ـ[إعجاز القرآن والبلاغة النبوية]ـ
المؤلف: مصطفى صادق الرافعي
الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثامنة - ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أعده للشاملة: أبو إبراهيم حسانين
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(رَبِّ أَؤزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) .
الحمد لله بما حمد به نفسه في كتابه، والصلاة والسلام على نبيه وآله وأصحابه، أما بعد فإنا قد أفردنا هذا الجزء بالكلام في إعجاز القرآن الكريم وفي البلاغة النبوية، وقصرنا من ذلك على ما
كان مرجع أمره إلى اللغة في وضعها ونسقها والغاية منها، إلى ما يتصل بجهة من هذه الجهات، أو يكون مبدأ فيها أو سبباً عنها، أو واسطة إليها.
وهذا هو في الحقيقة وجه الإعجاز الغريب الذي
استبد بالروح اللغوية في أولئك العرب الفصحاء.
فاشتملت به أنفسهم على خلق من العزيمة الحذاء دائباً لا يسكن كأنه روح زلزلة.
فلم تزل من بعده ترجُف بهم الأرض حيث انتقلوا.
ولا يخفين عليك أن ذلك في مرده كأنه باب من فلسفة اللغة، فهو لاحق بما قدمناه من أمرها يستوفي ما تركناه ثمة، ويُبلغ القول في محاسنها وأسرارها، فيكون بعض ذلك تماماً على بعضه، إذ اللغة هناك مفردات واللغة ههنا تراكيب، وليس رجل ذو علم بالكلام العربي وصنعته
ينازع أو يرتاب في أن القرآن معجزة هذه في بلاغة نظمه واتساق أوضاعه وأسراره، فمن ثم كانت مادة الاتصال في نسق التأليف بين هذا الجزء والذي قبله.
على أن القوم من علماثنا ﵏ قد أكثروا من الكلام في إعجاز القرآن وجاءوا بقبائل من الرأي لونوا فيها مذاهبهم ألواناً مختلفات وغير مختلفات بيد أنهم يمرون في ذلك عُرضاً
على غير طريق ويشتقون في الكلام ههنا وههنا من كل ما تتمرس به الألسنة في اللدد والخصومة، وما يأخذ بعضه على بعض من مذاهبهم ونحلهم، وليس وراء ذلك كله إلا ما تحصره هذه المقاييس من " صناعة الحق " وإلا أشكال من هذه التراكيب الكلامية، ثم فتنة متماحلة لا تقف عند غاية في اللجاج والعسر.
وقد كان هذا كله من أمرهم وعلمهم، وكان له زمن وموضع، وكانت تبعثهم عليه طبيعة ورغبة، والمرء بروح زمانه أشبه، وبحالة موضعه أشد مناسبة ولا بد من طبقة في الموافقة بين
стр. 3
الأشياء وأسبابها.
فإن تكن هذه الحوادث هي تاريخ الناس، فإن الناس أنفسهم تاريخ الحوادث.
ولا نطيل عليك باستقصاء القول في آرائهم وكتبهم في الإعجاز، فإن شيئاً من ذلك تفصيل يقع في موضعه مما تستقبل من هذا الكتاب؛ ولكنا نُنبهك إلى ما قسمناه لك من الرأي في هذا
الموضع، وما تكلفناه من الخُطة في هذا التأليف، فإنا لم نسقط عنك كل المؤنة، ولم نعطك إلى حد الكفاية التي تورِث الاستغناء، بل نهجنا لك سبيلاً إلى الفكر تتقدم أنت فيه، وأعنَّاك على جهة
في النظر تبلغ ما وراءها، وتركنا لك متنفساً من الأمر تعرف أنت فيه نفسك، وجمعنا لك بالحرص والكد ما إن تدبرتهُ وأحسنتَ في اعتباره وأجريته على حقه من التثبت والتعرف، كان لك منْبهَة إلى
سائره، ومادة فيما يَجيشُ إليك من الخواطر التي لن تبرح يُنمي بعضها بعضاً.
ولسنا نزعم - حفظك الله - أن كتابنا هذا على ضعفه وقلة الحشد فيه قد أحاط بوجوه الإعجاز من كتاب الله، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنا لم ندع من ذلك لغيرنا ما يرفعه أو يضعهُ وما ينقصه أو يَتمّه، فإن من ادعى ذلك زعم باطلاً، وأكبر القولَ فيما زعم وبلغ
بنفسه لعَمري مبلغاً من السرَفِ لا قصدَ معه في التهمة له وسوءِ الظن به، ودعا إليه من النكير ما لا قِبلَ له برده أو بَسطِ العذر فيه، وكان خليقاً أن يكون قد جاء ببهتان يفتريه بين يديه، وأن يكون
ممن لا يَتحاشَؤن الكذب الصرف، ولا يضنون بكرامتهم على الألسنة.
فإن مكارهَ هذا البحث مما
لا يسعة طوق إنسان وإن أسرف على نفسه من القهرِ، ولا يَصلب عليه قلمُ كاتب وإن كان هذا القلم في يد الدهر، ولا بدَّ للباحث في أوله من فلتات الضجر، وإن اعتد، وفي أثنائه من سقطات العزم وإن اشتد، وفي آخره من العجز والانقطاع دون الحد.
على أنا مع ذلك استفرغنا الهمَّ، والتمسنا كل ملتمس، وبَرئنا إلى النفس من تبعة التقصير فيما يبلغ إليه الذرع أو تناله الحيلة، فنهضنا لذلك الأمر نَهضاً وسَبكنا فيه سبكاً مَحضاً، فإن قصرنا فضعف ساقه العجز إلينا، وإن قاربنا فذلك من فضل الله علينا.
وبعد فإنا نقول: إنه لا بد لمن ينظر في كتابنا من إطالة الفكر والتأمل.
فإن ذلك يحدث له روية، وتنشئ له الروية أسباباً إلى الخواطر، وتفتح عليه الخواطر أبواباً من النظر، ويهديه النظر
إلى الاستنباط والاستخراج، فإن وقع دون هذه الغاية فحظه من القراء حيث يقع، وإن بلغها فهناك مَداخل الحجج ومخارجها، وتصاريف الأدلة ومدارجها، ثم الإفضاءُ إلى مذاهب الحكمة على ما اشتهى، ثم الانتهاءُ حيث ترى كل حكيم انتهى.
стр. 4
القُرآن
آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها،
وامتنعت عليها أعراف " الضمائر فابتز " أنفالها".
وكم صدوا عن سبيله صداً، ومن ذا يدافع
السيل إذا هدر؛ واعترضوه بالألسنة ردا، ولعمري من يرد على الله القدر؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب.
فما كان إلا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور يتبسط على غطائه.
وهو القرآن كم ظنوا - مما انطوى
تحت ألسنتهم وانتشر - كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمراً هيناً لأنه أنزل في الأرض على بشر.
كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضاً ذات دواب نورانية لأن
هلالها كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سالَ بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلا ما قال الله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) .
***
ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا
فمنها عمادها ونظامها وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعَد من حمى القلوب.
ومعان بينا هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان. . .
وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أوراقها
من معاني العبرة معنى العبير، وتهب عليها بأنفس الرحمة فتَنِم بسر هذا العالم الصغير. . .
ثم بينا هي تتساقط من الأفواه تساقط الدموع من الأجفان، وتدع القلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح
عليها اللسان، وتمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان - إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب وقد انهارت قَواعده والتمعَت ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء
стр. 5
وقد أخذت على الأرض ذنبَها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة تتبعها
الرادفة: وإنَّما هي عند ذلك زجرة واحدة: فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض " مائدة ".
* * *
توهموا السحر ما توهموه، فلما أنزل الله كتابه قالوا: هذا هو السحر المبين. وكانوا يأخذون في ذلك بباطن الظن فأخذوا هذا بحق اليقين (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) .
ومن الشعر ما تسمعونه أم أنتم لا تسمعون؛ بل إنه لسحر يغلب حتى يفرق بين المرء وعادته، وينفذ حتى ينصرف
بين القلب وإرادته. ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فإنما
يمد لها بسبب إلى السماء، وإنَّه لسحر، إذ هو ألحاظ لم تعهد كلم أحداقها، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقُها، ونوز عليه رونَقُ الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم، وماء يتلألأ كالنور فكأنما عصر من
النجوم (١) ، وبلى إنه لشعر ولكن زنة مبانيه في معانيه، وزينة معانيه في مبانيه، فكل معنى ولا جرم
من بحر، وكل لفظ كلؤلؤة في النحر، وإنَّه لشعر، إذ هو آيات لا يجانس كلامها البديعُ غيرَ كمالها، وحقيقة في الوجود لم يكن يعرت غير خيالها، ومرآة في يد الله تقابل كل روح بمثالها.
* * *
يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثلُ في العقول الصغيرة كأنه جنون، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر
في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلا كلاماً تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح يريدون أن يطفئوا نور الله وأين سراجُ النجم من نفخة ترتفع إليه
كأنما تذهب تُطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه!
وهيهات هيهات دون ذلك درْجُ الشمس وهي أم الحياة في كفَن، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.
لا جَرَمَ أن القرآن سر السماء فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول.
ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون،
فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.
فصل
وبعد، فإنا سنقول في القرآن الكريم مما يتعلق بلغته ويتصل ببلاغته ويكشف عن أوجه الإعجاز في ذلك، لا ننفذ في غير سبب لما نحن بسبيله، ولا نذهب في الكلام عن نتيجة من
стр. 6
نتائجه.
ولا يكون من شأننا أن نتزيد بما ينزل من غرضنا منزلة القافية، أو نتكثر مما وراءه بمثبتة أو نافية، فإن هذا القرآن ما زال يهدي للتي هي أقوم، وإن النول فيه ما برح كثير المذاهب متعدد
الجهات متصل الحدود يفضي بعضها إلى بعض، إذ هو كتاب السماء إلى الأرض مُستقرا ومُستودعاً، وقد جاء بالإعجاز الأبدي الذي يشهد على الدهر ويشهد الدهر عليه، فما من جهة من
الكلام وفنونه إلا وأنت واجد إليها متوَجهاً فيه، وما من عصر إلا وهو مقلب صفحة منه حتى
لتنتهي الدنيا عند خاتمته فإذا هي خلاءُ " من الجنة والناس ".
ولقد أراد الله أن لا تضعف قوة هذا الكتاب، وأن لا يكون في أمره على تقادم الزمن خَضغ أو تَطامن، فجاءت هذه القوة فيه بأسبابها المختلفة على مقدار ما أراد، وهي قوة الخلود
الأرضي التي خرج بها القرآن مخرج الشذوذ الطبيعي، فلا سبيل عليه ليد الزمن وحوادثه مما تُبليه أو تستجدُّه، إنما هو روحٌ من أمر الله تعالى هو نزله وهو يحفظه، وقد قال سبحانه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
(فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) .
بَيدَ أنه لا بد لنا من صدر نبتدئ به القولَ في تاريخه وجمعه وتدوينه وقراءته حتى تكون هذه سبباً إلى الكلام في لغته وبلاغته، ثم إعجازه في اللغة والبلاغة، لأن بعض ذلك يريد بعضه،
ونحن نستعين الله ونستمده ونستكفيه، فإن في يده مفتاحَ هذا الباب المغلق وما زال الناس قديماً يأخذون في ناحيته ويختلفون إليه ويعتزمون في ذلك. وقليل منهم من وصل. وقليل من هؤلاء من
اتصل، فاللهم عَونَكَ وتيسيرَك.
стр. 7
تاريخ القُرآن
جمعُه وتدوينه
أنزل هذا القرآن مُنَجماً في بضع وعشرين سنة، فربما نزلت الآية المفردة، وربما نزلت آيات عدة إلى عشر، كما صح عن أهل الحديث فيما انتهى إليهم من طرق الرواية، وذلك بحسب
الحاجة التي تكون سبباً في النزول، وليثبت به فؤاد النبي ﷺ ، فإن آياته كالزلازل الروحية، ثم
ليكون ذلك أشد على العرب وأبلغ الحجة عليهم وأظهر لوجه إعجازه وأدعى لأن يجري أمره في مناقلاتهم ويثبت في ألسنتهم ويتسلسل به القول.
ولولا نزوله متفرقاً: آية واحدة إلى آيات قليلة، ما أفحمهم الدليل في تحديهم بأقصر سورة منه. إذ لو أنزل جملة واحدة كما سألوا لكان لهم في ذلك وجه من العذر يُلبِس الحق بالباطل،
وينفس عليهم أمر الإعجاز. ويهون في أنفسهم من الجملة بعضَ ما لا يهون من التفصيل، لأنهم قوم لا يقرأون ولا يَتدارَسون، ولكن الآية أو الآيات القصيرة تنزل في زمن يعرفون مقداره بما ينزل
في عقبها ثم هم يعجزون عن مثلها في مثل هذا الزمن بعينه، وفيما يربو عليه ويُضعِف، وعلى
انفساح المدة وتراخي الأيام بعد ذلك إلى نفس من الدهر طويل - أمر هو يشبه في مذهب الإعجاز
أن يكون دليل التاريخ عليه وأنه ليس في طبعهم ألبتةَ لا قوة ولا حيلة، فإن العجز عن صنع المادة
لا يثبت في التاريخ إلا إذا ثبتت مدة صنعها على وجه التعيين بأي قرينة من القرائن التاريخية.
وبخاصة إذا اعتبرتَ أن أكثر ما أنزل في ابتداء الوحي واستمر بعد ذلك من لَدُن كان رسول الله ﷺ يأتي حراء فيتحنثُ فيه الليالي، إلى أن هاجر من مكة - إنما هو من قصار السور،
على نَسق يترقى إلى الطول في بعض جهاته. وذلك ولا ريب مما تتهيأ فيه المعارضة بادئ الرأي
إذا كانت ممكنة، لأنه مفصَّل آيات، ثم لقرب غايته ممن ينشط إلى معارضته والأخذ في طريقته،
دون ما يكون ممتد النسق بعيد الغاية، فتصدفُ النفس عن جملته الطويلة، ويُخلف نشاطها فيه لأن
للقوة النفسية حداً إذا حملت على ما وراءه كان من طبعها أن تنتهي إلى ما دونه، وهذا أمر يعرفه من يرى شاعراً يَعذ أبيات القصيدة الرائعة قبل أن يقرأها، أو كاتباً يظر في أعقاب الرسالة الجيدة
ولما يأخذ في أوائلها. وهلمَّ مما يجري هذا المجرى.
وقد كان ابتداء الوحي في سنة ٦١١ للميلاد بمكة، ثم هاجر منها النبي ﷺ في سنة ٦٢٢
إلى المدينة، فنزل القرآن مكياً ومدنياً.
وقد اختلفت الروايات في آخر آية نزلت وتاريخ نزولها،
стр. 8
وفي بعضها أن ذلك كان قبل موته ﵇ بأحد وثمانين يوماً، في سنة إحدى عشرة للهجرة،
وأي ذي كان فإن مدة نزول القرآن توفي على العشرين سنة. وإنَّما هي الحكمة التي أومأنا إليها في مذهب إعجازه، وحكمة أخرى معها: وهي استدراج العرب وتصريف أنفسهم بأوامره ونواهيه على
حسب النوازل وكفاءَ الحادثات، ليكون تحؤلهم أشبه بالسنة الطبيعية كما ينمو الحي من باطنه.
وسيقع تفصيل هذا المعنى فيما يأتي:
وكان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، أو بأمر من النبي ﷺ
فيخطونه على ما اتفق لهم يومئذ من العُسُب والكرانيف واللخاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع من الشاة والإبل، وكل ما أصابوا من مثلها مما يصلح لغرضهم، يكتب كل
منهم ما تيسر له أو يسرته أحواله. ولكن ما ليس فيه ريب أن منهم قوماً جمعوا القرآن كله لذلك
العهد، وقد اختلفوا في تعيينهم، بيد أنهم أجمعوا على نفر، منهم: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وهؤلاء كانوا مادة هذا الأمر من
بعدُ، فإن المصاحف حتى اختصت بالثقة كانت ثلاثة: مصحف ابن مسعود، ومصحف أبي، ومصحف زيد، وكلهم قَرَأ القرآن وعَرَضه على النبي ﷺ ، فأما ابن مسعود فقرأ بمكة وعرض
هناك، وأما أبي فإنه قرأ بعد الهجرة وعرض في ذلك الوقت، وأما زيد فقرأه بعدهما وكان عرضه
متأخراً عن الجميع، وهو آخر العرض إذ كان في سنة وفاته ﷺ وبقراءته كان يقرأ عليه الصلاة
والسلام وكان يصلي إلى أن لحق بربه، ولذلك اختار المسلمون ما كان آخر كما ستعرفه.
أما علي بن أبي طالب فقد ذكروا أن له مصحفاً جمعه لما رأى من الناس طيرةَ عند وفاة النبي ﷺ .
وفي " الفهرست " لابن النديم أنه رأى عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفاً بخط علي يتوارثه بنو حسن، ونحن نحسب ذلك خبراً شيعياً، لأنه غير شائع. . .
وقبض رسول الله ﷺ والقرآن في الصدور، وفيما كتبوه عليه، ثم نهض أبو بكر بأمر
الإسلام، وكانت في مدّته حروب أهل الردة، ومنها غزوة أهل اليمامة، والمحاربون أكثرهم من
الصحابة ومن القراء، فقتل في هذه الغزوة وحدها سبعون قارئاً من الصحابة (ويقال سبعمائة) ،
وكان قد قتل منهم مثل هذا العدد ببئر مَعُونة في عهد النبي ﷺ ، فهال ذلك عمرَ بن الخطاب،
فدخل على أبي بكر رحمهما الله فقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ باليمامة يتهافتون تهافُتَ الفَراش
في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطناً إلا فعلوا ذلك حتى يُقتلوا، وهم حَمَلة القرآن، فيضيع القرآن وُينسى ولو جمعتَه وكتبته! فنفر منها أبو بكر، وقال: أفعلُ ما لم يفعل رسول الله ﷺ ؟
فتراجعا في ذلك، ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت. قال زيد: فدخلت عليه وعمرُ مُسربَل؛
стр. 9
فقال لي أبو بكر: إن هذا قد دعاني إلى أمر فأبيت عليه؛ وأنت كاتب الوحي، فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافقني لا أفعلُ، فاقتص أبو بكر قولَ عمرَ وعمرُ ساكت، فنفرتُ من ذلك،
وقلتُ: يفعل ما يفعل رسول الله ﷺ ؟ إلى أن قال عمر كلمة: وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ فذهبنا
ننظر، فقلنا: لا شيء والله، ما علينا في ذلك شيء.
وقال زيد: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأدَم وكسَر الأكتاف والعُسُب.
وهذا الذي فعله أبو بكر كأنما استحيا به طائفة من القراء الذين استَحَر بهم القتل بعد ذلك في المواطن التي شهدوها، ولم يعْد به ما وصفنا، ولذا بقي ما اكتتبه زيد نسخة واحدة، وهو قد
تتبع ما فيها من الرقاع والعُسب واللخاف ومن صدور الرجال، إنما ائتمنه أبو بكر لأنه حافظ،
ولأنه من كتبة الوحي، ثم لأنه صاحب العَرضَة الأخيرة؛ وربما كان قد أعانه بغيره في الجمع والتتبع؛ فإن في بعض الروايات أن سالماً مولى أبي حذيفةَ كان أحد الجامعين بأمر أبي بكر، أما
الكتابة فهي لزيد بالإجماع.
وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر ينتظرُ بها وقتها أن يحين، حتى إذا توفي سنة ١٣ هـ
صارت بعده إلى عمر، فكانت عنده حتى مات، ثم كانت عند حَفصة ابنته صدراً من ولاية عثمان،
ويومئذ اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في الأمصار، فأخذ أهل كل مصر عن رجل من بقية القراء.
فأهل دِمَشق وحمص أخذوا عن المقداد بن الأسود، وأهل الكوفة عن ابن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري - وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب - وقرأ كثير من أهل الشام
بقراءة أبي بن كعب، وكانت وجوه القراءة التي يؤدَّى بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل
عليها، كما سيمر بك، فكان الذي يسمع هذا الاختلاف من أهل تلك الأمصار - إذا احتوتهم المجامع أو التقوا في المواطن على جهاد أعدائهم - يعجب من ذلك أن تكون هذه الوجوه كلها
على اختلاف ما بينها في كلام واحد، فإذا علم أن جميع القراءات مُسندة إلى رسول الله ﷺ وأنه
أجازها، لا يمنع أن يَحيك في صدره بعض الشك وأن ينطويَ منها على شيء. وإذا هو كان قد نشأ بعد زمن الدعوة وبعد أن اجتمع العرب على كلمة واحدة، فلا يلبث أن يجري دْلك الاختلاف
مجرى مثله من سائر الكلام، فيرى بعضه خيراً من بعضه، ويظن منه الصريحَ والمدخولَ والعالي والنازل، والأفصح والفصيح، وأشباه ذلكَ، ويعتد ما يراه في القرآن من القرآن، وهذا أمر إن هو
استفاض فيهم ثم مَرَدُوا عليه خرجوا منه ولا ريب إلى المناقضة والملاحاة وإلى أن يرد بعضهم إلى بعض هذا يقول: قراءتي وما أخذت به وذلك يقول: بل قراءتي وما أنا عليه! وليس من وراء هذا
اللجاج إلا التكفير والتأثيم، ولا جرَمَ أنها الفتنة لا تفتأ بعد ذلك من دم.
ولقد نجمت هذه الناشئة يومئذ، فلما كانت غزوة إرمينية، وغزوة أذربيجان، كان فيمن غزاهما مع أهل العراق حذيفة بن اليمان، فرأى كثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة، أنهم لا يجرون من ذلك على أصل في الفطرة اللغوية كما كان العرب يقرأون بلحونهم، ورأى ما يبدر على
стр. 10
ألسنتهم حين يأتي كل فريق منهم بما لم يسمع من غيره، إذ يتمارَؤن فيه حتى يكفر بعضهم بعضاً،
ولم يرَ عندهم نكيراً لذلك ولا إكباراً له، بل كانوا قد ألفوه بين أنفسهم، وصار من عاداتهم
وأمرهم، ففزع إلى عثمان فأخبرَه بالذي رأى، وكان عثمان قد رفع إليه أن شيئاً من ذلك يكون بين
المسلمين الذي يُقرئون الصبية ويأخذونهم بحفظ القرآن فينشأون وبهم من الخلاف بعضهم على
بعض، فأعظمَ ﵀ أمرَ هذه الفتنة، وأكبره الصحابة جميعاً، لأن الاختلاف في كتاب الله
مَدرَجَة إلى مخالفة ما فيه، ومتى أهملوا بعض معانيه لم يكن بد أن يتصرفوا ببعض ألفاظه، وإنما
هو اجتراء واحد فيوشِك أن يكون ذلكَ مساغ للتحريف والتبديل، فأجمعوا أمرهم أن ينتسخوا الصحفَ الأولى التي كانت عند أبي بكر، وأن يأخذوا الناس بها ويجمعوهم عليها، حذَارَ تلك
الردة المشتبهة، وإشفاقاً على الناس إن يصيروا كلما رُدْوا إلى الفتنة أركِسوا فيها، فأرسل عثمان
إلى حفصة فبعثت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، وإلى عبد الله بن الزبير،
وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فامرهم أن ينسخوها في المصاحف ثم
قال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه بلسانهم.
قال زيد - في بعض الروايات عنه -: فلما فرغتُ عرضتُهُ عرضة فلم أجد فيه هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) .
قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدها عند خُزيمة - يعني ابن ثابت - فكتبتها " ثم
عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) - إلى آخر السورة فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد
منهم، ثم استعرضت الأنصار أسالهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رجل آخر
стр. 11
يدعى خزيمة أيضاً فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث آيات لجعلها سورة على حدة، ثم عرضته
عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئاً، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها
ليرُدنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شيء، فردها إليها وطابت نفسه، وأمر
الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمه
فأعطاهم إياهم فغسلت غسلاً.
قلنا: وكلام زيد نص قاطع في أنه كان يحفظ القرآن كله، لم يذهب عنه شيء منه، إذ كان
يعرض ما في الصحف على ما رُبط في صدره وثبت في حفظه، ثم هو نص كذلك على أن زيداً
كان لا يكتفي بنفسه بل يذهب يستعرض الناس حتى يجد من يؤدي إليه، كيلا ينفرد هو بالحفظ خشيةَ أن يكون موضع ظِنة وإن كان الصحابة ﵃ قد أجمعوا على الثقة به، فلم
يثبت ما أثبته إلا بشاهدين: أحدهما من حفظ غيره. والآخر من حفظه.
ثم بعث في كل أفق بمصر من تلك المصاحف، وكانت سبعة - في قول مشهور - فأرسل
منها إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة.
وحبس بالمدينة واحداً، وهو مصحفه الذي يسمى الإمام ثم أمر بما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف أن يحرق، ولم يجعل
في عزيمته تلك رخصة سائغة لأحد. وكان جمع عثمان في سنة ٢٥ للهجرة.
وإنما أراد عثمان بذلك حَسم مادة الاختلاف، لأنه أمر يمد مع الزمن وتنشعب الأيام به.
وهو إن أمن في عصره لم يَدْر ما يكون بعد عصره، وقد أدرك أن العرب لا يستمرون عرباً على الاختلاف والفتوح، وأن الألسنة تنتقل، واللغات تختلف. ثم هو رأى ما وقع في الشعر وروايته،
وأن الاختلاف كان باباً إلى الزيادة والابتداع، فلم يفعل شيئاً أكثر من أنه حَصَّن القرآن وأحكم الأسوار حوله، ومنع الزمن أن يتطرق إليه بشيء، وجعله بذلك فوق الزمن.
ولم تكن المصاحف التي كتبت قبل مصحف عثمان على هذا الترتيب المعروف في السور إلى اليوم. فإنما هو ترتيب عثمان أما فيما وراء ذلك فقد رووا أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت
سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، فكان
القرآن مرتب الآيات، غير أنه لم يكن مجموعاً بين دفتين، فلا يؤمن أن يضطرب نَسق مجموعه في أيدي الناس باضطراب القطع التي كتب فيها تقديماً وتأخيراً: ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي
السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت سورة أخرى
стр. 12
فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه، وكتابته، ويتبع ما فاته على حسب ما تسَهَّلَ له أكثره أو قله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر، فلما جمعه أبو بكر برأي
عمر كتبوه على ما وقَفَهم عليه رسول الله ﷺ ، ثم كانوا في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف
منتسقة السور على ترتيب ابن مسعود، وترتيب أبي بن كعب، وكلاهما قد سرده ابن النديم في كتابه (الفهرست) ،
وقال ابن فارس: إن السور في مصحف علي كانت مرتبة على النزول، فكان أوله سورة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ، ثم المدثر، ثم المزمل، ثم تبَّت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، ولا حاجة بنا أن نتع في استقصاء هذا الخلاف.
أما ترتيب مصحف عثمان فهو نسق زيد بن ثابت. وهو صاحب العرضة الأخيرة ولعله كان ترتيب مصحف أبي بكر أيضاً، لما مرَّ في الرواية عن زيد من أنه قابل بين الاثنين معارضة، والله أعلم.
ولم يكن بعد انتشار المصاحف العثمانية وانتساخها على هيئتها إلا أن استوثقت الأمة على
ذلك بالطاعة وأحرق كل امرئ ما كان عنده مما يخالفها ترتيباً أو قراءة، وأطَبق المسلمون على
ذلك النسق وذلك الحرف، ثم أقبلوا يجدون في إخراجها وانتساخها.
ولقد روى المسعودي أنه رُفع من عسكر معاوية في واقعة صفين نحو من خمسمائة مصحف، وهي الخُدعة المشهورة التي
أشار بها عمرو بن العاص في تلك الواقعة، ولم يكن بين جمع عثمان إلى يوم صفين إلا سبع سنوات.
وهنا أمر لا مذهبَ لنا دون التنبيه عليه، وذلك أن جمع القرآن كان استقصاء لما كتب،
стр. 13
واستيعاباً لما في الصدور، فكانوا لا يقبلون إلا بشهادة قد امتحنوها، أو حلف قد وثقوا من صاحبه، وإلا بعد العرض على من جمعوا وعرضوا على رسول الله ﷺ . فإن الصحابة كانوا
يحسنون التهجي، وقد يكتبون ما يقرأون على وجه من وجوه الكتابة، أو يكتبون بحرف من القراءات، كالذي رواه ابن فارس بسنده عن هانئ قال: كتبت عند عثمان رضي الله تعالى عنه
وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتِف شاة إلى أبي بن كعب فيها
(لم يَتسَن) و (فأمهل الكافرين) ، و (لا تبديل للخلق) قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين، وكتب " لخلق الله " - ومحا
" فأمهل " وكتب (فمهل) وكتب (يَتسَنه) ألحق فيها هاء والقراءة على هذا الرسم.
فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلا الظن والتأويل، واستخراجُ الأساليب الجدَلية من كل حكم وكل قول " إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء، حملا على ما وصفوا من كيفية جمعه، وهو باطل من الظن، لما علمته من أنباء حَفَظته الذين جمعوه وعرضوه،
ثم لما رأيت من تثبتهم في ذلك حتى جُمعت لهم الصحة من أطرافها، ثم لإجماع الجم الغفير من الصحابة على أن ما بين دفتي المصحف هو الذي تلقوه عن رسول الله ﷺ لم يأته الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، ولا اقتطع منه الباطلُ شيئاً.
ونحن فما رأينا الروايات تختلف في شيء من الأشياء فضلَ اختلاف، وتتسَنم في الروايات والتأويل كل طريق وعر؛ كما رأينا من أمرها فيما عدا نصوص ألفاظ القرآن، فإن هذه الألفاظ متواترة إجماعاً لا يَتدارأ فيها الرواة، مَن علا منهم ومَن نزل، وإنما كان ذلك لأن القرآن أصل هو
الدين وما اختلفوا فيه إلا من بعد اتساع الفتن؛ وتألب الأحداث وحين رجع بعض الناس من النفيس
إلى أشد من الأعرابية الأولى، وراغ أكثرهم عن موقع اليقين من نفسه، فاجترأوا على حدود الله
وضربتهم الفتنُ والشبهات مقبلاً بمدبر ومدبراً بمقبل. فصار كل نزع إلى الاختلاف، يريد أن يحمل
من القرآن ما يختلف معه أو يختلف به، وهيهات ذلك إلا أن يَتَدسس في الرواية بمكروه يكون
معه التأويل والأباطيل، وإلا أن يفتح الكلمة السيئة ويبالغ في الحمل على ذمته والعنف بها فهي
أشياء لا ترد إلى الله ولا إلى الرسول، ولا يعرفها الذين يستنبطون من الحق، بل لا يعرفون لها من الحق وجهاً.
ونحسب أن أكثر ذلك مما افترته الملحِدة وتزيْدت به الفئة الغالية، وهم فرق كثيرة يختلفون فيه بغياً بينهم، وكلهم يرجع إلى القرآن بزعمه ويرى فيه حجته على مذهبه وبَينتَه على دعواه
стр. 14
ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم في الحق والباطل، ثم ضعاف الرواة ممن لا يميزون أو ممن تعارضهم الغفلة في التمييز، وذلك سواء كله ظلمات بعضها فوق بعض، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) .
وقد وردت روايات قليلة في أشياء زعموا أنها كانت قرآناً ورفع. على أن
رسول الله ﷺ كان يقرر الأحكام عن ربه إذا لم ينزل بها قرآن، لأن السنة كانت تأتي مأتاه، ولذلك
قال ﵊: " أوتيت الكتاب ومثلَه معه " يعني السنن.
وعلى هذا الحديث يخرج في رأينا كل ما رووه مما حسبوه كان قرآناً فرفع وبطلت تلاوته على قلة ذلك إن صح. لأنه يكون وحياً، وليس كل وحي بقرآن، على أن ما ورد من ذلك ورد
معه اضطرابهم فيه وضعف وزنه في الرواية، وأكبر ظناً أنها روايات متأخرة من محدثات الأمور،
وأن في هذه المحدثات لما هو أشد منها وأجدى بشؤمه. ولو كان من تلك شيء في العهد الأول
لرويت معها أقوال أخرى لأئمة الإثبات الذين كان إليهم المفزعُ من أصحاب رسول الله ﷺ وهم
كانوا يومثذ متوافرين، وكلهم مُقرن لذلك قوي عليه؛ وكانوا يعلمون أن المراء في القرآن كفر وردة، وإن إنكار بعضه كإنكاره جملة، وإن أجمعوا على ما في مصحف عثمان وأعطوه بَذلَ ألسنتهم في الشهادة، أي قوتها، وما استطاعت من تصديق.
ونحن من جهتنا نمنع كل المنع، ولا نعبأ أن يقال إنه ذهب من القرآن شيء، وإن تأولوا لذلك وتمحلوا، وإن أسندوا الرواية إلى جبريل وميكائيل ونعتد ذلك السوأة الصلعاء التي لا يرحُضها من جاء بها ولا يغسلها عن رأسه بعد قوله الله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) أفترى باطلهم جاءه من فوقه إذن؟ . .
ولا يتوهمن أحد أن نسبة بعض القول إلى الصحابة نص في أن ذلك القول الصحيح ألبتة،
فإن الصحابة غير معصومين، وقد جاءت روايات صحيحة بها أخطأ فيه بعضهم من فهم أشياء من
القرآن على عهد رسول الله ﷺ وذلك العهد هو ما هو، ثم بما وَهِل عنه بعضهم مما تحدثوا من
أحاديثه الشريفة، فأخطاوا في فهم ما سمعوا، ونقلنا في باب الرواية من تاريخ آداب العرب أن بعضهم كان يرد على بعض فيما يشبه لهم أنه الصواب خوف أن يكونوا قد وهموا.
وثبت أن عمر ﵁ شك في حديث فاطمة بنت قيس، بل شك في حديث عمار بن ياسر في التيمم لخوف الوهم، مع أن عماراً ممن لا يتهم بتعمد الكذب، ولا بالكذب وهلة،
لصحبته وسابقته مع رسول الله ﷺ ولذلك أذن له عمر في رواية هذا الحديث مع شكه هو في صحته.
стр. 15
على أن تلك الروايات القليلة إن صحت أسانيدها أو لم تصح: فهي على ضعفها وقلتها مما لا حفل به؛ ما دام إلى جانبها إجماعُ الأمة وتظاهر الروايات الصحيحة وتواتر النقل والأداء على التوثيق.
وبعد فما تلك الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله ﷺ والفتن التي تعاقبت والأحداث التي
استفاضت، والانشقاق الذي ارفضت به عصا الإسلام - بأقل شأناً ولا أضعف خطراً من هذا كله
ومثله معه من ضروب الأقاويل؛ حتى لا يقتحم مجترئ ولا يستهدف مفتر ولا يبالغ مبطل ولا ينحرف متأول، وحتى لا يروى من أشباه ذلك دقيق أو جليل؛ وإنَّما قياس الباطل بالعلم الحق،
وقياس الظن باليقين الثقة، وأنت تعلم أن كل ما رووه لم يأت من قِبَل الإجماع، وليس له من هذه
الحجة مادة ولا قوة، ولو أن الأمر كان إلى الرأي والنظر لقلنا: لعله ولعلنا، ولكنها الرواية وملاكها، والأدلة واشتراكها (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) .
стр. 16
القراءة وطرق الأداء
وهذا الفصل مما نتأذى به إلى الكلام في لغة القرآن، فهو سبيلنا إليها في نَسق التأليف، إذ القراءة والأداء أمران يتعلقان باللفظ ويبنيان على وجوه اللغة التي قام بها.
وليس من همنا فيما نأتي به إلا نقضي حق التاريخ اللغوي، منصرفين ما وَسعنا الانصراف عن الجهة الفنية التي هي جانب من علمي القراءات والتجويد، فإن الكلام في هذه الجهة يتسع،
وهو غير ما نحن فيه، وما زالت الجهة الفنية من كل علم هي فرغ من أصله في التاريخ.
نزل القرآن على رسول الله ﷺ بأفصح ما تسمو إليه لغة العرب في خصائصها العجيبة وما
تقوم به، مما هو السبب في جزالتها ودقة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها من ذلك على تأليف صوتي يكاد يكون موسيقياً محضاً، في التركيب، والتناسب بين أجراس الحروف والملاءمة بين طبيعة المعنى وطبيعة الصوت الذي يؤديه، كما بيناه في بابه من الجزء الأول
فكان مما لا بدَّ منه بالضرورة أن يكون القرآن أملكَ بهذه الصفات كلها، وأن يكون ذلك التأليف
أظهرَ الوجوهِ التي نزل عليها، ثم أن تتعدد فيه مناحي هذا التأليف تعدداً يكافئ الفروع اللسانية
التي سبقت بها فطرة اللغة في العرب، حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه، توقيعاً يطلق من نفسه الأصوات الموسيقية التي يشيع بها الطرب في
هذه النفس، بما يسمونه في لغة العرب بياناً وفصاحة. وهو في لغة الحقيقة الموسيقى اللغوية.
وإذا تم هذا النظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به، ومع اليأس من معارضته،
على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب، فقد تم له التمام كله، وصار إعجازه إعجازاً للفطرة اللغوية في
نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها: ومتى كان العجز فطرياً فقد ثبت بطبيعته، وإن لجَّ فيه الناس جميعاً، لأنه شيء في تلك الفطرة يفهم منه صريحا ثم لا تنكر هي
موضعه منها وموقعه، وإن كابرت فيه الألفاظ وبالغت الأهواء في جَحده والانتفاء منه مراءً ومغالبة.
والطبيعة قد توجد في مفردات لغتها مترادفات، بحيث يكون الشيئان لمعنى واحد، ولكن لا توجد فيها الأضداد بحال من الأحوال، فلا يكون الشيء الطبيعي محتملاً بصورته الواحدة لأن
بكون إقراراً وإنكاراً معاً، ومن ثم لا يستقيم للعرب أن يعارضوا القرآن، إذ كان مأتى العجز من
стр. 17
فطرتهم اللغوية، ولا يتوهم ذلك وإن انتشرت لهم في الخلافِ كل قالة.
ذلك فيما ترى هو السبب الأول الذي من أجله اختلفت بعض ألفاظ القرآن في قراءتها
وأدائها اختلافاً صح جميعه عن رسول الله ﷺ وصحت قراءته؛ وهو كان أعلمَ العرب بوجوه
لغتها، كما سيأتي في موضعه؛ إذ لا وجه عندنا للاختلاف الصحيح إلا هذا، فإن القرآن لو نزل
على لفظ واحد ما كان بضائره شيئاً وهو ما هو إحكاماً وإبداعاً، فهذه واحدة.
وحكمة أخرى، وهي تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين لم يكن حفظ الشرائع مما عرفوه فضلاً عن أن يكون مما ألفوه.
وثالثة تلحق بمعاني الإعجاز، وهي أن تكون الألفاظُ في أختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنى من معاني الشريعة، ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في
الاستنباط والاجتهاد، وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم ثم هو مما لا يستطيعه لغوي أو بياني
في تصوير خيالٍ فضلاً عن تقرير شريعة.
ومن أعجب ما رأيناه في إعجاز القرآن وإحكام نظمه، أنك تحسب ألفاظَه هي التي تنقاد لمعانيه. ثم تتعرف ذلك وتتغلغل فيه فتنتهي إلى أن معانيه منقادة لألفاظه، ثم تحسب العكس وتتعرفه متثَبتاً فتصير منه إلى عكس ما حسبت وما إن تزال متردداً على منازعة الجهتين كلتيهما،
حتى ترده إلى الله الذي خلق في العرب فطرة اللغة، ثم أخرج من هذه اللغة ما أعجز تلك الفطرة.
لأن ذلك التوالي بين الألفاظ ومعانيها. وبين المعاني وألفاظها، مما لا يعرف مثله إلا في الصفات
الروحية العالية. إذ تتجاذب روحان قد ألفت بينهما حكمة الله فركبتهما تركيباً مَزجياً بحيث لا يجري حكم في هذا التجاذب على إحداهما حتى يَشملها جميعاً.
ووجوه الاختلاف الطبيعي - كاختلاف القراءات في العرب - مما لا تفهم له تلك الطباع المختلفة به وجهاً، لأن كل عربي قد ثَبت على لحنه في النطق أو القراءة فيحسب ذلك الاختلاف مما لا يحتمله الشيء الثابت.
ولهذا جاءت بعض روايات عن الصحابة ﵃
تصف نبضاً من الشك ربما كانت تضرب به قلوبهم، حين يسمعون الاختلاف بين قراءة وقراءة
حتى يصرف الله عنهم ذلك ويربط على قلوبهم كما روي عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت
هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقانَ في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على
حروف كثيرة لم يقرئنِيها رسول الله ﷺ كذلك، فكدت أساوره في الصلاة فصبرت حتى سلَّم،
فلما سلَّم لبَّبته بردائه فقلت. مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؛ قال: أقرأنيها
стр. 18
رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة. فانطلقت به أقوده
إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان. فقال رسول الله جتَ: " اقرأ يا هشام "، فقرأ عليه القراءة التي
سمعته يقرؤها، فقال: " هكذا نزلت "، ثم قال: " اقرأ يا عمر "، فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله لمجم، فقال: " هكذا نزلت "، ثم قال: " إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منها ".
فتأمل قوله " ما تيسر " تصِب منها شرحاً طويلاً، وسنقول في هذه السبعة بعد.
ورووا أن عبد الله بن مسعود لما خرج من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودعهم ثم قال: لا تَنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى ولا ينفَد لكثرة الرد. وإنه شريعةَ الإسلام وحدوده
وفرائضه فيه واحدة، ولو كان شيء من الحرفين ينهَى عن شيء يامر به الآخر كان ذلك الاختلافُ.
ولكنه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائضُ ولا شيء من شرائع الإسلام، ولقد رأيتُنا نتنازعُ فيه عند رسول الله ﷺ فيأمرنا نقرأ عليه فيخبرنا أن كلنا محسن؛ ولو
أعلم أحداً أعلم بما أنزلَ الله على رسوله مني لطلبتُه حتى أزدادَ علمه إلى علمي، ولقد قرأت من لسان رسول الله ﷺ سبعين سورةَ، وقد كنت علمتُ أنه يعرضُ عليه القرآن في كل رمضان، حتى
كان عامُ قبِضَ فعُرض عليه مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيخبرني أني مُحسن.
فمن قرأ على قراءتي فلا يدعتَها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعئه رغبة عنه، فإن من
جحد بآية جحد به كلهِ.
هذا حين كان الاختلاف مما تقتضيه الفطرة اللغوية ومذاهبها، فلما انتَفَضت هذه الفطرة، واختبلت الألسنة بعد اتساع الفتوح، وانسياح العرب في الأقطار، ومخالطتهم الأعاجمَ - لمَ يعد
لذلك الاختلاف وجه يتصل بحكمة من الرأي، بل صار كأنه دُرْبةَ لإفساد هذا الأمر واختلاف المادة نفسها على وجه يُنكرُ من حقيقتها بما يضيفُ إليها أو يخلط بها أو يغير منها، وإلى هذا نظر
رسول الله ﷺ حين عرض عليه القرآنُ العرضةَ الأخيرة، وما كان يعلم أنها الأخيرة لولا ما علمه
الله، فاختار قراءة زيد بن ثابت صاحب هذه العرضة، وبها كان يقرأ وكان يصلي إلى أن انتقل إلى جوار ربه. ومن ثم اختارها المسلمون بعده وكتبوا القرآن عليها زمن أبي بكر كما مر، ثم تركوا
стр. 19
للناس أسانيدهم، إذ كانت الفطرة سليمة بعد.
فلما كانت الطيرة والاختلاف لعهد عثمان، وأشفقوا من الضلال في معَاسف الرأي ومعاني حملوا الناسَ عليها حملاً وكتبوا بها المصاحف كما تقدم.
стр. 20
القُرَّاء
يرجعُ عهد القراء الذين أقاموا الناسَ على طرائقهم في التلاوة إلى عهد الصحابة رضي الله
عنهم، فقد اشتهر بالإقراء منهم سبعة: عثمان، وعلي، وأبي، وزيدُ بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري؛ وعنهم أخذ كثير من الصحابة والتابعين في الأمصار، وكلهم يُسنِدُ
إلى رسول الله ﷺ . فلما كانت أواخر عهد التابعين في المائة الأولى تجرد قوم واعتنَوا بضبط
القراءة أتم عناية، لِما رأوا من المساسِ إلى ذلك بعد اضطراب السَّلائق، وجعلوها علماً، كما فعلوا يومئذ بالحديث والتفسير، فكانوا فيها الأئمة الذين يُرحَلُ إليهم ويؤخَذُ عنهم؛ ثم اشتهر منهم
ومن الطبقة التي تَلتهُم أولئك الأئمة السبعة الذين تُنسبُ إليهم القراءات إلى اليوم، وهم: أبو عمرو بن العلاء شيخُ الرُّواة المتوفى سنة ١٥٤ هـ،
وعبد الله بن كثير المتوفى سنة ١٢٠ هـ،
ونافعُ بن نعيم المتوفى سنة ١٦٩ هـ، وعبد الله بن عامر اليَحصُبي المتوفى سنة ١١٨ هـ، وعاصمُ بنُ بَهدَلة الأسَدي المتوفى سنة ١٢٨ هـ، وحمزةُ بن حبيب الزيات العِجلي المتوفى سنة ١٥٦ هـ،
وعلي بن حمزة الكِسائي إمام النحاة الكوفيين المتوفى سنة ١٨٩ هـ.
وقراءات هؤلاء السبع هي المتفقُ عليها إجماعاً، ولكل منهم سَنَد في روايته، وطريق الرواية عنه؛ وكل ذلك محفوظ مثبَت في كتب هذا العلم.
ثم اختاروا من أئمة القراءة غير مَن ذكرناهم ثلاثة صخت قراءتهم وتواترت وهم: أبو جعفر يزيدُ بن القَعقاع المدني المتوفى سنة ١٣٢ هـ، ويعقوب ابن إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١٨٥ هـ، وخلفُ بن هشام بن طالب (ولم نقف على تاريخ وفاته) . وهؤلاء وأولئك هم أصحاب
القراءات العَشر، وما عداها فشاذ، كقراءة اليزيدي، والحسن، وأعمش، وغيرهم.
ولا يذهَبن عنك أن هذا الاختيار إنما هو للعلماء المتأخرين في المائة الثالثة، وإلا فقد كان الأئمة الموثوق بعلمهم كثيرين، وكان الناس على رأس المائتين بالبَصرة، على قراءة أبي عمرو
стр. 21
ويعقوب؛ وبالكوفة، على قراءة حمزة وعاصم؛ وبالشام، على قراءة ابن عامر؛ وبمكة، على قراءة ابن كثير؛ وبالمدينة، على قراءة نافع، وكان هؤلاء هم السبعة! فلما كان على رأس المائة الثالثة،
أثبت أبو بكر ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف منهم اسم يعقوب.
قال بعضهم: والسببُ في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدراً، أو مثلهم إلى عدد أكثرَ من السبعة! هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيراً جداً، فلما تقاصَرَتِ الهممُ اقتصروا مما يوافق خط المصحَفِ على ما يسهلُ حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من
اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إماماً واحداً. ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات وما القراءةَ به كقراءة يعقوب، وأبي جعفر، وشيبةَ، وغيرهم. قال: وقد صنف ابنُ جبر المكي مثلَ ابن
مجاهد كتاباً في القراءات فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إماماً، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة، إلى هذه الأمصار، ويقال إنه وجه بسبعة: هذه
الخمسةِ ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره " مراعاة عدد المصاحف " استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد. اهـ.
وأول من تتبع وجوه القراءات وألَّقها وتقصى الأنواعَ الشاذة فيها وبحث عن أسانيدها من صحيح ومصنوع، هارونُ بن موسى القارئ النحوي المتوفى سنة ١٧٠ هـ. وكان رأساً في القراءة والنحو، ولكن أولَ من صنف فيها إنما هو أبو عبيد القاسمُ بن سلام الراوية المتوفى سنة ٢٢٤ هـ،
وكان أول من استقصاها في كتاب. ويقال إنه أحصى منها خمساً وعشرين قراءة مع السبع المشهورة.
стр. 22
وُجوه القِرَاءة
ومنذ بدأت القراءةُ تتميز بأنها علم يتدارسُ ويتلقى، بدأت فيها الصناعة العلمية؛ فحُصِرت
وجوهها وعينت مذاهبها؛ ومن شأن كل علم أن يكون ضبطُ الصحيح فيه حذاً لغير الصحيح، وقد
تكون الأمثلة التي تُنزع من العلم للتمثيل بها على صحيحه مما يقتضي التمثيل بضدها على فاسده،
فتُقلب القاعدة أو الكلمة على وجوهها المتباينة مما اطرد أو شذ؛ وبهذا يُدل على المذاهب الضعيفة ويُطرق إلى معرفتها. فعسى أن يكون ممن يقفون عليها من تنقطع به المعرفة عندها، أو يقف به الهوى على حدها، أو يعجبه منها إن كان له أن يكون صاحبَ غريب، وأمره عند العامة
والجمهور ما عرفت في باب الرواية وأن يتدافعه الناس رَاد معه وراذ عليه، أن يكون هو ضعيف البصر بهذا الأمر قليلَ التمييز فيه، أو يكون خبيث الدخلةُ مستجمَّ الباطل، أو من أصحاب العلَلِ والمِراءِ أو شيء مما يَجري هذا المجرى، فلا يلبث أن يأخذ بها دون الصحيح. ويتقفَد
أمرها على وهنه واضطرابه، فيَعْتَسِرَ الكلام فيها، ويبالغ في النضح عنها والدفع لما عداها،
ويتكلف لتصحيح هذا الفساد كما يتكلفُ لإفساد الصحيح وتوهينه؛ ومن ثمَّ ينشأ من العلم علم آخر لم يكن قبل إلا حاجة من التمثيل به لغيره! فاتسع حتى صار في حاجة إلى التمثيل له بغيره.
كذلك نشأت القراءات الغريبة في رأينا، فإن هذا الشاذ وهذا الضعيف وهذا المنكر مما لا تحسبه كان معروفاً متلقى بالإسناد الذي لا مغمز فيه وإن لم يقرأ به أصحابه إلا على أنه معروف مُوثق الأسانيد.
ولا بد أن تكون قد شذت وجوه كثيرة من القراءات قبل مصحف عثمان، وخاصة فيمن يقرأ من عَرَب الأمصار من الأوشاب المستضعفين الذين لم تخلُص فطرتهم ولم تتوقح طباعهم، وكل
أولئك قد كان لهم في أحيائهم من يُقرئهم القرآن، فإن كان قد وقع أمر من ذلك لأصحاب القراءات ومن يتتبعون وجوهها فأخذ به لأنه عن متقدم يُسنده أو يزعمه صحيحاً عمن يُسنده فذلك
أيضاً قول ومذهب.
والعلماءُ على أن القراءات متواترة وآحاذ وشاذة. وجعلوا المتواتر السبع والأحادَ الثلاثَ المتممةَ لعشرها ثم ما يكون من قراءات الصحابة ﵃ مما لا يوافق ذلك. وما بقي فهو شاذ.
والقياسق عندهم موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه، سواء كان أفصحَ أم فصيحاً،
стр. 23
مُجمعاً عليه أم مختلفاً فيه اختلافاً لا يضر مثلُه؛ لأن القراءة سنة متبَعة، يلزم قبولُها؛ والمصير إليها
بالإسناد لا بالرأي، ثم يشترط في تلك القراءة أن توافق أحدَ المصاحف العثمانية ولو احتمالا
وأن تكون مع ذلك صحيحة الإسناد، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة: موافقة العربية، ورسم المصحف، وصحة السند؛ فتلك هي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أطلِقَ عليها
أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة؛ ولتجىء بعد ذلك عن كائن من كان.
أما اشتراط موافقة العربية على أي وجوهها، فذلك إطلاق يناسب ما قدمناه من أمر الفطرة
ومن أجله كان صحيحاً أن لا يُعول أئمة القراءة في أمر الجواز على ما هو أفشى في اللغة وأقيس في العربية، دون ما هو أثبتُ في الأثر وأصح في النقل؛ لأن العرب متفاوتون في خلوص اللغة
وقوة المنطق فإن قرأوا فلكل قبيل لهجه.
وأما موافقةُ رسم أحد المصاحف العثمانية، فذلك لما صح عندهم من أن الصحابة ﵃ اجتهدوا في الرسل على حسب ما عرفوا من لغات القراءة فكتبوا (الصراط) مثلاً في قول تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) . بالصاد المبدَلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي،
الأصل، لتكون قراءة السين (السراط) إن خالفت الرسم من وجه، فقد أتت على الأصل اللغوي
المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة لذلك.
وأما اشتراط صحة الإسناد فهو أمر ظاهر ما دامت القراءة سنة متبعة، وكثيراً ما ينكر بعض أهل العربية قراءة من القراءات؛ لخروجها عن القياس، أو لضعفها في اللغة؛ ولا يحفل أئمةُ
القراءة بإنكارهم شيئاً؛ كقراءة من قرأ (فتوبوا إلى بارئكم) بسكون الهمزة، ونحوها مما أحصوه فى كتبهم. -
وأول من اشتهر من القراء بالشواذ؛ وعُني بجمع ذلك واستقصائه وإظهاره دون الصحيح؛ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي في أواخر المائة الثانية، فقد جمع قراءة نسبها إلى الإمام أبي حنيفة ﵀، ومنها (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وقد أكذبوه في إسناده وجعلوه مثلاً
стр. 24
بينهم في القراءات الموضوعة المردودة.
ثم اجترأ الناس على القرآن بما فشا من مقالات أهل الزيغ والإلحاد بعد المائة الثانية، ولكن ذلك لم يتناول قراءته، بل تناول مسائلَ من أمر الاعتقاد فيه؛ ثم ظهر ابن شُنبوذ المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، وكان رجلاً كثير اللحن قليلَ العلم، فيه سلامةَ وحمق وغفلة؛ فكان من أشهر القراء
بالشواذ، ثم أخذ في سبيله أبو بكر العطار النحوي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ، وكان من أعرَف الناس
بالقراءات، وإنما أفسد عليه أمره أنه من أئمة نحاة الكوفيين، فخالف الإجماع وصنع في ذلك
صنعاً كوفياً. . . فاستخرج لقراءته وجوهاً من اللغة والمعنى، ومن ذلك قراءته في قوله تعالى:
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) فإن هذا الأحمق قرأها (نُجُباً) فأزالها بذلك عن أحسن وجوه البيان العربي، ولم يبال ما صنع إذا هو قد انفرد بها على عادة الكوفيين في الرواية. . . كما مرَّ في
باب الرواية في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب.
أما بعد هؤلاء الرؤوس. وبعد أن انطوت أيامهم، فإن القراءة قد استوثقَ أمرها ولم يعد للشاذ وجه ولا أقيم له وزن؛ إذ كانت قد دُونت العلوم في اللغة العربية وفي القراءات. وأخمَلَ الناسُ أهل الشواذ، والخلفاء والأمراء فمن دونهم، واعتدوا لهم السوء والإثمَ، ورأوا أمرهم الفتنة
التي لا يُستقالُ فيها البلاء؛ فما زالوا بهم حتى قطعَ الله دابرهم وغابرهم.
هذا، وقد أورد ابنُ النديم في كتابه (الفهرست) أسماء كثير من أهل الشواذ في كثير من الأمصار، فارجع إليه إن شئت تستقصي فيما لا يفيد.
* * *
стр. 25
قراءة التَلحِيْن
ومما ابتدع في القراءة والأداء، هذا التلحين الذي بقيَ إلى اليوم يتناقله المفتونةُ قلوبُهم وقلوبُ من يعجبهم شأنهم، ويقرأون به على ما يشبه الإقناع وهو الغناء التقي. . . ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم (الترعيد) وهو أن يرعد القارئ صوته، قالوا كأنه يرعَد من البرد اً ا
الألم. . . (والترقيص) وهو أن يروم السكوتَ على الساكن ثم ينقر مع الحركة كأنه في عدو هَرولة؛ (والتطريب) وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغمَ به فيمد في غير مواضع المد ويزيد في المد ما
أصاب موضعه، (والتحزين) وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوعا
ثم (الترديد) وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه.
وإنما كانت القراءة تحقيقاً، أو حدراً، أو تدويرا فلما كانت المائة الثانية كان أول من قام بالتلحين والتطنين عبيدَ الله بن بَكرة، وكانت قراءته حزنا ليس على شيء من ألحان الغناء والحداء، فورث ذلك عنه حفيده عبد الله بن عمر بن عبيد الله، فهو الذي يقال له قراءة ابن عمرة
وأخذها عنه الإباضي، ثم أخذ سعيد بن العلاف وأخوه عن الإباضي، وصار سعيد رأس هذا القراءة في زمنه وعرفت به، لأنه اتصل بالرشيد فأعجب بقراءته وكان يحظيه ويعطيه حتى عرف بين
الناس بقارئ أمير المؤمنين.
وكان القراء بعده: كالهيثم، وأبان، وابن أعين، وغيرهم ممن يقرأون في المجالس المساجد، يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء، والرهبانية، فمنهم من كان يدس الشيء من ذلك دساً خفياً، ومنهم من يجهر به حتى يسلخه، فمن هذا قراءة الهيثم (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) فإنه كان يختلس المد اختلاساً فيقرؤها (لمسكين) ، وإنما سلخه من صوت الغناء كهيئة
اللحن في قول الشاعر:
أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتاً ... يوافق عندي بعض (مَفِيها)
أي ما فيها، وكان ابن أعين يدخل الشيء من ذلك ويخفيه، حتى كان الترمذي محمد بن سعيد في المائة الثالثة، وكان الخلفاء والأمراء يومئذ قد أولعوا بالغناء وافتَنوا فيه، فقرأ محمد هذه.
стр. 26
على الأغاني المولدة المحدثة، سلخها في القراءة بأعيانها.
وقال صاحب (جمال القراءة) : إن أول ما غني به القرآن قراءة الهيثم " أما السفينة " كما تقدم،
فلعل ذلك أول ما ظهر منه.
ولم يكن يعرف من مثل هذا شيء لعهد النبي ﷺ ولا لعهد أصحابه وتابعيهم إلا ما رواه
الترمذي في (الشمائل) واختلفوا في تفسيره؛ فقد روي بإسناده عن عبد الله بن مُغفِل قال: رأيت النبي ﷺ على ناقة يوم الفتح (فتح مكة) وهو يقرأ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)
قال: فقرأ ورجعَ. وفسره ابن مغفل بقوله: آآآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة، ثلاث مرات ولا خلاف بينهم في أن هذا الترجيع لم يكن ترجيع غناء.
وكان في الصحابة والتابعين ﵃ من يحكم القراءة على أحسن وجوهها ويؤديها بأفصح مخرج وأسراه، فكأنما يسمع منه القرآنَ غضاً طَرَياً، لفصاحته وعذوبة منطقه وانتظام نَبراته،
وهو لحن اللغة نفسها في طبيعتها لا لحن القراءة في الصناعة، على أن كثيراً من العرب كانوا يقرأون القرآن ولا يعفون ألسنتهم مما اعتادته في هيئة إنشاد الشعر، مما لا يحل بالأداء، ولكنه
يعطي القراءة شبهاً من الإنشاد قريباً، لتمكن ذلك منهم وانطباع الأوزان في الفطرة، حتى قيل في بعضهم: إنه يقرأ القرآن كأه رَجز الأعراب.
وهذا عندنا هو الأصل فيما فشا بعد ذلك من الخروج عن هيئة الإنشاد إلى هيئة التلحين، وخاصة بعد أن ابتدع الزنادقة في إنشاد الشعر هذا النوع الذي يسمونه التغيير، ولم يكن معروفاً من
إنشاد الشعراء قبل ذلك وهو أنهم يتناشدون الشعر بالألحان فيطربون ويرقصون ويرهجون؛
ويقال لمن يفعلون ذلك: المغبرة. وعن الشافعي ﵀. أرى الزنادقة وضعوا هذا التغيير ليصدوا الناس عن ذكر الله وقراءة القرآن.
وبالجملة فإن التعبد بفهم معاني القرآن في وزن التعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءةِ المتصلةِ بالنبي ﷺ .
وقد عد العلماء القراءة بغير هذا التجويد لحناً خفياً، لأن المختص بمعرفته وتمييزه هم أهل القراءة الذين تلقوه من أفواه العلماء، وضبطوه من ألفاظ أئمة أهل الأداء.
***
стр. 27
لغة القرآن
الأصلُ فيمن نزل القرآن بلغتهم، قريش، وقد سلف لنا في مبحث اللغة كلام في معنى الإصلاح الذي خلصت به لغتُهم إلى التهذيب، وكيف واروا بينهم في لغات العرب ممن كان
يجتمع إليهم من الحجيج أو ينزل بهم من العرب في كل موسم ومُتَسوق. وكان طبيعياً أن يكون
القرآن بلغة قريش، لأن رسول الله ﷺ قُريشي، ثم ليكون هذا الكلام زعيمَ اللغات كلها كما
استمازت قريش من العرب بجوار البيت، وسقاية الحاج، وعمارةِ المسجد الحرام، وغيرها من خصائصهم؛ وقد ألف العرب أمرهم ذلك واحتملوا عليه وأفردوهم به، فلأن يألفوا مثلَه في كلام الله أؤلى.
وهذه حكمة بالغة في سياسة أولئك الجفاة وتألفهم وضم نشرهم، فإن هذا القرآن لو لم يكن بلسان قريش ما اجتمع له العرب ألبتة ولو كانت بلاغته مما يميت ويحيي، ثم كانواً لا يَعْدون في
اعتبارهم إياه أنه ضَرب من تلك الضروب التي كانت لهم من خوارق العادات، كالسحر والكهانة
وما إليهما، وهو الذي افترته قريش ليصرفوا به وجوه العرب ويميلوا رؤوسهم عن الإصغاء إلى
النبي ﷺ ، فقالوا: ساحر، وكاهن وشاعرَ، ومجنون. وتقوَّلوا من أمثال ذلك يبتغون به أن يحدثوا
في قلوب الناس لهذا الأمر خفة الشأن؛ وأن يهونوا عليهم منه بما هونته العادة، وهم كانوا أعلم بعادات القوم وما يبلغ بهم، حين قعدوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً.
وههنا أصل آخر، وهو أن القرآن لو نزل بغير ما ألفَه النبي ﷺ من اللغة القرشية وما اتصل بها، كان ذلك مَغمزاً فيه، إذ لا تستقيم لهم المقابلة حينئذ بين القرآن وأساليبه، وبين ما يأثرونه من
كلام النبي ﷺ فيهون ذلك على قريش، ثم على العرب، فيجدون لكل قبيلة مذهباً من القول فيه،
فتنشق الكلمة، ثم يصير الأمر من العصبية والمشاحنة والبغضاء إلى حال لا يلتئم عليه أبداً، ولو أن شاعراً من شعرائهم ظهر فيهم بدين خيالي وأقامهم عليه، لكان من الرجاء والاحتمال أن يستجيبوا
له دون صاحب القرآن الذي ينزل عليه بلغة غير لغة قبيلته.
وإنما وطأنا بهذا النبذِ من القول لأن طائفة من الناس يذهبون إلى أن القرآن لو هو قد نزل على النبي ﷺ بغير القرشية، لكان ذلك وجهاً من إعجازه تلتمَس به الحجة ويستبين الظفر، ولخلَّى
عنه العرب فترة وعجزاً. وهو زعم لا يقول به إلا أحد رجلين: من يدري كيف يقول، أو من يقول
ولا يبالي أن يدري أنك مطلعَ منه على جهل وسفَه.
ولما كان الوجه الذي أقبل به القرآن على العرب وجه تلك البلاغة المعجزة، فقد كان من
стр. 28
إعجازه أن يأتيهم بأفصح ما تنتهي إليه لغات العرب جميعاً، وإنما سبيل ذلك من لغة قريش.
وهذه اللغات وإن اختلفت في اللحن والاستعمال، إلا أنها تتفق في المعنى الذي من أجله صار العرب جميعاً يخشعون للفصاحة من أي قبيل جاءتهم، وهذا المعنى هو مناسبة التركيب في أحرف الكلمة
الواحدة. ثم ملاءمتُها للكلمة التي بإزائها، ثم اتساق الكلام كله على هذا الوجه حتى يكون الذي
يُصب في الأذن صبّا، فيجري أضعفهُ في النسق مجرى أقواه، لأن جملته مُفرغة على تناسب واحد.
وقد استوفى القرآن أحسن ما في تلك اللغات من ذلك المعنى، وبان منها بهذه المناسبة العجيبة التي أظهرته على تنوُّعه في الأوضاع التركيبية مظهرَ النوع الواحد وهي مناسبة معجزة في
نفسها، لأن التأليف بين المواد المختلفة على وجه متناسب ممكن، ولكن التأليف بينها على وجه يجمعها ويجمع الأذواق المختلفة عليها كما اتفق القرآن، أمرٌ لا يقول بإمكانه من يعرف معنى الإمكان.
وسنفصل ذلك في موضع هو أملكُ به متى انتهينا إلى القول في حقيقة الإعجاز.
أما اللغات التي نزل بها القرآن غير لغة قريش، فهي لغة بني سعد بن بكر الذين كان النبي ﷺ مُسترضعاً فيهم، وهي إحدى لغات العجُز، من هوازن، ثم سائر هذه اللغات وهي جُشمُ بن بكر،
ونصرُ بن معاوية وثقيف، وتلك هي أفصح لغات العرب جملة، ثم خزاعة، وهذيل، وكنانة، وأسَد وضئة، وكانوا على قرب من مكة يكثرون التردد إليها ومن بعدهم قيس وألفافُها التي في وسط الجزيرة.
قال بعض العلماء: وقد كانت في القرآن ألفاظ من لغات أخرى كقوله:
(لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) أي لا ينقصكم بلغة بني عبس، ونقل الواسطي في كتابه الذي وضعه في القراءات العشر
أن في القرآن من أربعين لغة عربية، وهي: قريش، وهذيل، وكنانة، وخثعَم، والخزرَج، وأشعر، ونمير، وقيس عَيلان، وجُرهُم، واليمن، وأزد شَنوءة، وتميم، وكندة، وحفير، ومَديَن، ولَخم،
وسعد العشيرة، وحضر موت، وسَدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، ومِذحج، وخُزاعة، وغَطفان، وسبأ، وعُمانَ، وبنو حنيفة، وثعلب، وطي، وعمر بن صَغصَعَة، وأوس، ومُزينة، وثقيف، وجذام، وبَلى، وعُذرة، وهوازن، والنَمِر، واليمامة. ١ هـ.
ولا سبيل إلى تحقيق ذلك؛ لدروس هذه اللغات وتداخلها وتقطع أسباب المقارنة بينها وبين لغة قريش التي مضوا على استعمالها بعد القرآن وأطبقوا عليها، والعلماء إنما يذكرون من أكثر هذه
اللغات في القرآن الكلمة والكلمتين، إلى الكلمات القليلة؛ وانظر أين يقع مبلغ ذلك من لغة بجملتها؟
ولقد ائتلفت لغة القرآن الكريم على وجه يستطيع العرب أن يقرأوه بلحونهم وإن اختلفت
стр. 29
وتناقضت؛ ثم بقي مع ذلك على فصاحته وخلوصه. لأن هذه الفصاحة هي في الوضع التركيبي، كما أومأنا إليه آنفاً، وتلك سياسة لغوية استدرج بها العرب إلى الإجماع على منطق واحد ليكونوا
جماعة واحدة، كما وقع ذلك من بعد؛ فجرت لغة القرآن على أحرف مختلفات في منطق الكلام، كتحقيق الهمز وتخفيفه، والمد والقَصر، والفتح والإمالة وما بينهما، والإظهار والإدغام؛ وضم
الهاء وكسرها من عليهم وإليهم، وإلحاق الواو فيهما وفي لفظتي منهمو وعنهمو، وإلحاق الياء في، إليه وعليه وفيه، ونحو ذلك، فكان أهل كل لحن يقرأونه بلَحنهم.
وربما استعمل القرآن الكلمة الواحدة على منطق أهل اللغات المختلفة فجاء بها على وجهين، لمناسبة في نظمه: كَبرَاء، وبريء، فإن أهل الحجاز يقولون: أنا منك براء، لا يعدونها، وتميم وساثر العرب يقولون: أنا منك بريء، واللغتان: في القرآن. وكذلك قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) ،
قوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) فإن الأولى لغة قريش؛ يقولون: أسريت؛ وغيرهم من العرب يقولون:
سريت، وهذا باب من اللغة لم يقع إلينا مستقصى؛ ولكن علماء الأدب ربما أشاروا إلى بعض ألفاظه في كتبهم، كما تصيب من ذلك في " الكامل للمبرد وغيره.
وبالوجوه التي أومأنا إليها تختلف القراءات على حسب الطرق التي تجيء منها؛ فالناقلون عمن قرأ بلغة قبيلة ينقلون بتلك اللغة في الأكثر، ولذا قيل: إن القراءات السبع متواترة فيما لم يكن من قبيل الأداء أما ما هو من قبيله كالمد والإمالة ونحوها فغير متواتر، وهو الوجه المتقبل.
ولقد أحصى علماء القراءة في كتبهم ما ورد من ألفاظ القرآن على أحد تلك الوجوه، ومن
стр. 30
قرأ بها كلها أو بعضها من الأئمة، وهي عناية ليس أوفى منها، ولا يعرف من مثلها لغيرهم ولغير أهل الحديث في أمة من الأمم: غير أنهم - عفا الله عنهم - أسقطوا من كتبهم كل ما يتعلق بالنسبة
التاريخية في اللغات نفسها، إلا ما لا حفل به، وقد أشبعنا القول من هذا المعنى ومن الحسرة عليه في باب اللغة من التاريخ، ولكن القول نهم لا يزال يشره فيسيل به لعاب القلم. . كلما توهم لذة الفائدة وطعمها! .
***
стр. 31
الأحرف السَّبعة
وروى أهل الأثر حديثاً عن رسول الله ﷺ وهو قوله: " أنزلَ القرآنُ على سبعة أحرف، لكل
منها ظَهرٌ وبَطن، ولكل حرف حَد، ولكل حد مطلَع " ثم اختلفوا في تأويله وفي تفسير هذا الأحرف ولكن الأكثرين على أنها سبعُ لغات من لغات قريش وألفافها من ظواهر مكة إلى قيس.
وقد سميناها آنفاً، وذلك قول لا تُخرجُ عليه إلا بعض ألفاظ الحديث ويبقى سائرها غير مُتجه.
وقال بعض العلماء: إني تدبرت الوجوه التي تختلف بها لغاتُ العرب فوجدتها على سبعة،
أنحاء لا تزيد ولا تنقص، وبجميع ذلك نزل القرآن: الوجه الأول إبدالُ لفظ بلفظ: كالحوت بالسمك وبالعكس، وكالعهن المنفوش قرأها ابن مسعود: كالصوف المنفوش، والثاني إبدال
حرف بحرف كالتابوت والتابوه - وقد مَر بك أنها كانت كتابة زيد بن ثابت حتى غيَّرها عثمان ﵁.
- والثالث تقديم وتأخير، إما في الكلمة، نحو: سُلِبَ زيد ثَوبهُ وسُلِب ثوبُ زيد. وإما في الحرف، نحو: أفلم ييأس وأفلم يايس؛
والرابع زيادةُ حرف أو نقصانه، نحو: ماليه وسلطانيَه،
فلا تَكُ في مِريَة؛
والخامس اختلاف حركات البناء، نحو: فلا تحسبن (بفتح السين وكسرها) ،
والسادس اختلافُ الإعراب، نحو: " ما هذا بشراً "،
وقرأ ابن مسعود بالرفع،
والسابع التفخيم والإمالة، وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس اللغة، والتفخيم أعلى وأشهر عند فصحاء العرب، وقد مَرَّ معنى ذلك -
قال: فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغاتُ العرب قد أنزل الله باختلافها القرآن متفرقاً فيه، ليعلم بذلك أن من زَل عن ظاهر التلاوة بمثله أو من تعذر عليه تركُ عادته (اللغوية) فخرج
إلى نحو مما قد نزلَ به فليسَ بمَلوم ولا معاقَب عليه؛ وكل هذا فيما إذا لم يختلف في المعانى. اهـ.
وهو قول حسن يحمل به الحديث على معنى القراءات التي هي في الأصل فروق لغوية،
وإن كان بعض الأحرف قد قرئ بسبعة أوجه وبعشرة، نحو: (مالك يوم الدين) و (عَبْدَ الطاغوت) .
стр. 32
والذي عندنا في معنى الحديث: أن المراد بالأحرف اللغات التي تختلف بها لهجات العرب، حتى يوسع على كل قوم أن يقرؤوه بلحنهم، وما كان العرب يفهمون من معنى الحرف
في الكلام إلا اللغة، وإنما جعلها سبعة رمزاً إلى ما ألفوه من معنى الكمال في هذا العدد،
وخاصة فيما يتعلق بالإلهيات: كالسموات السبع، والأرضين السبع، والسبعةِ الأيام التي بُرئت فيها
الخليقةُ وأبواب الجنة والجحيم، ونحوها، فهذه حدود تحتوي ما وراءها بالغاً ما بلغ؛ وهذا الرمزُ من ألطف المعاني وأدقها: إذ يجعل القرآن في لغته وتركيبه كأنه حدودٌ وأبوابٌ لكلام العرب
كله، على أنه مع ذلك لا يبلغ منه شيء في المعارضة والخلاف، وإن تمادّ العربُ في ذلك إلى الغاية، إذ هو لغات تنزل من أهلها منزلةَ السموات ممن ينظرونها، والأرضينَ ممن يضربون فيها،
وهلم إلى آخر هذا الباب، فذلك قولهم بأفواههم، وهذا قول الله الذي يكابرون فيه ويطمعون أن يسامِتُوه بأقوالهم، وما لهم منه إلا أن يهتدوا به وينتفعون بما فيه كما ينتفعون بالسماء والأرض دون
أن يكون لهم من أمرهما شيء. ثم أشار أفصح العرب ﷺ بظهر كل حرف وبطنه وحده ومطلع كل
حد إلى حقيقة هذا الإعجاز، فإن ظاهر القرآن على أي لغة قرئ بها من لغات العرب إنما هو ظاهر تلك اللغة بعينها، ولكن باطنه صورة السماء في الماء، ومُسميات إلهية لا تنال وإن نيلت
الأسماء، ثم إن لكل لغة في امتزاجها بالقرآن حداً يقف عنده أهلها، وهو الحد الذي تبتدئ منه
стр. 33
الجنسية اللغوية، ولكل حد من هذه الحدود مطلع يصدر منه إلى مرتقى هذه الجنسية التي كان
القرآن أخص مقوماتها، وذلك في جملته إنما هو الإعجاز كله، والهدى كله، والكمال كله.
ولسنا ننكر أن هذا التأويل قد يكون بعيداً بدقائقه عن مُتناول أذهان العرب، ولا أن فيه شبه من الكد، ولكنه على كل حال قريب ممن ورثوا العرب في لغتهم وقصروا عنهم في فهم حقائق
الإعجاز بتقصير الفطرة فيهم، ثم لا بد أن يكون العربُ قد فهموا الحديثَ على نحو مما يؤدي تفسيرنا الذي ذهبنا إليه، إذ لا يعرفون من الحرف وظهره وبطنه؛ والحد والمطلع غير الصفاتِ التي
تتعلق باللغة، ولأمرٍ ما كان كلامُ النبوة خالداً كأنه قيل في كل عصر لأهله وقبيله.
وكأن هذا الزمان إنما هو شاهدٌ يجيء بالبينة على صحة تأويله.
ولو أن هذا الحديث قد جاء تأويله نص على النبي ﷺ يعين المراد منه، لما اختلفت أقوال
العلماء فيه، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم ونأخذ بالأشبه والأمثل مما يوافق القرآن نفسه، وقد أنزله الله الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم: فإن ذهبتَ
مذهبنا؛ وإلا فخذ مما أحببتَ أو دَعْ! .
***
стр. 34
مفردات القرآن
وفي القرآن ألفاظ اصطلح العلماء على تسميتها بالغرائب؛ وليس المراد بغرابتها أنها مُنكرة أو نافِرة أو شاذة، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه، وإنما اللفظة الغريبة ههنا هي التي تكون حسنة
مستغربَة في التأويل؛ بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس.
وجملة ما عدوه من ذلك في القرآن كله: سبعمائة لفظة أو تزيد قليلاً؛ جميعها روي تفسيره بالسند الصحيح عن ابن عباس ﵄ وهو ذلك المعجم اللغوي الحي الذي كانوا
يرجعون إليه، كان ﵀ يقول: الشعر ديوانُ العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي
أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه.
ولقد كان ﵁ يجلس بفناء الكعبة ثم يكتنفه الناس يسألونه عن التفسير وثبته من
كلام العرب، وأسئلة نافع بن الأزرق التي ألقاها عليه وأومأنا إليها في باب الرواية من تاريخ آداب العرب - مشهورة، وقد أجابه عليها ابن عباس، واستشهد لجوابه بنيف وتسعين بيتاً من الشعر
العربي الفصيح، فلا نطيل بسردها؛ فإن الكلام يتسع بما لا فائدة منه إلا معرفة الألفاظ وتفسيرها.
ومنشأ الغرابة فيما عدوه من الغريب أن يكون ذلك من لغات متفرقة، أو تكون مستعملة على وجه من وجوه الوضع يخرجها مُخرَجَ الغريب: كالظلم، والكفر، والإيمان، ونحوها مما نقل عن
مدلوله في لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدَثة، أو يكون سياق الألفاظ، قد دل بالقرينة على معنى معين غير الذي يُفهم من ذات الألفاظ، كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) .
أي فإذا بيناه فاعمل به.
وكان الصحابة ﵃ يسمون فهم هذا الغريب (إعراب القرآن) لأنهم يستبينون معانيه ويخلصونها؛ وقد روى أبو هريرة في ذلك:
" أعربوا القرآن والتمسوا غرائبهُ "
وبهذا الأثر ونحوه مما تأتي فيه لفظة (الإعراب) زعم طائفة من أبناء الطيالسة وطائفة من قومنا الذين في
قلوبهم مرض، أن اللحن - أي الزيغ عن الإعراب - كان يقع من الصحابة في القرآن لعهد النبي ﷺ ،
ضلة من القائلين، وذهاباً إلى معنى (الإعراب) النحوي، ثم غفلة عن لغة الإصطلاح، والاصطلاحُ في أهله ضربَ من الوضع: لا يحمل على كلامهم غير ما حملوه عليه.
стр. 35
وكذلك عد العلماء في القرآن من غير لغات العرب أكثر من مائة لفظة، ترجع إلى لغات الفرس والروم والنبط والحبشة والبربر والسريان والعبران والقِبط، وهي كلمات أخرجتها العرب
على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها فصارت بذلك عربية، وإنما وردت في القرآن لأنه لا يسد مسدها إلا أن توضع لمعانيها ألفاظ جديدة على طريقة الأول، فيكون قد خاطب العرب بما لم
يوقفهم عليه، وما لا يدركون بفطرتهم اللغوية وجه التصرف فيه، وليس ذلك مما يستقيم به أمر
ولا هو عند العرب من معاني الإعجاز في شيء، لأن الوضع يعجز أهله، وهم كانوا أهل اللغة.
ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن: إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني عنها في مواقعها من نظم الآيات، لا إفراداً ولا تركيباً، وهو قول يحسن بعد الذي بيناه.
ومن ألفاظه ما يسميه أهل اللغة بالوجوه والنظائر، والأفراد.
أما الوجوه والنظائر فهي الألفاظ التي وردت فيه بمعان مختلفة: كلفظ الهدى، فإنه فيه على سبعة عشر وجهاً، بمعنى: الثبات، والدين، والدعاء، ونحوها. ومن هذه الألفاظ: الصلاة، والرحمة، والسوء، والفتنة، والروح، وغيرها.
وكلها مما يتبسط في استعماله بوجوه من القرائن
وسياسة القرينة في العربية شريعة من شرائع الألفاظ.
وأما الأفراد فهي ألفاظ تجيء بمعنى مفرد غير المعنى الذي تستعمل فيه عادة، ولابن فارس في إحصاء هذا النوع كتاب قال فيه: كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه الحزن، إلا قوله:
(فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) فمعناه: أغضبونا.
وكل ما فيه من ذكر البروج فهي الكواكب، إلا قوله:
(وَلَؤ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) فهي القصور الطوال الحصينة.
وكل ما فيه من ذكر البر والبحر؛ فالمراد بالبحر: الماء، وبالبر: التراب، إلا قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) فالمراد به البرية والعمران.
وعد من مثل ذلك هو وغيره أشياء؛ فهذا ما يسمونه في لغة القرآن بالأفراد.
***
стр. 36
تأثير القرآن في اللغة
لا نتكلم في هذا الفصل عن الوجوه اللغوية التي ابتدعها القرآن في الكلام فصارت من بعده نهج الألسنة والأقلام، ولا عن وجوه تأثيره باللغة: فإن لكل من ذلك موضعاً هو أملك به، وإنما
نقص لك طرفاً من القول في هذه اللغة كيف ظهرت في آياته للزمان حتى لا يظن أنها لغة عصرها،
وكيف بهرت بغاياته في البيان حتى ليقال إنها لغة دهرها، وكيف جاوز بها قدرها الطبيعي بعد أن صار هو من قدرها.
نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معاً، فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه، إذ النور جملة واحدة وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته، وهو في كل جزء من
أجزائه وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، وبدلت الأرض غير
الأرض، وإنما كان ذلك لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجزاها في ظاهرها على بواطن أسرارها.
فجاء بها في ماء الجمال أملاً من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز، وصوَّرها الحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها به من المطاوعة في تقلب الأساليب، وتحول التراكيب إلى التراكيب، قد أظهرها مظهراً لا
يقضى العجب منه، لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أم صوت الخلود؛ لأنها هي
لغتهم التي يعرفونها، ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح ولا قيصوم، ورقة غير ما انتهى إليهم من أمر الحاضرة.
وهذا معنى ليس أظهر منه في إعجاز القرآن، فإن اللغة لا تشب عن أطوار أهلها متى كانت من غرائزهم، وإنما تكون على مقدارهم ضعفاً وقوة لأنها صورتهم المتكلمة وهم صورتها المفكرة، فهي ألفاظ معانيهم وهم في الحقيقة معاني ألفاظها؛ ولذلك لا تزيد عليهم
ولا ينقصون عنها ما دام رسمهم لم يتغير وما دامت عادتهم لم تنتقل، فإن سنح لامرئ من أهل النظر أن يستدل في لغة من اللغات على آثار أمتها بنوع من القيافة المعنوية؛ كما يستدل صاحب القيافة
النظرية من الأثر في الطريق على مذهب صاحبه لا يخطئه، وعلى بعض صفاته لا يتعداها - فذلك
ممكن لا تهن فيه القوة ولا يبلغ به الإعياء، متى هو تقدم فيه بالذهن الثاقب وتعاطاه بالقريحة النافذة، لأنه يستظهر من اللغة الصفات على الموصوف، ويجعل المعروف قياساً لغير المعروف.
وأنت إذا صبغت يدك بهذا الفن من القيافة اللغوية، وحاولت أن تستخرج من لغة القرآن ما
يصف لك العرب على أخلاقهم وطباعهم ومبلغهم من العلم؛ فإنك تحاول محالاً، وتكابر فيما يأبى عليك وما ليس في الحيلة إليه غير المكابرة، حتى إن الذي لا يعتقد مستبصراً أن هذا القرآن
стр. 37
من عند الله إذا هو نظر فيه وأثبت حقيقته وقوي على تمييزها وكان ممن ينزلون على حكم النظم
والمعرفة، فإنه لا يجد مناصاً من رد التاريخ والتكذيب له، ثم الإقرار بان هذا القرآن إنما هو أثر
من لغة قوم جاوزوا في الحضارة حد أهلها من سائر الأجيال. وبلغوا من أحوال المدنية أرقى هذه الأحوال، وكانوا من العلوم في مقام معلوم، لأن هذا الماء الصافي الذي يترقرق في عبارته، وهذا
النظم الجيد الوثيق، وما اشتمل عليه من بدائع الأوصاف، وما فيه من روائع الحكمة ثم ما احتوى عليه من إشارات المماء إلى الأرض، وضراعة الأرض للسماء، إلى ما حله من معضلات
الاجتماع، وكشفه من وجوه السياستين النفسية والقومية، لا يكون ألبتة في لغة أمة قد أناخت بها أخلاق البداوة في ساقة الأمم حتى عبدت الأصنام، ولم تعرف من الشرائع غير شريعة الإلهام، وما
ملكها من ملوك الدهر غير سلطان الأهام.
فهو إذا قرأ قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَؤ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَؤلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَؤلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَؤلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَؤفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَؤفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) .
نقول: إذا هو قرأ هذه الآيات البينات ثم تدبرها وأحسن حَملها وتأويلها ولم يكن كدِرَ الحس ولا مريض الذوق، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى فيه أمة تضجُّ في الحضارة وتختبط، ومدنية تضطرب في أهلها وتختلط، فلو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم التي أوهاها الترف بلينه، وأخذت في ظن الإثم بيقينه.
ورقت فيها الأعراض وبدأ نسلها في الانقراض، وتغالت في وجوه المدح والذم، وسبح شرف أهلها يغتسل في الدم. وهبَّت فيها الرذائل بأنواعها، ورمتها كل أمة من أمم الأرض بدائها واسترسلت أخلاقَ
الفتنة بين جراثيمها، وأوشك أن يتصل ما بين تقيها وأثيمها.
واجتمعت فيها النقائض اجتماعَ
стр. 38
جوار، لا اجتماع نفار، من الإلحاد والإيمان، والصلة والحرمان، والحب الذي هو كالدين والعبادة إلى البغض الذي هو كالطبيعة والعادة، والائتلاف الذي ليس له تلاف، والإمساك الذي
ليس له مِساك، إلى غير مما هو ألوان صورتها الاجتماعية التي هرِمت وهي مع ذلك تتصابى،
وعلمت وهي على ذلك تتغابى، قلنا: لو أن أولئك النفر أرادوا مخاطبة هذه الأمة على أن يتخولوها بالموعظة، لما أصابوا في غرضهم أسدَّ ولا أحكم ولا أبلغ من تلك الآيات، يعرضونها
على القوم فيبصرونهم صورة مجموعهم في مرآتها، ويعرفونهم مبلغ سيئاتهم من حسناتها؛ وينفضون إليهم جملة الحال في شبه الإيجاز النظري من كلماتها فلو أن ذلك واقع ثم أثرت عن القوم هذه الموعظة ورواها التاريخ بعد الأمَدِ المتطاول، لما استطاع امرؤ ذو علم بالتاريخ وفلسفته
أن ينكر أن المراد بها الأمة الفرنسية بعينها في القرن العشرين بعينه، وانظر أين ما بدأت مما انتهيت؟
وما دام ذلك قد تحققَ في المعاني، وكانت هي سبيلاً إلى الاستدلال عليه، فالاستدلال
بالألفاظ ومسابقتها لتلك المعاني في الدقيق والجليل أيسر وأسهل.
فلا مذهبَ لمن يفهم الكتاب الكريم، ويقف على دفائن الحكمة فيه إلا أن يَدفعَ به المذهب إلى إحدى اثنتين: إما أن يعتقد أنه أنزله الذي يعلم الغيب في السموات والأرض، فجاء كما يراه:
أمراً من أمر الله، وإما أن ينكر هذا ويعتقد أن القرآن الذي بعث به النبي الأمي في أولئك الأميين
إنما وضع في زمن كانت فيه الأمة العربية غيرَ نفسها، وكانت بالغة ما شاء الله من علم وجهل،
وحضارة وبداوة، وصلاح وفساد؛ إذ يجد ما يصف كل ذلك على حقيقته الصريحة في القرآن.
وأيهما أنكر وأيهما أقرَّ، فإنه سبيل الحجة إليه ينحوها، وهو يظن أنه يمحوها. ويكشفها، ويحسب أنه يكسفها (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) . . . .
ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن قد جمع أولئك العربَ على لغة واحدة، بما استجمع فيها من محاسن هذه الفطرة اللغوية التي جعلت أهلَ كل لسان يأخذون بها ولا يجدون لهم عنها مَرغَباً، إذ يرونها كمالاً لما في أنفسهم من أصول تلك الفطرة البيانية، مما وقفوا على حد الرغبة
فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه. ومن شأن الكمال المطلوب إذا هو اتفق في شيء من الأشياء - كهذا الكمال البياني في القرآن - أن يَجمع عليه طالبيه مهما فرقت بينهم الأسبابُ المتباينة، والصفات المتعادية؛ ولولا ذلك ما سهل أن تنقاد الجماعات في أصل تكوينها منذ البدء
انقياداً يكون عنه هذا الأثر الوراثي في طاعة الأمم لشرائعها؛ ثم لملوكها وأمرائها، مع ما تُسام
стр. 39
الأمة لذلك في باب من أبواب الإمرَةِ والحكم والتسلط، كما أن من شأن النقصِ إذا تمثل في شيء
أن يزيد في تفريق من يفترقون عنه إذا توهموه، حتى تتسعَ بينه وبينهم الغاية.
وقد كان العرب على حال يتوهم فيها كل قبيل منهم أنه أسلمُ فطرة في اللغة وأبينُ مذهباً في البيان، لأنهم لا يجدون من ذلك إلا أمثلة ترجع إلى الفطرة وتختلف باختلافها، ولا يجدون
المثال الفطري الكامل الذي تُقاس إليه القدرةُ والعجزُ في ذلك قياساً لا يلتاث ولا يختلف، ولا يحط من صنف حَقه أن يزاد فيه، ولا يزيد في صنف حَقه أن يحط منه.
ومن أعضل الأمور وأشدها التباساً أن يكون امرؤ من الناس قادراً على أن يقيس ببيانه، أو علمه بمذاهب البيان - قدرة أقوام وعجزهم في أمر معنوي كاللغة، متى كانت مذاهبهم إلى أنواع
من الاختلاف في القدرة والعجز، وخاصة إذا كان أمر اللغة فيهم إلى السليقة والفطرة، فإن من ينتصب لذلك وإن أرادَ أن يَسقط، وحاول أن لا يحول - فهو لا بد مخطىء تعيين المراتِب في
المقدار الفاضل، وتعيين ما يقابلها في المقدار المفضول، ثم مخطىء في تمييل الحكم بين المقدارين، ولا يجيء من رأيه إلا بما تعرض فيه الخصومة أو تطول، لأن قياس مثل ذلك من الفطرة لا يتهيأ إلا بعمل يحتوي كل دقائقها وما يمكن أن تبلغ إليه من الكمال المطلق الذي هو
الحدّ الأعلى في طبيعة تركيبها، ومثل هذا لا يكون ألبتة من إنسان ينزل على حكم هذه الفطرة
نفسها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن قابل الكمال لا يكون في نفسه حداً للكمال، ومن أجل
هذا كان رسول الله ﷺ مع أنه أفصح ذي لسان وأبلغُ ذي لبٍّ، لا يقاس كلامه بالقرآن، ولا يقع
منه إلا كما يقع سائر الكلام، مع أنه بين كلام الناس الغاية التي ليس بعدها ما يقال فيه إنه بعدها،
كما ستقف عليه في موضعه.
فيلزم من ذلك أن يكونَ القياس الذي أشرنا إليه أمراً فوق الطبيعة وليس فوقها الا أمر الله، وهو القائل :
(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) .
وينبغي لك أن تطيل النظر في قوله تعالى: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) وتقف على موقع هذا الفصل من الآية، وتتأمل لفظة (العِوَج) فضل تأمل، فإنك لا تثير دفائنها البيانية إلا إذا حملتها على ما ذهبنا إليه.
فتراها تصف القرآن بأنه فطرةُ هذه الفطرة العربية نفسها. وإنها لكلمة من الوصف الإلهي ترجح في موقعها بالكلام الإنساني كله.
فقد وضح لك أنه لولا القرآن وأسراره البيانية ما اجتمع العرب على لغته، ولو لم يجتمعوا لتبدَّلت لغاتهم بالاختلاط الذي وقع ولم يكن منه بد، حتى تنتقض الفطرة وتختبل الطباع، ثم يكون مصير هذه اللغات إلى العفاء لا محالة، إذ لا يخلفهم عليها إلا من هو أشد منهم اختلاطاً
стр. 40
وأكثرُ فساداً، وهكذا يتسلسل الأمر حتى تستبهِم العربية فلا تبِين - وهي أفصح اللغات - إلا بضرب
من إشارة الآثار، وتنزل منزلة هذا (الهير غليف) الذي قبره المصريون في الأحجارِ وأحيَته هذه الأحجار.
وذلك، معنى من أبين معاني الإعجاز، إذ لا تجده اتفق في لغة من لغات الأرض غير العربية، وهو لم يتفق لها إلا بالقرآن، ولقد كان أسلوبه البياني الذي جمع له العرب هو الذي
اقتضى ما أحدثه العلماء بعد ذلك من تتبع اللغات وتدوينها ورواية شواهدها، والتحفُلِ لها؛ فكان صنيعهم صلة بين اللغة وبين العلوم التي أفرغت عليها من بعد، لأن لغة من اللغات لا تحيا ولا
تموت إلا بحسب اتصالها بمادة العلم الذي به حياة أهلها وموتهم، وهي لا يلبسها العلم إلا إذا كانت قشيبة محكمة، لا تضيق عن أنواعه وفروعه ولا يخلقها الاستعمال.
وإنما شباب هذه الحياة اللغوية أن تكون اللغة لينة شديدة كما يكون كمال الإنسان بقوة الخلق والخلق: وهذا وجه لو لم يقمها عليه القرآن لما استقامت أبداً، ولا وقفت على طريقه، ولا
تلاقى فيه آخرها باولها، لما أومأنا إليه.
وسنزيد هذا لمعنى بياناً إن شاء الله.
ويبقى وجه آخر من تأثير القرآن في اللغة، وهو إقامة أدائها على الوجه الذي نطقوا به،
وتيسير ذلك لأهلها في كل عصر، وإن ضعفت الأصول واضطربت الفروع، بحيث لولا هذا الكتاب الكريم لما وجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل اليوم كيف كانت تنطق
العرب بألسنتها وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها.
وهذا أمر يكون في ذهابه ذهاب البيان العربي جملتِه أو عامته، لأن مبناه على أجراس الحروف واتساقها، ومداره على الوجه الذي تؤدى به الألفاظ، وأنت قد ترى الضعفاء الذين لا يحكِمون منطقَهم وما يصنعون بالأساليب المدمَجة والفِقر المتوثقة إذا هم تعاطوها فنطقوا بها،
حتى ليصير معهم أجود الكلام في جزالته وقوة أسرِه وصلابة معجمِهِ إلى الفسولة والضعفِ، وإلى البرد والغثاثةِ، كأنما يموت في ألسنتهم موتاً لا رحمة فيه. .
لا جَرَم أن اللغة التي يذهب منها ذلك لا ينطق بها إلا على الحكاية السقيمة، ولا جرم أن بعض السقم يدفع إلى بعضه، وأن جملة ذلك تفضي إلى الموت.
فهذه معافي سامية غريبة انفردت بها العربية، ولولا القرآن ما كانت فيها وما ينبغي لها بكلام غيره؛ إذ ليس في غيره ما يبلغ أن يكون حداً للكمال اللغوي في الفطرة، فيتعلق بمثل أثره في العرب وأحوالهم وتاريخهم، أو يقع من ذلك على مقدار مقسوم، أو يكون له فيه حق معلوم.
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَؤ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) .
صدق الله العظيم، ومن أصدق من اللهِ قيلا؟!! .