Полный текст (5 009 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
[فَصْلٌ سَرَقَ الْخَيْمَةَ والخركاه وَكَانَ فِيهَا أَحَدٌ نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا]
(٧٢٥٨) فَصْلٌ: وَالْخَيْمَةُ والخركاه إنْ نُصِبَتْ، وَكَانَ فِيهَا أَحَدٌ نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ وَمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تُحْرَزُ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ [لَمْ] يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ، وَلَا عِنْدَهَا حَافِظٌ، فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ الْفُسْطَاطِ؛ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا: يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ الْفُسْطَاطِ، دُونَ سَارِقِ الْفُسْطَاطِ. وَلَنَا أَنَّهُ مُحْرَزٌ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، أَشْبَهَ مَا فِيهِ.
[فَصْلٌ حِرْزُ الْبَقْلِ وَقُدُورِ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهَا]
(٧٢٥٩) فَصْلٌ: وَحِرْزُ الْبَقْلِ، وَقُدُورِ الْبَاقِلَاءِ، وَنَحْوِهَا بِالشَّرَائِحِ مِنْ الْقَصَبِ أَوْ الْخَشَبِ، إذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ، وَحِرْزُ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ وَالْقَصَبِ فِي الْحَظَائِرِ، وَتَعْبِئَةُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَيْدٍ، بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي فُنْدُقٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُحْرَزًا وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ.
[فَصْلٌ حِرْزُ الْإِبِلِ]
(٧٢٦٠) فَصْلٌ: وَالْإِبِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرَابٍ؛ بَارِكَةٌ، وَرَاعِيَةٌ، وَسَائِرَةٌ، فَأَمَّا الْبَارِكَةُ: فَإِنْ كَانَ مَعَهَا حَافِظٌ لَهَا، وَهِيَ مَعْقُولَةٌ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً، وَكَانَ الْحَافِظُ نَاظِرًا إلَيْهَا، أَوْ مُسْتَيْقِظًا بِحَيْثُ يَرَاهَا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا، أَوْ مَشْغُولًا عَنْهَا، فَلَيْسَتْ مُحْرَزَةً؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرُّعَاةَ إذَا أَرَادُوا النَّوْمَ عَقَلُوا إبِلَهُمْ؛ وَلِأَنَّ حَلَّ الْمَعْقُولَةِ يُنَبِّهُ النَّائِمَ وَالْمُشْتَغِلَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ، فَهِيَ غَيْرُ مُحْرَزَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْقُولَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَأَمَّا الرَّاعِيَةُ: فَحِرْزُهَا بِنَظَرِ الرَّاعِي إلَيْهَا، فَمَا غَابَ عَنْ نَظَرِهِ، أَوْ نَامَ عَنْهُ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ؛ لِأَنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّمَا تُحْرَزُ بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ، وَأَمَّا السَّائِرَةُ: فَإِنْ كَانَ مَعَهَا مَنْ يَسُوقُهَا، فَحِرْزُهَا نَظَرُهُ إلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَطَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُقَطَّرَةٍ. وَمَا كَانَ مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ. وَإِنْ كَانَ مَعَهَا قَائِدٌ، فَحِرْزُهَا أَنْ يُكْثِرَ الِالْتِفَاتَ إلَيْهَا، وَالْمُرَاعَاةَ لَهَا، وَيَكُونَ بِحَيْثُ يَرَاهَا إذَا الْتَفَتَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْرِزُ الْقَائِدُ إلَّا الَّتِي زِمَامُهَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ، وَلَا يَرَاهَا إلَّا نَادِرًا، فَيُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. وَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي حِفْظِ الْإِبِلِ الْمُقَطَّرَةِ بِمُرَاعَاتِهَا، بِالِالْتِفَاتِ، وَإِمْسَاكِ زِمَامِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ حِرْزًا لَهَا، كَاَلَّتِي زِمَامُهَا فِي يَدِهِ.
فَإِنْ سَرَقَ مِنْ أَحْمَالِ الْجِمَالِ السَّائِرَةِ الْمُحْرَزَةِ مَتَاعًا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، قُطِعَ، وَكَذَلِكَ
стр. 4027
إنْ سَرَقَ الْجَمَلَ، وَإِنْ سَرَقَ الْجَمَلَ بِمَا عَلَيْهِ، وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ نَائِمًا عَلَيْهِ، قُطِعَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْحِمْلِ مُحْرَزٌ بِهِ، فَإِذَا أَخَذَ جَمِيعَهُ، لَمْ يَهْتِكْ حِرْزَ الْمَتَاعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ سَرَقَ أَجْزَاءَ الْحِرْزِ.
وَلَنَا أَنَّ الْجَمَلَ مُحْرَزٌ بِصَاحِبِهِ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا، فَقَدْ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ الْمَتَاعَ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ سَرِقَةَ الْحِرْزِ مِنْ حِرْزِهِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ، فَإِنَّهُ لَوْ سَرَقَ الصُّنْدُوقَ بِمَا فِيهِ مِنْ بَيْتٍ هُوَ مُحْرَزٌ فِيهِ، وَجَبَ قَطْعُهُ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْإِبِلِ الَّتِي فِي الصَّحْرَاءِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الْبُيُوتِ وَالْمَكَانِ الْمُحْصَنِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الثِّيَابِ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ. وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمَوَاشِي كَالْحُكْمِ فِي الْإِبِلِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهَا.
[فَصْلٌ سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ وَلَا حَافِظَ فِيهِ]
(٧٢٦١) فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ، وَلَا حَافِظَ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَافِظٌ. فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ عَلَى سَارِقِ الْحَمَّامِ قَطْعٌ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْحَمَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَتَاعِ قَاعِدٌ، مِثْلَ مَا صُنِعَ بِصَفْوَانَ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ مِنْ الْبَيْتِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي دُخُولِهِ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ النَّاسِ إلَيْهِ يَكْثُرُ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْحَافِظُ مِنْ حِفْظِ مَا فِيهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ إذَا كَانَ فِيهِ حَافِظٌ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ مَتَاعٌ لَهُ حَافِظٌ، فَيَجِبُ قَطْعُ سَارِقِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَهَذَا يُفَارِقُ مَا فِي الْبَيْتِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ صَاحِبُ الثِّيَابِ قَاعِدًا عَلَيْهَا، أَوْ مُتَوَسِّدًا لَهَا، أَوْ جَالِسًا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْفَظُهَا، قُطِعَ سَارِقُهَا بِكُلِّ حَالٍ، كَمَا قُطِعَ سَارِقُ رِدَاءِ صَفْوَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ لَهُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ نَائِبُ صَاحِبِ الثِّيَابِ، إمَّا الْحَمَّامِيُّ وَإِمَّا غَيْرُهُ حَافِظًا لَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، قُطِعَ سَارِقُهَا؛ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ نَزَعَ الدَّاخِلُ ثِيَابَهُ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلَمْ يَسْتَحْفِظْهَا لِأَحَدٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا، وَلَا غُرْمَ عَلَى الْحَمَّامِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُودَعٍ فَيَضْمَنَ، وَلَا هِيَ مُحْرَزَةٌ فَيُقْطَعَ سَارِقُهَا، وَإِنْ اسْتَحْفَظَهَا الْحَمَّامِيَّ، فَهُوَ مُودَعٌ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاتُهَا بِالنَّظَرِ وَالْحِفْظِ، فَإِنْ تَشَاغَلَ عَنْهَا، أَوْ تَرَكَ النَّظَرَ إلَيْهَا، فَسُرِقَتْ، فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ لِتَفْرِيطِهِ، وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ. وَإِنْ تَعَاهَدَهَا الْحَمَّامِيُّ بِالْحِفْظِ وَالنَّظَرِ، فَسُرِقَتْ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ. وَلَوْ اسْتَحْفَظَ رَجُلٌ آخَرَ
стр. 4028
مَتَاعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَسُرِقَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّطَ فِي مُرَاعَاتِهِ وَنَظَرِهِ إلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ إذَا كَانَ الْتَزَمَ حِفْظَهُ، وَأَجَابَهُ إلَى مَا سَأَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ، لَكِنْ سَكَتَ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ؛ لِأَنَّهُ مَا قَبِلَ الِاسْتِيدَاعَ، وَلَا قَبَضَ الْمَتَاعَ، وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ.
وَإِنْ حَفِظَ الْمَتَاعَ بِنَظَرِهِ إلَيْهِ، وَقُرْبِهِ مِنْهُ، فَسُرِقَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ. وَيُفَارِقُ الْمَتَاعَ فِي الْحَمَّامِ، فَإِنَّ الْحِفْظَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَضَعُ بَعْضُهُمْ ثِيَابَهُ عِنْدَ ثِيَابِ بَعْضٍ وَيَشْتَبِهُ عَلَى الْحَمَّامِيِّ صَاحِبُ الثِّيَابِ، فَلَا يُمْكِنُهُ مَنْعُ أَخْذِهَا؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَالِكِهَا.
[فَصْلٌ حِرْزُ حَائِطِ الدَّارِ]
(٧٢٦٢) فَصْلٌ: وَحِرْزُ حَائِطِ الدَّارِ كَوْنُهُ مَبْنِيًّا فِيهَا، إذَا كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ، أَوْ كَانَتْ فِي الصَّحْرَاءِ وَفِيهَا حَافِظٌ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَائِطِ أَوْ خَشَبِهِ نِصَابًا فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَجَبَ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ حِرْزٌ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ حِرْزًا لِنَفْسِهِ. وَإِنْ هَدَمَ الْحَائِطَ وَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَتَاعَ فِي الْحِرْزِ وَلَمْ يَسْرِقْهُ. وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ حِرْزًا لِمَا فِيهَا، كَدَارٍ فِي الصَّحْرَاءِ، لَا حَافِظَ فِيهَا، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ حَائِطِهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ حِرْزًا لِمَا فِيهَا، فَلِنَفْسِهَا أَوْلَى.
وَأَمَّا بَابُ الدَّارِ: فَإِنْ كَانَ مَنْصُوبًا فِي مَكَانِهِ، فَهُوَ مُحْرَزٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا يُحْفَظُ، وَعَلَى سَارِقِهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُحْرَزَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا أَبْوَابُ الْخَزَائِنِ فِي الدَّارِ، فَإِنْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مُغْلَقًا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَفْتُوحَةً أَوْ مُغْلَقَةً، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا، لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُغْلَقَةً، أَوْ يَكُونَ فِي الدَّارِ حَافِظٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الدَّارِ وَبَابِ الْخِزَانَةِ، أَنَّ أَبْوَابَ الْخَزَائِنِ تُحْرَزُ بِبَابِ الدَّارِ، وَبَابُ الدَّارِ لَا يُحْرَزُ إلَّا بِنَصْبِهِ، وَلَا يُحْرَزُ بِغَيْرِهِ. وَأَمَّا حَلْقَةُ الْبَابِ: فَإِنْ كَانَتْ مَسْمُورَةً، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهَا تُحْرَزُ بِتَسْمِيرِهَا.
[فَصْلٌ سَرَقَ بَابَ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا أَوْ بَابَ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَ أَوْ سَرَقَ مِنْ سَقْفِهِ شَيْئًا أَوْ تَأْزِيرِهِ]
(٧٢٦٣) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ بَابَ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا، أَوْ بَابَ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَ، أَوْ سَرَقَ مِنْ سَقْفِهِ شَيْئًا، أَوْ تَأْزِيرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، صَاحِبِ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مِثْلُهُ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَبَابِ بَيْتِ الْآدَمِيِّ. وَالثَّانِي: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ، كَحُصْرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَلَمْ
стр. 4029
يُقْطَعْ بِهِ، كَالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَةِ الْكَعْبَةِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَتْ بِمَخِيطَةٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُحْرَزُ بِخِيَاطَتِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِيهَا بِحَالٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ.
[فَصْلٌ أَجَّرَ دَارِهِ ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَأْجِرِ]
(٧٢٦٤) فَصْلٌ: وَإِذَا أَجَّرَ دَارِهِ، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْدُثُ فِي مِلْكِ الْآجِرِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ. وَلَنَا أَنَّهُ هَتَكَ حِرْزًا، وَسَرَقَ مِنْهُ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ لَهُ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ. وَمَا قَالَاهُ لَا نُسَلِّمُهُ. وَلَوْ اسْتَعَارَ دَارًا فَنَقَبَهَا الْمُعِيرُ، وَسَرَقَ مَالَ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهَا، قُطِعَ أَيْضًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مِلْكٌ لَهُ، فَمَا هَتَكَ حِرْزَ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ مَتَى شَاءَ، وَهَذَا يَكُونُ رُجُوعًا.
وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حِرْزًا لِمَالِ غَيْرِهِ، لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ بَيْتًا فَأَحْرَزَ فِيهِ مَالَهُ فَسَرَقَهُ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ]
(٧٢٦٥) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ بَيْتًا، فَأَحْرَزَ فِيهِ مَالَهُ، فَسَرَقَهُ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ بِحِرْزِهِ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِهِ، ظَالِمًا فِيهِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ مَالِ مُضِيفِهِ شَيْئًا نَظَرْت]
فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ مَالِ مُضِيفِهِ شَيْئًا، نَظَرْت، فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِيهِ، أَوْ مَوْضِعٍ لَمْ يُحْرِزْهُ عَنْهُ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ مُحْرَزٍ دُونَهُ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ مَنَعَهُ قِرَاهُ، فَسَرَقَ بِقَدْرِهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ قِرَاهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الضَّيْفِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إحْدَى الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُضِيفَ بَسَطَهُ فِي بَيْتِهِ وَمَالِهِ، فَأَشْبَهَ ابْنَهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْرَزًا عَنْهُ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَالْأَجْنَبِيِّ. وَقَوْلُهُ: إنَّهُ بَسَطَهُ فِيهِ. لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ أَحْرَزَ عَنْهُ هَذَا الْمَالَ، وَلَمْ يَبْسُطْهُ فِيهِ، وَتَبَسُّطُهُ فِي غَيْرِهِ لَا يُوجِبُ تَبَسُّطَهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى مِسْكِينٍ بِصَدَقَةٍ، أَوْ أَهْدَى إلَى صَدِيقِهِ هَدِيَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ أَهْدَى إلَيْهِ.
стр. 4030
[فَصْلٌ أَحْرَزَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ أَوْ الْمَالَ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ فَسَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ]
(٧٢٦٧) فَصْلٌ: وَإِذَا أَحْرَزَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ، أَوْ الْوَدِيعَةِ، أَوْ الْعَارِيَّةِ، أَوْ الْمَالَ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ، فَسَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ مَنَابَ الْمَالِكِ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَإِحْرَازِهِ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ. وَإِنْ غَصَبَ عَيْنًا وَأَحْرَزَهَا، أَوْ سَرَقَهَا وَأَحْرَزَهَا، فَسَرَقَهَا سَارِقٌ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَقَوْلِنَا فِي السَّارِقِ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الْغَاصِبِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ الْمَالَ مِنْ مَالِكِهِ، وَلَا مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ ضَائِعًا فَأَخَذَهُ، وَفَارَقَ السَّارِقَ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنَّهُ أَزَالَ يَدَهُ، وَسَرَقَ مِنْ حِرْزِهِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ نِصَابًا أَوْ غَصَبَهُ فَأَحْرَزَهُ فَجَاءَ الْمَالِكُ فَهَتَكَ الْحِرْزَ وَأَخَذَ مَالَهُ]
(٧٢٦٨) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ نِصَابًا، أَوْ غَصَبَهُ فَأَحْرَزَهُ، فَجَاءَ الْمَالِكُ، فَهَتَكَ الْحِرْزَ؛ وَأَخَذَ مَالَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ سَرِقَةً أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ. وَإِنْ سَرَقَ غَيْرَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَأَخْذِ مَالِهِ، فَصَارَ كَالسَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ؛ وَلِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ قَدْرِ مَالِهِ، لِذَهَابِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْإِنْسَانِ قَدْرَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ مَالِهِ إذَا عَجَزَ عَنْ أَخْذِ مَالِهِ، وَهَذَا أَمْكَنَهُ أَخْذُ مَالِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا أَخَذَ مَالَهُ، وَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ نِصَابًا مُتَمَيِّزًا عَنْ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِمَالِهِ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ مِنْهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ الَّذِي لَهُ أَخْذُهُ، وَحَصَّلَ غَيْرَهُ مَأْخُوذًا ضَرُورَةَ أَخْذِهِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْطَعَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ فِي أَخْذِهِ شُبْهَةً، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. فَأَمَّا إنْ سَرَقَ مِنْهُ مَالًا آخَرَ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ مَالُهُ، أَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ، فَسَرَقَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ مِنْ حِرْزِهِ، نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ أَوْ الْغَرِيمُ بَاذِلًا لِمَا عَلَيْهِ، غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ أَدَائِهِ، أَوْ قَدَرَ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ فَتَرَكَهُ وَسَرَقَ مَالَ الْغَاصِبِ أَوْ الْغَرِيمِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَسَرَقَ قَدْرَ دَيْنِهِ، أَوْ حَقِّهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ الْقَطْعُ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ دَيْنِهِ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِهِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَتَحْرِيمُ الْأَخْذِ لَا يَمْنَعُ الشُّبْهَةَ النَّاشِئَةَ عَنْ الِاخْتِلَافِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. فَإِنْ سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ، فَهُوَ كَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ، عَلَى مَا مَضَى.
стр. 4031
[فَصْلٌ إخْرَاجُ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ]
(٧٢٦٩) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، فَمَتَى أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، سَوَاءٌ حَمَلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ، أَوْ تَرَكَهُ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِأَنْ حَمَلَهُ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ، أَوْ شَدَّ فِيهِ حَبْلًا ثُمَّ خَرَجَ فَمَدَّهُ بِهِ، أَوْ شَدَّهُ عَلَى بَهِيمَةٍ ثُمَّ سَاقَهَا بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهَا، أَوْ تَرَكَهُ فِي نَهْرٍ جَارٍ، فَخَرَجَ بِهِ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ يَجِبُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لَهُ، إمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِآلَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ، فَأَخْرَجَهُ، وَسَوَاءٌ دَخَلَ الْحِرْزَ فَأَخْرَجَهُ، أَوْ نَقَبَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ إلَيْهِ يَدَهُ أَوْ عَصًا لَهَا شُجْنَةٌ فَاجْتَذَبَهُ بِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ صَغِيرًا لَا يُمْكِنُهُ دُخُولُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ بِمَا أَمْكَنَهُ، فَأَشْبَهَ الْمُخْتَلِسَ. وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَطْعِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْبَيْتُ ضَيِّقًا، وَيُخَالِفُ الْمُخْتَلِسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ. وَإِنْ رَمَى الْمَتَاعَ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ فَأَخْرَجَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ مِنْهُ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِعْلُ الرِّيحِ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا، فَأَعَانَتْ الرِّيحُ السَّهْمَ حَتَّى قَتَلَ الصَّيْدَ، حَلَّ، وَلَوْ رَمَى الْجِمَارَ، فَأَعَانَتْهَا الرِّيحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى، اُحْتُسِبَ بِهِ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِي الْمَاءِ فَجَرَى بِهِ فَأَخْرَجَهُ، وَلَوْ أَمَرَ صَبِيًّا لَا يُمَيِّزُ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ، فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى دَابَّةٍ، فَخَرَجَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ سَوْقِهَا، أَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، فَانْفَتَحَ فَخَرَجَ الْمَتَاعُ، أَوْ عَلَى حَائِطٍ فِي الدَّارِ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ خُرُوجِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَاقَ الْبَهِيمَةَ، أَوْ فَتْحَ الْمَاءَ، وَحَلَّقَ الثَّوْبَ فِي الْهَوَاءِ. وَالثَّانِي: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ آلَةً لِلْإِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ الْمَتَاعُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، وَالْبَهِيمَةُ لَهَا اخْتِيَارٌ لِنَفْسِهَا.
[فَصْلٌ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ بَيْتٍ فِي الدَّارِ أَوْ الْخَانِ إلَى الصَّحْنِ]
(٧٢٧٠) فَصْلٌ: وَإِذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ بَيْتٍ فِي الدَّارِ، أَوْ الْخَانِ إلَى الصَّحْنِ، فَإِنْ كَانَ بَابُ الْبَيْتِ مُغْلَقًا، فَفَتَحَهُ أَوْ نَقَبَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْحِرْزِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا، فَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَيْتِ إلَى الدَّارِ، يُقْطَعُ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى.
стр. 4032
[فَصْلٌ الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ وَإِنْ اخْتَلَسَ لَمْ يُقْطَعْ]
(٧٢٧١) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ، وَإِنْ اخْتَلَسَ لَمْ يُقْطَعْ. وَمَعْنَى الطَّرَّارِ: الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ جَيْبِ الرَّجُلِ أَوْ كُمِّهِ، أَوْ صُفْنِهِ، وَسَوَاءٌ بَطَّ مَا أَخَذَ مِنْهُ الْمَسْرُوقَ، أَوْ قَطَعَ الصُّفْنَ فَأَخَذَهُ، أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْجَيْبِ فَأَخَذَ مَا فِيهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ جَيْبِ الرَّجُلِ وَكُمِّهِ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
[فَصْلٌ دَخَلَ السَّارِقُ حِرْزًا فَاحْتَلَبَ لَبَنًا مِنْ مَاشِيَةٍ وَأَخْرَجَهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ]
(٧٢٧٢) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ السَّارِقُ حِرْزًا، فَاحْتَلَبَ لَبَنًا مِنْ مَاشِيَةٍ، وَأَخْرَجَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. بِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا. وَإِنْ شَرِبَهُ فِي الْحِرْزِ، أَوْ شَرِبَ مِنْهُ مَا يُنْقِصُ النِّصَابَ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ الْحِرْزِ نِصَابًا. وَإِنْ ذَبَحَ الشَّاةَ فِي الْحِرْزِ، أَوْ شَقَّ الثَّوْبَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا، وَقِيمَتُهُمَا بَعْدَ الشَّقِّ وَالذَّبْحِ نِصَابٌ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي الشَّاةِ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يُقْطَعُ عِنْدَهُ بِسَرِقَتِهِ، وَالثَّوْبُ إنْ شُقَّ أَكْثَرُهُ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ جَمِيعِهِ، فَيَكُونَ قَدْ أَخْرَجَهُ وَهُوَ مِلْكٌ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ.
وَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَابْتَلَعَ جَوْهَرَةً وَخَرَجَ، فَلَمْ تَخْرُجْ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا فِي الْحِرْزِ، وَإِنْ خَرَجَتْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا فِي وِعَائِهَا، فَأَشْبَهَ إخْرَاجَهَا فِي كُمِّهِ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا بِالْبَلْعِ، فَكَانَ إتْلَافًا لَهَا؛ وَلِأَنَّهُ مُلْجَأٌ إلَى إخْرَاجِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِدُونِهَا. وَإِنْ تَطَيَّبَ فِي الْحِرْزِ بِطِيبٍ، وَخَرَجَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ الطِّيبِ، مَا إذَا جُمِعَ كَانَ نِصَابًا، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجْتَمِعُ قَدْ أَتْلَفَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ نِصَابًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا. وَذُكِرَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، فِيمَا إذَا كَانَ مَا تَطَيَّبَ بِهِ يَبْلُغُ نِصَابًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَإِنْ نَقَصَ مَا يَجْتَمِعُ عَنْ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَإِنْ جَرَّ خَشَبَةً فَأَلْقَاهَا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ بَعْضَهَا مِنْ الْحِرْزِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْهَا مَا يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَنْفَرِدُ عَنْ بَعْضٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ الْغَاصِبُ طَرَفَ عِمَامَتِهِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ فِي يَدِ مَالِكِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا. وَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً فَأَخْرَجَ بَعْضَهُمَا.
[فَصْلٌ نَقَبَ الْحِرْزَ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا دُونَ النِّصَابِ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ]
(٧٢٧٣) فَصْلٌ: وَإِذَا نَقَبَ الْحِرْزَ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا دُونَ النِّصَابِ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ، نَظَرْت؛
стр. 4033
فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَرِقَةٌ مُفْرَدَةٌ لَا تَبْلُغُ نِصَابًا. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَيْنَهُمَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ. وَإِنْ تَقَارَبَا، وَجَبَ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّهَا سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا بُنِيَ فِعْلُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ، فَبِنَاءُ فِعْلِ الْوَاحِدِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ أَوْلَى.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ: كَوْنُ السَّارِقِ مُكَلَّفًا، وَثَبَتَتْ السَّرِقَةُ، وَيُطَالِبُ بِهَا الْمَالِكُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْتَفِي الشُّبُهَاتُ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَسْرُوقُ ثَمَرًا أَوْ كَثَرًا]
(٧٢٧٤) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ ثَمَرًا أَوْ كَثَرًا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ) يَعْنِي بِهِ الثَّمَرَ فِي الْبُسْتَانِ قَبْلَ إدْخَالِهِ الْحِرْزَ، فَهَذَا لَا قَطْعَ فِيهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
كَذَلِكَ الْكَثَرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ النَّخْلِ، وَهُوَ جُمَّارُ النَّخْلِ. رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ كَانَ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ بُسْتَانٍ مُحْرَزٍ، فَفِيهِ الْقَطْعُ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْ لَمْ يَصِحَّ خَبَرُ رَافِعٍ. قَالَ: وَلَا أَحْسَبُهُ ثَابِتًا. وَاحْتَجَّا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَبِقِيَاسِهِ عَلَى سَائِرِ الْمُحْرَزَاتِ.
وَلَنَا مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبُسْتَانَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِغَيْرِ الثَّمَرِ، فَلَا يَكُونُ حِرْزًا لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَحُوطًا، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ نَخْلَةٌ أَوْ شَجَرَةٌ فِي دَارٍ مُحْرِزَةٍ، فَسَرَقَ مِنْهَا نِصَابًا، فَفِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[فَصْلٌ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ]
(٧٢٧٥) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ؛ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ
стр. 4034
سَبَبًا يَدْفَعُهُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ غَرَامَةِ مِثْلَيْهِ. وَاعْتَذَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ، بِأَنَّهُ كَانَ حِينَ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ فِي الْأَمْوَالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ حُجَّةٌ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، إلَّا بِمُعَارَضَةِ مِثْلِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذَا الَّذِي اعْتَذَرَ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ دَعْوَى لِلْفَسْخِ بِالِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ هُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِقَوْلِهِ: " وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ". فَقَدْ بَيَّنَ وُجُوبَ الْقَطْعِ مَعَ إيجَابِ غَرَامَةِ مِثْلَيْهِ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَا قَالَهُ. وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ أَغْرَمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ انْتَحَرَ غِلْمَانُهُ نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، مِثْلَيْ قِيمَتِهَا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ الْحَدِيثَيْنِ فِي " سُنَنِهِ "، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِي الْمَاشِيَةِ تُسْرَقُ مِنْ الْمَرْعَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُحْرَزَةً، مِثْلَا قِيمَتِهَا؛ لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، «أَنَّ السَّائِلَ قَالَ: الشَّاةُ الْحَرِيسَةُ مِنْهُنَّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: ثَمَنُهَا وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَالْفِكَاكُ، وَمَا كَانَ فِي الْمُرَاحِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ. وَمَا عَدَا هَذَيْنِ لَا يُغْرَمُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا. هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، إلَّا أَبَا بَكْرٍ. فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى إيجَابِ غَرَامَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ بِمِثْلَيْهِ، قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَحَرِيسَةِ الْجَبَلِ، وَاسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ حَاطِبٍ.
وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ غَرَامَةِ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ، وَالْمُتَقَوَّمِ بِقِيمَتِهِ بِدَلِيلِ الْمُتْلَفِ وَالْمَغْصُوبِ، وَالْمُنْتَهَبِ وَالْمُخْتَلَسِ، وَسَائِرِ مَا تَجِبُ غَرَامَتُهُ، خُولِفَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِلْأَثَرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
[مَسْأَلَةٌ ابْتِدَاءُ قَطْعِ السَّارِقِ]
(٧٢٧٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَابْتِدَاءُ قَطْعِ السَّارِقِ، أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَيُحْسَمَ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وَحُسِمَتْ)
стр. 4035
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ السَّارِقَ أَوَّلُ مَا يُقْطَعُ مِنْهُ، يَدُهُ الْيُمْنَى، مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَهُوَ الْكُوعُ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ". وَهَذَا إنْ كَانَ قِرَاءَةً وَإِلَّا فَهُوَ تَفْسِيرٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ ﵄، أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا سَرَقَ السَّارِقُ، فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنْ الْكُوعِ. وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى، فَكَانَتْ الْبِدَايَةُ بِهَا أَرْدَعَ؛ وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ، فَنَاسَبَ عُقُوبَتَهُ بِإِعْدَامِ آلَتِهَا.
وَإِذَا سَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. وَبِذَلِكَ قَالَ الْجَمَاعَةُ إلَّا عَطَاءً، حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ وَالْبَطْشِ، فَكَانَتْ الْعُقُوبَةُ بِقَطْعِهَا أَوْلَى. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ، وَدَاوُد. وَهَذَا شُذُوذٌ، يُخَالِفُ قَوْلَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي السَّارِقِ «إذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . وَلِأَنَّهُ فِي الْمُحَارَبَةِ الْمُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، إنَّمَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، وَلَا تُقْطَعُ يَدَاهُ، فَنَقُولُ: جِنَايَةٌ أَوْجَبَتْ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، فَكَانَا رِجْلًا وَيَدًا، كَالْمُحَارَبَةِ؛ وَلِأَنَّ قَطْعَ يَدَيْهِ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ، فَلَا تَبْقَى لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا، وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَلَا يَسْتَطِيبُ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ كَالْهَالِكِ، فَكَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْآيَةُ: فَالْمُرَادُ بِهَا قَطْعُ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدَانِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) . وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّ الْمُثَنَّى إذَا أُضِيفَ إلَى الْمُثَنَّى ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] . وَلِأَنَّ قَطْعَ الْيُسْرَى أَرْفَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَى خَشَبَةٍ، وَلَوْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَشْيُ بِحَالٍ. وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁.
وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ فِي السَّرِقَةِ، فَيُقْطَعُ مِنْ الْمَفْصِلِ كَالْيَدِ. وَإِذَا قُطِعَ حُسِمَ، وَهُوَ أَنْ يُغْلَى الزَّيْتُ، فَإِذَا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُهُ فِي الزَّيْتِ؛ لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ؛ لِئَلَّا يَنْزِفَ الدَّمَ فَيَمُوتَ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً، فَقَالَ اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ» . وَهُوَ حَدِيثٌ
стр. 4036
فِيهِ مَقَالٌ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيَكُونُ الزَّيْتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ الْقَاطِعَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَحْسِمْ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ، لَا مُدَاوَاةَ الْمَحْدُودِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَأْثَمْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّدَاوِيَ فِي الْمَرَضِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
[فَصْلٌ يُقْطَعُ السَّارِقُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ]
(٧٢٧٧) فَصْلٌ وَيُقْطَعُ السَّارِقُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ، فَيَجْلِسُ وَيُضْبَطُ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فَيَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ، وَتُشَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ، وَتُجَرُّ حَتَّى يَبِينَ مَفْصِلُ الْكَفِّ مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ، ثُمَّ يُوضَعُ بَيْنَهُمَا سِكِّينٌ حَادٌّ، وَيُدَقُّ فَوْقَهُمَا بِقُوَّةٍ لِيُقْطَعَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ تُوضَعُ السِّكِّينُ عَلَى الْمَفْصِلِ وَتُمَدَّى مَدَّةً وَاحِدَةً. وَإِنْ عُلِمَ قَطْعٌ أَوْحَى مِنْ هَذَا، قُطِعَ بِهِ.
[فَصْلٌ تَعْلِيقُ الْيَدِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ]
(٧٢٧٨) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ تَعْلِيقُ الْيَدِ فِي عُنُقِهِ؛ لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁؛ وَلِأَنَّ فِيهِ رَدْعًا وَزَجْرًا.
[فَصْلٌ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ]
(٧٢٧٩) فَصْلٌ: وَلَا تُقْطَعُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ رُبَّمَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، وَالْغَرَضُ الزَّجْرُ دُونَ الْقَتْلِ. وَلَا تُقْطَعُ حَامِلٌ حَالَ حَمْلِهَا، وَلَا بَعْدَ وَضْعِهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَلَفِهَا وَتَلَفِ وَلَدِهَا. وَلَا يُقْطَعُ مَرِيضٌ فِي مَرَضِهِ؛ لِئَلَّا يَأْتِيَ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَوْ سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ سَرَقَ قَبْلَ انْدِمَالِ يَدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ ثَانِيًا حَتَّى يَنْدَمِلَ الْقَطْعُ الْأَوَّلُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ قِصَاصًا، لَمْ تُقْطَعْ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ حَتَّى تَبْرَأَ الرِّجْلُ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فِي الْيَدِ الْأُخْرَى لَقُطِعَتْ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَالْمُحَارِبُ تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ: لَا يُنْتَظَرُ بُرْؤُهُ. فَلِمَ خَالَفْتُمْ ذَلِكَ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: الْقِصَاصُ حَقُّ آدَمِيٍّ، يُخَافُ فَوْتُهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضِّيقِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ يَجِبُ فِي يَدٍ، وَيَجِبُ فِي يَدَيْنِ وَأَكْثَرَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَلِهَذَا جَازَ أَنْ نُوَالِيَ بَيْنَ قِصَاصَيْنِ، وَنُخَالِفَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ، لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ، صَارَ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ قَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ حَدٌّ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْحَدِّ لِلْمَرِيضِ، فَفِيهِ مَنْعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّ
стр. 4037
الْجَلْدَ يُمْكِنُ تَخْفِيفُهُ، فَيَأْتِي بِهِ فِي الْمَرَضِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ، وَالْقَطْعُ لَا يُمْكِنُ تَخْفِيفُهُ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْقَطْعِ]
(٧٢٨٠) فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْقَطْعِ، أَجْزَأَ قَطْعٌ وَاحِدٌ عَنْ جَمِيعِهَا، وَتَدَاخَلَتْ حُدُودُهَا؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَسْبَابُهُ تَدَاخَلَ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ. وَلَعَلَّهُ يَقِيسُ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَدَاخَلُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتَتَدَاخَلُ، كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَفَارَقَ حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، وَلِهَذَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِاسْتِيفَائِهِ، وَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ. فَأَمَّا إنْ سَرَقَ فَقُطِعَ، ثُمَّ سَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَ ثَانِيًا، سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ الَّذِي سَرَقَ مِنْهُ أَوَّلًا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ سَرَقَ تِلْكَ الْعَيْنَ الَّتِي قُطِعَ بِهَا أَوْ غَيْرَهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مَرَّةً، لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ غَزْلٍ، ثُمَّ سَرَقَهُ مَنْسُوجًا، أَوْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ رُطَبٍ، ثُمَّ سَرَقَهُ تَمْرًا. وَاحْتُجَّ بِأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بِمُطَالَبَةِ آدَمِيٍّ، فَإِذَا تَكَرَّرَ سَبَبُهُ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ، لَمْ يَتَكَرَّرْ، كَحَدِّ الْقَذْفِ. وَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ يَجِبُ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ، فَتَكَرُّرُهُ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ كَتَكَرُّرِهِ فِي الْأَعْيَانِ، كَالزِّنَا، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْغَزْلِ إذَا نُسِجَ، وَالرُّطَبِ إذَا أَتْمَرَ، وَلَا نُسَلِّمُ حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ مَتَى قَذَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الزِّنَا حُدَّ، وَإِنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَا عَقِيبَ حَدِّهِ، لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إظْهَارُ كَذِبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ، وَهَا هُنَا الْغَرَضُ رَدْعُهُ عَنْ السَّرِقَةِ، وَلَمْ يَرْتَدِعْ بِالْأَوَّلِ، فَيُرْدَعُ بِالثَّانِي: كَالْمُودَعِ إذَا سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى.
[فَصْلٌ سَرَقَ وَلَا يُمْنَى لَهُ]
فَصْلٌ: وَمَنْ سَرَقَ وَلَا يُمْنَى لَهُ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، كَمَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ شَلَّاءَ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّ الشَّلَّاءَ لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا جَمَالَ، فَأَشْبَهَتْ كَفًّا لَا أَصَابِعَ عَلَيْهِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ سَرَقَ وَيُمْنَاهُ جَافَّةٌ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّهَا إذَا قُطِعَتْ رَقَأَ دَمُهَا، وَانْحَسَمَتْ عُرُوقُهَا. قُطِعَتْ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَطْعُ يَمِينِهِ فَوَجَبَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً. وَإِنْ قَالُوا: لَا يَرْقَأُ دَمُهَا. لَمْ تُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ تَلَفُهُ، وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُ الْيُمْنَى كُلُّهَا ذَاهِبَةً فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا تُقْطَعُ وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةُ الْيَدِ، فَأَشْبَهَ الذِّرَاعَ. وَالثَّانِي: تُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الرَّاحَةَ بَعْضُ مَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ، فَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا قُطِعَ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ الْخِنْصَرُ أَوْ الْبِنْصِرُ. وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَصَابِعِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ ذَهَبَ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ، أَوْ ذَهَبَتْ وَاحِدَةٌ سِوَاهُمَا
стр. 4038
، قُطِعَتْ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِهَا بَاقٍ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدَةٌ، فَهِيَ كَاَلَّتِي ذَهَبَ جَمِيعُ أَصَابِعِهَا، وَإِنْ بَقِيَ اثْنَتَانِ، فَهَلْ تُلْحَقُ بِالصَّحِيحَةِ، أَوْ بِمَا قُطِعَ جَمِيعُ أَصَابِعِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَالْأَوْلَى قَطْعُهَا؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا لَمْ يَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى]
(٧٢٨٢) فَصْلٌ: وَمَنْ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى، فَقُطِعَتْ فِي قِصَاصٍ، أَوْ ذَهَبَتْ بِأَكِلَةٍ، أَوْ تَعَدَّى عَلَيْهِ مُتَعَدٍّ فَقَطَعَهَا، سَقَطَ الْقَطْعُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَادِي إلَّا الْأَدَبُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاطِعِ، وَتُقْطَعُ رِجْلُ السَّارِقِ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ يَدَ السَّارِقِ ذَهَبَتْ، وَالْقَاطِعُ قَطَعَ عُضْوًا غَيْرَ مَعْصُومٍ، وَإِنْ قَطَعَهَا قَاطِعٌ بَعْدَ السَّرِقَةِ، وَقَبْلَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ وَالْحُكْمِ بِالْقَطْعِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ، وَلَوْ شُهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَحَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِيُعَدِّلَ الشُّهُودَ، فَقَطَعَهُ قَاطِعٌ، ثُمَّ عُدِّلُوا، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعَدَّلُوا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُمْ مُحْتَمَلٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً. وَلَنَا أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مِمَّنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ فَقَطَعَ الْجَذَّاذُ يَسَارَهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ]
(٧٢٨٣) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ فَقَطَعَ الْجَذَّاذُ يَسَارَهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ، أَجْزَأَتْ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ إلَّا الْأَدَبُ. وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَقَطْعَ يَدَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُشْرَعُ، وَإِذَا انْتَفَى قَطْعُ يَمِينِهِ، حَصَلَ قَطْعُ يَسَارِهِ مُجْزِئًا عَنْ الْقَطْعِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى فَاعِلِهِ قِصَاصٌ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِي وُجُوبِ قَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ وَجْهَانِ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَاطِعُ كَوْنَهَا يَسَارًا، أَوْ ظَنَّ أَنَّ قَطْعَهَا يُجْزِئُ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ، كَيْ لَا تُقْطَعَ يَدَاهُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّانِي: تُقْطَعُ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يُسْرَاهُ قِصَاصًا. فَأَمَّا الْقَاطِعُ: فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ قَطَعَهَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ السَّارِقِ، أَوْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ، وَقَطَعَهَا الْقَاطِعُ عَالِمًا بِأَنَّهَا يُسْرَاهُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا يُسْرَاهُ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا.
وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالْأَمْرَيْنِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي قَطْعِهَا، فَأَشْبَهَ غَيْرَ السَّارِقِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[مَسْأَلَةٌ عَادَ السَّارِقُ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلُهُ]
(٧٢٨٤) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ)
стр. 4039
يَعْنِي إذَا عَادَ فَسَرَقَ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ وَحُبِسَ. وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ تُقْطَعُ فِي الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَفِي الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَفِي الْخَامِسَةِ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، أَنَّهُمَا قَطَعَا يَدَ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى فِي الرَّابِعَةِ، وَيُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ: «جِيءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِسَارِقٍ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. فَقَالَ: اقْطَعُوهُ. قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: اقْطَعُوهُ فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: اقْطَعُوهُ. قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: اقْطَعُوهُ. ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، قَالَ: اُقْتُلُوهُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ، فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي السَّارِقِ: وَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . وَلِأَنَّ الْيَسَارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فَجَازَ قَطْعُهَا فِي السَّرِقَةِ، كَالْيُمْنَى؛ وَلِأَنَّهُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» . وَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَضَرْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ أُتِيَ بِرَجُلٍ مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ فِي هَذَا؟ . قَالُوا: اقْطَعْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ قَتَلْتُهُ إذًا، وَمَا عَلَيْهِ الْقَتْلُ، بِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ الطَّعَامَ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَتِهِ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَقُومُ عَلَى حَاجَتِهِ؟ فَرَدَّهُ إلَى السِّجْنِ أَيَّامًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ، وَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَهُ جَلْدًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَرْسَلَهُ. وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَبْطِشُ بِهَا، وَلَا رِجْلًا يَمْشِي عَلَيْهَا. وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِي حَدٍّ، كَالْقَتْلِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ قَطْعُ الْيَدَيْنِ، لَقُطِعَتْ الْيُسْرَى فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا آلَةُ الْبَطْشِ كَالْيُمْنَى، وَإِنَّمَا لَمْ تُقْطَعْ لِلْمَفْسَدَةِ فِي قَطْعِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِهْلَاكِ،
стр. 4040
فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَلَا يَغْتَسِلَ، وَلَا يَسْتَنْجِيَ، وَلَا يَحْتَرِزَ مِنْ نَجَاسَةٍ، وَلَا يُزِيلَهَا عَنْهُ، وَلَا يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَأْكُلَ، وَلَا يَبْطِشَ، وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ حَاصِلَةٌ بِقَطْعِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ قَطْعَهَا، كَمَا مَنَعَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ، فَفِي حَقِّ شَخْصٍ اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْخَامِسَةِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ، وَفِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ.
فَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِدٍ، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِرَجُلٍ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ أَنْ تُقْطَعَ رِجْلُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ. وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُ هَذَا وَرِجْلُهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقْطَعَ رِجْلَهُ فَتَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ قَائِمَةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا، إمَّا أَنْ تُعَزِّرَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَسْتَوْدِعَهُ السِّجْنَ. فَاسْتَوْدَعَهُ السِّجْنَ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مَنْ يَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ أَوْ شَلَّاءُ أَوْ مَقْطُوعَةُ الْأَصَابِعِ أَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ]
(٧٢٨٥) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ مَنْ يَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ، أَوْ شَلَّاءُ، أَوْ مَقْطُوعَةُ الْأَصَابِعِ، أَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ فَقُطِعَتْ الْيُسْرَى، أَوْ شُلَّتْ قَبْلَ قَطْعِ يُمْنَاهُ، لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَاهُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَتُقْطَعُ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَإِنْ قَطَعَ يُسْرَاهُ قَاطِعٌ مُتَعَمِّدًا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا. وَإِنْ قَطَعَهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ. وَلَا تُقْطَعَ يَمِينُ السَّارِقِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَفِي قَطْعِ رِجْلِ السَّارِقِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالسَّرِقَةِ، وَسُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَقْتَضِي قَطْعَ رِجْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ يَمِينَهُ. وَالثَّانِي: تُقْطَعُ رِجْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ قَطْعُ يَمِينِهِ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً حَالَ السَّرِقَةِ. وَإِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ صَحِيحَةً، وَيُسْرَاهُ نَاقِصَةً نَقْصًا يَذْهَبُ بِمُعْظَمِ نَفْعِهَا، مِثْلَ أَنْ يَذْهَبَ مِنْهَا الْإِبْهَامُ أَوْ الْوُسْطَى أَوْ السَّبَّابَةُ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَقَطْعِهَا، وَيُنْتَقَلُ إلَى رِجْلِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاحْتُمِلَ أَنْ تُقْطَعَ يُمْنَاهُ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا يَنْتَفِعُ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قُطِعَتْ خِنْصَرُهَا. وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ أَوْ مَقْطُوعَةً، فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا قَوْلًا لِأَصْحَابِنَا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: تُقْطَعُ يَمِينُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَارِقٌ لَهُ يُمْنَى، فَقُطِعَتْ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ سَارِقٌ لَهُ يَدَانِ، فَتُقْطَعُ يُمْنَاهُ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى. وَالثَّانِي: لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَاهُ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْمَشْيِ مِنْ الرِّجْلَيْنِ.
стр. 4041
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى شَلَّاءَ، وَيَدَاهُ صَحِيحَتَانِ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى تَعَدِّي ضَرَرِ الْقَطْعِ إلَى غَيْرِ الْمَقْطُوعِ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ سَرَقَ وَيَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ، أَوْ شَلَّاءُ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِذَلِكَ. وَأَنْكَرَ هَذَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: بِقَوْلِهِمْ هَذَا خَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْحُرُّ وَالْحُرَّةُ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ فِي الْقَطْعِ سَوَاءٌ]
(٧٢٨٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْحُرُّ وَالْحُرَّةُ، وَالْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ، فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) . أَمَّا الْحُرُّ وَالْحُرَّةُ: فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا، وَقَدْ قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَقَطَعَ الْمَخْزُومِيَّةَ الَّتِي سَرَقَتْ الْقَطِيفَةَ.
فَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلَ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُمَا يَجِبُ قَطْعُهُمَا بِالسَّرِقَةِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ، فَلَمْ يَجِبْ فِي حَقِّهِمَا كَالرَّجْمِ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَا يُسَاوِي الْعَبْدُ فِيهِ الْحُرَّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ. وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَانْتَحَرُوهَا، فَأَمَرَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ أَنْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَاك تُجِيعُهُمْ، وَلَكِنْ لَأُغَرِّمَنَّك غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك. ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِك؟ قَالَ: أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدًا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَقَطَعَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ عَبْدًا. يَعْنِي الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ. وَهَذِهِ قِصَصٌ تَنْتَشِرُ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ. قُلْنَا: وَلَا يُمْكِنُ تَعْطِيلُهُ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ، وَقِيَاسُهُمْ نَقْلِبُهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقُولُ: حَدٌّ فَلَا يَتَعَطَّلُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَفَارَقَ الرَّجْمَ، فَإِنَّ حَدَّ الزَّانِي لَا يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ، بِخِلَافِ الْقَطْعِ، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ.
[فَصْلٌ قَطْعُ الْآبِقِ بِسَرِقَتِهِ]
(٧٢٨٧) فَصْلٌ وَيُقْطَعُ الْآبِقُ بِسَرِقَتِهِ، وَغَيْرُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَرْوَانُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ. وَلَنَا عُمُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَيُقْطَعُ، كَغَيْرِ الْآبِقِ.
стр. 4042
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ. لَا يُسَلَّمُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إقْرَارُ السَّيِّدِ، وَلَا يَضُرُّ إنْكَارُهُ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ، ثُمَّ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ جَائِزٌ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ]
(٧٢٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ، وَقَالَ: هَذَا مَالِي. فَالْمَالُ لِسَيِّدِهِ، وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ سَرِقَتُهُ لِلْمَالِ، فَلَمْ يَجِبْ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِي الْمَالِ، فَفِي الْحَدِّ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى. وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، وَصَدَّقَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، فَقُطِعَ، كَالْحُرِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَكَوْنُ الْمَالِ مَحْكُومًا بِهِ لِسَيِّدِهِ شُبْهَةٌ.
[فَصْلٌ يُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا]
(٧٢٨٩) فَصْلٌ: وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا، فَسَرَقَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ يُطَالَبُ بِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ، كَحَدِّ الْقَذْفِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ صِيَانَةً لِلْأَمْوَالِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ صِيَانَةٍ لِلْأَعْرَاضِ، فَإِذَا وَجَبَ فِي حَقِّهِ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ، فَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا: فَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِهِ قَتْلُهُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ، وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقَتْلِ حَدٌّ سِوَاهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ. وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَعْصُومًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَسَارِقِ مَالِ الذِّمِّيِّ. وَيُقْطَعُ الْمُرْتَدُّ إذَا سَرَقَ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ وُهِبَتْ لِلسَّارِقِ السَّرِقَةُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا]
(٧٢٩٠) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُقْطَعُ السَّارِقُ وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّارِقَ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ بِهِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَمْلِكَهَا قَبْلَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ، وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا عِنْدَهُ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ مَلَكَهَا قَبْلَهُ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَسْرُوقِ وَبَعْدَ مِلْكِهِ لَهُ لَا تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكَهُ، فَلَا يُقْطَعُ فِي عَيْنٍ هِيَ مِلْكُهُ، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ، وَالشُّرُوطُ يُعْتَبَرُ دَوَامُهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ الْعَيْنِ مُطَالِبٌ. وَلَنَا مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ «ابْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ
стр. 4043
رَأْسِهِ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْطَعَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْجُوزَجَانِيُّ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْت: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا؟ أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا. قَالَ: فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ قَبْلَ رَفْعِهِ إلَيْهِ، لَدَرَأَ الْقَطْعَ، وَبَعْدَهُ لَا يُسْقِطُهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ. قُلْنَا: هِيَ شَرْطُ الْحُكْمِ لَا شَرْطُ الْقَطْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَرَدَّ الْعَيْنَ لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ، وَقَدْ زَالَتْ الْمُطَالَبَةُ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ كَانَ مِلْكًا لِلسَّارِقِ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ]
(٧٢٩١) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ كَانَ مِلْكًا لِلسَّارِقِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ أَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً، أَوْ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِهَا، أَوْ أَنَّهُ سَبَّلَهَا، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ إيَّاهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْحَدِّ وَاجِبًا. وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِالْعَيْنِ، سَقَطَ الْقَطْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ مِلْكِهِ لَهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَالَ أَخْذِهَا. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ تَجَدَّدَ سَبَبُهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حِيلَةٌ عَلَى إسْقَاطِ الْقَطْعِ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهَا، كَالْهِبَةِ.
[مَسْأَلَةٌ أَخْرَجَ السَّرِقَةَ وَقِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى نَقَصَتْ قِيمَتُهَا]
(٧٢٩٢) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ أَخْرَجَهَا وَقِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، فَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى نَقَصَتْ قِيمَتُهَا، قُطِعَ) . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ شَرْطٌ، فَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهُ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَلِأَنَّهُ نَقْصٌ حَدَثَ فِي الْعَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْقَطْعَ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَالنِّصَابُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ، فَلَا تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهُ كَالْحِرْزِ. وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْحِرْزِ، فَإِنَّهُ لَوْ زَالَ الْحِرْزُ أَوْ مِلْكُهُ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ.
وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ السَّرِقَةُ، فَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ حِينَئِذٍ. فَأَمَّا إنْ نَقَصَ النِّصَابُ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ قَبْلَ تَمَامِ السَّبَبِ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ. وَإِنْ وُجِدَتْ نَاقِصَةً، وَلَمْ يُدْرَ هَلْ كَانَتْ نَاقِصَةً حِينَ السَّرِقَةِ أَوْ حَدَثَ النَّقْصُ بَعْدَهَا؟ لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
[مَسْأَلَةٌ رَدُّ السَّرِقَةِ إلَى مَالِكِهَا بَعْدَ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ]
(٧٢٩٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قُطِعَ، فَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ بَاقِيَةً، رُدَّتْ إلَى مَالِكِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا)
стр. 4044
لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ عَلَى مَالِكِهَا إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ تَالِفَةً، فَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ قِيمَتِهَا، أَوْ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، قُطِعَ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَالْبَتِّيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْتَمِعُ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ، إنْ غَرِمَهَا قَبْلَ الْقَطْعِ سَقَطَ الْقَطْعُ، وَإِنْ قُطِعَ قَبْلَ الْغُرْمِ سَقَطَ الْغُرْمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ: لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ إذَا قُطِعَ.
وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْمُعْسِرِ، وَوَافَقَنَا فِي الْمُوسِرِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ سَرَقَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُطِعَ: يَغْرَمُ الْكُلَّ، إلَّا الْأَخِيرَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قُطِعَ بِالْكُلِّ، فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا مِنْهُ، كَالسَّرِقَةِ الْأَخِيرَةِ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ التَّضْمِينَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَالْمِلْكُ يَمْنَعُ الْقَطْعَ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا بِالرَّدِّ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً، كَمَا لَوْ لَمْ يُقْطَعْ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ. وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ مَجْهُولٌ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ، لَيْسَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْقَاطِعِ. وَمَا ذَكَرُوهُ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى أُصُولِهِمْ، وَلَا نُسَلِّمُهَا لَهُمْ.
[فَصْلٌ فَعَلَ السَّارِقُ فِي الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ فِعْلًا نَقَصَهَا بِهِ]
(٧٢٩٤) (فَصْلٌ) : وَإِذَا فَعَلَ فِي الْعَيْنِ فِعْلًا نَقَصَهَا بِهِ، كَقَطْعِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، وَجَبَ رَدُّهُ وَرَدُّ نَقْصِهِ، وَوَجَبَ الْقَطْعُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ نَقْصًا لَا يَقْطَعُ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا فَعَلَهُ الْغَاصِبُ، رَدَّ الْعَيْنَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَقْطَعُ حَقَّ الْمَالِكِ، كَقَطْعِ الثَّوْبِ وَخِيَاطَتِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ مِنْ الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فِي الْعَيْنِ، كَصَبْغِهِ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ، فَلَا تُرَدُّ الْعَيْنُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: تُرَدُّ الْعَيْنُ. وَبَنَى هَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْغُرْمَ يُسْقِطُ عَنْهُ الْقَطْعَ. وَأَمَّا إذَا صَبَغَهُ، فَقَالَ: لَا يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ لَكَانَ شَرِيكًا فِيهِ بِصَبْغِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ صَبْغَهُ كَانَ قَبْلَ الْقَطْعِ، فَلَوْ كَانَ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ لَسَقَطَ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ يَصِيرُ شَرِيكًا بِالرَّدِّ، فَالشَّرِكَةُ الطَّارِئَةُ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا تُؤَثِّرُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى نِصْفَهُ مِنْ مَالِكِهِ بَعْدَ الْقَطْعِ.
وَقَدْ سَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ، أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ فِضَّةً، فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ، قُطِعَ، وَلَزِمَهُ رَدُّهَا. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: لَا يُقْطَعُ
стр. 4045
وَيَسْقُطُ حَقُّ صَاحِبِهَا مِنْهَا بِضَرْبِهَا. وَهَذَا شَيْءٌ بَنَيَاهُ عَلَى أُصُولِهِمَا فِي أَنَّ تَغْيِيرَ اسْمِهَا يُزِيلُ مِلْكَ صَاحِبِهَا، وَأَنَّ مِلْكَ السَّارِقِ لَهَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ عَنْهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ أَخْرَجَ النَّبَّاشُ مِنْ الْقَبْرِ كَفَنًا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ]
(٧٢٩٥) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَخْرَجَ النَّبَّاشُ مِنْ الْقَبْرِ كَفَنًا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَطَعَ نَبَّاشًا. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْمَتَاعُ لِلْحِفْظِ، وَالْكَفَنُ لَا يُوضَعُ فِي الْقَبْرِ لِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ حِرْزًا لَهُ، وَلِأَنَّ الْكَفَنَ لَا مَالِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ أَوْ لِوَارِثِهِ، وَلَيْسَ مِلْكًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ، وَالْوَارِثُ إنَّمَا مَلَكَ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَهَذَا سَارِقٌ، فَإِنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْكَفَنَ يُحْتَاجُ إلَى تَرْكِهِ فِي الْقَبْرِ دُونَ غَيْرِهِ، وَيُكْتَفَى بِهِ فِي حِرْزِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْمَيِّتُ فِي غَيْرِ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْفَظَ كَفَنُهُ، وَيُتْرَكُ فِي الْقَبْرِ وَيُنْصَرَفُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ. مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَّا عَمَّا لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ، وَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ، كَقِيَامِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ فِي الطَّلَبِ بِمَالِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الْكَفَنِ مِنْ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ الْحِرْزُ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ اللَّحْدِ وَوَضَعَهُ فِي الْقَبْرِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَلَ الْمَتَاعَ فِي الْبَيْتِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى الْقَبْرَ بَيْتًا» .
[فَصْلٌ الْكَفَنُ الَّذِي يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ]
(٧٢٩٦) فَصْلٌ: وَالْكَفَنُ الَّذِي يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مَا كَانَ مَشْرُوعًا، فَإِنْ كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَفَائِفَ، أَوْ الْمَرْأَةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، فَسُرِقَ الزَّائِدَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ تَرَكَهُ فِي تَابُوتٍ، فَسُرِقَ التَّابُوتُ، أَوْ تَرَكَ مَعَهُ طِيبًا مَجْمُوعًا،
стр. 4046
أَوْ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً، أَوْ جَوَاهِرَ، لَمْ يُقْطَعْ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَفَنٍ مَشْرُوعٍ، فَتَرْكُهُ فِيهِ سَفَهٌ وَتَضْيِيعٌ، فَلَا يَكُونُ مُحْرَزًا، وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ.
[فَصْلٌ هَلْ يُفْتَقَرُ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ إلَى الْمُطَالَبَةِ]
(٧٢٩٧) (فَصْلٌ) : وَهَلْ يُفْتَقَرُ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ إلَى الْمُطَالَبَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: يُفْتَقَرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ كَسَائِرِ الْمَسْرُوقَاتِ. فَعَلَى هَذَا الْمُطَالِبُ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي حُقُوقِهِ. وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ. وَالثَّانِي: لَا يُفْتَقَرُ إلَى طَلَبٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ الْأَحْيَاءِ شُرِعَ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَمْلُوكًا لِلسَّارِقِ وَقَدْ يُئِسَ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا.
[مَسْأَلَةٌ الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ الْمُحَرَّمِ أَوْ آلَةِ اللَّهْوِ]
(٧٢٩٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَا يُقْطَعُ فِي مُحَرَّمٍ، وَلَا فِي آلَةِ لَهْوٍ) . يَعْنِي لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مُحَرَّمٍ؛ كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ سَارِقَ خَمْرِ الذِّمِّيِّ يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَهُمْ.
وَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا، كَالْخِنْزِيرِ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْخِنْزِيرِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ دُونَ أَحْكَامِهِمْ. وَهَكَذَا الْخِلَافُ مَعَهُ فِي الصَّلِيبِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَعَ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا. وَأَمَّا آلَةُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، وَالْمِزْمَارِ، وَالشَّبَّابَةِ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مُفَصَّلًا نِصَابًا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ زَوَالِ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا، فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَطْعِ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَهَبًا مَكْسُورًا.
وَلَنَا أَنَّهُ آلَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ، كَالْخَمْرِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي أَخْذِهَا لِكَسْرِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ الْقَطْعِ، كَاسْتِحْقَاقِهِ مَالَ وَلَدِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ أَيْضًا، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْخَشَبَ وَالْأَوْتَارَ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ الْقَطْعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ.
стр. 4047
[فَصْلٌ سَرَقَ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ]
(٧٢٩٩) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَبْلُغُ نِصَابًا مُتَّصِلًا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا قَطْعَ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ سَارِقُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا، أَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لَهُ كَسْرُهُ بِحَيْثُ لَا تَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، وَهَا هُنَا لَوْ كُسِرَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ بِكُلِّ وَجْهٍ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عَنْ النِّصَابِ؛ وَلِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جَوْهَرُهُمَا غَالِبٌ عَلَى الصَّنْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، فَكَانَتْ الصِّنَاعَةُ فِيهِمَا مَغْمُورَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى قِيمَةِ جَوْهَرِهِمَا، وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِهِمَا، فَتَكُونُ الصِّنَاعَةُ غَالِبَةً عَلَيْهِ، فَيَكُونُ تَابِعًا لِلصِّنَاعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، فَأَشْبَهَ الْإِنَاءَ.
وَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، قِيمَتُهُ نِصَابٌ إذَا كَانَ مُتَكَسِّرًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَقِيمَتُهُ بِدُونِ الصِّنَاعَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا نِصَابٌ. وَإِنْ سَرَقَ إنَاءً مُعَدًّا لِحَمْلِ الْخَمْرِ، وَوَضْعِهِ فِيهِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الْإِنَاءَ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ سِكِّينًا مُعَدَّةً لِذَبْحِ الْخَنَازِيرِ، أَوْ سَيْفًا يُعِدُّهُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ. وَإِنْ سَرَقَ إنَاءً فِيهِ خَمْرٌ يَبْلُغُ نِصَابًا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: وَلَوْ سَرَقَ إدَاوَةً أَوْ إنَاءً فِيهِ مَاءٌ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ كَذَلِكَ. وَلَوْ سَرَقَ مِنْدِيلًا فِي طَرَفِهِ دِينَارٌ مَشْدُودٌ، فَعَلِمَ بِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ سَرِقَتَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ قِيمَتَهُ نِصَابٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَلِمَ بِالْمَسْرُوقِ هَاهُنَا، وَقَصَدَ سَرِقَتَهُ، بِخِلَافِ الدِّينَارِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ أَخْذَهُ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ هَلْ يُقْطَعُ الْوَالِدُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ]
(٧٣٠٠) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُقْطَعُ الْوَالِدُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ، وَلَا الْوَالِدَةُ فِيمَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِ وَلَدِهَا، وَلَا الْعَبْدُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ، وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ سَارِقٍ، بِظَاهِرِ الْكِتَابِ، إلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ فَيُسْتَثْنَى.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ :
стр. 4048
«إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» . وَفِي لَفْظٍ: " فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ ". وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ الْإِنْسَانِ بِأَخْذِ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَخْذِهِ، وَلَا أَخْذِ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَالًا لَهُ مُضَافًا إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَعْظَمُ الشُّبُهَاتِ أَخْذُ الرَّجُلِ مِنْ مَالٍ جَعَلَهُ الشَّرْعُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ
وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِهِمْ، جَمِيعًا، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ فِيهِ. وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَلَنَا مَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: شَهِدْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَقَدْ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِغُلَامٍ لَهُ، فَقَالَ: إنَّ غُلَامِي هَذَا سَرَقَ، فَاقْطَعْ يَدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا سَرَقَ؟ قَالَ: سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي، ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا. فَقَالَ: أَرْسِلْهُ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ. وَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ قُطِعَ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: مَالُكُمْ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ، فَقَالَ: عَبْدٌ لِي سَرَقَ قَبَاءً لِعَبْدٍ لِي آخَرَ. فَقَالَ: لَا قَطْعَ، مَالُكَ سَرَقَ مَالَكَ. وَهَذِهِ قَضَايَا تَشْتَهِرُ، وَلَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي عَصْرِهِمْ أَحَدٌ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ بِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ (٧٣٠١) فَصْلٌ: وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبُ، كَالْقِنِّ فِي هَذَا. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا يُقْطَعُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَكُلُّ مَنْ لَا يُقْطَعُ الْإِنْسَانُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، لَا يُقْطَعُ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، كَآبَائِهِ، وَأَوْلَادِهِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ مَنْ عَدَا سَيِّدِهِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁؛ وَلِأَنَّ مَالَهُمْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَالِهِ فِي قَطْعِهِ، فَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ عَبْدِهِ.
[فَصْلٌ هَلْ يُقْطَعُ الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ بِسَرِقَةِ مَالِ وَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا]
(٧٣٠٢) فَصْلٌ: وَلَا يُقْطَعُ الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ، بِسَرِقَةِ مَالٍ وَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ
стр. 4049
مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِالزِّنَا بِجَارِيَتِهِ، وَيُقَادُ بِقَتْلِهِ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَالْأَبِ؛ وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مَالِ الْأَبِ لِابْنِهِ حِفْظًا لَهُ، فَلَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ حِفْظًا لِلْمَالِ، وَأَمَّا الزِّنَا بِجَارِيَتِهِ، فَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا، بِخِلَافِ الْمَالِ.
[فَصْلٌ هَلْ يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ ذِي رَحِمٍ]
فَصْلٌ: فَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَارِبِ، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَمَنْ عَدَاهُمْ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمْ، وَيُقْطَعُونَ بِسَرِقَةِ مَالِهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ ذِي رَحِمٍ؛ لِأَنَّهَا قَرَابَةٌ تَمْنَعُ النِّكَاحَ، وَتُبِيحُ النَّظَرَ، وَتُوجِبُ النَّفَقَةَ، أَشْبَهَ قَرَابَةَ الْوِلَادَةِ. وَلَنَا أَنَّهَا قَرَابَةٌ لَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، فَلَا تَمْنَعُ الْقَطْعَ كَقَرَابَةِ غَيْرِهِ، وَفَارَقَ قَرَابَةَ الْوِلَادَةِ بِهَذَا.
[فَصْلٌ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ]
(٧٣٠٤) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَيْسَ مُحْرَزًا عَنْهُ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، وَإِنْ سَرَقَ مِمَّا أَحْرَزَهُ عَنْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، حِينَ قَالَ لَهُ: إنَّ غُلَامِي سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي: أَرْسِلْهُ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ. وَإِذَا لَمْ يُقْطَعْ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، فَهُوَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ صَاحِبَهُ بِغَيْرِ حَجْبٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَيَتَبَسَّطُ فِي مَالِ الْآخَرِ عَادَةً، فَأَشْبَهَ الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقْطَعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْرَزًا عَنْهُ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. وَلِلشَّافِعِيِّ كَالرِّوَايَتَيْنِ. وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّ الزَّوْجَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَلَا تُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ فِيهِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ]
(٧٣٠٥) فَصْلٌ: وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ ﵄. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ حَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُقْطَعُ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ.
стр. 4050
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ، سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَالَ: مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا.» وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁. وَسَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عُمَرَ عَمَّنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ: أَرْسِلْهُ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَطْعٌ. وَلِأَنَّ لَهُ فِي الْمَالِ حَقًّا، فَيَكُونُ شُبْهَةً تَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ. وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَوْ لِوَلَدِهِ، أَوْ لِسَيِّدِهِ، أَوْ لِمَنْ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، لَمْ يُقْطَعْ لِذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَانِمِينَ، وَلَا أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا، فَسَرَقَ مِنْهَا قَبْلَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ حَقًّا. وَإِنْ أُخْرِجَ الْخُمُسُ، فَسَرَقَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ، قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ، لَمْ يُقْطَعْ. وَإِنْ قُسِّمَ الْخُمُسُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ، فَسَرَقَ مِنْ خُمُسِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ، قُطِعَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْخُمُسِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مِنْ الْوَقْفِ أَوْ مِنْ غَلَّتِهِ وَكَانَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ]
(٧٣٠٦) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الْوَقْفِ، أَوْ مِنْ غَلَّتِهِ، وَكَانَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِسْكِينًا سَرَقَ مِنْ وَقْفِ الْمَسَاكِينِ، أَوْ مِنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ عَلَيْهِمْ وَقْفٌ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ. وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ، قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ: لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، فَلِمَ فَرَّقْتُمْ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ لِلْغَنِيِّ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقًّا، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ، ﵁: مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ. بِخِلَافِ وَقْفِ الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَنِيِّ فِيهِ.
[فَصْلٌ الْقَطْعُ فِي الْمَجَاعَةِ]
(٧٣٠٧) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا قَطْعَ فِي الْمَجَاعَةِ. يَعْنِي أَنَّ الْمُحْتَاجَ إذَا سَرَقَ مَا يَأْكُلُهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ. وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ فِي عَامِ سَنَةٍ. وَقَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْهُ، فَقُلْت: تَقُولُ بِهِ؟ قَالَ: إي لَعَمْرِي، لَا أَقْطَعُهُ إذَا حَمَلَتْهُ الْحَاجَةُ، وَالنَّاسُ فِي شِدَّةٍ وَمَجَاعَةٍ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي بِهِ، فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ مَا يَأْكُلُهُ، أَوْ مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يَأْكُلُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، ﵁ أَنَّ غِلْمَانَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ انْتَحَرُوا نَاقَةً لِلْمُزَنِيِّ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقَطْعِهِمْ، ثُمَّ قَالَ لِحَاطِبٍ: إنِّي أَرَاك تُجِيعُهُمْ. فَدَرَأَ عَنْهُمْ الْقَطْعَ لَمَّا ظَنَّهُ يُجِيعُهُمْ. فَأَمَّا الْوَاجِدُ لِمَا يَأْكُلُهُ، أَوْ الْوَاجِدُ لِمَا يَشْتَرِي بِهِ وَمَا يَشْتَرِيهِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ بِالثَّمَنِ الْغَالِي. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
стр. 4051
وَلَا قَطْعَ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَنَعَهَا الزَّوْجُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، أَوْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا، فَأَخَذَتْ مِنْ مَالِهِ، سَوَاءٌ أَخَذَتْ قَدْرَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ قَدْرَ ذَلِكَ، فَالزَّائِدُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بِمَا يُسْتَحَقُّ أَخْذُهُ، وَلَا عَلَى الضَّيْفِ إذَا مُنِعَ قِرَاهُ، فَأَخَذَ أَيْضًا مِنْ مَالِ الْمُضِيفِ؛ لِذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ بِمَا يَجِبُ الْقَطْعُ]
(٧٣٠٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُقْطَعُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، أَوْ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ؛ بَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ، لَا غَيْرُ، فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَصِفَا السَّرِقَةَ وَالْحِرْزَ، وَجِنْسَ النِّصَابِ، وَقَدْرَهُ، لِيَزُولَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، فَيَقُولَانِ: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا سَرَقَ كَذَا، قِيمَتُهُ كَذَا، مِنْ حِرْزٍ. وَيَصِفَانِ الْحِرْزَ. وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ غَائِبًا، فَحَضَرَ وَكِيلُهُ، وَطَالَبَ بِالسَّرِقَةِ، احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ أَنْ يَرْفَعَا فِي نَسَبِهِ، فَيَقُولَانِ: مِنْ حِرْزِ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجَبَ الْقَطْعُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ قَطْعَ السَّارِقِ يَجِبُ، إذَا شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ شَاهِدَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ، وَوَصَفَا مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ.
وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ بِشَهَادَتِهِمَا، لَمْ يَسْقُطْ بِغَيْبَتِهِمَا، وَلَا مَوْتِهِمَا، عَلَى مَا مَضَى فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا. وَإِذَا شَهِدَا بِسَرِقَةِ مَالٍ غَائِبٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ، فَطَالَبَ بِهِ، قُطِعَ السَّارِقُ، وَإِلَّا فَلَا.
(٧٣٠٩) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ الْمَكَانِ، أَوْ الْمَسْرُوقِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ ثَوْرًا. وَقَالَ الْآخَرُ: سَرَقَ بَقَرَةً. أَوْ قَالَ: سَرَقَ ثَوْرًا. وَقَالَ الْآخَرُ: سَرَقَ حِمَارًا. لَمْ يُقْطَعْ. فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ ثَوْبًا أَبْيَضَ. وَقَالَ الْآخَرُ: أَسْوَدَ. أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ هَرَوِيًّا. فَقَالَ الْآخَرُ: مَرَوِيًّا. لَمْ يُقْطَعْ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحَدَهُمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ هَرَوِيٌّ، وَالْآخَرَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ، أَوْ كَانَ الثَّوْبُ فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اللَّوْنُ أَقْرَبُ إلَى الظُّهُورِ مِنْ الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا
стр. 4052
يَخْفَى يُبْطِلُ شَهَادَتَهُمَا، فَفِيمَا يَظْهَرُ أَوْلَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحَدَهُمَا ظَنَّ الْمَسْرُوقَ ذَكَرًا، وَظَنَّهُ الْآخَرُ أُنْثَى، وَقَدْ أَوْجَبَ هَذَا رَدَّ شَهَادَتِهِمَا، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. الثَّانِي: الِاعْتِرَافُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَعْتَرِفَ مَرَّتَيْنِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُقْطَعُ بِاعْتِرَافِ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ التَّكْرَارُ، كَحَقِّ الْآدَمِيِّ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ «، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ، فَقَالَ لَهُ: مَا إخَالُك سَرَقْت. قَالَ: بَلَى. فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَ» . وَلَوْ وَجَبَ الْقَطْعُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمَا أَخَّرَهُ. وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَسُفْيَانَ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ شَهِدْت عَلِيًّا، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَأَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، فَرَدَّهُ، وَفِي لَفْظٍ: فَانْتَهَرَهُ. وَفِي لَفْظٍ: فَسَكَتَ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ: فَطَرَدَهُ. ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَقَرَّ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: شَهِدْت عَلَى نَفْسِك مَرَّتَيْنِ. فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَ، وَفِي لَفْظٍ: قَدْ أَقْرَرْت عَلَى نَفْسِك مَرَّتَيْنِ. وَمِثْلُ هَذَا يَشْتَهِرُ، فَلَمْ يُنْكَرْ.
وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا فِي حَدٍّ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّكْرَارُ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الْقَطْعِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ التَّكْرَارُ، كَالشَّهَادَةِ. وَقِيَاسُهُمْ يُنْتَقَضُ بِحَدِّ الزِّنَا عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ التَّكْرَارَ، وَيُفَارِقُ حَقَّ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ، وَالتَّضْيِيقِ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. (٧٣١٠) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَذْكُرَ فِي إقْرَارِهِ شُرُوطَ السَّرِقَةِ، مِنْ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِهِ مِنْهُ (٧٣١١) فَصْلٌ: وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ وَذَلِكَ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا، وَلِمَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ،: أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ عَبْدًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ عَبْدًا. يَعْنِي الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ. وَيُعْتَبَرُ أَنْ يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ. وَرَوَى مُهَنَّا، عَنْ أَحْمَدَ: إذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ سَرَقَ، قُطِعَ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ اعْتَبَرَ إقْرَارَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، لِيَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِخَبَرِ عَلِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَدٍّ، فَاسْتَوَى فِي عَدَدِهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
[مَسْأَلَةٌ رَجَعَ السَّارِقُ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ الْقَطْعِ]
(٧٣١٢) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ)
стр. 4053
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَدَاوُد: لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِآدَمِيٍّ بِقِصَاصٍ أَوْ حَقٍّ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّارِقِ: " مَا إخَالُك سَرَقْت. عَرَّضَ لَهُ لِيَرْجِعَ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، ثَبَتَ بِالِاعْتِرَافِ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ، كَحَدِّ الزِّنَا؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَرُجُوعُهُ عَنْهُ شُبْهَةٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ عَلَى نَفْسِهِ فِي اعْتِرَافِهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الْقَطْعِ، فَيَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، كَالشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّ حُجَّةَ الْقَطْعِ زَالَتْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، فَسَقَطَ، كَمَا لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ.
وَفَارَقَ حَقَّ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، وَلَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ، لَمْ يَبْطُلْ بِرُجُوعِهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْ اسْتِيفَاءَهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْقَطْعِ، سَقَطَ الْقَطْعُ، وَلَمْ يَسْقُطْ غُرْمُ الْمَسْرُوقِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَلَوْ أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَزِمَهُ غَرَامَةُ الْمَسْرُوقِ دُونَ الْقَطْعِ. وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ وَقَدْ قُطِعَ بَعْضُ الْمَفْصِلِ، لَمْ يُتْمِمْهُ إنْ كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ؛ لِكَوْنِهِ قَطَعَ قَلِيلًا، وَإِنْ قَطَعَ الْأَكْثَرَ، فَالْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَهُ؛ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعْلِيقِ كَفِّهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْقَاطِعَ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ تَدَاوٍ، وَلَيْسَ بِحَدٍّ.
[فَصْلٌ تَلْقِينُ السَّارِقِ لِيَرْجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ]
(٧٣١٣) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِتَلْقِينِ السَّارِقِ لِيَرْجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ. وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ، فَسَأَلَهُ: أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا. فَقَالَ: لَا. فَتَرَكَهُ. وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلسَّارِقِ: " مَا أَخَالُك سَرَقْت ". وَقَالَ لِمَاعِزٍ: " لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ لَمَسْت ". وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ فَانْتَهَرَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ طَرَدَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُ.
وَلَا بَأْسَ بِالشَّفَاعَةِ فِي السَّارِقِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ وَجَبَ» . وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ: يَفْعَلُ ذَلِكَ دُونَ السُّلْطَانِ، فَإِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ، فَلَا أَعْفَاهُ اللَّهُ إنْ أَعْفَاهُ. وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ الزُّبَيْرُ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يُعْرَفْ بِشَرٍّ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْفَعَ لَهُ، مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ، وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ بِشَرٍّ وَفَسَادٍ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنْ يُتْرَكُ حَتَّى يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ لَمْ تَجُزْ الشَّفَاعَةُ فِيهِ؛
стр. 4054
لِأَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطُ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ شَفَعَ أُسَامَةُ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ وَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي سَرِقَةٍ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ]
(٧٣١٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي سَرِقَةٍ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعُوا) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَسْرِقْ نِصَابًا، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَطْعٌ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِدُونِ النِّصَابِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ هَاهُنَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجِبُ، وَالِاحْتِيَاطُ بِإِسْقَاطِهِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاطِ بِإِيجَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النِّصَابَ أَحَدُ شَرْطَيْ الْقَطْعِ، فَإِذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِيهِ كَانُوا كَالْوَاحِدِ، قِيَاسًا عَلَى هَتْكِ الْحِرْزِ؛ وَلِأَنَّ سَرِقَةَ النِّصَابِ فِعْلٌ يُوجِبُ الْقَطْعَ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ، كَالْقِصَاصِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْرُوقِ ثَقِيلًا يَشْتَرِكُ الْجَمَاعَةُ فِي حَمْلِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ جُزْءًا، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِجُزْءٍ مِنْهُ، لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَاطِعِي الْيَدِ بِقَطْعِ جُزْءٍ مِنْهَا، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ. وَلَنَا أَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِ النِّصَابِ، فَلَزِمَهُمْ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَقِيلًا فَحَمَلُوهُ، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ، فَإِنَّهُ تُعْتَمَدُ الْمُمَاثَلَةُ، وَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ أَفْعَالُهُمْ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْيَدِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْقَصْدُ الزَّجْرُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُمَاثَلَةٍ، وَالْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ عَنْ إخْرَاجِ الْمَالِ، وَسَوَاءٌ دَخَلَا الْحِرْزَ مَعًا، أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَأَخْرَجَ بَعْضَ النِّصَابِ، ثُمَّ دَخَلَ الْآخَرُ فَأَخْرَجَ بَاقِيَهُ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ وَإِخْرَاجِ النِّصَابِ، فَلَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ مَعًا.
[فَصْلٌ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِمَّنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ]
(٧٣١٥) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِمَّنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، كَأَبِي الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، قُطِعَ شَرِيكُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، كَمَا لَوْ شَارَكَهُ فِي قَطْعِ يَدِ ابْنِهِ. وَالثَّانِي: لَا يُقْطَعُ. وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ سَرِقَتَهُمَا جَمِيعًا صَارَتْ عِلَّةً لِقَطْعِهِمَا، وَسَرِقَةُ الْأَبِ لَا تَصْلُحُ مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ، بِخِلَافِ قَطْعِ يَدِ ابْنِهِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ تَمَحَّضَ عُدْوَانًا، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِفَضِيلَةِ الْأَبِ، لَا لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ، وَهَا هُنَا فِعْلُهُ قَدْ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ بِهِ، كَاشْتِرَاكِ الْعَامِدِ وَالْخَاطِئِ. وَإِنْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِمَا يُوجِبُ
стр. 4055
الْقَطْعَ. وَإِنْ أَخْرَجَ الْأَبُ نِصَابًا، وَشَرِيكُهُ دُونَ النِّصَابِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ اثْنَانِ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ، ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا، فَالْقَطْعُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِالْإِسْقَاطِ فَيَخْتَصُّ بِالسُّقُوطِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ السَّرِقَةُ مِنْهُمَا، وَقَدْ اخْتَلَّ أَحَدُ جُزْأَيْهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِمُشَارَكَةِ آخَرَ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ، وَلَمْ يُقِرَّ الْآخَرُ فَفِي الْقَطْعِ وَجْهَانِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي إخْرَاجِ نِصَابِ السَّرِقَةِ مِنْ الدَّارِ]
(٧٣١٦) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلَيْنِ دَخَلَا دَارًا، أَحَدُهُمَا فِي سُفْلِهَا جَمَعَ الْمَتَاعَ وَشَدَّهُ بِحَبْلٍ، وَالْآخَرُ فِي عُلُوِّهَا مَدَّ الْحَبْلَ فَرَمَى بِهِ وَرَاءُ الدَّارِ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي إخْرَاجِهِ. وَإِنْ دَخَلَا جَمِيعًا، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، إذَا أَخْرَجَ نِصَابَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّارِقُ.
وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دُونَ النِّصَابِ، وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ فَتَمَّا نِصَابَيْنِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ: يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُخْرِجْ نِصَابًا. وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، وَالْآخَرُ دُونَ النِّصَابِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: الْقَطْعُ عَلَى مُخْرِجِ النِّصَابِ وَحْدَهُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ لَمْ يَبْلُغْ نُصُبًا بِعَدَدِ السَّارِقِينَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ مَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ نَقَبَا حِرْزًا، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا، فَقَرَّبَ الْمَتَاعَ مِنْ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْخَارِجُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَطْعَ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَنَا أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ، فَلَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ مَعًا فَأَخْرَجَاهُ. وَإِنْ وَضَعَهُ فِي النَّقْبِ، فَمَدَّ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخَذَهُ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ وَدَخَلَ الْآخَرُ وَحْدَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ]
(٧٣١٧) فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، وَدَخَلَ الْآخَرُ وَحْدَهُ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ، وَالثَّانِي لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزِ، وَإِنَّمَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ هَتَكَهُ غَيْرُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَبَ رَجُلٌ وَانْصَرَفَ، وَجَاءَ آخَرُ فَصَادَفَ الْحِرْزَ مَهْتُوكًا فَسَرَقَ مِنْهُ. وَإِنْ نَقَبَ رَجُلٌ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ أَيْضًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا؛ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ لَهُ اخْتِيَارٌ فَلَا يَكُونُ آلَةً لِلْآمِرِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ.
وَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي النَّقْبِ، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَنَاوَلَهُ لِلْآخَرِ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ، فَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ وَحْدَهُ مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي النَّقْبِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ،
стр. 4056
وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَى السَّرِقَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ دَاخِلَ الْحِرْزِ وَلَنَا أَنَّ الْمَسْرُوقَ خَرَجَ مِنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بِهِ، وَيُخَالِفُ إذَا أَتْلَفَهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ تُشْتَرَطُ الْمُطَالَبَةُ مِنْ مَالِكِ الْمَسْرُوقِ حَتَّى يُقَامَ حَدُّ الْقَطْعِ]
(٧٣١٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُقْطَعُ وَإِنْ اعْتَرَفَ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ، حَتَّى يَأْتِيَ مَالِكُ الْمَسْرُوقِ يَدَّعِيهِ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُقْطَعُ، وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى دَعْوَى وَلَا مُطَالَبَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْقَطْعِ ثَبَتَ، فَوَجَبَ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَلَنَا أَنَّ الْمَالَ يُبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَالِكَهُ أَبَاحَهُ إيَّاهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى طَائِفَةٍ السَّارِقُ مِنْهُمْ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ حِرْزِهِ، فَاعْتُبِرَتْ الْمُطَالَبَةُ لِتَزُولَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ أَوْسَعُ فِي الْإِسْقَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا سَرَقَ مَالَ أَبِيهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ زَنَى بِجَارِيَتِهِ حُدَّ؟ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ شُرِعَ لِصِيَانَةِ مَالِ الْآدَمِيِّ، فَلَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ، فَلَمْ يُسْتَوْفَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ مُطَالِبٍ بِهِ، وَالزِّنَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْضٌ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى طَلَبٍ بِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ وَكِيلَ الْمَالِكِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الطَّلَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ غَائِبٍ، حُبِسَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَبَاحَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ مُطْلَقٍ لِغَائِبٍ لَمْ يُحْبَسْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْغَائِبِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِحَبْسِهِ، فَلَمْ يُحْبَسْ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ، فَحُبِسَ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، أَخَذَهَا الْحَاكِمُ، وَحَفِظَهَا لِلْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، فَإِذَا جَاءَ الْغَائِبُ كَانَ الْخَصْمَ فِيهَا.
[فَصْلٌ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مِنْ رَجُلٍ فَقَالَ الْمَالِكُ: لَمْ تَسْرِقْ مِنِّي وَلَكِنْ غَصَبْتنِي]
(٧٣١٩) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مِنْ رَجُلٍ، فَقَالَ الْمَالِكُ: لَمْ تَسْرِقْ مِنِّي، وَلَكِنْ غَصَبْتنِي. أَوْ كَانَ لِي قِبَلَك وَدِيعَةٌ فَجَحَدْتنِي. لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يُوَافِقْ دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ رَجُلَيْنِ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، أَوْ قَالَ الْآخَرُ: بَلْ غَصَبْتنِيهِ أَوْ جَحَدْتنِيهِ، لَمْ يُقْطَعْ. وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا قَالَ الْآخَرُ: غَصَبْتنِيهِ أَوْ جَحَدْتنِيهِ. قُطِعَ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى سَرِقَةِ نِصَابٍ، فَلَمْ يُقْطَعْ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ وَافَقَاهُ جَمِيعًا، قُطِعَ. وَإِنْ حَضَرَ أَحَدُهُمَا، فَطَالَبَ، وَلَمْ يَحْضُرْ الْآخَرُ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِمُفْرَدِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ فَقَدْتُهُ مِنْ مَالِي. فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
стр. 4057
الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبٍ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ «، جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي سَرَقْت جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ فَطَهِّرْنِي. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا. فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. قَالَ ثَعْلَبَةُ: أَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ وَقَعَتْ يَدُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْك، أَرَدْت أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّارَ» . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْلٌ ثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ فَأَنْكَرَ]
(٧٣٢٠) فَصْلٌ: وَمَنْ ثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ. وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُوهُ لِي أَنِّي سَرَقْت مِنْهُ. لَمْ يُحْلَفْ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي إحْلَافِهِ عَلَيْهَا قَدْحٌ فِي الشَّهَادَةِ. وَإِنْ قَالَ: الَّذِي أَخَذْتُهُ مِلْكٌ لِي، كَانَ لِي عِنْدَهُ وَدِيعَةً، أَوْ رَهْنًا، أَوْ ابْتَعْتُهُ مِنْهُ، أَوْ وَهَبَهُ لِي، أَوْ أَذِنَ لِي فِي أَخْذِهِ، أَوْ غَصَبَهُ مِنِّي، أَوْ مِنْ أَبِي، أَوْ بَعْضُهُ لِي. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ ثَبَتَتْ لَهُ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ دَعْوَى السَّارِقِ، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَا قَالَ، وَلِهَذَا أَحْلَفْنَا الْمَسْرُوقَ مِنْهُ، وَإِنْ نَكَلَ، قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ. وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ بِدَعْوَاهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَجِبَ قَطْعُ سَارِقٍ، فَتَفُوتَ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى سُقُوطِ الْقَطْعِ لَا يَمْتَنِعُ اعْتِبَارُهُ، كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا شُرُوطًا لَا يَقَعُ مَعَهَا إقَامَةُ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ أَبَدًا، عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَيْهِ لَازِمًا، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ السُّرَّاقِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ هَذَا، وَلَا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِعِلْمِ هَذَا الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ لَا يَسْرِقُونَ غَالِبًا. وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، قُضِيَ عَلَيْهِ، وَسَقَطَ الْحَدُّ، وَجْهًا وَاحِدًا.
стр. 4058
[كِتَابُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ]
ِ الْأَصْلُ فِي حُكْمِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] . وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُرْتَدِّينَ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ، وَكَانُوا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرُّعَاةَ، فَاسْتَاقُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ جَاءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَلِأَنَّ مُحَارَبَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْكُفَّارِ لَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] . وَالْكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، كَمَا تُقْبَلُ قَبْلَهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْمُحَارَبَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]
(٧٣٢١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُحَارِبُونَ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلْقَوْمِ بِالسِّلَاحِ فِي الصَّحْرَاءِ، فَيَغْصِبُونَهُمْ الْمَالَ مُجَاهَرَةً) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ تَثْبُتُ لَهُمْ أَحْكَامُ الْمُحَارَبَةِ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدُ، تُعْتَبَرُ لَهُمْ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ ﵀ فِيهِمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُحَارِبِينَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ إنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ فِي الْمِصْرِ يَلْحَقُ بِهِ الْغَوْثُ غَالِبًا، فَتَذْهَبُ شَوْكَةُ الْمُعْتَدِينَ، وَيَكُونُونَ مُخْتَلِسِينَ، وَالْمُخْتَلِسُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: هُوَ قَاطِعٌ حَيْثُ كَانَ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ؛ لِتَنَاوُلِ الْآيَةِ بِعُمُومِهَا كُلَّ مُحَارِبٍ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ إذَا وُجِدَ فِي الْمِصْرِ كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا، وَأَكْثَرَ ضَرَرًا، فَكَانَ بِذَلِكَ أَوْلَى.
стр. 4059
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ، مِثْلَ أَنْ كَبَسُوا دَارًا، فَكَانَ أَهْلُ الدَّارِ بِحَيْثُ لَوْ صَاحُوا أَدْرَكَهُمْ الْغَوْثُ، فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِقُطَّاعِ طَرِيقٍ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُمْ الْغَوْثُ عَادَةً، وَإِنْ حَصَرُوا قَرْيَةً أَوْ بَلَدًا فَفَتَحُوهُ وَغَلَبُوا عَلَى أَهْلِهِ، أَوْ مَحَلَّةً مُنْفَرِدَةً، بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهُمْ الْغَوْثُ عَادَةً، فَهُمْ مُحَارِبُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَلْحَقُهُمْ الْغَوْثُ، فَأَشْبَهَ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ فِي الصَّحْرَاءِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، فَهُمْ غَيْرُ مُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مَنْ يَقْصِدُهُمْ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. فَإِنْ عَرَضُوا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَةِ، فَهُمْ مُحَارِبُونَ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسُوا مُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ.
وَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّلَاحِ الَّذِي يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، فَأَشْبَهَ الْحَدِيدَ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْتُوا مُجَاهَرَةً، وَيَأْخُذُوا الْمَالَ قَهْرًا فَأَمَّا إنْ أَخَذُوهُ مُخْتَفِينَ، فَهُمْ سُرَّاقٌ، وَإِنْ اخْتَطَفُوهُ وَهَرَبُوا فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ، فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ. وَإِنْ خَرَجُوا عَلَى عَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ، فَهُمْ قُطَّاعُ طَرِيقٍ.
[مَسْأَلَةٌ قَاطِعُ الطَّرِيقِ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ]
(٧٣٢٢) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَإِنْ عَفَا صَاحِبُ الْمَالِ، وَصُلِبَ حَتَّى يُشْتَهَرَ، وَدُفِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ، قُتِلَ، وَلَمْ يُصْلَبْ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ حُسِمَتَا وَخُلِّيَ) رَوَيْنَا نَحْوَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَحَمَّادٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَقُطِعَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ تُوجِبُ حَدًّا مُنْفَرِدًا، فَإِذَا اجْتَمَعَا، وَجَبَ حَدُّهُمَا مَعًا، كَمَا لَوْ زَنَى، وَسَرَقَ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ؛ لِأَنَّ " أَوْ " تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ " أَوْ " فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ قَتَلَ قُتِلَ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ، وَبَيْنَ قَتْلِهِ وَقَطْعِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ، فَكَانَ لِلْإِمَامِ فِعْلُهُمَا، كَمَا لَوْ قَتَلَ وَقَطَعَ فِي غَيْرِ قَطْعِ طَرِيقٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ، فَرَآهُ الْإِمَامُ جَلْدًا ذَا رَأْيٍ، قَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَا رَأْيَ لَهُ، قَطَعَهُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِعْلَهُ.
стр. 4060
وَلَنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَقْتُلْ، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ؛ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.» فَأَمَّا " أَوْ " فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ قَوْلِنَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا، أَوْ لُغَةً، وَأَيُّهُمَا كَانَ، فَهُوَ حُجَّةٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْأَغْلَظِ فَالْأَغْلَظِ، وَعُرْفُ الْقُرْآنِ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ الْبِدَايَةُ بِالْأَخَفِّ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ التَّرْتِيبُ بُدِئَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ فَالْأَغْلَظِ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، أَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَجْرَامِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ، وَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ جِنَايَاتِهِمْ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَالِكٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْجَلْدَ وَالرَّأْيَ دُونَ الْجِنَايَاتِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَوْ وَجَبَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يُخَيَّرْ الْإِمَامُ فِيهِ، كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَكَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِأَخْذِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ لِلَّهِ تَعَالَى إذَا كَانَ فِيهَا قَتْلٌ، سَقَطَ مَا دُونَهُ، كَمَا لَوْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ، فَجَاءَ نَاسٌ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ، فَقَطَعَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِالْحَدِّ فِيهِمْ، أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ، وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ، قُتِلَ، وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ» . وَقِيلَ: إنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا كَالْمُسْنَدِ، وَهُوَ نَصٌّ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ خَمْسٍ
стр. 4061
الْأُولَى: إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ لَا يَدْخُلُهُ عَفْوٌ. أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلِأَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَفْوِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ. وَهَلْ يُعْتَبَرُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ، بَلْ يُؤْخَذُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، وَالْأَبُ بِالِابْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: تُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . وَالْحَدُّ فِيهِ انْحِتَامُهُ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَ الِانْحِتَامُ، وَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا، أَوْ الْحُرُّ عَبْدًا، أَوْ أَخَذَ مَالَهُ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، لِأَخْذِهِ الْمَالَ، وَغَرِمَ دِيَةَ الذِّمِّيِّ وَقِيمَةَ الْعَبْدِ، وَإِنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا غَرِمَ دِيَتَهُ وَنُفِيَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ إذَا قَتَلَهُ لِيَأْخُذَ الْمَالَ، وَإِنْ قَتَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَهُ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا، فَالْوَاجِبُ قِصَاصٌ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ، وَإِذَا قَتَلَ صُلِبَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] . وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ؛ أَحَدُهَا: فِي وَقْتِهِ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْقَتْلِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: يُصْلَبُ حَيًّا، ثُمَّ يُقْتَلُ مَصْلُوبًا، يُطْعَنُ بِالْحَرْبَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ عُقُوبَةٌ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ الْحَيُّ لَا الْمَيِّتُ؛ وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى الْمُحَارَبَةِ، فَيُشْرَعُ فِي الْحَيَاةِ كَسَائِرِ الْأَجْزِيَةِ؛ وَلِأَنَّ الصَّلْبَ بَعْدَ قَتْلِهِ يَمْنَعُ تَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ، فَلَا يَجُوزُ.
وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الْقَتْلَ عَلَى الصَّلْبِ لَفْظًا، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ
стр. 4062
الْأَوَّلِ فِي اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا أُطْلِقَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ، كَانَ قَتْلًا بِالسَّيْفِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقَتْلَ» . وَأَحْسَنُ الْقَتْلِ هُوَ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ، وَفِي صَلْبِهِ حَيًّا تَعْذِيبٌ لَهُ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى الْمُحَارَبَةِ. قُلْنَا: لَوْ شُرِعَ لِرَدْعِهِ، لَسَقَطَ بِقَتْلِهِ، كَمَا يَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ مَعَ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا شُرِعَ الصَّلْبُ رَدْعًا لِغَيْرِهِ، لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِصَلْبِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ. وَقَوْلُهُمْ: يَمْنَعُ تَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ. قُلْنَا: هَذَا لَازِمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَتْرُكُونَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ مَصْلُوبًا. الثَّانِي: فِي قَدْرِهِ وَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، إلَّا قَدْرَ مَا يَشْتَهِرُ أَمْرُهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يُوَقِّتْ أَحْمَدُ فِي الصَّلْبِ، فَأَقُولُ: يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. وَالصَّحِيحُ تَوْقِيتُهُ بِمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ مِنْ الشُّهْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصْلَبُ ثَلَاثًا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَهَذَا تَوْقِيتٌ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، فَلَا يَجُوزُ، مَعَ أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ يُفْضِي إلَى تَغَيُّرِهِ، وَنَتِنِهِ، وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ بِرَائِحَتِهِ وَنَظَرِهِ، وَيَمْنَعُ تَغْسِيلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ، فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. الثَّالِثُ: فِي وُجُوبِهِ، وَهَذَا وَاجِبٌ حَتْمٌ فِي حَقِّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، لَا يَسْقُطُ بِعَفْوٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ شَاءَ الْإِمَامُ صَلَبَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَصْلُبْ. وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِأَنَّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ. وَلِأَنَّهُ شُرِعَ حَدًّا، فَلَمْ يَتَخَيَّرْ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، كَالْقَتْلِ وَسَائِرِ الْحُدُودِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا اُشْتُهِرَ أُنْزِلَ، وَدُفِعَ إلَى أَهْلِهِ، فَيُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ.
(٧٣٢٣) " فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ قَتْلِهِ، لَمْ يُصْلَبْ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَقَدْ فَاتَ الْحَدُّ بِمَوْتِهِ، فَيَسْقُطُ مَا هُوَ مِنْ تَتِمَّتِهِ.
وَإِنْ قَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ بِمُثَقَّلٍ قُتِلَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ بِمُحَدَّدِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهِمَا. وَإِنْ قَتَلَ بِآلَةٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ بِهَا، كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْعُمُومِ.
الْحَالُ الثَّانِي: قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَلَا يُصْلَبُونَ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُمْ يُصْلَبُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ يَجِبُ قَتْلُهُمْ، فَيُصْلَبُونَ، كَاَلَّذِينَ أَخَذُوا الْمَالَ. وَالْأُولَى أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ فِيهِمْ قَالَ فِيهِ: وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ، قُتِلَ ". وَلَمْ يَذْكُرْ صَلْبًا؛ وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُمْ بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الْقَتْلِ تَزِيدُ
стр. 4063
عَلَى الْجِنَايَةِ بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُمْ أَغْلَظَ، وَلَوْ شُرِعَ الصَّلْبُ هَاهُنَا لَاسْتَوَيَا، وَالْحُكْمُ فِي تَحَتُّمِ الْقَتْلِ وَكَوْنِهِ حَدًّا هَاهُنَا، كَالْحُكْمِ فِيهِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ.
(٧٣٢٤) فَصْلٌ: وَإِذَا جَرَحَ الْمُحَارِبُ جُرْحًا فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ، فَهَلْ يَتَحَتَّمُ فِيهِ الْقِصَاصُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا يَتَحَتَّمُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَرْعِ الْحَدِّ فِي حَقِّهِ بِالْجِرَاحِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي حُدُودِ الْمُحَارِبِينَ الْقَتْلَ وَالصَّلْبَ وَالْقَطْعَ وَالنَّفْيَ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْمُحَارَبَةِ غَيْرُهَا فَلَا يَتَحَتَّمُ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ حَدٌّ، فَتَحَتَّمَ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْقِصَاصِ. وَالثَّانِيَةُ: يَتَحَتَّمُ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَ تَابِعَةٌ لِلْقَتْلِ، فَيَثْبُتُ فِيهَا مِثْلُ حُكْمِهِ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ قَوَدٍ، أَشْبَهَ الْقَوَدَ فِي النَّفْسِ. وَالْأُولَى أَوْلَى. وَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ، كَالْجَائِفَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الدِّيَةُ. وَإِنْ جَرَحَ إنْسَانًا وَقَتَلَ آخَرَ، اُقْتُصَّ مِنْهُ لِلْجِرَاحِ، وَقُتِلَ لِلْمُحَارَبَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ الْجِرَاحُ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ إذَا اجْتَمَعَتْ وَفِيهَا قَتْلٌ، سَقَطَ مَا سِوَى الْقَتْلِ.
وَلَنَا أَنَّهَا جِنَايَةٌ يَجِبُ بِهَا الْقِصَاصُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ، فَيَجِبُ بِهَا فِي الْمُحَارَبَةِ، كَالْقَتْلِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ حَدٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ قِصَاصٌ مُتَمَحِّضٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَدٌّ، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ مَعَ الْقَتْلِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ، كَالصَّلْبِ، وَكَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عِنْدَهُمْ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] . وَإِنَّمَا قَطَعْنَا يَدَهُ الْيُمْنَى لِلْمَعْنَى الَّذِي قَطَعْنَا بِهِ يُمْنَى السَّارِقِ، ثُمَّ قَطَعْنَا رِجْلَهُ الْيُسْرَى لِتَتَحَقَّقَ الْمُخَالَفَةُ، وَلِيَكُونَ أَرْفَقَ بِهِ فِي إمْكَانِ مَشْيِهِ. وَلَا يُنْتَظَرُ انْدِمَالُ الْيَدِ فِي قَطْعِ الرِّجْلِ، بَلْ يُقْطَعَانِ مَعًا، يُبْدَأُ بِيَمِينِهِ فَتُقْطَعُ وَتُحْسَمُ، ثُمَّ بِرِجْلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِذِكْرِ الْأَيْدِي. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ، إذَا كَانَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْدُومَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، إمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ قُطِعَ فِي قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ لِمَرَضٍ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ سُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى أَوْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، إمَّا مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ أَوْ الْمَشْيِ أَوْ كِلَيْهِمَا. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَسْتَوْفِي أَعْضَاءَ السَّارِقِ الْأَرْبَعَةَ، يُقْطَعُ مَا بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَحْدَهَا، وَلَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً، قُطِعَتْ
стр. 4064
يُمْنَى يَدَيْهِ، وَلَمْ يُقْطَعْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَجْهًا وَاحِدًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحَلِّ الْحَدِّ مَا يُسْتَوْفَى، فَاكْتُفِيَ بِاسْتِيفَائِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَدُ نَاقِصَةً، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَإِنْ كَانَ مَا وَجَبَ قَطْعُهُ أَشَلَّ، فَذَكَرَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ قَطْعَهُ يُفْضِي إلَى تَلَفِهِ، لَمْ يُقْطَعْ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَعْدُومِ. وَإِنْ قَالُوا: لَا يُفْضِي إلَى تَلَفِهِ. فَفِي قَطْعِهِ رِوَايَتَانِ. ذَكَرْنَاهُمَا فِي قَطْعِ السَّارِقِ. الْحَالُ الرَّابِعُ، إذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ، وَلَمْ يَقْتُلُوا، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا. الْحَالُ الْخَامِسُ، إذَا تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِمَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ قَطْعُ يَدِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ]
(٧٣٢٥) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُحَارِبِ؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ، فَكَذَلِكَ النِّصَابُ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ» . وَلَمْ يُفَصِّلْ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تَعَلَّقَتْ بِهَا عُقُوبَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحَارِبِ، فَلَا تَتَغَلَّظُ فِي الْمُحَارِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، كَالْقَتْلِ يَغْلُظُ بِالِانْحِتَامِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا تَتَغَلَّظُ بِقَطْعِ الرِّجْلِ مَعَهَا، وَلَا تَتَغَلَّظُ بِمَا دُونَ النِّصَابِ. وَأَمَّا الْحِرْزُ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ، فَإِنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوا مَالًا مُضَيَّعًا لَا حَافِظَ لَهُ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ.
وَإِنْ أَخَذُوا مَا يَبْلُغُ نِصَابًا وَلَا تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا، قُطِعُوا، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِنَا فِي السَّرِقَةِ. وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ حَتَّى تَبْلُغَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا تَكُونَ لَهُمْ شُبْهَةٌ فِيمَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْمَالِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْرُوقِ.
[مَسْأَلَةٌ نَفْيُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ]
(٧٣٢٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَنَفْيُهُمْ أَنْ يُشَرَّدُوا، فَلَا يُتْرَكُوا يَأْوُونَ فِي بَلَدٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِينَ إذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ، وَلَمْ يَقْتُلُوا، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا، فَإِنَّهُمْ يُنْفَوْنَ مِنْ الْأَرْضِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّفْيَ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ. وَالنَّفْيُ هُوَ تَشْرِيدُهُمْ عَنْ الْأَمْصَارِ وَالْبُلْدَانِ، فَلَا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ بَلَدًا. وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ، كَنَفْيِ الزَّانِي. وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
стр. 4065
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: كَانَ مَنْفَى النَّاسِ إلَى بَاضِعَ، مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ أَقْصَى تِهَامَةِ الْيَمَنِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُحْبَسُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُنْفَى إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ فِي الزَّانِي. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نَفْيُهُ حَبْسُهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً. وَنَحْوُ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْحَالِ: يُعَزِّرُهُمْ الْإِمَامُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَحْبِسَهُمْ حَبَسَهُمْ. وَقِيلَ عَنْهُ: النَّفْيُ طَلَبُ الْإِمَامِ لَهُمْ لِيُقِيمَ فِيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَحْبِسُهُمْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِمْ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ. وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَشْرِيدَهُمْ إخْرَاجٌ لَهُمْ إلَى مَكَان يَقْطَعُونَ فِيهِ الطَّرِيقَ، وَيُؤْذُونَ بِهِ النَّاسَ، فَكَانَ حَبْسُهُمْ أَوْلَى. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، مَعْنَاهَا أَنَّ نَفْيَهُمْ طَلَبُ الْإِمَامِ لَهُمْ، فَإِذَا ظَفِرَ بِهِمْ عَزَّرَهُمْ بِمَا يَرْدَعُهُمْ.
وَلَنَا ظَاهِرُ الْآيَةِ، فَإِنَّ النَّفْيَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، وَالْحَبْسُ إمْسَاكٌ، وَهُمَا يَتَنَافَيَانِ. فَأَمَّا نَفْيُهُمْ إلَى غَيْرِ مَكَان مُعَيَّنٍ، فَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] . وَهَذَا يَتَنَاوَلُ نَفْيَهُ مِنْ جَمِيعِهَا. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَفْيِ الزَّانِي، فَإِنَّهُ يُنْفَى إلَى مَكَان يُحْتَمَلُ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الزِّنَا فِيهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا قَدْرَ مُدَّةِ نَفْيِهِمْ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَتَقَدَّرَ مُدَّتُهُ بِمَا تَظْهَرُ فِيهِ تَوْبَتُهُمْ، وَتَحْسُنُ سِيرَتُهُمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْفَوْا عَامًا، كَنَفْيِ الزَّانِي.
[مَسْأَلَةٌ تَوْبَةُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ]
(٧٣٢٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ، سَقَطَتْ عَنْهُمْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأُخِذُوا بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ؛ مِنْ الْأَنْفُسِ، وَالْجِرَاحِ، وَالْأَمْوَالِ، إلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] . فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحِ، وَغَرَامَةُ الْمَالِ وَالدِّيَةُ لِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ.
فَأَمَّا إنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] . فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدَّ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، فَمَنْ عَدَاهُمْ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَوْبَةُ إخْلَاصٍ، وَبَعْدَهَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَقِيَّةٌ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، تَرْغِيبًا فِي تَوْبَتِهِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ مُحَارَبَتِهِ وَإِفْسَادِهِ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ الْإِسْقَاطُ عَنْهُ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَرْغِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ الْفَسَادِ وَالْمُحَارَبَةِ.
следующие страницы →