Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الوجه العاشر
اتفق الفقهاء على أن النائم والصبي والمجنون يتعلق بهم خطاب الوضع من ضمان المتلفات وأروش الجنايات ونحوها، فليسوا بمنزلة البهيمة التي لم يتعلق بها حكم ألبتة، ولا بمنزلة الآدميين قبل البعثة؛ فإن الحكم لم يتعلق بهم أيضا ألبتة على المختار في أنه لا حكم قبل الشرع، والمختار فيه الجزم بعدم الحكم لا التوقف، ولا ينافي ذلك كون الحكم قديما، ولا كون تعلقه أيضا قديما عند من يقول بأن التعلق قديم، وهو المختار، وإنما لم يقدح في ذلك؛ لأن المقصود هنا التعلق الذي يوجد أثره في المحكوم عليه، وذلك منتفٍ قبل البعثة قطعا، إذا عرفت هذا فانتفاؤه قبل البعثة عام في خطاب التكليف وخطاب الوضع جميعا، ولا يثبت شيء من الأحكام الشرعية، وحكمنا بذلك حكم عقلي لا شرعي، أما بعد البعثة فقد عرفت أن خطاب الوضع ثابت في حق الجميع، وخطاب الندب ثابت في حق الصبي على الصحيح من مذاهب العلماء، فإنه مأمور بالصلاة من جهة الشارع أمر ندب مثاب عليها، وكذلك يوجد في حقه خطاب الإباحة والكراهة حيث يوجد خطاب الندب، وهو ما إذا كان مميزا، وإنما ينتفي في حقه الوجوب والتحريم؛ لأن فيهما كلفة، وهل انتفاء ذلك في حقه لعدم الحكم كما قبل الشرع أو حكم من حكم الله تخفيفا عنه؟ لم أر من تكلم في ذلك، وللبحث فيه مجال.
ويترتب عليه البحث في مدلول قوله في الحديث: (رفع القلم) ، فإن جعلنا الثابت في حقه عدم الحكم كما قبل الشرع كان معناه عدم الحكم واحتجنا إلى تكلف الجواب عن قول السائل: إنه لم يكن موضوعا، وعن حقيقة الرفع فإنها لم توجد، وإن جعلنا في حقه هو الحكم بعدم المؤاخذة
стр. 37
حسن التعبير بقوله: (رفع القلم) ؛ لأنه أمر متجدد بعد الشرع وكان قريبا من الحقيقة في معنى الرفع، وفي استدعائه الوضع؛ لأنه وضع على غيره وعليه في خطاب الوضع وغيره من الإباحة والندب، ورفع في الوجوب والتحريم خاصة، ويؤيد هذا أنه على هذا التقدير يكون قوله ﷺ : (رفع القلم) إثباتا لحكم شرعي، وعلى تقدير أن يراد عدم التكليف الأصلي كما قبل البعثة يكون حكما عقليا، وحمل كلام الشارع على الشرعي أولى. هذا في الصبي المميز.
أما غير المميز والمجنون والنائم فتكليفهم يبنى على تكليف ما لا يطاق، ومذهب أهل السنة جوازه، وهو قبل البعثة منتف بالأدلة الدالة على عدم التكليف، فإنه عام فيما يطاق ففي غيره أولى، أما بعد البعثة وثبوت الأحكام في جميع المرسل إليهم احتمل أن يقال بدخول غير المميز في التكليف بناء على تكليف ما لا يطاق وتكليف العاقل، فرفعه بقوله: (رفع القلم عن ثلاثة) .
وقد تبين لك بهذه المباحث أن هؤلاء الثلاثة ليسوا كمن قبل البعثة، وظهر موقع الحديث فيه وهو يحسن أن يكون جوابا عن قوله: (رفع) وتفسيرا له مع ما تقدم.
стр. 38
الوجه الحادي عشر
قال الجوهري: الصبي: الغلام. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الأحداني في كتابه: (كفاية المحيط في اللغة) - وهي مما حفظته -: قال بعضهم: الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولدته سمي صبيا، فإذا فطم سمي غلاما إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، ثم يصير حزور إلى خمس عشرة سنة. انتهى.
وما قاله من كون اسم الغلام من الفطام إلى سبع سنين هو الذي ذكره ابن عبد البر في التمهيد في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) عن أهل اللغة، والذي يجب القطع به أنه يسمى صبيا في هذه الأطوار إلى أن يحتلم في أثناء الطور الرابع بعد العشر، ومن الدليل على إطلاق الصبي على ما قبل الفطام ما جاء في الحديث: أتي النبي صلى الله ليه وسلم بصبي لم يأكل الطعام. ويطلق أيضا على ما بعد الفطام إلى العشر كما جاء في الحديث: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم
стр. 39
أبناء عشر) ، ويطلق أيضا على ما بعد العشر إلى البلوغ كقوله في هذا الحديث: (عن الصبي حتى يبلغ) .
وأما الغلام فأصله لمن يخدم، فإطلاقه على ابن سبع ونحوه مما يقاربها موافق لهذا الأصل، وإن صح إطلاقه على الرضيع كما يقتضيه كلام الجوهري، فلعله من باب تسمية الشيء باسم ما يصير إليه، وقد جاء في رواية ابن ماجة التي قدمناها: (الصغير) ، وهي مرادفة للصبي.
стр. 40
الوجه الثاني عشر
قوله: (حتى يبلغ) ، هكذا في الرواية التي رواها أبو ظبيان عن علي، وقد قلنا: إنها منقطعة؛ لأنه لم يدركه، والرواية التي صرح فيها بابن عباس في بعضها من رواية ابن السرح: (حتى يحتلم) ، وقد قلنا: إن رجالها رجال الصحيح، وهي من رواية ابن وهب عن جرير عن الأعمش، وكذا في رواية أبي الضحى عن علي، وفي رواية عثمان عن جرير عن الأعمش: (حتى يعقل) ، وفي رواية عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : (حتى يكبر) ، ولهذا البحث أثر يظهر فيما بعد.
стр. 41
الوجه الثالث عشر
لا شك أن يكبر ويعقل لا بيان فيهما فالتمسك برواية: (حتى يحتلم) أولى لبيانها، وايضا هي أصح سندا من حديث عائشة، وأما: (حتى يبلغ) ففيها الانقطاع كما قلناه، وفيها عدم البيان؛ لأنا لا ندري يبلغ ماذا؟ والأقرب إن صحت هذه اللفظة أن يكون المراد في قوله تعالى: (إِذا بَلَغوا النِّكاحَ) فيكون المراد: حتى يبلغ النكاح، ولا شك أن الاحتلام إنما يكون في ذلك السن، وقد يبلغ السن الذي يصلح أن ينكح فيه ولا يحتلم فتقتضي الآية الكريمة بلوغه، ولكن ذلك السن مختلف، فرب صبي قوي شديد الأسر كثير الفضلات تتوق نفسه إلى النكاح قبل خمس عشرة سنة، ورب صبي ضعيف جاف البدن لا تتوق نفسه وهو قريب العشرين، وقد يقال: إن البلوغ مطلق والاحتلام مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، وهذا بحث جيد؛ لأن (يبلغ) فعل في سياق الإثبات لا عموم له فهو مطلق، وبيانه هنا أيضا بأن الرفع مغيا بالغايتين بمقتضى الحديثين، فإذا وجدت إحداهما ولم توجد الأخرى فانقطاع الرفع عمل بالمفهوم واستمراره عمل بالمنطوق فيتقدم، فإن كان السابق هو الاحتلام فلا شك أنه يحصل به البلوغ ويحصل الغايتان جميعا بخصوصه وعمومه، وإن كان السابق كبر السن فيعمل بالمنطوق إلى الاحتلام، وهذا ظاهر في سن خمس عشرة مما لم يدل دليل على أنه بلوغ، أما الخمس عشرة فسنتكلم عليها، فيثبت أن الاحتلام بلوغ قطعا وما سواه من السن قبل خمس عشرة ليس ببلوغ قطعا، وما عدا ذلك سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 42
الوجه الرابع عشر
هذا الذي قلناه من حمل المطلق على المقيد شرطه أن يثبت اللفظان عن النبي ﷺ ، وإلا فالعمل بالثابت دون غيره، وكذلك إذا صح سندهما وكان أحدهما أرجح فالعمل بالراجح؛ لأنه المحكوم بأنه الحديث، وإنما المطلق والمقيد إذا ثبت أنهما قالهما بأن يكون نطق بالحديث مرتين، وأما الطريقة الأخرى التي سلكناها من كون الرفع مغيا بالغايتين بمقتضى الحديثين إلى آخر التقرير فهي جارية مطلقا، سواء صح كلا اللفظين عنه صلى عليه وسلم أم أحدهما.
стр. 43
الوجه الخامس عشر
أجمع العلماء على أن الاحتلام يحصل به البلوغ في الرجل، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: (وَإذا بَلَغَ الأَطفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَليَستئذِنوا) ، وقوله ﷺ في هذا الحديث: (حتى يحتلم) ، والآية أصرح؛ فإنها ناطقة بالأمر بعد الحلم، والحديث قد قدمنا مدلول الغاية وأن التكليف بعد الاحتلام، وإنما يؤخذ بدلال المفهوم وبما أشعر به الرفع من وضع القلم عن من سوى الثلاثة. ومن الدليل في ذلك أيضا عن علي ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : (لا يُتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل) . رواه أبو داود.
والمراد بالاحتلام خروج المني سواء كان في اليقظة أم في المنام بحلم أو غير حلم، ولما كان في الغالب لا يحصل إلا في النوم بحلم أطلق عليه الحلم والاحتلام، ويكون الخروج بغير حلم مدلولا عليه باللفظ إن أطلقنا اللفظ على الأقسام الثلاثة لوجود المعنى في جميعها أو لا يكون مدلولا عليه، ولكن الحلم ثابت فيه إجماعا لمشاركته في المعنى لما دل اللفظ عليه، ولو وجد الاحتلام من غير خروج مني فلا حكم له.
والذي يتعلق بالحديث مما نحن فيه أن قوله: (حتى يحتلم) دليل البلوغ بذلك، وهو إجماع، وهو حقيقة في خروج المني بالاحتلام؛ ومجاز
стр. 44
في خروجه بغير احتلام يقظة أو مناما، أو منقول فيما هو أعم من ذلك، ويخرج منه الاحتلام بغير خروج مني إن أطلقناه عليه منقولا عنه، أو لكونه فردا من أفراد الاحتلام.
وقد قالوا: إن وقت إمكان خروج المني باستكمال تسع سنين، ولا عبرة بما ينفصل قبل ذلك. وقيل: وقت الإمكان بمضي ستة أشهر من السنة العاشرة. وقيل: بتمام العاشرة. والحديث لا تعرض له لشيء من ذلك؛ بل بخروج المني متى اتفق، والقول بأن ما انفصل قبل تمام التاسعة لا عبرة به؛ إن كان على غير صفة المني فصحيح، وإن كان على صفة المنى - إن فرض ذلك - فكيف لا يعتبر به والاسم صادق عليه والحديث يشمله؟! وليس هذا كالدم إذا رأته المرأة قبل سن الحيض حيث نقول: إنه دم فساد؛ فإن الدم بسببه، ن وأما المني فلا يشتبه بغيره، ومقتضى الحديث أنه متى وجد وجد البلوغ، نعم! الظاهر أنه لا يوجد قبل هذا السن، وأما أنا نفرض وجوده ونقول: لا عبرة به. فليس بظاهر.
стр. 45
الوجه السادس عشر
اختلف أصحابنا في بلوغ النساء بالاحتلام، والصحيح أنه بلوغ في حقهن كالرجال، وفيه وجه أنه لا يوجب البلوغ فيهن؛ لأنه نادر فيهن ساقط العبرة، ويؤخذ من هذا الحديث ضعف هذا الوجه لعموم قوله: (الصبي) ، وهو شامل للذكر والأنثى بما قررناه، وإطلاق قوله: (حتى يبلغ) ، وتعلق المخالف بندرة الاحتلام فيهن - إن سلمت له الندرة - لا تنفعه؛ لا، الندرة لا توجب الخروج من اللفظ، وليس ذلك من مخصصات العموم، ولو سلم أن ذلك من المخصصات للعام فذلك إذا كانت الصورة نادرة فهن داخلات في العموم بلا إشكال، وقوله: (حتى يحتلم) غاية فيهن، وليس من شرط الغاية أن تكون غالبة ولا غير نادرة.
стр. 46
الوجه السابع عشر
اختلف العلماء في البلوغ بالسن؛ فعن مالك إنكاره مطلقا، وأن البلوغ إنما هو بالاحتلام، وعن أبي حنيفة: أن بلوغ الغلام بثمان عشرة سنة، وفي الجارية روايتان عنه: إحداهما كذلك، والثانية بسبع عشرة سنة، وقال الشافعي: إن البلوغ فيهما بخمس عشرة سنة، واختلف أصحابه في ضبطها؛ فالمذهب المشهور أن المعتبر تمام السنة الخامسة عشر، وفي وجه مشهور في طريق المراوزة زمانه بالطعن فيها، وفي وجه غريب: أنه بمضي ستة أشهر منها، ولا دلالة للحديث الذي نحن فيه على شيء من ذلك، ولكن استندوا فيه إلى حديثين: أحدهما: عن ابن عمر قال عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. متفق عليه.
قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز في خلافته فقال: إن هذا لحد بين الصغير والكبير. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز أمر بذلك بعد، وكان يجعل من دون خمس عشرة في الذرية، وكتب إلى عماله: أن افرضوا لابن خمس عشرة، وما كان سوى ذلك فألحقوه بالعيال.
стр. 47
والمخالفون اعتذروا عن هذا الحديث بأن الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وإنما أجازه النبي ﷺ لابن عمر في الخمس عشرة؛ لأنه رآه مطيقا للقتال، ولم يكن مطيقا له قبله، لا لأنه أدار الحكم على البلوغ وعدمه.
ولعمري! إن هذا العذر يلوح ولكن يرده أن جماعة مع ابن عمر اتفق لهم ذلك وأسنانهم متساوية، وكان فيمن رد من يتشرف للقتال ويظهر من نفسه الجلادة والقوة، وذكر ابن عمر السن في المقامين دليل على أنه فهم أن ذلك منوط بالسن، ويعضد ذلك بفهم عمر بن عبد العزيز ومن وافقه، والأمر فيه محتمل، وأمر عمر بن عبد العزيز بجعل من دون خمس عشرة في الذرية ظاهر لما قدمناه من البحث في الوجه الثالث عشر، وكذلك ينسحب حكم عدم البلوغ على ما قبل تمامها بالبحث المذكور، لا ريبة فيه عندي، فلا بلوغ قبل استكمال خمس عشرة سنة بغير احتلام، وإنما النظر في البلوغ بتمامها، والإجازة في القتال لا تدل على البلوغ؛ لأن الصبي القادر على القتال يجوز له الحضور وإن لم يجب عليه.
وقد ذكر الرافعي في هذا الحديث زيادة، وهي قول ابن عمر في المرة الأول: ولم يرني بلغت، وفي الخندق رآني قد بلغت. وهذه الزيادة إن صحت كافية في الاستدلال مع إمكان أن يحملها الخصم على بلوغ القتال، ولكن الظاهر خلافه، وبعض هذه الزيادة رواة البيهقي، وهو قول ابن عمر عن يوم أحد: ولم يرني بلغت. رواه ابن جريج، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وفي رواية جماعة، عن عبيد الله: فاستصغرني.
стр. 48
وأما الحديث الثاني: فرواه الدارقطنين على ما نقله إمام الحرمين أن النبي ﷺ قال: (إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه، وأقيمت عليه الحدود) . وهذا الحديث نص في المقصود، فإن الذي دلت عليه السير أن ابن عمر يوم الخندق كان في ست عشرة سنة ولكنه لم يحسب تلك الزيادة فقال: وأنا ابن خمس عشرة؛ لأنه كان أكملها وزاد عليها، فإجازة النبي ﷺ له يحتلم أن يكون لقدرته على القتال مع صباه، ويحتمل أن يكون لاستكماله خمس عشرة، ويحتمل أن يكون لبلوغه قبل ذلك أو بعده، وأما هذا الحديث فنص في اعتبار كمال خمس عشرة سنة، وصريح في أنه يكتب ما له وما عليه وتقام عليه الحدود، وهذا معنى التكليف، فإن صح هذا الحديث فلا ريبة في هذا الحكم، وإلا فنقول: اعتبار أبي حنيفة أيضا لسبع عشرة أو لثمان عشرة لا دليل عليه، وبقاء الصبا إلى إلى الاحتلام أبدا لا صائر إليه، وربما لا يحتلم شخص، وقد دل القرآن على بلوغ النكاح، وهو السن الذي تتوق فيه النفس إلى الجماع ويقدر عليه، وهو مختلف باختلاف الاشخاص، والغالب وجوده في ابن خمس عشرة وما قاربها، وقد شهد له حديث ابن عمر والحديث الآخر، فهو أولى بالاعتبار
стр. 49
وإقامته مظنته، فلذلك يختار موافقة الشافعي في الحكم بالبلوغ باستكمال خمس عشرة ظاهرا لا قطعا، أما إذا استكمل سبع عشرة أو ثمان عشرة فيحكم بالبلوغ باتفاق منا ومن الحنفية، ومخالفة مالك بعيدة؛ لأنه لا غاية بعدها، وحيث أطلقنا السنين فالمراد القمرية، وحيث حكمنا بالبلوغ بالسن بدون الاحتلام فذلك يقتضي تخصيص قوله: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) أو أنه استعمل الاحتلام في الأعم منه ومن بلوغ وقته.
стр. 50
الوجه الثامن عشر
اختلف العلماء في إنبات العانة: هل يقتضي الحكم بالبلوغ؟ فمن العلماء من أنكر ذلك، وهو أبو حنيفة ﵁، ومنهم من قال به في حق المسلمين والكفار، وهو أحد الوجهين لأصحابنا بناء على أنه بلوغ حقيقة كسائر أسباب البلوغ، أو أنه علامة يحتاج إليها عند الاشكال فيهما، وهو مذهب مالك، ومنهم من قال به في حق الكفار خاصة، وهو الصحيح عند أصحابنا بناء على أنه ليس ببلوغ، ولكنه دليل على البلوغ وأمارة؛ أنه يستعجل بالمعالجة، ولأن تواريخ المواليد في المسلمين يسهل الكشف عنها بخلاف الكفار، فإنه لا اعتماد على قولهم، فجعل علامة في حق الكافرخاصة، واحتجن من جعله دليلا في حق الكفار بحديث عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون من أبنت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت. قال: فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت فجعلوني في السبي. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
стр. 51
وعن أبي سعيد الخدري: أن سعدا حكم في بني قريظة أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم، فقال له النبي ﷺ : (حكمت بحكم الله) . متفق عليه.
وعن عطية قال: كنت ممن حكم عليه سعد، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت ترك، فكنت ممن لم ينبت فتركت.
وهذه الاحاديث حجة قوية في الحكم بالبلوغ لذلك، وغاية ما فيه تخصيص قوله: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) إذا فرض الإنبات قبل الاحتلام، على أن القول بالتخصيص إنما يلزم من يقول: إنه بلوغ حقيقة، أما من يقوله أمارة على البلوغ فمعناه إنما نستدل به على أنه بلغ بالاحتلام أو بالسن فلا يلزم التخصيص، وسياق هذا يقتضي أن الشخص لو عرف من نفسه أنه لم يحتلم ولم يكمل خمس عشرة وقد أنبت أنه لا يحكم ببلوغ نفسه، وأن يستديم حكم الصبا، وإن كنا نحن نحكم ببلوغه، وهذا يقتضي القول بأنه أمارة، سواء قلنا به في حق الكفار أم في حقهم وحق المسلمين، وقد رأيت للشافعي ﵁ ما يدل على ذلك، فإن ابن الحداد نقل في كتاب (الجزية) له: أنا لو تحققنا أن عمره دون خمس عشرة فلا أثر للإنبات، وعلى ذلك نص الشافعي؛ إذ قال: فإن قال: أنبت من أني تعالجت بشيء تعجل إنبات الشعر، لم يقبل ذلك منه إلا أن يقوم شاهدان مسلمان على ميلاده فيكون لم يستكمل خمس عشرة فندعه. انتهى. وهذا مقتضى جعله دليلا لا بلوغا، ومراد الشافعي: أنه لا يقبل في رفع الجزية عنه، أما إذا كان
стр. 52
المشركين وأسرناه وأردنا قتله فادعى ذلك، وقلنا: إنه علامة. قال أبو عاصم العبادي: تسمع دعواه ويحلف، فإذا حلف ترك قتله. ولعل الفرق بين الذمي والمشرك حظر الدم وسهولة أمر الجزية، وهو يشعد أيضا لما قلته.
فإن قلت: ولو جعلناه علامة فلم لا يقال بأنه مظنة، والمظنة إذا وجدت لا يعتبر معها وجود الحكمة ولا يضر تخلفها، كالنوم لما كان مظنة للحدث كان موجبا للوضوء، ولو تحققنا عدم الحدث، إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري.
قلت: المظنة إنما تكون في أمر خفي مستتر فيقام وصف ظاهر منضبط مقامه فصير هو المعتبر، وأما الاحتلام والسن فأمران منضبطان لا يحتاجان إلى مظنة، وإنما الإنبات دليل ظاهر إذا لم يعلم خلافه، فإن علم اتبع، على أن المظنة إذا قطعنا بانتفاء الحكم عنها قيل: إنا لا نرتب الحكم عليها، وتحقيق ذلك محله أصول الفقه.
والأقرب أن الانبات علامة في حق المسلم والكافر كما هو مذهب مالك، ويدل له ما روي أنه رفع إلى عمر ﵁ غلام من الأنصار شبب بامرأة في شعره فقال عمر ﵁: لو أنبت الشعر لحددتك. ولعل مراد عمر بالحد التعزير.
стр. 53
الوجه التاسع عشر
الحكمة في تعليق التكليف بخمسة عشر: أن عندها بلوغ النكاح وهيجان الشهوة والتوقان، ويتسع معها الشهوات في الأكل والتنشط ودواعي ذلك، ويدعوه ذلك إلى ارتكاب ما لا ينبغي، فلا يحجزه عن ذلك ويرد النفس عن جماعها في هذه البلية العظمة إلا رابطة التقوى وتشديد المواثيق عليه والوعيد، وكان مع ذلك قد كمل عقله واشتد أسره وقوته، فاقتضت الحكمة الإلهية توجه التكليف إليه لقوة الدواعي الشهوانية والصوارف العقلية، واحتمال القوة للعقوبات على المخالفة، وقد جعل الحكماء للإنسان أطوارا، كل طور سبع سنين، وأنه إذا تكمل الاسبوع الثني تقوى مادة الدماغ لاتساع المجاري وقوة الهضم، فيعتدل الدماغ ويوقى الفكر والذكر وتنفرق الأرنبة وتتسع الحنجرة فيغلظ الصوت لنقصان الرطوبة وقوة الحرارة وينبت الشعر لتولد الابخرة، ويحصل الإنزال بسبب الحرارة، وتمام الاسبوع الثاني هو في وسط الخامسة عشرة؛ لأن الحكماء يحسبون بالشمسية، والمتشروعون يعتبرون الهلالية، وتمام الخامسة عشر يتأخر عن ذلك أشهرا، فإما أن تكون الشريعة حكمت بتمامها لكونه أمرا مضبوطا، أو لأن هناك دقائق اطلع الشرع عليها، ولم يصل إليها الحكماء، اقتضت تمام السنة أو كما شاء تعالى،
стр. 54
فسبحانه من حكيم قادر قاهر، تقصر عن حكمته عقول الحكماء، وقد اشتملت الروايات الثلاث التي ذكرناها في الحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرنا أنها تحصل عند خمس عشرة وهي قوله: (حتى يكبر) و (حتى يعقل) و (وحتى يحتلم) ، فالكبر إشارة إلى قوته وشدته واحتماله للتكاليف الشاقة والعقوبات على تركها. والعقل المراد به الفكر؛ فإنه وإن ميز قبل ذلك لم يكن فكره تاما وتمامه عند هذا السن، كما أشرنا إليه من كلام الحكماء، وبذلك يتأهل للمخاطبة وفهم كلام الشارع والوقوف مع الأوامر والنواهي. والاحتلام إشارة إلى انفتاح باب الشهوة العظيمة التي توقع في الورطات، وتجذب إلى الهوى في الدركات، وجاء التكليف كالحَكَمة في رأس البهيمة تمنعها من السقوط، فانظر هذه المحاسن بعين بصيرتك، وتأمل هذه اللطائف بصفو فكرتك، يمتلىء قلبك بنور الفهم للكتاب والسنة، وأسال الله أن يوزعك شكر هذه المنة، وقيل لو علمت الملوك ما نحن فيه لجالدتنا عليه بالسيوف، والله أعلم.
стр. 55
الوجه الموفي عشرين
لا شك أن الصبي إذا أنزل فقد بلغ وزال الصبا، والإنزال موجب للغسل فهو متقدم عليه بالذات وإن قارنه في الزمان. وقيل: إنه متقدم عليه في الزمان أيضا، وهذا الخلاف جار في كل علامة شرعية، ووجوب الغسل وغيره من التكاليف مشروط بالبلوغ، فالبلوغ متقدم على التكليف بالذات ايضا؛ لأنه شرطه، والشرط كالعلة في التقدم، فإذا كان الإنزال موجبا للبلوغ يكون البلوغ متأخرا عنه تأخر المعلول عن علته، ومتقدما على وجوب الغسل تقدم الشرط على مشروطه، فالبلوغ ووجوب الغسل معلولا علة واحدة فيجب اقترانهما، والبلوغ شرط لوجوب الغسل فيجب تقدمه، فيلزم أن يكون الشيء الواحد متقدما غير متقدم، وهو محال، وحل هذا بأن لا يجعل الإنزال موجبا للبلوغ، بل هو دليل عليه، ولست أعني بكونه دليلا كما نقول في الإنبات، وإنما أقول: إن البلوغ في الحقيقة المقتضي للتكليف هو بلوغ وقت النكاح، كما أرشد إليه تعالى بقوله: (إِذا بَلَغوا النِكاحَ) ، والمراد: بلغوا وقته، وبلوغ وقت النكاح بالاشتداد والقوة والتوقان وما أشبه ذلك مما يتأهل به له، فهذا في الحقيقة هو البلوغ المشار إليه في الآية الكريمة، وضبطه الشارع بأنواع، أظهرها الإنزال، فإذا أنزل تحققنا حصول تلك الحالة؛ إما قبل الإنزال، وإما مقارنة له، لكنها قبله غير معتبرة لرفع القلم حتى يحتلم، فاعتبر
стр. 56
الحالة المقارنة له، وهذا المعنى لا يستدعي بتقدم الإنزال على البلوغ لا بالذات ولا بالزمان؛ لأنه ليس فيه علة، ولكن علة في الحكم به وكاشفا عنه، وإذا عرف هذا فلا مانع من أن يكون وجوب الغسل الذي هو معلول الإنزال مشروطا بالبلوغ؛ إذ البلوغ حينئذ مقارن للإنزال لا متقدم عليه بالذات فلا استحالة.
الوجه الحادي والعشرون
إذا اعتبرنا البلوغ بخمس عشرة سنة فهو تحديد؛ لأن كل عدد نص الشارع عليه فهو تحديد، وإنما يختلف فيما ليس مقدرا من جهة الشارع، والمستند هنا إما حديث الدارقطني - إن صح - وهو نص في هذا العدد، فصار كحول الركوة، وإما حديث ابن عمر، نوقد جاء فيه لفظ: الخمسة عشر من لفظ ابن عمر، فيعتبر أيضا مع ما أشرنا إليه من قبل أنا حيث شككنا في البلوغ قبل الاحتلام بنفيه بدلالة قوله: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) فيستعمل هذا إذا بقي من الخمسة عشر أيام قليلة.
стр. 57
الوجه الثاني والعشرون
استدل بعض الفقهاء على عدم صحة بيع الصبي بقوله: (رفع القلم عن الصبي) ، ووجه الدلالة: أن البيع لو صح لاستلزم المؤاخذة بالتسليم والمطالبة بالعهدة، والحديث دال على عدم المؤاخذة. ويقولون هكذا: لو صح منه البيع لكلف أحكام البيع، وهو لا يكلف شيئا ما، عملا بقوله: (رفع القلم عن ثلاثة) . ولو صح هذا الاستدلال لنفع في بيع الاختبار، وهو
стр. 58
الذي يختبر به رشد الصبي، وتعرفه قبل البلوغ، فإن فيه خلافا، والصحيح عدم صحته، لكن هذا الاستدلال فيه نظر؛ لأنه قد يقال بصحة البيع ولا يستلزم مؤاخذته، بل يؤمر وليه بالتسليم والعهدة، كما يؤدي عنه الزكوات وأروش الجنايات.
واعتذر بعض الفقهاء عن هذا الاعتراض: بأن إقامة الولي مقامه في ذلك للضرورة، ولا ضرورة تدعو إلى تصحيح بيعه وإقامة الولي مقامه في أحكامه، وفي وصية الصبي وتدبيره خلاف، وكذا قبول روايته. ولا متعلق في الحديث لشيء من ذلك.
стр. 59
الوجه الثالث والعشرون
في صحة إسلامه خلاف، وقد يحتج بالحديث على عدم صحته بمثل ما احتج به على عدم صحة البيع، لأنه لو صح إسلامه لكلف أحكامه، واللازم منتف بالحديث. وهذا أضعف من الأول؛ لأنه يكفي من ترتب أحكامه ظهور أثرها بعد البلوغ، والقائل بصحة إسلامه يقول: إنه إذا بلغ ووصف الكفر صار مرتدا، وهذا لا ينفيه الحديث، إنما ينفي المؤاخذة حين الصبا، والاسلام كالعبادات: الصوم والصلاة والحج، فكما يصح منه العبادات يصح منه الإسلام.
стр. 60
الوجه الرابع والعشرون
اختلفوا في وجوب الزكاة عليه؛ ومذهب الشافعي ﵁: وجوبها، ومذهب أبي حنيفة ﵀: لا تجب، وقد يتعلق بالحديث، والشافعي يجعلها كنفقة الأقارب، وأن الخطاب بها من باب خطاب الوضع، وقد قدمنا أنه غير مرفوع عن الثلاثة، والمكلف بإخراجها من مال الصبي هو الولي.
ومبنى الخلاف بين الإمامين على أن المغلب عليها شائبة العبادة أو النفقة؛ فأبو حنيفة غلب شوب العبادة فلم يوجبها، والشافعي غلب شوب النفقات فأوجبها، ويقول: إن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء الزكاة لكفاية الفقراء، فكما تجب عليه نفقة قريبة تجب الزكاة، وليست داخلة في خطاب التكليف الذي اقتضى الحديث رفعه.
الوجه الخامس والعشرون
اتفقوا على تأديب الصبي على ترك الصلاة إذا كان ابن عشر، كما صح الحديث فيه، ولا يعارض ذلك قوله: (رفع القلم عن ثلاثة) ؛ لما قلنا: إن المراد الوجوب والتحريم، فضرب الصبي بما هو تأديب واستصلاح كاستصلاح البهيمة بضربها، وإن أخذ رفع القلم عاما، فيكون الحديث الدال على الضرب مخصصا له.
стр. 61
الوجه السادس والعشرون
قوله: (وعن النائم حتى يستيقظ) يقتضي ارتفاع تكليفه حالة النوم، وقد اتفق الفقهاء على أنه لو نام من أول وقت الصلاة إلى آخره وجب عليه بعد أن يستيقظ قضاء الصلاة، وذلك مجمع عليه؛ لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) .
ولكن اختلفوا: هل ذلك بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ والمشهور أنه بأمر جديد، وهو الوارد في الحديث، فلا يعارض رفع القلم عنه حالة النوم. وقيل: الأول وهذا القول يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يقال: الأمر الأول اقتضى الوجوب عليه والنوم مانع، فإذا زال المانع عمل المقتضى عمله، وتعلق ذلك الوجوب الذي اقتضاه الأول، وإن لم يتعلق به حالة النوم، وهذا لم أر من صرح به، ولكنه محتمل أن يقال، وإذا قيل به لا يعارض قوله: (رفع القلم عن ثلاثة) لأن المراد به عدم التعلق حالة الصبا والنوم والجنون، غاية ما في الباب اختلاف حكمهم في ذلك، فالصبي والمجنون لا يثبت حكم الخطاب في حقهم بعد ذلك؛ لأنهم ليسا من أهل الخطاب، فليس المقتضي في حقهم ثابتا، وانتفاء التكليف في حقهم لانتفاء المقتضي لا لقيام المانع، والنائم لقرب استيقاظه من أهل
стр. 62
الخطاب، ولكن لا يتعلق به حالة النوم للغفلة كالساهي، فإذا زال النوم ظهر أثر الخطاب.
الأمر الثاني: مما يحتمله هذا القول: أن وجوب الصلاة ثبت في حقه حالة النوم، وهذا ظاهر كلام الفقهاء، ويؤول كلامهم إلى: أن معنى الوجوب ثبوتها في الذمة، ويفرقون بين الوجوب ووجوب الأداء، فأصل الوجوب مع النوم، والمراد به ما ذكرناه، ووجوب الأداء لا يحصل مع النوم، ولذلك قالوا في وجوب الزكاة: إنها تجب على الصحيح بحولان الحول قبل التمكن، وإن كان التمكن شرطا، ولكنه شرط في وجوب الأداء لا في الوجوب بمعنى الثبوت في الذمة، وإذا فسروا وجوب الصلاة على النائم بمعنى ثبوتها في ذمته، صارت كالديون التي تثبت في الذمة ولا يستدعي التكليف، والتحقت بخطاب الوضع، فلا تعارض قوله: (رفع القلم عن ثلاثة) لأنه إنما اقتضى خطاب التكليف.
فإن قيل: فكان ينبغي ثبوت هذا المعنى في الصبي والمجنون: قلت: لما كان زمن الصبا والجنون يطول، كان في ذلك مشقة، فلم يتعلق بذمتهما أيضا.
стр. 63
الوجه السابع والعشرون
إذا دخل على المكلف وقت الصلاة وتمكن من فعلها وأراد أن ينام قبل فعلها؛ فإن وثق من نفسه أن يستيقظ قبل خروج الوقت بما يمكنه أن يصلي فيه - جاز، وغلا لم يجز، وكذا لو لم يتمكن، ولكن بمجرد دخول الوقت قصد أن ينام، فإن بمجرد دخول الوقت حصل الوجوب، ولكن التمكن شرط في الاستقرار، فإن الصلاة تجب بأول الوقت، وتستقر بمضي زمان يتسع فعلها، فمتى قصد النوم بعد الوجوب ومضى زمان التمكن أولا كان الحكم كما ذكرناه. وحيث نقول بالإثم فهنا إثمان؛ أحدهما: إثم ترك الصلاة.
الثاني: التسبب إليه.
فأما إثم التسبب غليه فهو الذي أردناه بقولنا: إنه يأثم بالنوم.
فإن قيل: إما أن يأثم قبل النوم، أو حالة النوم، لا سبيل إلى الأول، لأن سبب التفويت لم يوجد، ولا إلى الثاني، لعدم تكليف النائم، والإثم بلا تكليف محال.
قلنا: لا مانع من الإثم أول النوم وقبيله؛ أما أوله فلأنه مقدور، لأن الفرض كذلك، وهو سبب للفوات وهو قادر على دفعه، فأول جزء منه يقارنه الإثم بالخطاب السابق، والمحذور أن يوجد خطاب حالة النوم. وأما قبيله فلأنه إذا قصد ترك الصلاة وتعاطى أسبابه من التهيؤ للنوم أثم. وإذا ثبت الإثم عليه بأول النوم فلا مانع من انسحاب حكم المعصية وإن لم يكن حالة النوم عاصيا بالفعل، لكنه كسائر العصاة.
стр. 64
وهذه المعصية بالتسبب إلى تفويت الصلاة لا تساوي المعصية بترك الصلاة، فإن مفسدة الترك لم تتحقق بعد، وقد يستيقظ على خلاف ظنه، فإن استيقظ وصلى في الوقت لم يحصل له إثم ترك الصلاة، وأما ذلك الإثم الذي حصل فلا يرتفع إلا بالاستغفار عنه. بلى، عندنا في كونه كبيرة نظر؛ فإن كان حصل فلا يرتفع إلا بالإستغفار عنه. بلى، عندنا في كونه كبيرة نظر؛ فإن كان صغيرة وهو الأقرب فيزول بعدم الاصرار.
وإذا صلى والحالة هذه في بقية الوقت: هل تكون صلاته أداء أو قضاء؟ يحتمل أن يأتي فيه ما قاله القاضي أبو بكر والغزالي فيما إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت ثم عاش وصلى؟ قال القاضي: هي قضاء. وقال الغزالي: هي أداء؛ إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه. وههنا يحتمل أن يقال بذلك، ويحتمل أن يفرق بأنه هناك لما ظن أنه لا يعيش تضيق عليه، وهنا لم يتضيق عليه، بل هو مخاطب بأحد الأمرين؛ إما أن يعجل الصلاة، وإما أن لا ينام، ومعصيته بتفويت أحد الأمرين؛ والوقت لم يتغير في حقه.
وإن لم يستيقظ إلا بعد الوقت فقد حصل إثم ترك الصلاة وهو كبيرة، ولكنا متى نحكم بذلك؟ يحتمل أن يقال بخروج الوقت. وإن كان نائما تبين لنا أن إثم التفويت حصل بأوله. ويحتمل أن يقال: إنه يحصل وهو نائم؛ لأن سببه صادر منه، وهو بصفة التكليف. ويبعد أن يقال: إنه لا يحصل حتى يستيقظ فيتعلق ذلك الإثم؛ فإنه لا معنى لذلك، وقد يموت في منامه.
стр. 65
الوجه الثامن والعشرون
إذا أراد أن ينام قبل الوقت، ويغلب على ظنه أن نومه يستغرق الوقت، لم يمتنع عليه ذلك؛ لأن التكليف لم يتعلق به بعد، ويشهد له ما ورد في الحديث: أن امرأة عابت زوجها بأنه ينام حتى تطلع الشمس فلا يصلي الصبح إلا ذلك الوقت، فقال: إنا أهل بيت معروف لنا ذلك - أي: ينامون من الليل حتى تطلع الشمس - فقال النبي ﷺ : (إذا استيقظت فصل) . أو ما هذا معناه.
стр. 66
الوجه التاسع والعشرون
هل يجب إيقاظ النائم الذي لم يصل؟ فنقول: أما الأول الذي نام بعد الوجوب عاصيا، فيجب إيقاظه من باب النهي عن المنكر.
وأما الذي نام قبل الوقت فلا؛ لأن التكليف لم يتعلق به، لكن إذا لم يخش عليه ضررا فالأولى إيقاظه؛ لينال الصلاة في الوقت، قال ﷺ : (رحم الله امرءا قام من الليل فصلى، ثم أيقظن زوجته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء) ، فإذا كان هذا في قيام الليل، فما ظنك بالفريضة!!؟
стр. 67
الوجه الموفي ثلاثين
لا فرق في النوم بين الثقيل والخفيف إذا زال معه الشعور، وأما السنة التي تحصل في العين ولا يزول بها شعور القلب فلا يسقط بها التكليف، فإن سميت نوما فالحديث مخصوص بها، والأقرب أنها تسمى نوما، ولذلك قال تعالى: (لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَومٌ) .
стр. 68
الوجه الحادي والثلاثون
إذا ثبت أن النائم رفع عنه القلم لعدم شعوره، فالمغمى عليه بطريق الأولى، لأن النوم أسرع زوالا من الإغماء. وقيل: إن النوم يستر العقل، والإغماء يغمره، والجنون يزيله. ولعل النبي ﷺ نص على الطرف الأعلى مما يطرأ على العقل وهو الجنون، وعلى الطرف الأدنى وهو النوم، ويعلم بذلك ما بينهما فيلحق بها.
وأما السكر وإن كان بينهما في إزالة الشعور، ولكن سببه معصية، فلذلك اختلفت العلماء في تكليف السكران، والذي نقله أبو حامد عن مذهب الشافعي: أنه مكلف، وإن كان كلام النووي يقتضي أنه غير مكلف، وكأن النووي أخذه من الأصوليين، فإنهم يطلقون: أن النائم والناسي والسكران غير مكلفين، وطوائف من الفقهاء يطلقون التكليف حتى في النائم والناسي، ونحن لا نوافقهم في النائم والناسي إلا بمعنى الثبوت في الذمة كما سبق، والظاهر أنه مرادهم، وأما السكران فمرادهم المؤاخذة لمعصيته، وتحقق ذلك مذكور في الفقه والأصول.
стр. 69
الوجه الثاني والثلاثون
(نائم) قبل دخول الألف واللام يدل على شخص مطلق متصف بنوم مطلق، أعني مطلق شخص متصف بمطلق نوم، وبعد دخول الألف واللام يدل على كل شخص متصف بمطلق نوم، فدلالته على الأشخاص عامة عموما استغراقيا، ودلالاته على النوم مطلقة، لكن يعم بحسب عموم الأشخاص، يعني إذا وجد شخصان؛ اتصف أحدهما بنوع من النوم، واتصف الآخر بنوع آخر منه، ثبت الحكم لهما جميعا لأجل عموم الأشخاص، وليس ذلك لعموم النوم، بل النوم مطلق على حالة، لكن لو أخرجنا ذلك النوع منه لأخرجنا الشخص المتصف به، ففات عموم الأشخاص، فلا منافاة بين قولنا بالاستغراق في ذلك، وقولنا بأن النوم مطلق.
وقد تكلمنا على الدلالة الثانية، وقلنا: لا فرق بين النوم الثقيل والخفيف، وأن السنة التي يبقى معها الشعور إن سميت نوما خصص بها اللفظ وإلا فلا، وأما الدلالة وهي استغراق كل نائم فنتلكم عليها هنا ونقول:
عموم الأشخاص يخرج منه من لا ينام قلبه - وهم تنام قلوبهم - فلا يدخلون في حكم هذا الحديث في قوله: (وعن النائم حتى يستيقظ) ، فالنوم في حقهم لا يرفع التكليف، ولهذا قال ﷺ : (إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي) . وهكذا أقول فيما ورد أنه ﷺ في
стр. 70
مرضه أُغمي عليه: أن ذلك الإغماء متعلق بجسمه ﷺ خاصة، ولا تعلق له بقلبه، قلبه الشريف ﷺ إذا حفظ وعصم من النوم الذي هو أخف من الإغماء بطريق الأولى، وأما غلبة الأوجاع للخواص الظاهرة فذلك من الأمراض التي لا تمتنع، والإغماء كان من هذا القبيل، وليس كالإغماء الذي يحصل لغيره من آحاد الناس فيغمو قلبه.
نعلم بذلك أن قوله: (عن النائم) عام مخصوص، والأنبياء معصومون عما يطرأ على عقولهم.
стр. 71
الوجه الثالث والثلاثون
قوله: (وعن المجنون حتى يفيق) كذا في رواية يوسف بن موسى في حديث علي، وفي رواية عثمان بن أبي شيبة فيه: (عن المجنون حتى يبرأ) ، وفي رواية ابن السرح فيه: (عن المجنون والمغلوب على عقله) ولم يذكر غاية، وهي مستغنى عنها كما قدمناه، وفي رواية أبي ظبيان عن علي وهي منقطعة: (عن المعتوه حتى يبرأ) وفي رواية أبي الضحى عن علي: (عن المجنون حتى يعقل) ، وفي رواية ابن ماجه: (حتى يعقل أو يفيق) .
وهذه الألفاظ كلها متقاربة أو متوافقة، والمجنون والمعتوه واحد هنا، وإن كان اللغويون أطلقوا أن المعتوه: الناقص العقل، والمراد بنقص العقل: نقصانه عن أهلية الخطاب، وذلك هو الجنون، ولا يراد بذلك ما قد يطلقه بعض أهل العرف من نقصان العقل على من لم يكن كامل العقل وافره، فإن ذلك نقصان كمال.
وفي حديث عائشة ﵂: (وعن المبتلى حتى يبرأ) ، والمبتلى وإن كان من حيث الوضع أعم من المجنون، فإن المراد به هنا المجنون؛ لدلالة بقية الروايات عليه، وللإجماع على أن المبتلى بغير ذلك لا يرتفع عنه القلم، وإطلاق المبتلى على المجنون إطلاق ممكن، فإنه لا بلوى أعظم من ذهاب العقل إلا ذهاب الدين، وسائر الأمراض البدنية غير الجنون لا يخرج صاحبها عن خاصة النوع الإنساني، والجنون يكاد يخرجه فإن الذي يتميز به الإنسان عن البهيمة هو العقل.
стр. 72
الوجه الرابع والثلاثون
تقول العرب: جن الرجل - مبنيا لما لم يسم فاعله - جنونا، وأجنة الله - رباعيا - فهو مجنون، ولا تقل: مجن، وإن كان هو قياس الرباعي، وقولهم في المجنون: ما أجنة! شاذ لا يقاس عليه.
الوجه الخامس والثلاثون
الجنون قد يكون منطبقا وقد يكون منقطعا، والحديث قد شمل النوعين، فإن المنقطع يثبت حكمه كلما طرأ، ويزول كلما زال، وذلك مقتضى قوله: (حتى يفيق) ، فإنه اقتضى تعليق رفع القلم بالجنون، وزوال رفعه بالإفاقة، ولكن ذلك بواسطة ما اقتضاه الحديث من كون الجنون علة الرفع، والإفاقة علة التكليف، والمعلول يتكرر علته، وأما إذا نظرنا إلى مجرد اللفظ من غير ملاحظة التعليل فلا يقتضي ذلك، لأن (رفع) و (يفيق) فعلان في سياق الإثبات لا عموم لهما، والشخص واحد، وإنما دل العموم على الوجه الذي قررناه فيما سبق عند تعدد الأشخاص.
стр. 73
الوجه السادس والثلاثون
قوله في رواية ابن السرح: (المجنون المغلوب على عقله) ، يظهر أن المغلوب على عقله بيان للمجنون أو تأكيد، وفيه إشارة إلى أن العقل حاصل ولكن غلب عليه، وهو أولى من قول الفقهاء: إنه يزيل العقل. والعقل صفة غريزية في الإنسان، لكن يطرأ لها فساد، فسمى الفقهاء ذلك زوالا، وما أشار إليه الحديث هو الصواب.
الوجه السابع والثلاثون
في حديث عائشة الذي رواه ابن ماجه: (رفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل - أو يفيق - قال أبو بكر في حديثه: (وعن المبتلى حتى يبرأ) . وهذه يتوهم: ان هذه زيادة على الثلاثة، وليس كذلك، بل مقصودا ابن ماجه أن أبا بكر ابن أبي شيبة قال بدل: (المجنون حتى يعقل - أو يفيق -) ، (المبتلى حتى يبرأ) ، وغير أبي بكر من شيوخ ابن ماجه قال: (المجنون حتى يعقل - أو يفيق -) والمعنى واحد، وهم ثلاثة في كل رواية.
стр. 74
الوجه الثامن والثلاثون
قول أبي داود: رواه ابن جريج، عن القاسم بن يزيد، عن علي، عن النبي ﷺ زاد فيه: (الخرف) - يقتضي أنه زائد على الثلاثة، وهذا صحيح، والمراد به: الشيخ الكبير الذي زال عقله من الكبر، فإن الشيخ الكبير قد يعرض له اختلاط عقل يمنعه من التمييز ويخرجه عن أهلية التكليف، ولا يسمى جنونا، فإن الجنون يعرض من أمراض سوداوية ويقبل العلاج، والخرف بخلاف ذلك، ولهذا لم يقل في الحديث: حتى يعقل؛ لأن الغالب أنه لا يبرأ منه إلى الموت، ولو برأ في بعض الأوقات برجوع عقله تعلق به التكليف، فسكوته عن الغاية فيه لا يضر، كما سكت عنها في بعض الروايات في المجنون.
وكنا قد قدمنا أن الحديث في سقوط التكليف عن الشيخ الكبير: موضوع ومرادنا به إذا كان عقله ثابتا، ووضع الحديث في نفسه، وأما سقوط التكليف عن الخرف الذي زال عقله،، فلا شك فيه، وإن كان الحديث الوارد فيه منقطعا؛ لأن القاسم لم يدرك عليا، لكنه في معنى المجنون، كما أن المغمى عليه في معنى النائم.
ولا يفوت الحصر بذلك إذا نظرنا إلى المعنى، فهم في الصورة خمسة؛ الصبي، والنائم، والمغمى عليه، والمجنون، والخرف. وفي المعنى ثلاثة.
ولما لم يكن النائم في معنى المجنون؛ لأن الجنون يفسد العقل
стр. 75
بالكلية، والنوم شاغل له فقط، فبينهما تباين كثير - لم يجعل في معناه، وعدا شيئين وأحكامهما مختلفة، بخلاف الخرف والجنون أحكامهما واحدة وليس بينهما تفاوت، ويظهر أن الخرف رتبة متوسطة بين الإغماء والجنون، وهي إلى الإغماء أقرب. والله تعالى أعلم.
تم الكتاب بعون الله وحسن توفيقه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.