٣٢٧٨ - ولا تجوز شهادة وصي بدين للميت، إلا أن يكون الورثة كباراً [عدولاً] وكان لا يجرّ بشهادته شيئاً يأخذه فشهادته جائزة.
قال مالك: فإن شهد الوصي لورثة الميت بدين لهم على الناس، لم تجز شهادته، لأنه الناظر لهم، إلا أن يكونوا كباراً عدولاً يلون أنفسهم فتجوز شهادته لهم، لأنه لا يقبض لهم شيئاً وهم يقبضون لأنفسهم إذا كانت حالهم مرضية. (١)
٣٢٧٩ - ولا تجوز شهادة النساء وحدهن أو مع رجل أن فلاناً وصى، إذا كان في الوصية عتق وأبضاع نساء.
وقال غيره: لا تجوز في الوصي بحال، لأن ذلك ليس بمال.
قال سحنون: الوصية والوكالة ليستا بمال، إذ لا يحلف وصي أو وكيل مع شاهد رب المال إذ المال لغيرهما. وإن شهدن لرجل أن فلاناً أوصى له بكذا جازت شهادتهن مع يمينه، وامرأتان في
стр. 1717
ذلك، ومائة امرأة سواء، يحلف معهن ويستحق، ولا يحلف مع امرأة واحدة، فإن شهدن لعبد أو لامرأة أو لذمي فإنه يحلف ويستحق.
وأما إن شهدن لصبي فإنه لا يحلف حتى يبلغ، وإن كان في الورثة كبار أو أصاغر حلفوا وأخذوا مقدار حقهم، فإن نكلوا وبلغ الصغار، كان لهم أن يحلفوا ويستحقوا حقهم.
٣٢٨٠ - وإن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة ضمن المال ولم يقطع، ولو شهد عليه بالسرقة رجل واحد حلف الطالب وضمن له السارق ولم يقطع، كما لو أقام شاهداً أن عبد فلان قتل عبده عمداً أو خطأ، فإنه يحلف معه يميناً واحدة، ويستحق العبد ولا يقتله وإن كان عمداً.
وكل جرح لا قصاص فيه مما هو متلف كالجائفة والمأمومة وشبهها، فالشاهد واليمين فيه جائز، لأن العمد والخطأ فيه إنما هو مال.
٣٢٨١ - ومن أقام شاهداً بمائة دينار ديناً، وشاهداً بخمسين، فإن شاء حلف مع شاهد المائة وقُضي له بها، وإلا أخذ خمسين بغير يمين.
стр. 1718
٣٢٨٢ - وإذا شهد وارثان أن فلاناً تكفل لفلان ولوالدهما بمال، أو شهد رجلان أن لهما أو لفلان على فلان مائة دينار، لم يجز شيء من ذلك.
وقال مالك فيمن شهد على وصية أُوصي له فيها بشيء تافه لا يتهم فيه جازت له ولغيره إذ لا يصح بعض الشهادة ويرد بعضها.
وقال غيره عن مالك: إذا اتهم لم تجز شهادته له ولا لغيره.
قال سحنون: وفي هذا الأصل اختلاف عن مالك [وغيره] ، قال يحيى بن سعيد: إن كان معه شاهد غيره جازت له ولغيره، وإن كان وحده جازت لغيره ولم تجز له، وروى ابن وهب عن مالك أنها لا تجوز له ولا لغيره.
٣٢٨٣ -[وقال يحيى بن سعيد في قوم مسافرين في قبائل شتى، توفي أحدهم فأوصى لهم
стр. 1719
بوصية ولم يشهد على الوصية [غيرهم] : إن شهادة بعضهم لبعض في الوصية لا تجوز، إلا أن يشهد لهم من ليس له في الوصية حق] .
٣٢٨٤ - وإن شهد شاهد على وصية فيها عتق، ووصايا لقوم لم تجز شهادته في العتق، وتجوز في الوصايا للقوم مع أيمانهم، فإن ضاق الثلث فإنما لهم من الثلث ما فضل عن العتق، وإنما تبطل كلها لو شهد لنفسه فيها.
٣٢٨٥ - ومن أودعك وديعة فشهدت عليه أنه تصدق بها على فلان، أو أقرّ بها له، حلف فلان مع شهادتك واستحقها إن كان حاضراً، وإن غاب لم تجز شهادتك إن كانت غيبة تنتفع أنت بمثلها في المال.
٣٢٨٦ - ومن سمع رجلاً يذكر شهادته أن لفلان [على فلان] كذا، أو يقول: سمعت فلاناً يقذف فلاناً، أو يطلق زوجته، فلا يشهد على شهادته حتى يقول له: اشهد على شهادتي، وإن سمع رجلاً يطلق زوجته أو يقذف رجلاً فليشهد بذلك، وإن لم يشهده وعليه أن يشهد ويخبر بذلك من له الشهادة.
стр. 1720
٣٢٨٧ - وقال مالك في الحدود: إنه يشهد بما سمع إن كان معه غيره، وسمعته قبل ذلك يقول فيمن مرّ برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما شيئاً ولم يشهداه، ثم يطلب أحدهما تلك الشهادة، قال: فلا يشهد له. قال ابن القاسم: إلا أن يستوعب كلامهما من أوله [إلى آخره] فليشهد وإلا فلا، إذ قد يكون قبله كلام يبطله أو بعده. (١)
٣٢٨٨ - وإن شهد شاهدان أنهما سمعا أن هذا الميت مولى فلان هذا لا يعلمان له وارثاً غير
стр. 1721
هذا، أو شهد شاهد واحد أنه مولاه اعتقه، استوني بالمال، فإن لم يستحقه أحد غيره قضي له به مع يمينه، ولا يجر بذلك الولاء.
٣٢٨٩ - وإن كان شاهد واحد على السماع، لم يقض له بالمال وإن حلف، لأن السماع نقل شهادة، ولا تجوز شهادة واحد على شهادة غيره، وكثير من هذا المعنى في كتاب الولاء أتم مما ههنا فأغنى عن إعادته.
وإن شهد لرجل أعمامه أن فلاناً الميت مولى أبيه أعتقه، فإن لم يدّعِ ولداً ولا مولى وإنما ترك مالاً جازت الشهادة لارتفاع التهمة، وإن ترك ولداً ومولى يتهمون بذلك على جرّ ولائهم يوماً ما لقُعْدُدهم، لم يجز.
وقد قال مالك في ابني عمٍ شهدا لابن عمهما على عتق: إنه إن كان ممن يتهمان لقربهما منه في جر الولاء لم يجز ذلك، وإن لم يتهما الآن في جر الولاء لبعدهما منه جازت الشهادة، وإن كان الولاء قد يرجع إليهما يوماً ما.
٣٢٩٠ - والشهادة على السماع في الأحباس جائزة لطول زمانها يشهدون أنا لم نزل نسمع أن هذه الدار حبس، تحاز بحوز الأحباس، وإن لم ينقلوا عن بينة
стр. 1722
معينين إلا قولهم سمعنا وبلغنا، ولو نقلوا عن قوم عدول أشهدوهم لم يكن سماعاً وكانت شهادة.
قال مالك: وليس عندنا أحد ممن شهد على أحباس الصحابة إلا على السماع.
٣٢٩١ - وسئل مالك عن قوم شهدوا على السماع في حبس على قوم وأنه يعرف أن من مات منهم لا يدخل في نصيبه زوجته، وتهلك ابنة الميت، فلا يدخل فيه ولدها ولا زوجها. قال: أراه حبساً ثابتاً وإن لم يشهدوا على أصل الحبس، ولم يذكروا ذلك كله وذكروا من السماع ما يستدل به فذلك جائز.
ومن أقامت في يده دار خمسين سنة أو ستين ثم قدم رجل كان غائباً فادعاها، وثبت الأصل له، وأقام بينة أنها لأبيه أو جده، وثبتت المواريث حتى صارت له، فقال الذي بيده الدار: اشتريتها من قوم، وقد انقرضوا وانقرضت البينة وأتى ببينة يشهدون على السماع، فالذي ينفعه من ذلك أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن الذي في يديه الدار أو أحد من آبائه ابتاعها من القادم أو من أحد آبائه أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا، فذلك يقطع حق القادم منها.
قال مالك: وها هنا دور يعرف لمن أصلها بالمدينة قد تداولتها الأملاك فشهادة السماع على مثل هذا جائزة، وإن أتى الذي في يديه الدار ببينة يشهدون أنهم سمعوا أن هذا الذي في يديه الدار أو أحد من آبائه ابتاعها ولا يدرون ممن [ابتاعها]
стр. 1723
فلا ينفعه ذلك، ولو أقام بينة يشهدون على السماع أن أباه ابتاعها ممن ذكرنا منذ خمس سنين ونحوها، لم ينفعه ذلك، ولا يقبل في مثل هذا القرب إلا بينة تقطع على الشراء، فإن لم يأت الحائز ببينة يشهدون على علم الشراء في قريب الزمان أو على السماع في بعيده قضي بها للقادم الذي استحقها.
٣٢٩٢ - ومن أقرّ أنه كان تسلف من فلان الميت مالاً وقضاه إياه فإن كان ما يذكر من ذلك حديثاً لم يطل زمانه لم ينفعه قوله: قضيته، وغرم لورثته إلا أن يقيم بينة قاطعة على القضاء، وإن طال الزمان حلف المقرّ وبرئ، إلا أن يذكر ذلك على معنى الشكر، يقول: جزى الله فلاناً خيراً أسلفني وقضيته، فلا يلزمه في هذا شيء مما أقر به، قرب الزمان أو بعد.
٣٢٩٣ - ومن أقام شاهداً على رجل أنه تكفل له بماله على فلان حلف مع شاهده واستحق الكفالة [بماله] قِبَلَه، ويحاص من قضى له في دينه بشاهد ويمين مع من قضى له بشاهدين.
وإن أقام الطالب شاهداً وأبى أن يحلف معه فله يمين المطلوب فإن نكل غرم،
стр. 1724
ولا يرد اليمين على الطالب، لأنه هو ردها، وإذا ثبتت الخلطة ولم يأت الطالب بشاهد واستحلف المطلوب فنكل لم يقض الإمام للطالب حتى يرد اليمين عليه، وإن جهل المطلوب أن يسأله ردها، فعليه أن يعلمه بذلك، ولا يقضي حتى يردها، وإن نكل الطالب فلا شيء له. (١)
٣٢٩٤ - وإن حلف المطلوب ثم وجد الطالب بينة فإن لم يكن علم بها قضي له بها، وإن استحلفه بعد علمه ببينته تاركاً لها، وهي حاضرة أو غائبة فلا حق له، وإن قدمت بينته.
وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة فأحلفه لي، فإذا قدمت بينتي قمت بها نظر الإمام، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة وخاف تطاول الأمر وذهاب الغريم أحلفه له وكان له القيام ببينته إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة، لم يحلفه إلا على إسقاطها.
٣٢٩٥ - ومن ادعى قبل رجل كفالة ولا خلطة بينهما فلا يمين له عليه. ومن باع سلعة من رجلين فقبض من أحدهما حصته ثم لقي الآخر فقال له: قد دفعت إلى صاحبي يدفع إليك، فسأل البائع صاحبه فأنكر، فأراد يمينه، فلم ير مالك هذه خلطة توجب اليمين.
стр. 1725
٣٢٩٦ - ومن ادعى قبل رجل ديناً أو غصباً أو استهلاكاً فإن [كان] عُرِف بمخالطته في معاملته أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب، نظر فيه الإمام، فإما أحلفه أو أخذ له كفيلاً حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له، ولا تجب اليمين حتى تثبت الخلطة، وكذلك قال السبعة من فقهاء التابعين.
٣٢٩٧ - وقد قال مالك في امرأة ادعت أن فلاناً استكرهها أنه إن كان ممن [لا] يشار إليه بذلك حُدّت، وإن كان ممن يشار إليه بذلك نظر الإمام في ذلك، وقد تركت هنا مسائل كثيرة قد تقدم ذكرها في كتب النساء والعبيد مستوعبة فأغنى عن إعادته.
٣٢٩٨ - ومن ادعى على رجل أنه ولده أو والده [فأنكر] فلا يمين عليه. ومن ادعى قبل رجل حداً فقدمه إلى القاضي وادعى بينة قريبة يأتي بها في يومه أو غده، فليوقفه القاضي ولا يحبسه.
стр. 1726
ولو أقام الطالب شاهداً عدلاً حبسه القاضي له، ولا يؤخذ في هذا كفيل، وكذلك في الجراح، وما يكون في الأبدان لا يؤخذ به كفيل.
٣٢٩٩ - ومن ادعى عبداً بيد رجل وأقام شاهداً عدلاً يشهد على القطع أنه عبده، أو أقام بينة تشهد أنهم سمعوا أن عبداً سرق له مثل ما يدعي، وإن لم تكن شهادة قاطعة وله بينة ببلد آخر فسأل وضع [قيمة] العبد ليذهب به إلى بينته لتشهد على عينه عند قاضي تلك البلدة فذلك له، وإن لم يقم شاهداً ولا بينة على سماع ذلك، وادعى بينة قريبة بمنزلة اليومين والثلاثة فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينته لم يكن ذلك له.
فإن قال: أوقفوا العبد حتى آتي ببينتي، لم يكن له ذلك، إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق، أو سماعاً يثبت له به دعواه، فإن القاضي يوقف العبد ويوكل به حتى يأتيه ببينته، [أو بما يثبت به دعواه] فيما قرب من يوم ونحوه، فإن جاء بشاهد أو بسماع وسأل إيقاف العبد ليأتي ببينته، فإن كانت بعيدة وفي إيقافه ضرر استحلف القاضي المدعى عليه وسلمه إليه بغير كفيل، وإن ادعى شهوداً حضوراً على حقه أوقف له نحو الخمسة الأيام
стр. 1727
والجمعة وهذا التحديد لغير ابن القاسم.
ورأى ابن القاسم أن يوقف له، لأن الجائي بشاهد أو بسماع له وضع القيمة عند مالك، والذهاب به إلى بينته، فهذا كالإيقاف، ونفقة العبد في الإيقاف على من يُقضى له به.
وقال غيره: وإنما يوقف مثل ما يشهد على عينه من الرقيق والحيوان والعروض، لأن ذلك يحول وتزول عينه.
٣٣٠٠ - قال ابن القاسم: يوقف ما لا يؤمن تغيره وزواله، فأما المأمون كالرباع والعقار وماله من ذلك الغلة فإنما يوقف وقفاً يمنع فيه من الإحداث فيها، والغلة أبداً إنما هي للذي هي بيده، لأن ضمانها منه حتى يُقضى بها للطالب.
قال سحنون: هذا إذا كان مبتاعاً أو صارت إليه من مبتاع.
стр. 1728
قال غيره: وإن ادعى عليه ديناً أو شيئاً مستهلكاً وطلب كفيلاً، سأله القاضي بيّنة على خلطة أو معاملة أو ظنة، فإن ادعى على الخلطة بيّنة قريبة وُكّل بالمطلوب حتى يأتي بما يوجب اللطخ ما بينه وبين يوم وشبهه، فإن جاء بذلك وادعى على الحق بينة بعيدة استُحلِف المطلوب وأطلقه بغير كفيل، وإن ادعى قربها أخذه بكفيل بنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة، ولا يأخذه بكفيل بالمال، وإنما يأخذ الكفيل بنفسه ليحضره فتشهد عليه البينة، كما يوقف الحيوان والعروض، لأنه يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة على عينه، وأما ما لا يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة على عينه، فلا يؤخذ فيه كفيل. (١)
٣٣٠١ - وإن كانت الدعوى فيما يفسد من اللحم ورَطِب الفواكه، وقد أقام لطخاً أو شاهداً على الحق، وأبى أن يحلف وادعى بينة قريبة على الحق، أجّله القاضي بإحضار شاهدين أو شاهد إن أتى بشاهد قبله، ولم يحلف معه، ما لم يخف فساد ذلك الشيء، فإن أتى بما ينتفع وإلا أسلم ذلك الشيء إلى المطلوب، ونهي المدعي عن التعرض له، فإن كان الطالب قد أقام شاهدين، فأوقف القاضي ذلك الشيء إلى الكشف عنهما، فإن خاف فساده باعه وأوقف ثمنه، فإن زكيت بينة المدعي وهو
стр. 1729
مبتاع أخذه وأدى الثم الذي قالت بينته، كان أقل من ذلك أو أكثر، ويقال للبائع إذا كان يأخذ أكثر من الثمن الموقوف: أنت أعلم بالمُخْرَج عن الزيادة، وإن لم تُزكّ البينة أخذ المدعى عليه الثمن من الموقوف، لأنه عليه بيع نظراً، ولو ضاع الثمن قبل القضاء أو بعده كان ممن قضي له به.
٣٣٠٢ - قال ابن القاسم: ومن بعث بمال صلة لرجل أو هبة أو صدقة مع رجل فقال: قد دفعته إليه وأنكر القابض، فعلى الرسول البينة وإلا غرم، وكذلك إن أمره بصدقته، على مساكين بأعيانهم، فإن لم يكونوا معينين فهو مصدق.
وإن أمرت غريمك أن يدفع دينك إلى رجل بعينه فقال: قد دفعته، وأنكر القابض لم يبرأ المأمور إلا ببينة، وإن قال القابض: قبضته وضاع مني، لم يبرأ الدافع إلا ببينة.
وكذلك من وكلته على قبض مال من يد رجل فقال: قبضته وضاع، فلا يبرأ الدافع إلا ببينة، ولو قال الوكيل: قبضت المال، أو قال: برئ إلي من المال، لم يبرأ الدافع إلا ببينة أنه دفع إليه المال، أو يأتي الوكيل بالمال [إلا أن يكون الوكيل] مفوضاً إليه فهو مصدق بخلاف وكيل مخصوص.
٣٣٠٣ - ومن كانت في يديه دور أو عبيد أو عروض أو دنانير أو دراهم
стр. 1730
أو غير ذلك من الأشياء، فادعى ذلك رجل وأقام بينة أن ذلك له، وأقام من ذلك بيده بينة أنها له، قضي بشهادة أعدلهما وإن كانت أقل عدداً، فإن تكافأتا في العدالة سقطتا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، ولا أقضي بأكثرهما، لأن التكافؤ في العدالة لا في العدد، حتى لو كانت بينة أحدهما رجلين أو رجلاً وامرأتين، فيما تجوز فيه شهادة النساء، وبينة الآخر مائة رجل فاستووا كلهم في العدالة سقطوا وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، [وكذلك إن كانت دار بيد رجل يدعيها لنفسه فادعاها رجلان وأقام كل واحد منهما بينة أنها له وتكافأت بينتهما، فإن الدار تبقى بيد الذي هي في يديه] وذلك أن كل بينة قد كذبت الأخرى وجرحتها فسقطتا.
قال غيره: ليس هذا بتجريح، ولكن البينة لما تكافأت صارت كأنها لم تأت بشيء، ويقران على الدعوى.
٣٣٠٤ - قال مالك: وإن تداعيا في شيء وليس هو بيد واحد منهما وأقام كل واحد بينة أنه له، قضي باعدل الشهود وإن قلّوا، فإن تكافئوا في العدالة وكان الذي شهدوا فيه مما يرى الإمام منعهما منه، فعل حتى يأتيا ببينة أعدل منهما، وإن كان مما لا
стр. 1731
ينبغي للإمام أن يقره [ولا] يرى أنه لأحدهما قسّمه بينهما بعد أيمانهما كشيء لا شهادة لهما فيه.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك في القوم يتنازعون عفواً من الأرض فيأتي هؤلاء ببينة وهؤلاء ببينة، فإنه يقضى في ذلك بأعدل البينتين، وإن كانت أقل عدداً، ويحلف أصحابها مع شهادتهم، فإن تكافأت البينتان سقطتا، وبقيت الأرض كغيرها من عفو بلاد المسلمين، حتى تستحق بأثبت من هذا. قال ابن القاسم: مثل أن يأتي أحدهما ببينة هي أعدل من الأولى.
وقال ابن القاسم عن مالك في باب بعد هذا: إن كل ما تكافأت فيه البينتان وليس هو في يد واحد منهما، وكان مما لا يخاف عليه، مثل الدور والأرضين ترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتى به صاحبه، فيُقضى له به، إلا أن يطول الزمان، ولا يأتيا بشيء غير ما أتيا به أولاً، [فإنه يقسّم بينهما، قال ابن القاسم: لأن ترك ذلك ووقفه يصير إلى الضرر.
قال مالك:] وما كان يخشى تغيره مثل الحيوان والرقيق والعروض والطعام، فإنه يستأنى به قليلاً، لعل أحدهما يأتي بأثبت مما أتى به صاحبه فيقضى له به، فإن لم يأتيا بشيء وخيف عليه قسّمه بينهما. (١)
стр. 1732
قال ابن القاسم: وكذلك زرع ادعياه في أرض رجل لا يدعيه، ولو ادعاه رب الأرض كان أحقّ به في تكافؤ بينتيهما، ولو كان الزرع في يد أحدهما، كان أولى به إذا أقام البينة.
٣٣٠٥ - ومن أقام بينة في دار أنه ابتاعها من فلان وأنه باعه ما ملك، فأقام من هي بيده بينة أنه يملكها قضي بأعدلهما، وإن تكافأتا سقطتا وبقيت الدار بيد حائزها، كما لو ادعاها الذي يزعم هذا المدعي أنه ابتاعها منه لقضي بها لحائزها عند تكافؤ البينتين، وإن لم يقم الحائز بينة قضي بها للمدعي إلا أن تكون طالت حيازة الحائز بحال ما وصفنا في الحيازة، والمدعي حاضر، فذلك قطع لدعواه، وإذا أقام كل واحد من المدعي والحائز بينة على نتاج أو نسج، كان ذلك لمن هو بيده منهما.
ولو أن أمة ليست بيد أحدهما، فأتى أحدهما ببينة أنها له، لا يعلمونها خرجت من ملكه حتى سرقت له، وأقام الآخر بينة أنها له، ولدت عنده، ولا يعلمونها خرجت من ملكه بشيء، قضي بها لصاحب الولادة.
قال غيره: إذا كانت البينة الناتج عدولاً وإن كانت الأخرى أعدل، وليس هذا
стр. 1733
من التهاتر، ولكن لما زادت بقدم المالك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أن هذا يملكها منذ عام، وبينة الآخر أنه يملكها منذ عامين فإني أقضي ببينة أبعد التاريخين إن عُدِّلت، وإن كانت الأخرى أعدل، ولا أبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها الأقرب تاريخاً بالوطء والخدمة والادعاء لها بمحضر الآخر، فهذا يقطع دعواه.
٣٣٠٦ - قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين مسلماً ونصرانياً، كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه، وأقاما على ذلك بينة مسلمين، فتكافأت في العدالة أو لم تكن لهما بينة، فالميراث يقسم بينهما، كمالٍ تداعياه، فإن كان قد صلّى هذا المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين، فليس الصلاة بشهادة، ولو لم يأتيا ببينة وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك، وابنه النصراني أحث بميراثه حتى يقيم المسلم بينة على ما ذكر. (١)
وقال غيره: إذا تكافأت البينتان قضى بالمال للمسلم بعد أن يحلف على دعوى النصراني، لأن بينة المسلم زادت حين زعمت أنه مسلم.
стр. 1734
٣٣٠٧ - قال مالك: ومن أقامت بيده دار سنين ذوات عدد يحوزها ويمنعها ويكريها ويهدم ويبني، فأقام رجل بينة أن الدار داره، أو أنها لأبيه أو لجده وأثبت المواريث، فإن كان هذا المدعي حاضراً يراه يبني ويهدم ويكري فلا حجة له، وذلك يقطع دعواه، وإن كان غائباً ثم قدم فادعاها فقد تقدم الجواب في ذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك من حاز على حاضر عروضاً أو حيواناً أو رقيقاً فذلك كالحيازة في الرباع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن، والدواب تركب وتكرى، والأمة توطأ، ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع عشر سنين ولا غير ذلك.
وقال ربيعة: حوز عشر سنين يقطع دعوى الحاضر، إلا أن يقيم بينة أنه إنما أكرى أو أسكن أو أعار ونحوه، ولا حيازة على غائب.
стр. 1735
وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي ÷ قال: "من حاز شيئاً عشر سنين فهو له". (١)
قيل لابن القاسم: أرأيت لو أن داراً في يدي ورثْتُها عن أبي ثم أقام ابن عمي بينة أنها دار جده، وطلب مورثه؟ قال: هذا من وجه الحيازة التي أخبرتك.
٣٣١١ - ومن قامت له بينة أنه ابن فلان الميت، لم يستحق ميراثه حتى يقولوا: لا نعلم له وارثاً غيره، وكذلك إن شهدوا مع ذلك بأن هذه الدار لأبيه أو جده، فلا تتم الشهادة حتى يقولوا: لا نعلم أنها خرجت من ملكه إلى أن مات وتركها ميراثاً لهذا، وإنا لا نعلم به وارثاً غيره، فإن شهدوا أن هذا وارث أبيه أو جده مع ورثة له آخرين، لم يعط هذا منها إلا مقدار حظه، ويترك القاضي باقيها في يد المدعى عليه حتى يأتي من يستحقها.
стр. 1736
قال سحنون: وقد كان يقول غير هذا، وروي عن مالك أنه قال: تنزع من يد المطلوب، وتوقف.
قال ابن القاسم: وإن قالت البينة: لا نعرف كم الورثة، لم يقض لهذا بشيء من الدار ولا ينظر إلى تسمية المدعي للورثة، وتبقى الدار للذي هي في يده حتى يثبت عدد الورثة [ببينة] .
٣٣١٢ - قال مالك: ومن ادعى أرضاً وتبين لدعواه وجه، والذي هي في يديه يحفر فيها عيناً فإنه يمنع ويوقف، وليس له أن يقول: دعوني أعمل، فإن ثبتت له هدَمْت ذلك.
وقال غيره: ومن أقام بينة غير قاطعة في أرض فليس للذي هي في يديه أن يبيع،
стр. 1737
لأن البيع حينئذ غرر.
[قال ابن القاسم: له أن يبيع ويصنع ما شاء وليس بيعه بالذي يبطل حق المدعي] .
٣٣١٣ - ومن ادعى عيناً قائمة من رقيق أو حيوان أو طعام أو عروض أو ناض أو غير ذلك بيد رجل، وأتى ببينة على ملكه لذلك، فمن تمام شهادتهم أن يقولوا: وما علمناه باع ولا وهب ولا خرج من ملكه، ثم لا يقضى له به حتى يحلف على البت أنه ما باع، ولا وهب ولا خرج من ملكه بوجه من الوجوه، فإن قال: أعرتها أو استودعتها، لم يكن ذلك خروجاً من ملكه.
قال مالك: وليس عليه أن يأتي ببينة يشهدون على البت أنه ما باع ولا وهب ولو شهدت البينة بذلك كانت زوراً، وإن أقام بما ذكرنا شاهداً واحداً حلف [معه] وقضي له.
стр. 1738
٣٣١٤ - ومن أقام شاهدين على حق له، فليس عليه أن يحلف مع شاهديه، إلا أن يدعي المديان أنه قد قضاه فيما بينه وبينه فإنه يُحلفه، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ.
٣٣١٥ - ومن قُضى له بمورّث أو غيره لم يؤخذ منه كفيل، وذلك جزر ممن فعله.
٣٣١٦ - ومن اشترى منك ثوباً ونقدك الثمن فقبضته وجحدت الاقتضاء وطلبت يمينه فأراد هو أن يحلف أنه لا حق لك قبله، فليس له ذلك. قال مالك ﵀: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا، لأن هذا يريد أن يورّك. قال ابن القاسم: يريد بقوله: "يورك": الإلغاز.
стр. 1739
٣٣١٧ - وإن ادعى أحد المتفاوضين على رجل ديناً من شركتهما فجحده، فليس للمطلوب أن يقول لهذا المفاوض: لا أحلف إلا على حصتك وليحلف على حصته وحصة صاحبه، لأن فعل أحدهما كفعلهما، فإن حلف لهذا ثم أتى صاحبه لم يكن له أن يحلفه، لأنه قد حلف لشريكه.
وكذلك لو وكّلت رجلاً يقبض مالك على فلان فجحده، فحلّفه الوكيل ثم لقيته أنت لم يكن لك أن تحلفه.
٣٣١٨ - ويحلف المدعى عليه، أو من حلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد على هذا، وكل شيء له بال فإنما يحلف عليه في جامع بلده في أعظم مواضعه وليس عليه أن يستقبل القبلة، ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر النبي ÷ في ربع دينار فأكثر. (١)
стр. 1740
٣٣١٩ - وتخرج المرأة فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد، فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً، وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج، ويبعث إليها القاضي من يحلفها لصاحب الحق ويجزيه رجل واحد. وأم الولد مثل الحرة فيمن تخرج أو لا تخرج. والعبد ومن فيه بقية رق فهو كالحر في اليمين. ولا يحلف الصبيان إذا ادعي عليهم، ولا مع شاهد يقوم لهم حتى يبلغوا.
٣٣٢٠ - وإذا قامت بينة لميت بدين فادعى المطلوب أنه قضى الميت حقه لم ينفعه ذلك، وله اليمين على من يظن به أنه علم ذلك من بالغي ورثته على العلم، ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير، ومن نكل ممن لزمته اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط.
٣٣٢١ - ولا يحلف اليهودي والنصراني في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليهم الذي أنزل التوراة والإنجيل، ويحلفون في كنائسهم وحيث يعظمون، ويحلف المجوسي في بيت نارهم وحيث يعظمون.
стр. 1741
٣٣٢٢ - ولا يقضي القاضي بشهادة الشهود حتى يكشف عنهم، وهذا مستوعب في كتاب الأقضية.
ومما يجرح به الشاهد أن تشهد عليه بينة أنه [شاهد زور] ، أو شارب خمر [أو آكل خنزير] أو آكل ربا، أو صاحب قيان، أو كذاب في غير شيء واحد ونحو هذا. ولا يجرحه إلا اثنان عدلان.
٣٣٢٣ - قال ربيعة: ترد شهادة الخصم الذي يجر إلى نفسه، والظنين وهو المغموص عليه في خلائقه وشكله، ومخالفته حال العدل، وإن لم يظهر منه قبيح عمل، وترد شهادة العدو الذي لا يؤمن ما شهد عليه.
قال مالك: وإذا ظهر الإمام على شاهد الزور ضربه بقدر رأيه وطاف به في المجالس. قال ابن القاسم: يريد [بقوله] في المجالس: المسجد الجامع، ولا تقبل له شهادة أبداً وإن تاب وحسنت حاله.
стр. 1742
٣٣٢٤ - وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عامله بالشام إذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه أربعين جلدة وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس ويطال حبسه ويحلق رأسه ولحيته. (١)
* * *
стр. 1743
(كتاب المديان)
٣٣٢٥ - قال مالك: ولا يحبس في الدين حر ولا عبد إذا لم يتبين [لدده] ، ولا اتهم أن يكون غيب ماله، ولكن يستبرأ أمره، إلا أن يحبسه قدر تلومه في اختباره وكشف حاله، أو يأخذ عليه حميلاً لذاك، فإذا لم يجد له شيئاً ولا غيّب شيئاً لم يحبسه، ويحبس من اتهمه أن يكون غيب مالاً. ومثل من يقعد من التجار بأموال الناس ويقول: ذهبت مني، ولا يعلم أهل موضعه أنه أجيح بحريق أو سرقة ونحو ذلك فإنهم يحبسون.
وإذا حبس لتهمة أو لدد، لم يكن لطول ذلك حد، ولكن يحبس حتى يقضي أو يتبين عُدْمه، فإن تبين عدمه أطلق. ثم ليس لرب الدين ملازمته ومنعه من تصرفه، ولا أن يوكل به من يلازمه. (١)
стр. 1744
وروي أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يستحلفانه أنه ما يجد قضاءً من قرض ولا عرض، وأنه إن وجد ليقضيَّن. (١)
ويحبس فيما ذكرنا أحد الزوجين لصاحبه، والولد [يحبس] في دين الأبوين، ولا يحبسان في دينه.
وقد قال مالك: لا أرى أن يحلف الأب للابن في دعواه. [وإن استحلفه فهي جرحة على الابن] ، وإن لم أحبس الأبوين للولد فلا أظلم الولد لهما.
قال: ويحبس له من سواهما من الجدود والأقارب.
وتحبس النساء والعبيد ومن فيه بقية رق، وأهل الذمة وهم في هذا مثل الأحرار سواء، ويحبس النساء في القصاص والحدود.
٣٣٢٦ - قال مالك: ولا يؤجَّر الحر إذا أفلس. قال ابن القاسم: ولا يستعمل لقول الله تعالى: ×وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ% [البقرة: ٢٨٠] . ويُحبس السيد في دين مكاتبه إن لدّ به، ولا يحبس المكاتب لعجز عن كتابته، إذ ليست بدين ثابت في ذمته ولكن يتلوم له.
٣٣٢٧ - قال مالك: وإن هلك رجل وعليه دين للناس وترك مالاً ليس فيه وفاء بديونه،
стр. 1745
فأخذه الوارث أو الوصي فقضاه بعض غرمائه، فإن لم يعلموا ببقية الغرماء ولم يكن الميت موصوفاً بالدين فلا شيء عليهم، ويرجع الغرماء القادمون على الذي اقتضوا بما كان ينوبهم في المحاصة من المال، فإن علموا بدينه أو كان موصوفاً بالدين، رجع الغرماء القادمون على الورثة أو الوصي بحصصهم، ويرجع الورثة أو الوصي بذلك على الغرماء الذين اقتضوا أولاً. قال ابن القاسم [في باب بعد هذا] : إذا قضى الورثة من حضرهم وهم يعلمون بدين القادم، فإنه إن وجد الغرماء معدومين رجع على الورثة بما ينوبه من ذلك، ثم يرجع الورثة بما أدوا من ذلك على الغرماء الأولين.
وإن مات وترك وفاءً بديونه فقضى الوصي أو الورثة بعض غرمائه ثم تلف ما بقي، فليس للباقين رجوع على من قبض من الغرماء شيء، إذ فيما بقي وفاء لدين الباقين.
٣٣٢٨ - وإن باع الورثة مال الميت وقضوا ديونه وفضلت فضلة بأيديهم، ثم قدم غريم، فإنما يتبع الورثة ولا يتبع الغرماء إن كان في الفضلة كفاف دينه، وجد الورثة أملياء أو عدماء، فإن لم يكن فيما فضل كفاف دين القادم فله اتباع
стр. 1746
الورثة بمثل الفضلة في ملائهم وعدمهم. فإن كان لو حضر نابه في الحصاص أكثر من الفضلة فليتبع الغرماء ببقية ما نابه. وتفسير ذلك أن تكون التركة مائتين وخمسين، والدين ثلاثمائة لثلاثة رجال، لكل واحد مائة، وأحدهم غائب لم يعلم به، فأخذ الحاضر مائتين والورثة الخمسين، ثم قدم الغائب، فقد علمت أنه لو حضر لنابه في الحصاص ثلاثة وثمانون وثلث، فله خمسون منها في ذمة الورثة، ويبقى له ثلاثة وثلاثون وثلث يرجع بها على الغريمين بينهما نصفين.
ولو كانت التركة كفاف دينهما فقبضاه، لرجع عليهما بحصاصة فيها، وإن ألفاهما عديمين اتبع ذمتيهما، ولم يتبع من قضاهما من ورثة أو وصي بشيء إن قضوهما ولم يعلموا بدينه.
٣٣٢٩ - وإذا باع الورثة التركة فأكلوا ذلك واستهلكوه، ثم طرأت ديون على الميت، فإن كان الميت يُعرف بالدين فباعوا [ماله] مبادرة، لم يجز بيعهم، وللغرماء انتزاع عروضه ممن هي في يديه، ويتبع المشتري الورثة بالثمن. وإن لم يعرف الميت بالدين وباعوا على ما يبيع الناس اتبع الغرماء الورثة بالثمن، كان فيه وفاء أو لم يكن، ولا تباعة على من ذلك المال بيده.
стр. 1747
بشيء، والقول الأول أعجب إليّ، وعليه جماعة الناس. وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، وسواء قام غرماؤه بإثر ذلك أو تأخر قيامهم إذا كان يبيع ويتاجر الناس، فبيعه وقضاؤه ورهنه جائز.
٣٣٣٠ - وإذا كان لرجلين دين على رجل فأخّره أحدهما بحصته، لزمه ذلك، فإن أعدم الغريم وقد اقتضى الآخر حصته فلا رجوع لصاحبه عليه.
وأما صلح أحدهما للغريم على شيء من حقه، فقد جرى مستوعباً في كتاب الصلح.
٣٣٣١ - وإذا عزل الورثة دين الغريم واقتسموا ما بقي ثم ضاع ما عزلوا، لم يضمنه الغريم، ويرجع عليهم فيما قبضوا، ولو عزله القاضي وقسم الباقي بين ورثته أو غرمائه، كان ضياع ذلك ممن أوقف له.
٣٣٣٢ - ومن أوصى بتأخير دين له على رجل وقد حلّ ولا يحمله الثلث أو هو جميع ماله، خُيّر الورثة بين التأخير أو القطع له بثلث جميع التركة.
стр. 1748
٣٣٣٣ - ويجوز إقرار المريض بقبض الدين، إلا من وارث أو ممن يتهم بالتأليج إليه، وكذلك لا يجوز إقرار الزوجة بقبض المهر المؤجل من زوجها في مرضها، [ولا يجوز إقرار المريض لبعض ورثته بدين، وأما إن أقرّ لزوجته في مرضه] بدين أو مهر، فإن لم يعرف منه إليها انقطاع وناحية [محاباة] وله ولد من غيرها، فذلك جائز، وإن عرف بانقطاع إليها ومودة، وقد كان بينه وبين ولده من غيرها تفاقم - ولعل لها منه ولداً صغيراً - فلا يجوز إقراره، قيل: أفغيرها من الورثة بهذه المنزلة فيمن له منه انقطاع أو بُعْد؟ قال: لا، وإنما رأى ذلك مالك للزوجة، لأنه لا يتهم إذا لم يكن له ولد منها، ولا يعرف بانقطاع مودة إليها، أن يفرّ إليها بماله عن ولده، فأما إن [كان] ورثته إخوته أو بنوه فلا يجوز إقراره لبعضهم. ولو ترك ابنة وعصبة يرثونه لقرابة أو ولاء، فأقرّ لهم بمال فذلك جائز، ولا يتهم أن يفر إلى العصبة [بماله] دون الابنة، وأصل هذا قيام التهمة.
فإذا لم يتهم بمن يفر إليه دون من يرث معه، جاز إقراره، فهذا أصل ذلك.
٣٣٣٤ - ومن كان عليه دين لأجنبي ببينة يغترق ماله، فلا يجوز إقراره بدين لصديق ملاطف، أو لزوجته، أو لغيرها من ورثته.
стр. 1749
٣٣٣٥ - وإذا مرض رجل وعليه دين، فليس له أن يقضي بعض غرمائه، لأن قضاءه الساعة على وجه التأليج (١) ، فإن فعل لم يجز ذلك إذا كان الدين يغترق ماله. وقال غيره: المريض لم يحجر عليه في التجارة، وهو كالصحيح في تجارته وفي إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه.
٣٣٣٦ - ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء.
وقد كان روي مرة عن مالك أن الغرماء يدخلون معه [في الرهن] وليس ذلك
وقد قال مالك فيمن عليه دين فأقر لأخت له بدين، فلا شيء لها إلا ببينة على أصل الدين، أو تقيم بينة أنها كانت تقتضيه في حياته. قال سحنون: يعني فيلزمه إقراره لها.
٣٣٣٧ - وإن هلك رجل وترك ولدين وترك مائتين، فأقرّ أحدهما أن لفلان على أبيه مائة وأنكر الآخر، فإن كان المقر عدلاً حلف معه المقرّ له وأخذ المائة، وإن أبى أن يحلف رجع على المقر بنصف المائة التي في يديه، لأنه إنما يلزمه إقراره في حقه دون حق أخيه، وإن كان سفيها لم تقبل شهادته [في] هذا، ولا يؤخذ من ماله شيء. وإن أقر رجلان من الورثة له بذلك قضى بهما إن كانا عدلين.
٣٣٣٨ - ومن أقرّ أن لفلان بضعة عشر درهماً، فالبضع ما بين الثلاث إلى التسع، فإن اختلفا في البضع لم يقض له إلا بثلاثة، إلا أن يزيد المقر عليها، ويحاص من قضي له [في دينه] بشاهد ويمين مع من قضي له بشاهدين.
٣٣٣٩ - ومن قال لرجل لا شيء له عنده: ادفع إلى فلان مائة درهم صلة مني له،
стр. 1750
فمات الآمر قبل دفع المأمور إياها، أو بعث لرجل بهدية فمات الباعث قبل وصولها إلى الموهوب [له] ، فإن [كان] أشهد في الوجهين فهي نافذة، وإن لم يشهد فهي رد.
وكذلك إن تصدق على رجل بدين له على آخر وأشهد، كقول مالك فيمن ساق عن ناكح صداقاً، فمات السائق قبل قبض الزوجة الصداق، فهو لازم للميت، [يؤخذ من رأس ماله] . وقال غيره: إذا مات الذي وصل الرجل بالصلة قبل قبض الموصول إياها حتى تصير بالقبض ديناً على الواصل، فلا شيء للمعطى.
٣٣٤٠ - وإن أمرت من لك عليه دراهم يدفعها إلى من استقرضكها فأعطاه بها دنانير
стр. 1751
برضاه فذلك جائز، وليس لك منعه، وأستحبُّ لك اتباع الآخر بدراهم، والقول فيه من مالك مختلف. ولو قبض فيها عرضاً لم تتبعه إلا بالدراهم. وإن استقرضك دنانير فأمرت من لك عليه دنانير يدفعها إليه، وله [هو] على المستقرض دراهم، فأراد مقاصاته بها، جاز ذلك إن حلا. وإن أمرت رجلا يقضي عنك ألف درهم فدفع فيها دنانير أو طعاماً أو عرضاً، فإنما يتبعك بمثل ما أمرته، لأنه سلف منه لك.
وقد ذكر فيه اختلاف عن مالك، وأنه لا يربح في السلف.
٣٣٤١ - ومن سأل رجلاً أن يقضي عنه لفلان ألف درهم، فأنعم له فمات الآمر قبل القضاء، فإن كان الطالب [رب الدين] اتعد من المأمور على وعدٍ ورضيا بذلك وانصرفا عليه، لزمه الغرم، وهذه حمالة.
стр. 1752
٣٣٤٢ - وإن كان لك على رجل دين دنانير أو دراهم إلى أجل وعجلها لك قبل الأجل، أُجبرت على أخذها، كانت من بيع أو قرض.
ولو كان دينك عرضاً أو طعاماً أو حيواناً من قرض، فعجله لك قبل الأجل، أجبرت على أخذه، ولو كان ذلك من بيع لم تجبر على أخذه قبل الأجل.
٣٣٤٤ - ومن مات وعليه دين، فتبرع رجل فضمن دينه، فذلك لازم له ولا رجوع له عن ذلك، فإن كان للميت مال رجع فيه بما أدى، إن قال: إنما أديت لأرجع في ماله، وإن لم يكن له مال والضامن بذلك عالم، فإنه لا يرجع في مال إن ثاب للميت، لأنه بمعنى الحسبة. ومن ضمن لرجل ماله على ميت، ثم بدا له فقد لزمه ذلك، لأن المعروف كله إذا أشهد به الرجل على نفسه لزمه. ومن أدى عن رجل ديناً عليه بغير أمره أو دفع عنه مهراً لزوجته، جاز ذلك إن فعله رفقاً بالمطلوب، وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته، أو أراد سجنه لعُدْمه لعداوة بينه وبينه، منع من ذلك.
وكذلك إن اشترى ديناً عليه تعنتاً له، لم يجز البيع، ورُدّ إن علم بذلك.
стр. 1753
٣٣٤٥ - ومن وكل وكيلاً يقبض ديناً له على رجل، فقال: قبضته وضاع مني، أو قال: قد برئ إليّ من المال، وقال الرجل: دفعته إليه، لم يبرأ الدافع إلا أن يقيم بينة أنه دفعه إليه، أو يأتي الوكيل بالمال، إلا أن يكون الوكيل مفوضاً إليه أو وصياً، فهو مصدق، بخلاف الوكيل المخصوص. وإن قال الوصي: قبضت من غرماء الميت ما عليهم، لم يكن لليتامى إن بلغوا الرشد اتباعهم، وذلك يبرئهم. وكذلك إن قال: قبضته وضاع مني، صدق وبرئوا.
قال ابن هرمز: فإن ادعى الغرماء أنهم دفعوا المال إلى الوصي، وأنكر ذلك الوصي، حلف، وإن نكل ضمن. وأما مالك فضمنه بنكوله في اليسير، وتوقف في الكثير، قال ابن القاسم: ورأيي على قول ابن هرمز أنه يضمن في القليل والكثير.
وإذا قضى الوصي غرماء الميت بغير بينة فأنكروا، ضمن إن لم يأت ببينة.
٣٣٤٦ - قال الله ﵎: ×وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ
стр. 1754
رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ% [النساء: ٦] . فاشترط الرشد مع البلوغ. قال ابن القاسم: فلا يخرج المولّى عليه بأب أو وصي من الولاية، وإن حاضت الجارية وتزوجت ودخلت بيتها واحتلم الغلام أو خضب بالحناء، ولا يدفع إليه ماله إلا برشد الحال. (١)
٣٣٤٧ - ولا يجوز للمولّى عليه عتق ولا بيع ولا هبة ولا صدقة، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يجيزه الآن. وأستحبّ له إمضاءه ولا أجبره عليه. وما ليس فيه إلا المتعة ففعله فيه جائز، فيجوز طلاقه زوجته وعتقه أم ولده، وأما النكاح فلا، إلا بإذن وليه، وما وُهب له من مال فإنه يدخل تحت الحجر.
وكذلك إن اتجر فربح. ولا يجوز شراؤه أيضاً إلا فيما لا بد له منه من عيشه، مثل الدراهم يبتاع به لحماً، ومثل خبز أو بقل ونحوه، يشتري ذلك لنفسه مما يُدفع إليه من نفقته.
٣٣٤٨ - وللرجل منع أم ولده من التجارة في مالها كما له انتزاعه، وليس له منع زوجته من التجارة، وله منعها من الخروج.
وإذا عقل الصبي التجارة ولم يؤنس رشده فأذن له أبوه أو وصيه أن يتجر، لم يجز ذلك الإذن، لأنه مولّى عليه، ولو دفع الوصي إلى المولّى عليه بعد الحلم بعض
стр. 1755
المال يختبره به فلحقه [فيه] دين، فلا يلزمه الدين فيما دفع إليه ولا فيما أبقى، لأنه لم يخرج من الولاية بذلك، وهو بخلاف العبد يأذن له سيده في التجارة، لأن العبد لم يمنع لسفه فيه وإنما منع من البيع والنكاح وغيره، لأن ملكه بيد غيره، فإذا أذن له جاز، والصبي والسفيه ليس ملكه بيد أحد، فليس الإذن مزيلاً للسفه.
وقال غيره في اليتيم المختبر بالمال: يلحقه ما ادّان فيه خاصة. قال ابن القاسم: ولو دفع أجنبي إلى محجور عليه من يتيم أو عبد مالاً يتجر فيه، فما لحقهما من دين فيه كان في ذلك المال خاصة، بخلاف دفع الوصي، ولا يلزم ذمتهما ولا ذمة الدافع شيء.
وصفة من يحجر عليه من الأحرار أن يكون يبذر ماله سرفاً في لذاته من الشراب والفسق وغيره، ويقسط فيه سقوط من لا يعد المال شيئاً.
وأما من أحرز ماله ونمّاه وهو فاسق في حاله غير مبذر لماله، فلا يحجر عليه، وإن كان له مال عند وصي قبضه.
٣٣٤٩ - ويحجر على البالغ السفيه في ماله وإن كان شيخاً، ولا يتولى الحجر إلا القاضي، قيل: فصاحب الشُّرط؟ قال: القاضي أحب إليّ.