Полный текст (116 стр.). Показаны 106–116 · переход к 111.
стр. 106
وقال الله على لسان داود: «أنا ناشرهم وباعثهم من بين أنياب السباع، ومن لجج البحار».
وقال دانيال: «أنه سيبعث من الأجداث قومٌ كثير، بعضهم إلى الجنان الدائمة، وبعضهم إلى البوار».
وإن اعتَّلُّوا بأنه سُئل عن أشياء فلم يعرفها، منها: الروح، ومنها: الساعة متى تكون، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وإن الأنبياء لا تعلم إلا ما علّمها الله، وليس يُعلِّمها الله إلا ما أحب دون ما أحبت، ولا يطلعها من غيبه إلا على ما يشاء، وقد سأل المسيح تلاميذه عن الساعة، فقال: «ذلك غيبٌ مستور عني، لا يعلمه إلا الله وحده»، وقد وافق المسيح نبينا ﷺ .
وإن اعتَّلُّوا بأن المسيح قال لهم في الإنجيل: «احتفظوا من الأنبياء الكذابين الذين يأتونكم عليهم لباس الخرفان وهم كالذئاب التي تخطف، فسوف تعرفونهم بأعمالهم. هل يُجنى من الشوك العنب، ومن القصب التين»؛ فإن نبينا قد حدثنا مثل الذي حدثهم المسيح وقال: «بين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كلهم يكذب على الله»، وقد رأينا منهم قومًا في صدر الإسلام كمسيلمة، والأسود العنسي، وفي آخره.
стр. 107
وهذا القول من المسيح ﵇ لا يشبه عندي ما أدعوا من قوله: «لا نبي بعدي»؛ لأن في قوله: «لا نبي بعدي» ما دل على أن كل من ادعى النبوة بعده كذاب، فما حاجته إلى أن احتفظوا من الأنبياء الكذابين. ومن قال لك بعلم منه ويقين، إنك لا ترى اليوم لصًا مستغنٍ عن أن يقول: احتفظ اليوم من اللصوص العادين.
وهذا القول من المسيح ينبغي أن يكون دليلهم؛ لأن الأعمال تدل على صدق أهلها وكذبهم، فأي أعمال رسول الله، وأي خلاله تدفعه عما ذكر المسيح؛ أنه يُوجب التصديق. ألم يكن أشرف الأشراف، وأحلم الحلماء، وأجود الأجواد، وأنجد الأنجاد، وأزهد الزهاد، ألم يكن يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويتوسد يده، ويمهن أهله، ويأكل
стр. 108
بالأرض، ويقول: «إنما أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد، وألبس كما يلبس العبد»، ويجالس المساكين، ويمشي في الأسواق، ولم يُرَ ضاحكًا ملء فيه، ولا آكلًا وحده، ولا ضاربًا بيده إلا في سبيل الله، وقام حتى تورمت قدامه، وكان يُسمع لجوفه إذا قام بالليل أزيزُ كأزيز المرجل من البكاء، وقال: «شيَّبتني هُود وأخواتها»، وكان من دعائه: «اللهم ارزقني عينين هطَّالتين، تبكيان بذروف الدموع، تسقياني من مخافتك؛
стр. 109
قبل أن تكون الدموع دمًا، والأضراس جمرًا»، واقتص من نفسه، وقُبض ودرعه مرهونة على شعير اقترضه لمطعمه، ولم يُورِّث، وقال: «إِنا معشر الأنبياء لا نُورَثْ، ما تركنا صدقة».
стр. 110
وقد مدحه الله تعالى بجميل أخلاقه، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فمن استبعد منكم هذه الأشياء، واتهم بعض هذه الأخبار، فهذه حجرته التي كان ينزل فيها هو وأهله؛ وبها مَقْبَرُهُ، وهذه بردته التي كان يلبسها؛ تلبسها الخلفاء في الأعياد، وهذا قدحه الذي كان يشرب فيه، وهذه نعله، وهذه كتبه لقوم في أقارع الأُدْم، ثم هو مع هذا أوسطهم حسبًا، وأكرمهم محتدًا، وأشرفهم أبًا، وبجده قصيٍ جمع الله قريشًا وأنزلها، قال الشاعر:
стр. 111
أَبُوكم قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِن فِهْرِ
وأبر البشر لسانًا في إقلال، وأثبتهم جنانًا حين البأس، فرَّ الناس عنه يوم حنين وهم اثنا عشر ألفًا، وثبت في خمسة نفر أحدهم العباس عمه، وهو آخذ بحِكْمَه بغلته؛ ينادي أصحاب الشجرة: «يا أصحاب الثمرة، يا أصحاب سورة البقرة، إليّ فأنا رسول الله»، وقال العباس:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ سَبْعَة … وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا
وَثَامِنُنَا لَاقَى الْحِمَامَ بِسَيْفِهِ … بِمَا مَسَّهُ فِي اللهِ لَا يَتَوَجَّعُ
وكانت هزيمة القوم يومئذ بكلمة كانت عن بعضهم، وهي قوله: «لن نُغْلَب اليوم من قلة»، فعُوقبوا بذلك فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦].
стр. 112
وهذه صحابته خيار البشر ومصابيح الأنام، منهم: أبو بكر ﵁، كان جُّل كساءه بخِلَالَينِ وهو الخليفة بعده، فسُمي ذا الخلالين.
وعمر كان يلبس وهو أمير المؤمنين جُبَّة صوف مرقوعة بأُدْم، ويطوف في الأسواق على عاتقه دِّرَة يؤدّب بها الناس، ويمر بالنَّكْث والنَّوَى فيَلْقُطُهُ، ويُلقيه في منازل الناس لينتفعوا بذلك.
وعثمان بن عفان ﵁: كان يقوم بالقرآن كله في ركعة واحدة.
стр. 113
وعلي بن أبي طالب ﵁: اشترى وهو خليفة قميصًا بثلاثة دراهم، وقطّع كُمْيّه من موضع الرسغين، وقال: «الحمد لله الذي هذا من رِيَاشْه».
وسعد بن أبي وقاص: كان النبي دعا له بأن تُستجابَ دعوته وتُسدَّدَ رميته، وولي أمر الناس بالقادسية؛ فأصابه جِرَاح فلم يشهد يوم الفتح، وقال رجل من بجيلة:
стр. 114
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَظْهَرَ دِينَهُ … وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصِمُ
فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ .... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
فقال سعد: «اللهم اكفنا يده ولسانه»، فرُمي فخرس لسانه، ويبست يده. وابن عباس: كان في خديه خَطان من أثر الدموع.
وهذا في صحابته؛ والتابعين بعدهم أشهر من أن نطيل بتعداده، وأكثر من أن نُحيط به.
وهذه دعوته دعوة الحق إلى كلمة التقوى وهي: لا إله إلا الله الذي لا إله إلا هو، الفرد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
стр. 115
الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبوعده ووعيده، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهذه شريعته أسهل الشرائع وأطيبها وأطهرها وأنزهها، أحل فيها الطيبات وحرم الخبائث، وأمر ببر الوالدين، وصلة الرحم، والرضا والعفو، والأمر بالمعروف، والصفح عن الجاهلين، ومجانبة الغيبة والكذب والنميمة والفواحش والشانيات، وشرب الخمر والقمار، وحض على كل شيءٍ حسن، وردع عن كل قبيح، وبيّن للناس ما يأخذون وما يدعون في فرائضهم وأحكامهم وزكاتهم وطلاقهم وعيدهم وحجهم ومعاملاتهم وسائر أمور دينهم، فأغناهم عن جميع الأمم وعن جميع أهل الكتب، وأحوج المخالفين لهم إلى ما عندهم؛ كالنصارى تستعمل في كثير من المواريث فرائضهم، وتستعمل في المعاملات من الشرى والبيع أحكامهم، وكذلك اليهود قد تفرع عن أصول
стр. 116
أحكامها في التوراة أمور لا تعرفها؛ فتلجأ فيها إلى حكم المسلمين، وليس لأمة من الأمم إسناد كإسنادهم؛ رجل عن رجل، وثقة عن ثقة، حتى يبلغ بذلك رسول الله وأصحابه ﷺ ، فيتبين بذلك الصحيح من السقيم، والمتصل من المنقطع، والمدلس والسليم.
وليتدبر متدبر ما نقول بالاعتبار والفكرة وليقبل إليه بالإنصاف والنصيحة وقطع الإلف والعادة، وليجمع بين دعوة رسول الله وشريعته، ونبذ ما بنى عليه الملحدون.
وكيف تطيب نفس امرئ من النصارى بعد …
[وفي بعض ما اقتصصنا كفاية لمن عَقَل، وبلاغ لمن اعتبر، وشفاء لمن شك، فما يمنع من كانت له أُذن تسمع، وقلبٌ يفقه وعينٌ تبصر، أن يفيء إلى الله تعالى وينيب إلى الحق قبل الفوات، بمفاجأة الموت فإنه ليس من الدين عوض، ولا من الله مهرب ولا بعد الموت مستعتب، ولا دار إلا الجنة أو النار].