَفَاتِهِ، وَزَكَوَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ الْإِنْفَاقِ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْحَبْسِ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ، أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، وَصَبَرَ الْوَلِيُّ عَلَى الْحَبْسِ، وَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْكَبِيرِ، أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ فِي أَحْكَامِهِ.
[فَصْلٌ بَذَلَتْ الرَّتْقَاءُ أَوْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ أَوْ النِّضْوَةُ الْخَلْقِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوْ الْمَرِيضَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا]
(٦٥٢٢) فَصْلٌ: وَإِنْ بَذَلَتْ الرَّتْقَاءُ، أَوْ الْحَائِضُ، أَوْ النُّفَسَاءُ، أَوْ النِّضْوَةُ الْخَلْقِ الَّتِي لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا، أَوْ الْمَرِيضَةُ، تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مُمْكِنٌ، وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتهَا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ، وَيُفَارِقُ الصَّغِيرَةَ، فَإِنَّ لَهَا حَالًا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِيهَا اسْتِمْتَاعًا تَامًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا انْتِظَارًا لِتِلْكَ الْحَالِ، بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ، وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَبَ تَسْلِيمَ هَؤُلَاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُنَّ، وَلَوْ طَلَبَ تَسْلِيمَ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَجِبْ فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ بَذَلَتْ الصَّحِيحَةُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا دُونَ الْوَطْءِ، لَمْ تُجِبْ لَهَا النَّفَقَةُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ قُلْنَا: لِأَنَّ تِلْكَ مَنَعَتْ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا، وَهَؤُلَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ التَّمْكِينُ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي وَطْئِهِ لِضِيقِ فَرْجِهَا، أَوْ قُرُوحٍ بِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ هُوَ، أُرِيَتْ امْرَأَةً ثِقَةً، وَعُمِلَ بُقُولِهَا
وَإِنْ ادَّعَتْ عَبَالَةَ ذَكَرِهِ وَعِظَمَهُ، جَازَ أَنْ تَنْظُرَ الْمَرْأَةُ إلَيْهِمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ لِلْحَاجَةِ وَالشَّهَادَةِ.
[مَسْأَلَةٌ طَالَبَ الزَّوْجُ بِالدُّخُولِ وَقَالَتْ لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ صَدَاقِي]
(٦٥٢٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ طَالَبَ الزَّوْجُ بِالدُّخُولِ، وَقَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ صَدَاقِي كَانَ ذَلِكَ لَهَا، وَلَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ إلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا صَدَاقَهَا) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَتَسَلَّمَ صَدَاقَهَا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَنْفَعَتَهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ، ثُمَّ لَا يُسَلِّمَ صَدَاقَهَا، فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْسَرَ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ فَلِهَذَا أَلْزَمْنَاهُ تَسْلِيمَ صَدَاقِهَا أَوَّلًا، وَجَعَلْنَا لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ ثُمَّ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، أَمْكَنَ الرُّجُوعُ فِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ صَدَاقَهَا، فَلَهَا نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ بِحَقٍّ
فَإِنْ
стр. 3607
قِيلَ: فَلَوْ امْتَنَعَتْ لَصِغَرٍ أَوْ مَرَضٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لَمَرَضٍ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا، وَكَذَلِكَ الِامْتِنَاعُ لِلصِّغَرِ، وَهَا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَهُوَ مَنْعُهُ لِمَا وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِمْتَاعُ لِصِغَرِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا عَنْهُ، وَلَوْ تَعَذَّرَ لِصِغَرِهَا، لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا.
[فَصْلٌ سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
(٦٥٢٤) فَصْلٌ: إذَا سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ وَكَذَلِكَ إنْ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ، فِي حَاجَتِهِ، فَهِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ التَّمْكِينَ لَحَظِّ نَفْسِهَا، وَقَضَاءِ حَاجَتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَنْظَرَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مُدَّةً فَأَنْظَرَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا، مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا، فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَوِّتْ التَّمْكِينَ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُسَافِرَةِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا مُسَافِرَةٌ بِإِذْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَتْ فِي حَاجَتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهَا لِتِجَارَةٍ، أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ، أَوْ زِيَارَةٍ وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا النَّفَقَةُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالْمُسَافِرَةِ؛ لِأَنَّهَا بِإِحْرَامِهَا مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ، فَهِيَ كَالْمُسَافِرَةِ لِحَاجَةِ نَفْسِهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ الْوَاجِبِ، أَوْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، فِي الْوَقْتِ الْوَاجِبِ، مِنْ الْمِيقَاتِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي وَقْتِهِ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا، كَمَا لَوْ صَامَتْ رَمَضَانَ وَإِنْ قَدَّمَتْ الْإِحْرَامَ عَلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ خُرِّجَ فِيهَا مِنْ الْقَوْلِ مَا فِي الْمُحْرِمَةِ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ التَّمْكِينَ بِشَيْءٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
[فَصْلٌ صَامَتْ الزَّوْجَةُ رَمَضَانَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا]
(٦٥٢٥) فَصْلٌ: فَإِنْ اعْتَكَفَتْ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَسَفَرِهَا، إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهِيَ نَاشِزٌ؛ لِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ صَامَتْ رَمَضَانَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُضَيَّقٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْهُ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا، كَالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ صَائِمًا مَعَهَا، فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِمْتَاعُ لِمَعْنًى وُجِدَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ قَبْضَتِهِ، وَلَمْ تَأْتِ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَفْطِيرُهَا وَوَطْؤُهَا، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا فَمَنَعَتْهُ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِامْتِنَاعِهَا مِنْ التَّمْكِينِ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ صَوْمًا مَنْذُورًا مُعَلَّقًا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَذْرُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، أَوْ كَانَ النَّذْرُ بِإِذْنِهِ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا بِحَقٍّ سَابِقٍ عَلَى
стр. 3608
نِكَاحِهِ، أَوْ وَاجِبٍ أَذِنَ فِي سَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ فِي نِكَاحِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا بِالنَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ الشَّرْعُ عَلَيْهَا، وَلَا نَدَبَهَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا، أَوْ كَانَ صَوْمَ كَفَّارَةٍ، فَصَامَتْ بِإِذْنِهِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا أَدَّتْ الْوَاجِبَ بِإِذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَامَتْ الْمُعَيَّنَ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا يُمْكِنُهَا تَأْخِيرُهُ، فَإِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَحَقُّ الزَّوْجَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنْ كَانَ قَضَاءَ رَمَضَانَ قَبْلَ ضِيقِ وَقْتِهِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا، مِثْلَ أَنْ قَرُبَ رَمَضَانُ الْآخَرُ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُضَيَّقٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، أَشْبَهَ أَدَاءَ رَمَضَانَ.
[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ]
(٦٥٢٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ، فَلَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا، أَوْ بِخُلْعِ، أَوْ بَانَتْ بِفَسْخٍ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَك إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ، فَيَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، إلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ، كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا
وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ:؛ إحْدَاهُمَا: لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِلْآيَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْعِرَاقِيِّينَ: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَبِهِ قَالَ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالْبَتِّيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، كَالرَّجْعِيَّةِ
وَرَدُّوا خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَتَأَوَّلُوهُ وَلَنَا، مَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُنْظُرِي يَا ابْنَةَ قَيْسٍ إنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ،
стр. 3609
فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْأَثْرَمُ، وَالْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا، قَوْلُ أَحْمَدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ وَأَحَجُّ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَصًّا صَرِيحًا، فَأَيُّ شَيْءٍ يُعَارِضُ هَذَا إلَّا مِثْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ مُرَادَهُ؟ وَلَا شَيْءَ يَدْفَعُ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ، وَمَنْ وَافَقَهُ، فَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَالْحُجَّةُ مَعَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، لِمَا قُبِلَ قَوْلُهُ الْمُخَالِفُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّةٌ عَلَى عُمَرَ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَإِنَّ أَحْمَدَ أَنْكَرَهُ، وَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَلَا، وَلَكِنْ قَالَ: لَا نَقْبَلُ فِي دِيننَا قَوْلَ امْرَأَةٍ وَهَذَا أَمْرٌ يَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي الرِّوَايَةِ، فَأَيُّ حُجَّةٍ فِي شَيْءٍ يُخَالِفُهُ الْإِجْمَاعُ، وَتَرُدُّهُ السَّنَةُ، وَيُخَالِفُهُ فِيهِ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ لَا يَقُولُ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا إلَّا لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَاَلَّذِي فِي الْكِتَابِ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
وَأَمَّا غَيْرُ ذَوَاتِ الْحَمْلِ فَلَا يَدُلُّ الْكِتَابُ إلَّا عَلَى أَنَّهُنَّ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ؛ لِاشْتِرَاطِهِ الْحَمْلَ فِي الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا يَعْنِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا قُوتَ» وَلِأَنَّ هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا لَا تُزِيلُهُ الرَّجْعَةُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ، كَالْمُلَاعَنَةِ أَوْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَفَارَقَتْ الرَّجْعِيَّةَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ.
[فَصْلٌ الْمُلَاعَنَةُ فَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ]
(٦٥٢٧) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُلَاعِنَةُ فَلَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ، إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ، لِلْخَبَرِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَامِلًا فَنَفَى حَمْلَهَا، وَقُلْنَا: إنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ أَوْ قُلْنَا: إنَّهُ يَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْتَفِي بِنَفْيِهِ أَوْ لَمْ يَنْفِهِ، وَقُلْنَا: إنَّهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْحَمْلِ، أَوْ لَهَا بِسَبَبِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، فَأَشْبَهْت الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ فَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ، فَأَنْفَقَتْ أُمُّهُ، وَسَكَنَتْ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، وَأَرْضَعَتْ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ الْمُلَاعِنُ، لَحِقَهُ، وَلَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ وَأُجْرَةُ الْمَسْكَنِ وَالرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ أَبٌ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَرُجِعَ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: النَّفَقَةُ لِأَجْلِ الْحَمْلِ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ، وَهِيَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَكَيْفَ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا
стр. 3610
يَسْقُطُ عَنْهُ؟ قُلْنَا: بَلْ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَلَا تَسْقُطُ، كَنَفَقَتِهَا فِي الْحَيَاةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْحَمْلِ، إلَّا أَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ إلَيْهَا، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّهَا، فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، كَنَفَقَتِهَا.
[فَصْلٌ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ إنْ كَانَتْ حَائِلًا]
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا، فَكَانَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، كَالْمُفَارِقَةِ فِي الْحَيَاةِ وَالثَّانِيَةُ، لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ وَسُكْنَاهَا إنَّمَا هُوَ لِلْحَمْلِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْوَرَثَةَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مِيرَاثٌ، فَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ نَصِيبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيرَاثٌ، لَمْ يَلْزَمْ وَارِثَ الْمَيِّتِ الْإِنْفَاقُ عَلَى حَمْلِ امْرَأَتِهِ، كَمَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ.
[فَصْلٌ نَفَقَةُ الْحَامِلِ]
(٦٥٢٩) فَصْلٌ: وَهَلْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ لِلْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ أَوْ لِلْحَمْلِ، فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: تَجِبُ لِلْحَمْلِ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ، وَتَسْقُطُ عِنْدَ انْفِصَاله، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَهُ وَالثَّانِيَةُ، تَجِبُ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَكَانَتْ لَهُ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَأَشْبَهَتْ نَفَقَتَهَا فِي حَيَاتِهِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ؛ مِنْهَا، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ أَمَةً، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَنَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا فَعَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا، وَقُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ
وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَعَلَى الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ كَمَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَإِنْ نَشَزَتْ امْرَأَةُ إنْسَانٍ، وَهِيَ حَامِلٌ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهِ لَا تَسْقُطُ بِنُشُوزِ أُمِّهِ وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ.
[فَصْلٌ وَقْتُ دَفْعِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ إلَيْهَا]
(٦٥٣٠) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ دَفْعُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ إلَيْهَا يَوْمًا فَيَوْمًا، كَمَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ نَفَقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُتَحَقِّقِ؛ وَلِهَذَا: وَقَفْنَا الْمِيرَاثَ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ
стр. 3611
تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَلِأَنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِالنَّفَقَةِ، فَوَجَبَ دَفْعُهَا إلَيْهَا، كَالرَّجْعِيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْحَمْلَ يَثْبُتُ بِالْأَمَارَاتِ، وَتَثْبُتُ أَحْكَامُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالْحَدِّ، وَالْقِصَاصِ، وَفَسْخِ الْبَيْعِ فِي الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْأَخْذِ فِي الزَّكَاةِ، وَوُجُوبِ الدَّفْعِ فِي الدِّيَةِ، فَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمِيرَاثَ؛ فَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْوَضْعُ وَالِاسْتِهْلَالُ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ صِفَةَ الْحَمْلِ وَقَدْرَهُ وَوُجُودَ شَرْطِ تَوْرِيثِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ، وَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى ادَّعَتْ الْحَمْلَ فَصَدَّقَهَا، دَفَعَ إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ حَمْلًا، فَقَدْ اسْتَوْفَتْ حَقَّهَا، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَامِلًا، رَجَعَ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ دَفَعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهَا نَفَقَةٌ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ، فَإِذَا بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، اسْتَرْجَعَهُ، كَمَا لَوْ قَضَاهَا دَيْنًا، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ
وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلهَا، نَظَرَ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ، فَرُجِعَ إلَى قَوْلِهِنَّ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، أَشْبَهَ الرَّضَاعَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالْخَبَرِ.
[فَصْلٌ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ]
(٦٥٣١) فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْوَطْءِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، إنْ كَانَتْ حَائِلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ، فَبَعْدَهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَهَا النَّفَقَةُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا ذَلِكَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ، فَقَبْلَهُ أَوْلَى وَمَتَى أَنْفَقَ عَلَيْهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ مُفَرِّطٌ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ، كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ وَكُلُّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ الْوَطْءِ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةِ وَغَيْرِهَا، إنْ كَانَ يَلْحَقُ الْوَاطِئَ نَسَبُ وَلَدِهَا، فَهِيَ كَالْمَوْطُوءَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا، كَالزَّانِي، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، حَامِلًا كَانَتْ أَوْ حَائِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَا بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ حَمْلِهَا]
(٦٥٣٢) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ حَمْلِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا لِلْوَلَدِ، حَتَّى تَفْطِمَهُ) أَمَّا إذَا خَالَعَتْهُ وَلَمْ تُبْرِئْهُ مِنْ حَمْلِهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ الْحَمْلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْخُلْعِ،
стр. 3612
وَيَبْرَأُ حَتَّى تَفْطِمَهُ، إذَا كَانَتْ قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ وَكَفَالَةِ الْوَلَدِ إلَى ذَلِكَ، أَوْ أَطْلَقَتْ الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ وَكَفَالَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْعِوَضَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَهِيَ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ إذَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ، انْصَرَفَ إلَى الْعُرْفِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ، انْصَرَفَ إلَى حَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِصَالُهُ قَبْلَ الْعَامَيْنِ إلَّا بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ وَإِنْ قَدَّرَا مُدَّةَ الْبَرَاءَةِ بِزَمَنِ الْحَمْلِ، أَوْ بِعَامِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى مَا قَدَّرَاهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَأَبْعَدُ مِنْ اللَّبْسِ وَالِاشْتِبَاه وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ، انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ الْحَمْلِ قَبْلَ وَضْعِهِ قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا صَحَّ مُخَالَعَتُهَا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ، وَهِيَ لِلْوَلَدِ دُونَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا، لِأَنَّهَا هِيَ الْقَابِضَةُ لَهَا، الْمُسْتَحِقَّةُ لَهَا، الْمُتَصَرِّفَةُ فِيهَا، فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْآكِلَةُ لَهَا، الْمُنْتَفِعَةُ بِهَا، وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ هِيَ أَجْرُ رَضَاعِهَا لَهُ، وَهِيَ الْآخِذَةُ لَهَا، الْمُتَصَرِّفَةُ فِيهَا أَيْضًا، فَصَارَتْ كَمِلْكٍ مِنْ أَمْلَاكِهَا، فَصَحَّ جَعْلُهَا عِوَضًا
فَأَمَّا النَّفَقَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى هَذَا، مِنْ كِسْوَةِ الطِّفْلِ وَدُهْنِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَاوَضَ بِهِ فِي الْخُلْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ لَهَا، وَلَا هُوَ فِي حُكْمِ مَا هُوَ لَهَا.
[مَسْأَلَةٌ النَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا]
(٦٥٣٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالنَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ، أَعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا) مَعْنَى النُّشُوزِ مَعْصِيَتُهَا لِزَوْجِهَا فِيمَا لَهُ عَلَيْهَا، مِمَّا أَوْجَبَهُ لَهُ النِّكَاحُ، وَأَصْلُهُ مِنْ الِارْتِفَاعِ، مَأْخُوذٌ مِنْ النَّشْزِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَكَأَنَّ النَّاشِزَ ارْتَفَعَتْ عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا، فَسُمِّيَتْ نَاشِزًا فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ فِرَاشِهِ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الِانْتِقَالِ مَعَهُ إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا، أَوْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الْحَكَمُ: لَهَا النَّفَقَةُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَؤُلَاءِ إلَّا الْحَكَمَ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ نُشُوزَهَا لَا يُسْقِطُ مَهْرَهَا، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهَا
وَلَنَا، أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إلَيْهِ، وَإِذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ كَانَ لَهَا مَنْعُهُ التَّمْكِينَ، فَإِذَا مَنَعَتْهُ التَّمْكِينَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ النَّفَقَةِ، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَتُخَالِفُ الْمَهْرَ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَعْصِيَتِهَا، كَالْكَبِيرِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهَا إيَّاهَا
стр. 3613
إذَا كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ لَهُ، أَوْ الْمُرْضِعَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ رَضَاعِهَا، يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَجْرٌ مَلَكَتْهُ عَلَيْهِ بِالْإِرْضَاعِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَلَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ.
[فَصْلٌ سَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ بِنُشُوزِهَا فَعَادَتْ عَنْ النُّشُوزِ وَالزَّوْجُ حَاضِرٌ]
(٦٥٣٤) فَصْلٌ: وَإِذَا سَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ بِنُشُوزِهَا، فَعَادَتْ عَنْ النُّشُوزِ وَالزَّوْجُ حَاضِرٌ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِزَوَالِ الْمُسْقِطِ لَهَا، وَوُجُودِ التَّمْكِينِ الْمُقْتَضِي لَهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بِحُضُورِهِ، أَوْ حُضُورِ وَكِيلِهِ، أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْوُجُوبِ إذَا مَضَى زَمَنُ الْإِمْكَانِ وَلَوْ ارْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، فَإِنْ عَادَتْ إلَى الْإِسْلَامِ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا بِمُجَرَّدِ عَوْدِهَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ إنَّمَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا عَادَتْ إلَيْهِ، زَالَ الْمَعْنَى الْمُسْقِطُ، فَعَادَتْ النَّفَقَةُ، وَفِي النُّشُوزِ، سَقَطَتْ النَّفَقَةُ بِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِهِ، أَوْ مَنْعِهَا لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهَا، وَلَا يَزُولُ ذَلِكَ إلَّا بِعَوْدِهَا إلَى يَدِهِ، وَتَمْكِينِهِ مِنْهَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ بِمُجَرَّدِ الْبَذْلِ، كَذَا هَاهُنَا، وَاَللَّه أَعْلَمُ.
[بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ]
ِ كَفَالَةُ الطِّفْلِ وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ، كَمَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ الْمَهَالِكِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِقَرَابَتِهِ، لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً عَلَى الطِّفْلِ وَاسْتِصْحَابًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الْحَقُّ، كَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ لَطِفْلٍ، وَلَا مَعْتُوهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ، فَكَيْفَ يَكْفُلُ غَيْرَهُ، وَلَا فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحَضَانَةِ، وَلَا حَظَّ لِلْوَلَدِ فِي حَضَانَتِهِ، لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَلَا الرَّقِيقِ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ
وَقَالَ مَالِكٌ، فِي حُرٍّ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ مِنْ أَمَةٍ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ، إلَّا أَنْ تُبَاعَ فَتُنْقَلَ، فَيَكُونَ الْأَبُ أَحَقَّ بِهِ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ مُشْفِقَةٌ، فَأَشْبَهْت الْحُرَّةَ وَلَنَا، أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَنَافِعَهَا الَّتِي تَحْصُلُ الْكَفَالَةُ بِهَا، لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً لِسَيِّدِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا حَضَانَةٌ، كَمَا لَوْ بِيعَتْ وَنُقِلَتْ وَلَا تَثْبُتُ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ تَثْبُتُ لَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ، «أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 3614
فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شِبْهُهُ، وَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اُقْعُدْ نَاحِيَةً، وَقَالَ لَهَا: اُقْعُدِي نَاحِيَةً، وَقَالَ: اُدْعُوَاهَا فَمَالَتْ الصَّبِيَّةُ إلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ اهْدِهَا فَمَالَتْ إلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا، أَنَّهَا وِلَايَةٌ، فَلَا تَثْبُتُ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمَالِ، وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْفَاسِقِ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ، وَتَزْيِينِهِ لَهُ، وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ الضَّرَرِ وَالْحَضَانَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ لَحَظِّ الْوَلَدِ، فَلَا تُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُهُ وَهَلَاكُ دِينِهِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَقَدْ رُوِيَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ أَنَّهَا تَخْتَارُ أَبَاهَا بِدَعْوَتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ خَاصًّا فِي حَقِّهِ فَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، لِكَوْنِ مَنَافِعِهِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ الْحَضَانَةَ فِي أَيَّامِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا يَتَجَزَّأُ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَضَانَةَ لَهُ لِأَنَّهُ كَالْقِنِّ عِنْدَهُ وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ.
[مَسْأَلَةٌ مَنْ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ]
(٦٥٣٥) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ، إذَا طَلُقَتْ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا افْتَرَقَا، وَلَهُمَا وَلَدٌ طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ، فَأُمُّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِكَفَالَتِهِ إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ فِيهَا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَرْوِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، حَكَمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَاصِمٍ
стр. 3615
لِأُمِّهِ أُمِّ عَاصِمٍ، وَقَالَ: رِيحُهَا وَشْمُهَا وَلُطْفُهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْك رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ " وَلِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَارِكُهَا فِي الْقُرْبِ إلَّا أَبُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُ شَفَقَتِهَا، وَلَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى امْرَأَتِهِ، وَأُمُّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ.
[فَصْلٌ لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ]
(٦٥٣٦) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، لِفِقْدَانِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِيهَا، أَوْ بَعْضِهَا، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ، وَتَنْتَقِلُ إلَى مَنْ يَلِيهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، انْتَقَلَتْ إلَى مِنْ يَلِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَالْمَعْدُومَيْنِ.
[فَصْلٌ وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ الْمَعْتُوهِ]
(٦٥٣٧) فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ الْمَعْتُوهِ، فَأَمَّا الْبَالِغُ الرَّشِيدُ، فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا، وَلَا يَقْطَعَ بِرَّهُ عَنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا الِانْفِرَادُ وَلِأَبِيهَا مَنْعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ، فَلِوَلِيِّهَا وَأَهْلِهَا مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ]
(٦٥٣٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنْ اخْتَارَ مِنْهُمَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ سَبْعًا، وَلَيْسَ بِمَعْتُوهٍ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، إذَا تَنَازَعَا فِيهِ، فَمَنْ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَشُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُخَيَّرُ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَأَكَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَبِسَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتَنْجَى بِنَفْسِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ وَمَالِكٌ يَقُولُ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُثْغِرَ، وَأَمَّا التَّخْيِيرُ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا قَوْلَ لَهُ، وَلَا يَعْرِفُ حَظَّهُ،
стр. 3616
وَرُبَّمَا اخْتَارَ مَنْ يَلْعَبُ عِنْدَهُ وَيَتْرُكُ تَأْدِيبَهُ، وَيُمَكِّنُهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِهِ، وَلِأَنَّهُ دُونَ الْبُلُوغِ، فَلَمْ يُخَيَّرْ، كَمَنْ دُونَ السَّبْعِ
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ وَالشَّافِعِيُّ وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :» هَذَا أَبُوك، وَهَذِهِ أُمُّك فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت «فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ: خَيَّرَنِي عَلِيٌّ بَيْنَ عَمِّي وَأُمِّيِّ، وَكُنْت ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَهَذِهِ قِصَصٌ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الْحَضَانَةِ لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَشْفَقُ؛ لِأَنَّ حَظَّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ، وَاعْتَبَرْنَا الشَّفَقَةَ بِمَظِنَّتِهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا، فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ حَدًّا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِكْرَامِ وَضِدِّهِ، فَمَالَ إلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، فَقُدِّمَ بِذَلِكَ وَقَيَّدْنَاهُ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ، لِحَاجَتِهِ إلَى حَمْلِهِ، وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ، لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَأَقْوَمُ بِهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ، تَسَاوَى وَالِدَاهُ، لَقُرْبِهِمَا مِنْهُ، فَرَجَّحَ بِاخْتِيَارِهِ.
[فَصْلٌ وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ ثُمَّ اخْتَارَ الْآخِرَ رُدَّ إلَيْهِ فِي الْحَضَانَةِ]
(٦٥٣٩) فَصْلٌ: وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أُعِيدَ إلَيْهِ، هَكَذَا أَبَدًا كُلَّمَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا صَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ، لَحَظِّ نَفْسِهِ، فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيه، كَمَا يَتَّبِعُ مَا يَشْتَهِيه فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، وَقَدْ يَشْتَهِي الْمُقَامَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ، وَعِنْدَ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ، وَقَدْ يَشْتَهِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُمَا وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ، فَلَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا، قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى حَضَانَتِهِ، فَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِذَا قُدِّمَ بِهَا، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا قَدَّمْنَا اخْتِيَارَهُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَعَلَى الْقُرْعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ أَوْلَى.
[فَصْلٌ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ]
(٦٥٤٠) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَحَضَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِهِ، قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فَيُخَيَّرُ الْغُلَامُ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَصَبَتِهِ لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ خَيَّرَ عُمَارَةَ الْجَرْمِيَّ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ
стр. 3617
وَلِأَنَّهُ عَصَبَةٌ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَعْدُومَةً، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى الْجَدَّةِ، خُيِّرَ الْغُلَامُ بَيْنهَا وَبَيْنَ أَبِيهِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَعْدُومَيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى امْرَأَةٍ كَأُخْتِهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَامَتْ مَقَامَ أُمِّهِ، فِي التَّخْيِيرِ بَيْنهَا وَبَيْنَ عَصَبَاتِهِ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ رَقِيقَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبه سِوَاهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا حَضَانَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُسَلَّمُ إلَى مِنْ يَحْضُنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ يُخَيَّرُ الْغُلَامُ فِي الْحَضَانَة بِشَرْطَيْنِ]
(٦٥٤١) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَانَ كَالْمَعْدُومِ، وَيُعَيَّنُ الْآخَرُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْغُلَامُ مَعْتُوهًا، فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ، وَلَمْ يُخَيَّرْ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَةِ وَلَدِهَا الْمَعْتُوهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَوْ خُيِّرَ الصَّبِيُّ، فَاخْتَارَ أَبَاهُ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ، رُدَّ إلَى الْأُمِّ، وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ، كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِ، كَمَا فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ.
[مَسْأَلَةٌ بَلَغْت الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ عَلَى مِنْ الْحَضَانَةِ]
(٦٥٤٢) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُخَيَّرُ كَالْغُلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ سِنٍّ خُيِّرَ فِيهِ الْغُلَامُ خُيِّرَتْ فِيهِ الْجَارِيَةُ، كَسِنِّ الْبُلُوغِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا، حَتَّى تُزَوَّجَ أَوْ تَحِيضَ وَقَالَ مَالِكٌ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تُزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهَا لَا حُكْمِ لِاخْتِيَارِهَا، وَلَا يُمْكِنُ انْفِرَادُهَا، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهَا، كَمَا قَبْلَ السَّبْعِ
وَلَنَا، أَنَّ الْغَرَضَ بِالْحَضَانَةِ الْحَظُّ، وَالْحَظُّ لِلْجَارِيَةِ بَعْدَ السَّبْعِ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ، وَالْأَبُ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْأُمَّ تَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا وَيَصُونُهَا، وَلِأَنَّهَا إذَا بَلَغْت السَّبْعَ، قَارَبَتْ الصَّلَاحِيَةَ لِلتَّزْوِيجِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ سَبْعٍ، وَإِنَّمَا تُخْطَبُ الْجَارِيَةُ مِنْ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، وَالْمَالِكُ لِتَزْوِيجِهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْكَفَاءَةِ، وَأُقْدَرُ عَلَى الْبَحْثِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُصَارُ إلَى تَخْيِيرِهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْغُلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَالتَّزْوِيجِ، كَحَاجَتِهَا إلَيْهِ، وَلَا عَلَى سِنِّ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا حِينَئِذٍ مُعْتَبَرٌ فِي إذْنِهَا، وَتَوْكِيلِهَا، وَإِقْرَارِهَا، وَاخْتِيَارِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا بَعْدَ السَّبْعِ عَلَى مَا قَبْلَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي دَلِيلِنَا.
стр. 3618
[فَصْل كَانَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ عِنْدَ الْأَبِ]
(٦٥٤٣) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ عِنْدَ الْأَبِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّ تَأْدِيبَهَا وَتَخْرِيجَهَا فِي جَوْفِ الْبَيْتِ، مِنْ تَعْلِيمِهَا الْغَزْلَ وَالطَّبْخَ وَغَيْرَهُمَا، وَلَا حَاجَةَ بِهَا إلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ، وَلَا يُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا عِنْدَ الْآخَرِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ الزَّوْجُ بِأُمِّهَا، وَلَا يُطِيلُ، وَلَا يَتَبَسَّطُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا تَمْنَعُ تَبَسُّطَ أَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلِ الْآخَرِ وَإِنْ مَرِضَتْ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِتَمْرِيضِهَا فِي بَيْتِهَا وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ عِنْدَ الْأُمِّ بَعْدَ السَّبْعِ، لِاخْتِيَارِهِ لَهَا، كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا، وَيَأْخُذُهُ الْأَبُ نَهَارًا لِيُسَلِّمَهُ فِي مَكْتَبٍ، أَوْ فِي صِنَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ حَظُّ الْغُلَامِ وَحَظُّهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْأَبِ، كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ إغْرَاءٌ بِالْعُقُوقِ، وَقَطِيعَةٌ لِلرَّحِمِ
وَإِنْ مَرِضَ، كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِتَمْرِيضِهِ فِي بَيْتِهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْمَرَضِ كَالصَّغِيرِ، فِي الْحَاجَةِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهِ كَالصَّغِيرِ وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَالْوَلَدُ عِنْدَ الْآخَرِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ عِيَادَتِهِ، وَحُضُورِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْمَرِيضَ مِنْ الْمَشْيِ إلَى وَلَدِهِ، فَمَشْيُ وَلَدِهِ إلَيْهِ أَوْلَى فَأَمَّا فِي حَالِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ الْغُلَامَ يَزُورُ أُمَّهُ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، فَسَتْرُهَا أَوْلَى، وَالْأُمُّ تَزُورُ ابْنَتَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ، تَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةٍ وَسَتْرٍ، وَسَتْرُ الْجَارِيَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأُمَّ قَدْ تَخَرَّجَتْ وَعَقَلَتْ، بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ.
[فَصْلٌ أَيُّ الْأَبَوَيْنِ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا السَّفَرَ]
(٦٥٤٤) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ السَّفَرَ لَحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ، وَالْآخَرُ مُقِيمٌ، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِالْوَلَدِ إضْرَارًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَقِلًا إلَى بَلَدٍ لِيُقِيمَ بِهِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا أَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مَخُوفًا، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهِ خَطَرًا بِهِ، وَلَوْ اخْتَارَ الْوَلَدُ السَّفَرَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ آمِنًا، وَطَرِيقُهُ آمِنٌ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُقِيمَ أَوْ الْمُنْتَقِلَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ قَرِيبٌ، بِحَيْثُ يَرَاهُمْ الْأَبُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَرَوْنَهُ، فَتَكُونَ الْأُمُّ عَلَى حَضَانَتِهَا وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَ السَّفَرُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا؛ وَلِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَبِ لَهُ مُمْكِنَةٌ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبُعْدَ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ رُؤْيَتِهِ، يَمْنَعُهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ، وَتَعْلِيمِهِ، وَمُرَاعَاةِ حَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَبِ عِنْدَ افْتِرَاقِ الدَّارِ بِهِمَا، قَالَ شُرَيْحٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ انْتَقَلَ الْأَبُ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ انْتَقَلْت الْأُمُّ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ، فَهِيَ أَحَقُّ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ
стр. 3619
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ انْتَقَلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ، فَالْأَبُ أَحَقُّ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَهِيَ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ فِي الْبَلَدِ يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ وَتَخْرِيجُهُ وَلَنَا، أَنَّهُ اخْتَلَفَ مَسْكَنُ الْأَبَوَيْنِ، فَكَانَ الْأَبُ أَحَقَّ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ، أَوْ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ فِي الْعَادَةِ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَأْدِيبِ ابْنِهِ وَتَخْرِيجِهِ وَحِفْظِ نَسَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ ضَاعَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ
وَإِنْ انْتَقَلَا جَمِيعًا إلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَالْأُمُّ بَاقِيَةٌ عَلَى حَضَانَتِهَا وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَهُ الْأَبُ لِافْتِرَاقِ الْبَلَدَيْنِ، ثُمَّ اجْتَمَعَا، عَادَتْ إلَى الْأُمِّ حَضَانَتُهَا وَغَيْرُ الْأُمِّ مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنْ النِّسَاءِ، يَقُومُ مَقَامَهَا، وَغَيْرُ الْأَبِ مِنْ عَصَبَاتِ الْوَلَدِ، يَقُومُ مَقَامَهُ، عِنْدَ عَدَمِهِمَا، أَوْ كَوْنِهِمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ.
[مَسْأَلَةٌ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ أَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ عَلَى مَنْ الْحَضَانَةُ]
(٦٥٤٥) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ، أَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ، فَأُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَصْلَانِ: (٦٥٤٦) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأُمَّ إذَا تَزَوَّجَتْ، سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَضَى بِهِ شُرَيْحٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالتَّزْوِيجِ وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ: إذَا تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ، وَابْنُهَا صَغِيرٌ، أُخِذَ مِنْهَا قِيلَ لَهُ: فَالْجَارِيَةُ مِثْلُ الصَّبِيِّ؟ قَالَ: لَا، الْجَارِيَةُ تَكُونُ مَعَهَا إلَى سَبْعِ سِنِينَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْحَضَانَةَ عَنْ الْجَارِيَةِ لِتَزْوِيجِ أُمِّهَا، وَأَزَالَهَا عَنْ الْغُلَامِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ، أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، تَنَازَعُوا فِي حَضَانَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: ابْنَةُ عَمِّي، وَأَنَا أَخَذْتُهَا
وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخَى بَيْنَ زَيْدٍ وَحَمْزَةَ وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي، وَعِنْدِي خَالَتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْخَالَةُ أُمٌّ» وَسَلَّمَهَا إلَى جَعْفَرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى، فَجَعَلَ لَهَا الْحَضَانَةَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ؛ «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه ﷺ لِلْمَرْأَةِ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي» وَلِأَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ، اشْتَغَلَتْ حُقُوقُ الزَّوْجِ عَنْ الْحَضَانَةِ، فَكَانَ الْأَبُ أَحْظَ لَهُ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهَا، فَأَشْبَهْت الْمَمْلُوكَةَ
فَأَمَّا بِنْتُ حَمْزَةَ، فَإِنَّمَا
стр. 3620
قَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسَاوِيه فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا عَلِيٌّ، وَقَدْ تَرَجَّحَ جَعْفَرٌ بِأَنَّ امْرَأَتَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَكَانَ أَوْلَى وَعَلَى هَذَا، مَتَى كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَزَوِّجَةً لَرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَالْجَدَّةِ تَكُونُ مُتَزَوِّجَةً لِلْجَدِّ، لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُهَا فِي الْوِلَادَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ، فَأَشْبَهَ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً لِلْأَبِ وَلَوْ تَنَازَعَ الْعَمَّانِ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ لِلْأُمِّ، أَوْ الْخَالَةِ، فَهُوَ أَحَقُّ، لِحَدِيثِ بِنْتِ حَمْزَةَ وَكَذَلِكَ كُلُّ عَصَبَتَيْنِ تَسَاوَيَا، وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِمَنْ هِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، قُدِّمَ بِهَا لِذَلِكَ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ التَّزْوِيجَ بِأَجْنَبِيٍّ يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنْ عَرِيَ عَنْ الدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ إلَّا بِالدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ بِهِ تَشْتَغِلُ عَنْ الْحَضَانَةِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُ «النَّبِيِّ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»
وَقَدْ وُجِدَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِأَنَّ بِالْعَقْدِ يَمْلِكُ مَنَافِعَهَا، وَيَسْتَحِقُّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنْ حَضَانَتِهِ، فَزَالَ حَقُّهَا، كَمَا لَوْ دَخَلَ بِهَا
(٦٥٤٧) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّ إذَا عُدِمَتْ، أَوْ تَزَوَّجَتْ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَاجْتَمَعَتْ أُمُّ أَبٍ وَخَالَةٍ، فَأُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْأُخْتَ وَالْخَالَةَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ فَعَلَى هَذَا، يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْخَالَةُ أَحَقَّ مِنْ أُمِّ الْأَبِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِأُمٍّ، وَأُمُّ الْأَبِ تُدْلِي بِهِ، فَقُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِالْأُمِّ، كَتَقْدِيمِ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِبِنْتِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ أُمٌّ» وَلَنَا، أَنَّ أُمَّ الْأَبِ جَدَّةٌ وَارِثَةٌ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْخَالَةِ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَلِأَنَّ لَهَا وِلَادَةً وَوِرَاثَةً، فَأَشْبَهَتْ أُمَّ الْأُمِّ
فَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْخَالَةِ حَقًّا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ، إنَّمَا النِّزَاعُ فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَقَوْلُهُمْ: تُدْلِي بِأُمٍّ قُلْنَا: لَكِنْ لَا وِلَادَةَ لَهَا، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ وِلَادَةٌ، كَتَقْدِيمِ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى الْخَالَةِ فَعَلَى هَذَا، مَتَى وُجِدَتْ جَدَّةٌ وَارِثَةٌ، فَهِيَ أَوْلَى مِمَّنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهَا؛ لِفَضِيلَةِ الْوِلَادَةِ وَالْوِرَاثَةِ، فَأَمَّا أُمُّ أَبِي الْأُمِّ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِأَبِي الْأُمِّ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ، وَلَا مَنْ أَدْلَى بِهِ.
[فَصْلٌ اجْتَمَعَتْ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ فَأَيُّهُمْ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ]
(٦٥٤٨) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَتْ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ، فَأُمُّ الْأُمِّ أَحَقُّ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهَا؛ لِأَنَّ لَهَا وِلَادَةً، وَهِيَ تُدْلِي بِالْأُمِّ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا، كَتَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أُمَّ الْأَبِ أَحَقُّ وَهُوَ قِيَاسُ
стр. 3621
قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ خَالَةَ الْأَبِ عَلَى خَالَةِ الْأُمِّ، وَخَالَةُ الْأَبِ أُخْتُ أُمِّهِ، وَخَالَةُ الْأُمِّ أُخْتُ أُمِّهَا، فَإِذَا قَدَّمَ أُخْتَ أُمِّ الْأَبِ، دَلَّ عَلَى تَقْدِيمِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِعَصَبَةٍ، مَعَ مُسَاوَاتِهَا لِلْأُخْرَى فِي الْوِلَادَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا أُنْثَى تَلِي الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهَا، فَكَذَلِكَ أُمُّهُ، فَإِنَّهَا أُنْثَى تَلِي بِنَفْسِهَا، فَقُدِّمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ عَدَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْا]
(٦٥٤٩) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ، وَأَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عُدِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْا، انْتَقَلَتْ إلَى الْأَخَوَاتِ، وَقُدِّمْنَ عَلَى سَائِرِ الْقَرَابَاتِ، كَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ شَارَكْنَ فِي النَّسَبِ، وَقُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ إنَّمَا يُدْلِينَ بِأُخُوَّةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَلَا مِيرَاثَ لَهُنَّ مَعَ ذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ، فَالْمُدْلِي إلَى نَفْسِ الْمَكْفُولِ وَيَرِثُهُ أَقْرَبُ وَأَشْفَقُ، فَكَانَ أَوْلَى وَأَوْلَى الْأَخَوَاتِ مَنْ كَانَ لِأَبَوَيْنِ، لِقُوَّةِ قَرَابَتِهَا، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأَبٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأُمٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَابْنِ سُرَيْجٍ لِأَنَّهَا أَدْلَتْ بِالْأُمِّ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُدْلِيَةِ بِالْأَبِ، كَأُمِّ الْأُمِّ مَعَ أُمِّ الْأَبِ
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ تُقَدَّمُ الْخَالَةُ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ؛ لِذَلِكَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَنَا، أَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأَبِ أَقْوَى فِي الْمِيرَاثِ، فَقُدِّمَتْ، كَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، وَلَا تَخْفَى قُوَّتُهَا، فَإِنَّهَا أُقِيمَتْ مُقَامَ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَتَكُونُ عَصَبَةٌ مَعَ الْبَنَاتِ وَتُقَاسِمُ الْجَدَّ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِدْلَاءِ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ تُدْلِي بِنَفْسِهَا؛ لِكَوْنِهِمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَهُمَا تَعْصِيبٌ، فَكَانَتْ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ عُدِمَتْ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ وَالْأَخَوَاتُ عَلَى مَنْ تَكُونُ الْحَضَانَةُ]
(٦٥٥٠) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عُدِمَتْ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ وَالْأَخَوَاتُ، انْتَقَلْت الْحَضَانَةُ إلَى الْخَالَاتِ، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى الْعَمَّاتِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ تَقْدِيمَ الْعَمَّاتِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ خَالَةَ الْأَبِ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهِ، عَلَى خَالَةِ الْأُمِّ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهَا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ، وَلِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ، فَقُدِّمْنَ، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ
وَقَالَ الْقَاضِي: مُرَادُ الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ: خَالَةُ الْأَبِ أَيْ الْخَالَةُ مِنْ الْأَبِ تُقَدَّمُ عَلَى الْخَالَةِ مِنْ الْأُمِّ، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْخَالَاتِ أَخَوَاتُ الْأُمِّ، فَيَجْرِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّقْدِيمِ فِيمَا
стр. 3622
بَيْنَهُنَّ مَجْرَى الْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَمَّاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ فَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْخَالَاتِ، فَإِذَا انْقَرَضْنَ فَالْعَمَّاتُ بَعْدَهُنَّ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْعَمَّاتِ، فَالْخَالَاتُ بَعْدَهُنَّ، فَإِذَا عُدِمْنَ، انْتَقَلَتْ إلَى خَالَاتِ الْأَبِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، إلَى خَالَاتِ الْأُمِّ وَهَلْ يُقَدَّمُ خَالَاتُ الْأَبِ عَلَى عَمَّاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ فَأَمَّا عَمَّاتُ الْأُمِّ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِي الْأُمِّ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، لَا حَضَانَةَ لَهُ، وَلَا لِمَنْ أَدْلَى بِهِ.
[فَصْلٌ وَلِلرِّجَالِ مِنْ الْعَصَبَاتِ مَدْخَلٌ فِي الْحَضَانَةِ]
(٦٥٥١) فَصْلٌ: وَلِلرِّجَالِ مِنْ الْعَصَبَاتِ مَدْخَلٌ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَوْلَاهُمْ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ الْعُمُومَةُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ عُمُومَةُ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا حَضَانَةَ لِغَيْرِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِالْحَضَانَةِ، وَلَا لَهُمْ وِلَايَةٌ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَضَانَةٌ، كَالْأَجَانِبِ وَلَنَا، أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا اخْتَصَمَا فِي حَضَانَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ ادِّعَاءَ الْحَضَانَةِ
وَلِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً وَتَعْصِيبًا بِالْقَرَابَةِ، فَتَثْبُتُ لَهُمْ الْحَضَانَةُ، كَالْأَبِ وَالْجَدِّ، وَفَارَقَ الْأَجَانِبَ؛ فَإِنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ قَرَابَةٌ وَلَا شَفَقَةٌ، وَلِأَنَّ الْأَجَانِبَ تَسَاوَوْا فِي عَدَمِ الْقَرَابَةِ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْ الْآخَرِ، وَالْعَصَبَاتِ لَهُمْ قَرَابَةٌ يَمْتَازُونَ بِهَا، وَأَحَقُّهُمْ بِالْحَضَانَةِ أَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَيَقُومُونَ مَقَامَ الْأَبِ فِي التَّخْيِيرِ لِلصَّبِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِالْجَارِيَةِ إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا، إلَّا ابْنَ الْعَمِّ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ لَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا.
[فَصْلٌ الرِّجَالُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا حَضَانَةَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ سِوَاهُمْ]
(٦٥٥٢) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرِّجَالُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَالْخَالِ، وَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ، وَأَبِي الْأُمِّ، وَابْنِ الْأُخْتِ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ سِوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِامْرَأَةٍ يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ، وَلَا لَهُ قُوَّةُ قَرَابَةٍ كَالْعَصَبَاتِ، وَلَا حَضَانَةَ إلَّا يُدْلِي بِهِمْ، كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ، وَابْنَةِ الْخَالِ، وَابْنَةِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ لَا حَضَانَةَ لَهُ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْمُدْلِي، فَلِلْمُدْلِينَ بِهِ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُمْ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا:، هُمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْحَضَانَةُ تَكُونُ لَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ وَالثَّانِي، لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْحَضَانَةِ، وَيَنْتَقِلُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
стр. 3623
[فَصْلٌ بَيَانِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ]
(٦٥٥٣) فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَوْلَى الْكُلِّ بِهَا الْأُمُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ، يُقَدَّمُ مِنْهُنَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ وِلَادَتُهُنَّ مُتَحَقِّقَةٌ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْأُمِّ وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ أُمَّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتِهَا مُقَدَّمَاتٌ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ، فَيَكُونُ الْأَبُ بَعْدَ الْأُمِّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّ الْمُقَدَّمَ الْأُمُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ جَدُّ الْأَبِ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ وَارِثَاتٍ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، بِخِلَافِ أُمِّ أَبِي الْأُمِّ
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ أَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأُمِّ وَالْخَالَةَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ مِنْهُ وَمِنْهُمَا وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ فَإِذَا انْقَرَضَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، انْتَقَلْت الْحَضَانَةُ إلَى الْأَخَوَاتِ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهَا مِنْ الرِّجَالِ، كَالْأُمِّ تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَأُمِّ الْأَبِ عَلَى أَبِي الْأَبِ، وَكُلُّ جَدَّةٍ فِي دَرَجَةِ جَدٍّ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَلِي الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهَا، وَالرَّجُلُ لَا يَلِيهَا بِنَفْسِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى
وَفِي تَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ، وَجْهَانِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ أُخْتٌ، فَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْلَى، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمَا، وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِذَا عُدِمُوا، صَارَتْ الْحَضَانَةُ لِلْخَالَاتِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَرْتِيبُهُنَّ فِيهَا كَتَرْتِيبِ الْأَخَوَاتِ وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخْوَالِ، فَإِذَا عُدِمْنَ صَارَتْ لِلْعَمَّاتِ، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى الْأَعْمَامِ، كَتَقْدِيمِ الْأَخَوَاتِ عَلَى الْإِخْوَةِ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبِ، وَلَا حَضَانَةَ لِلْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمَا، ثُمَّ إلَى خَالَاتِ الْأَبِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، إلَى خَالَاتِ الْأُمِّ، ثُمَّ إلَى عَمَّاتِ الْأَبِ، وَلَا حَضَانَةَ لِعَمَّاتِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِي الْأُمِّ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ، قُدِّمَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
[فَصْلٌ تَرَكْت الْأُمُّ الْحَضَانَةَ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا]
(٦٥٥٤) فَصْلٌ: وَإِنْ تَرَكْت الْأُمُّ الْحَضَانَةَ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، سَقَطَ فُرُوعُهَا وَالثَّانِي: تَنْتَقِلُ إلَى أُمِّهَا وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَبْعَدُ، فَلَا تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ،
стр. 3624
كَمَا لَا تَنْتَقِلُ إلَى الْأُخْتِ، وَكَوْنُهُنَّ فُرُوعًا لَهَا، لَا يُوجِبُ سُقُوطَ حُقُوقِهِنَّ بِسُقُوطِ حَقِّهَا، كَمَا لَوْ سَقَطَ حَقُّهَا لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، أَوْ لِتَزَوُّجِهَا وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْأَبِ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ، هَلْ يَسْقُطُ حَقُّ أُمَّهَاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ، فَأَسْقَطَتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ حَقَّهَا، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَلَيْسَتْ فَرْعًا عَلَيْهَا.
[مَسْأَلَةٌ أُخِذَ الْوَلَدُ مِنْ الْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ ثُمَّ طَلُقَتْ هَلْ تَرْجِعُ حَضَانَتُهَا]
(٦٥٥٥) مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ: (وَإِذَا أُخِذَ الْوَلَدُ مِنْ الْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ طَلُقَتْ، رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنْ كَفَالَتِهِ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِّي قَالَا: إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، لَمْ يَعُدْ حَقُّهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ وَلَنَا، أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَعَادَ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، كَالْبَائِنِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا زَوْجَةٌ قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَزَلَهَا عَنْ فِرَاشِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ قَسْمٌ، وَلَا لَهَا بِهِ شُغْلٌ، وَعُقِدَ سَبَبُ زَوَالِ نِكَاحِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ فِي عِدَّتِهَا وَيُخَرَّجُ عِنْدَنَا مِثْلُ قَوْلِهِمَا، لِكَوْنِ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُزِيلًا لِحَقِّ الْحَضَانَةِ، مَعَ عَدَمِ الْقَسْمِ وَالشُّغْلِ بِالزَّوْجِ.
[فَصْلٌ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْحَضَانَةِ]
(٦٥٥٦) فَصْلٌ: وَكُلُّ قَرَابَةٍ تُسْتَحَقُّ بِهَا الْحَضَانَةُ، مَنَعَ مِنْهَا مَانِعٌ، كَرِقٍّ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ فُسُوقٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ صِغَرٍ، إذَا زَالَ الْمَانِعُ، مِثْلُ أَنْ عَتَقَ الرَّقِيقُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَعَدَلَ الْفَاسِقُ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنْ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبهَا قَائِمٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ، عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ، كَالزَّوْجَةِ إذَا طَلُقَتْ.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ فَهَلْ لِزَوْجِهَا مَنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا]
(٦٥٥٧) مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ، فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا، وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ امْرَأَتِهِ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي كُلِّ الزَّمَانِ، مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ، سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَكَانَ لَهُ الْمَنْعُ كَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِله فَإِنْ اُضْطُرَّ الْوَلَدُ، بِأَنْ لَا تُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِوَاهَا، أَوْ لَا يَقْبَلُ الْوَلَدُ الِارْتِضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا، وَجَبَ التَّمْكِينُ مِنْ إرْضَاعِهِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ، وَحِفْظٌ لِنَفْسِ وَلَدِهَا، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ، كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَالِكِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ.
стр. 3625
[فَصْلٌ فَإِنْ أَرَادَتْ إرْضَاعَ وَلَدِهَا مِنْهُ هَلْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا]
(٦٥٥٨) فَصْلٌ: فَإِنْ أَرَادَتْ إرْضَاعَ وَلَدِهَا مِنْهُ، فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ رَضَاعِهِ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أَرَادَتْ رَضَاعَ وَلَدِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَهَذَا خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ أَمْرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُنَّ رِزْقَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ جَعْلَ ذَلِكَ أَجْرَ الرَّضَاعِ وَلَا غَيْرَهُ، وَقَوْلُنَا، فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ
قُلْنَا: وَلَكِنْ لِإِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِهِ بِدَفْعِ مَالِهِ فِيهِ وَاجِبٌ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ، فِي كَوْنِهِ مَعَ أُمِّهِ، وَحَقُّ الْأُمِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
[فَصْلٌ وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ]
(٦٥٥٩) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ، وَلَا مَنْعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً، أَوْ دَارًا مَشْغُولَةً فَإِنْ نَامَ الصَّبِيُّ، أَوْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِهَا، فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ مَنْعُهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِرِضَاءِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ اللَّبَنَ وَلَنَا، أَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ مَعَ إذْنِ الْوَلِيِّ، فَجَازَ مَعَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْإِذْنُ فِيمَا يَضُرُّ الصَّبِيَّ، وَيُسْقِطُ حُقُوقَهُ.
[فَصْلٌ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ الْمُزَوِّجَة نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا]
(٦٥٦٠) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ، بِإِذْنِ زَوْجِهَا، جَازَ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَإِنْ أَجَرَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِهَا، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْآخَرُ، يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحِلًّا غَيْرَ مَحَلِّ النِّكَاحِ، لَكِنْ لِلزَّوْجِ فَسْخُهُ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ الِاسْتِمْتَاعُ وَيَخْتَلُّ وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ يَفُوتُ بِهِ حَقُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ بِعَقْدٍ سَابِقٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَإِجَارَةِ الْمُسْتَأْجَرِ.
стр. 3626
[مَسْأَلَةٌ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ]
(٦٥٦١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَعَلَى الْأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ، إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، فَتَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ، أَوْ مُطَلَّقَةً) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (٦٥٦٢) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُ أُمِّهِ عَلَى رَضَاعِهِ، دَنِيئَةً كَانَتْ أَوْ شَرِيفَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً
وَلَا نَعْلَمُ فِي عَدَمِ إجْبَارِهَا عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُفَارَقَةً خِلَافًا، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَعَ الزَّوْجِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى رَضَاعِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهَا إنْ كَانَتْ شَرِيفَةً لَمْ تَجْرِ عَادَةُ مِثْلِهَا بِالرَّضَاعِ لِوَلَدِهَا، لَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُرْضِعُ فِي الْعَادَةِ، أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا، وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الرَّضَاعِ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ، أَوْ لِحَقِّ الزَّوْجِ، أَوْ لَهُمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا عَلَى خِدْمَتِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ، لَلَزِمَهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَلْزَمُ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ، فَلَزِمَ الْأَبَ عَلَى الْخُصُوصِ، كَالنَّفَقَةِ، أَوْ كَمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ، لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمَا، لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ
[الْفَصْلُ الثَّانِي الْأُمَّ إذَا طَلَبَتْ إرْضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا]
(٦٥٦٣) الْفَصْلُ الثَّانِي: إنَّ الْأُمَّ إذَا طَلَبَتْ إرْضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَسَوَاءٌ وَجَدَ الْأَبُ مُرْضِعَةً مُتَبَرِّعَةً أَوْ لَمْ يَجِدْ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ، فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا عَلَى رَضَاعِهِ، لَمْ يَجُزْ؛
стр. 3627
لِأَنَّ الْمَنَافِعَ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا مَا هُوَ أَوْ بَعْضُهُ حَقٌّ لَهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ الْوَلَدَ، فَهَلْ لَهَا أَجْرُ الْمِثْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً، فَطَلَبَتْ أَجْرَ الْمِثْلِ، فَأَرَادَ انْتِزَاعَهُ مِنْهَا لِيُسَلِّمَهُ إلَى مَنْ تُرْضِعُهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعَةً، أَوْ مَنْ تُرْضِعُهُ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ، فَلَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْتِزَامُ الْمُؤْنَةِ مَعَ دَفْعِ حَاجَةِ الْوَلَدِ بِدُونِهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ طَلَبَتْ الْأَجْرَ، لَمْ يَلْزَمْ الْأَبَ بَذْلُهَا لَهَا، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، وَتَأْتِي الْمُرْضِعَةُ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِأَحَدِهِمَا وَلَنَا، عَلَى الْأَوَّلِ، مَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ، أَنَّهُ عَقْدُ إجَارَةٍ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ إذَا أَذِنَ فِيهِ، فَجَازَ مَعَ الزَّوْجِ، كَإِجَارَةِ نَفْسِهَا لِلْخِيَاطَةِ أَوْ الْخِدْمَةِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَنَافِعَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ لَوْ مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْحَضَانَةِ، لَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَيْهَا، وَلَمْ تَجُزْ إجَارَةُ نَفْسِهَا لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَلَكَانَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ إجَارَةُ نَفْسِهَا لِأَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ وَلِهَذَا جَازَتْ بِإِذْنِهِ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَهَا، فَقَدْ أَذِنَ لَهَا فِي إجَارَةِ نَفْسِهَا، فَصَحَّ، كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْأُمِّ، إذَا طَلَبَتْ أَجْرَ مِثْلِهَا، عَلَى الْمُتَبَرِّعَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَلِأَنَّ الْأُمَّ أَحْنَى وَأَشْفَقُ، وَلَبَنَهَا أَمْرَأُ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهَا، فَكَانَتْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ رَضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا؛ وَلِأَنَّ فِي رَضَاعِ غَيْرِهَا تَفْوِيتًا لِحَقِّ الْأُمِّ مِنْ الْحَضَانَةِ، وَإِضْرَارًا بِالْوَلَدِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُ حَقِّ الْحَضَانَةِ الْوَاجِبِ، وَالْإِضْرَارُ بِالْوَلَدِ لِغَرَضِ إسْقَاطِ حَقٍّ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَبِ
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ حَقِّ الْوَلَدِ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ، وَتَفْوِيتِ [حَقِّ] الْأُمِّ فِي إرْضَاعِهِ لَبَنَهَا، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَتْ بِرَضَاعِهِ فَأَمَّا إنْ طَلَبْت الْأُمُّ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا، وَوَجَدَ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، أَوْ مُتَبَرِّعَةً، جَازَ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِاشْتِطَاطِهَا، وَطَلَبِهَا مَا لَيْسَ لَهَا، فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْله: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرْضِعَةً إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَتَا فِي الْأَجْرِ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَجْرَ مِثْلِهَا.
[فَصْلٌ طَلَبَتْ ذَاتُ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ إرْضَاعَ وَلَدِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، بِإِذْنِ زَوْجِهَا]
(٦٥٦٤) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَبَتْ ذَاتُ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ إرْضَاعَ وَلَدِهَا، بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، بِإِذْنِ زَوْجِهَا، ثَبَتَ حَقُّهَا، وَكَانَتْ أَحَقَّ
стр. 3628
بِهِ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأُمَّ إنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ الْإِرْضَاعِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَإِذَا أَذِنَ فِيهِ، زَالَ الْمَانِعُ، فَصَارَتْ كَغَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ، وَإِنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ، سَقَطَ حَقُّهَا؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهَا إلَى ذَلِكَ.
[فَصْلٌ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا وَهِيَ فِي حِبَالِ وَالِدِهِ فَاحْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةِ نَفَقَةٍ]
(٦٥٦٥) فَصْلٌ: وَإِنْ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، وَهِيَ فِي حِبَالِ وَالِدِهِ، فَاحْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةِ نَفَقَةٍ، لَزِمَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَلِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، فَإِذَا زَادَتْ حَاجَتُهَا، زَادَتْ كِفَايَتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ]
[مَسْأَلَةٌ عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْمَمَالِيكِ]
مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ ﵀: (وَعَلَى مُلَّاكِ الْمَمْلُوكِينَ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَيَكْسُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِينَ عَلَى مُلَّاكِهِمْ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ، وَمَنَافِعُهُ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ، فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، كَبَهِيمَتِهِ وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ سَيِّدِهِ، أَوْ دُونَهُ، أَوْ فَوْقَهُ، وَأُدْمِ مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ» وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ جِنْسِ طَعَامِهِ؛ لِقَوْلِهِ: " فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ " فَجَمَعْنَا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ، وَحَمَلْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْإِجْزَاءِ، وَحَدِيثَ خَبَرِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ
وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ نَفَقَتَهُ مِنْ كَسْبِهِ، إنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَيَأْخُذَ كَسْبَهُ، أَوْ يَجْعَلَهُ بِرَسْمِ خِدْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ، فَإِنْ جَعَلَ نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ، فَكَانَتْ وَفْقَ الْكَسْبِ، صَرَفَهُ إلَيْهَا، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْكَسْبِ شَيْءٌ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَوَزٌ، فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمَامُهَا
стр. 3629
وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَبِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَالِبِ الْكِسْوَةِ لِأَمْثَالِ الْعَبْدِ، فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُلْبِسَهُ مِنْ لِبَاسِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: " وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ عَبِيدِهِ الذُّكُورِ فِي الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ، وَبَيْنَ إمَائِهِ إنْ كُنَّ لِلْخِدْمَةِ أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ مَنْ هُوَ لِلْخِدْمَةِ، وَفِيهِنَّ مَنْ هُوَ لِلِاسْتِمْتَاعِ، فَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ مِنْ يَزِيدُهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْعُرْفِ، وَلِأَنَّ غَرَضَهُ تَحْمِيلُ مَنْ يَزِيدُهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ، بِخِلَافِ الْخَادِمَةِ.
[فَصْلٌ تَوَلَّى أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ فَيَأْكُلَ الْخَادِمُ]
(٦٥٦٧) فَصْلٌ: إذَا تَوَلَّى أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ، فَيَأْكُلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْهُ، وَلَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ، حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَلْيَدْعُهُ، وَلْيُجْلِسْهُ فَإِنْ أَبَى، فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَى تَرْوِيغِ اللُّقْمَةِ، غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ وَالدَّسَمِ، وَتَرْوِيَتُهَا بِذَلِكَ، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يَشْتَهِيه لِحُضُورِهِ فِيهِ، وَتَوَلِّيه إيَّاهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] الْآيَةَ، وَلِأَنَّ نَفْسَ الْحَاضِرِ تَتُوقُ مَا لَا تَتُوقُ نَفْسُ الْغَائِبِ.
[فَصْلٌ التَّرَفُّق فِي مُعَامَلَةِ الْخَادِمِ]
(٦٥٦٨) فَصْلٌ: وَلَا يُكَلِّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، وَهُوَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَيَقْرُبُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيُؤْذِيه، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ.
[فَصْلٌ لَا يُجْبَرُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ]
(٦٥٦٩) فَصْلٌ: وَلَا يُجْبَرُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيه، وَمَا فَضَلَ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، كَالْكِتَابَةِ. وَإِنْ طَلَبَ الْعَبْدُ ذَلِكَ، وَأَبَاهُ السَّيِّدُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، جَازَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «أَبَا ظَبْيَةَ حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ، وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ عَلَى رَقِيقِهِمْ خَرَاجًا، فَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ. وَجَاءَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَهُ
стр. 3630
أَنْ يَسْأَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. ثُمَّ يَنْتَظِرُ، فَإِنْ كَانَ ذَا كَسْبٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَفْضُلُ مِنْ كَسْبِهِ عَنْ نَفَقَتِهِ وَخَرَاجِهِ شَيْءٌ، جَازَ، فَإِنَّ لَهُمَا بِهِ نَفْعًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَحْرِصُ عَلَى الْكَسْبِ، وَرُبَّمَا فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ يَزِيدُهُ فِي نَفَقَتِهِ، وَيَتَّسِعُ بِهِ. وَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ نَفَقَتِهِ، لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَلَّفَ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ الْمُخَارَجَةَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهُ الْكَسْبَ سَرَقَ، وَلَا تُكَلِّفُوا الْمَرْأَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا الْكَسْبَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا. وَلِأَنَّهُ مَتَى كَلَّفَ غَيْرَ ذِي الْكَسْبِ خَرَاجًا، كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ". وَرُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ.
[فَصْلٌ مَرِضَ الْمَمْلُوكُ أَوْ زَمِنَ أَوْ عَمِيَ أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ عَلَى مِنْ تَلْزَم نَفَقَته]
(٦٥٧٠) فَصْلٌ: وَإِذَا مَرِضَ الْمَمْلُوكُ، أَوْ زَمِنَ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ مَعَ الْعَمَى وَالزَّمَانَةِ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مَعَهُمَا، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
[مَسْأَلَة لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ]
(٦٥٧١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إعْفَافُ مَمْلُوكِهِ، إذَا طَلَبَ ذَلِكَ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، كَإِطْعَامِ الْحَلْوَاءِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] . وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْد الطَّلَبِ.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَلَمْ يُزَوِّجْهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا، أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ، فَمَا صَنَعَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ. وَلَوْلَا وُجُوبُ إعْفَافِهِمَا لَمَا لَحِقَ السَّيِّدَ الْإِثْمُ بِفِعْلِهِمَا، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، دَعَا إلَى تَزْوِيجِهِ،
стр. 3631
فَلَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ غَالِبًا، وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَالنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ الْحَلْوَاءِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهِ، أَوْ تَمْلِيكِهِ أَمَةً يَتَسَرَّاهَا. وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُبَاحٌ لِلْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ، وَفِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا تُعْلَمُ حَاجَتُهُ إلَّا بِطَلَبِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنَّ إجْبَارَ الْعَبْدِ الْكَبِيرِ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرُ جَائِزٍ. فَأَمَّا الْأَمَةُ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا، فَيُغْنِيَهَا بِاسْتِمْتَاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا.
[فَصْلٌ لِلسَّيِّدِ تَمْكِين الْعَبْد مِنْ الِاسْتِمْتَاع مِنْ زَوْجَته]
(٦٥٧٢) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا لِأَنَّ إذْنَهُ فِي النِّكَاحِ إذْنٌ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الْمُعْتَادِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ لَيْلًا وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
[مَسْأَلَةٌ لِلْعَبْدِ طَلَبُ بَيْعِهِ إذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ]
(٦٥٧٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنَّ امْتَنَعَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ إذَا طَلَبَ الْمَمْلُوكُ ذَلِكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا امْتَنَعَ مِمَّا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ امْتِنَاعُ السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِخْلَالِ بِسَدِّ خَلَّاتِهِ إضْرَارٌ بِهِ، وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَاجِبَةٌ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهُ؛ وَلِذَلِكَ أَبَحْنَا لِلْمَرْأَةِ فَسْخَ النِّكَاحِ عِنْدَ عَجْزِ زَوْجِهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَبْدُك يَقُولُ: أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي. وَامْرَأَتُك تَقُولُ: أَطْعِمْنِي أَوْ طَلِّقْنِي» . وَهَذَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ مَتَى وَفَّى بِحُقُوقِ عَبْدِهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ بَيْعَهُ، لَمْ يُجْبَرْ السَّيِّدُ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، ﵀: اسْتَبَاعَتْ الْمَمْلُوكَةُ، وَهُوَ يَكْسُوهَا مِمَّا يَلْبَسُ، وَيُطْعِمُهَا مِمَّا يَأْكُلُ. قَالَ لَا تُبَاعُ، وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى زَوْجٍ، فَتَقُولَ: زَوِّجْنِي. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَإِسْحَاقُ، فِي الْعَبْدِ يُحْسِنُ إلَيْهِ سَيِّدُهُ، وَهُوَ يَسْتَبِيعُ:
стр. 3632
لَا يَبِعْهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ، وَالْحَقَّ لَهُ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْعَبْدِ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا، وَلَا عَلَى بَيْعِ بَهِيمَتِهِ مَعَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ مُكَاتَبه إلَّا أَنْ يَعْجِزَ]
(٦٥٧٤) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ مُكَاتَبِهِ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَوْجَبَ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ إكْسَابَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهُ، وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا، فَلَا يَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ، وَلَا إجَارَتَهُ، وَلَا إعَارَتَهُ، وَلَا أَخْذَ كَسْبِهِ، وَلَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ، عَنْهُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، فَإِذَا عَجَزَ، عَادَ رَقِيقًا قِنًّا، وَعَادَ إلَيْهِ مِلْكُ نَفْعِهِ، وَأَكْسَابُهُ، فَعَادَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَمَة لِغَيْرِ وَلَدِهَا]
(٦٥٧٥) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَمَةَ) لِغَيْرِ وَلَدِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ أَمَّا إذَا أَرَادَ اسْتِرْضَاعَ أَمَتِهِ لِغَيْرِ وَلَدِهَا، مَعَ كَوْنِهِ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا؛ لِنَقْصِهِ مِنْ كِفَايَتِهِ، وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لِوَلَدِهَا إلَى غَيْرِهِ، مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنْقِصَ الْكَبِيرَ مِنْ كِفَايَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّ وَلَدِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ، كَالْفَاضِلِ مِنْ كَسْبِهَا عَنْ مُؤْنَتِهَا، أَوْ كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا، وَبَقِيَ لَبَنُهَا.
[مَسْأَلَةٌ رُهِنَ الْمَمْلُوكُ عَلَى مَنْ نَفَقَته]
(٦٥٧٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا رُهِنَ الْمَمْلُوكُ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ) وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ. وَنَفَقَتُهُ مِنْ غُرْمِهِ» . وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، وَنَمَاؤُهُ لَهُ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ. وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الرَّهْنِ.
[مَسْأَلَةٌ أَبَقَ الْعَبْدُ فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ]
(٦٥٧٧) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ)
стр. 3633
إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقَدْ قَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَقَامَ سَيِّدِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِنْفَاقٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَدَائِهِ مِنْهُ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَدَّى الْحَاكِمُ عَنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى امْرَأَتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فِي مَنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُ، أَوْ الْوَدِيعَةِ، أَوْ الْجِمَالِ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ.
[فَصْل لسَّيِّدِ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ]
(٦٥٧٨) فَصْلٌ: وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ إذَا أَذْنَبَا، بِالتَّوْبِيخِ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ، كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ، وَامْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ، وَلَا ضَرْبُهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَإِنْ أَذْنَبَ، وَلَا لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيّ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، لَيْسَ لَنَا إلَّا خَادِمٌ وَاحِدٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بِإِعْتَاقِهَا، فَأَعْتَقْنَاهَا» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ.»
[فَصْل مَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً فَلَهُ نَفَقَتُهَا]
(٦٥٧٩) فَصْلٌ وَمَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، مِنْ عَلْفِهَا، أَوْ إقَامَةِ مَنْ يَرْعَاهَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّا يُذْبَحُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ، بَلْ يَأْمُرُهُ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا الْخُصُومَةُ، وَلَا يُنْصَبُ عَنْهَا خَصْمٌ، فَصَارَتْ كَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ. وَلَنَا، أَنَّهَا نَفَقَةُ حَيَوَانٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِلسُّلْطَانِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ، وَيُفَارِقُ نَفَقَةَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ، بِيعَتْ عَلَيْهِ، كَمَا يُبَاعُ الْعَبْدُ
стр. 3634
إذَا طَلَبَ الْبَيْعَ عِنْدَ إعْسَارِ سَيِّدِهِ بِنَفَقَتِهِ، وَكَمَا يَفْسَخُ نِكَاحَهُ إذَا أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ. وَإِنْ عَطِبَتْ الْبَهِيمَةُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ، خُيِّرَ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ، أُجْبِرَ عَلَى الْإِنْقَاقِ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ الزَّمِنِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَمِّلَ الْبَهِيمَةَ مَا لَا تُطِيقُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعَبْدِ، وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ. وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِضْرَارًا بِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَبَنُ أُمِّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ.
стр. 3635
[كِتَابُ الْجِرَاحِ] [ فَصْلٌ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ]
ِ يَعْنِي كِتَابَ الْجِنَايَاتِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالْجِرَاحِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِهَا بِهِ، وَالْجِنَايَةُ: كُلُّ فِعْلِ عُدْوَانٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ. لَكِنَّهَا فِي الْعُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ، وَسَمَّوْا الْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا، وَنَهْبًا، وَسَرِقَةً، وَخِيَانَةً، وَإِتْلَافًا. (٦٥٨٠) فَصْلٌ: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] . وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] . الْآيَةَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى عُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذِهِ كَثِيرَةٍ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا، فَسَقَ، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُقْبَلُ. لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ. وَلِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا نَسْخٌ وَلَا تَغْيِيرٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ إلَّا صِدْقًا.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . فَجَعَلَهُ دَاخِلًا فِي الْمَشِيئَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] . وَفِي الْحَدِيثِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ: إنَّ رَجُلًا قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا، ثُمَّ سَأَلَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، وَلَكِنْ اُخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السَّوْءِ، إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، فَاعْبُدْ اللَّهَ فِيهَا.
стр. 3636
فَخَرَجَ تَائِبًا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ، فَاجْعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا. فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ، فَجَعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا» . وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِنْ الْكُفْرِ، فَمِنْ الْقَتْلِ أَوْلَى. وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ، أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ، وَلَهُ الْعَفْوُ إذَا شَاءَ. وَقَوْلُهُ: لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ. قُلْنَا: لَكِنْ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ.
[مَسْأَلَةٌ وَالْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ]
(٦٥٨١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، ﵀: (وَالْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ عَمْدٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ، وَخَطَأٌ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْقَتْلَ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي. وَأَنْكَرَ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ، فَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ، فَلَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَنَا. وَجَعَلَهُ مِنْ قِسْمِ الْعَمْدِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ. وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهَ الْعَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: " قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ ". وَهَذَا نَصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. وَقَسَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، فَزَادَ قِسْمًا رَابِعًا، وَهُوَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ، نَحْوَ أَنْ يَنْقَلِبَ نَائِمٌ عَلَى شَخْصٍ فَيَقْتُلَهُ، أَوْ يَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُلْوٍ، وَالْقَتْلُ بِالسَّبَبِ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ، وَقَتْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا. وَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ قِسْمِ الْخَطَإِ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَعْمِدْ الْفِعْلَ، أَوْ عَمَدَهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَصْدِ الصَّحِيحِ، فَسَمَّوْهُ خَطَأً، فَأَعْطَوْهُ حُكْمَهُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْخِرَقِيِّ بِذَلِكَ، فَقَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ: عَمْدُهُمَا خَطَأٌ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَتْلُ الْعَمْدُ]
(٦٥٨٢) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَالْعَمْدُ مَا ضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ الْغَالِبُ أَنْ يَقْتُلَ مِثْلُهُ، أَوْ أَعَادَ الضَّرْبَ بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا الْغَالِبُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَنَّهُ يُتْلِفُ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمْدَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُحَدِّدِ، وَهُوَ مَا يَقْطَعُ، وَيَدْخُلُ فِي الْبَدَنِ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالسِّنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُحَدِّدُ فَيَجْرَحُ، مِنْ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْحَجَرِ، وَالْقَصَبِ،
стр. 3637
وَالْخَشَبِ، فَهَذَا كُلُّهُ إذَا جَرَحَ بِهِ جُرْحًا كَبِيرًا، فَمَاتَ، فَهُوَ قَتْلٌ عَمْدٌ، لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَغِيرًا، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ، أَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةِ، أَوْ شَوْكَةٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ فِي مَقْتَلِ، كَالْعَيْنِ، وَالْفُؤَادِ، وَالْخَاصِرَةِ، وَالصُّدْغِ، وَأَصْلِ الْأُذُنِ، فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِذَلِكَ فِي الْمَقْتَلِ، كَالْجُرْحِ بِالسِّكِّينِ فِي غَيْرِ الْمَقْتَلِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ؛ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَغَ فِي إدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ، فَهُوَ كَالْجُرْحِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، وَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ، كَالْكَبِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْغَوْرُ يَسِيرًا، أَوْ جَرَحَهُ بِالْكَبِيرِ جُرْحًا لَطِيفًا، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ فَمَا دُونَهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمَّنَّا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا قِصَاصَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ، وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ حُصُولَ الْمَوْتِ بِغَيْرِهِ ظَاهِرًا، كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا، لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ مَوْتِهِ فِي الْحَالِ، وَمَوْتِهِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ وَالثَّانِي، فِيهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، أَوْ قَطَعَ أُنْمُلَتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إدَارَةُ الْحُكْمِ، وَضَبْطُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَجَبَ رَبْطُهُ بِكَوْنِهِ مُحَدَّدًا، وَلَا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْحِكْمَةِ فِي آحَادِ صُوَرِ الْمَظِنَّةِ، بَلْ يَكْفِي احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ فِيمَا إذَا بَقِيَ ضِمْنًا، مَعَ أَنَّ الْعَمْدَ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ اتِّحَادِ الْآلَةِ وَالْفِعْلِ، بِسُرْعَةِ الْإِفْضَاءِ وَإِبْطَائِهِ، وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً، وَهَذَا لَهُ سِرَايَةٌ وَمَوْرٌ، فَأَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةُ، وَلِلشَّافِعِيِّ، مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مَا ذَكَرْنَا.
النَّوْعُ الثَّانِي، الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ، مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الزَّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ
فَهَذَا عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَحَمَّادٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ: الْعَمْدُ مَا كَانَ بِالسِّلَاحِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِالنَّارِ. وَعَنْهُ فِي مُثْقَلِ الْحَدِيدِ رِوَايَتَانِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَإِ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» . فَسَمَّاهُ عَمْدَ الْخَطَإِ، وَأَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ الْعَمْدَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ، فَيَجِبُ ضَبْطُهُ بِمَظِنَّتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، لِحُصُولِ الْعَمْدِ بِدُونِهِ فِي الْجُرْحِ الصَّغِيرِ، فَوَجَبَ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ.
стр. 3638
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] . وَهَذَا مَقْتُولٌ ظُلْمًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . وَرَوَى أَنَسٌ «، أَنْ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا يُودِي، وَإِمَّا يُقَادُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُثْقَلِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ، وَقَرَنَ بِهِ الْحَجَرَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُشْبِهُهُمَا. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِمَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الْغَلَبَةِ بِهِ، وَإِذَا شَكَكْنَا، لَمْ نُوجِبْهُ مَعَ الشَّكِّ، وَصَغِيرُ الْجُرْحِ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالنَّارِ، أَوْ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ، يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، كَاللَّتِّ، وَالسِّنْدَانِ، وَالْمِطْرَقَةِ، أَوْ حَجَرٍ ثَقِيلٍ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ، وَحَدَّ الْخِرَقِيِّ الْخَشَبَةَ الْكَبِيرَةَ، بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، يَعْنِي الْعَمْدَ الَّتِي تَتَّخِذُهَا الْأَعْرَابُ لِبُيُوتِهَا، وَفِيهَا دِقَّةٌ، فَأَمَّا عَمَدُ الْخِيَامِ فَكَبِيرَةٌ، تَقْتُلُ غَالِبًا، فَلَمْ يُرِدْهَا الْخِرَقِيِّ وَإِنَّمَا حَدَّ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارِيَتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، قَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» . وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ بِعَمْدٍ.
وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، فَهُوَ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطًا، أَوْ صَخْرَةً، أَوْ خَشَبَةً عَظِيمَةً، أَوْ مَا أَشْبَهَ مِمَّا يُهْلِكُهُ غَالِبًا، فَيُهْلِكَهُ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا
النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ صَغِيرٍ، كَالْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ، أَوْ يَلْكُزَهُ بِيَدَيْهِ فِي مَقْتَلٍ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ؛ لَمَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ فِي زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ، بِحَيْثُ تَقْتُلُهُ تِلْكَ الضَّرْبَةُ، أَوْ كَرَّرَ الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ. وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ، لَوْ عَصَرَ خُصْيَتَهُ عَصْرًا شَدِيدًا فَقَتَلَهُ بِعَصْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ، إلَّا أَنْ يَصْغُرَ جِدًّا، كَالضَّرْبَةِ بِالْقَلَمِ وَالْإِصْبَعِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ الْقَتْلُ بِهِ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِهِ.
стр. 3639
وَكَذَلِكَ إنْ مَسَّهُ بِالْكَبِيرِ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَتْلِ، وَلَيْسَ هَذَا بِقَتْلٍ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَمْنَعَ خُرُوجَ نَفَسِهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ خِرَاطَةً، ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي خَشَبَةٍ أَوْ شَيْءٍ، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ، فَيَخْتَنِقُ وَيَمُوتُ، فَهَذَا عَمْدٌ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ، أَوْ بَقِيَ زَمَنًا، لِأَنَّ هَذَا أَوْحَى أَنْوَاعِ الْحَنَقِ، وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ مِنْ الْوُلَاةِ فِي اللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنْ الْمُفْسِدِينَ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْنُقَهُ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ، أَوْ مِنْدِيلٍ، أَوْ حَبْلٍ، أَوْ يُغَمِّهِ بِوِسَادَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ، أَوْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيَمُوتَ، فَهَذَا إنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقِصَاصُ. وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا فِي الْعَادَةِ، بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْمَوْتُ مِنْهُ، فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ لَمْسِهِ.
وَإِنْ خَنَقَهُ، وَتَرَكَهُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ، وَإِنْ تَنَفَّسَ وَصَحَّ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَا قَوَدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ثُمَّ مَاتَ
النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يُلْقِيه فِي مَهْلَكَةٍ، وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ كَرَأْسِ جَبَلٍ، أَوْ حَائِطٍ عَالٍ، يَهْلِكُ بِهِ غَالِبًا، فَيَمُوتَ، فَهُوَ عَمْدٌ. الثَّانِي: أَنْ يُلْقِيَهُ فِي نَارٍ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ، إمَّا لِكَثْرَةِ الْمَاءِ وَالنَّارِ، وَإِمَّا لِعَجْزِهِ عَنْ التَّخَلُّصِ، لَمَرَضٍ، أَوْ ضَعْفٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كَوْنِهِ مَرْبُوطًا، أَوْ مَنَعَهُ الْخُرُوجَ، أَوْ كَوْنِهِ فِي حُفْرَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصُّعُودِ مِنْهَا، وَنَحْوُ هَذَا، أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ ذَاتِ نَفَسٍ، فَمَاتَ بِهِ، عَالِمًا بِذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا. وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، فَلَبِثَ فِيهِ اخْتِيَارًا حَتَّى مَاتَ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا حَصَلَ مَوْتُهُ بِلُبْثِهِ فِيهِ، وَهُوَ فِعْلُ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ.
وَإِنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا، أَوْ كَوْنِهِ فِي طَرَفٍ مِنْهَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ؛ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ، فَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ لِنَفْسِهِ بِإِقَامَتِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ، لَكِنْ يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ النَّارُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالْإِلْقَاءِ الْمُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ، وَتَرْكُ التَّخَلُّصِ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ، كَمَا لَوْ فَصَدَهُ
стр. 3640
فَتَرَك شَدَّ فَصَادِهِ مَعَ إمْكَانِهِ، أَوْ جَرَحَهُ فَتَرَكَ مُدَاوَاةَ جُرْحِهِ، وَفَارَقَ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْلِكُ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ النَّاسُ لِلْغُسْلِ وَالسِّبَاحَةِ وَالصَّيْدِ، وَأَمَّا النَّارُ فَيَسِيرُهَا يُهْلِكُ. وَإِنَّمَا تُعْلَمُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّخَلُّصِ بِقَوْلِهِ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى التَّخَلُّصِ. أَوْ نَحْوَ هَذَا؛ لِأَنَّ النَّارَ لَهَا حَرَارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَرُبَّمَا أَزْعَجَتْهُ حَرَارَتُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ، أَوْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ بِأَلَمِهَا وَرَوْعَتِهَا. وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي لُجَّةٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي مَهْلَكَةٍ فَهَلَكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَرِقَ فِيهَا. وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ آدَمِيُّ آخَرُ.
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ، فَأَكَلَهُ سَبُعٌ، أَوْ الْتَقَمَهُ حُوتٌ أَوْ تِمْسَاحٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِهِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَسَدٍ أَوْ نَمِرٍ، فِي مَكَان ضَيِّقٍ، كَزُبْيَةِ وَنَحْوِهَا، فَيَقْتُلَهُ، فَهَذَا عَمْدٌ، فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا فَعَلَ السَّبُعُ بِهِ فِعْلًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ الْآدَمِيُّ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِهِ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ صَارَ آلَةً لِلْآدَمِيِّ، فَكَانَ فِعْلُهُ. كَفِعْلِهِ. وَإِنْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بَيْنَ يَدَيْ الْأَسَدِ، أَوْ النَّمِرِ، فِي فَضَاءٍ، فَأَكَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ. وَكَذَلِكَ إنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، فَنَهَشَتْهُ فَقَتَلَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَسَدَ وَالْحَيَّةَ يَهْرُبَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَكَانَ عَمْدًا مَحْضًا، كَسَائِرِ الصُّوَرِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُمَا يَهْرُبَانِ. غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْأَسَدَ يَأْخُذُ الْآدَمِيَّ الْمُطْلَقَ، فَكَيْفَ يَهْرُبُ مِنْ مَكْتُوفٍ أُلْقِيَ إلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ، وَالْحَيَّةُ إنَّمَا تَهْرُبُ فِي مَكَان وَاسِعٍ، أَمَّا إذَا ضَاقَ الْمَكَانُ، فَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا بِالنَّهْشِ، عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَنْ أُلْقِيَ مَكْتُوفًا فِي أَرْضٍ مُسَبَّعَةٍ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ، فَقَتَلَتْهُ، أَنَّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ. وَهَذَا تَنَاقُضٌ شَدِيدٌ؛ فَإِنَّهُ نَفَى الضَّمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي صُورَةٍ كَانَ الْقَتْلُ فِيهَا أُغْلَبَ، وَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي صُورَةٍ كَانَ فِيهَا أَنْدَرَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ هَاهُنَا، وَيَجِبُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا مُتَعَمِّدًا تَلِفَ بِهِ. لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا.
وَإِنْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً أَوْ سَبُعًا فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، كَثُعْبَانِ الْحِجَازِ، أَوْ سَبُعٍ صَغِيرٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، فِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ، وَهَذَا جُرْحٌ، وَلِأَنَّ الْحَيَّةَ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا.
стр. 3641
وَالثَّانِي: هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَشْبَهَ الضَّرْبَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ. وَإِنْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مُسَبَّعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ، أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، فَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ. وَلَنَا، أَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا عَمْدًا، فَأَفْضَى إلَى هَلَاكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا فَمَاتَ. وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَاهُ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْهَدْ وُصُولَ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ وُصُولِ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَاتَ بِهَا، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، إمَّا لِكَوْنِهَا تَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَعَدَمَهُ، أَوْ لَا تُعْهَدُ أَصْلًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْبِسَهُ فِي مَكَان، وَيَمْنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مُدَّةً لَا يَبْقَى فِيهَا حَتَّى يَمُوتَ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ، فَإِذَا كَانَ عَطْشَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، مَاتَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَإِنْ كَانَ رَيَّانَ وَالزَّمَنُ بَارِدٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ، لَمْ يَمُتْ إلَّا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ فَيُعْتَبَرُ هَذَا فِيهِ. وَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَفِيهِ الْقَوَدُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ. وَإِنْ شَكَكْنَا فِيهَا، لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ، لَا سِيَّمَا الْقِصَاصُ الَّذِي يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ
النَّوْعُ الْخَامِسُ: أَنْ يَسْقِيَهُ سُمًّا، أَوْ يُطْعِمَهُ شَيْئًا قَاتِلًا، فَيَمُوتَ بِهِ، فَهُوَ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَقْتُلُ غَالِبًا. وَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ، وَقَدَّمَهُ إلَيْهِ، فَأَكَلَهُ أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَأَكَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ مُخْتَارًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا، فَطَعَنَ بِهَا نَفْسَهُ، وَلِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَوَى «، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَقْتُلْهَا النَّبِيُّ ﷺ » قَالَ: وَهَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَلَنَا، خَبَرُ الْيَهُودِيَّةِ، فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ فِيهِ: فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُتِلَتْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَيُتَّخَذُ طَرِيقًا إلَى الْقَتْلِ كَثِيرًا، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ. فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ مِنْهُ. وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يُقْتَلَ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ فَلَمَّا مَاتَ، أَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَأَلَهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَقَتَلَهَا، فَنَقَلَ أَنَسٌ صَدْرَ الْقِصَّةِ دُونَ آخِرِهَا.
стр. 3642
وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، جَمْعًا بَيْن الْخَبَرَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ قَتْلَهَا؛ لِكَوْنِهَا مَا قَصَدَتْ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ، إنَّمَا قَصَدَتْ قَتَلَ النَّبِيِّ ﷺ فَاخْتَلَّ الْعَمْدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بِشْرٍ، وَفَارَقَ تَقْدِيمَ السِّكِّينِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقَدَّمُ إلَى الْإِنْسَانِ لِيَقْتُلَ بِهَا نَفْسَهُ، إنَّمَا تُقَدَّمُ إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَضَرَّتِهَا وَنَفْعِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُدِّمَ إلَيْهِ السُّمُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ.
فَأَمَّا إنْ خَلَطَ السُّمَّ بِطَعَامِ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَدَخَلَ إنْسَانٌ فَأَكَلَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَوَقَعَ فِيهَا، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ قَتْلَ الْآكِلِ، مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ظَالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دَارِهِ، فَتَرَكَ السُّمَّ فِي الطَّعَامِ لِيَقْتُلهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إذَا دَخَلَ لِيَسْرِقَ مِنْهَا، وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ بِإِذْنِهِ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ لِذَلِكَ. وَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ، أَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا مَسْمُومًا، وَأَخْبَرَهُ بِسُمِّهِ فَأَكَلَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ عَالِمًا بِحَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا، فَوَجَأَ بِهَا نَفْسَهُ. وَإِنْ سَقَى إنْسَانًا سُمًّا، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ، فَأَكَلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَكَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ. فَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا أَوْ لَا؟ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ، عُمِلَ بِهَا. وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: هُوَ يَقْتُلُ النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ الْقَوِيِّ. أَوْ غَيْرَ هَذَا، عُمِلَ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَةِ مَا سَقَى. وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتِلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَاتِلٌ. فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ السُّمَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَاتِلٌ. وَهَذِهِ شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْقَوَدُ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَيَلْزَمُهُ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِسِكِّينِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ كَانَ مِمَّا يَقْتُلُ وَلَا يَقْتُلُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدُ الْخَطَإِ، فَأَشْبَهَ ضَرْبَ الْعَصَا
النَّوْعُ السَّابِعُ: أَنْ يَتَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يُكْرِهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ، فَيَقْتُلَهُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ جَمِيعًا، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ دُونَ الْمُبَاشِرِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ -
стр. 3643
: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَنَقْلِ فِعْلِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُكْرَهِ، كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ عَلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّبَبِ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ، وَالْآمِرِ مَعَ الْقَاتِلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَفِي الْمُكْرَهِ قَوْلَانِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ، فَهُوَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ، وَالْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ، فَأَشْبَهَ الْمَرْمِيَّ بِهِ عَلَى إنْسَانٍ. وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ، أَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْسَعَهُ حَيَّةً، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَى أَسَدٍ فِي زُبْيَةٍ. وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ، أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا ظُلْمًا لِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ. غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الِامْتِنَاعِ، وَلِذَلِكَ أَثِمَ بِقَتْلِهِ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ عِنْد الْإِكْرَاهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ فِي قَتْلِهِ نَجَاةَ نَفْسِهِ، وَخَلَاصَهُ مِنْ شَرِّ الْمُكْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْقَاتِلَ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ. وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا دِيَةَ عَلَى الْمُكْرَهِ؛ بِنَاءً مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ آلَةٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ، وَإِنَّمَا هُمَا شَرِيكَانِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا، كَالشَّرِيكَيْنِ بِالْفِعْلِ، وَكَمَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْمُبَاشِرِ، وَالرِّدْءِ وَالْمُبَاشِرِ فِي الْمُحَارَبَةِ. فَعَلَى هَذَا، إنْ أَحَبَّ الْوَلِيُّ قَتْلَ أَحَدِهِمَا، وَأَخْذَ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ الْعَفْوَ عَنْهُ، فَلَهُ ذَلِكَ.
الضَّرْب الثَّانِي: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، فَقُتِلَ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا، وَاعْتَرَفَا بِتَعَمُّدِ الْقَتْلِ ظُلْمًا، وَكَذِبِهِمَا فِي شَهَادَتِهِمَا، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ، فَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ، فَقَطَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا، لَقَطَعْت أَيْدِيَكُمَا. وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ يَدِهِ. وَلِأَنَّهُمَا تَوَصَّلَا إلَى قَتْلِهِ بِسَبَبٍ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، كَالْمُكْرِهِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ، الْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ، عَالِمًا بِذَلِكَ مُتَعَمِّدًا فَقَتَلَهُ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ،
стр. 3644
وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الشَّاهِدَيْنِ، وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ أَقَرَّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِ الشُّهُودِ، وَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ أَقَرَّ الشَّاهِدَانِ وَالْحَاكِمُ وَالْوَلِيُّ جَمِيعًا بِذَلِكَ، فَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ عَمْدًا وَعُدْوَانًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ، وَالْمُبَاشَرَةُ تُبْطِلُ حُكْمَ السَّبَبِ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ. وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا لَمْ يُقِرَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِ ظُلْمًا، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَالْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَسَبِّبُونَ. وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْحَاكِمِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ تَسَبُّبَهُ أَخَصُّ مِنْ تَسَبُّبِهِمْ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ وَقَتْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاشِرَ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ.
وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الْمُقِرُّ بِالتَّعَمُّدِ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ، وَإِنَّمَا وَكَّلَ فِيهِ، نَظَرْت فِي الْوَكِيلِ؛ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ، وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا، فَهُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْقَتْلِ عَمْدًا ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، فَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَتْلُ الْعَمْدُ فِيهِ الْقَوَدُ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ]
(٦٥٨٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَفِيهِ الْقَوَدُ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعَمْدِ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنهمْ فِي وُجُوبِهِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ خِلَافًا، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ بِعُمُومِهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ مِنْهُ، شَفَقَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ، فَتَبْقَى الْحَيَاةُ فِي مَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ. وَقِيلَ: إنَّ الْقَاتِلَ تَنْعَقِدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَةِ الْمَقْتُولِ، فَيُرِيدُ قَتْلَهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ. وَيُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ قَبِيلَتِهِ اسْتِيفَاءً، فَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَطْعٌ لِسَبَبِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] . الْآيَةَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ، أَوْ خَبَلٍ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ أَنْ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ»
стр. 3645
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ؛ أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ، أَوْ يَقْتُلُوا» .
وَقَالَ ﵇: «الْعَمْدُ قَوَدٌ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ» . وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ قَتَلَ عَامِدًا، فَهُوَ قَوَدٌ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: «مَنْ قَتَلَ عَامِدًا، فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» . وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ. يَعْنِي إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءُ يَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ، فَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَلَبِهِ، وَلَوْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، لَمْ يَكُنْ لِشُرَكَائِهِ الْقِصَاصُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَيَخْتَارَ الْقِصَاصَ، أَوْ يُوَكِّلَ، وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ وَيَخْتَارَاهُ. وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا. يَعْنِي مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ، فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا. اُشْتُرِطَ كَوْنُ الْمَقْتُولِ حُرًّا مُسْلِمًا لِتَتَحَقَّقَ الْمُكَافَأَةُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يُكَافِئُ الْمُسْلِمَ، وَالْعَبْدَ لَا يُكَافِئُ الْحُرَّ.
[فَصْلٌ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ يُقَادُ بِهِ قَاتِلُهُ]
فَصْلٌ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ يُقَادُ بِهِ قَاتِلُهُ، وَإِنْ كَانَ مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ، مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ، وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ، أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ. وَكَذَلِكَ إنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَالسُّلْطَانِ وَالسُّوقَةِ، وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الصِّفَاتِ، لَمْ يَمْنَعْ الْقِصَاصَ، بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُمُومَاتُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» . وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَات وَالْفَضَائِلِ، يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ الْقِصَاصِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفَوَاتِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُهُ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ.
[فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]
فَصْلٌ: (٦٥٨٥) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بَلْ مَتَى قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا عَامِدًا عَالِمًا بِإِسْلَامِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يُهَاجِرْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ هَاجَرَ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ، عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَاجَرَ، ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، كَرَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَقَتَلَ
следующие страницы →